الإنجيل كيف كتب؟ وكيف وصل إلينا؟

القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير

كاهن كنيسة السيدة العذراء الأثرية بمسطرد

مقدمة

الفصل الأول: الإنجيل ونوع الوحى فيه

الفصل الثانى: إعلان الله فى الإنجيل "إعلان الآب فى الابن"

الفصل الثالث: إعلان الله فى الإنجيل (إعلان ملكوت الله"

الفصل الرابع: تلاميذ المسيح ورسله

الفصل الخامس: الإنجيل الشفوى والتسليم الرسولى

الفصل السادس: جوهر التسليم الرسولى "الأخبار السارة"

الفصل السابع: الإنجيل المكتوب

الفصل الثامن: الأناجيل الثلاثة الأولى "المتفقة"

الفصل التاسع: وحى الإنجيل وقانونيته

الفصل العاشر: الأناجيل الأربعة

أولاً: الإنجيل للقديس متى

ثانياً: الإنجيل للقديس مرقس

ثالثاً: الإنجيل للقديس لوقا

رابعاً: الإنجيل للقديس يوحنا

المراجع

 

مقدمة

هذا الكتاب هو الجزء الثالث من سلسلة الكتاب المقدس والنقد الحديث، ويتناول بالدراسة والبحث موضوع الإنجيل فى جوهره، ويقدم دراسة وافية وشاملة للتعريف بالإنجيل ومعناه ومحتواه وجوهره وإعلان الله فيه ونوع الوحى، ويوضح دور السيد المسيح فيه، ويشرح تعليمه وأقواله وأعماله، كما يوضح العلاقة بين السيد المسيح نفسه والإنجيل والوحى، فهل الإنجيل كتاب نزل عليه من السماء؟ أو هل هو نصوص وآيات قدسيه حملها إليه ملاك من منبع الوحى فى السماء؟ أم هو شخص حى نزل من السماء، وشخص حى صعد إلى السماء؟ وماذا كان دور التلاميذ وعملهم بالنسبة للسيد المسيح؟ ولماذا أختارهم؟ وماذا كان توصيفهم بالنسبة للسيد المسيح، وبالنسبة للأنبياء والرسل السابقين؟ ما هو الروح القدس؟ ومن هو الباراقليط؟ ماذا قال عنه السيد المسيح؟ وما هى طبيعته وجوهره؟ وما هو عمله فى الكنيسة الأولى، وفى الرسل، وفى الكرازة، وفى الإنجيل؟ كيف حمل الرسل الإنجيل وكرزوا به؟ ومتى فكروا فى جمعه وتدوينه؟ ومتى كُتب؟ ولماذا؟ وأين؟ ولمن؟ وما هى الأناجيل المتفقة؟ وماهى أوجه الاتفاق والتميز بينهم؟ وما هى علاقة الأناجيل الأربعة ببعض؟ وما هى علاقتها ببقية أسفار العهد الجديد؟ كيف قُبلت الأناجيل وبقية أسفار العهد الجديد فى الكنيسة الأولى بعد تدوينها؟ وكيف تقررت قانونية كل سفر فيها؟ وما هى أراء النقاد؟ وما هى افتراضاتهم ونظرياتهم وأهم آرائهم؟ ما هو موقف الكنيسة فى الماضى والحاضر؟ ماذا قال آباء الكنيسة منذ سنة 95م إلى نهاية القرن الرابع؟ وكذا كان رأى النقاد فى كتاباته هؤلاء الآباء؟

وفى الحقيقة فهذا الموضوع تناوله رجال الكنيسة وعلماؤها، وبصفة خاصة فى الغرب، كما تناوله النقاد بمختلف ميولهم واتجاهاتهم وأديانهم، فى الغرب والشرق، وهذا الكتاب يقدم خلاصة وأفكار ونظريات جميع الاتجاهات ولكن بروح أباء الكنيسة ومدافعيها القديسين العظماء من أمثال يوستينوس وإيريناؤس وأثناسيوس الرسولى وكيرلس عمود الدين.

وقبل البدء فى قراءته أتمنى من الله أن يأتى هذا الكتاب والفائدة المرجوة ببركة العذراء القديسة مريم وصلوات قداسة البابا شنودة الثالث الأستاذ والمعلم الأول لهذا الجيل، ونيافة الحبر الجليل الأنبا مرقس أسقف شبرا الخيمة وتوابعها.

عيد الميلاد المجيد

29 كيهك 1710

7 يناير 1994

القس عبد المسيح بسيط أبو الخير

الفصل الأول

الإنجيل ونوع الوحى فيه

 

1- معنى كلمة إنجيل:

كلمة "إنجيل فى اللغة اليونانية "إيوا نجليون euangelion" وتعنى بصورة عامة "الأخبار السارة" أو "البشارة المفرحة"(1) good News. وقد أخذت كما هى تقريباً فى اللاتينية والقبطية "إيفا نجليون evangelion" وبنفس المعنى ويرادفها فى اللغة العبرية "بشارة" أو "بشرى" وقد وردت فى العهد القديم ست مرات بمعنى البشارة أو البشرى بأخبار سارة(2) أو المكافأة على أخبار سارة. ويرادفها فى اللغة العربية أيضاً "بشارة" كما تنطق أيضاً "إنجيل"(3).

وتعنى كلمة "إنجيل" فى العهد الجديد وبصفة خالصة فى الأناجيل الأربعة "بشارة الملكوت"(4)، "بشارة ملكوت الله"(5) الذى جاء فى شخص المسيح وبشر به:

"وكان يسوع يطوف كل الجليل ويُعلم فى مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفى كل مرض وكل ضعف فى الشعب"(6)،

"ويكرز ببشارة الملكوت هذه فى كل المسكونة شهادة لجميع الأمم"(7)،

والكلمة المترجمة "بشارة" فى هذه الآيات هى "إيوانجليون" أى "إنجيل الملكوت" كما ترجمت بشارة" و "إنجيل" فى آية واحدة:

"جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله. ويقول قد كمل الزمان وأقترب ملكوت الله. فتولوا وآمنوا بالإنجيل"(8).

هذا "الإنجيل" أو هذه "البشارة" هو "إنجيل المسيح" وقد تكررت عبارة "إنجيل المسيح"(9) و"إنجيل ربنا يسوع المسيح"(10) و "إنجيل أبنه"(11) أى ابن الله، 14 مرة فى رسائل القديس بولس الرسول فى الكلام عن البشارة بالمسيح:

"أنى من أورشليم وما حولها إلى إلليريكون قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح"(12)،

"جلت إلى ترواس لأجل إنجيل المسيح"(13)،

"عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح"(14).

وهذا الإنجيل ليس مجرد رسالة حملها المسيح إلى العالم بعد أن نزلت عليه من السماء سواء عن طريق الوحى أو بواسطة ملاك أو فى حلم أو فى رؤيا أو بوسيلة أخرى كما حدث مع أنبياء العهد القديم "الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة"(15)، وإنما هو شخص وعمل وتعليم المسيح نفسه "جميع ما أبتدأ يسوع يفعله ويعلم به إلى اليوم الذى أرتفع فيه"(16)، فالمسيح هو ذاته الرسالة، محورها وجوهرها، هدفها وغايتها، كما أنه هو أيضاً حاملها وبعثها ومقدمها إلى العالم، فالإنجيل ليس نصوصاً نزلت على المسيح من السماء، وليس وحياً أوحى إليه أو رؤيا رآها أو حلماً حلم به، ولا هو رسالة سمائية نقلت إليه بواسطة ملاك من السماء ولا كان بينه وبين الله وسيط من أى جنس أو نوع، إنما هو شخص المسيح ذاته، عمله وتعليمه، فهو نفسه كلمة الله النازل من السماء، وكلمة الله هو الله الذى نزل من السماء فى "ملء الزمان" وحل بين البشر:

"فى البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. كل شئ به كان وبعيره لم يكن شئ مما كان... والكلمة صار (أتخذ) جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً..."(17)،

"ولما جاء ملء الزمان أرسل الله أبنه مولوداً من امرأة"(18)،

"الذى إذ كان فى صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون مساوياً لله. لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً فى شبه الناس. وإذ وجد فى الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع.."(19)،

"أجاب يسوع وقال لهم هذا هو عمل الله أن تؤمنوا بالذى هو أرسله... الحق أقول لكم ليس موسى أعطاكم الخبز من السماء بل أبى يعطيكم الخبز الحقيقى من السماء. لأن خبز الله هو النازل من السماء الواهب حياة للعالم... أنا هو خبز الحياة. من يقبل إلى فلا يجوع ومن يؤمن بى فلا يعطش أبداً... كل ما يعطينى الآب فإلى يقبل ومن يقبل إلى لا أخرجه خارجاً. لأنى قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتى بل مشيئة الذى أرسلنى. وهذه مشيئة الآب الذى أرسلنى أن كل ما أعطانى لا أتلف منه شيئاً بل أقيمه فى اليوم الأخير. لأن هذه مشيئة الذى أرسلنى إن كل من يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة أبدية وأنا أقيمه فى اليوم الأخير.. ليس أن أحداً رأى الآب إلا الذى من الله. هذا قد رأى الآب. الحق الحق أقول لكم من يؤمن بى فله حياة أبدية"(20).

والإنجيل هو أيضاً "البشارة المفرحة" والخبر السار" good News المقدم للعالم كله فى شخص المسيح النازل من السماء ليقدم الخلاص والفداء للعالم أجمع ولينقذ البشرية من الهلاك الأبدى:

"هكذا أحب الله العالم حتى بذل أبنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لأنه لم يرسل الله أبنه إلى العالم ليدين العالم بل ليخلص به العالم. الذى يؤمن به لا يدان والذى لا يؤمن قد دين لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد"(21).

"هوذا حمل الله الذى يرفع خطية العالم"(22)،

"هذا هو بالحقيقة المسيح مُخلص العالم"(23)،

"أنا قد جئت نوراً للعالم حتى كل من يؤمن بى لا يمكث فى الظلمة... لأنى لم آت لأدين العالم بل لأخلص العالم"(24)،

ينبغى أن يكرز بالإنجيل أولاً لجميع الأمم"(25)،

"أذهبوا إلى العالم أجمع وأكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها. من آمن وأعتمد خلص ومن لم يؤمن يدان"(26)،

ويكرز ببشارة الملكوت هذه فى كل المسكونة شهادة لجميع الأمم"(27).

والخلاصة هى أن كلمة إنجيل سواء فى الأناجيل الأربعة أو فى كل العهد الجديد أو فى المسيحية بصفة عامة تعنى كما عبر بالروح القدس القديس لوقا الإنجيلى:

"جميع ما أبتدأ يسوع يفعله ويُعلم به إلى اليوم الذى أرتفع فيه"(28).

والسيد المسيح يوحد بين ذاته وبين الإنجيل ويعتبر أن ما له هو ما للإنجيل وما للإنجيل هو له، فيقول "من يهلك نفسه من أجلى ومن أجل الإنجيل فهو يخلصها"(29)، "لأجلى ولأجل الإنجيل"(30). وعندما سكبت امرأة الطيب على رأسه قال: "حيثما يكرز بهذا الإنجيل فى كل العالم يخبر بما فعلته المرأة تذكاراً لها"(31). الإنجيل هو شخص وعمل وتعليم السيد المسيح، فهو ذاته الرسالة النازلة من السماء وهو أيضاً الرسول الذى قدم الرسالة بذاته وفى ذاته. هو نفسه جوهر هذه الرسالة ومضمونها:

"أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتى إلى الآب إلا بى. لو كنتم عرفتمونى لعرفتم أبى أيضاً. ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه ... الذى رآنى فقد رأى الآب ... أنا فى الآب والآب فى(32)".

 

2- الوحى والسيد المسيح:

الإنجيل، كما بيّنا ليس هو رسالة أو نصوص دينية نزلت على المسيح من الماء كما هو الحال فى أسفار أنبياء العهد القديم والذين أعلن الله عن ذاته وأرسل رسالاته إلى الأرض بواسطتهم وعن طريقهم وذلك بطرق الوحى المتنوعة مثل الرؤى والأحلام والتكلم مع بعض الأنبياء كموسى "فماً إلى فم"؛ إن كان منكم نبى للرب فبالرؤيا أستعلن له فى الحلم أكلمه. أما عبدى موسى... فماً إلى فم أتكلم معه وعياناً أتكلم معه لا بالألغاز"(33)، "وكلمت الأنبياء وكثرت الرؤى وبيد الأنبياء مثلت أمثالاً"(34)، ومثل إرسال الملائكة برسالات محدده أو عن طريق الوحى بالروح مثلما أوحى الله لنوح ببناء الفلك(36). إنما الإنجيل هو ما عمله وعلمه المسيح ذاته، والمسيح لم تنزل عليه رسالة من السماء بل هو ذاته نزل من السماء، فهو نفسه "كلمة الله الذاتى" و "صورة الله غير المنظور" و "بهاء مجده (الله الآب) ورسم جوهره"، وقد كلمنا الله به وفيه ومن خلاله مباشرة:

"الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة. كلمنا فى هذه الأيام الأخيرة فى ابنه الذى جعله وارثاً لكل شئ الذى به أيضاً عمل العالمين الذى وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته"(37).

ولن المسيح هو كلمة الله الذاتى النازل من السماء فهو أعظم من الملائكة الذين حملوا رسالات السماء إلى الأنبياء وأعظم من الأنبياء الذين حملوا رسالات السماء إلى البشرية، والفرق بينه وبينهم هو الفرق بين "ابن الله" وخدام الله وعبيده. يقول الكتاب عن الفرق بينه وبين الملائكة:

أنه "أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث اسما أفضل منهم. لمن من الملائكة قال قط أنت أبنى أنا اليوم ولدتك. وأيضاً أنا أكون له أباً وهو يكون لى أبناً. وأيضاً متى أدخل البكر إلى العالم يقول ولتسجد له كل ملائكة الله. وعن الملائكة يقول الصانع ملائكته رياحاً وخدامه لهيب نار. وأما عن الابن كرسيك يا الله إلى دهر الدهور... ثم لمن من الملائكة قال قط أجلس عن يمينى حتى أضع أعدائك موطناً لقدميك. أليس جميعهم أرواحاً خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص"(38).

فالمسيح هو الأعز وهو الابن، ابن الله، والبكر الذى تسجد له جميع ملائكة الله، والجالس عن يمين الله الآب، بينما الملائكة هم أرواحاً خادمة وساجدة للسيد المسيح.

ويقول الوحى الإلهى عن الفرق بين المسيح والأنبياء فى المقارنة بين موسى أعظم أنبياء العهد القديم وبين المسيح "حسب أهلاً لمجد أكثر من موسى بمقدار ما لبانى البيت من كرامة أكثر من البيت... وموسى كان أميناً فى كل بيته كخادم شهادة للعتيدان يتكلم به. وأما المسيح فكأبن على بيته"(39). موسى خادم فى بيت الله وإنما المسيح هو ابن الله وصاحب البيت ذاته..

الفرق بين المسيح وبين الملائكة والأنبياء هو الفرق بين "الابن" و "الوارث" و "صاحب البيت" وبين الخدام والعبيد فى ليت الله، بين أبن الله وخدام وعبيد الله. ويبين لنا السيد المسيح نفسه الفرق بينه كابن الله وبين الأنبياء كخدام الله وعبيده فى مثل الكرم والكرامين الأردياء:

"كان إنسان رب البيت غرس كرماً وأحاطه بسياج... وسلمه إلى كرامين وسافر. ولما قرب وقت الأثمار أرسل عبيده إلى الكرامين ليأخذوا أثماره. فأخذ الكرامون عبيده وجلدوا بعضاً وقتلوا بعضاً قائلاً يهابون أبنى. وأما الكرامون فلما رأوا الابن قالوا فيما بينهم هذا هو الوارث هلموا نقتله ونأخذ ميراثه. فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم وقتلوه"(40).

السيد المسيح يصف الله الآب هنا ب "صاحب الكرم" ويصف الأنبياء "بالعبيد" وقادة إسرائيل "بالكرامين الأردياء" ويصف نفسه ب "الابن، أبنه، أبنى، الوارث، أى أبن الله".

ولأنه ابن الله بينما الملائكة والأنبياء هم خدام الله وعبيده، فقد وصف نفسه بأنه "الأعظم"، أعظم من الملائكة وأعظم من الأنبياء بل "وربهم" جميعاً؛ فقال إنه "أعظم من يوحنا المعمدان"(41) و "أعظم من يونان"(42) النبى، و "أعزم من سليمان"(43)، و "أعظم من يعقوب"(44)، و "أعظم من إبراهيم" "ورب" إبراهيم "قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن"(45)، و "أعظم من داود" و "رب" داود "وفيما كان الفريسيون مجتمعين سألهم يسوع قائلاً: ماذا تظنون فى المسيح. ابن من هو؟ قالوا ابن داود. قال لهم فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلاً قال الرب لربى.. فإن كان داود يدعوه رباً فكيف يكون أبنه؟"(46)، كما وصف نفسه بأنه "أعظم من الهيكل"(47). فهو الأعظم فى السماء وعلى الأرض والمسجود له من جميع الخلائق فى السماء وعلى الأرض "لكى تجثوا بأسم يسوع كل ركبة ممن فى السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض. ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب"(48). وكان هو رجاء جميع الأنبياء وقد تنبئوا جميعاً عنه فى كل أسفارهم "ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به فى جميع الكتب... مكتوب عنى فى ناموس موسى والأنبياء والمزامير"(49)، وجميع الأنبياء اشتهوا أن يروه وأن يسمعوه "أن أنبياء وأبراراً كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا. وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا"(50). وهذا ما أعلنه هو ذاته.

وبالتالى فقد كانت رسالته مختلفة عن جميع الأنبياء، وكان شخصهن هو، هدف وغاية رسالات الأنبياء، وكما كان هو غاية إعلانات السماء والإعلان السمائى الأخير، والذى فيه تجلى الله على الأرض ظهر فى الجسد، فقد كان الإنجيل، إنجيله، إنجيل المسيح، هو محور وجوهر وخلاصة وختام الوحى الإلهى والنبوة "فإن شهادة يسوع هى روح النبوة"(51).

 

3- الإنجيل، جوهره ومضمونه:

الإنجيل، كما بينا، ليس هو مجرد نصوص نزلت من السماء، إنما هو شخص وعمل وتعليم المسيح ذاته، والمسيح ليس مجرد نبى نزل عليه وحى من السماء وإنما هو كلمة الله الذاتى الذى نزل من السماء وأتخذ صورة العبد وظهر فى الجسد الإنسانى فى ملء الزمان. كما أن الإنجيل لا يحتوى على مجرد تعاليم أو نواميس أو شرائع وإنما يقدم "بشارة الخلاص الأبدى" لك البشرية فى كل العصور والأزمنة، فى شخص وعمل المسيح النازل من السماء والإيمان به "كأبن الله الوحيد النازل من السماء ليعطى حياة أبدية للعالم". يقول القديس يوحنا الإنجيلى، بالوحى، عن محتوى وجوهر الإنجيل الذى دونه بالروح القدس:

"وآيات أخرى كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تُكتب فى هذا الكتاب (الإنجيل بحسب ما كتب يوحنا). وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله ولكى تكون لكم إذا أمنتم حياة بأسمه"(52).

ويقول عن جوهر ومحور الكرازة الإنجيلية، أو الرسالة المسيحية:

"الذى كان من البدء الذى سمعناه الذى رأيناه بعيوننا الذى شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فإن الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التى كانت عند الآب وأظهرت لنا. الذى رأيناه وسمعناه نخبركم به كل يكون لكم أيضاً شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهى مع الآب ومع أبنه يسوع المسيح"(53).

"وهذه هى وصيته (الله الآب) أن نؤمن بأسم ابنه يسوع المسيح"(54)،

"بهذا أظهرت محبة الله فينا أن الله قد أرسل أبنه الوحيد إلى العالم لكى نحيا به.فى هذا هى المحبة ليس أننا أحببنا الله بل هو أحبنا وأرسل أبنه كفارة لخطايانا... ونحن قد نظرنا ونشهد أن الآب قد أرسل الأبن مخلصاً للعالم. من أعترف أن يسوع هو ابن الله فالله يثبت فيه وهو فى الله"(55)،

"إن كنا نقبل شهادة الناس فشهادة الله أعظم لأن هذه هى شهادة الله التى قد شهد بها عن ابنه. من يؤمن بأبن الله فعنده الشهادة فى نفسه. من لا يعرف الله فقد جعله كاذباً لأنه لم يؤمن بالشهادة التى قد شهد بها الله عن أبنه. وهذه الشهادة أن الله أعطانا حياة أبدية وهذه الحياة هى فى أبنه. من له الأبن فله الحياة ومن ليس له ابن الله فليست له الحياة"(56)،

"يا أولادى أكتب إليكم هذه لكى لا تخطئوا. وان أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط بل لخطايانا كل العالم أيضاً"(57).

 

4- آلام المسيح وصلبه وقيامته، جوهر البشارة:

قال السيد المسيح لتلاميذه بعد قيامته: "هذا هو الكلام كلمتكم له وأنا بعد معكم انه لابد أن يتم جميع ما هو مكتوب عنى فى ناموس موسى والأنبياء والمزامير. حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب. وقال لهم هكذا هو مكتوب وهكذا كان ينبغى أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات فى اليوم الثالث. وان يكرز بأسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم مبتدأ من أورشليم. وأنتم شهود لذلك"(58).

وهو بهذا يوضح لنا جوهر البشارة الأبدية، الإنجيل الأبدى، الأخبار السارة والتى سبق أن أعلن عنها الوحى الإلهى فى جميع أسفار الأنبياء، وهى أنه لابد أن يقدم المسيح ذاته على الصليب ويسفك دمه نيابة عن كل البشرية، من يؤمن به من البشر، يقدم ذاته كفارة عن خطايا العالم وفدية عن الخطاة "هكذا أحب الله العالم حتى بذل أبنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به ب لتكون له الحياة الأبدية"(59)، "فإذ ذلك (المسيح) كان يجب أن يتألم مراراً كثيرة منذ تأسيس العالم ولكنه الآن قد أظهر مرة عند انقضاء الدهور ليبطل الخطية بذبيحة نفسه، وكما وضع للناس أن يموتوا مرة ثم بعد الدينونة. هكذا المسيح أيضاً بعدما قدم مرة لكى يحمل خطايا كثيرين سيظهر ثانية بلا خطية للخلاص للذين ينتظرونه"(60)، فإذ لنا أيها الأخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع طريقاً كرسه لنا حديثاً بالحجاب أى جسده"(61)، "نحن مقدسون بتقديم جسد يسوع المسيح مرة واحدة"(62).

مما سبق يؤكد لنا أن جوهر البشارة هو ما قدمه المسيح للعالم، وهذا ما سبق أن تنبأ به وأعلنه أنبياء العهد القديم، وما قدمه المسيح للعالم هو جسده الذى فيه تألم وصلب ومات وقدم كفارة وفداء وخلاص للعالم أجمع، لكل يؤمن. وهذا ما نادت به الكنيسة منذ لحظة ميلادها يوم الخمسين:

"وأما إله فما سبق وأنبأ به بأفواه جميع أنبيائه أن يتألم المسيح تممه هكذا. فتوبوا وأرجعوا لتمحى خطاياكم ولكى تأتى أوقات الفرج من عند الرب. ويرسل آخر تحت السماء قد أعطى بين الناس به ينبغى أن نخلص"(63).

والآيات أيها الأخوة بالإنجيل الذى بشرتكم به وقبلتموه وفيه تقومون وبه أيضاً تخلصون... فإننى سلمت إليكم فى الأول ما قبلته أنا أيضاً أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب. وأنه دفن وأنه قام فى اليوم الثالث حسب الكتب"(64)، "إنجيل الله الذى سبق فوعد به أنبيائه فى الكتب المقدسة عن أبنه. الذى صار من نسل داود من جهة الجسد وتعين ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات... يسوع المسيح ربنا... الله الذى أعبده بروحى فى إنجيل أبنه... لأنى لست أستحى بإنجيل المسيح لأنه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن... لأن فيه معلن بر الله"(65)،

"ولكن إن كان إنجيلنا مكتوماً فإنما هو مكتوم فى الهالكين الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضئ لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذى هو صورة الله. فإننا لسنا نكرر بأنفسنا بل بالمسيح يسوع رباً ولكن بأنفسنا عبيداً لكم من أجل يسوع. لأن الذى قال أن يشرق نور من ظلمة هو الذى أشرق فى قلوبنا لمعرفة مجد الله فى وجه يسوع المسيح"(66)، "إنه بإعلان عرفنى بالسر... سر المسيح... كما قد أعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائه بالروح. أن الأمم شركاء فى الميراث والجسد ونوال موعده فى المسيح بالإنجيل"(67).

"الذى هو (المسيح) قبل كل شئ وفيه يقوم الكل... لأنه فيه سر، أن يحل كل الملء "ملء اللاهوت"(68). وأن يصالح به الكل لنفسه عاملاً الصلح بدم صليبه... قد صالحكم الآن فى جسم بشريته بالموت ليحضركم قديسين وبلا لوم ولا شكوى أمامه إن ثبتم على الإيمان متأسين وراسخين وغير منتقلين عن رجاء الإنجيل الذى سمعتوه المكروز به فى الخليقة التى تحت السماء"(69)،

"مخلصنا يسوع المسيح الذى أبطل الموت وأنار الحياة والخلود بواسطة الإنجيل"(70)،

الإنجيل إذاً هو غنى مجد المسيح صورة الله غير المنظور، نور المسيح الذى يشرق فى القلوب قوة الله للخلاص بالمسيح، الخلود والحياة الأبدية فى المسيح، عمل الله فى المسيح الذى سبق أن وعد به أنبياء فى القديم بالروح القدس "الخلاص الذى فتش وبحث عنه أنبياء الذين تنبأوا عن النعمة بالآلام التى للمسيح والأمجاد التى بعدها"(71). أنه البشارة بالخلاص الأبدى البشارة المفرحة والخبر السار بالحياة الأبدية فى المسيح، بشارة الخلود والحياة الأبدية فى المسيح. ويمكن أن نلخص الإنجيل بعبارة واحدة هى: "إنجيل المسيح"،

"وأما أنا فقد آتيت ليكون لهم حياة وليكون لهم أفضل"(72).

وهكذا كان جوهر ومحور الكرازة المسيحية هو البشارة بالمسيح":

"وكانوا لا يزالون كل يوم فى الهيكل وفى البيوت معلمين ومبشرين بيسوع المسيح"(73)،

"وابتدأ من هذا الكتاب (سفر إشعياء) فبشره بيسوع"(73).

 

---

(1) استخدمت كلمة "إنجيل" فى الشعار هو ميروس الشاعر اليونانى صاحب الإلياذة والأوديسا (ق8و9ق.م) بمعنى مكافأة لأخبار سارة ثم استخدمت منذ أيام ارستوفانيس (450 – 388ق.م) بمعنى "الاحتفال بالأخبار السارة" وكانت تعبر عن أخبار النصر فى الحروب، فكان الرسول الحامل لبشارة النصر يرفع حربته وهى مكللة بالغار كما كان يحمل سعف النخل وينادى بصوت عال "بالإنجيل" أى "ببشارة النصر" ويكرم هذا الرسول بأكاليل من الزهور وتقام الاحتفالات.

(2) وردت الكلمة العبرية "بشارة" بمعنى أخبار سارة فى (2صم 20: 18،25،27؛ 2 مل 9: 7) وبمعنى مكافأة لأخبار سارة فى (2 صم 10: 4؛22: 18).

(3) ويبدو أن نطق "إنجيل" فى العربية جاء من اللغة الحبشية التى تنطق الكلمة "ونجيل" أو من اللغة الحميرية التى كانت لغة مسيحى العرب جنوبى الجزيرة العربية (البشائر الأربعة. إنجيل واحد. د. مراد كامل ص5)، وربما جاء من اللغة السريانية. وفى كل الأحوال فهى نطق محرف عن اليونانية.

(4) متى 23: 4.

(5) مر 14: 1.

(6) متى 23: 4؛35: 9.

(7) متى 14: 24.

(8) مر 14: 1.

(9) رو 16: 1؛19: 15،29؛ 1كو 15: 4؛18: 9؛ 2كو 12: 2؛4: 4؛13: 9؛14: 10؛ غل 7: 1؛ فى 27: 1؛ 1تس2: 3.

(10) 2تس 8: 1.

(11) رو 9: 1.

(12) رو 19: 15.

(13) 2كو 12: 2.

(14) فى 27: 1.

(15) عب 1: 1.

(16) أع 1: 1،2.

(17) يو 1: 1،2،14.

(18) غل 4: 4.

(19) فى 5: 2-7.

(20) يو 29: 6-47.

(21) يو 16: 3،17.

(22) يو 29: 1.

(23) يو 24: 4.

(24) يو 46: 12،47.

(25) مر 10: 13.

(26) مر 15: 16،16.

(27) متى 14: 24.

(28) أع 1: 1،2.

(29) مر 35: 8.

(30) مر 29: 10.

(31) متى 13: 26؛ مر 9: 14.

(32) يو 6: 14-10.

(33) عدد 6: 12-8.

(34) هو 10: 12.

(36) عب 7: 11.

(37) عب 1: 1-3.

(38) عب 4: 1-14.

(39) عب 3: 3-6.

(40) متى 33: 21-39.

(41) متى 11: 11.

(42) متى 41: 12.

(43) لو 31: 11.

(44) يو 12: 4.

(45) يو 58: 8.

(46) متى 41: 22-45.

(47) متى 6: 12.

(48) فى 10: 2،11.

(49) لو 27: 24،44.

(50) متى 7: 13.

(51) رؤ 10: 19.

(52) يو 31: 20.

(53) 1يو 1: 2-3.

(54) 1 يو 23: 3.

(55) 1يو 9: 4،10،14.

(56) 1يو 10: 5-12.

(57) 1يو 1: 2-2.

(58) لو 44: 24-48.

(59) يو 16: 3.

(60) عب 26: 9-28.

(61) عب 19: 10،20.

(62) أع 8: 3-20.

(63) أع 12: 4.

(64) 1كو 1: 15-4.

(65) رو 1: 1-4،9،16،17.

(66) 2كو 3: 4-6.

(67) أف 3: 3-6.

(68) كو 9: 2.

(69) كو 17: 1-23.

(70) 1بط 10: 1،11.

(71) يو 10: 10.

(72) أع 42: 5.

(73) أع 35: 8 أنظر أع 36: 10؛32: 13؛18: 17؛ غل 16: 1؛ أف 8: 3.

الفصل الثانى

إعلان الله فى الإنجيل

"إعلان الآب فى الابن"

 

تبدأ الرسالة إلى العبرانيين بالآيات التالية والتى تلخص جوهر الإعلان فى الإنجيل:

"الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة كلمنا فى هذه الأيام الأخيرة فى "أبنه" الذى جعله "وارثاً" لك شئ الذى "به" أيضاً "عمل العالمين".

"صنع بنفسه تطهيراً لخطايانا" "جلس فى يمين العظمة فى الأعالى صائراً أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث أسماً أفضل منهم. لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت أبنى أنا اليوم ولدتك. وأيضاً أنا أكون له أباً وهو يكون لى أبناً"(1).

ويبدأ الإنجيل للقديس يوحنا بالآيات التالية التى تعلن عن حقيقة كلمة الله "الكلمة" وتكشف كيف تجسد الكلمة ونزل من السماء وظهر على الأرض وأعلن عن الله الآب فى ذاته:

"فى البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. هذا كان فى البدء عند الله كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان. فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس. والنور يضئ فى الظلمة والظلمة لم تدركه... كان النور الحقيقى الذى ينير كل إنسان آتياً إلى العالم. كان فى العالم وكون العالم به ولم يعرف العالم... والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقاً... ومن ملئه نحن جميعاً أخذنا. ونعمة فوق نعمة. لأن الناموس بموسى أعطى أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا. الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذى هو فى حضن الآب هو خبّر"(2). وعبارة "هو خبز تعنى "هو الذى أخبر عنه" كما جاءت فى كثير من الترجمات العربية الحديثة.

ويكشف السيد المسيح عن حقيقة العلاقة بين الآب والإبن وجوهر إعلان الإنجيل الذى بذاته وفى ذاته بقوله:

"كل شئ قد دُفع إلى من أبى. وليس أحد يعرف (من هو)(3) الإبن إلا الآب، ولا أحد يعرف (من هو)(3) الآب إلا الابن، ومن أراد الابن أن يُعلن لهُ. تعالوا إلى يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال وأنا أريحكم. احملوا نيرى عليكم وتعلموا منى. لأنى وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم لأن نيرى هين وحملى خفيف"(4).

وقبل صعوده إلى السماء مباشرة قال السيد المسيح لتلاميذه:

"دُفع إلى كل السلطان فى السماء وعلى الأرض. فأذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم بأسم الآب والابن والروح القدس. وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر"(5).

هذه الآيات وغيرها توضح لنا الحقائق التالية:

إن الله قد سبق وأعلن عن ذاته فى القديم عن طريق وبواسطة الأنبياء مثل موسى وصموئيل وإشعياء وارمياء وحزقيال وغيرهم إلى ملاخى.

وهؤلاء الأنبياء نزل علهم وحى الله وإعلانه عن ذاته ليس فى شكل أو أسلوب واحد وإنما تعامل معهم بأشكال مختلفة وأنواع وطرق كثيرة كالرؤى والأحلام والأمثال والتشبيه والرموز وروح الله الذى كان يحل على النبى ويتكلم بلسانه "وحى داود بن يسى... روح الرب تكلم بى وكلمته على لسانى"(6)، وكذلك الألغاز وإرسال الملائكة، "رسل الله"، واستخدام الطبيعة كالريح والنار والسحاب واستخدام أدوات خيمة الاجتماع الطقسية، الأوريم والتميم، أو بالكتابة المباشرة، الوصايا العشر(7)، أو بمخاطبة النبى "فماً إلى فم"، كموسى النبى: "إن كان منكم نبى للرب فبالرؤيا أستعلن له فى الحلم أكلمه. أما عبدى موسى فليس هكذا بل هو أمين فى كل بيتى. فماً إلى فم وعياناً أتكلم معه لا بالألغاز وشبه الرب يعاين"(8)، "وكلمت الأنبياء" وكثرت الرؤى، وبيد الأنبياء مثلت أمثالاً"(9).

وكان هؤلاء الأنبياء لا يقولون ولا يتكلمون إلا بما يأمرهم به الله بالوحى:

"لأنك إلى كل من أرسلك إليه تذهب وتتكلم بكل ما آمرك به"(10)،

"وأنا أكون مع فمك ومع فمه وأعلمكما ماذا تصنعان"(11)،

وكان الله يختار النبى بناء على مشورته الإلهية وعلمه السابق دون أن يكون للنبى أى دخل فى هذا الاختيار الإلهى، كما أن كثيرين من الأنبياء لم يروا فى أنفسهم الكفاية لهذا الاختيار الإلهى فقال موسى النبى عندما أرسله الله إلى فرعون ليخرج شعبه من مصر: "من أنا حتى أذهب إلى فرعون... فقال (الله) إنى أكون معك"(12)، وقال إرميا النبى عندما دعاه الله للنبوة "إنى لأعرف أن أتكلم لأنى ولد. فقال الرب لا تقل أنى ولد لأنك إلى كل من أرسلك إليه تذهب ويتكلم بكل ما آمرك به... ومد الرب يده ولمس فمى وقال الرب لى ها قد جعلت كلامى فى فمك"(13)، وقال عاموس النبى "لست أنا نبياً ولا ابن نبى بل أنا راع وجانى جميز. فأخذنى الرب من وراء الضأن وقال لى أذهب وتنبأ لشعبى إسرائيل"(14).

3- وأخيرا كلمنا الله مباشرة وبدون واسطة بذاته، مباشرة، فى أبنه، كلمته الذاتى وعقله الناطق، "كلمنا فى هذه الأيام الأخيرة فى أبنه". وهذا ما أوضحه السيد المسيح، نفسه، فى مثل الكرمة والكرامين الأردياء حين قال أن الله الله "الآب" أرسل عبيده الأنبياء إلى بنى إسرائيل فاضطهدوهم "وجلدوا بعضاً ورجموا بعضاً" و "أخيراً أرسل إليهم أبنه قائلاً يهابون أبنى"(15). وما قاله لديقوديموس " هكذا أحب الله العالم حتى بذل أبنه الوحيد".

4- وابن الله هذا هو كلمة الله، الذى هو الله، صورة الله غير المنظور، بهاء مجده ورسم جوهره، الأعظم من الملائكة والبشر والذى له السيادة والسلطان على جميع المخلوقات ما فى السموات. ومن على الأرض ومن تحت الأرض.

5- ولم يكن إنجيله هو وحى نزل عليه من السماء بوسيلة ما مثل بقية الأنبياء وإنما كان هو ذاته النازل من السماء وتعليمه نابع من ذاته لأنه كلمة الله وأعماله نابعة من ذاته، لأن الآب يعمل به "أبى يعمل حتى الآن وأنا أعمل... لأن مهما عمل ذاك (الآب) يعمله الابن كذلك. لأن الآب يحب الابن ويريه ما هو يعمله"(16).

6- ولم يكن الإعلان فى الإنجيل هو مجرد رسالة نزلت على المسيح ودونت فى كتاب ليقرأُه فئة من الناس، كما هو الحال بالنسبة لأسفار موسى الخمسة أو بقية أسفار العهد القديم، وإنما الإعلان فى الإنجيل، الإنجيل ذاته، هو الخير السار والبشارة المفرحة المقدم للعالم أجمع والذى يتلخص فيما قاله الوحى "أنت المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب. وأنه دفن وأنه قام فى اليوم الثالث حسب الكتب"(17)، هو "جميع ما ابتدأ يسوع يفعله ويعلم به إلى اليوم الذى أرتفع فيه"(18)، هو الدعوة والكرازة بالمسيح وإلى أقصى الأرض"(18)، هو الإيمان بالمسيح ابن الله لنوال الحياة الأبدية "أما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع المسيح ابن الله ولكى تكون لكم إذا آمنتم حياة بأسمه"(19)، هو الشهادة "أن الآب قد أرسل الابن مخلصاً للعالم"(20).

 

1- إعلان الله فى الابن هو الإعلان النهائى:

يقول السيد المسيح "فأخيراً أرسل إليهم ابنه قائلاً يهابون أبنى"(21)، ويقول القديس بولس "كلمنا فى هذه الأيام الأخيرة فى أبنه"، كان إعلان الله الأخير والنهائى فى "أبنه". و "أبنه"، "الابن"، "ابن الله" هو أعظم ممن فى السماء ومن على الأرض، فهو "ابن الله الوحيد" الذى من "ذاته" وفى "ذاته"، "صورة الله غير المنظور"(22)، "بهاء مجده ورسم جوهره". بنوة المسيح "الابن" لله "الآب" ليس مجرد بنوة روحية فقط أو بنوة معنوية وإنما هى بنوة حقيقة، فعليه، بنوة إلهية ذاتية لأن الابن مولود من ذات الآب وفى ذاته ولادة ذاتية لا نهائية وغير منفصلة فوق الجنس والحس والإدراك وفى كامل التجريد والتنزيه "أنت أبنى أنا اليوم ولدتك"(23)، ومن ثم فقد وصف الوحى الإلهى "الابن" بالابن الوحيد، الوحيد الجنس "مونوجينيس Monogenes". الابن من ذات الآب، يقول "لأنى منه"(24)، وفى ذاته "أنا فى الآب والآب فى"، والكائن فى حضن الآب، أبداً، بدون انفصال "الذى هو فى حضن الآب"، لذا يقول "أنا والآب واحد"(26).

هذا الابن نزل من السماء و "صار جسداً"، "أتخذ جسداً" "آخذاً صورة عبد"(27) "ظهر فى الجسد"، "وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقاً"، "الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذى هو فى حضن الآب هو خبّر"، والنص اليونانى لعبارة "الابن الوحيد" هو "مونوجينيس ثيؤس Monogenes Theos" أى "الإله وحيد الجنس" وفى القبطية "مونوجينيس أنّوتى Monogenes Anoty" أى "وحيد الجنس الإلهى" وفى الترجمة العالمية الحديثة NIV والتى تعتمد على أقدم المخطوطات “God the One and Only" أى "الإله الوحيد" "الإله الوحيد الذى هو فى حضن الآب"، "وحيد الجنس الإلهى، الكائن فى حضن أبيه". الآب والابن واحد فى الذات والجوهر والطبيعة الإلهية.

هذه البنوة وهذه العلاقة بين الآب والابن لا يعرفها ولا يدركها أحد إلا الابن ذاته والذى أعلن "وليس أحد يعرف من هو الآب إلا الابن ولا من هو الابن إلا الآب. ومن أراد الابن أن يعلن له"(28). ويكشف السيد علة ذلك بقوله: "أنا أعرفه لأنى منه وهو أرسلنى"(29).

والابن كما يقول عن نفسه هو الوارث"(30)، ومن الطبيعى أن الابن يرث آباه، والسيد المسيح، الابن هو الوارث "الذى جعله وارثاً لكل شئ أو كما سبق أن تنبأ داود النبى عنه "أسألنى فأعطيك الأمم ميراثاً وأقاصى الأرض ملك لك"(31)، وكما قال هو ذاته "كل شئ قد دفع إلى من أبى"(32)، "دُفع إلى كل سلطان فى السماء وعلى الأرض"(33)، "الآب يحب الابن وقد دفع كل شئ فى يديه"(34)، "لأن الآب لا يدين أحد بل قد أعطى كل الدينونة للابن. لكى يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب"(35)، وكما خاطب الآب "مجد أبنك ليمجدك أبنك أيضاً إذ أعطيته سلطان على كل جسد ليعطى حياة أبدية لكل من أعطيته"(36)، ويقول عنه الوحى الإلهى الإنجيل "يسوع وهو عالم أن كل شئ قد دُفع إليه وأنه من عند الله خرج وإلى الله يمضى"(37)، وفى الرسائل "لأنه لهذا مات المسيح وقام وعاش لكى يسود على الأحياء والأموات"(38)، "وأخضع كل شئ تحت قدميه"(39)، "لذلك رفعه الله وأعطاه أسماً فوق كل أسم لكى تجثوا بأسم يسوع كل ركبة ممن فى السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع هو رب لمجد الله الآب"(40)، "لأنه إذ أخضع الكل له لم يترك شيئاً غير خاضع له"(41)، "الذى هو فى يمين الله وملائكة وسلاطين وقوات مخضعة له"(42). وسبق دانيال النبى أن رآه فى رؤيا وتنبأ عن سيادته على كل الشعوب:

"كنت أرى فى رؤى الليل وإذا مع سحاب السماء مثل ابن إنسان آتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطى سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانة سلطان أبدى ما لن يزول وملكوته ما لن ينقرض"(43).

والابن كما يقول هو ذاته يعمل كل ما يعمله الآب:

"أجابهم يسوع أبى يعمل حتى الآن وأنا أعمل... لأن مهما عمل ذلك فهذا يعمله الابن كذلك لأن الآب يحب الابن ويريه جميع ما هو يعمله"(44).

ومن ثم يقول الوحى "كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان. فيه كانت الحياة"(45)، "فإنه فيه خلق الكل ما فى السموات وما على الأرض ما يرى وما لا يرى سواء كان عروشاً أم سيادات أم رياسات الكل به وله قد خلق"(46). فقد خلق الله العالم بكلمته وكلمته هو الابن، السيد المسيح، أو كما يقول الوحى الإلهى "الله خالق الجميع بيسوع المسيح"(47)، "ورب واحد يسوع المسيح الذى به جميع الأشياء ونحن به"(48)، "الذى به أيضاً عمل العالمين"(49) أى أن الله خلق الكون بإبنه، كلمته، المسيح. وهو أيضاً، "الابن"، "حامل كل الأشياء بكلمة قدرته"، فهو مدير الكون ومهندسه ومدبره "الذى هو قبل كل شئ وفيه يقوم الكل"(51).

والابن هو كلمة الله، نطق الله الذاتى وعقله الناطق. وكلمة الله هو الله "فلا البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله"(52). وهو "ملك الملوك ورب الأرباب"(53). وهو "قوة الله وحكمة الله"(54)، المدخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم"(55)، "صورة الله غير المنظور"، "بهاء مجده ورسم جوهره". كلمة الله هو نطق الله الذاتى وعقله الناطق يصدر من ذات الله بالولادة وهو فى ذات الله أزلاً بدون انفصال لأنه منه وبه وفيه. وكلمة الله، أو نطق الله الذاتى ليس مجرد نطق مثل نطق الإنسان أو لفظ يسرى فى الهواء بعد أن يخرج من الفم، أنه صفة ذاتية وجوهرية فى الذات الإلهية له كيان، وهو كائن فى ذات الآب بدون انفصال "الابن الوحيد الذى هو حضن الآب هو خّبر"، هو "جوهر فردى عاقل... كائن موجود فى جوهر الله... متفرد بخاصيته وهو أنه الكائن الوحيد.. العقل المطلق.. يستطيع أن يعبر عن نفسه بكلمة "أنا" لأنه ليس مجرد طاقة أو معنى.. يتصرف كجوهر كامل باستخدام خواص أقنوم الذات فى الوجود وأقنوم الحياة فى أنه حى"(56)، أو كما قال القديس أثناسيوس الرسولى "الله تام وليس بعادم كلمته... الله لم يكن قط بلا كلمة ولكن لم يزل له الكلمة متولد منه، ليس مثل كلمتنا التى لا قوام لها المهراقة فى الهواء. ولكن كلمته ذو قوام حى تام ليس بمفترق منه ولكن ثابت أبداً فيه لأنه لا موضوع له يكون فيه خارجاً من حيث لا يكون لأنه لا يخلو منه موضوع، فهو كلمته يملأ كل شئ ولا يسعه شئ"(56).

وفى الوقت المحدد لتجسده، فى "ملء الزمان" نزل "ابن الله"، "كلمة الله" من السماء وظهر على الأرض، فى الجسد، وحل بين البشرية وكشف عن ذات الآب وأعلن عن إرادته وغايته العظيمة للبشر والتى لخصه فى آية واحدة "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية"(57). وقد جاء من "عند الآب"، خرج من ذات الآب، هو والآب واحد، وهو فى الآب والآب فيه ومن رآه فقد رأى الآب، وأنه سيعود إلى الآب الذى جاء من عنده، جاء منه، وهو كائن فيه، برغم أنه، بلاهوته كان فى السماء وعلى الأرض فى آن واحد: "وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذى نزل من السماء ابن الإنسان الذى هو فى السماء"(58):

"ولما جاء ملء الزمان أرسل الله أبنه مولوداً من امرأة"(59).

"والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقاً... الله لم يره أحد قط إلا الابن الوحيد الذى هو فى حضن الآب هو خّبر"(60)، "أخبر عنه"،

"عظيم هو سر التقوى الله ظهر فى الجسد تبرر فى الروح تراءى لملائكة كُرز به بين الأمم أؤمن به فى العالم رُفع فى المجد"(61)،

"أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتى إلى الأبد إلا بى. لو كنتم عرفتمونى لعرفتم أبى أيضاً. ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه. قال له فيلبس يا سيد أرنا الآب وكفانا. قال له يسوع أنا معكم زماناً هذا مدته ولم تعرفنى يا فيلبس. الذى رآنى فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب. ألست تؤمن أنى فى الآب والآب فى... صدقونى أنى فى الآب والآب فى. وإلا فصدقونى لسبب الأعمال نفسها"(62).

"خرجت من عند الآب وآتيت إلى العالم وأيضاً أترك العالم وأعود إلى الآب"(63).

 

2- إعلان الآب فى الابن هو إعلان النسل الآتى:

يقول القديس يوحنا الرائى أنه عندما هم بالسجود للملاك الذى كان يقوده فى رؤياه قال له الملاك "أنظر لا تفعل. أنا عبد معك ومع اخوتك الذين عندهم شهادة يسوع. فإن شهادة يسوع هى روح النبوة"(64)، فقد تنبأ جميع أنبياء العهد القديم عن السيد المسيح وكانت كل نبؤاتهم تشير إليه وتتجه نحوه، وقد كان هو قلب وجوهر وروح النبوة باعتباره إعلان الله النهائى والأخير للبشرية الذى جاء مخلصاً غافراً للخطايا.

يقول بطرس الرسول بالروح القدس "له يشهد جميع الأنبياء أن كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا"(65)، ويقول أيضاً أن الأنبياء لم يتنبأوا عن الخلاص بالمسيح فقط، بل "فتشوا وبحثوا عن هذا الخلاص الذى دلهم عليه روح المسيح ذاته الذى كان فيهم:

"الخلاص الذى فتش وبحث عنه أنبياء. الذين تنبأوا عن النعمة التى لأجلكم. باحثين أى وقت أو ما الوقت الذى يدل عليه روح المسيح الذى فيهم إذ سبق فشهد بالآلام التى للمسيح والأمجاد التى بعدها"(66).

هذه الحقيقة الجوهرية فى إعلان العهد القديم أعلنها السيد المسيح لتلاميذه ورسله بأكثر وضوح بعد قيامته فقال لتلميذى عمواس:

"أيها الغبيان والبطيئا القلوب فى الإيمان بجميع ما تكلم له الأنبياء. أما كان ينبغي أن يتألم المسيح بهذا ويدخل إلى مجده. ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به فى جميع الكتب"(67).

وقال لتلاميذ جميعاً "هم والذين معهم"(68):

"هذا هو الكلام الذى كلمتكم به وأنا بعد معكم أنه لابد أن يتم جميع ما هو مكتوب على فى ناموس موسى والأنبياء والمزامير. حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب. وقال لهم هكذا هو مكتوب وهكذا كان ينبغى أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات فى اليوم الثالث. وأن يكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم مبتدأ من أورشليم"(69).

وهكذا يعلن الملاك والسيد المسيح وتلاميذه كما تشهد كل أسفار العهد القديم أن جميع الأنبياء تنبأوا عن السيد المسيح باعتباره إعلان الله النهائى للبشرية ومخلص العالم أجمع، لمن يؤمن به، ويقول العلامة الإنجليزى وستكوت: أن تعليم البين اليهود يقول أن "الأنبياء يحسبون أنبياء فقط لأنهم تنبأوا عن المسيا"(70).

وقد دعت النبوات المسيح ب "النسل الآتى" و "كوكب يعقوب" و "شيلون" أى الذى يكون له خضوع شعوب و "المسيح" و "ابن داود" و "الغصن" و "عمانوئيل" و "المدير" و "العجيب المشير الإله القدير" و "رئيس السلام" و "مولود العذراء" و "مولود بيت لحم"... الخ وغير ذلك من الألقاب.

ويبدأ الإعلان عن المسيح المنتظر بمجرد خروج آدم وحواء من جنة عدن، فقد خرجا من الفردوس بغواية وحسد إبليس الحية القديمة(71)، ودعى هذا النسل ب "نسل المرأة":

فقال الله للحية "وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها هو يسحق رأسك(71) وأنت تسحقين عقبه"(72).

وبتأكيد الوعد الإلهى أن هذا "النسل الموعود" الذى سيسحق رأس الحية، أى إبليس، سيأتى من المرأة، ومن المرأة فقط من دون الرجل، كان لابد أن يولد من عذراء، بكر، بتول، ومن ثم تنبأ إشعياء النبى بنبوته الخالدة:

"ولكن يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد أبناً وتدعوا أسمه عمانوئيل"(73).

وقد أستخدم الوحى الإلهى فى هذه الآية الكلمة العبرية "عولماْ" والتى تعنى "فتاة ناضجة" وعذراء كاملة الأنوثة، امرأة فى سن الزواج، أو عروس ولكن لم تدخل على عريسها بعد(74). وقد نقلها الوحى فى العهد الجديد "عذراء بارثينوس".

وأكد الوحى فى العهد الجديد (الإنجيل) أن السيد المسيح هو هذا النسل الموعود فقال "ولما جاء ملء الزمان أرسل الله أبنه مولوداً من امرأة"(75)،

"أرسل جبرائيل الملاك من الله إلى عذراء... وأسم العذراء مريم. فدخل إليها الملاك وقال... ها أنت ستحبلين وتلدين أبناً وتسمينه يسوع... فقالت مريم للملاك كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً. فأجاب الملاك وقال لها الروح القدير يحل عليك وقوة العلى تظللك فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله"(76).

ثم أختار الله إبراهيم أبو الأباء ليأتى هذا "النسل الموعود" من ذريته وقال له "وتتبارك فى نسلك جميع أمم الأرض"(77)، وأكد له الله أن هذا النسل سيأتى من أبنه إسحق "امرأتك تلد لك أبناً وتدعوه أسمه إسحق. وأقيم عهدى معه عهداً أبدياً لنسله من بعده"(78)، ثم أكد الله هذا الوعد لإسحق وقال له نفس ما قاله لأبيه إبراهيم: "وتتبارك فى نسلك جميع أمم الأرض"(79)، ومن أبنى إسحق، عيسو ويعقوب أختار الله يعقوب وكرر له نفس الوعد الذى سبق أن وعد به إبراهيم وإسحق وقال له "وتتبارك فيك وفى نسلك جميع قبائل الأرض"(80).

وأكد الوحى الإلهى فى العهد الجديد إن "نسل" إبراهيم وإسحق ويعقوب هذا هو السيد المسيح، فقال القديس بطرس الرسول لآلاف اليهود: "والعهد الذى عاهد به إله آبائنا قائلاً لإبراهيم وبنسلك تتبارك جميع قبائل الأرض. إليكم أولاً إذ قام الله فتاة يسوع إذ أرسله يبارككم برد كل واحد منكم عن شروره"(81)، وقال القديس بولس الرسول: "والكتاب إذ سبق فرأى أن الله بالإيمان يبرر الأمم سبق فبشر إبراهيم أن فيك تتبارك جميع الأمم... لتصير بركة إبراهيم للأمم فى المسيح يسوع... وأما المواعيد فقيلت فى إبراهيم وفى نسله. ولا يقول فى الإنسان كأنه عن كثيرين بل كأنه عن واحد وفى نسلك الذى هو المسيح"(82).

وتنبأ بلعام بن بعورن فى زمن موسى النبى قائلاً عن هذا النسل الذى وصفه ب "كوكب من يعقوب": "أراه ليس الآن أبصره ولكن ليس قريباً. يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل فيحطم طرفى موآب ويهلك كل بنى الوغى"(83). وتنبأ يعقوب بأن هذا "النسل الآتى" سيأتى من ذرية ونسل أبنه الرابع يهوذا، من سبط يهوذان فقال بالروح متنبئاً ليهوذا "لا يزول قضيب من يهوذا أو مشترع من بين رجليه حتى يأتى شيلون وله يكون خضوع شعوب"(84). وكلمة "شيلون" فى العبرية "شيلوه" وتعنى "الذى له"، "الذى له الحكم"، "الذى ل الصولجان"، "الذى له السيادة"، وبحسب نص النبوءة تعنى "الذى له.. خضوع شعوب".

هذا الذى سيكون له خضوع شعوب والذى سيأتى فى نهاية، أو عند انتهاء الحكم من سبط يهوذا، تنبأ عنه إشعياء النبى بأنه سيكون "راية للشعوب إياه تطلب الأمم عليه مجداً"(85)، أو كما يوضح الوحى فى العهد الجديد معنى هذه النبوءة "ليسود على الأمم عليه سيكون رجاء الأمم"(86)، ومن ثم يتنبأ إشعياء عنه أيضاً: "فتسير الأمم فى نورك والملوك فى ضياء إشراقك"(87)، "فيخرج الحق للأمم"(88)، "قد جعلتك نوراً للأمم لتكون خلاصى إلى أقصى الأرض"(89). وتنبأ حجى النبى بأنه هو "مشتهى كل الأمم"،: وأزلزل كل الأمم ويأتى مشتهى كل الأمم"(90)، وتنبأ ملاخى النبى بأنه "السيد المطلوب" و "وملاك العهد"؛ "ويأتى بغتة إلى هيكله السيد الذى تطلبونه وملاك العهد الذى تسرون به هوذا يأتى قال رب الجنود"(91).

وتنبأ حزقيال النبى بأنه ستحدث انقلابات كثيرة حتى يأتى هذا "النسل الآتى" فقال بالروح "منقلباً منقلباً أجعله. هذا لا يكون حتى يأتى الذى له الحكم فأعطيه إياه"(92).

وقد جاء السيد المسيح فى وقت انتهاء حكم سبط يهوذا الذى تسلم منهم الحكم هيرودس الكبير الذى ولد السيد المسيح فى أواخر أيامه والذى قتل أطفال بيت لحم(93). والسيد المسيح وصف نفسه بأنه هو "كوكب يعقوب"، "كوكب الصبح المنير": "أنا يسوع... كوكب الصبح المنير"(94) الذى ينير القلوب كما يقول بطرس الرسول بالروح "ويطلع (يشرق) كوكب الصبح فى قلوبكم"(95)، وهو الحاكم الروحى "ملك الملوك ورب الأرباب"(96) الذى جاء من سبط يهوذا لكى يملك على بيت يعقوب الروحى. قال القديس بولس الرسول بالروح "إن ربنا قد طلع من سبط يهوذا"(97) وجاء فى سفر الرؤيا أنه "الأسد الذى من سبط يهوذا"(98)، وقال الملاك للعذراء حين بشرها بميلاده "ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد"(99).

 

3- إعلان الآب فى الابن هو إعلان المسيح المنتظر:

كلمة "مسيح" فى اللغة العبرية هى "ماشيح Mashiah" من الفعل العبرى "مشح" أى "مسح" وتنطق بالآرامية "ماشيحا" ويقابلها فى اللغة العربية "مسيح" ومعناها، فى العهد القديم، الممسوح "بالدهن المقدس" the annoited، ونقلت كلمة "ماشيح" إلى اليونانية كما هى ولكن بحروف يونانية "ميسياس Messias" وعن اليونانية نقلت إلى اللغات الأوربية "ماسيا Massiah" كما ترجمت الكلمة إلى اليونانية، أيضاً ترجمة فعلية "خريستوس christos" أى المسيح أو الممسوح annointed، من الفعل اليونانى "خريو chriw" أى يمسح والذى يقابل الفعل العبرى "مشح" والعربى "مسح"، وفى اللاتينية جاءت "كريستوس christos" وعنها فى اللغات الأوربية "christ".

وكانت عملية المسح تتم فى العهد القديم "بالدهن المقدس" الذى كان يصنع من أفخر الأطياب وأفخر أصناف العطارة وزيت الزيتون النقى:

"وكلم الرب موسى قائلاً: وأنت تأخذ لك أفخر الأطياب. مرأً قاطراً... وقرفة عطرة... وقصب الزريرة... وسليخة... ومن زيت الزيتون... وتصنعه دهناً للمسحة. عطر عطارة صنعه العطار دهناً مقدساً للمسحة... يكون... يكون هذا لى دهناً مقدساً فى أجيالكم"(100).

وكان الشخص أو الشيء الى يدهن بهذا الدهن المقدس يصير مقدساً، مكرساً ومخصصاً للرب، وكل ما يمسه يصير مقدساً:

"وتمسح به خيمة الاجتماع وتابوت الشاهدة والمائدة كل آنيتها والمنارة وآنيتها. ومذبح البخور ومذبح المحرقة وكل آنيته والمرحضة وقاعدتها. وتقدسها فتكون قدس أقداس. كل ما مسها يكون مقدساً"(101).

وكان الكهنة والملوك والأنبياء يدهنون بهذا "الدهن المقدس" ليكونوا مقدسين، مكرسين ومخصصين، للرب:

"وتمسح هرون وبنيه ليكهنوا لى"(102)،

"فأمسحه (شاول) رئيساً لشعبى...."(103)،

"وآتى رجال يهوذا ومسحوا هناك داود ملكاً على بيت يهوذا"(104)،

وقال الرب لإيليا وأمسح يا هو بن نمشى ملكاً على إسرائيل وامسح إليشع بن شافاط... نبياً عوضاً عنك"(105).

وكانت عملية المسح تتم بصب الدهن المقدس على رأس الممسوح وكذلك الأوانى والأماكن الطقسية المراد مسحها وتقديسها فيصير الإنسان الممسوح مقدساً ويحل عليه "روح الرب" وتتحول الأوانى والأماكن إلى قدس للرب:

"ثم أخذ موسى دهن المسحة ومسح المسكن وكل ما فيه وقدسه. ونضح منه على المذبح مرات ومسح المذبح وجميع آنيته والمرحضة وقاعدتها لتقديسها. وصب دهن المسحة على رأس هرون ومسحه لتقديسه"(107)،

"فأخذ صموئيل قرن الدهنة ومسحه (داود) فى وسط أخوته وحل روح الرب على داود من ذلك اليوم فصاعدا"(108)،

وقال صموئيل النبى لشاول بعد مسحه ملكاً "فيحل عليك روح الرب فتتنبأ معهم (أى جماعة الأنبياء). وتتحول إلى رجل آخر"(109).

وهكذا دعى الكهنة والأنبياء والملوك ب "مسحاء الرب"(110) ومفردها "مسيح الرب"(111) لأنهم مُسحوا بالدهن المقدس وحل عليهم روح الرب. ولكن الوحى الإلهى فى أسفار العهد القديم يؤكد لنا من خلال نبوات جميع الأنبياء أن هؤلاء "المسحاء" جميعاً، سواء من الكهنة أو الأنبياء أو الملوك، كانوا ظلاً ورمزاً "للنسل الآتى" والذى دعى من عصر داود فصاعداً ب "المسيح"، وكانوا جميعاً متعلقين بهذا المسيح "مسيح المستقبل" الذى سوف يأتى فى ملء الزمان" والذى وصفه الوحى فى سفر دانيال النبى ب "المسيح الرئيس"(112) و "قدوس القدويسين"(113) والذى سوف يكون له وظائف الكاهن والنبى والملك؛ الكاهن الكامل والنبى الكامل والملك الكامل.

لم يستطع أحد من البشر فى كل العصور والأجيال أن يحقق الكمال فى ذاته، يقول الوحى الإلهى "أكل قد زاغوا معاً. فسدوا. ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا وأحد"(114)، وكان لابد أن يأتى هذا "المسيح المنتظر" و "النسل الآتى" ليحقق الكمال فى ذاته وينتشل البشرية من خطاياها، ومن ثم فقد كشف الوحى الإلهى للبشرية عن حتمية مجىء هذا "المسيح"، "الكامل" وتنبأ جميع الأنبياء عنه واشتهوا أن يروه وأن يسمعوا صوته(115) كما أعلن السيد المسيح نفسه ذلك.

هذا "انسل الآتى"، " الذى له السيادة" و "المسيح المنتظر"، كوكب يعقوب"، "كوكب الصبح المنير"، أعلن الوحى الإلهى أنه سيأتى من سلالة داود النبى والملك، فقد صار الوعد الإلهى لداود نفسه:

"أقيم بعدك نسلك الذى يخرج من أحشائك وأثبت مملكته. هو يبنى بيتاً لأسمى وأنا أثبت مملكته إلى الأبد. أنا أكون له أباً وهو يكون لى أبناً. كرسيك يكون ثابتاً إلى الأبد"(116).

وقد تحقق هذا الوعد بعد داود مباشرة فى ابنه سليمان الذى بنى الهيكل وجلس على كرسى عرش، داود أبيه. ولكن وعد الله لداود لم يكن مجرد وعد بملك يجلس على عرشه لفترة محدودة من الزمن، بل كان وعداً بملك أبدى بملك إلى الأبد:

"مرة حلفت بقدسى أنى لا أكذب لداود. نسله إلى الدهر يكون وكرسيه كالشمس أمامى"(117)،

"وأجعل إلى الأبد نسله وكرسيه مثل أيام السموات"(118)،

"يكون أسمه إلى الدهر. قدام الشمس يمتد أسمه ويتباركون به. كل الأمم يطوبونه"(119).

كان وعداً بملك سمائى، روحانى، أبدى، هو الجالس عن يمين الآب، وهو رب داود نفسه: "قال الرب لربى أجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطناً لقدميك". قال السيد المسيح لرؤساء اليهود "ماذا تظنون فى المسيح؟ أبن من هو؟ قالوا له ابن داود. قال لهم فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلاً: قال الرب لربى أجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطناً لقدميك. فإن كان داود يدعوه بالروح رباً فكيف يكون ابنه؟ فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة"(120)

ويقول داود بالروح فى المزمور الثانى عن هذا النسل الآتى، المسيح المنتظر، ابن داود، أنه "مسيح الرب"، "الملك الأبدى الممسوح من الله"، "ابن الله"، "الذى له السيادة على الكون":

"لماذا ارتجت الأمم وتفكر الشعوب بالباطل قام ملوك الأرض وتأمر الرؤساء معاً على الرب وعلى مسيحه ... أما أنا فقد مسحت ملكى على صهيون جبل قدسى. إنى أخبر من جهة قضاء الرب قال لى أنت ابنى أنا اليوم ولدتك. اسألني فأعطيك الأمم ميراثاً وأقاصى الأرض ملكاً لك ... فالآن أيها الملوك تعقلوا. تأدبوا يا قضاة الأرض. اعبدوا الرب بخوف واهتفوا برعده. اقبلوا الابن لئلا يغضب فتبيدوا من الطريق(121)".

ويقول بالروح فى مزمور 45 "أنت أبرع جمالاً من بنى البشر انسكبت النعمة على شفتيك لذلك باركك الله إلى الأبد" ثم يصل إلى الذروة عندما يدعوه بالروح "الله رب العرش": "كرسيك يا الله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك أحببت البر وأبغضت الإثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك(122)".

وتصل ذروة النبوءة فى سفر أشعياء النبى حين يعلن الوحى الإلهى أن ابن داود هذا، النسل الآتى والمسيح المنتظر، هو "الإله القدير" ذاته ويصفه بأكثر من صفة من صفات الله التى لا يمكن أن يتصف بها غيره:

"لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفيه ويدعى أسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام. لنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسى داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن وإلى الأبد. غيره رب الجنود تصنع هذا(123)".

وتتوالى النبوات فى سفر أشعياء وفى بقية أسفار أنبياء العهد القديم عن هذا المسيح الآتى الذى سيملك على جميع الشعوب بالحق والبر ويدعونه بالذى تطلبه الأمم والمشرع لجميع الشعوب وغصن البر والرب برنا والراعى الواحد، الراعى الصالح:

"ويخرج قضيب من جزع يسى وينبت غصن من أصوله ... ويكون فى ذلك اليوم أن أصل يسى (والد داود) القائم راية للشعوب إياه تطلب الأمم ومحله يكون مجداً" (أشعياء 1: 11،10).

"وأقطع لكم عهداً أبدياً مراحم داود الصادقة هوذا قد جعلته شارعاً للشعوب رئيساً وموصياً للشعوب" (أشعياء 3: 55،4).

"ها أيام تأتى يقول الرب وأقيم لداود غصن بر فيملك ملك وينجح ويجرى حقاً وعدلاً فى الأرض فى أيامه يخلص يهوذا ويسكن إسرائيل آمناً وهوذا أسمه الذى يدعونه به الرب برنا" (أرمياء 5: 23،6).

"ها أيام تأتى يقول الرب وأقيم الكلمة الصالحة التى تكلمت بها إلى بيت إسرائيل وإلى بيت يهوذا. فى تلك الأيام وفى ذلك الزمان أنبت لداود غصن البر فيجرى عدلاً وبراً فى الأرض فى تلك الأيام يخلص يهوذا وتسكن أورشليم آمنة وهذا ما تتسمى به الرب برنا" (أرمياء 14: 33-16).

"وأقيم عليها راعياً واحداً فيرعاها عبدى داود هو يرعاها وهو يكون لها راعياً. وأنا الرب أكون لهم إلهاً وعبدى داود رئيساً فى وسطهم" (حزقيال 23: 24،24).

"وداود عبدى يكون ملكاً عليهم ويكون لجميعهم راع واحد فيسلكون فى أحكامى ويحفظون فرائضى ويعملون بها ... وعبدى داود رئيس عليهم إلى الأبد" (حزقيال 24: 37،25).

وقد تنبأ ميخا النبى أنه سيولد فى بيت لحم على الرغم من أنه الأزلى الموجود قبل كل وجود: "أما أنت يا بيت لحم أفراته وأنت صغيرة أن تكونى بين ألوف يهوذا فمنك يخرج لى الذى يكون متسلطاً على إسرائيل وخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل" (ميخا 2: 5).

وتنبأ جميع الأنبياء أن هذا المسيح الآتى، النسل الموعود، لن يأتى كملك جبار بل كراع حنون يرعى قطيعه، شعبه، إلى مياه حية، إلى الحياة الأبدية:

"كراع يرعى قطيعه. بذراعه يجمع الحملان وفى حضنه يحملها ويقود المرضعات" (أشعياء 11: 40).

"لا يجوعون ولا يعطشون ولا يضربهم حر ولا شمس لأن الذى يرحمهم يهديهم وإلى ينابيع المياه يوردهم" (أشعياء 10: 49).

وقد تمت جميع النبوات حرفياً فى السيد المسيح الذى تنبأت النبوءات إنه لابد سيأتى. قالت المرأة السامرية للسيد المسيح: "أنا أعلم أن مسيا الذى يقال له المسيح يأتى. فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شئ. قال لها يسوع أنا الذى أكلمك هو"(121)، ولما تبع أندرواس السيد المسيح بناء على شهادة يوحنا المعمدان عنه قال لبطرس أخاه "قد وجدنا مسيا. الذى تفسيره المسيح"(122). وعندما سأل رئيس الكهنة السيد المسيح عند محاكمته "هل أنت المسيح ابن الله؟ قال له يسوع أنت قلت. وأيضاً أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً على سحاب السماء"(123). وهو بذلك يشير إلى ما سبق أن تنبأ به دانيال النبى قائلاً بالروح: "كنت أرى فى رؤى الليل وإذا مع سحاب السماء مثل ابن إنسان آتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطى سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدى ما لن يزول وملكوته مال ينقرض"(124).

ولما بشر الملاك جبرائيل العذراء مريم بإنها ستحيل وتلد المسيح "الآتى" إلى العالم قال لها: "وها أنت ستحبلين وتلدين أبناً وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيماً وابن العلى يُدعى ويعطيه الرب الإله كرسى داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية... الروح القدس يحل عليك وقوة أعلى تظللك فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله"(125).

ولما أرسل يوحنا المعمدان أثنين من تلاميذه إلى السيد المسيح ليسألاه السؤال الذى انتظرت الإجابة عليه أجيالاً كثيرة: "أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟" قال لهما "أذهبا وأخيراً يوحنا بما تسمعان وتنظران. العمى يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصم يسمعون والموتى يقومون والمساكين يبشرون. وطوبى لمن لا يعثر فى"(126). وهو بهذا يشير إلى ما سبق أن تنبأ به عنه إشعياء النبى "حينئذ تنفتح عيون العمى وآذان الصم تنفتح. حينئذ يقفز الأعرج كالآيل ويترنم لسان الأخرين"(127)، "وأجعلك عهداً للشعب ونوراً للأمم لتفتح عيون العمى لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين فى الظلمة"(128).

وفى مجمع الناصرة أعلن أمام الجموع إنه هو "الآتى" الذى تنبأ عنه الأنبياء مستشهداً بما جاء عنه فى سفر إشعياء النبى: "ودخل إلى المجمع حسب عادته يوم السبت وقام ليقرأ. فدفع إليه بسفر إشعياء النبى. ولما فتح السفر وجد الموضع الذى كان مكتوباً فيه روح الرب على لأنه مسحنى لأبشر المساكين أرسلنى لأشفى المنكسرى القلوب لأنادى للمأسورين بالإطلاق وللعمى بالبصر وأرسل المنسحقين فى الحرية وأكرز بسنة الرب المقبولة. ثم طوى السفر وسلمه إلى الخادم وجلس... فأبتدأ يقول لهم أنه اليوم قد تم هذا المكتوب فى مسامعكم"(129).

وعندما أراد السيد المسيح أن يعلن عن هذه الحقيقة لتلاميذه سألهم قائلاً: "من يقول الناس إنى أنا ابن الإنسان؟ قالوا قوم يوحنا المعمدان. وآخرون إيليا. وآخرون إرميا أو واحد من الأنبياء. قال لهم وأنتم من تقولون أنى أنا؟ فأجاب بطرس وقال: أنت هو المسيح أبن الله الحى. فأجاب يسوع وقال له طوبى لك يا سمعان بن يونا. لن لحماً ودماً لم يعلن لك لكن أبى الذى فى السموات"(130). وفى مناسبة أخرى كرر القديس بطرس إعلان هذه الحقيقة قائلاً: "ونحن أمنا وعرفنا أنك أنت المسيح ابن الله الحى"(131). وقالت له مرثا أخت لعاذر "أنا قد آمنت أنك أنت المسيح ابن الله الآتى إلى العالم"(132).

وفى وقت ميلاد المسيح بالجسد من مريم العذراء كان اليهود فى حالة انتظار وترقب لاقتراب مجيئه، وذلك بناء على معرفتهم بالنبوات التى تنبأت عنه ودراستهم لها، فقد ظهرت علامات مجيئه بانقطاع الحكم من سبط يهوذا وذلك باستيلاء هيرودس الكبير وأولاده الذين ولد السيد المسيح وصلب فى عهدهم، على الحكم تحقيقاً لنبؤة يعقوب لابنه يهوذا "لا يزال قضيب (الحكم) من يهوذا أو مشترع من بين رجليه حتى يأتى شيلون (الذى له الحكم والسيادة)"(133)، وكذلك أيضاً تحقيقاً لنبوءة دانيال النبى الذى تنبأ أن المسيح الآتى والذى وصفه ب "المسيح الرئيس" سيأتى ويقطع (أى يصلب) بعد مرور 490 سنة على صدور الأمر لتجديد أورشليم وبنائها"(134)، وكان الأمر قد صدر بذلك سنة 454ق.م"(135) وبناء على ذلك كان اليهود وقت ميلاده يعلمون أنهم يعيشون فى الوقت المحدد لميلاده. وبالإضافة إلى ما جاء فى النبوات فقد امتلأت كتب اليهود فيما بين ملاخى النبى حوالى 430ق.م. وآخر أنبياء اليهود قبل يوحنا المعمدان وبين السيد المسيح، وهى الفترة المسماة بفترة ما بين العهدين، بالكثير من التقاليد والأقوال التفسيرية وأدب الرؤى عن هذا المسيح الآتى"(136). بل وكان بعض شيوخ اليهود المعاصرين لتلك الفترة قد صار لهم الوعد من الله إنهم أن يموتوا قبل أن يروا "مسيح الرب" الآتى إلى العالم، ومن هؤلاء سمعان الشيخ الذى، كما يقول الكتاب، "كان باراً تقياً ينتظر تعزية إسرائيل والروح القدس كان عليه. وكان قد أوحى إليه بالروح القدس أنه لن يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب"(137). ولما دخل الطفل يسوع فى اليوم الثامن لميلاده إلى الهيكل مع يوسف ومريم العذراء ليختن حسب الناموس، ذهب سمعان بالروح إلى الهيكل وحمل الطفل على ذراعيه "وبارك الله وقال: الآن تطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلام لأن عينى قد أبصرتا خلاصك الذى أعددته قدام وجه جميع الشعوب نور إعلان للأمم ومجداً لشعبك إسرائيل"(138). وكان هناك فى نفس الوقت "حنة بنت فنوئيل" التى كانت عابدة فى الهيكل منذ حوالى أربع وثمانين سنة لا تفارق الهيكل، هذه العابدة عندما رأت الطفل الإلهى، الآتى إلى العالم، "فى تلك الساعة وقفت تسبح الله وتكلمت عنه مع جميع المنتظرين فداء فى أورشليم"(139).

وقد ظن الشعب عندما ظهر يوحنا المعمدان أنه قد يكون المسيح المنتظر "وإذا كان الشعب ينتظرون ويفكرون فى قلوبهم عن يوحنا لعله المسيح"(140) وقد أجابهم يوحنا بقوله "أنا أعمدكم بماء للتوبة"(141) ولكن يأتى من هو أقوى منى الذى لست أهلاً أن أحل سيور حذائه"(142). وفى اليوم التالى جاء السيد المسيح إلى يوحنا فأشار إليه قائلاً "هوذا حمل الله الذى يرفع خطية العالم. هذا الذى قلت عنه يأتى بعدى رجل قد صار قدامى لأنه كان قبلى... وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله"(143).

وكان الرب يسوع المسيح يبرهن على صحة رسالته، فى مواقف كثيرة بما سبق أن تنبأ به عنه جميع الأنبياء؛ ومن بين أقواله فى ذلك:

"لأنكم لو كنتم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية. وهى التى تشهد لى"(144)،

"لابد أن يتم جميع ما هو مكتوب عنى فى ناموس موسى والأنبياء والمزامير"(146)،

"ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به فى جميع الكتب"(147).

وكان تلاميذه ورسله عندما يبدأون كرازتهم لليهود، خاصة فى المجامع يوم السبت، ويدعونها للإيمان به بالروح القدس، يبدأون بإعلان ما سبق وتنبأ به عنه جميع الأنبياء ويفسرونه لهم؛ يقول يكون. إن يؤلم المسيح يكن هو أول قيامة الأموات مزمعاً أن ينادى بنور للشمس وللأمم"(148). عندما دونت الأناجيل أشار مدونيها بالروح لكثير من هذه النبوات وطبقوها على حياته وأعماله وأقواله، كانت أشهر عباراتهم التى استخدموها فى ذلك؟ "لكى يتم ما قيل من الرب بالنبى القائل(149)"، "لكى يتم ما قيل بالأنبياء(150)"، "لكى يتم ما قيل بأشعياء النبى(151)"، "لأنه مكتوب بالنبى(152)"، "حينئذ تم ما قيل بإرمياء النبى القائل(153)"، "لكى يتم الكتاب(154)".

 

4- إعلان الابن هو إعلان العهد الجديد:

وكما تنبأ الأنبياء عن كل ما يختص بالسيد المسيح تنبأوا أيضا أنه سيؤسس، سيقيم، عهداً جديد غير العهد الأول الذى قطعه الله مع إبراهيم وإسحق ويعقوب وموسى، هذا العهد الجديد سيقيمه بصورة مختلفة تماماً عن العهد الأول، القديم؛

"ها أيام تأتى يقول الرب وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهداً جديداً. ليس كالعهد الذى قطعته مع آبائهم يوم أمسكتهم بيدهم(155) لأخرجهم من أرض مصر حين نقضوا عهدى فرفضتهم يقول الرب(156)

"وأقطع عهداً أبدياً لأنى لا أرجع عنهم لأحسن إليهم وأجعل مخافتى فى قلوبهم فلا يحيدون على(157)

"أميلوا آذانكم وهلموا إلى. أسمعوا فتحيا أنفسكم وأقطع لكم عهداً أبدياً مراحم داود الصادقة(158)".

هذا العهد الجديد هو العهد الذى أقامه السيد المسيح بدمه مع شعبه، جماعة المؤمنين، الكنيسة، إسرائيل الجديد، إسرائيل الروحى، وقد قطعه مع تلاميذه، الأسباط الإثنى عشر لجماعة الله الجديدة، فى العشاء الربانى وأتمه على الصليب بدمه، بدم نفسه وليس بدم تيوس أو عجول كما كان يحدث فى العهد القديم "وليس بدم تيوس أو عجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداءً أبدياً. لأنه إن كان دم ثيران وتيوس ورماد عجلة مرشوش على المنجسين يقدس إلى طهارة الجسد فكم بالحرى يكون دم المسيح الذى بروح أزلى قدم نفسه لله بلا عيب يطهر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحى. لأجل هذا هو وسيط عهد جديد لكى يكون المدعوون إذ صار موت لفداء التعديات التى فى العهد الأول ينالون وعد الميراث الأبدى(159)"، ويقول الكتاب أنه بعد عشاء الفصح "وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى التلاميذ وقال خذوا كلوا. هذا هو جسدى. وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً أشربوا منها كلكم. لأن هذا هو دمى الذى للعهد الجديد الذى يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا(160)".

هذا العهد الجديد كما أنه يؤسس على دم المسيح وليس على دم الحيوانات الطاهرة التى كانت تقدم منها الذبائح، فهو مؤسس أيضاً على "قسم" من الله وعلى كون المسيح هو الإله المتجسد ابن الله الحى، الحى دائماً "أمساً واليوم وإلى الأبد(161)"، الوسيط الوحيد والشفيع الوحيد "الحى فى كل حين" الذى يتوسط بين الله بسبب كونه إله وإنسان فى آن واحد ولأنه الحى دائماً "لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح الذى بذل نفسه فدية لأجل الجميع(162)". لذلك فقد دعى ب "العهد الأعظم"، كما دعى أيضا "بالعهد الأفضل" لأن مواعيده أعظم وأفضل، بل وأسمى:

"وأما هذا فبقسم من القائل لهُ اقسم الرب ولن يندم أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكى صادق. على قدر ذلك صار يسوع ضامناً لعهد أفضل ... فمن ثم يقدر أن يخلص أيضاً إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله إذ هو حى فى كل حين ليشفع فيهم(163)

"ولكنه الآن قد حصل على خدمة أفضل بمقدار ما هو وسيط أيضا لعهد أعظم قد تثبت على مواعيد أفضل. فإنه لو كان الأول بلا عيب لما طلع الثانى(164)

"لأنكم لم تأتوا إلى جبل ملموس مضطرم بالنار وإلى ضباب. وظلام وزوبعة وهتاف بوق وصوت كلمات استعفى الذين سمعوه من أن تزداد لهم كلمة. لأنهم لم يحتلموا ما أُمر به وأن مست الجبل بهيمة تُرجم أو ترمى بسهم. وكان المنظر كذا مخيفاً حتى قال موسى أنا مرتعب ومرتعد، بل قد أتيتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحى أورشليم السماوية وإلى ربوات هم محفل ملائكة وكنيسة أبكاراً مكتوبين فى السموات وإلى الله ديان الجميع وإلى أرواح أبرار مكملين وإلى وسيط العهد الجديد يسوع وإلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل(165)".

 

---

(1) عب 1: 1-5.

(2) يو 1: 1-18.

(3) لو 22: 10.

(4) متى 27: 11-30.

(5) متى 18: 28-20.

(6) 2صم 2: 23.

(7) خر 20.

(8) عدد 6: 12-8.

(9) هو 10: 12.

(10) أر 7: 1.

(11) خر 15: 4.

(12) خر 11: 3،12.

(13) أر 6: 1،7.

(14) عا 14: 7،15.

(15) متى 35: 21،37.

(16) يو 16: 5-20.

(17) 1كو 3: 15،4.

(18) أع 1: 1،2.

(19) يو 31: 20.

(20) 1يو 14: 4.

(21) متى 37: 21.

(22) كو 15: 1.

(23) مز 1: 110.

(24) يو 29: 7.

(26)يو 30: 10.

(27) فى 7: 2.

(28) لو 22: 10.

(29) يو 29: 7.

(30) متى 38: 21.

(31) مز 8: 2.

(32) متى 27: 11.

(33) مت 18: 28.

(34) يو 5: 3.

(35) يو 22: 5،23.

(36) يو 1: 17،2.

(37) يو 3: 13.

(38) رو 9: 14.

(39) أف 21: 1.

(40) فى 9: 2-11.

(41) عب 8: 2.

(42) 1بط 22: 3.

(43) دا 13: 7،14.

(44) يو 17: 5،20.

(45) يو 2: 1،3.

(46) كو 6: 1.

(47) أف 9: 3.

(48) 1كو 6: 8.

(49) عب 2: 1.

(51) كو 17: 1.

(52) يو 1: 1.

(53) رؤ 13: 19.

(54) 1كو 24: 1.

(55) كو 3: 2.

(56) الهيسوستاس د. شرابى ص95.

(56) كمال البرهان ص20.

(57) يو 16: 3.

(58) يو 13: 3.

(59) غل 4: 4.

(60) يو 14: 1،18.

(61) 1تى 16: 3.

(62) يو 6: 14-11.

(63) يو 28: 16.

(64) رؤ 10: 19.

(65) أع 43: 10.

(66) 1بط 10: 1،11.

(67) لو 25: 24-27.

(68) لو 33: 24.

(69) لو 44: 24-47.

(70) الرسالة إلى العبرانيين، الآب متى المسكين ص94.

(71) والحية القديمة كما يقول سفر الرؤيا هى إبليس "الحية المدعوة إبليس والشيطان" ويقدم السفر صورة رائعة للحرب الدائرة بين المسيح "نسل المرأة" وأتباعه وبين إبليس "الحية القديمة" وملائكته (أنظر رؤيا 7: 12-17). ويقول القديس يوحنا فى رسالته الأولى 8: 3. من يفعل الخطية فهو من إبليس لأن إبليس من البدء يخطئ"، ويقول السيد المسيح للخطاة "أنتم من آب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا. ذلك كان قتالاً للناس من البدء ولم يثبت فى الحق لأنه ليس حق. متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له لأنه كذاب وأبو الكذاب" (يو 44: 8).

(72) تك 15: 3.

(73) إش 14: 7.

(74) تكررت هذه الكلمة "عولما" سبع مرات فى العهد القديم بنفس المعنى (أنظر تك 43: 24،44؛ نش 3: 1؛8: 5؛ خر 8: 2؛ أم 19: 30؛ مز 25: 68؛ إش 14: 7).

(75) غل 4: 4.

(76) لو 26: 1-34.

(77) تك 18: 22 أنظر تك 13: 12؛18: 18.

(78) تك 19: 17.

(79) تك 4: 26.

(80) تك 14: 28.

(81) أع 24: 3،25.

(82) غل 8: 3،14،16.

(83) عدد 17: 24.

(84) تك 10: 49.

(85) إش 10: 11.

(86) رو 12: 15.

(87) إش 3: 60.

(88) إش 1: 42.

(89) إش 6: 49.

(90) حجى 7: 2.

(91) ملا 1: 3.

(92) حز 27: 21.

(93) متى2.

(94) رؤ 16: 22.

(95) 2بط 19: 1.

(96) رؤ 16: 19.

(97) عب 14: 7.

(98) رؤ 5: 5.

(99) لو 33: 1.

(100) خر 22: 30-31.

(101) خر 26: 30-31.

(102) خر 30: 30.

(103) 1صم 16: 9.

(104) 2صم 4: 2.

(105) 1مل 16: 19.

(107) لا 10: 8-12.

(108) 1صم 3: 16.

(109) 1صم 6: 10.

(110) مز 15: 105.

(111) 2صم 1: 23.

(112) دا 24: 9.

(113) دا 25: 9.

(114) مز 3: 14.

(115) متى 17: 13.

(116) 2صم 12: 7-16.

(117) مز 35: 89،36.

(118) مز 29: 89.

(119) مز 17: 72.

(120) متى 42: 22-45.

 

(147) لو 27: 24.

(148) أع 22: 26،23.

الفصل الثالث

إعلان الله فى الإنجيل

إعلان ملكوت الله

 

1- ملكوت الله فى العهد القديم:

كلمة ملكوت فى العبرية هى "مالكوت" وفى الآرامية التى كتبت بها بعض أجزاء العهد القديم والتى كان يتحدث به اليهود فى زمن السيد المسيح "مالكوتا" وتعنيان فى العهد القديم والكتاب المقدس لكه حكم الله وسلطانه الشامل وسيادته على الناس والأمم والزمن فى الماضى والحاضر والمستقبل، أى التاريخ الذى يحدد مساره ويحقق فيه إرادته، والطبيعة والكون كله، فى السماء وعلى الأرض، فهو خالق الكون ومدبره والمهيمن عليه:

"يحمدك يا رب كل أعمالك ويباركك أتقياؤك بمجد مُلكك ينطقون وبجبروتك يتكلمون. ليعرّفوا بنى أدم قدرتك ومجد جلال مُلكك ملك كل الدهور وسلطانك فى كل دور فدور(1)

"الرب فى السموات ثبت كرسّيهُ ومملكتهُ على الكل تسود ... باركوا الرب يا جميع أعماله فى كل مواضع سلطانه باركى يا نفسى الرب(2)

"لأن الله ملك الأرض كلها رنموا قصيدة. ملك الله على الأمم(3)

"ليكن اسم الله مباركاً من الأزل وإلى الأبد لأن لح الحكمة والجبروت. وهو يغير الأوقات والأزمنة يعزل ملوكاً وينصب ملوكاً(4)

"لكى تعلم الأحياء أن العلى متسلط فى مملكة الناس فيعطيها من يشاء وينصب عليها أدنى الناس(5)

"أن الله العلى سلطان فى مملكة الناس وأنه يقيم عليها من يشاء(6)

"من لا يخافك يا ملك الشعوب(7)".

والكتاب يبين لنا قوة الله وسلطانه بصورة علمية عندما يذكر لنا أعماله مثل إغراق الأرض بالطوفان(8) وإرجاع الشمس للوراء(9) وشق البحر الأحمر وإغراق فرعون وجيشه فيه ونجاة شعب الله(10) وأنبع الماء من الصخر(11) وحرك النجم لإرشاد المجوس إلى مكان ميلاد المسيح(12) وجعل الشمس تختفى فى الظهر وقت صلب المسيح(13) وجعل الملك نبوخذ نصر يعيش فترة من الزمن كالحيوان(14) ويستخدمه كآلة لتأديب شعبه وتحويلهم إلى سبايا(15) ويدعو الملك الفارسى كورش ليعيدهم ثانية(16)، وهو الذى يسمح لأمة بالنصر فى الحروب وأخرى بالهزيمة وذلك بحسب قصده ومشيئته وعلمه السابق.

ولكن البشر كما يقول الوحى الإلهى؛ "حمقوا فى أفكارهم وأظلم قلبهم الغبى. وبينما يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء وأبدلوا مجد الله الذى لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذى يفنى والطيور والدواب والزحافات ... استبدلوا حق الله بالكذب واتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق الذى هو مبارك إلى الأبد(17)". سقط البشر فى عبادة الأوثان وتركوا الإله الحى ملك الملوك ووضعوا أنفسهم فى مجال ودائرة حكم الشيطان وسيادته وملكوته. ومن ثم فقد أختار الله إبراهيم ودعاه ليخرج من أرضه ويترك أهله وعشيرته ويسير فى الطريق التى رسمها له ليأتى منه ويخرج من صلبه شعباً خاصاً به يكون فى دائرة ومجال حكمه المباشر. هذا الشعب يقوم دستوره على القداسة والبر والتبعية المطلقة لله وتدور طقوسه وشعائره حول التطهير "وتكونون لى قديسين لأنى قدوس أنا الرب. وقد ميزتكم من الشعوب لتكونوا لى(18)"، ويعبد الله وحده باعتباره الإله الواحد الوحيد ولا إله غيره:

"أسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد(19)

"لا يكن لك إلهة أخرى أمامى. لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة ما مما فى السماء من فوق وما فى الأرض من تحت وما فى الماء من تحت الأرض وما فى الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهن ولا تعبدهن(20)

"أنا الرب وليس آخر. لا إله سواى ... ولا إله آخر غيرى ... ليس سواى ... أنا الله وليس آخر. الإله وليس مثلى(21)".

وكان قصد الله أن يكون هذا الشعب، فى المستقبل، سبب بركة لجميع الأمم عن طريق النسل الآتى، المسيح المنتظر، الذى سيقيم ملكوت الله فى العالم أجمع ويخضع كل ممالك الأرض للرب ومسيحه، أو كما يقول الوحى الإلهى "لتصير بركة إبراهيم للأمم فى المسيح يسوع لننال بالإيمان موعد الروح(22)":

"وقال الرب لإبر آم (إبراهيم) أذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التى أريك. فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم أسمك. وتكون بركة. وأبارك مباركيك ولاعنك العنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض(23)".

وقطع الله عهداً "ميثاقا" مع إبراهيم بواسطة الذبائح وكشف له عن المستقبل فى رؤيا(24) وجدد العهد مع ابنه إسحق "ولكن عهدى أقيمه مع إسحق(25)" ثم مع حفيده يعقوب الذى ظهر له فى حلم وقال له "أنا الرب إله إبراهيم أبيك وإله إسحق ... ويتبارك فيك وفى نسلك جميع قبائل الأرض(26)".

وجدد الله هذا العهد ثانية مع الشعب بعد خروجه من مصر بواسطة موسى النبى وقال لهم "أن سمعتم لصوتى وحفظتم عهدى تكونون لى خاصة من بين جميع الشعوب. فإن لى كل الأرض. وأنتم تكونون لى مملكة كهنة وأمة مقدسة(27)". وكان عهد الله معهم مشروطاً بحفظ وصاياه وسماع كلامه.

ولكن الله لم يختر هذا الشعب لميزة فيه أو فصيلة لأنه أختارهم وهم فى صلب إبراهيم وإسحق ويعقوب ورباهم بذاته كما يقول "ربيت بنين ونشأتهم(28)". وإنما أختارهم بنعمته وأحبهم فضلاً ليحقق من خلالهم مشورته الإلهية كما سبق أن وعد إبراهيم وإسحق ويعقوب: "لأنك أنت شعب مقدس للرب إلهك. إياك قد أختار الرب إلهك لتكون له شعباً أخص من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض. ليس من كونكم أكثر من سائر الشعوب التصق الرب بكم وأختاركم لأنكم أقل من سائر الشعوب. بل من محبة الرب إياكم وحفظه القسم الذى أقسم لآبائكم أخرجكم الرب بيد شديدة وفداكم من بيت العبودية ومن يد فرعون ملك مصر(29)".

فقد وجدت هذه الأمة وتأسست وقامت على أساس لاهوتى ولهدف سامى كان فى قصد الله وهو فداء العالم فى "ملء الزمان" عن طريق النسل الآتى والمسيح المنتظر الذى سيقيم ملكوت الله وينشره فى جميع الأمم، وبالرغم من أنها عاشت أحداث زمنية وتاريخية فى سياق التاريخ العام للعالم إلا أن هذه الأحداث كانت تسير بحسب قصد الله ومشيئته وعلمه السابق وبسماح منه تعالى. فقد كشف الله ما سيحدث لها على مر العصور لأنبيائه؛ كشف لإبراهيم فى رؤيا مدة عبوديتها فى مصر "أربع مئة سنة(30)" وكشف لسليمان عن انقسامها بعد موته(31) وكشف لأشعياء وإرمياء النبيين عن استخدامه لنبوخذ نصر ملك بابل فى تأديبها وحمل شعبها سبايا إلى بابل وعن استخدامه لكورش ملك فارس فى إعادة هذا الشعب ثانية إلى حيث كان بعد تمام سبعين سنة(32)، وكشف لدانيال النبى عن الدور الذى ستلعبه الإمبراطوريات العالمية الأربع، بابل وفارس واليونان وروما، فى تاريخ هذه الأمة(33).

ولم يكن اختيار الله لإسرائيل يعنى أنه تنازل عن ملكه وسيادته على بقية الأمم، كلا، فهو ملك كل الأمم "أنت هو الإله وحدك لكل ممالك الأرض(34)" وهو الذى "يعزل ملوكاً(35) وينصب ملوكاً".

وقد أعطى لنبوخذ نصر ملك بابل حكم بلاد كثيرة "قد دفعت كل هذه الأراضى ليد نبوخذ نصر ملك بابل عبدى(36)"، وسلط كورش ملك فارس على أمم كثيرة ودعاه بمسيحه "هكذا يقول الرب لمسيحه لكورش الذى أمسكت بيمينه لأدوس أمامه أمماً وأحقاء ملوك أحلُّ لأفتح أمامه المصراعين والأبواب(37)" ودعى مصر وأشور وكوش بشعوبه وكما أخرج إسرائيل من مصر فقد نقل أيضا شعوب أخرى من مكان إلى مكان: "مبارك شعبى مصر وعمل يدى أشور وميراثى إسرائيل(38)"،"ألستم لى كبنى الكوشيين يا بنى إسرائيل يقول الرب ألم أصعد إسرائيل من أرض مصر والفلسطنيين من كفتور والآراميين من قير(39)". وبرغم أن هذه الأمم كانت غارقة فى الوثنية ولكن الله دبر فى قصده الإلهى ومشورته الأزلية أن يفدى هذه الأمم ويعيدها إلى حظيرة ملكوته الروحى ثانية عن طريق النسل الآتى من بنى إسرائيل. وقد رأى الله بعلمه السابق أن هذه الأمم ستعود ثانية إليه كالابن الضال فى حين يخرج شعب إسرائيل، الأمة المختارة، من الملكوت بسبب تطلعهم إلى ملكوت مادى يقوم على الحروب وسفك الدماء وبسبب رفضهم لابن الله الآتى ليملك على القلوب ويقيم مملكة ليست من هذا العالم، أى روحية غير مادية "أن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب فى ملكوت السموات. وأما بنو الملكوت فيطرحون فى الظلمة الخارجية(40)".

عاش شعب إسرائيل تحت حكم الله المباشر وسيادته وسلطانه بواسطة الأنبياء والقضاة من موسى إلى صموئيل ولكنهم رفضوا حكم الله وطلبوا من صموئيل النبى أن يقيم لهم ملك يحكم عليهم مثل سائر الشعوب(41). رفضوا حكم الله وفضلوا عليه حكم البشر، وبرغم أن الله قال "إياى رفضوا لكى لا املك عليهم(42)" إلا إنه طلب من صموئيل أن يمسح لهم ملكاً حسب إرادتهم، فمسح شاول البنيامينى ملكاً عليهم وحل عليهم روح الله وتنبأ مع الأنبياء ودعى "مسيح الرب" وكان عليه أن يحكم بحسب إرادة الله وشريعته(43) ولكنه فشل فى ذلك، فرفضه(44) الرب وأختار داود ولم يفارقه وأخذ داود يسبح الله ويمجده ويتنبأ حتى دعى بالروح "الرجل القائم فى العلا مسيح إله يعقوب ومرنم إسرائيل الحلو(45)"، ودعى أيضاً بالرجل الذى بحسب قلب الله "أنتخب الرب لنفسه رجلاً حسب قلبه وأمره أن يترأس على شعبه(46)"، "وجدت داود بن يسى رجلاً حسب قلبى الذى يصنع كل مشيئتى(47)"، وبالرجل "الذى وجد نعمة أمام الله(48)"، وقيل عنه "وجدت داود عبدى. بدهن قدسى مسحته(49)"، وكان داود نموذجاً أمام بنى إسرائيل فى كل العصور وقد وعده الله أن من صلبه سيأتى النسل الآتى والمسيح المنتظر ليملك على كرسيه إلى الأبد:

"أقسم من بعدك نسلط الذى يخرج من أحشائك وأثبتت مملكته .... أنا أكون له أباً وهو يكون لى أبناً ... كرسيك يكون ثابتاً إلى الأبد(50)

"وأجعل على الأبد نسله وكرسيه مثل أيام السموات ... مرة حلفت بقدسى إنى لا أكذب لداود. نسله إلى الدهر يكون وكرسيه كالشمس أمامى. مثل القمر يثبت إلى الدهر(51)".

قال القديس بطرس بالروح عن وعد الله لداود أنه "كان نبياً وعلم أن الله حلف له بقسم انهُ من ثمرة صلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه(52)". وتطلع الأنبياء جميعاً إلى هذا الملك الآتى من نسل داود ليجلس على كرسيه ووصفوه بالروح ب "الرب برنا(53)" و"الإله القدير ... رئيس السلام(54)" و"الأزلى(55)" والذى سيكون "عادل ومنصور وديع(56)" و"ابن الإنسان" الذى تتعبد له كل الشعوب والألسنة(57)"، وستكون قوته فى "فمه" وسلاحه فى "شفتيه" ومنطقه هو "بره وأمانته(58)"، ولن يحارب بالسيف ولن يقود جيوش تغزو وتهلك وتدمر بل يستولى على الأمم بالحب والسلام، ولا يضم الناس إلى ملكوته بالسيف أو بقوة الجيوش بل بالروح القدس "سيعمد بالروح القدس ونار(59)".

وقد رأى دانيال النبى ملكوته يسود على كل الأمم ويكتسحها أمامه بقوة إلهية. فقد رآه كحجر قطع من جبل بغير يدين وأكتسح جميع ممالك العالم "كنت تنظر إلى قطع حجر بغير يدين فضرب التمثال على قدميه اللتين من حديد وخزف فسحقهما. فأنسحق حينئذ الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب معاً وصارت كعاصفة البيدر فى الصيف فحملتها الريح فلم يوجد لها مكان. أما الحجر الذى ضرب التمثال فصار جبلاً كبيراً وملأ الأرض كلها"، وبعد التفسير الخاص بالممالك التى يرمز إليها التمثال، والتى هى إمبراطوريات بابل وفارس واليونان والرومان، قال الوحى أن الحجر الذى قطع بغير يدين وأكتسح هذه الإمبراطوريات جميعاً وملأ الأرض كلها هو المسيح الآتى الذى سيقيم ملكوت أبدي لا نهاية له؛ "وفى أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السموات مملكة لن تنقرض أبداً وملكها لا يترك لشعب آخر وتسحق وتفنى كل هذه الممالك وهى تثبت إلى الأبد. لأنك رأيت أنه قد قُطع حجر من جبل لا بيدين فسحق الحديد والنحاس والخزف والفضة والذهب(60)".

ورآه دانيال فى رؤيا ثانية ولكن بصورة أوضح كابن الإنسان الذى يملك إلى الأبد على شعب قديسى العلى فى ملكوت أبدى لا نهاية له:

"كنت أرى فى رؤى الليل وإذا مع سحاب السماء مثل ابن إنسان آتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطى سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدى ما لن يزول وملكوته ما لن ينقرض ... والمملكة والسلطان وعظمة المملكة تحت السماء تعطى لشعب قديسى العلى. ملكوته ملكوت أبدى وجميع السلاطين إياه يعبدون ويطيعون(61)".

 

2- ملكوت الله فى العهد الجديد:

كان موضوع "ملكوت الله" أو "ملكوت السموات" هو جوهر ولب وأساس ومحور كرازة السيد المسيح، الذى يقول الكتاب إنه جاء ليكرز "ببشارة ملكوت الله(62)"، وأول كلمات يسجلها الوحى الإلهى للسيد المسيح هى "قد كمل الزمان وأقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل(63)". وكان "يطوف المدن كلها والقرى يعلم فى مجامعها. ويكرز ببشارة الملكوت(64)". وقد أرسل تلاميذه الأثنى عشر ليكرزوا فى كل مكان "قائلين أنه قد أقترب ملكوت السموات(65)"، كما عين سبعين آخرين وأرسلهم لينادوا، أيضاً، "قد أقترب ملكوت الله(66)".

وقد وردت عبارة "ملكوت الله" فى العهد الجديد حوالى 72 مرة، خاصة فى الأناجيل الأربعة، ووردت عبارة "ملكوت السموات" حوالى 32 مرة فى الإنجيل للقديس متى فقط ولم ترد فى أى مكان آخر، وهذا يرجع لأن القديس متى قد دون إنجيله بالروح القدس لليهود، وبصفة خاصة يهود فلسطين، والذين كانوا يتجنبون النطق أو التفظ باسم الله يهوه خشية ورهبة(67)، فراعى عادتهم هذه، كيهودى أصلاً، وأستخدم التعبير الذى كان شائعاً فى وسطهم وهو "ملكوت السموات"، ومع ذلك فقد أستخدم تعبير "ملكوت الله" حوالى ست مرات للتعبير عن طبيعة وجوهر "ملكوت الله(68)".

كما استخدم العهد الجديد أيضاً عبارات "الملكوت"، "ملكوتك"، "ملكوته" التى تعود على الآب(69)، أو على الابن(70) "المسيح"، واستخدم أيضاً عبارات "ملكوت أبى(71)" و"ملكوت ابن محبته(72)"، أى المسيح، و"ملكوت المسيح(73)" و"ملكوت ربنا ومخلصنا يسوع المسيح(74)" و"ملكوت يسوع المسيح(75)" و"صارت ممالك العالم لربنا ومسيحه(76)"، أى الآب والأبن. وهذا يعنى أن ملكوت الله هو ملكوت المسيح وملكوت الآب هو ملكوت الإبن، أو كما يقول السيد المسيح "كل م للآب هو لى(77)". فالمسيح هو الملك "الآتى باسم الرب(78)"، ملك الملوك، ملك الملكوت الذى تنبأ الأنبياء أنه سيجلس على عرش داود إلى الأبد، الإله الأبدى القدير رئيس السلام.

وعندما جاء المسيح إلى العالم فى "ملء الزمان(79)" و"ظهر فى الجسد(80)" أعلنت الملائكة أنه الملك السمائى الآتى ليقيم ملكوت الله، فقال الملاك للعذراء مريم أثناء بشارته لها "هذا يكون عظيماً وإبن العلى يدعى ويعطيه الرب الإله كرسى داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية(81)"، وهتف جند السماء عند ميلاده "المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة(82)" وذلك لحلول ملك السلام على الأرض، وجاء مجوس من المشرق مهتدين بنجم فى السماء ليسجدوا له كملك "أين هو المولود ملك اليهود(83)" وقدموا له هدايا كملك، ولما رأى نثنائيل قدرته على معرفة الغيب، فى أول لقاء لهما، قال له "يا معلم أنت أبن الله. أنت ملك إسرائيل(84)"، وهو يقصد الملك الآتى الذى تنبأ عنه الأنبياء، ولما أشبع الجموع بخمسة أرغفة وسمكتين آمنوا إنه هو الملك الآتى وأرادوا أن ينصبوه ملكا "فلما رأى الناس الآية التى صنعها يسوع قالوا هذا هو بالحقيقة النبى الآتى إلى العالم. وأما يسوع فإذ علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكاً أنصرف إلى الجبل وحده(85)"، لقد كان هو حقاً الملك الآتى ولكنه لم يكن ملكاً أرضياً يحكم على مجرد شعب واحد بل ملكاً سمائياً روحياً لكل الأمم والشعوب والقبائل والألسنة، كما قال هو لبيلاطس "مملكتى ليست من هذا العالم. لو كانت مملكتى من هذا العالم لكان خدامى يجاهدون لكى لا أُسّلم إلى أيدى اليهود. ولكن الآن مملكتى ليست من هنا(86)". مملكته هى مملكة "قديسى العلى" التى تنبأ عنها دانيال النبى(87)، "مملكة لا تنقرض أبداً ومُلكها لا يترك لشعب آخر وتسحق وتفنى كل هذه الممالك وهى تثبت إلى الأبد(88)"، وملكوته "ملكوت أبدى وجميع السلاطين إياه يعبدون ويطيعون(89)"، ملكوت يسود فيه على ما فى السماء وما على الأرض، كما قال هو "دفع إلى كل سلطان فى السماء وعلى الأرض(90)"، "كل شئ قد دفع إلى من أبى(91)"، "الآب يحب الإبن وقد دفع كل شئ فى يده(92)" ومن ثم فقد دعاه الوحى فى سفر الرؤيا ب "رئيس ملوك الأرض(93)" و"ملك القديسين(94)" و"رب الأرباب وملك الملوك(95)" و"ملك الملوك ورب الأرباب(96)".

وفى حديثه عن "ملكوت الله" فى الدهر الآتى، فى المستقبل، بعد المجئ الثانى قال أن "ملكوت الله" هو ملكوته هو "يرسل أبن الإنسان ملائكته فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلى الإثم(97)"، "الحق أقول لكم عن من القيام هنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتياً فى ملكوته(98)" وقال لتلاميذه "وأنا أجعل لكم كما جعل لى أبى ملكوتاً. لتأكلوا وتشربوا على مائدتى فى ملكوتى(99)" وعندما قال له اللص اليمين وهو على الصليب "أذكرنى يا رب متى جئت فى ملكوتك. فقال له يسوع الحق أقول لك أنك اليوم تكون معى فى الفردوس(100)".

وعلى الرغم من أن السيد المسيح رفض أن يُنصّب ملكاً على إسرائيل، لأنه ملك الملوك ورب الأرباب، فقد قبل أن يدخل أورشليم كملك، ولكن ملك "وديع ومتواضع" تحقيقاً لنبوءة زكريا النبى عنه "أبتهجى جداً يا أبنة صهيون اهتفي يا بنت أورشليم. هوذا ملكك يأتى إليك هو عادل ومنصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان(101)" والجموع هتفت له "مبارك الآتى باسم الرب. مباركة مملكة أبينا داود الآتية (باسم الرب). أوصنا فى الأعالى(102)".

 

1- تأسيس الملكوت والكنيسة:

أختار السيد المسيح تلاميذه الإثنى عشر "وأرسلهم ليكرزوا بملكوت الله" وقال لهم "وفيما أنتم ذاهبون أكرزوا قائلين قد أقترب منكم ملكوت السموات(103)". وقد أيد كرازتهم بعمل معجزات للبرهان على اقتراب ملكوت الله "أشفوا مرضى. طهروا برصاً أقيموا موتى. أخرجوا شياطين(104)". ثم عين سبعين آخرين وقال لهم أيضاً "وأية مدينة دخلتموها وقبلوكم فكلوا مما يقدم لكم. وأشفوا المرضى الذين فيها وقولوا لهم قد اقترب منكم ملكوت الله(105)".

وقد أسس السيد المسيح كنيسته على صخرة الإيمان أنهُ "المسيح ابن الله الحى(106)" ووعد بأنها لن تقهر أبداً "على هذه الصخرة ابنى كنيستى وأبواب الجحيم لن تقوى عليها"، وأعطاها مفاتيح ملكوت السموات. فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً فى السموات. وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً فى السموات(107)". وقد أسماها "كنيسة" وفى اليونانية "أكّليسيا Ekklesia" وتعنى فى العهد الجديد "جماعة المؤمنين Congregation" وقد استخدمت فى ترجمة العهد القديم إلى اليونانية أكثر من مئة مرة للإشارة إلى إسرائيل كشعب الله، ليؤكد أن الكنيسة هى جماعة المؤمنين، شعب الله وإسرائيل الجديد، إسرائيل الروحى التى تضم جميع المؤمنين سواء من الذى كانوا من اليهود أو من الأمم. وأصبحت الكنيسة هى دائرة ومجال عمل الله الفدائى فى التاريخ، أى دائرة ملكوت الله ومجاله، ملكوت الله على الأرض.

كان الهدف الأول لوجود إسرائيل كشعب الله المختار هو أن تكون بركة لجميع الأمم بواسطة نسل إبراهيم وإسحق ويعقوب، النسل الآتى الذى سيكون له السيادة، القضيب الذى يأتى من سبط يهوذا، شيلون، والغصن الذى يأتى من بيت داود، المدبر الذى سيولد من بيت لحم، الإله القدير رئيس السلام الذى سيأتي من إسرائيل بحسب الجسد(108)، مشتهى كل الأمم "ويكون أسمه إلى الدهر. قدام الشمس يمتد أسمه. ويتباركون به. كل الأمم يطوبونه"، "والكتاب إذ سبق فرأى أن الله بالإيمان يبرر الأمم سبق فبشر إبراهيم أن فيك تتبارك جميع الأمم ... لتصير بركة إبراهيم للأمم فى المسيح". ولأن اليهود توقعوا أن هذا النسل الآتى والمسيح المنتظر سيكون ملكاً أرضياً وأنه سيؤسس بهم إمبراطورية عالية ويجعل منهم سادة على كل الأمم. توقعوا أن يقيم لهم إمبراطورية سياسية استعمارية تسود على العالم كله بالحروب وسفك الدماء متناسين أن أهم أسس ملكوت المسيح هى السلام والبر والحق والعدل والوداعة "لنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسى داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد(109)"، "هو عادل ومنصور وديع(110)". كما توقعوا أن يشبعهم بالخيرات المادية من أكل وشرب دون أن يعلموا أن "ملكوت الله ليس أكلاً وشرباً. بل هو بر وسلام وفرح فى الروح القدس(111)" وأن "لحماً ودمأ لا يقدران أن يرثا ملكوت الله. ولا يرث الفساد عدم الفساد(112)". كما رفضوا فكرة انضمام الأمم إلى ملكوت المسيح وأرادوا ملكوتاً عنصرياً يتميزون فيه على سائر الأمم وحاولوا الحفاظ على تميزهم وتراثهم ومن ثم فقد رفضوا يسوع المسيح ورفضوا الإيمان بأنه المسيح المنتظر لأن الملكوت الذى جاء فيه وكرز به جاء مخيباً لأمالهم وقرروا قتله "إن تركناه هكذا يؤمن الجميع به فيأتى الرومان ويأخذون موضعنا وأمتنا(113)".

ولأنهم رفضوا المسيح وصلبوه ومن قبله قتلوا ورجموا وجلدوا الأنبياء الذين أرسلهم الله إليهم، كما قال السيد المسيح فى مثل الكرامين الذين قتلوا المرسلين إليهم، فقد رفضوا من الملكوت "أن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره(114)" وكان السيد المسيح قد أعلن أن كثيرين من الأمم سينضمون إلى ملكوت الله "وأقول لكم أن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب فى ملكوت السموات. وأما بنو الملكوت فيطرحون فى الظلمة الخارجية(115)". وبكى السيد عليهم وعلى الخراب القادم على أورشليم مدينة الملك ولكنه يُعلم أنهم سيعودون إليه وينضمون إلى حظيرة الكنيسة ودائرة ملكوت الله يوماً ما "يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا. هوذا بيتكم يترك لكم خراباً. لأنى أقول لكم لا تروننى من الآن حتى تقولوا مبارك الآتى باسم الرب(116)".

حلت الكنيسة كشعب الله فى العهد الجديد محل إسرائيل، شعب الله فى القديم، وكما كانت إسرائيل هى دائرة ومجال حكم الله وسيادته وملكوته أصبحت الكنيسة هى ملكوت الله على الأرض، أو بمعنى أدق هى الدائرة والمجال الذى يعمل خلاله ملكوت الله، هى مملكة المسيح الروحية التى آمنت به وتطهرت من خطاياها بدمه فصار أعضاؤها ملوكاً وكهنة فى ملكوت المسيح "الذى أحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه وجعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه(117)"، مستحق أنت (أيها المسيح) أن تأخذ السفر وتفك ختومه لأنك ذبحت واشتريتنا لله بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة وجعلتنا لإلهنا ملوكاً وكهنة فسنملك على الأرض(118)".

وقد بدأت الكنيسة وبدأت الكرازة بملكوت الله بعدد قليل جداً من التلاميذ الإثنى عشر والرسل السبعين وبعض التلاميذ الآخرين، وقد وصفهم السيد "بالقطيع الصغير"، "لا تخف أيها القطيع الصغير لأن أباكم سر أن يعطيكم الملكوت(119)" والمساكين بالروح "ورفع عينيه إلى تلاميذه وقال طوباكم أيها المساكين لأن لكم ملكوت السموات(120)"، وعلمهم دائماً أن يصلوا "ليأت ملكوتك كما فى السماء كذلك على الأرض(121)"، وأن لا يهتموا بالماديات ولا بالجسديات بل بالروحيات "اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه كلها تزاد لكم(122)"، وكشف لهم أسرار ملكوت الله " أعطى لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت الله(123)"، وأعطاهم سلطان الحل والربط كممثلين له "الحق أقول لكم كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً فى السماء. وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً فى السماء(124)"، ومغفرة الخطايا" ولما قال هذا نفخ وقال لهم أقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه تغفر له. ومن أمسكتم خطاياه أمسكت(125)".

وقد وصف هذا القطيع الصغير الذى كان عليه أن يحمل الكرازة بملكوت الله لجميع الأمم والشعوب والقبائل والألسنة بحبة الخردل المتناهية فى الصغر ولكنها عندما تزرع تصير شجرة عظيمة تتآوى فى أغصانها طيور كثيرة "يشبه ملكوت السموات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها فى حقله. وهى أصغر جميع البذور. ولكن متى نمت أكبر البقول وتصير شجرة حتى أن طيور السماء تأتى وتتآوى فى أغصانها(126)".

ولأن الكنيسة أصبحت، هى، مجال ودائرة ملكوت الله، أو ملكوت الله على الأرض، فقد أصبح أعضاؤها، أعضاء الملكوت، أو كما يصفهم السيد المسيح "بنو الملكوت"، وصار لهم نفس ألقاب "أبناء الملكوت" التى لقب بها، سابقاً، بنو إسرائيل، وذلك إلى جانب الألقاب الجديدة التى صارت بحكم إنمائهم للملكوت، وأهمها "أبناء الله" الذين يصلون لله الآب ويخاطبونه بلقب "أبانا"، "أبانا الذى فى السموات". يقول بطرس الرسول بالروح القدس وهو يخاطب أعضاء الكنيسة:

"وأما أنتم فجنس مختار وكهنوت ملوكى أمة مقدسة شعب اقتناء لكى تخبروا بفضائل الذى دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب. الذين قبلاً لم تكونوا شعباً وأما الآن فأنتم شعب الله. الذين كنتم غير مرحومين وأما الآن فمرحومون(127)". وهذا ما سبق وقيل فى لبنى إسرائيل فى القديم.

 

2- ملكوت الله فى الحاضر والدهر الآتى:

فى مثل الحنطة والزوان(128) وصف السيد المسيح ملكوت الله بالزارع الجيد الذى زرع حنطة فى حقله وجاء عدوه ليلاً وزرع فى وسطه زواناً ولما نما الزرع ووضع ثمراً نما الزوان أيضا مع الحنطة فأقترح عليه عبيده أن يجمعوا الزوان ولكنه رفض لئلا تقلع الحنطة مع الزوان وقال لهم "دعوهما ينميان كلاهما معاً (الحنطة والزوان) إلى وقت الحصاد". وفى وقت الحصاد اجمعوا الزوان أولاً وأحرقوه بالنار "وأما الحنطة فاجمعوها إلى مخزنى". ثم فسر المثل هكذا "الزارع الزرع الجيد هو ابن الإنسان (المسيح) والحقل هو العالم. والزرع الجيد هو بنو الملكوت. والحصادون هم الملائكة. فكما يجمع الزوان ويحرق بالنار هكذا يكون فى إنقضاء هذا العالم. يرسل ابن الإنسان ملائكته فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلى الإثم. ويطرحونهم فى آتون النار. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. حينئذ يضئ الأبرار كالشمس فى ملكوت أبيهم(129)".

وفى هذا المثل وتفسيره يوضح لنا السيد المسيح صورة ملكوته على الأرض، حيث يختلط بنو الملكوت وبنو الشرير، فى العالم الحاضر، وملكوته فى السماء حيث الأبرار، بنو الملكوت يضيئون كالشمس فى ملكوت أبيهم، بينما يلقى بنو الشر فى نار جهنم.

والعالم الحاضر أو "هذا الدهر" أو "الدهر الحاضر"، كما يتكرر فى العهد الجديد،يعبر عن الفترة التى تتركز حول وعند تجسد السيد المسيح وتمتد إلى الوراء إلى بداية الخليقة وتمتد إلى الأمام إلى المجئ الثانى للسيد المسيح وقيامة الموتى وانقضاء العالم، أى الفترة الزمنية التى يعيشها البشر على هذه الأرض حتى يوم الدينونة. و"الدهر الآتى" أو "ذلك الدهر" هو ما يبدأ بعد المجئ الثانى للمسيح فى المجد وقيامة الموتى وانقضاء العالم والدينونة ويمتد إلى الأمام فى الأبدية التى لا زمن لها ولا نهاية. ويميز العهد الجديد بين حياتين؛ حياة "هذا الدهر" أو "العالم الحاضر" ولاذى لا يعنى به مجرد المكان "الأرض"، بل بالدرجة الأولى "الزمان"، والذى يسميه القديس بطرس بالروح "زمان غربتكم(130)" باعتبار أن بنى الملكوت "غرباء ونزلاء على الأرض(131)" كما يقول بولس الرسول بالروح، بدليل أن الكتاب عندما يقول "العالم الحاضر" لا يستخدم كلمة "كوزموس Kosmos" والتى تعنى "العالم" بل يستخدم كلمة "إيون _ Aiwn" والتى تعنى "الدهر" مما يؤكد أنه يقصد "الزمان الحاضر". وهذا "الزمان الحاضر" أو "العالم الحاضر" أو هذا الدهر سينتهى تماماً بالمجئ الثانى والدينونة. وأما "الدهر الآتى" أو "ذلك الدهر" والذى يبدأ بالمجئ الثانى والدينونة ويدخل فى الأبدية أتلازمن فيمتد ببركاته ويذوق بنو الملكوت مواهبه وينالون عربونه فى العالم الحاضر:

"ومتى جاء ابن الإنسان فى مجده وجميع الملائكة القديسين مع فحينئذ يجلس على كرسى مجده. ويجتمع أمامه جميع الشعوب فيميز بعضهم عن بعض كما يميز الراعى الخراف عن الجداء ... ثم يقول الملك للذين عن يمينه تعالوا يا مباركى أبى رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم(132)".

"الذين استنيروا مرة وذاقوا الموهبة السماوية وصاروا شركاء الروح القدس وذاقوا كلمة الله الصالحة وقوات الدهر الآتى(133)

"الذى أعطانا أيضا عربون الروح(134)

"الذى ختمنا أيضا وأعطى عربون الروح فى قلوبنا(135)

"روح الموعد القدوس الذى هو عربون ميراثنا(136)

"الحق أقول لكم ليس أحد ترك بيتاً أو أخوة أو أخوات أو أباً أو أماً أو امرأة أو أولاداً أو حقولاً لأجلى ولأجل الإنجيل إلا ويأخذ منه ضعف الآن فى هذا الزمان بيوتاً وأخوة وأخوات وأمهات وأولاداً وحقولاً مع اضطهادات وفى الدهر الآتى الحياة الأبدية(137)".

 

3- أبناء الملكوت والعالم الحاضر:

يختلط أبناء الملكوت وأبناء الشرير، كما قال السيد المسيح فى مثل الحنطة والزوان، فى هذا العالم الحاضر الذى يصفه القديس بولس بالروح ب "العالم الحاضر الشرير(138)". فهذا العالم يقع تحت سلطان إبليس والذى يسمى أيضا "بإله هذا الدهر"؟ "إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضئ لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذى هو صورة الله(139)"، و"رئيس هذا العالم" و"رئيس سلطان الهواء". الذى يعمل فى الخطاة، أبناء المعصية "رئيس سلطان الهواء الروح الذى يعمل الآن فى أبناء المعصية(140)"، وفى أبناء الظلمة الذين يعيشون "فى الظلمة(141)" ويعملون "أعمال الظلمة(142)"، فهو أيضا "سلطان الظلمة(143)" الذى طرحه الله مع جنوده "فى سلاسل الظلام(144)" وحفظ "لهم قتام الظلام(145)" كما قيده أيضاً "بقيود أبدية تحت الظلام(146)"، ويوصف جنوده ب "أجناد الشر الروحية"؛ "فإن مصارعتنا ليست مع دم أو لحم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الهر مع أجناد الشر الروحية فى السماويات(147)"، وهو يعمل جاهداً لإسقاط أبناء الملكوت "إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمساً من يبتلعه هو(148)".

ولكن المسيح قهره وهزمه وأنتصر عليه بتواضعه العجيب "أفتقر وهو غنى(149)"، "أخلى نفسه آخذاً صورة عبد ... وضع نفسه وأطاع الموت موت الصليب(150)"، وأذله ببره غير المحدود "رئيس هذا العالم يأتى وليس له فىّ شئ(150)"، وأدانه بموته الكفارى على الصليب "الآن دينونة هذا العالم. الآن يطرح رئيس هذا العالم خارجاً. وأنا أن ارتفعت عن الأرض أجذب إلى الجميع. قال هذا مشيراً إلى آية ميتة كان مزمعاً أن يموت(152)"، وأسقطه بأعماله الإعجازية وسلطانه غير المحدود "فرجع السبعون بفرح قائلين يا رب حتى الشياطين تخضع لنا باسمك. فقال لهم رأيت الشيطان ساقطاً مثل البرق من السماء(153)". ولهذا فإن أبناء الملكوت يستطيعون هزيمته أيضاً لأن المسيح أعطاهم سلطان عليه "ها أنا أعطيكم سلطاناً لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شئ(154)"، كما أن من يدخل حظيرة ملكوت المسيح لا يمكن أن يتركه "من يقبل إلىّ لا أخرجه حارجاً(155)"، "خرافى تسمع صوتى وأنا أعرفها فتتبعنى. وأنا أعطيها حياة أبدية ولن تهلك إلى الأبد ولا يخطفها أحد من يدى(156)".

ولكن على أبناء الملكوت أن لا يتمثلوا بأهل العالم "لا تشاكلوا هذا الدهر. بل تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هى إرادة الله الصالحة المرضية(157)"، وأن لا يكون لهم علاقة مع الظلمة "أية شركة للنور مع الظلمة(158)"، "ولا تشتركوا فى أعمال الظلمة(159)" لأنهم ملح الأرض ونور العالم "أنتم ملح الأرض ... أنتم نور العالم ... فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكى يروا أعمالكم الحسنة فيمجدوا أباكم الذى فى السموات(160)".

 

4- دخول ملكوت الله:

للدخول إلى ملكوت الله شروط وهذه الشروط متعلقة بالولادة الروحية، الولادة من فوق، ونقاوة القلب والقداسة والبر والوداعة واتضاع القلب وتنفيذ إرادة الله وعمل الأعمال التى ترضى الله وتليق بأولاد ملكوت الله ورفض كل أعمال إبليس وعدم الاتكال على المال أو على بنى البشر؛ قال السيد المسيح لنيقوديموس أحد معلمى ورؤساء اليهود "الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله. قال له نيقوديموس كيف يمكن الإنسان أن يولد وهو شيخ. ألعله يقدر أن يخل بطن أمه ثانية ويولد. أجاب يسوع الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله. المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح(161)". والولادة من فوق تتم بقبول المسيح والإيمان به كالمخلص والفادى الذى قدم ذاته على الصليب نيابة عن كل البشرية، كل من يؤمن به، والميلاد بالروح يتم فى المعمودية، بعد الإيمان؛ "من آمن وأعتمد خلص(162)":

"أحب المسيح أيضاً الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها لكى يقدسها مطهراً إياها بغسل الماء بالكلمة لكى يحضرها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن أو شئ من مثل ذلك بل تكون مقدسة وبلا عيب(163)".

ظهر لطف مخلصنا الله وإحسانه لا بأعمال فى بر عملناها نحن بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثانى وتجديد الروح الذى سكبه علينا بغنى بيسوع المسيح مخلصنا حتى إذا تبررنا بنعمته نصير ورثة حسب رجاء الحياة الأبدية(164)

"كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أى المؤمنون باسمه. الذين وُلدوا ليس من دم ولا مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله(165)".

وهذه الولادة الروحية تحول الإنسان إلى خليقة جديدة "إذا كان أحد فى المسيح فهو خليقة جديدة(166)"، فقد "شاء فولدنا بكلمة الحق لكى نكون باكورة خلائقه(167)"، وتؤدى إلى نقاوة القلب والبر والقداسة والوداعة الذين هم أهم شروط دخول الملكوت "طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السموات ... طوبى للجياع والعطاش إلى البر. لأنهم يشبعون. طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله ... طوبى للمطرودين من أجل البر. لأن لهم ملكوت السموات(168)".

ويؤكد السيد المسيح أن أنقياء القلب هم الذين لهم قلوب مثل قلوب الأطفال "من لا يقبل ملكوت الله مثل ولد لن يدخله(169)"، ولما سأله تلاميذه عمن هو الأعظم فى الملكوت "دعا يسوع إليه ولداً وأقامه فى وسطهم وقال: الحق أقول لكم إن لم ترجعوا أو تصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات. فمن وضع نفسه مثل هذا الولد فهو الأعظم فى ملكوت السموات(170)"، ولما انتهر تلاميذه الأولاد الذين تقدموا إليه ليباركهم، قال لهم "دعوا الأولاد يأتون إلىّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات(171)"، كما أكد أن البر مطلوب لدخول الملكوت ليس مجرد حفظ الوصايا "ليس كل من يقول لى يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات بل الذى يفعل إرادة أبى الذى فى السموات(172)"، بل الاشتياق للبر "طوبى للجياع والعطاش إلى البر". وعندما وجد السيد المسيح أحد الكتبة يحفظ الوصايا ويجاوبه بعقل قال له "لست بعيداً عن ملكوت الله(173)"، ولكنه لم يكن من بنى الملكوت، لماذا؟ لأنه لم يبرره المسيح ولم يعطى السلطان ليصير أحد أولاد الله، وهذا ما قاله السيد للشاب الغنى الذى كان حافظاً للوصايا منذ طفولته "يعوزك شئ واحد. أذهب بع كل مالك وأعط الفقراء فيكون لك كنز فى السماء وتعال وأتبعنى حاملاً الصليب(174)". كان الكتبة والفريسيون حافظين للوصايا ولكن برهم ناقص لذلك قال السيد لتلاميذه "إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات(175)".

ولا يدخل ملكوت الله المتكلين على الأموال، قال السيد لتلاميذه بعد أن مضى الشاب الغنى حزيناً "ما أعسر دخول ذوى الأموال إلى ملكوت الله. فتحير التلاميذ من كلامه. فأجاب يسوع أيضاً وقال لهم يا بنى ما أعسر دخول المتكلين على الأموال إلى ملكوت الله. مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غنى إلى ملكوت الله(176)". وإنما يدخل الله الفقراء فى الماديات والجسديات ولكنهم أغنياء فى الإيمان "أما أختار الله فقراْ هذا العالم أغنياء فى الإيمان وورثة الملكوت الذى وعد به الذين يحبونه(177)".

ولا يدخل ملكوت الله ملكوت الله الجسدانيون والماديون الذين يعيشون بحسب الجسد وليس بحسب الروح "فإنكم تعلمون هذا أن كل زان أو نجس أو طماع الذى هو عابد للأوثان ليس له ميراث فى ملكوت المسيح والله(178)"، "أم لستم تعلمون أن الظالمين لا يرثون ملكوت الله. لا تضلوا لا زناة ولا عبد أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعوا ذكور ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله(179)"، "أما الخائفون وغير المؤمنين والرجسون والقاتلون والزناة والسحرة وعبدة الأوثان وجميع الكذبة فنصيبهم فى البحيرة المتقدة بنار وكبريت الذى هو الموت الثانى(180)". والخلاصة أنه لن يدخل ملكوت الله "شئ دنس ولا ما يصنع رجساً وكذباً إلا المكتوبين فى سفر حياة الحمل (المسيح)(181) ".

إنما يدخل الملكوت الذين يعيشون بحسب الروح وليس بحسب الجسد "أن لحماً ودماً لا يقدران أن يدخلا ملكوت الله. لا يرث الفساد عدم الفساد(182)"، وكما يحق للمسيح وإنجيله "ونشهدكم لكى تسلكوا كما يحق للذى دعاكم إلى ملكوته ومجده(183)"، "عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح(184)"، ويتخذون من المسيح ذاته نموذجاً لحياتهم "تعلموا منى. لأنى وديع ومتواضع القلب. فتجدوا راحة لنفوسكم(185)"، ويتبعونه وينظرون للأمام وليس للوراء؛ قال أحدهم للمسيح "يا سيد أئذن لى أن أمضى وأدفن أبى أولاً. فقال يسوع دع الموتى يدفنون موتاهم وأما أنت فأذهب وناد بملكوت الله. وقال أخر أيضاً أتبعك يا سيد ولكن أئذن لى أولاً أن أودع الذين فى بيتى. فقال له يسوع ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر للوراء يصلح لملكوت الله(186)". وكذلك الذين يتحملون الضيق والاضطهاد لأجل اسم المسيح "طوبى للمطرودين من أجل البر لأن لهم ملكوت السموات. طوبى لكم إذ عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلى كاذبين أفرحوا وتهللوا لأن أجركم عظيم فى السموات(187)"، "أنه بضيقات كثيرة ينبغى أن ندخل ملكوت الله(188)".

 

5- ظهور ملكوت الله وانتشاره فى الحاضر:

ظهر ملكوت الله منذ التجسد فى معمودية السيد المسيح على يد يوحنا المعمدان وفى تجليه على الجبل وفى أعماله وصلبه وقيامته وصعوده وفى إرساله الروح القدس يوم الخمسين. منذ ذلك ينتشر الملكوت فى العالم بقوة كلمة الله وعمل الروح القدس.

 

أ- المعمودية:

كان الكتبة والفريسون، قبل كرازة السيد المسيح، سيدون طريق الملكوت أمام الناس بريائهم ووقفهم كحجر عثرة فى طريق الدخول إليه، لذا قال لهم "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المرأوون لأمتكم تغلقون ملكوت السموات قدام الناس فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون(189)". وكان ملكوت الله يؤخذ بالقوة "ومن أيام يوحنا المعمدان إلى الآن ملكوت السموات يغضب والغاضبون يختطفونه(190)". ثم ظهر ملكوت الله بقوة بتجسد السيد المسيح وظهوره وأصبح متاحاً للجميع، يهود وغير يهود، لكل البشرية فى العالم أجمع. وكانت المعمودية هى بداية هذا الظهور.

فقد "جاء يوحنا المعمدان يكرز فى برية اليهودية. قائلاً توبوا لأنه قد أقترب ملكوت الله(191)". وكانت غاية رسالته هى المناداة بالتوبة "اصنعوا أثماراً تليق بالتوبة(192)"، ليهيئ الناس للمسيح الآتى، أو كما قال الملاك ل "يهيئ للرب شعباً مستعداً(193)" و"كما هو مكتوب فى الأنبياء. ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكى (رسولى) الذى يهيئ طريقك قدامك(194)". وقال المعمدان نفسه "أنا أعمدكم بماء التوبة. ولكن يأتى بعدى هو أقوى منى الذى لست آهلاً أن أحمل حذاءه. هو سيعمدكم بالروح القدس ونار(195)". ولما جاء السيد ليعتمد قال له المعمدان يعلم أنه القدوس البار، فبالرغم من أنه اتخذ جسداً وصورة العبد إلا أنه، كما يقول الوحى، كان بلا خطية "مجرب فى كل شئ مثلنا بلا خطية(196)". ثم قال ليوحنا "أسمح الآن. لأنه لا يليق بنا أن نكمل كل بر." فسمح له يوحنا "فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء. وإذا السموات انفتحت له فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة وآتياً عليه. وصوت من السماء قائلاً: هذا هو ابن الحبيب الذى به سررت(197)".

كان على السيد المسيح، القدوس البار، أنم "يتمم كل بر" برغم أنه هو نفسه "الرب برنا"، "كان ينبغى" كما يقول الوحى "أن يشبه أخوته فى كل شئ لكى يكون رحيماً ورئيس كهنة أميناً فى ما لله حتى يكفر خطايا الشعب. لأنه فيما هو قد تألم مجرباً يقدر أن يعين المجربين(198)". وأمام هذا التواضع العجيب أعلنت السماء أنه ابن الله "هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت". وبعد هذا الإعلان كانت شهادة المعمدان للمسيح هى "وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله(199)".

وبعد المعمودية ذهب الرب بالروح إلى البرية ليجرب من "رئيس هذا العالم(200)"، إبليس، "رئيس سلطان الهواء(201)" الذى تقدم إليه بعد أن صام "أربعين نهاراً وأربعين ليلة" ليجربه فى ثلاثة أمور هى: احتياجات الجسد المادية "إن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزاً(202)"، تجربة الله بعمل معجزات لا تمجده "إن كنت ابن الله فأطرح نفسك (من على جناح الهيكل) إلى أسف. لأنه مكتوب أنه يوصى ملائكته بك. فعلى أياديهم يحملونك لكى لا تصطدم بحجر رجلك(203)"، ثم طلبه الخضوع لإبليس ليعطيه ممالك العالم "ثم أخذه إبليس على جبل عال جداً وأراه جميع ممالك العالم ومجدها. وقال له أعطيك هذه جميعاً أن خررت وسجدت لى(204)". وكان رد السيد الذى قهر الشيطان هو أن ملكوت الله لا يعتمد، فى الحاضر، فقط على الطعام والشراب بل بالدرجة الأولى على احتياجات الإنسان الروحية "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله(205)"، أو كما يقول بولس الرسول بالروح "لأن ملكوت الله ليس أكلاً أو شرباً. بل هو بر وسلام وفرح فى الروح القدس(206)"، ولا يعتمد على مجرد المعجزات الخارقة التى تتطلب لمجرد تجربة الله. ولا تهدف إلى مجده "لا تجرب الرب إلهك(207)"، ولا على الخضوع لإبليس لأن المسيح ما جاء إلا لينقض أعمال إبليس ويهدم ملكوت "لأجل هذا أظهر ابن الله لكى ينقض أعمال إبليس(208)"،"لكى يبيد بالموت ذاك الذى له سلطان الموت أى إبليس(209)"، فقال له "للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد. ثم تركه إبليس وإذا ملائكة فد جاءت فصارت تخدمه(210)".

 

ب- فى أعمال السيد المسيح:

كانت أعمال السيد المسيح ومعجزاته وآياته التى تفوق الحد والوصف والخيال برهان إرساليته من الآب، وهو لم يعمل أى معجزة لحد ذاتها أو لمجرد الإبهار، بل كانت برهاناً لإعلان لاهوته ومجده ومجد الآب وظهور ملكوت الله:

"لأن الآب يحب الابن ويريه جميع ما هو يعمله وسيريه أعمالاً أعظم من هذه لتتعجبوا أنتم(211)

"صدقونى إنى فى الآب والآب فى. وإلا فصدقونى لسبب الأعمال نفسها(212)

"ولكن إن كنت أعمل فإن لم تؤمنوا بى فأمنوا بالأعمال لكى تعرفوا وتؤمنوا أن الآب فىّ وأنا فيه(213)

"وتبعه جمع كثير لأنهم أبصروا آياته التى صنعها فى المرضى(214)".

قال السيد عن مرض لعازر "هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله ليتمجد ابن الله به(215)" وقال عن المولود أعمى "لا هذا أخطأ ولا أبواه لكن لتظهر أعمال الله فيه ... ينبغى أن أعمل أعمال الذى أرسلنى مادام نهار ... مادمت فى العالم فأنا نور العالم(216)". وأكد للفريسيين أن أعماله هى برهان تراجع مملكة إبليس أمامه كما أنها برهان ملكوت الله "إن كنت أنا بروح الله، بإصبع الله(217)" أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله(218)"، ولما "رجع السبعون بفرح قائلين يا رب حتى الشياطين تخضع لنا باسمك. فقال لهم رأيت الشيطان ساقطاً مثل البرق من السماء(219)".

 

ج- فى التجلى:

بعد الإعلان عن حقيقة كونه "المسيح ابن الله الحى(220)"، أعلن الرب عن حتمية آلامه وصلبه وقيامته وبدأ يتحدث عن مجيئه فى ملكوته، ملكوته الآتى "فإن ابن الإنسان سوف يأتى فى مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازى كل واحد حسب عمله". ثم أعلن لتلاميذه الإعلان التالى "الحق أقول لكم أن من القيام ههنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتياً فى ملكوته(221)". ثم يقول الكتاب "وبعد ستة أيام" من القول السابق "أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا أخاه وصعد بهم إلى جبل عال منفردين. وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور. وإذا موسى وإيليا ظهرا لهم (للتلاميذ) يتكلمان معه(222)" ويقول القديس لوقا بالروح أنهما تكلما "عن خروجه الذى كان عتيداً أن يكمله فى أورشليم(223)" ثم جاء "صوت من السحابة قائلاً هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت له اسمعوا(224)"، لقد منح الرب لمحات من مجده لتلاميذه وأظهر ملكوته كما وعد.

 

د- على الصليب وفى القيامة:

كان مزود بيت لحم هو العرش الأول للملك، ملك الملكوت، على الأرض، وكان الصليب الذى كان رُفع عليه فى الجلجثة هو عرش التتويج الذى توج من عليه ملكاً يجذب إليه الجميع "وأنا أن ارتفعت عن الأرض أجذب إلى الجميع. قال هذا مشيراً إلى أية ميتة كان مزمعاً أن يموت(225)". كان بعض اليونانيين يريدون أن يروا المسيح وسألوا تلاميذه من أجل ذلك فقال لهم "قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان" وأخذ يتكلم عن موته الوشيك على الصليب والذى سيكون سبباً لانضمام الكثيرين إلى الملكوت " الحق الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة فى الأرض وتمت فهى تبقى وحدها ولكن إن ماتت تأتى بثمر كثير(226)". فهو ذاته البذرة التى كان يبج أن يموت لكى بموته يجذب الكثيرين إلى ملكوته. قال ليوحنا ويعقوب ابن زبدى عندما طلبت أمهما من السيد أن يجلسا واحد عن يمينه والآخر عن يساره فى ملكوته "أتستطيعان أن تشربا الكأس التى سوف أشربها أنا وأن تصطبغا بالصبغة التى اصطبغ بها أنا ... كما أن ابن الإنسان لم يأتى ليُخدم بل ليخدِم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين(227)"، فقد جاء ليبذل نفسه على الصليب لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. قال فى العشاء الربانى "هذا هو دمى الذى للعهد الجديد الذى يسفك عن كثيرين لمغفرة الخطايا(228)" وقال القديس بولس بالروح "هكذا المسيح أيضاً بعدما قُدّم مرة لكى يحمل خطايا كثيرين سيظهر ثانية بلا خطية للخلاص للذين ينتظرونه(229)" وأيضا "منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح الذى بذل نفسه لأجلنا لكى يفدينا من كل إثم ويطهر لنفسه شعباً خاصاً غيوراً فى أعمال حسنة(230)".

وكما كان موته على الصليب هو مجده والصليب هو العرش الذى يتجه إليه الجميع كانت القيامة، التى لم يتحدث أبداً عن آلامه وصلبه دون ذكرها، هى برهان الحياة الأبدية فى الملكوت وقد تحدث بعدها السيد مدة أربعين يوماً عن "الأمور المختصة بملكوت الله(231)"، وبعدها صعد الملك إلى السماء وجلس عن يمين الآب يقول بطرس الرسول بالروح "فيسوع هذا أقامه الله ونحن جميعاً شهود لذلك. وإذا أرتفع بيمين الله وأخذ موعد الروح القدس من الآب سكب هذا الذى أنتم تبصرونه وتسمعونه. لأن داود لم يصعد إلى السموات. وهو نفسه يقول قال الرب لربى أجلس عن يمينى. حتى أضع أعدائك موطئاً لقدميك. فليعلم جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذى صلبتموه أنتم رباً ومسيحاً(232)".

من على الصليب أجتذب المسيح، الملك المتوج على الصليب، الجميع إليه وبالقيامة والصعود والجلوس عن يمين العظمة فى السموات صار موضوع عبادة الجميع باعتباره رب المجد، ملك الملكوت، المعبود الذى يجب أن تقدم له العبادة:

"الذى إذ كان فى صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً فى شبه الناس وإذ وجد فى الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذلك رفعه الله وأعطاه أسماً فوق كل اسم. لكى تجثوا باسم يسوع كل ركبة ممن فى السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض. ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب(233)".

 

ه- حلول الروح القدس وانتشار الملكوت:

شبه السيد المسيح انتشار الملكوت بالخميرة الصغيرة التى تعمل بطريقة غير مرئية وتخمر كمية كبيرة من العجين "يشبه ملكوت السموات خميرة أخذتها امرأة وخبأتها فى ثلاثة أكيال دقيق حتى أختمر الجميع(234)". وهذا بالضبط هو عمل الروح القدس. فالروح القدس هو العطية العظمى للملك القائم من الموت؛ الصاعد إلى السماء والجالس عن يمين الآب، وقد سكبه السيد على التلاميذ بعد عشرة أيام من صعوده إلى السماء ليشهد له من خلالهم "فهو يشهد لى. وتشهدون أنتم أيضاً(235)"، "ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم وتكونون لى شهوداً(236)". وكان حلوله على التلاميذ هو بداية انتشار ملكوت الابن، وقد بدأ فى الانتشار بقوة منذ اليوم الأول لحلوله، فقد آمن فى ذلك اليوم وحده، كما يقول الكتاب، "نحو ثلاثة آلاف نفس(237)". كان الرسل يبشرون بالأخبار السارة ويكرزون بملكوت الله وكان الروح القدس، الذى يؤيدهم بالآيات والعجائب والقوات المتنوعة ومواهب الخاصة، يعمل فى القلوب بطريقة غير مرئية، مثل الخميرة التى تعمل فى العجين، ويحرك القلوب للإيمان بالمسيح "وليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس(238)".

 

---

 

 

(45) 1صم 13: 16

(46) 1صم 14: 13

(47) أع 22: 13

(48) أع 49: 7

(49) مز 20: 89

(50) 2صم 12: 7-16

(51) مز 29: 89،35-37

(52) أع 30: 2

(53) إر 16: 33

(54) إش 6: 9

(55) ميخا 2: 5

(56) زك 9: 9

(57) دا 14: 7

(58) إش 1: 11-5

(59) متى 11: 3

(60) دا 34: 2-36، 44-45 رمز الوحى الإلهى بهذه المعادن المذكورة لممالك العالم الأربع التى سادت على دول كثيرة وكونت أقدم الإمبراطوريات فى التاريخ وكان لها دوراً مباشراً وغير مباشر فى علاقة الله بإسرائيل قديماً وفى علاقته بالكنيسة المسيحية منذ تجسد ابن الله. وقد رمز بالذهب لإمبراطورية بابل، وبالفضة لإمبراطورية فارس، وبالنحاس لإمبراطورية اليونان، وبالحديد والخزف لإمبراطورية الرومان.

(61) دا 13،14،17

(62) مر 14: 1

(63) مر 15: 1

(64) متى 35: 9

(65) متى 7: 10

(66) لو 1: 10،9

(67) استخدم العهد القديم تعبير "الملكوت" للإشارة إلى ملكوت الله ولم ترد عبارة "ملكوت الله" إلا مرة واحدة فى سفر الحكمة “Basileia Tuo Theou" (حك 10: 10)، ووردت عبارة "ملكه" العائدة على الله (حك 4: 6) وعبارة "ملك الدهور" فى سفر طوبيا (10: 13). وفى أدب اليهود وكتبهم التى كتبت فى الفترة ما بين العهدين وردت عبارات "الملكوت" و"ملكوتك" و"ملكوت إلهنا" وذلك فى كتاب أخنوخ الأول (1: 41) وكتاب مزامير سليمان (18: 5؛ 3: 17). وفى كل الأحوال فالمعنى المقصود هو الله "ملكوت الله". ولكن فى الفترة السابقة لميلاد المسيح مباشرة والفترة المعاصرة له استخدم اليهود فى فلسطين عبارة " ملكوت الله – مالكوت شمايم –

Basilei Ton Oranoon" وذلك تجنباً لذكر اسم الله.

(68) متى 33: 5؛ 28: 12؛ 11: 13؛ 24: 19؛ 31: 21،43

(69) متى 23: 4؛ لو 2: 11

(70) متى 41: 13

(71) متى 29: 26

(72) كو 11: 4

(73) أف 5: 5

(74) 2بط 11: 1

(75)

(76) رؤ 15: 11

(77) يو 15: 16

(78) يو 13: 12

(79) غل 4: 4

(80) 1تى 16: 3

(81) لو 32: 1،33

(82) لو 14: 2

(83) متى 2: 2

(84) يو 49: 1

(85) يو 14: 6،15

(86) يو 36: 19

(87) دا 22: 7

(88) دا 44: 7

(89) دا 27: 7

(90) متى 18: 28

(91) متى 27: 11

(92) يو 35: 3

(93) رؤ 5: 1

(94) رؤ 3: 15

(95) رؤ 14: 17

(96) رؤ 16: 19

(97) متى 41: 13

(98) متى 28: 16

(99) لو 29: 22

(100) لو 42: 23،43

(101) زك 9: 9

(102) مر 9: 11،10

(103) متى 7: 10

(104) متى 8: 10

(105) لو 8: 10،9

(106) متى 16: 16

(107) متى 17: 16-19

(108) رو 5: 96 مع إش 6: 9

(109) إش 7: 9

(110) زك 9: 9

(111) رو 7: 14

(112) 1 كو 50: 15

(113) يو 48: 11

(114) متى 43: 21

(115) متى 11: 8،12

(116) متى 37: 23-39 ويؤكد القديس بولس الرسول بالوحى على حتمية خلاص إسرائيل وإيمانها بالمسيح بعد إتمام الكرازة لجميع الأمم "ألعل الله رفض شعبه؟ حاشا ... ألعلهم عثروا لكى يسقطوا؟ حاشا. بل بزلتهم صار الخلاص للأمم لإغارتهم. فإن كانت زلتهم عنى للعالم ونقصانهم غنى للأمم فكم بالحرى ملؤها ... إن القساوة قد حصلت لإسرائيل جزئياً إلى أن يدخل ملؤ الأمم. وهكذا سيخلص جميع إسرائيل" رو 1: 11،11،12،25،26

(117) رؤ 5: 1،6

(118) رؤ 9: 5،10

(119) لو 32: 12 ويبدو أن السيد يشير إلى "البقية" التى تنبأ الأنبياء أنها ستكون سبب بركة بل وباكورة للراجعين من إسرائيل والأمم "وتكون بقية يعقوب فى وسط شعوب كثيرين كالندى من عند الرب" ميخا 7: 5

(120) لو 20: 6

(121) متى 10: 6

(122) متى 33: 6

(123) مر 11: 4

(124) متى 18: 18

(125) يو 22: 20،23

 

(127) 1 بط 31: 13،32

(128) الزوان أو الزؤان اسم جمع يدل على النباتات الضارة مثل: الشوك والحنطة هى القمح.

(129) متى 24: 13-30، 37-43

(130) 1 بط 17: 1

(131) عب 13: 11

(132) متى 31: 25-43

(133) عب 4: 6،5

(134) 2كو 5: 5

(135) 2كو 22: 1

(136) أف 14: 1

(137) مر 29: 10،3

(138) غل 4: 1

(139) 2كو 3: 4،4

(140) أف 2: 2

(141) 1بط 9: 2

(142) رو 12: 13

(143) لو 53: 22؛ كو 13: 1

(144) 2بط 4: 2

(145) 2بط 17: 2

(146) يه 6

(147) أف 12: 6

(148) 1بط 9: 5

(149) 2 كو 9: 8

(150) فى 7: 2،8

(150) فى 7: 2،8

(152) يو 31-33

(153) لو 17: 10،18

(154) لو 19: 10

(155) يو 37: 6

(156) يو 27: 10،28

(157) رو 2: 12

(158) 2كو 24: 6

(159) أف 11: 5

(160) متى 13: 5-16

(161) يو 3: 3-6

(162) مر 16: 16

(163) أف 25: 5-27

(164) تى 4: 3-7

(165) يو 12: 1،13

(166) 2كو 17: 5

(167) يع 18: 1

(168) متى 3: 5،6،10

(169) لو 17: 18

(170) متى 1: 18-4

(171) متى 14: 19

(172) متى 21: 17

(173) مر 34: 12

(174) مر 21: 10

(175) متى 20: 5

(176) مر 23: 10-25

(177) يع 5: 2

(178) أف 5: 5

(179) 1كو 9: 6،10

(180) رؤ 8: 21

(181) رؤ 27: 21

(182) 1كو 5: 15

(183) 1تس 12: 2

(184) فى 27: 1

(185) متى 29: 11

(186) لو 59: 9-62

(187) متى 10: 5-12

(188) أع 22: 14

(189) عب 17: 2،18

(190) متى 12: 11

(191) متى 1: 3،2

(192) متى 8: 3

(193) لو 17: 1

(194) مر 2: 1

(195) متى 11: 3

(196) عب 15: 4

(197) متى 15: 3-17

(198) عب 17: 2،18

(199) يو 34: 1

(200) يو 11: 16

(201) أف 2: 2

(202) متى 3: 4

(203) متى 6: 4

(204) متى 9: 4

(205) متى 4: 4

(206) رو 7: 14

(207) متى 7: 4

(208) 1يو 8: 3

(209) عب 14: 2

(210) متى 10: 4

(211) يو 20: 5

(212) يو 11: 14

(213) يو 38: 10

(214) يو 2: 6

(215) يو 4: 11

(216) يو 4: 9،5

(217) لو 20: 11

(218) متى 28: 12

(219) لو 17: 10

(220) متى 16: 16

(221) متى 26: 16،27

(222) متى 1: 17-3

(223) لو 31: 9

(224) متى 5: 17

(225) يو 32: 12،33

(226) يو 23: 12،24

(227) متى 22: 20،28

(228) متى 28: 26

(229) عب 28: 9

(230) تى 13: 2،14

(231) أع 3: 1

(232) أع 32: 2-36

(233) فى 5: 2-11

(234) متى 23: 13

(235) يو 26: 15،27

(236) أع 8: 1

(237) أع 41: 2

(238) 1كو 3: 12

الفصل الرابع

تلاميذ المسيح ورسله

حمل الإعلان وشهود المسيح للعالم أجمع

 

بدأت كرازة المسيح وبشارته بملكوت الله بعد معموديته من يوحنا المعمدان واستمرت إلى أحداث صلبه وقيامته، وذلك بشخصه مباشرة. فقد كان يجول يصنع خيراً ويشفى جميع المتسلط عليهم إبليس(1)"، كان يجول فى المدن والقرى والطرق والشوارع والأسواق والحوارى وعلى ضفاف نهر الأردن والبحر الميت وبحيرتى طبرية وجنيسارت وفى السفن والبيوت وفى المجامع، كل سبت، وفى الهيكل فى أورشليم، خاصة فى الأعياد والمناسبات الدينية التى يجتمع فيها مئات الألوف من اليهود. وكان محاط دائماً بالجماهير الغفيرة والجموع التى لا تحصى. وكان أيضا يكرز لأفراد مثل نيقوديموس، أحد رؤساء ومعلمى اليهود، والمرأة السامرية، الخاطئة.

وكان لب وجوهر كرازته هو "توبوا لأنه قد اقترب (منكم) ملكوت السموات(2)"، "قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل(3)"، وأنه "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية(4)"، وأنه هو الطريق الوحيد المؤدى إلى الله الآب وإلى الحياة الأبدية:

"أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتى إلى الآب إلا بى(5)

"أنا هو القيامة والحياة من آمن بى ولو مات فسيحيا(6)

"أنا هو الباب إن دخل بى أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى(7)

"أنا هو نور العالم. من يتبعنى فلا يمشى فى الظلمة بل يكون له نور الحياة(8)".

وإنه هو الوحيد الذى من ذات الآب "أنا أعرفه لأنى منه وهو قد أرسلنى"، ومن ثم فهو وحده الذى يستطيع أن يعلن عنه "وليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب ولا من هو الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له(9)"، "الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذى فى حضن الآب هو خبر (أخبر عنه)(10)"، وهو "صورة الله غير المنظور(11)"، "لو كنتم قد عرفتمونى لعرفتم أبى أيضا. ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه ... الذى رأنى فقد رأى الآب ... أنا فى الآب والآب فى(12)".

كما أنه الوسيط الوحيد بين الله والناس"لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح الذى بذل نفسه فدية لأجل الجميع(13)"، وهو الشفيع الوحيد "وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم(14)"، "ومن ثم يقدر أن يخلص أيضاً إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله إذ هو حى فى كل حين ليشفع فيهم(15)".

وكان تعليمه وأسلوبه فى التعليم يختلف تماماً عن أسلوب وتعليم معلمى عصره من كهنة وكتبة ولاويين وفريسيين وناموسيين، كما كان يختلف عن أسلوب وتعليم فلاسفة اليونان والرومان وغيرهم، فقد كان تعليم رجال الدين اليهود جاف وأجوف، وكان تعليم الفلاسفة مجرد نظريات فلسفية جدلية.

وقد عبر هو عن تعليمه بأسلوب هو "روح الرب على لأنه مسحنى لأبشر المساكين أرسلنى لأشفى المنكسرى القلوب لأنادى المأسورين بالإطلاق والعمى بالبصر وأرسل المنسحقين فى الحرية وأكرز بسنة الرب المقبولة(16)". وكان يعلم دائماً بالأمثال "هذا كله كلم به يسوع الجموع بأمثال وبدون مثل لم يكن يكلمهم. لكى يتم ما قيل بالنبى القائل سأفتح فمى بأمثال وانطق بمكتومات منذ تأسيس العالم(17)"، "وبامثال كثيرة مثل هذه كان يكلمهم حسبما كانوا يستطيعون أن يفهموا(18)".

كان تعليمه سهل وبسيط ولكن كان يتكلم "بسلطان" إلهى، كما يقول الكتاب، كان تعليمه سام وبسيط فى آن واحد: "كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة(19)".

"لم يتكلم قط إنسان مثل هذا الإنسان(20)

"كان يعلمهم فى مجمعهم حتى بهتوا وقالوا من أين لهذا هذه الحكمة والقوة(21)

"كان الجميع يشهدون له ويتعجبون من كلمات النعمة الخارجة من فمه(22)

"وكان يعلمهم فى السبوت. فبهتوا من تعليمه لأن كلامه كان بسلطان(23)".

وكانت أعماله الإعجازية والقوات التى تجرى على يديه لا حد لمداها أو عددها أو عظمتها فقد كان يشفى المرضى المصابين بجميع أنواع الأمراض "يشفى كل مرض وكل ضعف فى الشعب(24)"، ويفتح أعين العميان سواء الذين ولدوا بدون بصر أو الذين أصيبوا بالعمى فى مراحل أعمارهم المختلفة، ويقيم الموتى سواء الذين ماتوا توا أو الذين تعفنت أجسادهم، ويطهر البرص ويخرج الشياطين ويمشى على الماء ويتحكم فى البحر والريح، وبالإجمال فقد كان له سلطان على جميع المخلوقات سواء المادية أو الروحية؛ الطبيعة والحيوانات والطيور والأسماك والنباتات والماء والهواء والنار والإنسان والأرواح؛ أما فى السماء وما على الأرض وما فى البحار؛ فقد حول الماء إلى خمر(25) والخمسة أرغفة وسمكتين جعلها تشبع أكثر من خمسة آلاف نفس ويفيض عنهم أثنتا عشر قفة مملوءة من الكسر(26) ومشى على الماء(27) وجعل الشباك الفارغة تتخرق من كثرة السمك الذى ملأها به(28) وطلب من بطرس أن يصطاد سمكة موجودة فى بطنها أستار ذهب فأصطادها فى الحال(29) وأمر الريح الشديدة والبحر الهائج أن يهدأ فأطاعاه كما صعد إلى السماء طائراً دون أن يحمله ملاك أو أى مركبة سمائية كما حدث لإيليا النبى(30)، كان فى مقدرته وسلطانه أن يفعل أى شئ، أو كما قال هو "أبى يعمل حتى الآن وأنا أعمل ... لأن مهما عمل ذاك (الآب) فهذا يعمله الابن كذلك(31)". وكانت الجماهير مندهشة ومبهوتة ومذهولة ومتعجبة من تعاليمه وأعماله:

"وكثيرون إذ سمعوا بهتوا قائلين من أين لهذا هذه. وما هذه الحكمة التى أعطيت له حتى تجرى على يديه قوات مثل هذه(32)

"من هو هذا. فإن الريح أيضاً والبحر يطيعانه(33)".

وكان محاط دائماً بالجماهير الغفيرة وكان عدد غير قليل من هذه الجماهير مؤمنين به، وكان له تلاميذ كثيرون تعلموا منه وحفظوا أقوله وتعاليمه وسلكوا بحسب تعليمه ووصاياه.

 

1- التلاميذ:

تتكرر كلمة تلميذ (ماثتيس Mathetes) فى الأناجيل الأربعة حوالى 230 مرة وتتكرر فى سفر أعمال الرسل حوالى 30 مرة، وتشير بصفة عامة إلى تلاميذ المسيح الذى آمنوا به وأتبعوا تعليمه، الذين أتبعوه وتعلموا عند قدميه واستمعوا إلى تعليمه، من خلال مواعظه وأقواله العديدة، ورأوا أعماله الإعجازية وآمنوا أنه أتى من الله، كما عبر نيقوديموس رئيس اليهود والذى كان يؤمن بالمسيح سراً "يا معلم نعلم أنك أتيت من الله معلماً لأن ليس أحد يقدر أن يعمل هذه الآيات التى أنت تعمل إن لم يكن الله معه(34)". وكان هؤلاء كثيرين جداً "فقال يسوع لليهود والذين آمنوا به: أنكم إن ثبتم فى كلامى فبالحقيقة تكونون تلاميذى(35)". ويظهر عدد التلاميذ عند دخول المسيح أورشليم، أنهم جمهور كبير "ولما قرب عند منحدر جبل الزيتون ابتدأ كل جمهور التلاميذ يفرحون ويسبحون الله بصوت عظيم لأجل جميع القوات الذين نظروا(36)". ويصفهم سفر أعمال الرسل أيضا بأنهم جمهور "فدعا الإثنا عشر جمهور التلاميذ(37)". وبعد حلول الروح القدس كان عددهم يتكاثر جداً "وكانت كلمة الله تنمو وعدد التلاميذ يتكاثر جداً فى أورشليم وجمهور كثير من الكهنة يطيعون الإيمان(38)". هذا الجمهور الغفير من التلاميذ كان عليه أن يتعلم عند قدمى المعلم الأعظم ويحمل النير "احملوا نيرى عليكم وتعلموا منى(39)"، وأن يثبتوا فى كلامى فبالحقيقة تكونون تلاميذى(39)".

ومن بين هذا الجمهور من التلاميذ أختار السيد المسيح إثنى عشر تلميذاً، يقول الكتاب "دعا تلاميذه وأختار منهم إثنى عشر الذين سماهم أيضا رسلاً(40)" ليكونوا معه ويتعلموا على يديه وعدد قدميه ويتدربوا على العمل، الكرازة، الذى سيوكله إليهم بعد صعوده إلى السماء وحلول الروح القدس عليهم "وأقام إثنى عشر ليكونوا معه وليرسله ليكرزوا. ويكون لهم سلطان على شفاء الأمراض وإخراج الشياطين(41)".

وكان هناك أيضا أخوة الرب يعقوب ويوسى وسمعان ويهوذا(42)" الذين كانوا مواظبين بنفس واحدة على الصلاة والطلبة" مع بقية التلاميذ بعد الصعود. ومن هؤلاء الأربعة كان "يعقوب أخا الرب ويهوذا أخاه" ضمن الإثنا عشر، وصار يعقوب "أخا الرب" أول أسقف لأورشليم ودعى بيعقوب البار وكان ضمن الثلاثة تلاميذ المدعوين بالأعمدة "يعقوب وصفا (بطرس) ويوحنا المعتبرون أنهم أعمدة(43)".

وقد أختار السيد هذه المجموعة، والتى وصفها بالقطيع الصغير، بناء على معرفته بالإنسان "لأنه لم يكن محتاجاً أن يشهد أحد عن الإنسان لأنه علم ما كان فى الإنسان(44)"، "أنا أعلم الذين أخترتهم(45)"، وبناء على معرفته بالإنسان أيضا أختار يهوذا الإسخريوطى "أليس أنى أنا اخترتكم الإثنى عشر وواحد منكم شيطان. قال هذا عن يهوذا الإسخريوطى(46)". اختارهم، كل واحد، بالاسم ودعاهم كل واحد باسمه، قال لبطرس وأندراوس أخيه "هلم ورائى فأجعلكما صيادى الناس. فللوقت تركا الشباك وتبعاه(47)" ولما رأى يعقوب بن زبدى ويوحنا أخاه فى السفينة مع زبدي أبيهما يصلحان شباكهما فدعاهما. فللوفت تركا السفينة وأباهما وتبعاه(48)" ولما رأى متى العشار قال "له اتبعني. فقام وتبعه(49)" ولما وجد فليبس قال له "اتبعني(50)" ولما رأى نثنائيل قال عنه أنه نقى القلب "هذا إسرائيلى حقاً لا غش فيه(51)" أى ابن إبراهيم بالروح(52)، وضمه إلى تلاميذه.

أختارهم بنفسه وجعلهم أحباء ورفعهم فوق مستوى العالم وعلمهم كل ما يتصل بغاية تجسده "أنتم أحبائى إن فعلتم ما أوصيكم به. لا أعود أسميكم عبيداً لأن العبد لا يعلم ما يعمل سيده. لكنى قد سميتكم أحباء لأنى أعلمتكم بكل ما سمعته من أبى. ليس أنتم أخترتمونى بل أنا اخترتكم وأقمتكم لتذهبوا وتأتوا بثمر ويدوم ثمركم. لكى يعطيكم الآب كل ما طلبتم باسمى ... لأنكم لستم من العالم بل أنا اخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم(53)".

وأوصاهم أن يتخذوا من شخصه الإلهى مثلاً أعلى يحتذون به:

"احملوا نيرى عليكم وتعلموا منى. لأنى وديع ومتواضع القلب. فتجدوا راحة لنفوسكم. لأن نيرى هين وحملى خفيف(54)

"لأنى أعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعنون أنتم أيضا(55)

"لأنكم لهذا دعيتم فإن المسيح أيضا تألم لأجلنا تركاً لنا مثالاً لكى تتبعوا خطواته(56)

"من قال أنه ثابت فيه (فى المسيح). ينبغى أنه كما سلك ذاك (المسيح) هكذا يسلك هو أيضا(57)".

وكما تعلموا منه التواضع تعلموا منه الصلاة(58)، وخدمة الآخرين(59)، وإنكار الذات(60)، وبذل الذات(61)، وعلمهم مميزات ومسئوليات أبناء الملكوت فى الموعظة على الجبل(62)، وكشف لهم أسرار ملكوت الله فى أمثال؛ الزارع والحنطة والزوان وحبة الخردل والخميرة والكنز المخفى واللؤلؤة الثمينة والشبكة المطروحة فى البحر(63)، وكشف لهم حقيقة تجسده باعتباره المسيح ابن الله الحى(64)"، كما عرفهم غاية وهدف مجيئه، تجسده، "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية(65)"، "ابن الإنسان لم يأت ليُخدم بل ليَخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين(66)"، "أنه ينبغى أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيراً من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفى اليوم الثالث يقوم(67)"، ودعاهم للتفرغ له وترك كل شئ لأتباعه، لأجله ولأجل الإنجيل، لأجل الكرازة، لأجل بشارة ملكوت الله؛ "ودعا الجمع مع تلاميذه وقال لهم من أراد أن يأتى ورائى فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعنى. فإن من أراد أن يخلص نفسه يهلكها. ومن يهلك نفسه من أجلى ومن أجل الإنجيل فهو يخلصها(68)

"وابتدأ بطرس يقول له ها نحن قد تركنا كل شئ وتبعناك. فأجاب يسوع وقال الحق أقول لكم ليس أحد ترك بيتاً أو إخوة أو أخوات أو أباً أو أماً أو امرأة أو أولاد أو حقولاً لأجلى ولأجل الإنجيل إلا ويأخذ مئة ضعف الآن فى هذا الزمان بيوتاً وأخوة وأخوات و أمهات وأولاداً وحقولاً مع اضطهادات وفى الدهر الآتي الحياة الأبدية(69)".

وأعطاهم السلطان لشفاء المرضى وإقامة الموتى وتطهير البرص وإخراج الشياطين(70) وأرسلهم، قبل الصلب والقيامة، فى مهمات تدريبية، إعدادية، داخل إسرائيل(71) فقط، وذل لإعدادهم للإرسالية الكبرى إلى العالم أجمع بعد الصلب والقيامة وحلول الروح القدس(72). وعادوا ليخبروه بكل ما فعلوه وعلموه وقالوا "يا رب حتى الشياطين تخضع لنا باسمك. فقال لهم رأيت شيطان ساقطاً مثل البرق من السماء. ها أنا أعطيكم سلطاناً لتدسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شئ. ولكن لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم بل أفرحوا بالحرى أن أسماءكم قد كتبت فى السموات(73)".

وأعلمهم مقدماً بما سيحدث لهم من متاعب وضيقات واضطهادات حتى الدم والاستشهاد "ها أنا أرسلكم كغنم فى وسط ذئاب. فكونوا حكماء كالحيات وبسطاء كالحمام. ولكن أحذروا من الناس لأنهم سيسلمونكم إلى مجالس وفى مجامعهم يجلدونكم. وتساقون أمام ولاة وملوك من أجلى شهادة لهم وللأمم. فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون. لأنكم تعطون فى تلك الساعة ما تتكلمون به. لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذى يتكلم فيكم ... وتكونون مبغضين من الجميع لأجل اسمى. ولكن الذى يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص. ومتى طردوكم فى هذه المدينة فاهربوا إلى الأخرى ... ليس التلميذ أفضل من المعلم ولا العبد أفضل من سيده ... فلا تخافوهم. لن ليس مكتوم لن يستعلن ولا خفى لن يعرف. الذى أقوله لكم فى الظلمة قولوه فى النور. والذى تسمعونه فى الأذن نادوا به على السطوح. ولا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها. بل خافوا بالحرى من الذى يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما فى جهنم ... وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاه ... فلا تخافوا ... فكل من يعترف بى قدام الناس اعترف أنا أيضا به قدام أبى الذى فى السموات. ولكن من ينكرنى قدام الناس أنكره أنا أيضا قدام أبى الذى فى السموات ... من أحب أباً أو أماً أكثر منى فلا يستحقنى. ومن لا يأخذ صليبه ويتبعنى فلا يستحقنى ومن وجد حياته يضيعها. ومن أضاع حياته من أجلى يجدها. من يقبلكم يقبلنى ومن يقبلنى يقبل الذى أرسلنى(74)".

وكان هؤلاء الأثنا عشر معه دائماً يذهبون معه إلى كل مكان ولا يفارقونه إلا فيما ندر، خاصة فى الأوقات التى كان يختلى فيها للصلاة وحده، وكان يعلمهم مع الجموع بأمثال ويفسر لهم وحدهم مغزى هذه الأمثال! "أعطى لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت الله. وأما الباقين فبأمثال..(75)"، "قد كلمتكم بهذا بأمثال ولكن تأتى ساعة حين لا أكلمكم أيضا بأمثال بل أخبركم عن الآب علانية(76)". وفسر لهم العهد القديم، خاصة النبوات التى تنبأ بها عنه جميع أنبياء العهد القديم؛ "ثم أبتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به فى جميع الكتب ... أنه لابد أن يتم جميع ما مكتوب عنى فى ناموس موسى والأنبياء والمزامير. حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب(77)".

وأحتفل معهم بعشاء الفصح، العشاء الأخير، والعشاء الربانى، وصنع لهم أول عشاء ربانى بالخبز والخمر الذين هما ذبيحة العهد الجديد التى يقدمها ببذل نفسه وسفك دمه عن الجميع على الصليب "وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى التلاميذ وقال: خذوا كلوا هذا هو جسدى. وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً: أشربوا هذا هو دمى الذى للعهد الجديد الذى يسفك من اجل كثيرين لمغفرة الخطايا(78)"، "اصنعوا هذا لذكرى(79)". ثم وعدهم بالروح القدس الذى سينسكب عليهم بعد صعوده ليكون معهم ويمكث فيهم إلى الأبد.

هذه المجموعة من التلاميذ الاثنى عشر صارت هى إسرائيل الجديدة، أو أسباط العهد الجديد الإثنى عشر الذين كتبت أسماءهم فى سفر الحياة وعلى أساسات أورشليم السمائية "وسور المدينة كان له أثنا عشر أساساً وعليها أسماء رسل الحمل (المسيح) الإثنا عشر(80)"، وكانوا أساس إيمان الكنيسة مع المسيح والأنبياء "مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية(81)".

وكان للتلاميذ الإثنى عشر لب داخلى مكون من بطرس ويعقوب ويوحنا الذين أخذهم الرب معه على جبل التجلى وأراهم مجده(82)"، وكذلك عند إقامة ابنة يايرس من الموت(83)"، وكانوا الأقرب إليه فى بستان جثسيمانى ولم يقرب منه أحد سواهم عندما بدأ يحزن ويكتئب(84)". وكان القديس بطرس هو الذى تحدث الروح القدس على لسانه فى الاعتراف العظيم بأن يسوع الناصرى هو "المسيح ابن الله الحى(85)"، وكان يوحنا هو التلميذ الذى يحبه الرب والذى أتكأ على صدره وقت العشاء(86)" والذى اتبعه حتى الصليب والذى تسلم العذراء القديسة مريم، أم الرب، وهو على الصليب(87)"، وكان بطرس ويوحنا هما أول من ذهبت إليه مريم المجدلية لإخبارهما بحقيقة القبر الفارغ وبالتالى أول من ذهب من التلاميذ إلى القبر وشاهدا الأكفان والقبر الفارغ(88)". وكانا هما أكثر من تحدث معهم الرب بعد القيامة وعند ظهوره على شاطئ بحيرة طبرية وطلب من بطرس أن يرعى غنمه ووعد يوحنا بالعمر الطويل(89)".

وكان بطرس ويوحنا ويعقوب (أخا الرب) معتبرين أعمدة فى الكنيسة الأولى(90)"، بعد استشهاد يعقوب بن زبدى(91)".

وإلى جانب الإثنى عشر فقد "عين الرب سبعين آخرين أيضا وأرسلهم إثنين إثنين أمام وجهه إلى كل مدينة وموضع حيث كان هو مزمعاً أن يأتى(92)".

وقد طوب السيد المسيح تلاميذه ومدحهم لأنهم نالوا ما لم يناله قبلهم الأنبياء والأبرار والملوك، فقد كشف لهم عن ذاته وعن العلاقة بين الآب والابن ورأوا كلمة الله المتجسد، صورة الله غير المنظور، الله الظاهر فى الجسد "والتفت إلى تلاميذه وقال كل شئ قد دفع إلى من أبى. وليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب ولا من هو الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له. والتفت إلى تلاميذه على انفراد وقال طوبى للعيون التى تنظر ما أنتم تنظرونه. لأنى أقول لكم أن أنبياء كثيرين وملوكاً كثيرين أرادوا أن ينظروا ما أنتم تنظرون ولم ينظروا وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا".

 

2- الرسل:

كلمة رسول المستخدمة فى الإنجيل هى "أبو يتولوس Apostolos" وتعنى "رسول، مرسل، مبعوث فوق العادة، سفير"، وتعنى فى العهد الجديد بالدرجة الأولى شخص المسيح باعتباره المريل من الآب "ونحن قد نظرنا ونشهد أن الآب قد أرسل الابن مخلصاً للعالم(93)"، وقال السيد المسيح مخاطباً الجموع "لأنى قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتى بل مشيئة (الآب) الذى أرسلنى(94)"، وقال مخاطباً الآب "وهذه الحياة الأبدية يعرفونك أنت الإله الحقيقى وحدك ويسوع المسيح الذى أرسلته(95)".

وتعنى الكلمة فى العهد الجديد، بصفة عامة، رسول المسيح، مبعوث المسيح، مرسل المسيح إلى كل العالم؛ "كما أرسلنى الآب أرسلكم أنا. ولما قال هذا نفخ وقال لهم أقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه تغفر له. ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت"، "من يقبلكم يقبلنى ومن يقبلنى يقبل الذى أرسلنى(97)"، "الذى يسمع منكم يسمع منى. والذى يرذلكم يرذلنى. والذى يرذلنى يرذل الذى أرسلنى(98)".

ورسول المسيح هو الشخص الذى تعلم منه وتدرب على يديه، هو أحد الذين أتبعوه وعاشوا معه منذ معمودية يوحنا المعمدان إلى اليوم الذى صعد فيه إلى السماء(99)، أنه أحد الذين شاهدوا المسيح القائم من الموت وأعدوا للشهادة له فى كل العالم. والذين شاهدوا الرب القائم من الأموات كثيرين وعلى رأسهم "الأحد عشر تلميذاً"، "هم والذين (كانوا مجتمعين) معهم(100)"، ويذكر القديس بولس أن الرب ظهر لثلاث مجموعات كبيرة غير الأفراد، هذه المجموعات هى "للإثنى عشر. وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمس مئة أخ ... ثم للرسل أجمعين(101)". وهذا العدد يعنى أكثر من خمسمائة بكثير.

وينطبق لفظ ووصف رسول بدرجة أكبر على التلاميذ الأحد عشر، بعد خيانة يهوذا وموته، الذين أختارهم الرب منذ البدء "ليكونوا معه وليرسلهم ليكرزوا(102)"، "الذين سماهم أيضا رسلاً(103)". وهؤلاء الأحد عشر كانوا معه منذ معمودية يوحنا إلى اليوم الذى صعد فيه. ويسميهم القديس لوقا "الرسل الذين أختارهم(104)" أى الرب، المسيح.

هؤلاء الرسل الذين كانوا مع الرب منذ معموديته إلى صعوده وأعدهم بنفسه ظهر لهم بعد القيامة "أربعين يوماً ويتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله. وفيما هو مجتمع معهم أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم بل ينتظروا موعد الآب الذى سمعتموه منى. لأن يوحنا عمد بالماء وأما أنتم فستعمدون بالروح القدس ليس بعد هذه الأيام بكثير(105)". فقد أرسلهم للبشارة فى العالم أجمع وليكونوا رسله وسفراءه إلى كل المسكونة، ولكن بعد حلول الروح القدس:

"وها أنا أرسل إليكم موعد أبى. فأقيموا فى مدينة أورشليم إلى أن تلبسوا قوة من الأعالى(106)

"ولكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم وتكونون لى شهوداً فى أورشليم وفى كل اليهودية والسامرة إلى أقصى الأرض(107)

"فتقدم يسوع وكلمهم قائلاً ك دُفع إلىّ كل سلطان فى السماء وعلى الأرض. فأذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أنا أوصيتكم به(108)

"وقال لهم أذهبوا إلى العالم أجمع وأكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها. من آمن وأعتمد خلص. ومن لم يؤمن يدن(109)".

وبعد مرور حوالى خمسة وعشرين سنة كان الرسل قد انتشروا فى كثير من بلاد العالم وبقاع الأرض، ومن ثم يقول القديس بولس الرسول فى هذه الفترة:

"الإنجيل الذى سمعتموه المكرز به فى كل الخليقة التى تحت السماء(110)".

 

3- بولس الرسول

لم يكن بولس الرسول من الأثنى عشر أو السبعين أو غيرهم مكن الذين شاهدوا السيد المسيح قبل الصعود، بل على العكس تماماً فقد كان مضطهداً للكنيسة فى أيامها الأولى ثم ظهر له السيد فى الطريق إلى دمشق وأختاره ليكون رسوله إلى الأمم "لأن هذا لى إناء مختار ليحمل اسمى أمام أمم وملوك وبنى إسرائيل. لأنى سأريه كم ينبغى أن يتألم من أجل اسمى(111)" ودعى "رسولاً(112)". وكانت دعوة الرب له مباشرة "وأعرفكم أيها الأخوة الإنجيل الذى بشرت به أنه ليس بحسب إنسان. لأنى لم أقبله من عند إنسان ولا عُلّمته (تلقيته). بل بإعلان يسوع المسيح. فإنكم سمعتم بسيرتى قبلاً فى الديانة اليهودية أنى كنت أضطهد كنيسة الله بإفراط وأتلفها. وكنت أتقدم فى الديانة اليهودية على كثيرين من أترابى فى جنسى إذ كنت أوفر غيرة فى تقليدات آبائى. ولكن لما سر الله الذى أفرزنى من بطن أمى ودعانى بنعمته أن يعلن أبنه فىّ لأبشر به بين الأمم للوقت ثم أستشر لحماً ودماً ولا صعدت إلى أورشليم إلى الرسل الذين قبلى بل انطلقت إلى العربية ثم رجعت أيضاً إلى دمشق. ثم بعد ثلاث سنين صعدت إلى أورشليم لأتعرف ببطرس فمكثت عنده خمسة عشر يوماً. ولكنى لم أرى غيره من الرسل إلا يعقوب أخا الرب(113)".

كانت رسولية بولس الرسول هى عمل مباشر للرب يسوع القائم من الأموات والجالس عن يمين العظمة فى السماء "بولس رسول لا من الناس ولا بإنسان بل بيسوع المسيح والله الآب الذى أقامه من الأموات(114)"، كانت رسوليته بإعلان خاص ومباشر من الرب نفسه الذى ظهر له بعد صعوده إلى السماء وأختاره ليكون رسوله إلى الأمم وأعلن له الإنجيل مباشرة بدون وساطة أى إنسان "بإعلان يسوع المسيح"، "لأننى تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضا أن الرب يسوع فى الليلة التى أُسلم فيها أخذ خبزاً وشكر وكسر وقال خذوا كلوا هذا هو جسدى المكسور لأجلكم. اصنعوا هذا لذكرى. كذلك الكأس أيضا بعدما تعشواً قائلاً هذه الكأس هى العهد الجديد بدمى. اصنعوا هذا كلما شربتم لذكرى(115)"، "أنه بإعلان عرفتى بالسر(116)".

ويلخص فى رسالته الأولى إلى كورنثوس دعوته أو بشارته، جوهر الإنجيل الذى بشر به بقوله "وأعرفكم أيها الأخوة بالإنجيل الذى بشرتكم به وقبلتموه وتقومون فيه وبه أيضا تخلصون إن كنتم تذكرون أى كلام بشرتكم به إلا إذا كنتم قد آمنتم عبثاً. فإننى سلمت إليكم فى الأول ما قبلته أنا أيضا إن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب. وأنه دفن وأنه قام فى اليوم الثالث حسب الكتب. وإنه ظهر لصفا (بطرس) ثم للإثنى عشر. وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمئة أخ أكثرهم باق إلى الآن ولكن بعضهم قد رقدوا. وبعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل أجمعين. وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لى أنا(117)". ثم يؤكد أن ما يكرز به هو نفس ما يكرز به بقية الرسل "فسواء أنا أم أولئك هكذا نكرر وهكذا آمنتم(118)".

وكانت إعلانات الرب له كثيرة جداً حتى انه أُخذ، ذهب، إلى السماء الثالثة، إلى الفردوس "فإنى آتى إلى مناظر الرب وإعلاناته. أعرف إنساناً فى المسيح قبل أربع عشرة سنة أفى الجسد لست أعلم أم خارج الجسد لست أعلم. الله يعلم. أختطف هذا إلى السماء الثالثة. وأعرف هذا الإنسان أفى الجسد أم خارج الجسد لست أعلم. الله يعلم. أنه أختطف إلى الفردوس وسمع كلمات لا ينطق بها ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها(119)". لقد وصل إلى قمة الإعلان "إلى مناظر الرب وإعلاناته".

وقد بشر بولس الرسول فى كثير من بلاد آسيا الصغرى وفلسطين وسوريا وقبرص واليونان وروما، من أورشليم إلى إلليريكون أقصى حدود اليونان "حتى أكون خادماً ليسوع المسيح لأجل الأمم مبشراً لإنجيل الله ككاهن ليكون قربان الأمم مقبولاً مقدساً بالروح القدس. فلى افتخار فى المسيح يسوع من جهة ما لله. لأنى لا أجسر أن أتكلم عن شئ مما لم يفعله المسيح بواسطتى لأجل إطاعة الأمم بالقول والفعل. بقوة آيات وعجائب بقوة روح الله. حتى إنى من أورشليم وما حولها إلى إلليريكون قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح(120)".

 

4- وحدة الرسل فى الإعلان مع الآب والابن:

بعد العشاء الربانى وبعد أن غسل السيد المسيح أرجل تلاميذه وإعطائهم درس عملى فى التواضع وإنكار الذات بدأ يتحدث إليهم حديث وداعى طويل تحدث فيه عن تركه لهم ورحيله الوشيك من العالم وصعوده إلى السماء، بعد الصلب والقيامة، وعزاهم من مفارقته لهم، وأكد لهم حقيقة كونه الطريف والحق والحياة وأنه الباب الوحيد والطريق الوحيد المؤدى للحياة الأبدية، وحقيقة وحدته مع الآب فى الذات الإلهية والجوهر الإلهى، وعلمهم أن يصلوا باسمه وأكد لهم أنه سيستجيب لكل ما يطلبونه باسمه، ووعدهم بإرسال الروح القدس الذى سيرشدهم إلى جميع الحق ويعلمهم كل شئ ويذكرهم بكل ما قاله لهم والذى سيمكث معهم إلى الأبد، وعرفهم بأن دورهم الأول كرسله هو الشهادة له، وأعلمهم بما سيلاقونه من آلام واضطهاد. وفى ختام حديثه الطويل "رفع عينيه نحو السماء(121)" إلى الآب فى صلاة ربانية ومناجاة إلهية بين الآب والابن على مرأى ومسمع من تلاميذه. فقد أتت الساعة المحتومة ليبذل ذاته على الصليب وتنتهى بذلك المهمة التى تجسد بسببها والتى من أجلها نزل من السماء وجاء إلى العالم "قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان. الحق الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة فى الأرض وتمت. فهى تبقى وحدها. ولكن عن إن ماتت تأتى بثمر كثير ... الآن نفسى قد اضطربت. وماذا أقول أيها الآب نجنى من هذه الساعة. ولكن لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة ... وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إلىّ الجميع(122)"، وهو يقصد هنا الارتفاع على الصليب وهذا ما يؤكده الوحى بقوله "قال هذا مشيراً إلى أية ميتة كان مزمعاً أن يموت(123)".

كان عليه بعد القيامة أن يصعد إلى السماء ويعود من حيث أتى "وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذى نزل من السماء ابن الإنسان الذى هو فى السماء(124)"، ولكن يظل كما هو المالئ الكل بلاهوته والموجود فى كل مكان. وقد اعتاد تلاميذه على وجوده معهم ولم يتصوروا أنه سيفارقهم أبداً حسب الاعتقاد اليهودى "سمعنا من الناموس أن المسيح يبقى إلى الأبد. فكيف تقول أنت أنه ينبغى أن يرتقع ابن الإنسان(125)"، ولكن قد آن الأوان ليترك العالم بالجسد وينطلقوا هم إلى العالم أجمع ويكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها وينادوا للبشرية بالخبر السار والبشارة المفرحة، بشارة الخلاص الأبدى، لذا فقد صلى للآب من أجلهم، صلاة خاصة على مسمع منهم، وكان محور هذه الصلاة هو ثباتهم فى الآب والابن وحفظهم من الشرير، فقد أظهر لهم اسم الآب وحفظهم كلمته وعلمهم وصاياه وآمنوا أنه من ذات الآب، من عند الآب خرج وإليه يعود "أنا أظهرت اسمك للناس الذين أعطيتنى من العالم (أى تلاميذه). كانوا لك وأعطيتهم لى. وقد حفظوا (كلمتك Logos) كلامك. والآن علموا أم كل ما أعطيتنى هو من عندك. لأن الكلام الذى أعطيتنى قد أعطيتهم وهم قبلوا وعلموا يقيناً أنى خرجت من عندك وآمنوا أنك أنت أرسلتنى(126). لقد أعلن لهم عن ذات الآب وكشف عن شئ من طبيعته "الله روح"(127) وحفظهم كلامه، كلمته، وعمل أمامهم أعمالاً عظيمة تظهر مجده، وآمنوا من ذات الآب، الابن الوحيد الذى هو فى حضن الآب"(128)، كلمة الله، صورة اله (الآب) غير المنظور، بهاء مجده ورسم جوهره، كالشعاع من مصدر النور، نور من نور، كما أدركوا أنه العالم بكل شئ "الآن نعلم أنك عالم لكل شئ ولست تحتاج أن يسألك أحد. لهذا نؤمن من أنك من الله خرجت"(129).

ثم يسأل الآب من أجلهم لأنهم للآب، آمنوا بالله أولاً، ثم صاروا للابن الذى هو الباب الوحيد للحياة الأبدية والطريق الوحيد للخلاص "وليس بأحد غيره الخلاص"(130) وقد تمجد المسيح فيهم؛ فى إيمانهم به، فى حفظهم كلامه ووصاياه "فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكى يروا أعماله الحسنة ويمجدوا أباكم الذى فى السموات"(131) أو كما قال لهم السيد المسيح نفسه "بهذا يتمجد أبى إن تأتوا بثمر كثير فتكونون تلاميذى"(132)، وكما قال بولس الرسول بالوحى "أن الله بالحقيقة فيكم"(133)، وفى العجائب والقوات التى أعطاهم السلطان أن يعملوها باسمهن لذا يصلى "من أجلهم أسأل فهو لى وأنا ممجد فيهم"(134).

ويطلب من الآب أن يحفظهم فى اسمه وأن يكونوا واحد فى المسيح كما أن الآب والابن واحد فقد حفظهم السيد المسيح، الإله المتجسد فى اسم الله، يهوه، ولم يهلك منهم سوى يهوذا الأسخريوطى "ابن الهلاك"، "ولست أنا بعد فى العالم وأما هؤلاء فهم فى العالم وأنا آتى إليك. أيها الآب القدوس أحفظهم فى اسمك الذين أعطيتنى ليكونوا واحداً كما نحن. حين كنت معهم فى العالم كنت أحفظهم فى اسمك. الذين أعطيتنى حفظتهم ولم يهلك منهم أحد إلا ابن الهلاك ليتم الكتاب. أما الآن فإنى آتى إليك. وأتكلم بهذا فى العالم ليكون فرحى كاملاً فيهم"(135).

وكما أبغض العالم المسيح لأنه ليس من العالم فقد أبغض تلاميذه أيضاً لأنهم قبلوا الابن وآمنوا أنه من الآب خرج وحفظوا كلمته فصاروا أقوياء به و"تقووا من ضعيف صاروا أشداء"(136) وصاروا غرباء عن العالم "غرباء ونزلاء على الأرض"(137)، لذلك أبغضهم العالم كما أبغض سيدهم وربهم، يقول بطرس الرسول بالوحى "أيها الأحباء أطلب إليكم كغرباء ونزلاء أن تمتنعوا عن الشهوات الجسدية التى تحارب النفس وأن تكون سيرتكم بين الأمم حسنة لكى يكونوا فى ما يفترون عليكم كفاعلى شر يمجدون الله فى يوم الافتقاد من أجل أعمالكم الحسنة التى يلاحظونها"(138)، لذا قال لهم "إن كان العالم يبغضكم فاعلموا أنه قد أبغضنى قبلكم: لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته ولكن لأنكم لستم من العالم بل أنا اخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم"(139)، ويقول القديس يوحنا "لا تتعجبوا يا إخوتى إن كان العالم يبغضكم. نحن نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة"(140). ومن ثم يصلى السيد والرب "أنا قد أعطيتهم كلامك والعالم أبغضهم لأنهم ليسوا من العالم كما أنى أنا لست من العالم"(141).

ثم يطلب من الآب أن لا يأخذهم من العالم، كما أخذ إيليا بعد أن ضاقت نفسه من العالم، بل أن يحفظهم من الشرير "لست أسأل أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير. ليسوا من العالم كما أنى لست من العالم. قد سهم فى حقك. كلامك هو حق. كما أرسلتنى إلى العالم أرسلتهم أنا إلى العالم"(142). فقد كان عليهم أن يحملوا رسالة الابن المتجسد إلى كل البشرية "كما أرسلنى الآب أرسلكم أنا"(143) ويكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها.

كان يعلم أنه بتركه لهم وصعوده إلى السماء جسدياً سيصيرون كالأيتام لذا صلى للآب أن يحفظهم كما وعدهم أنه سيكون معهم دائماً "ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر"(144) ولن يتركهم يتامى "لا أترككم يتامى. أنى آتى إليكم"(145)، فهو الحى إلى أبد الآبدين بلاهوته(146) "بعد قليل لا يرانى العالم أما أنتم فتروننى. أنى أنا حى فأنتم ستحيون"(147).

ويسأل الآب أن يقدسهم فى الحق، أى ينقلهم إلى حرية أولاد الله ويخصصهم لذاته وللحياة الأبدية، وفى كلامه الذى هو حق، أى يعيشون "فى البر وقداسة الحق"(148)، قدسهم فى حقك كلامك هو حق"(149)، فقد صاروا مقدسين بسبب تعليمه لهم وكلامه الذى حفظوه "أنتم أنقياء لسبب الكلام الذى كلمتكم به"(150). ويسأل أيضاً من أجل الذين سيؤمنون بالمسيح، الابن الفادى، بواسطة كرازتهم حتى ما يكون الجميع واحد "ولست أسأل من أجل هؤلاء فقط بل أيضاً من أجل الذين يؤمنون بي بكلامهم. ليكون الجميع واحد كما أنك أنت أيها الآب فى وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا ليؤمن العالم أنك أنت أرسلتنى. وأنا قد أعطيتهم المجد الذى أعطيتنى ليكونوا واحداً كما أننا نحن واحد. أنا فيهم وأنت فى ليكونوا مكملين إلى واجد وليعلم العالم أنك أرسلتنى وأحببتهم كما أحببتنى"(151). أنه يريد أن تكون هناك وحدة واحدة بين المؤمنين وبين الرسل "ليكون الجميع واحداً" وهؤلاء جميعاً فى وحدة مع المسيح "هكذا نحن الكثيرين جسد واحد فى المسيح وأعضاء بعضاّ لبعض كل واحد للآخر"(152)، وان يكون الجميع واحد مع الآب والابن "كما أنك أنت أيها الآب فىّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا... أنا فيهم وأنت فىّ ليكونوا مكملين إلى واحد". يقول القديس يوحنا توضيحاً لذلك "الذى رأيناه وسمعناه نخبركم به لكى يكون لكم أيضاً شركة معنا. أما شركتنا نحن فهى مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح"(153).

أخيراً يقول "أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتنى يكونون معى حيث أكون أنا لينظروا مجدى الذى أعطيتانى لأنك أحببتنى قبل إنشاء العالم". وقد سبق أن وعدهم أن يكونوا معه حيث يكون هو "أنا أمضى لأعد لكم مكاناً. وإن مضيت وأعددت لكم مكاناً آتى أيضاً وأخذكم إلىّ حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً"(154)، ومن ثم يقول القديس بولس بالوحى "وهكذا نكون كل حين مع الرب"(155).

 

5- عمل الروح القدس فى الرسل وقيادته للكنيسة:

بعد قيامته من الموت ظل السيد المسيح القائم من الموت يظهر لتلاميذه، رسله، مدة "أربعون يوماً ويتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله. وفيما هو مجتمع معهم أوصاهم أن لا يبرحوا أورشليم بل ينتظروا موعد الآب الذى سمعتموه منى. لأن يوحنا عمد بالماء وأما أنتم فستعمدون بالروح القدس ليس بعد هذه الأيام بكثير... لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم وتكونون لى شهوداً فى أورشليم وفى كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض"(156)،

"فأقيموا فى مدينة أورشليم إلى أن تلبسوا قوة من الأعالى"(157).

طلب السيد القائم من الموت من تلاميذه، رسله، أن يقيموا فى مدينة أورشليم ولا يبرحوها مهما كانت الظروف إلى أن يحل عليهم الروح القدس الذى سيعطيهم مواهيه وسيهبهم القوة "ستنالون قوة"، "تلبسوا قوة"، ولن تكون معموديتهم بالماء فقط، كما عمد يوحنا المعمدان، بل بالروح القدس، بالماء والروح، كما قال الرب لنيقوديموس ": إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله... ينبغى أن تولدوا من فوق"(158). هذا الروح، الروح القدس، لا يعطى ولا يحل إلا على المؤمنين بالرب يسوع المسيح، فهذا ما أعلنه الرب نفسه "من آمن بى كما قال الكتاب تجرى من بطنه أنا هو ماء حى. قال هذا عن الروح الذى كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه لأن الروح القدس لم يكن قد أعطى بعد. لأن يسوع لم يكن قد مجد بعد"(159).

من هذه الآيات ومما سبق نخرج بثلاث حقائق هامة:

إن الرب يسوع المسيح كان قد أعد تلاميذه، رسله، ليكونوا شهوداً له، شهوداً لشخصه وأعماله وأقواله، وبالدرجة الأولى شهوداً لصلبه وقيامته وصعوده، شهوداً له كالرب القائم من الموت والصاعد إلى السموات والجالس عن يمين العظمة فى الأعالى.

ولكنه أكد لهم أنهم لن يستطيعوا أن يؤدوا الشهادة له أمام البشرية فى كل العالم من ذواتها وبمجهودهم البشرى فهو لابد أن يكون معهم بروحه القدوس، ومن ثم فلابد أن يحل على الروح القدس، روح الله الآب وروح الابن، وأن يسكن فيهم ويقودهم ويرشدهم ويعلمهم ويذكرهم بكل ما قاله لهم وعمله أمامهم ويهبهم القوة لمواجهة العالم وقواته الشريرة.

وكان مقرراً أن يحل الروح القدس على التلاميذ والكنيسة، التى كانوا هم نواتها، بعد صلب المسيح وقيامته، أو بتعبير الرب نفسه بعد أن يتمجد، ومجده، كما سبق، هو ارتفاعه على الصليب "قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان... وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إلى الصليب الجميع"(160). وهذا ما عبر عنه عندما حانت لحظة القبض عليه لمحاكمته وصلبه "أيها الآب قد أتت الساعة. مجد أبنك ليمجدك أبنك أيضاً"(161)، "الآن قد تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه"(162). وكان لابد أن يصعد المسيح إلى السماء ليرسل الروح النجس ويسكبه على التلاميذ؛ "لكنى أقول لكم الحق أنه خير لكم أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى. ولكن إن ذهبت أنا أرسله إليكم"(163).

وكان السيد المسيح قد أعلن لتلاميذه بعد العشاء الربانى وقبل القبض عليه ماهية وصفات وعمل الروح القدس فى الآيات التالية:

"وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد. روح الحق الذى لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه. أما أنتم فتعرفونه لأن ما معكم ويكون فيكم. لا أتترككم يتامى. أنى آتى إليكم... وأما المعزى الروح القدس الذى سيرسله الآب بأسمى فهو يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم"(164)، "ومتى جاء المعزى الذى سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذى من عند الآب ينبثق فهو يشهد لى. وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم من الابتداء"(165)،

"لكنى أقول لكم الحق أنه حير لكمن أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى. ولكن إن ذهبت أرسله إليكم ومتى جاء ذلك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة. أما على خطية فلأنهم لا يؤمنون بى. وأما على بر فلأنى ذاهب إلى أبى ولا تروننى أيضاً. وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين. إن لى أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم ولكن لن تستطيعوا أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية. ذاك يمجدنى لأنه يأخذ مما لى ويخبركم.كل ما للآب هولى. لهذا قلت أنه يأخذ مما لى ويخبركم. كل ما للآب هو لى. لهذا قلت أنه يأخذ مما لى ويخبركم. بعد قليل لا تبصروننى. ثم بعد قليل أيضاً تروننى لأنى ذاهب أبى الآب"(166).

وفى هذه الآيات يكشف الرب عن الآتى:

إن هذا المعزى الذى سيرسله من عند الآب بأسمه هو روح الحق، روح الله "الله روح"، الروح القدس، "روح إلهنا"(167)، "روح المسيح الذى فيهم"(168)، "روح يسوع المسيح"(169) روح الآب وروح الابن "أن كان روح الله ساكناً فيكم. ولكن أن كان أحد ليس روح المسيح فذاك ليس له"(170). فهو روح الله وروح المسيح، روح الآب وروح الابن، والآب والابن واحد(171)، ومن ثم فروح الآب والابن واحد، والآب والابن والروح القدس واحد "باسم الآب والابن والروح القدس"(172)، لذلك يقول الوحى "أرسل الله روح ابنه"(173)، فالله واحد؛ موجود بذاته، الآب، ناطق بكلمته، الابن حى بروحهن الروح القدس. والابن صادر (مولود) من الآب بالولادة بلا انفصال "أنت أبنى أنا اليوم ولدتك"(174)، والروح القدس صادر (منبثق) من الآب بالانبثاق، بدون انفصال أو انقطاع "الذى من عند الآب ينبثق"(175). ولأن الروح القدس هو روح الآب والابن المنبثق من الآب فهو مرسل من الآب "يرسله الآب" ومن الابن أيضاً "إن ذهبت أرسله (أنا) إليكم" ولكن "سأرسله أنا إليكم من الآب باسم الابن "الذى سيرسله الآب باسمى".

وقد دعى السيد المسيح الروح القدس ب "البارقليط" وفى اليونانية "بارالكيتوس Parakletos" “Advocate” أى مدافع أو محامى. وقد دعاه السيد المسيح "باراقليطاً آخر" لأن المسيح نفسه أيضاً دعى باراقليط، يقول القديس يوحنا الرسول بالروح "وإن أخطأ أحد فلنا شفيع (باراكليت Paraleton) عند الآب يسوع المسيح البار"(176)، وقد ترجمت كلمة "باراقليط" فى العربية "شفيع"، والشفيع هو المحامى أو المدافع.

وهو سيمكث إلى الأبد "يمكث إلى الأبد" وسيكون مع الرسل وفيهم "لأنه ماكث معكم وفيكم "روح المسيح الذى فيهم"، سيسكن فيهم "أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم"(177)، "أن جسدكم هو هيكل للروح القدس"(178).

"لا يستطيع العالم أن يقبله" لأنه ضد روح العالم الشرير الذى رفض المسيح "إن كان العالم يبغضكم فأعلموا أنه قد أبغضنى قبلكم. لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته"(179)، يقول الوحى بلسان بولس الرسول "الإنسان الطبيعى لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة"(180).

وهو غير مرئى لأنه جوهر إلهى روحى غير مرئى، وغير مدرك "لا يراه ولا يعرفه". الله روح وغير مرئى "الله لم يره أحد"، "الذى لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه"(181)، "لأن الإنسان لا يرانى ويعيش"(182). كما أن الروح، بصفة عامة، ليس لها خواص الكائنات المرئية من لحم ودم وعظام كما قال السيد نفسه "الروح ليس له لحم ولا عظام"(183).

ومهمته الأساسية هى الشهادة للمسيح "فهو الذى يشهد لى"، "والروح هو الذى يشهد لأن الروح هو الحق... إن كنا نقبل شهادة الناس فشهادة الله أعظم لأن هذه شهادة الله التى قد شهد بها عن ابنه. من يؤمن بابن الله فعنده الشهادة فى نفسه. ومن لا يصدق الله فقد جعله كاذباً لأنه يؤمن بالشهادة التى قد شهد بها الله عن ابنه. وهذه هى الشهادة إن الله أعطانا حياة أبدية. وهذه الحياة هى فى ابنه"(184).

وكانت له مهمة خاصة جداً بالنسبة للرسل وهى أن يعلمهم كل شئ ويذكرهم بكل ما قاله الرب لهم ويرشدهم إلى كل الحق: "فهو يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم"، "فهو يرشدكم إلى جميع الحق".

وهو يعلمهم كل شئ بأن يعطيهم الاستنارة الداخلية ويعلن لهم، يوحى لهم بكلمة الله "أما أنتم فلكم مسحة من القدوس وتعلمون كل شئ... وأما أنتم فالمسيحية التى أخذتموها منه ثابتة فيكم ولا حاجة بكم إلى أن يعلمكم أحد بل كما تعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شئ"(185)، "ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذى من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله التى نتكلم بها أيضاً لا بأقوال تعلمها حكمة إنسانية بل بما يعلمه الروح القدس"(186).

وكان الروح القدس وما يزال، كما وعد الرب هو الذى يتكلم على لسان التلاميذ والرسل والمدافعين والخدام ويعلمهم ما يجب أن يقولونه:

"ومتى قدموكم إلى المجامع والرؤساء والسلاطين فلا تهتموا كيف أو بما تحتجون أو بما تقولون. لأن الروح القدس يعلمكم فى تلك الساعة ما يجب أن تقولونه"(186)،

"فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون. لأنكم تُعطون فى تلك الساعة ما تتكلمون به. لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذى يتكلم فيكم"(187)،

"فضعوا فى قلوبكم أن لا تهتموا من قبل لكى تحتجوا. لأنى أنا أعطيكم فماً وحكمة لا يقدر جميع معانديكم أن يقاوموها أو يناقضوها"(188)،

"فمتى ساقوكم ليسلموكم فلا تعتنوا من قبل بما تتكلمون ولا تهتموا. بل مهما أعطيتهم فى تلك الساعة فبذلك تكلموا. لأن لستم أنتم المتكلمين بال الروح القدس"(189).

وهذا ما تم حرفياً، يقول الكتاب أنه عندما وقف بطرس ويوحنا أمام الكهنة والشيوخ ورؤساء الكهنة "امتلأ بطرس من الروح القدس" ووبخهم وشهد بكل جرأة لصلب وقيامة المسيح وأنه لا خلاص لهم إلا بالإيمان به "وليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس أسم أخر تحت السماء قد أعطى بين الناس به ينبغى أن نخلص"، ثم يقول الكتاب "فلما رأوا مجابهة بطرس ويوحنا ووجدوا أنهما إنسانان عديما العلم وعاميان تعجبوا. فعرفوهما أنهما كانا مع يسوع"(190).

ب_ ويذكرهم بكل ما قاله الرب لهم "ويذكركم بكل ما قلته لكم؟ كانت بعض أقوال السيد المسيح، خاصة المتصل منها بآلامه وصلبه وقيامته غير متوقعة وصعبة على فهم التلاميذ وإدراكهم، كيهود، فقد كانت توقعاتهم وآمالهم فى المسيح عكس ذلك تماماً، ولذا يكرر الكتاب عبارات مثل:

"وهذه الأمور لم يفهما تلاميذه أولاً"(191)،

"وأما هم فلم يفهموا هذا القول. وكان مخفى عنهم لكى لا يفهموه"(192)،

"وأما هم فلم يفهموا هذا القول وخافوا أن يسألوه"(193)،

"أما هم فلم يفهموا من ذلك شيئاً وكان هذا الأمر مخفى عنهم ولم يفهموا ما قيل"(194).

ولكن بعد الصلب والقيامة بدأوا يتذكرون ويدركون مغزى ما سبق أن قاله لهم:

"ولكن لما تمجد يسوع حينئذ تذكروا أن هذه كانت مكتوبة عنه"(195)،

"فلما قام من الأموات تذكر تلاميذه أنه قال هذا"(196)،

"فتذكرن كلامه"(197).

وكان لابد أن يحل الروح القدس عليهم لكى يتذكروا كلامه ويفهموا ويدركوا مغزاه "يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم"(198)، "يرشدكم إلى جميع الحق"(199).

وقد حقق الرب القائم من الموت والصاعد إلى السماء وعده فى يوم الخمسين "ولما حضر يوم الخمسين كان الجميع (الرسل) معاً بنفس واحدة. وصار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين. وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم. وامتلأ الجميع من الروح القدس وأبتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا"(200). وبعد ذلك ظهر عمل الروح القدس مع التلاميذ، كما يقول الكتاب، فى كل مكان بكل قوة:

حينئذ امتلأ بطرس من الروح القدس وقال لهم يا رؤساء الشعب وشيوخ إسرائيل"(201)،

"ولما صلوا تزعزع المكان الذى كانوا مجتمعين فيه. وامتلأ الجميع من الروح القدس وكانوا يتكلمون كلام الله بمجاهرة"(202).

ولما وقف القديس أستيفانوس يشهد للمسيح أمام مجمع اليهود الذين كانوا من جنسيات مختلفة "الليبرتينيين والقيروانيين والإسكندريين ومن الذين من كيليكيا وأسيا" وأخذوا يحاورونه، يقول الكتاب "ولم يقدروا أن يقاوموا الحكمة والروح الذى كان يتكلم به"(203).

وكان الروح القدس هو القائد العام للكنيسة من خلال الرسل، معه وفيهم وبهم، يوجههم ويرشدهم ويقودهم ويقويهم ويتكلم بهم وعلى لسانهم ويحركهم ويرسلهم للكرازة فى بعض الأماكن ويمنعهم عن أماكن أخرى؛ فقال الروح لفيلبس تقدم ورافق هذه المركبة"(204)، مركبة الخصى الحبشى، وبعد أن انتهت مهمته، يقول الكتاب "خطف روح الرب فيلبس فلم يبصره الخصى أيضاً وذهب فى طريقه فرحاً. وأما فيلبس فوجد فى أشدود. وبينما هو مجتاز كان يبشر جميع المدن حتى جاء إلى قيصرية"(205)، ووجه بطرس للذهاب إلى بيت قائد المئة الرومانى كرنيليوس ليبشره بالمسيح "قال له الروح... فقال لى الروح أذهب معهم"(206)، أى رجال كرنيليوس.

وكشف الروح القدس عن المجاعة التى صارت على المسكونة فى العصر الرسولى "وأشار (أغابوس) بالروح أن جوعاً عظيماً عتيد أن يصير على المسكونة"(207)، وأمر بإرسال بولس وبرنابا للكرازة "وبينما هم (الأنبياء والمعلمون) يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس افرزوا لى برنابا وشاول (بولس الرسول) للعمل الذى دعوتهما إليه... فهذا إذ أرسلا من الروح القدس انحدرا إلى سلوكية"(208).وهناك آيات كثيرة تتحدث عن عمل الروح القدس المتواصل فى قيادة الكنيسة وتوجيه الرسل:

"لأنه قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نصنع عليكم ثقلاً غير هذه الأشياء الواجبة"(209)،

"وبعدما اجتازوا فى فريجيه وكورة غلاطية منعهم الروح القدس أن يتكلموا بالكلمة فى أسيا. فلما أتوا إلى ميسيا حاولوا أن يذهبوا إلى بيثينية فلم يدعهم الروح... وظهرت لبرولس رؤيا فى الليل رجل مكدونى قائم يطلب إليه ويقول أعبر إلى مكدونية وأعنا. فلما رأى الرؤيا للوقت طلبنا أن نخرج إلى مكدونية متحققين أن الرب قد دعانا لنبشرهم"(210)،

"كان بولس منحصراً بالروح وهو يشهد لليهود بالمسيح يسوع"(211)،

"ها أنا أذهب إلى أورشليم مقيداً بالروح لا أعلم ماذا يصادفنى هناك. غير أن الروح القدس يشهد فى كل مدينة قائلاً أن وثقاً وشدائد تنتظرنى"(212)،

"احترزوا إذاً لأنفسكم ولجميع الرعية التى أقامكم الروح القدس فيها أساقفة"(213).

وأعلن الروح القدس لرسله وأنبيائه سر المسيح، سر الفداء والخلاص "أنه بإعلان عرفنى بالسر... سر المسيح الذى فى أجيال أخر لم يعرف به بنو البشر كما قد أعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائه بالروح"(214).

وكان الرب يكلم الرسل فى رؤى الليل ويوجههم لعملهم الكرازى:

"فقال الرب لبولس فى رؤيا فى الليل لا تخف بل تكلم ولا تسكت. لأنى معك لا يقع بك أحد ليؤذيك لأن لى شعباً كثيراً فى هذه المدينة"(215)،

"وفى الليلة التالية وقف به الرب وقال ثق يا بولس لأنك كما شهدت بما لى فى أورشليم هكذا ينبغى أن تشهد لى فى رومية أيضاً"(216)،

"ولكن الرب وقف معى وقوانى لكى تتم بى الكرازة ويسمع جميع الأمم"(217).

 

6- الرسل شهود المسيح للبشرية:

عاش الرسل بالقرب من السيد المسيح. وتتلمذوا على يديه وأقتربوا منه ودخل إليهم وخرج أو كما يقول بطرس الرسول "دخل إلينا الرب يسوع وخرج منذ معمودية يوحنا إلى اليوم الذى أرتفع فيه"(217)، وأكلوا معه وشربوا سواء قبل الصلب والقيامة أو بعد القيامة "نحن الذين أكلنا وشربنا معه بعد قيامته من الأموات"(218)، وتعلموا منه "تعلموا منى" وحفظوا كلامه "حفظوا كلامك... الذى أعطيتنى"(219) وشاهدوا كل أعماله التى أظهر فيها مجده "وأظهر مجده فآمن به تلاميذه"(220)، وأظهر لهم مجده على جبل التجلى عندما كشف لهم عن لمحه من عظمته ولاهوته "وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور. وإذا موسى وإيليا قد ظهرا يتكلمان معه... وصوت من السحابة قائلاً هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت"(221)، "فلما استيقظوا (التلاميذ الثلاثة) رأوا مجده.."(222)، كما رأوه بعد قيامته مرات عديدة"، "الذين أراهم أيضاً نفسه حياً ببراهين كثيرة بعدما تألم وهو يظهر لهم أربعين يوماً ويتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله"(223)، وشرح، وفسر لهم، فى هذه الفترة، كل ما يختص به وما سبق أن تنبأ به عنه جميع أنبياء العهد القديم. وقبل صعوده إلى السماء كلفهم بالبشارة به فى العالم أجمع.

أعدهم ليكونوا شهوداً له لكل البشرية فى العالم أجمع، ليكونوا شهود عيان يهدون بما شاهدوه بأعينهم وسمعوه بآذانهم ولمسوه بأيديهم، ووعدهم بإرسال الروح القدس ليذكرهم بكل ما قاله لهم وبكل ما سمعوه ولمسوه، ويعلمهم كل شئ ويرشدهم إلى جميع الحق، ويشهد للمسيح من خلالهم "فهو يشهد لى. وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معى من الابتداء"(224).

أعدهم ليكونوا شهوداً عياناً له، أو كما وصفهم القديس لوقا الإنجيلى بالوحى "الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة"(225)، "الذين كانوا منذ البدء شهود عيان للكلمة"، لكى يكرزوا للعالم أجمع كشهود عيان لما يكرزون به، ويحملوا الأخبار السارة التى عاشوا أحداثها بأنفسهم وكانوا شهود عياناً لها. ولذلك فقد كانت كرازتهم للبشرية لها بالخلاص والحياة الأبدية هى بما شاهدوه وسمعوه ولمسوه:

"والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً"(226)،

"الذى كان من البدء الذى سمعناه الذى رأيناه بعيوننا الذى شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فإن الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التى كانت عند الآب وأظهرت لنا. الذى رأيناه وسمعناه نخبركم به لكى يكون لكم أيضاً شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهى مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح"(227).

"ونحن قد نظرنا ونشهد أن الآب قد أرسل الابن مخلصاً للعالم"(228)،

"لأننا لم نتبع خرافات وضعه إذ عرفناكم بقوة ربنا يسوع ومجيئه بل كنا معاينين عظمته لأنه أخذ من الله الآب كرامة ومجداً إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسمى هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت به. ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلاً من السماء إذ كنا معه فى الجبل المقدس"(229)،

"أطلب إلى الشيوخ الذين أنا الشيخ (بطرس الرسول) توفيقهم والشاهد لآلام المسيح وشريك المجد العتيد أن يعلن"(230).

كانت الفترة التى قضاها الرسل مع الرب يسوع المسيح سواء قبل القيامة أو بعد القيامة هى أعظم وأروع خبرة اكتسبوها فى حياتهم، وكانت أثمن وأروع ما لديهم ليقدموه للبشرية، الشهادة للمسيح، ابن الله النازل من السماء والذى بذل ذاته لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية وكان الروح القدس الساكن فيهم يعمل فيهم وبهم ويرشدهم ويقودهم ويذكرهم بكل ما اختبروه فى حياتهم مع الرب الحى إلى أبد الآبدين.

كانت شهادة الرسل كشهود عيان للمسيح تقوم على أسا معرفتهم الخاصة به وبأحداث حياته فى كل تفاصيلها، خاصة آلامه وصلبه وقيامته، واختيارهم منه شخصياً ليشهدوا له ويشهدوا عنه:

"وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم كنتم معى من الابتداء"(231)،

"وقال لهم (بعد قيامته) هذا هو الكلام الذى كلمتكم به وأنا بعد معكم أنه لابد أن يتم جميع ما هو مكتوب عنى فى ناموس موسى والأنبياء والمزامير. حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب وقال هكذا هو مكتوب وهكذا كان ينبغى أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات فى اليوم الثالث. وأن يكرز بأسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم مبتدأ من أورشليم. وأنتم شهود لذلك(232)".

وفى أول خطاب له بعد حلول الروح القدس مباشرة شهد القديس بطرس الرسول وبقية الرسل أمام جموع غفيرة من رؤساء وعامة اليهود:

"أيها الرجال الإسرائيليون أسمعوا هذا الأقوال. يسوع الناصرى رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده فى وسطكم كما أنتم تعلمون. هذا أخذتموه مسلماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدى آثمة صلبتموه وقتلتموه. الذى أقامه الله ناقضاً أوجاع الموت إذ لم يكن ممكناً أن يُمسك منهُ ... فيسوع هذا أقامه الله ونحن جميعاً شهود لذلك ... فيعلم يقيناً جميع سكان بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذى صلبتموه أنتم رباً ومسيحاً ... وبأقوال كثيرة كان يشهد لهم ويعظمهم ... فقبلوا كلامه بفرح وأنضم فى ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس(233)".

وفى عظته التالية فى الهيكل قال لهم:

"إن إله إبراهيم وإسحق ويعقوب إله آبائنا مجد فتاه يسوع الذى أسلمتموه أنتم وأنكرتموه أمام وجه بيلاطس وهو حاكم بإطلاقه. ولكن أنتم أنكرتم القدوس البار وطلبتم أن يوهب لكم رجل قاتلو رئيس الحياة قتلتموه الذى أقامه الله من الأموات ونحن شهود لذلك(234)".

ويعلق الوحى الإلهى على كرازة الرسل قائلاً: "وبقوة عظيمة كان الرسل يؤدون الشهادة بقيامة الرب يسوع ونعمة عظيمة كانت على جميعهم(235)". وفى كرازة القديس بطرس الرسول للقائد الرومانى كرنيليوس و"أنسبائه وأصدقائه الأقربين"، قال لهم بالروح القدس "أنتم تعلمون الأمر الذى صار فى كل اليهودية مبتدئاً من الجليل بعد المعمودية التى كرز بها يوحنا. يسوع الذى من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة الذى جال يصنع خيراً ويشفى جميع المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه. ونحن شهود بكل ما فعل فى كورة اليهودية وفى أورشليم. الذى أيضا قتلوه معلقين إياه على خشبة. هذا أقامه الله فى اليوم الثالث وأعطى أن يصير ظاهراً ليس لجميع الشعب بل لشهود سبق الله فأنتخبهم. لنا نحن الذين أكلنا وشربنا معه بعد قيامته من الأموات. وأوصانا أن نكرز ونشهد بأن هذا هو المعين من الله دياناً للأحياء والأموات(236)"،وفى عظة القديس بولس أمام مجمع اليهود فى إنطاكية بيسيدية قال لهم:

أن المسيح بعد صلبه وقيامته من الموت "ظهر أياماً كثيرة للذين صعدوا معه من الجليل إلى أورشليم الذين هم شهوده عند الشعب(237)".

كرز الرسل وبشروا البشرية فى كل المسكونة بما شاهدوه بأنفسهم كشهود عيان أو كما يقول بطرس الرسول بالروح "كنا معاينين (رأينا بعيوننا) عظمته"، "تكلمنا باعتبارنا شهود عيان لعظمته". وكان الرب يؤيد شهادتهم بالآيات والقوات والمعجزات. يقول الروح القدس عن مؤازرته لكرازة بولس وبرنابا:

"فأقاما زماناً طويلاً يجاهران بالرب الذى كان يشهد لكلمة نعمته ويعطى أن تجرى آيات وعجائب على أيديهم(238)". ويقول عن كرازة الرسل جميعاً "الذين سمعوا شاهداً الله معهم بآيات وعجائب وقوات متنوعة ومواهب الروح القدس حسب إرادته(239)".

كان الرسل دائماً يؤكدون على أنهم، بالدرجة الأولى، شهود عيان، وأكثر من استخدم كلمات "شهد" و"شاهد" و"شهادة" عن نفسه هو القديس يوحنا الحبيب، التلميذ الذى ألتصق بالرب أكثر من بقية التلاميذ والذى لُقب ب "التلميذ الذى كان يسوع يحبه(240)"، والذى "كان متكئاً فى حضن يسوع241)" وقت العشاء الربانى؛ ويقول فى الإنجيل الذى دونه بالروح القدس:

"ولكن واحداً من العسكر طعن جنبه بحربة وللوقت خرج دم وماء. والذى عاين شهد وشهادته حق وهو يعلم أنه يقول الحق لتؤمنوا أنتم"،

"هذا هو التلميذ الذى يشهد بهذا وكتب هذا. ونحن نعلم أن شهادته حق(243)

ويقول فى سفر الرؤيا:

"يوحنا الذى شهد بكلمة الله وبشهادة يسوع المسيح بكل ما رآه(244)

"أنا يوحنا أخوكم وشريككم فى الضيقة وفى ملكوت يسوع المسيح وصبره كنت فى الجزيرة التى تُدعى بطمُس (منفيا) من أجل كلمة الله ومن أجل شهادة يسوع المسيح(245)". وعن شهادة الشهداء للمسيح يقول:

"رأيت تحت المذبح نفوس الذين قُتلوا من أجل كلمة الله ومن أجل الشهادة التى كانت عندهم(246)". وعن انتصار المؤمنون على إبليس يقول:

"وهم غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم ولم يحبوا حياتهم حتى الموت(247)

"وذهب ليصنع حرباً مع باقى نسلها (الكنيسة) الذين يحفظون وصايا الله وعندهم شهادة يسوع المسيح(248)".

أخيراً يختم الروح هذه الشهادة بقول الملاك ليوحنا "أنا عبد معك ومع أخوتك الذين عندهم شهادة يسوع ... فإن شهادة يسوع هى روح النبوة(249)".

 

7- الرسل والسلطان الرسولى الممنوح لهم:

فى إرساليته الأولى للتلاميذ قال لهم "أشفوا مرضى. طهروا برصاً. أقيموا موتى. اخرجوا شياطين. مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا(250)"، وعندما عين سبعين آخرين وأرسلهم أمام وجهه أعطاهم نفس السلطان ولما رجعوا من مهمتهم "قالوا يا رب حتى الشياطين تخضع لنا باسمك. فقال لهم رأيت الشيطان ساقطاً مثل البرق من السماء. ها أنا أعطيكم سلطاناً لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شئ(251)". وبعد قيامته وقبل صعوده إلى السماء قال لهم:

"وهذه الآيات تتبع المؤمنين. يخرجون الشياطين باسمى ويتكلمون بألسنة جديدة. يحملون حيات وإن شربوا شيئاً مميتاً لن يضرهم ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون(252)". وبناء على ذلك كان الرسل فى كل مكان حيث يذهبون يصنع الرب على أيديهم آيات وعجائب وقوات لا حصر لها حتى أنه، كما يقول الكتاب "كانوا (الناس) يحملون المرضى خارجاً فى الشوارع ويضعونهم على فرش وأسرة حتى إذا جاء بطرس يخيم ولو ظله على واحد منهم ... وكانوا يبرأون جميعهم(253)"، "وكان الله يصنع على يدى بولس قوات غير المعتادة. حتى كان يؤتى عن جسده بمناديل أو مآزر إلى المرضى فتزول عنهم الأمراض وتخرج الأرواح الشريرة(254)".

وكانوا يصنعون هذه الآيات والمعجزات باسم "يسوع المسيح" ويعملوها بقوته هو كما سبق أن قال لهم "الذى يثبت فىّ وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير. لأنكم بدونى لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً". ومن ثم فعندما وجد بطرس الرسول مفلوجاً قال له "يا إينياس يشفيك يسوع المسيح. قم وأفرش لنفسك. فقام للوقت(255)"، وقال للمقعد أمام باب الهيكل "باسم يسوع الناصرى قم وأمش" ولما وجد الناس تنظر إليه هو والقديس يوحنا مندهشين ومذهولين قال لهم "لماذا تشخصون إلينا كأنه بقوتنا أو تقوانا جعلنا هذا يمشى ... إله آبائنا مجد فتاه يسوع ... وبالإيمان باسمه شدد اسمه هذا الذى تنظرونه وتعرفونه والإيمان الذى بواسطته أعطاه هذه الصحة أمام جميعكم(256)".

وأعطاهم أيضا سلطان الحل والربط وغفران الخطايا "الحق أقول لكم إن كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً فى السماء. وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً فى السماء(257)"، "فقال لهم يسوع أيضا سلام لكم. كما أرسلنى الآب أرسلكم أنا. ولما قال هذا نفخ وقال لهم أقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه تغفر له. ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت(258)". هذا السلطان يذكر الكتاب استخدام بطرس له عندما عاقب حنانيا وسفيرة لكذبهما على الروح القدس، وحرم سيمون الساحر من شركة القديسين لأنه أراد أن ينال مواهب الروح القدس بالمال "فقال له بطرس ... ليس لك نصيب. ولا قرعة فى هذا الأمر. لأن قلبك ليس مستقيماً أمام الله(260)". كما استخدم هذا السلطان أيضا بولس الرسول عندما عاقب عليم الساحر الذى قاوم كرازة بولس وبرنابا وأصابه بالعمى "هوذا يد الرب عليك فتكون أعمى ولا تبصر الشمس إلى حين(261)".

وكانت للرسل المكانة الأولى فى الكنيسة باعتبارهم ممثلو المسيح وشهوده "الذى يقبلكم يقبلنى(262)"، "الذى يسمع منكم يسمع منى. والذى يرذلكم يرذلنى(263)". وكان لهم سلطان على أعضاء الكنيسة وتعاملوا مع كل الأمور والقضايا التى واجهت الكنيسة فى مهدها وعقدوا أول مجمع للكنيسة فى أورشليم لمناقشة وبحث موضوع قبول المؤمنين الراجعين إلى الله من الأمم. وأصدروا التوصيات والقرارات اللازمة لذلك(264). ومن ثم كان تصنيفهم الأول فى الكنيسة قبل الأنبياء والمعلمين:

"فوضع الله إناساً فى الكنيسة، أولاً رسلاً، ثانياً أنبياء، ثالثاً معلمين ثم قوات وبعد ذلك مواهب الشفاء..(265)

"مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية(266)

"وأعطى (المسيح) البعض أن يكونوا رسلاً والبعض أنبياء والبعض مبشرين والبعض رعاة ومعلمين(267)".

 

وكانت الوصية العظمى التى حفظوها كاللؤلؤة الكثيرة الثمن هى "لأن معلكم واحد المسيح وأنتم جميعاً إخوة(271)".

 

---

(1) أع 38: 10

(2) متى 17: 4

(3) مر 15: 1

(4) يو 16: 3

(5) يو 6: 14

(6) يو 25: 11

(7) يو 9: 10

(8) يو 12: 8

(9) لو 22: 10

(10) يو 18: 1

(11) كو 15: 1

(12) يو 7: 14،9،10

(13) 1تى 5: 2،6

(14) 1يو 1: 2،2

(15) عب 25: 7

(16) لو 18: 4،19

(17) متى 34: 13،35

(18) مر 33: 4

(19) متى 29: 7

(20) يو 46: 7

(21) متى 4: 31،5

(22) لو 47: 2

(23) لو 31: 4،32

(24) متى 23: 4

(25) يو 3: 2-10

(26) يو 5: 6-13

(27) متى 25: 14

(28) لو 4: 5-7؛ يو 3: 21-11

(29) متى 27: 17

(30) 2مل 11: 2؛ أع 9: 1

(31) يو 17: 5،19

(32) مر 2: 6

(33) مر 41: 4

(34) يو 2: 3

(35) يو 31: 8

(36) لو 37: 19

(37) أع 2: 6

(38) أع 7: 6

(39) يو 31: 8

(39) يو 31: 8

(40) لو 13: 6

(41) مر 14: 3،15

(42) متى 15: 13؛ 46: 12؛ مر 40: 15

(43) غل 9: 2

(44) يو 25: 2

(45) يو 18: 13

(46) يو 70: 6

(47) متى 18: 4-20

(48) متى 21: 4،22

(49) متى 9: 9؛ لو 27: 5

(50)

(51) يو 47: 1

(52) رو 6: 9،8

(53) يو 14: 15-16

(54) متى 29: 11،30

(55) يو 15: 13

(56) 1بط 21: 2

(57) 1يو 6: 2

(58) لو 1: 11-13

(59) متى 2: 20-28

(60) يو 12: 13-17

(61) متى 28: 10

(62) متى 5-7

(63) متى 13

(64) متى 16: 16

(65) يو 16: 3

(66) متى 28: 20

(67) متى 21: 16

(68) مر 34: 8،35

(69) مر 28: 10-30

(70) متى 8: 10

(71) متى 6: 10؛ مر 7: 6

(72) أع 8: 1

(73) لو 17: 10-20

(74) متى 16: 10-40

(75) لو 10: 8

(76) يو 25: 16

(77) لو 27: 24، 45، 46

(78) متى 26: 26،27

(79) لو 19: 22

(80) رؤ 14: 21

(81) أف 20: 2

(82) متى 1: 7-8

(83) مر 37: 5

(84) متى 37: 26

(85) يو 15: 21-23

(86) يو 23: 13

(87) يو 26: 19،27

(88) يو 2: 20-9

(89) يو 15: 20-23

(90) غل 9: 2؛ أع 17: 12؛ 13: 15

(91) أع 2: 12

(92) لو 1: 10

(93) 1يو 14: 4

(94) يو 38: 6

(95) يو 3: 17

(97) متى 40: 10

(98) لو 16: 10

(99) أع 21: 1،22

(100) لو 33: 24

(101) 1كو 5-7

(102) مر 14: 3

(103) لو 13: 6

(104) أع 2: 1

(105) أع 3: 1-5

(106) لو 49: 24

(107) أع 8: 1

(108) متى 18: 28-20

(109) مر 15: 16،16

(110) كو 23: 1

(111) أع 15: 9،16

(112) أع 4: 14

(113) غل 11: 1-19

(114) غل 1: 1

(115) 1كو 23: 11-25

(116) كو 1: 15-8

(117) كو 1: 15-8

(118) 1كو 11: 15

(119) 2كو 1: 12-4

(120) رو 16: 10-20

(121) يو 1: 17

(122) يو 23: 12-32

(123) يو 33: 12

(124) يو 13: 3

(125) يو 34: 12

(126) يو 6: 17-8.

(127) يو 24: 4.

(128) يو 18: 1.

(129) يو 30: 16.

(130) أع 12: 4.

(131) متى 16: 5.

(132) يو 8: 15.

(133) 1كو 25: 14.

(134) يو 9: 17،10.

(135) يو 11: 17-13.

(136) عب 34: 11.

(137) عب 13: 11.

(138) 1بط 11: 2،12.

(139) يو 18: 15،19.

(140) 1يو 13: 3.

(141) يو 14: 17.

(142) يو 15: 17-18.

(143) يو 21: 20.

(144) متى 20: 28.

(145) يو 18: 14.

(146) رؤ 18: 1.

(147) يو 19: 14.

(148) أف 24: 4.

(149) يو 17: 17.

(150) يو 3: 15.

(151) يو 20: 17_23.

(152) رو 5: 121.

(153) 1يو 2: 1،3.

(154) يو 2: 14،3.

(155) 1تس 17: 4.

(156) أع 3: 1-8.

(157) لو 49: 24.

(158) يو 5: 3،7.

(159) يو 38: 7،39.

(160) يو 23: 12،32.

(161) يو 1: 17.

(162) يو 30: 13.

(163) يو 17: 16.

(164) يو 16: 14-26: 18.

(165) يو 26: 15،27.

(166) متى 7: 16-16.

(167) 1كو 11: 6.

(168) 1بط 11: 1.

(169) فى 19: 1.

(170) رو 9: 8.

(171) يو 30: 10.

(172) متى 19: 28.

(173) غل 6: 4.

(174) مز 7: 2؛ أع33: 13؛ عب 5: 1؛5: 5.

(175) يو 26: 15.

(176) 1يو 1: 2.

(177) 1كو 16: 3.

(178) 1كو 9: 6.

(179)

(180) 1كو 14: 2.

(181) 1تى 16: 6.

(182) خر 20: 33.

(183) لو 39: 24.

(184) 1يو 6: 5-11.

(185) 1يو 20: 2،27.

(186) لو 11: 12،12.

 

(187) متى 19: 10،20.

(188) لو 24: 21،25.

(189) مر 11: 13.

(190) أع 8: 4-12.

(191) يو 16: 12.

(192) لو 34: 18.

(193) مر 32: 9.

(194) لو 34: 18.

(195) يو 16: 12.

(196) يو 22: 2.

(197) لو 8: 24.

(198) يو 6: 14.

(199) يو 13: 15.

(200) أع 1: 2-4.

(201) أع 8: 4.

(202) أع 31: 4.

(203) أع 9: 6،10.

(204) أع 29: 8.

(205) أع 39: 8،40.

(206) أع 19: 1؛12: 11.

(207) أع 28: 11.

(208) أع 2: 13_4.

(209) أع 28: 15.

(210) أع 6: 16-10.

(211) أع 5: 18.

(212) أع 22: 20،23.

(213) أع 28: 20.

(214) أف 3: 3_5.

(215) أع 9: 18.

(216) أع 11: 23.

(217) أع 21: 1.

 

(218) أع 41: 10.

(219) يو 6: 17،8.

(220) يو 11: 2.

(221) متى 2: 17_5.

(222) لو 3: 1.

(223) أع 3: 1.

(224) يو 26: 15،27.

(225) لو 3: 1.

(226)

(227) 1يو 1: 1_3.

(228) 1يو 14: 4.

(229)2بط 16: 1_18.

(230) 1بط 1: 5.

(231) يو 27: 15.

(232) لو 44: 24-48

(233) أع 22: 2-41

(234) أع 13: 3-15

(235) أع 33: 4

(236) أع 37: 10-42

(237) أع 26: 13-31

(238) أع 3: 14

(239) عب 3: 2

(240) يو 23: 13؛ 26: 19؛ 2: 20؛ 7: 21،20،24

241) يو 23: 13

(243) يو 24: 21

(244) رؤ 1: 1،2

(245) رؤيا 9: 1

(246) رؤ 9: 6

(247) رؤ 11: 12

(248) رؤ 17: 12

(249) رؤ 10: 19

(250) متى 8: 10

(251) لو 9: 10،17-19

(252) مر 17: 16،18

(253) أع 15: 5،16

(254) أع 11: 19،12

(255) أع 34: 9

(256) أع 12: 3-16

(257) متى 18: 18

(258) يو 21: 20-23

(260) أع 21: 8

(261) أع 11: 13

(262) متى 40: 10

(263) لو 16: 10

(264) أع 1: 15-29

(265) 1كو 28: 12

(266) أف 20: 2

(267) أف 11: 4

(271) متى 8: 23

الفصل الخامس

الإنجيل الشفوى

والتسليم الرسولى

 

1- الإنجيل الشفوى:

سلم السيد المسيح تلاميذه ورسله الإنجيل شفاهة ولم يذكر الكتاب أنه كتب سوى مرة واحدة وكان يكتب بإصبعه على الأرض"(1)، وذلك فى حادثة المرأة التى أمسكت فى الزنى، وكلمة إنجيل ذاتها كما بينّا فى الفصل الأول، تعنى بالدرجة الأولى، الأخبار السارة والبشارة المفرحة، بشارة الخلاص الأبدى، أى الكرازة ب "جميع ما أبتدأ يسوع يفعله ويعلم به إلى اليوم الذى أرتفع فيه"(2). وكانت كرازة الرسل بالأخبار السارة، هى ذاتها الإنجيل، الإنجيل الشفوى "ويكرز ببشارة الملكوت هذه كل المسكونة"(3). وتوضح الآيات التالية عمل الله فى الرسل فى نشر الإنجيل شفاهة بالتسليم:

"الخدمة التى أخذتها من الرب يسوع لأشهد ببشارة نعمة الله"(4)، "وأعرفكم أيها الأخوة بالإنجيل الذى بشرتكم به وقبلتموه وفيه تقومون"(5)، "أن إنجيلنا لم يصر إليكم بالكلام فقط بل بالقوة أيضاً وبالروح القدس"(6)، "أشكر إلهي... لسبب مشاركتكم فى الإنجيل من أول يوم إلى الآن"(7) "هاتين اللتين جاهدتا معى فى الإنجيل مع أكليمندس أيضاً وباقى العاملين معى"(8)، "تيموثاوس أخانا العامل معنا فى إنجيل المسيح"(9)، "ثم أريد أن تعلموا أيها الأخوة أمورى قد آلت أكثر إلى تقدم الإنجيل"(10)، "ولدتكم فى المسيح يسوع بالإنجيل(11)".

ولذلك فعندما يقول الرسول "يدين الله سرائر الناس حسب إنجيلى(12)" و"للقادر أن يثبتك حسب إنجيلى(13)"، يقصد كرازتى، عملى فى حمل البشارة، وعندما يقول "أنى أوتمنت على إنجيل الغرلة كما بطرس على إنجيل الختان(14)"، يقصد كرازته بين الأمم وكرازة بطرس بين اليهود "فإن الذى عمل فى بطرس لرسالة الختان عمل فىّ أيضا للأمم(15)".

انتشر الإنجيل شفاهة فى كل البلاد التى كرز فيها الرسل ولم تكتب الأناجيل المدونة سوى بعد أكثر من خمسة وعشرين سنة من صعود السيد المسيح.

 

2- الرسل شهود عيان:

أعد السيد المسيح تلاميذه ورسله، وبصفة خاصة الأثنى عشر، كشهود عيان له، ليحملوا الأخبار السارة إلى كل البشرية وينادوا بالأناجيل فى كل العالم، وكانت كرازتهم بالبشارة الأبدية، بشارة الخلاص الأبدى، وإنجيلهم الشفوى يتضمن:

"جميع ما ابتدأ يسوع يعمله ويعلم به إلى اليوم الذى ارتفع فيه(16)" أو كما كان سائداً بين الرسل "كل الزمان الذى فيه دخل إلينا الرب يسوع وخرج منذ معمودية يوحنا إلى اليوم الذى ارتفع فيه(17)"، وبصفة خاصة شهود آلامه وقيامته.

ويتضمن ذلك ما حدث بين القيامة والصعود، ما حدثهم عنه وما علمهم إياه الرب فى تلك الفترة الهامة والتى تحدث فيها الرب بوضوح وجلاء أكثر مما كان قبل الصلب، فقد كان على وشك أن يتركهم جسدياً "بعدما أوصى بالروح القدس للرسل الذين أختارهم. الذين أراهم أيضا نفسه حياً ببراهين كثيرة بعدما تألم وهو يظهر لهم أربعين يوماً ويتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله(18)".

ما جاء عن السيد المسيح فى ناموس موسى والأنبياء والمزامير، والذى كشفه السيد نفسه وأعلنه لتلاميذه وفسره لهم:

"أيها الغبيان والبطيئا القلوب فى الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء. أما كان ينبغى أن المسيح يتألم بهذا ويخل إلى مجده. ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به فى جميع الكتب(19)"، "وقال لهم (تلاميذه والذين كانوا معهم)(20) هذا هو الكلام الذى كلمتكم به وأنا بعد معكم أنه لابد أن يتم جميع ما هو مكتوب عنى فى ناموس موسى والأنبياء والمزامير. حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب. وقال لهم هكذا هو مكتوب وهكذا كان ينبغى أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات فى اليوم الثالث. وأن يكرز بأسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم مبتدئاً من أورشليم. وأنتم شهود لذلك(21)".

ويقول بطرس الرسول بالروح موضحاً ذلك "نائلين غاية إيمانكم خلاص النفوس. الخلاص الذى فتش عنه أنبياء. الذين تنبأوا عن النعمة التى لأجلكم باحثين أى وقت أو ما الوقت الذى يدل عليه روح المسيح الذى فيهم إذ سبق فشهد بالآلام التى للمسيح والأمجاد التى بعدها. الذين أعلن لهم أنهم ليس لأنفسهم بل لنا كانوا يخدمون بهذه الأمور التى أُخبرتم بها أنتم الآن بواسطة الذين بشروكم فى الروح القدس المرسل من السماء(22)".

ولأنه هو كلمة الله الذى أوحى للأنبياء فى القديم بروحه القدوس "روح المسيح الذى فيهم"، فقد سلم لتلاميذه أسفار العهد القديم "الأسفار المقدسة" التى قبلها هو ذاته دون أن يوجه لها أى نقد وأعتمدها وأعاد تفسيرها بروح العهد الجديد "لا تظنوا أنى جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل(23)"، أى لأعيد التفسير والفهم، فى ضوء تعليمه هو الذى يكشف جوهر هذه الأسفار وغاية رسالتها الذى هو المسيح نفسه "فأن شهادة يسوع هى روح النبوة(24)". وقد أشار السيد إلى ما جاء عنه فى أسفار العهد القديم فى مواقف كثيرة، وعلى سبيل المثال قرأته لأحد نبؤات أشعياء النبى عنه فى المجمع يوم السبت وتفسيره لها بقوله "أنه اليوم قد تم هذا المكتوب فى مسامعكم(25)"، وكذلك سؤاله لرؤساء اليهود عن كون المسيح ابن داود وربه "فإن كان داود يدعوه رباً فكيف يكون أبنه(26)".

وقد عمل الرسل فى كرازتهم بهذه الأسس الثلاثة للتعليم الذى تسلموه من سيدهم واستخدموا العهد القديم باعتباره الشاهد الأول للمسيح وفسروا نصوصه فى ضوء العهد الجديد باعتبار أن العهد الجديد هو الاستمرار الطبيعى والفعلى للعهد القديم واقتبسوا منه وأشاروا إلى ما جاء فيه 2500 مرة منها حوالى 250 اقتباسا مباشراً وذلك فى أسفار العهد الجديد.

وهكذا كان محور كرازة الرسل وجوهر بشارتهم، ما عمله وعلمه السيد المسيح وما جاء عنه فى أسفار العهد القديم وشهادتهم هم أنفسهم كشهود عيان عاشوا مع المسيح وشاهدوا أعماله وسمعوا تعليمه منذ معمودية يوحنا إلى الصعود. وبعد الصعود وقبل حلول الروح القدس وقف بطرس الرسول فى وسط التلاميذ "وكان عدة أسماء معاً نحو مئة وعشرين(27)" وتكلم عن ما جاء فى العهد القديم عن خيانة يهوذا واختيار بديلاً له "قال أيها الرجال الأخوة كان ينبغى أن يتم هذا المكتوب الذى سبق الروح القدس فقاله بفم داود عن يهوذا الذى صار دليلاً للذين قبضوا على يسوع إذ كان معدوداً بيننا وصار له نصيب فى هذه الخدمة. فأن هذا أقتنى حقلاً من أجرة الظلم وإذ سقط على وجهه أنشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها ... لأنه مكتوب فى سفر المزامير لتصر داره خراباً ولا يكن فيها ساكن وليأخذ وظيفته آخر. فينبغى أن الرجال الذين اجتمعوا معنا كل الزمان الذى فيه دخل إلينا الرب يسوع وخرج. منذ معمودية يوحنا إلى اليوم الذى ارتفع فيه عنا يصير واحد منهم شاهداً معنا بقيامته(28)". وهكذا تم اختيار متياس على أسس تعليم المسيح الثلاثة، نبوات العهد القديم، تعليم المسيح وعمله والشهادة الرسولية له.

وبعد حلول الروح القدس مباشرة وقف بطرس مع الأحد عشر بما فيه متياس، وبدأ يخاطب الجماهير الغفيرة والتى كانت حاضرة فى أورشليم للاحتفال بعيد الخمسين ويتكلم عن آلام المسيح وصلبه وقيامته، مستشهداً بنبوة يوئيل عن انسكاب الروح القدس "هذا ما قيل بيوئيل النبى. يقول الله ويكون فى الأيام الأخيرة أنى اسكب من روحى على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويرى شبابكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلاماً"، وبنبؤة داود النبى عن قيامة المسيح "لأن داود يقول: فيه كنت أرى الرب أمامى فى كل حين أنه عن يمينى لكى لا أتزعزع. لذلك سر قلبى وتهلل لسانى حتى جسدى أيضا سيسكن على رجاء. لأنك لن تترك نفسى فى الهاوية ولا تدع قدوسك يرى فساداً ... أيها الرجال الإخوة يسوغ أن يقال لكم جهاراً عن رئيس الأباء داود أنه مات ودفن وقبره عندنا حتى هذا اليوم فإذا كان نبياً وعلم أن الله حلف له بقسم أنه من ثمرة صلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه سبق فرأى وتكلم عن قيامة المسيح أنه لم تترك نفسه فى الهاوية ولا رأى جسده فساداً" ثم استشهد بشهادة رسل المسيح "فيسوع هذا أقامه الله ونحن جميعاً شهود لذلك(29)". وبعد شفاء المقعد عند باب الهيكل خاطب الرسول أيضا الجموع بنفس الطريقة والأسلوب؛ تذكيرهم للشعب بنبوات الكتاب "وأما الله فما سبق وأنبأ به بأفواه جميع الأنبياء أن يتألم المسيح تممه هكذا"، تقديمهم للرب يسوع، عمله وتعليمه "إليكم أولاً إذ قام الله فتاه يسوع أرسله يبارككم برد كل واحد منكم عن شروره"، ثم شهادة شهود العيان "ورئيس الحياة قتلتموه الذى أقامه الله من الأموات ونحن شهود لذلك(30)".

وفى كرازته لكرنيليوس القائد الرومانى كان هذا هو نفس أسلوبه؛ ذكر النبوات وتفسيرها "له يشهد جميع الأنبياء أن كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا"، وتقديم شخص المسيح الفادى "يسوع الذى من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة الذى جال يصنع خيراً ويشفى جميع المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه"، ثم شهادة الرسل له "ونحن شهود بكل ما فعل فى كورة اليهودية وفى أورشليم(31)".

وكان هذا هو أسلوب بولس الرسول أيضا، ففى عظته أمام الحاضرين بمجمع إنطاكية بيسيدية قال "وأقوال الأنبياء التى تقرأ كل سبت تمموها إذ حكموا عليه ... ولما تمموا كل ما كتب عنه أنزلوه عن الخشبة (الصليب) ووضعوه فى قبر. وظهر أياماً كثيرة للذين حضروا معه من الجليل إلى أورشليم الذين هم شهوده عند الشعب(32)"، فسر النبوات وتكلم عن عمل المسيح وذكر شهادة الرسل لكل ذلك. وهذا ما أتبعه فى كل مكان كان يذهب إليه ويكرز فيه، وكان ذلك أيضا هو جوهر تعليمه ورسائله "الإنجيل الذى بشرتكم به.. المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب وأنه دفن وأنه قام فى اليوم الثالث حسب الكتب ... وأنه ظهر للرسل أجمعين(33)".

 

3- التسليم الرسولى (التقليد):

كان الرسل هو شهود العيان الذين أختارهم الرب وعينهم وأرسلهم ليكرزوا للخليقة كلها ويشهدوا له فى العالم أجمع، وكان الروح القدس يعمل فيهم وبهم ومن خلالهم ويتكلم على لسانهم ويعلمهم ويذكرهم "يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم(34)" ويعلمهم أيضا ما لم يكن فى إمكانهم تعلمه قبل القيامة وحلول الروح القدس عليهم "أن لى أمور كثيرة أيضا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق.. ويخبركم بأمور آتية(35)".

ويحسب طلبه السيد نفسه للآب صار الرسل واحداً مع الآب والابن بالروح القدس "ليكون الجميع واحداً كما أنك أنت أيها الآب فىّ وأنا فيك ليكونوا هم واحد فينا ... أن فيهم وأنت فى(36)"، وحملوا البشارة، بشارة الخلاص الأبدى، وصاروا هم المستودع الذى وضع فيه كل ما يختص بها، وصاروا المرجع الأول للإعلان، الذى يعلنه الروح القدس من خلالهم عن كل ما عمله وعلمه المسيح، وقاد المسيح الكنيسة من خلالهم بروحه القدوس. كانوا هم القادة والموجهين والمرجع الذى يرجع إليه فى كل ما يختص بالأخبار السارة، فهم الذين يرسلون الرسل إلى البلاد والذين يقررون ويصدرون التوصيات اللازمة لاحتياجات الكنيسة والمؤمنين، خاصة الجدد، وهم الذين يقررون صحة إيمان وكرازة الرسل والمبشرين والمعلمين، يقول بولس الرسول أنع على الرغم من أنه تسلم الإعلان من الرب مباشرة وأن الرب هو الذى قرر رسوليته باختياره له وتعيينه للكرازة باسمه "لأن هذا لى إناء مختار ليحمل اسمى أمام أمم وملوك وبنى إسرائيل(37)"، إلا أنه كان عليه "بموجب إعلان" أيضا أن يذهب إلى الرسل فى أورشليم ليعرض عليهم الإعلان الذى تسلمه من الرب والكرازة التى يكرز بها أو ليعطوه هم، يمين الشركة وبراءة الرسولية ويرسلونه للكرازة "فأخذ برنابا وأحضره إلى الرسل وحدثهم كيف أبصر الرب ... فكان معهم يدخل ويخرج فى أورشليم(38)"، "ثم بعد أربعة عشر سنة حضرت إلى أورشليم مع برنابا آخذاً معى تيطس أيضاً وإنما حضرت بموجب إعلان وعرضت عليهم الإنجيل الذى اكرز به بين الأمم. فإذ علم بالنعمة المعطاة لى يعقوب وصفا (بطرس) ويوحنا المعتبرون أنهم أعمدة أعطونى وبرنابا يمين الشركة لنكون نحن للأمم وأما هم فللختان(39)".

ولأنهم حملوا وصايا الرب، وكانوا، هم المستودع الأمين لها فقد تساوت وصاياهم وتعاليمهم مع تعاليم أنبياء العهد القديم ومع وصايا الرب نفسه لأنت وصيتهم هى وصيته وتعاليمه هى تعاليمه:

يقول بطرس "لتذكروا الأقوال التى قالها سابقا الأنبياء والقديسون ووصيتنا نحن الرسل وصية الرب والمخلص(40)"، ويقول يهوذا الرسول "أخو يعقوب"، "وأما أنتم أيها الأحباء فاذكروا الأقوال التى قالها سابقاً رسل ربنا يسوع المسيح(41)".

وهذا ما تعلمه وعلمه أيضا الأباء الرسوليين تلامي الرسل الذين تتلمذوا على أيديهم واستلموا منهم الأخبار السارة. يقول القديس أغناطيوس الأنطاكى تلميذ بطرس الرسول "أثبتوا إذاً على تعاليم الرب والرسل"(42).

"ثابروا على الاتحاد بإلهنا يسوع المسيح وبالأسقف وبوصايا الرسل(43)"، ويقول أكليمندس الرومانى تلميذ بولس الرسول والذى يقول عنه القديس إريناؤس أنه "رأى الرسل القديسين وتشاور معهم(44)"؛ "من أجلنا استلم الرسل الإنجيل من الرب يسوع المسيح ويسوع المسيح أرسل من الله (الآب)(45)"، ويقول بوليكاربوس الذى رافق الرسل خاصة القديس يوحنا الحبيب "فلنخدمه (المسيح) بخوف وتقوى كما يأمرنا هو والرسل الذين بشرونا بالإنجيل والأنبياء الذين أعلنوا لنا عن مجئ الرب(46)"، ويقول القديس إريناؤس أسقف ليون (120-202م) "إذ أن الرسل وضعوا فى أيدى الكنيسة كل الأمور التى تخص الحق بغزارة وفيرة، مثل رجل غنى (أكتنز ماله)فى بنك، لذلك فكل إنسان أيا كان يستطيع أن يسحب منها ماء الحياة(47)".

سلم الرسل لأعضاء الكنيسة، وبصفة خاصة القادة، ما تسلموه هم من الرب ونفذوا وصيته التى أوصاهم بها قبل صعوده مباشرة:

"أذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والأبن والروح القدس. وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به(48)".

وكان أسلوب الرسل فى تسليم الأخبار السارة، الإنجيل، يعتمد على ثلاث أُسس هى:

الكرازة "كيريجما Kegrema"، "أكرزوا بالإنجيل(49)".

التعليم "ديداكى Didaky"، "وعلموهم أن يحفظوا".

العبادة الليتورجية "ليتورجى Liturgy"(50)، "اصنعوا هذا لذكرى(51)".

كان الرسل يكرزون للجميع بالإنجيل وينادون بالخلاص لكل البشرية وذلك بالتوبة ومغفرة الخطايا بالإيمان بالمسيح كالمخلص الوحيد الذى بذل نفسه على الصليب لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية؛

"توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس(52)"، "له يشهد جميع الأنبياء أن كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا(53)"، "وليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطى بين الناس به ينبغى أن نخلص(54)".

كانت الخطوة الأولى بعد الكرازة هى الإيمان بالمسيح "آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك(55)"، ثم المعمودية "من آمن واعتمد خلص(56)"، ثم التعليم "وعلموهم". ثم الاندماج فى العبادة الجماعية. وهذا ما حدث بعد حلول الروح القدس مباشرة لأول مجموعة آمنت بعد أول عظة للقديس بطرس:

"فقبلوا كلامه بفرح (آمنوا) وأعتمدوا ... وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والشركة وكسر الخبز (التناول) والصلوات(57)".

وكان المؤمنون بعد العماد يدخلون فى اجتماعات التعليم أو التلمذة لكى يتعلموا عن طريق التلمذة "جميع ما ابتدأ يسوع يفعله ويعلم به(58)"، "وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به". ومن ثم فقد دعى المسيحيين الأولين بالتلاميذ "وكانت كلمة الرب تنموا وعدد التلاميذ يتكاثر(59)".

وكان التلاميذ، المؤمنون، يعيشون هذا التعليم عملياً فى العبادة الليتورجية بدأ من المعمودية التى هى ولادة روحية جديدة فى المسيح وجواز المرور للدخول إلى ملكوت الله "إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله.. إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله(60)"، وتقديس يوم الأحد الذى يذكر المؤمنين دائماً وعملياً بقيامة الرب من الموت، ثم التناول من جسد الرب ودمه للاتحاد به والثبات فيه "من يأكل جسدى ويشر ب دمى يثبت فىّ وأن فيه(61)" وليكون ذكرى عملية وحيه لآلامه وسفك دمه وتقديم جسده وموته لغفران الخطايا "فأنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجئ(62)".

"وفى أول الأسبوع (الأحد) كان التلاميذ (المسيحيون) فى ترواس، مجتمعين ليكسروا خبزاً(63)"، "لأننى تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضا أن الرب يسوع فى الليلة التى أسلم فيها أخذ خبزاً وشكر فكسر وقال خذوا كلوا هذا هو جسدى المكسور لأجلكم، اصنعوا هذا لذكرى. كذلك الكأس أيضا بعدما تعشوا قائلاً هذه الكأس هى العهد الجديد بدمى اصنعوا هذا كلما شربتم لذكرى(64)"، "كأس البركة التى نباركها أليست هى شركة دم المسيح. الخبز الذى نكسره أليس هو شركة جسد المسيح(65)".

سلم الرسل الكنيسة ما تسلموه هم من الرب "أننى سلمت إليكم ما تسلمته من الرب(66)"، وعلموا المؤمنين أن يحفظوا جميع وصايا وأعمال الرب بكل دقة وحرص أن يتمسكوا بكل حرف وكلمة وجملة وفقرة" تمسك بصورة الكلام الصحيح الذى سمعته منى.. أحفظ الوديعة الصالحة بالروح القدس الساكن فينا(67)". وكان الروح القدس يحفظ الكلمة سواء بالنسبة للرسل أو لمن سلموهم الأخبار السارة والذين كانوا بدورهم يسلمونها لآخرين أكفاء "وما سمعته منى بشهود كثيرين أودعه أناساً أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضا(68)". وكان الرسول بولس يمتدح أهل كورنثوس لحفظهم وحفاظهم على ما تسلموه "فأمدحكم أيها الأخوة على أنكم تذكروننى فى كل شئ وتحفظون التعاليم كما سلمتها إليكم(69)"، ويشكر الله من أجل أهل روما لإطاعتهم التسليم الرسولى من القلب "فشكراً لله أنكم كنتم عبيداً للخطية ولكنكم أطعتم من القلب صورة التعليم الذى تسلمتموها(70)"، ويقول لأهل تسالونيكى "فأثبتوا إذاً أيها الأخوة وتمسكوا بالتقليد الذى تعلمتموه سواء بالكلام أم برسالتنا(71)"، ويقول القديس الإنجيلى بالروح أم ما سلمه الرسل للكنيسة كان مؤكداً عندهم "الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا من البدء معاينين (شهود عيان) وخداماً للكلمة(72)"، فقد كان المسيحيون الأولون يحفظون كل حرف وكل كلمة سلمت إليهم عن ظهر قلب، وكانوا كيهود سابقين مدربين على الحفظ، حفظ كلمة الله والتمسك بكل حرف فيها حتى الموت(73)، وكان الروح القدس الساكن فيهم يحفظ الكلمة فيهم ويذكرهم بها فى كل وقت، كما لم يكونوا فى الأيام الأولى للكرازة فى حاجة لإنجيل مكتوب لأن وجود الرسل شهود المسيح على رأس الكنيسة، على قيد الحياة، كان هو الوثيقة الحية والصوت الحى للشهادة للمسيح ولكل ما عمله وعلمه، وحتى بعد انتشار رسائل الرسل وتدوين الإنجيل ظل المؤمنون يلجأون للرسل لمعرفة المزيد عن المسيح، يقول بابياس أسقف هيرابوليس (70-155م) والذى أستمع للقديس يوحنا وكان زميلاً لبوليكاريوس، كما يقول إريناؤس أسقف ليون(74): "وكلما أتى أحد ممن كان يتبع المشايخ سألته عن أقوالهم، عما قاله أندراوس أو بطرس، عما قاله فيلبس أو توما أو يعقوب أو يوحنا أو متى أو أى أحد آخر من تلاميذ الرب ... لأننى لا أعتقد أن ما تحصل عليه من الكتب يفيدنى بقدر ما يصل إلى من الصوت الحى، الصوت الحى الدائم(75)".

كان الرسل يعينون قادة الكنائس ويسلمونهم التقليد، التعليم، الأخبار السارة، الإنجيل ليسلموه بدورهم لآخرين:

"وأنتخبا لهم قسوساً فى كل كنيسة ثم صليا بأصوام واستودعاهم للرب الذى كانوا قد آمنوا به(76)"، "وإذ كانوا (بولس وسيلا وتيموثاوس) يجتازون فى المدن كانوا يسلمونهم القضايا التى حكم بها الرسل والمشايخ الذين فى أورشليم ليحفظوها(77)".

"فقد أرسلنا يهوذا (برسابا) وسيلا وهما يخبرانكم بنفس الأمور شفاهاً(78)".

 

4- اللغة التى سلم بها الرسل التسليم الرسولى:

بأية لغة كان يتحدث السيد المسيح، وبأية لغة كرز الرسل وسلموا الأخبار السارة؟ كان هناك فى فلسطين فى القرن الأول للميلاد ثلاث لغات رئيسيه هى: اللاتينية وكانت لغة أهل روما وبعض المقاطعات الرومانية الرسمية وان كان كثيرون من الرومان أنفسهم يتحدثون اليونانية، ولذا فقد كتب القديس بولس إلى روميه باليونانية، كما كتب القديس أكليمندس أسقف روما رسالته الأولي باليونانية. واللغة اليونانية العامية "الكوينية Koine" وكانت منتشرة بدرجة كبيرة فى القرن الأول فى دول حوض البحر المتوسط، وكان كثيرون فى فلسطين يتحدثون اليونانية، فقد كان هناك مدن يونانية مثل قيصرية وديكابوليس وغيرهما وذلك إلى جانب التجار والمسافرين وبصفة خاصة اليهود الذين كانوا يأتون من دول كثيرة وبأعداد كبيره تزيد على المليون لقضاء الأعياد الدينية، خاصة عيد الفصح، فى أورشليم. وبسبب انتشار هذه اللغة بين يهود المشتات فقد ترجمت أسفار العهد القديم إلى اليونانية حوالى سنه 282ق.م. ولذا فقد كان من الطبيعى أن نجد بين تلاميذ المسيح من تلاميذ المسيح من يتحدث اليونانية. ثم اللغة الآرامية التي كانت منتشرة في فلسطين وما بين النهرين، وكانت الآرامية الغربية هى اللغة الرئيسية ليهود فلسطين، وكان المسيح وتلاميذ يتحدثون هذه اللغة بلهجة أهل الجليل والتى كانت مميزه وقد عُرف بها بطرس فى أورشليم عندما أنكر المسيح "أنت أيضاً منهم فأن لغتك تظهرك"(79)، "هذا أيضاً كان معه لأنه جليلى أيضا"(80). وإلى جانب الآرامية واليونانية كانت هناك اللغة العبرية لغة أسفار العهد القديم والتى كان لابد أن تقرأ بها الأسفار فى الهيكل والمجامع أو فى أى مكان.

كان السيد المسيح يتحدث بالآرامية مع عامة الشعب ويقرأ العبرية فى الهيكل ويتحدث اليونانية مع الأجانب من أمثال بيلاطس وقائد المئة واليونانيين الذين أرادوا أن يروه وغيرهم، وكان فى إمكانه كالإله المتجسد أن يتحدث بأى لغة، وبرغم أنه أتخذ جسداً وصورة العبد وصار إنساناً إلا أنه، كإنسان، كان "يتقدم فى الحكمة والقامة عند الله والناس(81)"، وكإله، ابن الله الوحيد، فهو كلى القدرة والمعرفة والعلم.

وكان التلاميذ يتحدثون الآرامية وقد تعلموا أن يقرأوا الأسفار المقدسة بالعبرية وكان بعضهم يجيدون إلى جانب ذلك، اليونانية، خاصة بعد حلول الروح القدس فقد كتبت جميع أسفار العهد الجديد باللغة اليونانية كما كتبت كتب تلاميذ الرسل وخلفائهم باليونانية أيضا حتى دعوا بالأباء اليونانيين. وعندما حل الروح القدس على الرسل جعلهم "يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح القدس أن ينطقوا(82)".

وعندما بدأ الرسل الكرازة فى أورشليم واليهودية كانوا يكرزون فى الهيكل والمجامع لسنوات طويلة بالآرامية ويستشهدون بآيات العهد القديم فى العبرية، كما كانوا يكرزون للمتحدثين باليونانية، مثل كرنيليوس القائد الرومانى وأهله، كانوا يستخدمون اليونانية، وتدل بعض أسماء الشمامسة السبعة على أن بعضهم كانوا يتحدثون اليونانية، ولما خرجت الكرازة خارج فلسطين وكرز الرسل فى قبرص واليونان وإيطاليا وبقية الدول التى تنتشر فيها اللغة اليونانية باليونانية وغالبا كان الرسل يبدأون الكرازة فى مجمع اليهود فى أيام السبت ثم يتحولون بعد ذلك إلى الأمم وهذا يعنى أنهم كانوا مضطرين لاستخدام اللغات الآرامية والعبرية واليونانية حسب الضرورة وحسب نوعية المستمعين سواء كانوا يهود أو يونانيين. أو يهود يتحدثون لغة فلسطين أو لغة البلاد التى يقيمون فيها.

ولذلك فقد نقلت الأخبار السارة، الإنجيل، وسُلم التقليد الرسولى، التسليم الرسولى بهذه اللغات الثلاث، خاصة اليونانية، الآرامية والعبرية أولاً، ثم اليونانية التى كانت منتشرة فى معظم البلاد التى بشروا فيها. وحافظ الروح القدس الساكن فيهم والذى كان يتحدث على لسانهم على كل حرف وكلمة فى التسليم الرسولى للأخبار السارة، فكان يقودهم ويذكرهم ويعلمهم ويرشدهم ويعصمهم من الخطأ والذلل.

 

---

(1) يو 6: 8.

(2) أع 2: 1.

(3) مت 14: 24.

(4) أع 24: 20.

(5) 1كو 1: 15.

(6) 1تس 5: 1.

(7) فى 3: 1،5.

(8) فى 3: 4.

(9) اتس 2: 3.

(10) فى 12: 1.

(11) 1كو 15: 4

(12) رؤ 16: 2

(13) رؤ 25: 16

(14) غل 7: 2

(15) غل 8: 2

(16) أع 2: 1

(17) أع 21: 1،22

(18) أع 3: 1،4

(19) لو 25: 24-27

(20) لو 33: 24

(21) لو 44: 24-49

(22) 1بط 9: 1-12

(23) متى 17: 5

(24) رؤ 10: 19

(25) لو 21: 8

(26) متى 40: 22

(27) أع 15: 1

(28) أع 16: 1-22

(29) أع ص 2

(30) أع 15: 3-18،26

(31) أع 38: 10،39

(32) أع 27: 13-31

(33) 1كو 1: 15-5

(34) يو 26: 14

(35) يو 12: 16،13

(36) يو 21: 17

(37) أع 15: 9

(38) أع 27: 9،28

(39) غل 1: 2،2،98

(40) 2بط 2: 3

(41) يه 17

(42) رسالته إلى ماجنسيا 1: 13

(43) إلى تراليس 1: 7

(44) الأباء الرسوليين للبطريرك إلياس الرابع معوض 16

(45) رسالته الأولى 1: 42

(46) رسالته إلى فيلبى 3: 6

(47) رؤ 17: 22 N. T. Apoc

(48) متى 19: 28،20

(49) مر 15: 16

(50) كلمة ليتورجى Liturgy مكونة من "لأوس – Laos" ومعناها الشعب و"إرجون – Ergon" ومعناها عمل، أى عمل الشعب وتعنى شعائر العبادة العامة، القداس.

(51) لو 19: 22

(52) أع 38: 2

(53) أع 43: 10

(54) أع 12: 4

(55) أع 71: 16

(56) مر 16: 16

(57) أع 41: 2،42

(58) أع 1: 1

(59) يو 3: 3،5

(60)

(61) يو 56: 6

(62) 1كو 26: 11

(63) أع 7: 20

(64) 1كو 23: 11-25

(65) 1كو 16: 10

(66) يو 3: 3،5

(67) 2تى 13: 1،14

(68) 2تى2: 2

(69) 1كو 2: 11

(70) رو 17: 6

(71) 2تس 15: 2

(72) لو 1: 1،2

(73) وقد حفظ اليهود التلمود شفوياً لمئات السنين ولم يدون إلا حوالى 200 م.

(74) يوسابيوس ك3 ف 1: 39

(75) يوسابيوس ك 3 ف 4: 39

(76) أع 23: 14

(77) أع 4: 16

(78) أع 4: 16

(79) متى 72: 26.

(80) لو 59: 22.

(81) لو 52: 3

(82) أع 4: 2

الفصل السادس

جوهر التسليم الرسولى

"الأخبار السارة"

 

أعلن السيد المسيح مرات كثيرة أثناء خدمته وكرازته قبل الصلب والقيامة عن حتمية تقديم ذاته وسفك دمه فدية وكفارة عن حياة البشرية، وأنه كان يجب أن يتألم ويصلب ويموت بالجسد ويقوم من الموت فى اليوم الثالث نيابة عن الخطاة الذين يتوبون ويرجعون إلى الله، وأن يغفر الخطايا بدمه الزكى الثمين:

"إبن الإنسان لم يأت ليُخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين(1)"، "هكذا أحب الله العالم حتى بذل أبنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية(2)

"من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذه أنه ينبغى أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيراً من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويُقتل وفى اليوم الثالث يقوم(3)"، "فيحكمون عليه بالموت ويسلمونه إلى الأمم لكى يهزءوا به ويجلدوه ويصلبوه وفى اليوم الثالث يقوم(4)

"كان ينبغى أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده(5)

ويقول الوحى بلسان بولس الرسول "لأن المسيح إذ كنا بعد ضعفاء مات فى الوقت المعين لأجل الفجار ... الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا(6)".

سفك المسيح دمه وبذل نفسه بسبب خطايا البشرية التى ضلت طريقها وابتعدت عن الله وخالفت ناموسه ووصاياه فجاء هو إلى العالم متجسداً فى صورة عبد آخذاً شكل الناس وصار بشراً وتحمل الآلام والموت كإنسان نيابة عن هذه البشرية الخاطئة ليعيدها ثانية إلى الله الآب ويزيل الحاجز الذى يفصل بين الله وبين الإنسان(7)، ليصالحها معه بدمه ويبررها بقيامته، كما يقول الكتاب أنه "أسلم لأجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا(8)"، ويعطى بالقيامة برهان الحياة والخلود "وهو مات لأجل الجميع كى يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل لأجل الذى مات من أجلهم وقام ... إذاً إن كان أحد فى المسيح فهو خليقة جديدة ... الله الذى صالحنا لنفسه بيسوع المسيح وأعطانا خدمة المصالحة. أى أن الله كان فى المسيح مصالحاً العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم(9)"، "لكى يذوق (المسيح) بنعمة الله الموت لأجل كل واحد(10)

"عالمين أنكم أُفتديتم ... بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح ... أنتم الذين تؤمنون بالله الذى أقامه من الأموات وأعطاه مجداً حتى إن إيمانكم ورجاءكم هما فى الله(11)

"الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين. فإنه إذ الموت بإنسان بإنسان أيضا قيامة الأموات. لأنه كما فى أدم يموت الجميع هكذا فى المسيح سيحيا الجميع(12)" لأن "مخلصنا يسوع المسيح ... أبطل الموت وأنار الحياة والخلود(13)

"إن كنا نؤمن أن يسوع مات وقام فكذلك الراقدين بيسوع سيحضرهم الله معه(14)"، "لأنه لهذا مات المسيح وقام وعاش ليسود على الأحياء والأموات(15)".

وبعد قيامته من الأموات ظل يظهر لتلاميذه مدة أربعين يوماً ثم صعد إلى السماء وجلس عن يمين العظمة فى الأعالى وأرسل الروح القدس كما وعد ليقود الكنيسة فى كرازتها وبشارتها بالأخبار السارة، ولأنه حى فى السماء، الحى إلى الأبد، فهو يشفع دائماً فى المؤمنين، فهو الوسيط الوحيد بين الله والناس لكونه الإله المتجسد، والذى بذل ذاته فدية وكفارة عن حياة العالم، والشفيع الوحيد الذى يشفع فى البشرية بحق دمه المسفوك، كإنسان، نيابة عنها: "لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح الذى بذل نفسه فدية لأجل الجميع(16)

"وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عن الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط بل كل العالم أيضاً(17)

"فمن ثم يقدر أن يخلص أيضا إلى التمام الذين يتقدمون إلى الله إذ هو حى كل حين يشفع فيهم(18)".

وقد وعد السيد أنه سيأتى ثانية فى مجد فى نهاية الأيام ليدين الأحياء والأموات ويجازى كل واحد بحسب ما يكون عمله:

وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان فى السماء. وحينئذ تنوح جميع قبائل الأرض ويبصرون ابن الإنسان آتياً على سحاب السماء بقوة ومجد كثير. فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون مختاريه من الأربع رياح من أقصاء السموات إلى أقصائها(19)

"ومتى جاء ابن الإنسان فى مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذ يجلس على كرسى مجده. ويجتمع أمامه جميع الشعوب فيميز بعضهم عن بعض كما يميز الراعى الخراف عن الجداء(20)

"فإن ابن الإنسان سوف يأتى فى مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازى كل واحد حسب عمله(21)".

هذه المواضيع التى وضعها وأعلن عنها السيد المسيح وعلمها لتلاميذه ورسله ونفذ الجزء الأول منها؛ صلبه وقيامته وصعوده وإرساله الروح القدس، أمامهم وكانوا شهوداً عياناً لها، وابتدأ عمله كالوسيط الوحيد والشفيع الوحيد، كانت هى محور وأساس وجوهر وبؤرة كرازتهم للبشرية، بشارتهم بالإنجيل، الأخبار السارة، وذلك منذ اللحظة الأولى لحلول الروح القدس وانسكابه عليهم وانطلاق الشرارة الأولى للكرازة المسيحية. وقد مارس الرسل والمؤمنون الأولون هذه الأمور علمياً فى العبادة اليتورجية، التى بدأت بعد أول خطاب كرازى للقديس بطرس فور انسكاب الروح القدس، وذلك فى المعمودية وتقديس يوم الأحد والتناول من جسد الرب ودمه، القداس(22)، الذى يصرخ فيه الكاهن قاله الوحى على لسان بولس الرسول:

"فأنكم كلما أكلتم من هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجيئ(23)"، ويرد عليه الشعب "أمين أمين أمين بموتك يا رب نبشر وبقيامتك المقدسة وصعودك إلى السموات نعترف(22)".

وعندما دونت أسفار العهد الجديد، كانت هذه المواضيع هى المحور والجوهر والبؤرة فقد شكلت حوالى 32% من الإنجيل للقديس متى وثلث الإنجيل للقديس مرقس وحوالى 20% من الإنجيل للقديس لوقا وحوالى 50% من الإنجيل للقديس يوحنا وكذلك رسالته الأولى، كما كانت أيضا محور وجوهر وبؤرة كرازة القديس بطرس سواء المدونة فى سفر أعمال الرسل أو المدونة فى رسالتيه اللتين كتبهما قيل انتقاله من هذا العالم حوالى سنة 67م وكذلك كرازة القديس بولس المدونة فى سفر أعمال الرسل أو المدونة فى رسائله الأربع عشر التى كتبها فيما بين سنة 52 و 64م، وكانت جوهر سفر الرؤيا الذى يدور فى معظمه حول الرب القائم من الأموات، الرب الممجد والقائد والراعى لكنيسته والشفيع الحى إلى أبد الآبدين.

 

1- كرازة بطرس الرسول "الإنجيل بحسب ما كرز به القديس بطرس":

الإنجيل كما كرز به القديس بطرس الرسول ودون فى أسفار أعمال الرسل وفى رسالتيه الأولى والثانية والمكتوبتين قبل سنة 64م يتضمن موجز شامل وكامل لكل ما عمله وعلمه السيد المسيح خاصة قصة آلامه وصلبه وقيامته وصعوده والتى تتماثل بدرجة شديدة مع ما جاء فى الأناجيل الأربعة وبصفة خاصة من الإنجيل للقديس مرقس الذى يرعى معظم العلماء أنه أقدم الأناجيل التى دونت والتى يتصف بالإيجاز والقوة أيضا إلى جانب خشونة اللغة وقدمها. ويذكر القديس بطرس فيما دون كرازته:

تجسد المسيح من نسل داود "فإذا كان (داود) نبياً وعلم أن الله حلف لهُ بقسم أنهُ من ثمرة صلبه يقيم المسيح بالجسد ليجلس على كرسيه(24)".

موجز لأعمال المسيح والقوات التى صنعها فى الجليل واليهودية وأورشليم "يسوع الناصرى رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده فى وسطكم كما أنتم تعلمون(25)" "انتم تعلمون الأمر الذى صار فى كل اليهودية مبادئاً من الجليل بعد المعمودية التى كرز بها يوحنا (المعمدان). يسوع الذى من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة الذى جال يصنع خيراً ويشفى جميع المتسلط عليهم إبليس لأن الله كلن معه. ونحن شهود بكل ما فعل فى كورة اليهودية وفى أورشليم(26)".

حلول الروح القدس عليه "بعد المعمودية التى كرز بها يوحنا ... مسحه الله بالروح القدس والقوة(27)".

تجلى الرب وإظهار مجده على جبل التجلى "لأننا لم نتبع خرافات مصنعة إذ عرفنا كم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه بل قد كنا معاينين عظمته. لأنه أخذ من الله الآب كرامة ومجداً إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسمى هذا هو أبني الحبيب الذى أنا سررت به. ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلاً من السماء إذ كنا معه فى الجبل المقدس(28)".

القبض عليه ومحاكمته أمام مجمع اليهود (السنهدرين) وأمام بيلاطس الذى كان يميل لإطلاقه ولكن رؤساء اليهود فضلوا عليه باراباس "الذى أسلمتموه أنتم وأنكرتموه أمام وجه بيلاطس وهو حاكم بإطلاقه. ولكنكم أنتم أنكرتم القدوس البار وطلبتم أن يوهب رجل قاتل (باراباس)(29)".

صلبه وقتله بتعليقه على خشبة الصليب بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق "هذا أخذتموه مسلماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدى آثمة صلبتموه وقتلتموه(30)"، "ورئيس الحياة قتلتموه"(31)، يسوع المسيح الناصرى الذى صلبتموه أنتم"(32)، "الذى أنتم قتلتموه معلقين إياه على خشبة "(33)، "الذى أيضاً قتلوه معلقين إياه على خشبة"(34).

قيامته من الموت "الذى أقامه الله ناقضاً أوجاع الموت إذ لم يكن ممكناً أن يمسك منه... فيسوع هذا أقامه الله ونحن جميعاً شهود لذلك"(35)، "الذى أقامه الله من الأموات ونحن شهود لذلك"(36)، "الذى أقامه الله من الأموات"(37)، وظهوره مرات كثيرة بعد قيامته وببراهين قاطعة "هذا أقامه الله فى اليوم الثالث وأعطى أن يصير ظاهراً ليس لجميع الشعب بل لشهود اله فأنتخبهم. لنا نحن الذين أكلنا وشربنا معه بعد قيامته من الأموات. وأوصانا أن نكرز ونشهد بأن هذا هو المعين من الله دياناً للأحياء والأموات"(38).

صعوده إلى السموات وجلوسه عن يمين الآب وإرساله للروح القدس الذى انسكب على الرسل يوم الخمسين، وشهادة الروح القدس له بواسطة ومن خلال الرسل "وإذ أرتفع بيمين الله وأخذ موعد الروح القدس من الآب سكب هذا الذى أنتم الآن تبصرونه وتمونه. لأن داود لم يصعد إلى السموات وهو نفسه يقول: قال الرب لربى أجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطناً لقدميك فليعلم يقيناً جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذى صلبتموه أنتم رباً ومسيحاً"(39)، "هذا رفعه الله بيمينه رئيساً ومخلصاً ليعطى إسرائيل التوبة وغفران الخطايا. ونحن شهود له بهذه الأمور والروح القدس أيضاً الذى أعطاه الله للذين يطيعونه"(40).

خضوع الأجناد السمائية له "الذى هو فى يمين الله إذ قد مضى إلى السماء وملائكة وسلاطين وقوات مخضعة له"(41).

موته بالجسد نيابة عن الخطاة وفداءه لنا بدمه الذكى الثمين ومصالحته للبشرية مع الله فولدنا ثانية بقيامته "فسيروا زمان غربتكم بخوف عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التى تقلدتموها من الأباء بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم ولكن قد أظهر فى الأزمنة الأخيرة من أجلكم أنتم الذين تؤمنون بالله الذى أقامه من الأموات وأعطاه مجدداً"(42)، "لأنكم لهذا دعيتم فإن المسيح أيضاً تألم لأجلنا تاركاً لنا مثالاً لكى تتبعوا خطواته. الذى لم يفعل خطية ولا وجد فى فمه مكر الذى إذا شتم لم يكن يشتم عوضاً وإذا تألم لم يكن يهدد بل كان يسلم لمن يقضى بعدلٍ. الذى حمل هو نفسه خطايانا فى جسده على الخشبة لكى نموت الخطايا فنحيا للبر. الذى بجلدته شفيتم. لأنكم كنتم كخراف ضالة لكنكم رجعتم الآن إلى راعى نفوسكم وأسقفها"(43)،

"فإن المسيح أيضاً تألم مرة واحدة من أجل الخطايا البار من أجل الآثمة لكى يقربنا إلى الله مماتاً فى الجسد ولكى مُحنى فى الروح"(44).

لا خلاص إلا بالمسيح وحده "وليس بأحد غيره الخلاص. لأنه ليس أسم آخر تحت السماء قد أعطى بين الناس به ينبغى أن نخلص"(45)، "توبوا وليعتمد كل واحدٍ منكم على أسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس"(46).

شهادة جميع الأنبياء له "له يشهد جميع الأنبياء أن كل من يؤمن به ينال بأسمه غفران الخطايا"(47)، ونبؤاتهم عن آلامه وصلبه وقيامته "وأما الله فما سبق وأنبأ به بأفواه جميع أنبيائه أن يتألم المسيح قد تممه هكذا. فتوبوا وأرجعوا لتمحى خطاياكم لكى تأتى أوقات الفرج من وجه الرب. ويرسل المسيح المبشر به لكم قبلُ"(48)، "نائلين غاية إيمانكم خلاص النفوس. الخلاص الذى فتّش وبحث عن أنبياء. الذين تنبأوا عن النعمة التى لأجلكم باحثين أى وقت أو ما الوقت الذى أن يدل عليه روح المسيح الذى فيهم إذ سبق فشهد بالآلام التى للمسيح والأمجاد التى بعدها"(49)، "لأن داود يقول فيه (المسيح)... لأنك لم تترك نفسى فى الهاوية ولا تدع قدوسك يرى فساداً... فإذا كان نبياً... سبق فرأى وتكلم عن قيامة المسيح أنه لم تترك نفسه فى الهاوية ولا رأى جسده فساداً"(50).

مجيئه الثانى فى نهاية الأيام وانقضاء الأيام وانقضاء هذا الدهر ونهاية هذا العالم الحاضر، حيث سيأتى فى مجده ومجد أبيه ليدين الأحياء والأموات ويعطى المؤمنين إكليل المجد. "كما اشتركتم فى آلام المسيح أفرحوا لكى تفرحوا فى إستعلان مجده أيضاً مبتهجين"(51).

"ولكن سيأتى كلص فى الليل يوم الرب الذى فيه تزول السموات بضجيج وتنحل العناصر محترقة وتحترق الأرض والمصنوعات التى فيها. فبما أن هذه كلها تنحل أىّ أناس يجب أن تكونوا أنتم فى سيرة مقدسة وتقوى منتظرين وطالبين سرعة مجىء يوم الرب الذى به تنحل السموات ملتهبة والعناصر محترقة تذوب. ولكننا بحسب وعده ننتظر سموات جديدة وأرضاً جديد يسكن فيها البر"(52) "ومتى ظهر رئيس الرعاة تنالون إكليل المجد الذى لا يبلى"(53).

 

2- كرازة بولس الرسول "الإنجيل بحسب ما كرز به القديس بولس":

تسلم القديس بولس الأخبار السارة، التسليم الرسولى، الكرازة من الرب القاصم من الأموات مباشرة "لأننى تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضاً"(54)، "وأعرفكم أيها الأخوة الإنجيل الذى بشرت به أنه ليس بحسب إنسان لأنى لم أقبله من عند إنسانٍ ولا علمته. بل بإعلان يسوع المسيح"(55)، ومع ذلك فقد تقابل مع رسل المسيح، شهود العيان، ومكث عند بطرس الرسول فى أورشليم "خمسة عشرة يوماً"(56)، كما تقابل مع "يعقوب أخى الرب"(57) ثم ذهب إلى الرسل ثانيه بإعلان سماوى ليعرض عليهم الأخبار السارة التى ينادى بها، الإنجيل الذى يكرز به "ثم بعد أربع عشر سنة صعدت أيضاً إلى أورشليم مع برنابا أخذاً معى تيطس أيضاً. وإنما صعدت بموجب إعلان وعرضت عليهم الإنجيل الذى أكرز به بين الأمم.... فإذا علم بالنعمة المعطاة لى يعقوب وصفاً (بطرس) ويوحنا المعتبرون أنهم أعمدةُ أعطونى يمين الشركة لنكون نحن لأمم أما هم فللختان"(58)، ومن ثم فقد كانت كرازته هى نفس كرازة الرسل وكان تعليمه هو نفس تعليم الرسل وكان إنجيله الرسل، إنجيل المسيح، الأخبار السارة. وكان هو أيضاً مثل الرسل شاهد عيان للمسيح المقام من الأموات والصاعد إلى السماء، فقد أختاره المسيح "لأن هذا لى إناء مختار ليحمل إسمى أمام أمم وملوك وبنى إسرائيل"(59).

وكان القديس بولس يكرز ويسلم التسليم الرسولى شفاهه "لأننى تسلمت من الرب ما سلمتكم "(60)، "وتحفظون التعاليم كما سلمتها إليكم"(61)، كنا نكرز لكم بإنجيل الله ونحن عاملون ليلاً ونهاراً"(62)، ثم يكمل عمله هذا بإرسال الرسائل لكي يثبت المؤمنين وليجاوب على ما يطرأ من قضايا وأسئلة وليشرح لهم ما أصبحوا فى حاجة إليه من معرفة إيمانية نتيجة لتقدمهم فى الإيمان أو ليصحح بعض المفاهيم والأمور التى قد يساء فهمها، وغير ذلك من الأمور، وكان جوهر تعليمه سواء الشفوى أو المكتوب واحداً "فأثبتوا إذاً أيها الأخوة وتمسكوا بالتعاليم التى تعلمتموها سواء كان بالكلام أم برسالتنا"(63). وقد حوت كرازته بالإنجيل والمدون بعضها فى سفر الأعمال وبعضها فى رسائله كثيراً مما يختص بشخص الرب القائم من الأموات خاصة آلامه وصلبه وقيامته وصعوده وجلوسه عن يمين العظمة فى السماء وشفاعته الدائمة ومجيئه الثانى فى اليوم الأخير، وان كان قد ركز بصفة خاصة على الخلاص والفداء الذى تم بدم المسيح وعمله الكفارى على الصليب. وقد تلخصت كرازته هذه فيما دون فى سفر الأعمال وفى الإصحاح الخامس عشر من رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس:

 

أ عظته الكرازية فى مجمع إنطاكية بيسيدية:

والمدونة فى سفر أعمال الرسل: "أيها الرجال الأخوة بنى جنس إبراهيم والذين بينكم يتقون الله إليكم أُرسلت كلمة هذا الخلاص. لأن الساكنين فى أورشليم ورؤساءهم لم يعرفوا هذا وأقوال الآباء التى تقرأ كل سبت تمموها إذ حكموا عليه. ومع أنهم لم يجدوا عله واحدة للموت طلبوا من بيلاطس أن يقتل. ولما تمموا كل ما كُتب عنهُ أنزلوه عن الخشبة ووضعوه فى قبر. ولكن الله أقامه من الأموات. وظهر أياماً كثيرة للذين حضروا معه من الجليل إلى أورشليم الذين هم شهوده عند الشعب. ونحن نبشركم بالموعد الذى صار لآبائنا أن الله أكمل هذا لنا نحن أولادهم إذ أقام يسوع كما هو مكتوب أيضاً فى المزمور الثانى أنت أبنى أنا اليوم ولدتك. أنه أقامه من الأموات غير عتيد أن يعود أيضاً إلى فسادٍ فهكذا قال أنى سأعطيكم مراحم داود الصادقة. ولذلك قال أيضاً فى مزمور آخر لن تدع قدوسك يرى فساداً. لأن داود بعدما خدم جيلهُ بمشورة الله رقد وأنضم إلى آبائه ورأى فساد. وأما الذى أقامه الله فلم يرى فساداً. فليكن معلوماً عندكم أيها الرجال الأخوة أنه بهذا ينادى لكم بغفران الخطايا. بهذا يتبرر كل من يؤمن من كل. ما لم تقدروا أن تتبرروا منه بناموس موسى"(64).

 

ب عظته الكرازية أمام الملك أغريباس:

المدونة فى سفر أعمال الرسل ونقتبس منها قوله بالروح "وأنا لا أقول شيئاً غير ما تكلم الأنبياء وموسى أنه عتيد أن يكون إن يؤلم المسيح يكن هو أول قيامة الأموات مزمعاً أن ينادى بنور للشعب وللأمم(65)".

 

ج-التسليم الرسولى الذى سلمه لأهل كورنثوس:

"واعرفكم أيها الإخوة بالإنجيل الذى بشركم به وقبلتموه وتقومون فيه وبه أيضا تخلصون إن كنتم تذكرون أى كلام بشرتكم بع إلا إذا كنتم قد آمنتم عبثاً. فأننى سلمت إليكم فى الأول ما قبلته أيضا أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب. وأنه دُفن وأنه قام فى اليوم الثالث حسب الكتب. وأنه ظهر لصفا (بطرس) ثم للأثنى عشر. وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمس مئة أخ أكثرهم باق إلى الآن وإن كان بعضهم قد رقدوا. وبعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل أجمعين. وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لى أن(66)".

هذه العظات أو الخطابات الثلاثة تلخص لنا محور وجوهر وبؤرة كرازته التى هى محور وجوهر وبؤرة كرازة الرسل جميعاً سواء المدونة فى الأناجيل الأربعة أو فى بقية العهد الجديد، وتبين لنا وحدة الكرازة والإعلان، وحدة الإنجيل.

وفيما يلى نذكر الخطوط العامة لما دون فى رسائله الأربع عشر عن شخص السيد المسيح، ابن الله، سواء ما كان منها قبل التجسد وأثناء التجسد أو بعد الصعود أو فى مجيئه الثانى فى اليوم الأخير:

 

1- تجسد ابن الله الأزلى وغاية تجسده:

"الذى لنا فيه الفداء بدمه غفران الخطايا. الذى هو صورة الله بكر "رئيس Arshi" كل خليقة. فأنه فيه خُلق الكل ما فى السموات وما على الأرض ما يرى وما لا يرى سواء كان عروشاً أم سيادات أم رياسات أم سلاطين. الكل به ولد قد خلق. الذى هو قبل كل شئ وفيه يقوم الكل وهو رأس الجسد الكنيسة. الذى هو البداءة بكر من الأموات لكى يكون هو متقدماً فى كل شئ. لأنه فيه سر أن يحل كل الملء. وأن يصالح به الكل لنفسه عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته سواء كان ما على الأرض أم ما فى السموات(67)".

"الذى إذ كان فى صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً فى شبه الناس. وإذ وجد فى الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذلك رفعه الله أيضا وأعطاه أسماً فوق كل إسم. لكى تجثوا باسم يسوع كل ركبة ممن فى السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع هو رب لمجد الله الآب(68)".

 

2- اتخاذه جسداً وولادته من العذراء:

"ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة مولوداً تحت الناموس ليفتدى الذين تحت الناموس لننال التبنى(69)

"الله أرسل ابنه فى شبه جسد الخطية(70)

"فإذ قد تشارك الأولاد فى اللحم والدم أشترك هو أيضا كذلك فيهما لكى يبيد بالموت ذاك الذى له سلطان الموت أى إبليس(71)

"لذلك عند دخوله إلى العالم يقول ذبيحة وقربانً لم ترد ولكن هيأت جسداً(72)

"عظيم هو سر التقوى الله ظهر فى الجسد(73)

"ربنا يسوع المسيح أنه من أجلكم أفتقر وهو غنى لكى تستغنوا أنتم بفقره(74)".

 

3- تجسده من نسل إبراهيم ومن بنى إسرائيل وسبط يهوذا وبيت داود:

"وأما المواعيد فقيلت فى إبراهيم وفى نسله ... الذى هو المسيح(75)

"ومنهم (بنى إسرائيل) المسيح حسب الجسد..(76)

"فأنه واضح أن ربنا قد طلع من سبط يهوذا..(77)

"الذى صار من نسل داود من جهة الجسد..(78)".

 

4- تجربته كإنسان:

"لأنه فيما هو قد تألم مجرباً يقدر أن يعين المجرمين"،

"مجرب فى كل شئ مثلنا بلا خطية(80)".

 

5- صراخه بالدموع فى صلاته:

"الذى فى أيام جسده إذ قدم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت وسمع له من أجل تقواه مع كونه أبناً تعلم الطاعة مما تألم به وإذ كمل صار لجميع الذين يطيعونه سبب خلاص أبدى(81)".

 

6- تقديم ذاته بإرادته:

"لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات الذى ليس له اضطرار كل يوم مثل رؤساء الكهنة أن يقدم ذبائح أولاً عن خطايا نفسه ثم عن خطايا الشعب لأنه فعل هذا مرة واحدة إذ قدم نفسه(82)".

 

7- آلامه وصلبه وموته نيابة عن الخطاة:

"اليهود الذين قتلوا الرب يسوع المسيح(83)

"نحن نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثرة ولليونانيين جهالة(84)

"لأنى لم أعزم أن أعرف شيئاً بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوباً(85)

"أما من جهتى فحاشا لى أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح الذى به قد صلب العالم لى وأنا للعالم(86)

"إذ كنتم أمواتاً فى الخطايا وغلف جسدكم أحياكم معه مسامحاً لكم بجميع الخطايا. إذ محا الصك الذى علينا فى الفرائص الذى كان ضداً لنا وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه بالصليب(87)

"الذى لم يشفق على أبنه بل بذله لأجلنا أجمعين ... المسيح هو الذى مات بل بالحرى قام أيضا الذى هو أيضا عن يمين الله الذى أيضا يشفع فينا(88)

"وهو مات لأجل الجميع كى يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل لأجل الذى مات من أجلهم وقام(89)

"واسلكوا فى المحبة كما أحبنا المسيح أيضا وأسلم نفسه لأجلنا قرباناً وذبيحة لله رائحة طيبة(90)".

 

8- قيامته وصعوده إلى السموات وجلوسه عن يمين الآب:

"الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين(91)

"فإن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله(92)

"من هو الذى يدين. المسيح هو الذى مات بل بالحرى قام أيضا الذى هو عن يمين الله الذى يشفع فينا(93)

"إذ صعد إلى العلاء سبى سبياً وأعطى الناس عطايا. وأما أنه صعد فما هو إلا أنه نزل أيضا أولاً إلى أقسام الأرض السفلى. الذى نزل هو الذى صعد أيضا فوق جميع السموات لكى يملأ الكل(94)

"الذى عمله فى المسي إذ أقامه من الأموات وأجلسه عن يمينه فى السماويات فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة وكل أسم يسمى"، "بعدما صنع بنفسه تطهيراً لخطايانا جلس فى يمين العظمة فى الأعالى(95)

"قد جلس فى يمين عرش العظمة فى السموات(96)

"يسوع الذى من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهيناً بالخزى فجلس فى يمين عرش الله(97)".

 

9- مجيئه الثانى فى مجد:

".. عند استعلان الرب يسوع من السماء مع ملائكته وقوته فى لهيب نقمة للذين لا يعرفون الله والذين لا يطيعون إنجيل ربنا يسوع المسيح الذين سيعاقبون بهلاك أبدى من وجه الرب ومن مجد قوته متى جاء ليتمجد فى قديسيه ويتعجب منه فى جميع المؤمنين(98)

"ثم نسألكم أيها الأخوة من جهة مجئ ربنا يسوع المسيح واجتماعنا إليه أن لا تتزعزعوا سريعاً عن ذهنكم ولا ترتاعوا لا بروح ولا بكلمة ولا برسالة كاهنا منا أى أن يوم المسيح قد حضر. لايخدعنكم أحد على طريقة ما. لأنه لا يأتى إن لم يأت الارتداد أولاً ويستعلن إنسان الخطية ابن الهلاك المقاوم والمرتفع على كل ما يدعى إلهاً أو معبوداً حتى أنه يجلس فى هيكل الله كإله مظهراً نفسه أنه إله. أما تذكرون أنى وأنا بعد عندكم كنت أقول لكم هذا. والآن تعلمون ما يحجز حتى يستعلن فى وقته. لأن سر الآثم الآن يعمل فقط إلى أن يرفع من الوسط الذى يحجز الآن. وحينئذ سيستعلن الأثيم الذى الرب يبيده بنفخة من فمه ويبطله بظهور مجيئه. الذى مجيئه بعمل الشيطان بكل قوة وبآيات وعجائب كاذبة(99)

"لكى يثبت قلوبكم بلا لوم فى القداسة أمام الله أبينا فى مجئ ربنا يسوع المسيح مع جميع قديسيه(100)

"ثم لا أؤيد أن تجهلوا أيها الأخوة من جهة الراقدين لكى لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم. لأنه إن كنا نؤمن أن يسوع مات وقام فكذلك الراقدون بيسوع سيحضرهم الله أيضا معه. فأننا نقول لكم هذا بكلمة الرب أننا نحن الأحياء الباقين إلى مجئ الرب لا نسبق الراقدين. لأن الرب نفسه بهتاف بصوت رئيس الملائكة وبوق الله سوف ينزل من السماء والأموات فى المسيح سيقومون أولاً. ثم نحن الأحياء الباقين سنخطف جميعاً معهم فى السحب لملاقاة الرب فى الهواء. وهكذا نكون كل حين مع الرب(101)

"فإن سيرتنا نحن هى فى السماوات التى منها أيضا ننتظر مخلصاً هو الرب يسوع المسيح الذى سيغير شكل تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده بحسب عمل استطاعته أن يخضع لنفسه كل شئ(102)".

 

10- كونه ديان الأحياء والأموات:

"لأننا جميعاً سوف نقف أمام كرسى المسيح(103)

"لأنه لابد أننا جميعاً نظهر أمام كرسى المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً(104)

"الرب يسوع العتيد أن يدين الأحياء والأموات عن ظهوره وملكوته(105)".

وهكذا يتضح لنا أن جوهر وحور وبؤرة التسليم الرسولى، الكرازة بالمسيح، الإنجيل، الأخبار السارة، واحد عند جميع الرسل لأن جميعهم شهود عيان لكل ما عمله وعلمه السيد المسيح، أو تسلموا ذلك بكل دقة وأمانة فى الروح القدس عن شهود العيان، وكان الروح القدس يتكلم فيهم وبهم ويعمل من خلالهم ويقودهم ويرشدهم ويذكرهم ويعلمهم.

 

---

(1) متى 28: 20

(2) متى 21: 16

(3) متى 21: 16

(4) متى 9: 20

(5) لو 26: 24

(6) لو 6: 5،8

(7) يقول أشعياء النبى بالروح "آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع"، إش 2: 29

(8) رو 25: 4

(9) 2كو 15: 5-19

(10) عب 9: 2

(11) 1بط 18: 1-21

(12) 1كو 20: 15-22

(13) 2تى 10: 1

(14) 14: 4

(15) رو 9: 14

(16) 1تى 5: 2،6

(17) 1يو 1: 2،2

(18) عب 25: 7

(19) متى 30: 24،31

(20) متى 31: 25،32

(21) متى 27: 16

(22) أنظر أول قداسين دونا فى القرن الأول وهما قداس القديس يعقوب وقداس القديس مرقس Ant. N. F. Vol. 8

(23) 1كو 26: 11

 

(24) أع 30: 2

(25) أع 22: 2

(26) أع 37: 10-39

(27) أع 37: 10،38

(28) 2بط 16: 1-18

(29) أع 13: 3؛ لو 18: 23

(30) أع 23: 2

(31) أع 15: 3.

(32) أع 10: 4.

(33) أع 30: 5.

(34) أع 39: 10.

(35) أع 24: 2،32.

(36) أع 15: 3.

(37) أع 10: 4.

(38) أع 40: 10_42.

(39) أع 33: 2_36.

(40) أع 31: 5،32.

(41)!بط 18: 3.

(42) 1بط 17: 1_21.

(43) 1بط 21: 2_25.

(44) 1بط 18: 3.

(45) أع 12: 4.

(46) أع 38: 2.

(47) أع 43: 10.

(48) أع 19: 3،20.

(49) 1بط 9: 1_11.

(50) أع 25: 2_31.

(51) 1بط 13: 4.

(52) 2بط 1: 3_13.

(53) 1بط 3: 5.

(54) 1كو 23: 11.

(55) غل 11: 1.

(56) غل 18: 1.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(58) غل 1: 2،2،9،10.

(59) أع 43: 10.

(60) 1 كو 23: 11.

(61) 1 كو 2: 11.

(62) 1 تس 9: 2.

(63) 2 تس 15: 2.

(64) أع 26: 13 – 39.

(65) أع 22: 26،23

(66) 1كو 1: 1-8

(67) كو 13: 1-20

(68) فى 6: 2-11

(69) غل 4: 4،5

(70) رو 3: 8

(71) عب 14: 2

(72) عب 5: 10

(73) 1تى 16: 3

(74) 2كو 9: 8

(75) غل 14: 3-16

(76) رو 5: 9

(77) عب 14: 7

(78) رو 3: 1

(80) عب 15: 4

(81) عب 7: 5،8

(82) عب 26: 7،27

(83) 1تس 14: 2،15

(84) 1كو 23: 1

(85) 1كو 8: 2

(86) غل 14: 6

(87) كو 13: 2،14

(88) رو 32: 8،34

(89) 2كو 15: 5

(90) أف 2: 5

(91) 1كو 20: 15

(92) كو 1: 3

(93) رو 34: 8

(94) أف 8: 4-10

(95) عب 3: 1

(96) عب 1: 8

(97) عب 2: 12

(98) 2تس 7: 1-10

(99) 2تس 1: 2-9

(100) 1 تس 13: 3

(101) 1تس 13: 4-17

(102) فى 20: 3،21

(103) رو 10: 14

(104) 2كو 10: 5

(105) 2تى 1: 4

الفصل السابع

الإنجيل المكتوب

 

1- من التسليم الرسولى الشفوى إلى الإنجيل:

سلم الرسل الأخبار السارة، الإنجيل، شفاهة عندما كانوا كل يوم بصفة عامة وكل سبت فى مجامع اليهود وكل أحد فى اجتماعات العبادة المسيحية بصفة خاصة يكرزون بالإنجيل ويعلمون الذين انضموا إلى المسيحية ويحفظونهم كل ما أوصى به الرب القائم من الأموات. واستمرت الكرازة الشفوية أكثر من عشرين سنة قبل أن يدون الإنجيل المكتوب معتمدة على شهادة الرسل شهود العيان وعمل الروح القدس فيهم وبهم ومعهم. وكان عدد شهود العيان، المكون من الرسل الأثنى عشر وعلى رأسهم الأعمدة الثلاثة بطرس ويعقوب ويوحنا(1)"، ثم الرسل السبعين الذين عينهم الرب وأرسلهم أمام وجهه أثنين أثنين(2)"، ثم جمهور التلاميذ الذين كانوا قد أتبعوه قبل الصلب والقيامة وعلى رأس هؤلاء مجموعة الأكثر من خمسمائة أخ الذين ظهر لهم الرب دفعة واحدة بعد القيامة، يعتبر كبير جداً وشاهد حى أمين ولا حد لقيمته فى الشهادة لكل ما عمله الرب وعلم به. وإلى جانب هؤلاء كان هناك عدد كبير يعد بالآلاف من الشعب ورؤساء الكهنة والكهنة والكتبة والفريسيين واللاويين وغيرهم من الذين استمعوا للرب وشاهدوا أعماله أثناء كرازته فى الجليل واليهودية وأورشليم وبقية مدن فلسطين، حيث تكلم الرب معهم وعمل أعماله لهم وأمام عيونهم، كما قال لهم القديس بطرس فى أول خطاباته وكرازته لهم بعد حلول الروح القدس؛ أن المسيح "تبرهن لكم وصنع معجزات "فى وسطكم وأنتم تعلمون(3)"، "الذى أسلمتموه أنتم(4)"، "الذى صلبتموه أنتم(5)"، "أنتم تعلمون الأمر الذى صار فى كل اليهودية مبتدئاً من الجليل(6)". هؤلاء آمن منهم بالمسيحية آلاف عديدة وصاروا شهوداً لما عمله وعلمه ربها. وكان الروح القدس يعمل فيهم ويحفظهم كلمة الله.

هؤلاء المسيحيون الأولون حفظوا ما سمعوه بآذانهم وما شاهدوا بأعينهم وما سلمه لهم الرسل، فقد صاروا لهم تلاميذاً، وحافظوا عليه حتى الموت وكان الروح القدس يعمل فيهم وأيضا بهم. وكانوا كيهود سابقين مدربين على حفظ كلمة الله وحفظ تقليد آبائهم ومتعودين على ذلك جيداً.

وقد برهنت الدراسات التى قام بها أحد العلماء ويدعى جيرهارديسون B. Gerhardsson (1961م) على أن معلمى اليهودية، الربيين" كانوا يعلمون تلاميذهم ويحفظونهم تقاليد اليهودية فى قوالب وأشكال معينة ومفردات تحفظ عن ظهر قلب، وأنه كانت لديهم وسائل وطرق متعددة للمساعدة على الحفظ وتقوية الذاكرة. هذه الوسائل التعليمية التى اتبعوها جعلتهم يحفظون التقليد لمئات السنين شفوياً قبل أن يوضع فى شكل مكتوب. ولأن تلاميذ المسيح ورسله كانوا من اليهود وكان معظم معلمى المسيحية الأولين من اليهود وكان بعضهم تلاميذاً ليوحنا المعمدان وكان بعضهم من الربيين أيضا، ولذا فمن الطبيعى أن يستخدموا نفس الوسائل السائدة بينهم فى التعليم المسيحى ونقل التسليم الرسولى، الإنجيل، شفاهة.

وكان التقليد أو التسليم الرسولى المسيحى، الإنجيل، أسهل بكثير فى حفظه شفوياً من التقليد اليهودى، فقد كان شخص المسيح الحى الصاعد إلى السماء، أعماله وأقواله وحياته أثناء التجسد، هو هدف ومحور وجوهر وغاية الإنجيل، وكان الروح القدس يعمل فى الرسل شهود العيان الأحياء، فكان التعليم المسيحى تعليماً حياً يقوم على شخص حى ورسل أحياء ومؤمنين شهود عيان للرب الحى والإنجيل الحى، وذلك بعكس التعليم اليهودى الذى اعتمد على تحفيظ آيات التوراة وتقليد الآباء.

ولأن السيد المسيح كان يعلم الجموع بسلطان وليس كالكتبة والفريسيين ولأنه كلمة الله النازل من السماء وكلامه هو كلام الله وأعماله هى أعمال الله، وقد آمن المسيحيون بذلك منذ البدء، فقد كان كلامه، هو كلام الله المقدس وقيمته لا حد لها وكان المؤمنون يقبلون كل كلمة بلهفة تفوق الوصف ويحفظونها عن ظهر قلب ويحافظون عليها حتى الموت، وكان الروح القدس يعمل داخلهم ويحفظ كلمة الله فى قلوبهم.

وقد برهنت الدراسات أيضاً على أنه كان هناك بعض2 المذكرات الصغيرة والملحوظات المكتوبة التى استخدمت فى حفظ أقوال الرب وأعماله كالموعظة على الجبل والنبؤات التى تنبأ بها لوقا الرب أنبياء العهد القديم وفسرها هو بنفسه لتلاميذه، وبعض أعماله ومعجزاته، ويشير القديس لوقا لمثل هذه الوثائق بقوله: "لأن كثيراً من الناس أخذوا يدونون رواية الأحداث التى جرت بيننا كما سلمها الذين كانوا من البدء شهود عيان للكلمة"(7). هذه الملحوظات المكتوبة قد يرجع بعضها إلى ما قبل الصلب والقيامة.

وقد ساعدت أساليب الحفظ والوثائق (الملحوظات والمذكرات) المكتوبة على حظ الإنجيل الشفوى ووصوله إلى درجة كبيرة من الثبات قبل تدوين الإنجيل المكتوب بفترة طويلة. فقد كان التسليم الشفوى المحفوظ بعمل الروح القدس دقيق جداً والاعتناء بحفظه يفوق الوصف وكان للمذكرات المكتوبة قيمة عظمى سواء قبل تدوين الإنجيل أو عند التدوين.

 

2- الحاجة إلى الإنجيل المكتوب:

كان المؤمنون الأولون فى أورشليم يحفظون التسليم الرسولى بدقة شديدة، وكان الكثير منهم شهود عيان لما عمله وعمله الرب يسوع المسيح، وكان الرسل شهود العيان الموحى إليهم موجودين فى وسطهم يرجعون إليهم وقت الحاجة باعتبارهم المرجع الأول ووسطاء الروح القدس الذى كان يعمل فيهم وبهم ومن خلالهم. وعندما خرجت الكنيسة من فلسطين إلى عواصم الدول الكبرى مثل إنطاكية والإسكندرية وأثينا ومدن اليونان ومدن آسيا الصغرى الرئيسية وروما وقبرص، كان الرسل أنفسهم على رأي هذه الكنائس وقد عينوا لهم مساعدين من تلاميذهم وخلفائهم والذين دعوا بعد ذلك بالآباء الرسوليين، على رأس هذه الكنائس فى حالة انتقالهم إلى أماكن أخرى، ومن هؤلاء المساعدين الذين ذكروا فى سفر الأعمال ورسائل القديس بولس والقديس بطرس، لوقا الطبيب وتيمؤثاوس وتيطس وأكليمندس وفليمون وأنسيموس وسلوانس ونمفاس وتخيكس وأرسترخس... الخ(8). هؤلاء استلموا الإنجيل من الرسل شفاهة وحفظوه بكل دقة وقداسة وسلموه لآخرين مشهود لهم بالكفاءة والإيمان وهؤلاء سلموه لغيرهم وهكذا.

ولكن مع امتداد ملكوت الله وانتشار المسيحية فى دول عديدة ومدن كثيرة وقرى لا حصر لها سواء بواسطة الرسل أو بواسطة تلاميذهم صار من المستحيل على الرسل أن يكونوا متواجدين فى كل هذه الأماكن فى وقت واحد، حتى جاء الوقت الذى آمن فيه الآلف بالمسيحية ولم يروا الرسل فى عصر الرسل، بل وأصبح من دواعي سرور البعض وفخرهم أنهم شاهدوا الرسل واستمعوا إليهم وصار من دواعى فخر البعض الآخر أنهم تعلموا بواسطة تلاميذ الرسل بل ومن تلاميذ خلفاء الرسل، كما يفتخر ايريناؤس أسقف ليون بأنه رأى وسمع بوليكاريوس تلميذ الرسل، ويفتخر أكليمندس الأسكندرى بأنه حفظ التقاليد التى تسلمها من الذين تعلموا على أيدى الآباء الرسوليين، تلاميذ الرسل وخلفائهم. ولذا فقد صارت الحاجة إلى جمع الإنجيل وتدوينه ونشره فى جميع الكنائس تزداد كل يوم بالتدريج حتى صارت ملحة جداً.

وكانت حاجة المؤمنين لمعرفة أكثر عن المسيح وتعليمه تزداد كل يوم وفى كل مكان، وكان الرسل يرسلون مساعديهم حاملين الرسائل للإجابة عن هذه الاستفسارات، بل وكان الكارزون بالإنجيل فى كل مكان، خاصة من الجيل الذى قاد الكنيسة وقام بعمل الكرازة من تلاميذ الرسل، فى حاجة إلى الإنجيل المكتوب ليؤازر كرازاتهم الشفوية وليتركوه للمؤمنين بعد رحيلهم سواء إلى أماكن أخرى أو إلى العالم الآخر وليكون المرجع الباقى والدائم والثابت لهم إلى المجىء الثانى.

كما كانت اجتماعات العبادة الأسبوعية والليتورجية والتى وجدت حيثما وجد المسيحيين فى حاجة للإنجيل المكتوب للأستخدام الليتورجية والقراءة والتعليم والشرح والتفسير.

وكان هناك العامل الأهم والذى كان من أهم الدوافع لتدوين الإنجيل وهو رحيل الرسل شهود العيان من هذا العالم إلى العالم الآخر فقد استشهدت الغالبية العظمى منهم فى أوقات مبكرة فقطع هيرودس أغريباس رأس القديس يعقوب بن زبدى بالسيف(9) فى السنوات الأولى للكرازة وأستشهد القديسين بطرس وبولس فى روما بعد الصعود بحوالى عشرين سنة (سنة 67م). على أية حال فقد كان من الطبيعى أن لا يبقى الرسل أحياء فى هذا العالم إلى الأبد. ومن ثم فقد كانت عملية تدوين الإنجيل حتمية.

 

3- رسائل العهد الجديد:

كانت رسائل العهد الجديد، عدا رسائل القديس يوحنا، هى أول ما كتب فى العهد الجديد، الإنجيل، فقد كُتبت بوحى الروح القدس وأرسلت إلى كنائس مختلفة لتقرأها جميع الكنائس بالتبادل، وذلك للإجابة على استفسارات الكنائس الناشئة ولشرح أمور طرأت نتيجة لنضج الكنائس نفسها واحتياجها إلى المزيد من المعرفة والمعلومات. وهذه الرسائل لم تكن مجرد رسائل شخصية عادية بل كانت موحى بها ورسالة المسيح نفسه لأنها تضم تعليمه قبل الصلب وحتى الصعود، كما كانت تضم تعليمه الذى أعطاه لرسله بعد صعوده إلى السماء سواء مباشرة كالرب الجالس عن يمين العظمة فى السموات أو بروحه القدوس.

 

1- رسائل القديس بولس الرسول:

كتب القديس بولس الرسول رسائله بالروح القدس ودون فيها تعليم الرب قبل الصعود وبعده وكان محتواها وجوهرها كما بيننا فى الفصل السابق وكما سنبين الآن هو نفس محتوى وجوهر الإنجيل الشفوى والإنجيل المكتوب بعد ذلك. ويؤكد الرسول فى كل كلمة وكل حرف أنه لا يقول ولا يُعلم ولا يكتب إلا وصايا وتعليم الرب ووحى الروح القدس. وبالرغم من أنه لم ينقل وصايا الرب بصورة حرفية إلا أنه نقل مضمونها وجوهرها بكل دقة وبحسب ما علمه وأوحى له الروح القدس. وهذه أهم أقوال الرب قبل الصلب والقيامة والصعود مقارنة بما قاله الرب ودون فى الإنجيل المكتوب حرفياً.

رسائل القديس بولس

"وأما المتزوجون فأوصيهم لا أنا بل الرب أن لا تفارق المرأة رجلها. وإن فارقته فلتلبث غير متزوجة أو لتصالح رجلها. ولا يترك الرجل امرأته" (1كو 10: 7_11).

فإن المرأة التى تحت رجل هى مرتبطة بالناموس بالرجل الحى. ولكن إن مات الرجل فقد تحررت من ناموس الرجل. فإذاً ما دام الرجل حياً تدعى زانية إن صارت لرجل آخر" (رو 2: 7،3).

"هكذا أيضاً أمر الرب أن الذين ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون" (1كو 14: 9).

"باركوا على الذين يضطهدونكم. باركوا ولا تلعنوا" (رو 14: 12).

"لا تجازوا أحداً عن شرٍ بشرٍ. معتنين بأمور حسنة قدام جميع الناس" (رو 17: 12).

"لا يجازى أحداً أحداً عن شر بشر بل كل حين اتبعوا الخير مع بعضكم لبعض وللجميع" (1تس 15: 5).

"أعطوا الجميع حقوقهم. الجزية لمن لهُ الجزية، الجباية لمن لهُ الجباية، والخوف لمن له الخوف. والإكرام لمن له الإكرام" (رو17: 3)

"لا يوضع للأخ مصدمة أو معثرة" (رو 13: 14).

"ليس شيئاً نجساً بذاته إلا من يحسب شيئاً نجساً فله هو نجس" (رو 14: 14).

"لأنكم تعلمون بالتحقيق أن يوم الرب كلص فى الليل هكذا يجىء" (1تس 2: 5).

"سالموا بعضكم بعضاً" (1تس 13: 5).

"وأما أنت فلماذا تدين أخاك" (رو 10: 14).

الإنجيل المكتوب

"من طلق امرأته وتزوج بأخرى يزنى عليها. وأن طلقت أمرأة زوجها وتزوجت بآخر تزنى". (مر 11: 10،12).

وأقيموا فى ذلك البيت (الذى تكرزون لأهله) آكلين وشاربين مما عندهم لأن الفاعل مستحق آجرته" (لو 7: 10).

"باركوا لاعنيكم. وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم" (لو 28: 6).

"لا تقاوموا الشر بالشر" (متى 39: 5).

"من سألك فأعطه. ومن أراد أن يقرض منك فلا ترده" (متى 42: 5).

"أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله" (مر 17: 12).

"من أعثر أحد الصغار المؤمنين لى فخير له لو طوق عنقه بحجر رحى وطرح فى البحر"

"ليس شىء من خارج الإنسان إذا دخل فيه يقدر أن ينجسه لكن الأشياء التى تخرج منه هى التى تنجس الإنسان" (مر 15: 7).

"اسهروا إذاً لأنكم لا تعرفون فى أية ساعة يأتى ربكم. وأعملوا هذا أنه لو عرف رب البيت فى هزيع يأتى السارق لسهر ولم يدع بيته ينقب" (متى 42: 24،43).

"سالموا بعضكم بعضاً" (مر 50: 9).

"لا تدينوا لكى لا تدانو... ولماذا تنظر القذى الذى فى عين أخيك" (متى 1: 27،3).

 

2- رسالة القديس بطرس الرسول الأولى:

وهذه الرسالة كتبت بالروح القدس ودون فيها القديس بطرس ست فقرات من أقوال السيد المسيح معظمها من الموعظة على الجبل:

"إن عيرتم بأسم المسيح فطوبى لكم"

(1بط 14: 4).

"طوباكم إذا أبغضكم الناس وعيروكم"

(لو 22: 6).

"طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلى كاذبين" (متى 11: 5).

"غير مجازين عن شرٍ بشرٍ وعن شتيمةٍ بشتيمة بل بالعكس مباركين" (1بط 9: 3).

"ولكم ضمير صالح لكى يكون الذين يشتمون سيرتكم الصالحة فى المسيح يخزون فيما يفترون عليكم كفاعلى شر" (1بط 16: 3).

"لأن هذا فضل إن كان أحد من أجل ضمير نحو الله يحتمل أحزانا متألماً بالظلم. لأنه أى مجد هو إن كنتم تُلطمون مخطئين فتصيرون. بل إن كنتم تتألمون عاملين بالخير فتصبرون فهذا فضل عند الله" (1بط 19: 2-20).

"إن تألمتم من أجل البر فطوباكم" (1بط 14: 3)

"وإن تكون سيرتكم بين الأمم حسنة ... يمجدون الله فى يوم الافتقاد من أجل أعمالكم الحسنة التى يلاحظوها" (1بط 12: 2)

"باركوا لاعنيكم" (لو 8: 6).

"لا تقاوموا الشر بالشر" (متى 39: 5)

"صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم" (لو 28: 6).

 

 

"وإن أحببتم الذين يحبونكم فأى فضل لكم. فإن الخطاة أيضا يحبون الذين يحبونهم. وإذا أحسنتم إلى الذين يحسنون إليكم فأى فضل لكم. فإن الخطاة أيضا يفعلون هكذا" (لو 32: 6-33).

"طوبى للمطرودين من أجل البر" (متى 10: 5)

"ليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكى يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذى فى السموات" (متى 16: 5).

 

3- رسالة القديس يعقوب الرسول:

هذه الرسالة كتبها القديس يعقوب الرسول بوحى الروح القدس ودون فيها خمس فقرات كانت تفسيراً وصدى لأقوال الرب، يقول فى الأولى: "إن كان أحدكم تعوزه حكمة فليطلب من الله الذى يعطى الجميع بسخاء ولا يعير فسيعطى له" (1: 5) وهذا تفسير لقول الرب عن الصلاة بإيمان: "اسألوا تعطوا. اطلبوا تجدوا. اقرعوا يفتح لكم" (لو 9: 11).

ويقول فى الثانية "أما أختار الله فقراء (هذا) العالم أغنياء فى الإيمان وورثة الملكوت الذى وعد به الذين يحبونه" (5: 2)، وهذا صدى لقول الرب "طوباكم أيها المساكين لأن لكم ملكوت الله" (لو 20: 6).

ويقول فى الثالثة "اتضعوا قدام الرب فيرفعكم" (10: 4)، وهذا جوهر ومضمون قول الرب "كل من يرفع نفسه يتضع من يضع نفسه يرتفع" (لو 11: 14).

ويقول فى الرابعة "هلم الآن أيها الأغنياء أبكوا مولولين على شقاوتكم القادمة" (1: 5)، وهذا من تعليم الرب القائل "ويل لكم أيها الأغنياء. لأنكم قد نلتم عزاءكم" (لو 24: 6).

ويقول فى الخامسة "غناكم قد تهرأ وثيابكم قد أكلها العُث. ذهبكم وفضتكم قد صدئا" (2: 5،3)، وهذا صدى لقول الرب "اكنزوا لكم كنوزاً فى السماء حيث لا يفسد سوس ولا صدأ" (متى 20: 6).

ويقول فى السادسة "لا تحلفوا بالسماء ولا بالأرض ولا بقسم آخر. بل لتكن نعمكم نعم ولاكم لا لئلا تقعوا فى دينونة" (12: 5)، وهذا جوهر ومضمون قول الرب "لا تحلفوا البتة. لا بالسماء ... ولا بالأرض ... ولا بأورشليم ... ولا تحلف برأسك ... بل ليكن كلامكم نعم نعم لا لا. وما زاد على ذلك فهو من الشرير" (متى 34: 5-37).

 

4- تدوين الإنجيل:

كانت الفترة التى كرز فيها السيد المسيح والتى تبدأ من معموديته من يوحنا المعمدان إلى صعوده إلى السماء والتى تزيد عن ثلاث سنوات فترة غنية جداً وثرية بالتعاليم والوصايا والأعمال التى عملها والأحداث التى حدثت فيها. وكانت هذه التعاليم والأعمال والأحداث أكبر وأعظم من أن يكرز بكل ما قيل وحدث فيها جميع الرسل أو أن يضمها كتاب مهما كان حجمه؛ يقول الإنجيل للقديس يوحنا "وأشياء آخر كثيرة صنعها يسوع أن كتبت واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة(10)". وكان على الرسل أن يختاروا من هذا الكم الهائل من التعاليم والأحداث ما يرشدهم إليه الروح القدس وما يقودهم للكرازة به، وذلك بحسب ما يتلاءم مع احتياج البشرية للخروج من ظلمة هذا العالم والدخول إلى ملكوت الله وبحسب غاية وهدف الإنجيل ذاته الذى هو الإيمان بالرب يسوع المسيح كالفادى والطريق الوحيد إلى الحياة الأبدية. وهذا ما حدث تماماً عند تدوين الإنجيل المكتوب؛ "وآيات أخرى كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تُكتب فى هذا الكتاب (الإنجيل للقديس يوحنا). وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله ولكى تكون لكم إذا آمنتم حياة بأسمه(11)".

وقد وجه الروح القدس الرسل للتركيز فى كرازتهم بالأخبار السارة إلى اتجاهين؛ الاتجاه الأول هو التركيز على قصة وأحداث وروايات الآلام والصلب والقيامة والصعود وشفاعة الرب الحى الدائمة فى المؤمنين ومجيئه الثانى فى مجد ليدين الأحياء والأموات، وكانت هذه الأمور هى محور وجوهر وبؤرة الكرازة والإيمان، كما بينا فى الفصل السابق؛ والاتجاه الثانى هو تسليم أقوال الرب وتعليمه ووصاياه فى ترتيب دقيق ومحكم، وذلك بحسب إرشاد الروح القدس وتوجيهه وعنايته.

ونتيجة لتكرار نفس المواضيع سواء عند الكرازة لليهود فى مجامعهم أيام السبت أو الكرازة للأمم فى كل مكان، وتكرارها أيضا فى التعليم للمنضمين إلى المسيحية سواء فى فلسطين أو فى كل البلاد التى كرز فيها الرسل بالأخبار السارة، الإنجيل، فقد اتخذ التسليم الرسولى أشكالاً محددة وأنماط وقوالب ثابتة وصارت الخطوط العريضة لأقوال وأعمال وحياة السيد المسيح والتى كانت تكرر سواء فى الكرازة أو التعليم كل يوم محفوظة ومحافظ عليها بدقة وقداسة تفوق الوصف.

وعند جمع الإنجيل وتدوينه أرشد الروح القدس الإنجيليين الأربعة وقادهم كما سبق أن وعد السيد "فهو يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم(12)"، وساقهم وحملهم لجمع وتسجيل وتدوين ما سبق أن وجههم إليه عند الكرازة الشفوية. فقد كان الرسل والإنجيليون سواء فى حملهم للأخبار السارة والكرازة بها شفوياً أو عند كتابة الإنجيل هم رجال الروح القدس الذى عمل فيهم وبهم وقادهم وأرشدهم وعلمهم وذكرهم. وكما حافظ الروح القدس على كلمة الله، التسليم الرسولى، أثناء الكرازة وسيطر على عملية التسليم والاستلام والحفظ ولم يترك شئ للصدفة، حمل أيضا الإنجيليين وقادهم وساقهم وعلمهم وذكرهم بكل شئ قاله وعمله السيد المسيح. وكان على الرسل الإنجيليين عند كتابة الإنجيل وتدوينه أن يسجلوا ما سبق أن كرزوا به بنفس الخطوط والترتيب والتركيز على نفس التعاليم والمواضيع التى سبق أنت ركزوا عليها فى الكرازة وحفظها المؤمنون عن ظهر قلب، أن يضعوا فى اعتبارهم التسليم الشفوى والاستعانة بالمذكرات والملحوظات المكتوبة لكى يختاروا منها بحسب توجيه الروح القدس وإرشاده مع الوضع فى الاعتبار أن ثلاثة منهم كانوا من شهود العيان بدرجات متنوعة فى صلتهم بالسيد المسيح؛ فقد كان القديس يوحنا أحد الثلاثة الذين كانوا قريبين من السيد والذين شاهدوا أخص أعماله التى لم يشاهدها غيرهم من بقية التلاميذ الاثنى عشر مثل التجلى والقرب منه فى البستان ليلة القبض عليه(13)، كما كان القديس يوحنا أيضا هو "التلميذ الذى كان يسوع يحبه ... وهو أيضا الذى اتكأ على صدره وقت العشاء ...(14)"، وكان القديس متى الذى هو أيضا "لاوى" أحد التلاميذ الإثنا عشر وحافظ شرائع العهد القديم، وكان القديس مرقس أحد الذين أتبعوا الرب وكان هناك ليلة القبض على السيد، فهو الشاب الذى أمسكه الشبان وقتها وهرب منهم(15) بإجماع الدارسين، وكانت أمه مريم إحدى تلميذات الرب وكان بيتها هو البيت الذى صنع فيه السيد العشاء الربانى لتلاميذه وكان مقر اجتماع الرسل فى أورشليم(16) وأول كنيسة مسيحية فى العالم كله وكان مساعداً للرسل فى كرازتهم، خاصة برنابا وبولس وبطرس(17)، قبل أن ينطلق للكرازة فى مصر وغيرها وكانت لديه الإمكانيات لكتابة وتدوين ما شاهده وسمعه بنفسه، كشاهد عيان، وأيضا ما سمعه من الشهود العيان الآخرين الذين استمع منهم جميعاً عندما كانوا يجتمعون فى منزل والدته وأيضا عندما كرز مع القديس بطرس فى روما والذى وصفه بابنه "مرقس أبنى(17)".

أما القديس لوقا والذى كان رفيق القديس بولس ومساعده والعامل معه(17) فقد كان لديه فرصة للاستماع إلى جميع الرسل سواء فى أورشليم أو قيصرية أو روما وكان زميلاً للقديس مرقس فى الكرازة مع القديس بولس، وكان لديه فرصة للاستماع لمريم العذراء، وقد تسلم الأخبار السارة، التسليم الرسولى من الرسل وعرف ما سبق أن دون من مذكرات وملحوظات، ومن ثم فعندما دون وكتب الإنجيل الثالث استعان بما تسلمه شفاهة من الرسل وما سبق أن دون، خاصة ما دونه الرسل أو مساعدوهم الآخرون، وراجع كل شئ وتتبع كل شئ من الأول بتدقيق وحرص، وفى كل الأحوال كان مسوقاً ومحمولاً بالروح القدس الذى قاده ووجهه وأرشده وحفظه وعصمه من الخطأ والزلل، ويبدأ تدوين الإنجيل الثالث بقوله "لأن كثيراً من الناس أخذوا يدونون رواية الأحداث التى جرت بينا، كما نقلها (سلمها) إلينا الذين كانوا من البدء شهود عيان للكلمة وصاروا خداماً لها، رأيت أنا أيضا، بعدما تتبعت كل شئ من أصوله بتدقيق، أن أكتبها..(18)".

كتب الإنجيليون الأربعة الإنجيل بأوجهه الأربعة محمولين ومسوقين من الروح القدس(19) الذى أخضعوا أنفسهم تماماً لقيادته وإرشاده.

وكان هناك الإسهام الشخصى لكل إنجيلى وميله وحبه لجانب معين من جوانب حياة الرب وتعليمه مع الوضع فى الاعتبار الناس الذين كتب لهم الإنجيل أولاً؛ فقد كتب القديس متى الإنجيل الأول للمسيحيين من أصل يهودى ولليهود عامة، وقد كان هو نفسه بحسب لقبه "لاوى"(20) من سبط لاوى الذى يحفظ ناموس موسى، ومن ثم فقد ركز على الجانب المسيانى فى شخص السيد المسيح باعتباره المسيح الآتى والملك الذى من نسل داود الذى يجلس على كرسيه ويقيم ملكوت السموات والذى تم فيه جميع ما تنبأ بع عنه أنبياء العهد القديم. وكتب القديس مرقس الإنجيل الثانى للمسيحيين من أصل رومانى وللرومان عامة، فركز على جانب القوة فى شخص المسيح "ابن الله" وبدأ بالقول "بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله(21)" وابرز معجزاته أكثر من أقواله ودون الأحداث بصورة موجزة وسريعة وحيوية. وكتب القديس لوقا الإنجيل الثالث لليونانيين والمثقفين فركز على جانب الصديق والمحب والفادى والمخلص فى شخص المسيح، وكان أسلوبه هو أسلوب الطبيب المثقف والرسام البارع والمؤرخ المحقق والمدقق "تتبعت كل شئ من أصوله بتدقيق(22)". وكتب القديس يوحنا الإنجيل الرابع بعد كتابة الأناجيل الثلاثة الأولى وانتشارها بفترة كافية، فأطلع عليها وأضاف إليها فى الإنجيل الذى دونه أحداث وأعمال وأقوال وتعاليم لم تدون فيها، ولأنه كتب للمسيحيين عموماً وللمتقدمين فى الإيمان بصفة خاصة فقد ركز على الجانب اللاهوتى فى شخص السيد وبدأ بمقدمة تعلن وجوده الأزلى الأبدى "فى البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله"، وخلقه لكل شئ "كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان. فيه كانت الحياة..." وتجسده فى صورة إنسان وشكل العبد "والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً(23)"، كما ركز أيضا على الجوانب التى تبرز إنسانيته بعد التجسد، وركز بصورة أكبر على هدف وغاية تجسده والذى تلخص فى قول السيد "هكذا أحب الله العالم حتى بذل أبنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية(24)" وفى خاتمة الإنجيل "وأما هذه فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله ولكى تكون لكم إذا آمنتم حياة بأسمه(25)".

وفى كل الأحوال فقد دون كل حرف وكل كلمة وكل فقرة تحت إرشاد وعناية وتوجيه ووحى الروح القدس الذى أرشد الإنجيليين لاختيار ما دونوه ودفعهم للكتابة وحفظهم وعلمهم وذكرهم، وفى كل الأحوال فقد حافظ على شخصية كل كاتب وميله الروحى ولكن فى الروح القدس وباعتبارهم جميعاً رجال الروح القدس الذى عمل فيهم وبهم. ومن ثم فقد دون كل إنجيلى أحد جوانب حياة وأعمال وأقوال السيد المسيح، أحد جوانب الصورة وأحد أوج الإنجيل الأربعة، وقدم كل واحد منهم شهادة مستقلة للمسيح فى ركن من أركان الأرض ولجماعة معينة من الناس وبذلك قدموا الإنجيل لكل الناس فى كل زمان ومكان.

وقد اتفق كتاب الإنجيل فى تدوين مواضيع مشتركة بينهم جميعاً من أعمال وأقوال السيد المسيح، كما اتفق كل اثنين منهم فى تدوين موضوعات لد يدونها الآخران وتميز كل واحد منهم بتدوين أقوال وأعمال لم يدونها الثلاثة الآخرون؟ فقد اتفق القديس يوحنا فى تدوين حوالى 10% مما دونه الآخرون وتميز بتدوين حوالى 90% مما لم يدونه غيره، واتفق القديس متى فى نفس المواضيع مع القديس مرقس والقديس لوقا فى 58% مما دونه وتميز 42% مما لم يدوناه، واتفق القديس مرقس فيما دونه مع القديس متى والقديس لوقا فى 93% وتميز عنهما فى 7% فقط، واتفق القديس لوقا فيما دونه مع القديس متى والقديس مرقس فى 41% وتميز فى 59% مما دونه ولم يدونه الآخرين.

ولا يرجع هذا الاتفاق أو التنوع والتميز إلا لغنى وتنوع وعظمة ما عمله وعلمه السيد المسيح ولتميز كل إنجيلى بميل روحى لأحد جوانب حياة وأعمال وأقوال المسيح، فقد كان ثلاثة منهم شهود عيان بدرجات مختلفة كما استلموا أيضا من شهود عيان آخرين ونقلوا عنهم، وكان الرابع مساعد لشهود العيان وكارز بالكلمة لسنوات طويلة، وأيضا لإرشاد وتوجيه ووحى الروح القدس.

وهكذا صار لكل وجه من أوجه الإنجيل الأربعة مميزاته الخاصة تبعاً لكاتبه ونوعية الناس الذين كُتب إليهم، وقدم الأربعة صورة متكاملة لشخص وأعمال وأقواله الرب يسوع المسيح، وأكمل كل جانب منهم الجوانب الثلاثة الأخرى. ولذلك فقد صورت الكنيسة الأناجيل الأربعة بأنهار جنة عدن الأربعة وأوجه الكاروبيم الأربعة، فوصفت الإنجيل للقديس متى بالكاروب الذى على صورة إنسان والإنجيل للقديس مرقس بالكاروب الذى على صورة أسد، والإنجيل للقديس لوقا بالكاروب الذى على صورة ثور، والإنجيل للقديس يوحنا بالكاروب الذى على صورة نسر.

 

5- مصداقية الإنجيل بأوجهه الأربعة:

كُتب الإنجيل بأوجهه الأربعة ليقدم للبشرية شخص وحياة وأعمال وتعليم السيد المسيح لتنال من خلاله الخلاص الأبدى والحياة الأبدية. وقد ركز الإنجيليون على شخص المسيح وحده بكل صدق وأمانة ووضوح وبصراحة مطلقة، بدون أى تزيين أو زخرفة لفظية أو مبالغة أو إظهار علامات اندهاش أو مديح أو ثناء، بل على العكس تماما، فقد سجلوا ودونوا بصراحة ووضوح رفض رؤساء اليهود المتواصل للرب يسوع المسيح وتوبيخه الدائم لهم ووصفه لهم بالمرائين والقبور المبيضة والعميان الذين يقودون عميان، كما سجلوا ودونوا بطء الرسل أنفسهم بما فيهم كُتاب الإنجيل، فى فهم مغزى كلام السيد فى مواقف كثيرة، كما سجلوا ضعفاتهم الشخصية ولم يحاولوا إخفائها أو تحسين صورتهم التى كانوا عليها قبل القيامة وحلول الروح القدس، سجلوا ضعفاتهم بصراحة ووضوح وبدون أى مواربة، كما سجلوا توبيخ الرب لهم لعدم إيمانهن بمغزى تعليمه الروحى وميلهم للتفسير المادى كيهود كانت تطلعاتهم مادية لملكوت مادى يقوم على استعباد الشعوب لهم، وذلك قبل أن يفهموا طبيعة رسالة المسيح الروحية والتى فهموها بعد القيامة وحلول الروح القدس. ومن ثم فقد سجل القديس متى عن نفسه أنه كان عشاراً وقد دعاه السيد المسيح من عند مكان الجباية(25)، وسجل القديس مرقس قصة الشاب الذى كان "لابساً ازراراً على عريه فأمسكه الشبان. فترك الأزرار وهرب منهم عرياناً"(26)، ليلة القبض على السيد المسيح، وقد أجمع العلماء والمفسرون على أن الشاب هو القديس مرقس الذى سجل ما حدث منه دون أن يخجل منه أو أن يحاول تبريره أو الاعتذار عنه، كما سجلت الأناجيل الأربعة قصة إنكار بطرس لسيده وكان أكثر الإنجيليون وصفاً لذلك، بل وأكثر من ذكر ضعفات القديس بطرس المتكررة هو القديس مرقس وهذا راجع لاشتراكه معه فى الكرازة مده من الزمن وواضح بالطبع أنه سمع ذلك من بطرس وهو يتكلم به تكراراً فى كرازته، كما سجل الإنجيل موقف التلاميذ جميعاً ليلة القبض على السيد المسيح عندما تركوه جميعاً وهربوا فى الوقت الذى كان يجب أن يكونوا فيه إلى جواره، وكذلك يأسهم التام بعد الصلب ونسيانهم بل وعدم فهمهمن لما سبق أن قاله لهم بأنه لابد أن يتألم ويصلب ويموت ويقوم فى اليوم الثالث، فلم يفهموا ذلك وكانوا فى حالة يأس عبر عنها تلميذا عمواس بالقول "كنا نرجوا أنه هو المزمع أن يفدى إسرائيل"(27)، هذا القول الذى يدل على يأسهم وفقدانهم للرجاء بالرغم من أنه قد وصلتهم أخباراً عن قيامته جعلتهم فى حالة حيرة فى الوقت الذى كان يجب عليهم أن يتذكروا ما سبق أن أعلنه بخصوص قيامته فى اليوم الثالث، ولما ظهر لهم الرب ولم يكن نوماً معهم وأبلغوه بذلك شك ورفض أن يؤمن إلا بعد أن يراه ويتأكد من ذلك بنفسه كما سبق أن شك الرسل فيما أبلغتهم به النسوة عن قيامة الرب والقبر الخالى كما سجل الإنجيل رفض بطرس لما أعلنه الرب عن آلامه وموته وقيامته "فأخذه بطرس إليه وأبتدأ ينتهره قائلاً حاشاك يارب. لا يكون لك هذا. فالتفت (الرب) وقال لبطرس اذهب عنى ياشيطان أنت معثرة لى لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس"(28).

فقد دونوا كل شىء ولم يخفوا شىء ولم يعتذروا عن شىء ولم يبالغوا فى شىء، بل ولم يمجدوا ذواتهم ولم يحاولوا حتى مجرد التلميح لما صاروا عليه بعد القيامة وحلول الروح القدس من إيمان وشجاعة وتضحية بالذات فى سبيل الكرازة بالأخبار الشارة وصيرورتهم الرسل الموحى إليهم ورجال الروح القدس، رجال الله القديسين، وخدام العهد الجديد ورسله. لقد أخفوا ذواتهم فى الإنجيل ولم يحاولوا مجرد ذكر أو تلميح لأشخاصهم ككتاب الوحى ورجال الله القديسين، فقد كان موضوعهم الأول والأخير وهدفهم الوحيد هو شخص المسيح وأعماله وأقواله كالمخلص الوحيد والطريق الوحيد المؤدى للحياة الأبدية. كان هدفهم الوحيد وغايتهم الوحيدة هو الإيمان بأن يسوع هو المسيح ابن الله وأنه الطريق والحق والحياة والباب الوحيد لدخول ملكوت الله ونوال الحياة الأبدية. ولأنهم آمنوا أنهم لا شىء فقد أخفوا ذواتهم فى المسيح، ولم يظهر إلا يسوع المسيح وحده.

 

6- وحدة الإنجيل فى كل أسفار العهد الجديد:

"كل الكتاب هو موحى به من الله"(29) وكل أسفار العهد الجديد هى رسالة المسيح والأخبار السارة التى كتبت للعالم أجمع وقلبها جميعاً هو المسيح.

وتتكون هذه الأسفار من ثلاثة أنواع؛ تاريخية وتعليمية ونبوية ويتكون القسم التاريخى من الإنجيل بأوجهه الأربعة وسفر أعمال الرسل، ويتكون القسم التعليمى من جميع الرسائل التى كتبها الرسل بالروح القدس، ويتكون القسم النبوى من سفر الرؤيا. ولكنهم جميعاً يضعون فى داخلهم الأنواع الثلاثة، فالإنجيل بأوجهه الأربعة يسجل تاريخ وأحداث تجسد السيد المسيح وأعماله وتعليمه، وسفر الأعمال يسجل تاريخ المسيحية فى فجرها الباكر وكرازة الرسل بالأخبار السارة ويضم فى ذاته تعليم المسيح ووصايا الرب القائم من الأموات وما أوحى به الروح القدس من خلال الرسل، وجميعهم، الإنجيل وسفر الأعمال يضمون نبؤات تنبأ بها السيد المسيح ونبؤات تنبأ بها الرسل وأنبياء العهد الجديد، وتضم الرسائل إلى جانب التعليم تاريخ وأحداث انتشار الكرازة وأخبار بعض الرسل وتلمح إلى تاريخ وأحداث تجسد المسيح وتسجل أيضاً كثيراً من النبؤات المرتبطة بالمجىء الثانى للمسيح والأحداث السابقة والمتزامنة مع مجيئه، كما تسجل نبوات أخرى، أما سفر الرؤيا فهو سفر نبوى بالدرجة الأولى وكله رؤيا مستقبلية أسخاتولوجيه.

وجميعهم يمثلون ويكونون الإنجيل المكتوب بالروح القدس ومحورهم جميعاً هو شخص وعمل وتعليم المسيح، فهو البداية والوسط والنهاية، فى الإنجيل هو الإله المتجسد النازل من السماء آخذاً صورة عبد، هو الكلمة الذى اتخذ جسداً والذى جال يصنع خيراً ويشفى جميع المتسلط عليهم إبليس والذى بذل ذاته عن حياة العالم وتمم عمل الفداء بتقديمه ذاته على الصليب وبرهن بقيامته من بين الأموات على الحياة الأبدية والخلود، وفى سفر الأعمال هو مؤسس الكنائس فى كل المسكونة بواسطة تلاميذه وإرشاد روحه القدوس، وفى سفر الرؤيا هو الرب الحى فى السماء الذى يحفظ الكنيسة ويقودها ويرشدها والذى يقف فى وسطها ويمسكها بيمينه، وهو العريس السماوى الآتى على السحاب فى مجد، فى مجيئه الثانى، ليأخذ عروسه، كنيسة المفديين بدمه إلى مدينة الله السماوية أورشليم الجديد، حيث يسكن المفديون معه إلى أبد الآبدين.

 

---

(1) غل 9: 2

(2) لو 1: 10

(3) أع 22: 2

(4) أع 13: 3

(5) أع 10: 4

(6) أع 37: 10

(7) لو 1: 1.

(8) أنظر على سبيل المثال (رو 5: 16؛ 1كو 19: 16؛ 2كو 1: 1؛ أف 21: 6؛ فى 1: 1؛ أف 21: 6؛ فى 1: 1؛ 3: 4؛ كو 7: 1؛ 1تس 1: 1؛2؛ 2تس 1: 1؛ 2تس 10: 4؛ تى 12: 3،13؛ 1بط 12: 5).

(9) أع 2: 12.

(10) يو 25: 21

(11) يو 30: 20،31

(12) يو 26: 14

(13) يو

(14) يو 20: 21

(15) مر 51: 14،52

(16) أع 12: 12

(17) كو 10: 4، 1بط 13: 5

 

 

(18) لو 1: 1-3

(19) 2بط 21: 1

(20) مر 14: 2

(21) مر 1: 1

(22) لو 3: 1

(23) يو 1: 1،2،14

(24) يو 31: 20

(25)

(25)

(26)

(27) لو 21: 24.

(28) متى 22: 16،23.

(29)

الفصل الثامن

الأناجيل الثلاثة الأولى "المتفقه"

 

تسمى الأناجيل الثلاثة الأولى أو أوجه الإنجيل التى للقديس متى والقديس مرقس والقديس لوقا، بالأناجيل المتفقة أو المتماثلة أو المتشابهة أو المؤتلفة(1) وذلك لأنفاقها بدرجة كبيرة فى التدوين والتسجيل والصياغة والمفردات اللغوية وترتيب الأحداث الرئيسية لحياة السيد المسيح وتعليمه وأعماله. هذا بالرغم من أن كل واحد من الإنجيليين الثلاثة سجل ودون أحد أوجه الإنجيل الثلاثة الأولى فى مكان غير الذى كتب فيه الآخران، وبالرغم من أنه لم ير أى واحد منهم ما كتبه الآخر، بأوجهه الأربعة ولا فى كل أسفار العهد الجديد (ال 27)، كما يقول القديس يوحنا بالروح القدس "وأشياء أُخر كثيرة صنعها يسوع أن كُتبت واحدةً واحدةً فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة"(2). فقد كان من المتوقع، فى نظر العلماء والنقاد، أن يدون كل واحد من الإنجيليين الثلاثة كثيراً من الأعمال والأقوال التى عملها وعلمها السيد المسيح غير التى يدونها الآخران وذلك لكثرة ما قاله وعمله السيد، والذى لا يحصى ولا يعد. وهذا ما حدث عند تدوين وكتابة الإنجيل للقديس يوحنا والذى اتفق مع الإنجيليين الثلاثة فى أقل من 10% تمثل الخطوط العامة لحياة وكرازة السيد المسيح وتميز عنهم بتدوين أكثر من 90% مما دونه وسجله وكتبه فى الإنجيل الرابع ولم يكتب فى الأناجيل الثلاثة الأولى. وهذا راجع لأنه كتب بعدهم بمده طويلة وقرأ ما كتبوه بالروح القدس فسجل ما لم يسجلوه ودون ما لم يدونوه. ولكن الذى حدث أن الأناجيل الثلاثة الأولى اتفقت فى تدوين وتسجيل وكتابة أعمال وأقوال بعينها بنفس الأسلوب والصياغة والترتيب والمفردات بصورة جوهرية، وعلى سبيل المثال لهذا الاتفاق المذهل نذكر عدد آيات (أعداد) الإنجيل للقديس مرقس ومدى اتفاقها مع ما دُون فى الإنجيلين الأولين؛ فيتكون الإنجيل للقديس مرقس من 661 عدداً (آيه) يتفق معه بصورة جوهرية الإنجيل للقديس فى أكثر من 600 عدداً والقديس لوقا فى أكثر من 350 عدداً. إلى جانب أن كل واحد منهم سجل أعمالاً وأقوالاً خاصة به وحده، ولكن الاتفاق بينهم جاء أكثر من المتوقع إذ اتفق الثلاثة معاً فى 53% مما دونه وسجلوه وكتبوه. مع الوضع فى الاعتبار أن لكل وجه من أوجه الإنجيل الثلاثة الأولى مفرداته الخاصة وأسلوبه الذى يتميز به.

ونتيجة لهذا الاتفاق الجوهرى جاء السؤال: "كيف كُتبت الأناجيل الثلاثة يمثل هذا الأنفاق الاتفاق الجوهرى فى تسجيل أقوال وأعمال بعينها وفى التسلسل والصياغة مع تميز كل واحد منهم بتدوين وتسجيل وكتابة أعمال وتعاليم تميز بجمعها وتسجيلها وحده.

 

1- الاتفاق العام للإنجيل بأوجهه الأربعة:

تتفق الأناجيل الثلاثة الأولى مع الإنجيل للقديس يوحنا فى عدم ذكر أحداث الثلاثين سنة الأولى من حياة السيد المسيح، وذلك باستثناء تسجيل القديس متى والقديس لوقا لأحداث ميلاد يوحنا المعمدان وميلاد السيد المسيح ورحلة الهروب إلى مصر ووجود السيد المسيح فى الهيكل فى سن الثانية عشر. وكان ذلك هو الخط العام لكرازة الرسل حتى قبل حلول الروح القدس؛ فقد اختاروا متياس على أساس أنه أحد الذين اجتمعوا مع التلاميذ "منذ معمودية يوحنا إلى اليوم الذى ارتفع فيه (الرب)..."(3)، ودون القديس لوقا "ما أبتدأ يسوع يفعلهُ ويعلّم به اليوم الذى ارتفع فيه"(4) وبدأ كل من القديسين متى ومرقس ويوحنا بمعمودية يوحنا وانتهوا بالصعود، وإن كان القديس متى قد رجع إلى الوراء وسجل بعض أحداث الميلاد وسلسلة نسب المسيح من جهة يوسف النجار (والده الذى تجسد فى ملء الزمان، لم يركز على ميلاده بالجسد من العذراء ولكنه ركز على وجوده الأزلى قبل الأزمان واتخاذه جسداً وحلوله بين البشر، كما سجل القديس لوقا سلسلة نسب السيد المسيح من جهة أمه مريم العذراء ابنه هالى(5)_ كسليلة داود وإبراهيم ورجع بنسبه إلى الوراء إلى آدم باعتباره "نسل المرأة الذى يسحق رأس الحية"(6). وقد ركز كل من القديس متى والقديس لوقا على كون المسيح الوريث الشرعى لعرش داود سواء من جهة يوسف النجار سليل داود أو من جهة هالى جده لأمه، مريم العذراء، وسليل داود.

وقد ركزت الأناجيل الثلاثة الأولى على بداية الإنجيل والكرازة بعمل يوحنا المعمدان ودوره فى إعداد الطريق للمسيح الآتى واتفقوا فى تفصيل الأحداث وتسجيل الكلمات والنبوات بصورة جوهرية وفى أقسام متوازية(7)، بينما ركز الإنجيل الرابع على شهادة يوحنا المعمدان للمسيح باعتباره الأزلى "لأنه كان قبلى" و"ابن الله" و"حمل الله الذى يرفع خطية العالم" و"نزل الروح القدس عليه" مع إشارته للمعمودية كشئ معروف(8). كما اتفقت الأناجيل الأربعة فى جوهر معجزة إشباع الجموع بخمسة أرغفة وسمكتين(9) ومشى المسيح على الماء(10) والعشاء الربانى وأحداث القبض على السيد المسيح ومحاكمته وصلبه وقيامته وظهوره بعد القيامة. ولكن القديس يوحنا أشار إلى العشاء الربانى كشئ معروف وسجل ما لم يسجل فى الأناجيل الثلاثة الأولى كغسل أرجل التلاميذ واتكاء يوحنا على صدره وقت العشاء ووجود الصندوق مع يهوذا وطلب بطرس من يوحنا سؤال السيد عن التلميذ الخائن وإشارة السيد إلى يهوذا(11)، ثم يسجل حديث الرب الطويل بعد العشاء الربانى(12)وصلاته الشفاعية لأجل تلاميذه والكنيسة(13) وتراجع الجموع أمامه عند القبض عليه(14) وسؤال قيافا له عن تعليمه ولطم أحد الخدم له(15) وإشارة رؤساء اليهود بأنه لا يجوز لهم قتل أحد(16)، وسؤال بيلاطس له عن ملكوته(17)، ومحاولة بيلاطس تبرئته وإصرار اليهود على صلبه(18)، وذكره لحادث اقتسام ثيابه بتفصيل اكثر من الأناجيل الثلاثة الأولى(19)، وكذلك تفصيل ما دار حول عبارة "ملك اليهود" التى وضعت على صليبه(20)، وتسليم السيد لأمه مريم العذراء ليوحنا "التلميذ الذى كان يحبه"ليأخذها إلى خاصته(21)، وكسر سيقان المصلوبين مع السيد وطعن جنبه بحربة(22)، وذهاب بطرس ويوحنا إلى القبر الفارغ بعد أن أبلغتهما مريم المجدلية بذلك(23)، وظهور الرب للمجدلية وحدها عند القبر حيث ظنت أنه البستانى(24)، وشك توما فى قيامة الرب وإصراره على عدم الإيمان قبل أن يرى الرب ويتأكد بنفسه ثم ظهور الرب للتلاميذ ومعهم توما والحديث الذى دار بين الرب وتوما(25)،وذهاب سبعة من التلاميذ للصيد وظهور الرب لهم وصيد السمك الكثير والحديث الذى دار بين الرب وبطرس والإشارة لبقاء يوحنا لعمر طويل(26).

 

2- الاتفاق العام للإنجيل بأوجهه الثلاثة:

اتفقت الأناجيل الثلاثة فى وصف السيد المسيح بصورة متجانسة ومتماثلة من جهة شخصيته كابن الإنسان وابن الله ومن جهة مظهره الخارجى المهيب الجليل وأسلوبه فى الحديث الذى يختلف عن كل معلمين العالم فقد كان "يتكلم بسلطان"، ومن جهة صفاته وألقابه وأسمه "يسوع". كان من المتوقع أن تظهر رؤية كل إنجيلى له من زاوية خاصة ولكن الذى حدث هم أنهم جميعاً سجلوا نفس الصفات والألقاب والأسلوب وحتى المظهر الخارجى نراه هو فى الأناجيل الثلاثة وإن كان فى ثلاثة أوجه. وكلهم يسجلون نفس ألقابه كابن الله وابن الإنسان والمسيح والمعلم والرب والفادى والمخلص، وكلهم يسجلون قداسة سيرته كالبار والقدوس الذى لم يفعل خطية وكانت حياته بلا دنس، وكلهم يسجلون أهم معجزاته وقد اتفقوا على تسجيل المعجزات التى تبرهن على قدرته الكلية غير المحدودة وسلطانه المطلق، وكلهم سجلوا أحداث القبض عليه ومحاكماته وصلبه وقيامته وظهوراته بعد القيامة وأمره لهم بالكرازة به فى العالم أجمع، مع تركيز كل واحد منهم على جوانب معينة من هذه الحادث، سواء كانت مواقف أو أقوال أو أعمال ولكنهم اتفقوا معاً فى الخط العام للأحداث وفى أغلب ما دونوه، وما تميز به كل واحد منهم فى جمعه مع ما تميز به الإنجيل للقديس يوحنا جعل الصورة كاملة، فقد سجلت وكتبت من أربع زوايا أو أوجه فجاءت كاملة ومتكاملة.

وسجلوا جميعاً تعليمه عن ملكوت الله أو ملكوت السماوات، الذى هو ملكوت ابن الله، المسيح، ملكوت البر والحق، الملكوت الأبدى، واتفقوا كثيراً فيما دونوه وكتبوه وما تميز به وأختص بتدوينه كل واحد منهم اكمل الصورة من ثلاثة جوانب وما دونه القديس يوحنا أيضا أضاف للصورة جانبها الرابع.

كما سجل الثلاثة أحداث معمودية السيد المسيح وتجربته على الجبل من إبليس وبدء كرازته فى الجليل بشكل متماثل ومتفق سواء فى تدوين وتسجيل الأقوال والأحداث والتعليق عليها وذكر النبؤات التى تمت فيها ولم يتميز أحدهم عن الآخران إلا فى ذكر تفصيلات قليلة حيث تميز القديس متى والقديس لوقا فى ترتيب التجربة الثالثة والثانية ولكنهما دونا نفس الأقوال ونفس الأحداث والتفصيلات، وذكر القديس مرقس الحدث بصورة موجزة كعادته، فهو يميل كثيراً إلى الإيجاز(27).

ويركز الثلاثة بعد ذلك على تدوين كرازة السيد المسيح العامة فى الجليل(28)، ثم يسجل كل من القديس متى والقديس مرقس سلسلة من الأحداث والأمثال المرتبطة بكرازة الرب فى الجليل(29)، بينما يسجل القديس لوقا سلسة أخرى من الأحداث والأمثال والمرتبطة بالرحلة الأخيرة إلى أورشليم، والتى تميز بها الإنجيل الثالث وحده ولم تكتب فى الإنجيلين الآخرين(30).

ويتماثل الثلاثة ويتفقون بصورة جوهرية فى تسجيل وتدوين الرحلة الأخيرة إلى أورشليم(31)، وأيضا فى وصف دخول الرب الأنتصارى لأورشليم(32) والذى يشترك معهم فى تسجيله القديس يوحنا والذى أضاف بعض التفصيلات الأخرى(33)، كما اتفقوا فى كتابة وتسجيل الأحداث السابقة للفصح وكذلك أحداث الفصح وما قاله السيد فيه(34).

وسجل الثلاثة أحداث القبض على السيد ومحاكماته وصلبه وقيامته وظهوره بعد القيامة بصورة متفقة ومتماثلة جوهرياً بل وفى أقسام متوازية، وقد سجل كل منهم تفاصيل تميز بها وحده خاصة فى حادث إنكار بطرس لسيده، وتركيز كل منهم على جوانب ومواقف معينة لأحداث القيامة وظهورات الرب بعد القيامة، فقد دون كل واحد منهم ظهورات معينة بعد القيامة، وفعل ذلك أيضا القديس يوحنا فجاءت الصورة متكاملة(35) وقد أعطى الإنجيل بأوجهه الأربعة مساحة كبيرة لأحداث الآلام والقيامة شكلت حوالى 25% من جملة من دونوه. فقد كان صلب المسيح وآلامه وقيامته جوهر الكرازة بالأخبار السارة التى كرز بها الرسل وجوهر وبؤرة ومحور ولب الإنجيل سواء الشفوى أو المكتوب.

وقد اتفق كتاب الأناجيل الثلاثة الأولى فى وصف الأحداث والأعمال، برغم تميز كل واحد منهم، لدرجة انهم وصلوا إلى مرحلة التطابق والاتفاق التام فى أحيان كثيرة وذلك فى وصف الحدث وفى تسجيل أقوال الرب حرفياً ولفظياً، فى المفردات اللغوية والجوهر والمضمون والهدف، ومن الأمثلة على هذا الاتفاق؛ شفاء الأبرص(36) والسؤال عن سلطان السيد المسيح(37) وأحاديث الرب عن علامات المجئ الثانى(38) وطلب يوسف الرامى دفن جسد السيد المسيح. ونسجل هنا الاتفاق والتماثل فى أحداث وتفصيلات معجزة إشباع الجموع بخمسة أرغفة وسمكتين:

متى 15: 14-21

ولما صار المساء تقدم إليه تلاميذه قائلين الموضع خلاء والوقت قد مضى. أصرف الجموع لكى يمضوا إلى القرى ويبتاعوا لهم طعاما. فقال لهم يسوع لا حاجة لهم أن يمضوا. أعطوهم أنتم ليأكلوا. فقالوا ليس عندنا أكثر من خمسة أرغفة وسمكتان. فقال ائتوني بها إلى هنا. فأمر الجموع أن يتكئوا على العشب. فأخذ الأرغفة الخمسة والسمكتين ورفع نظره نحو السماء وبارك وكسر وأعطى الأرغفة للتلاميذ والتلاميذ للجموع. فأكل الجميع وشبعوا. ثم رفعوا ما فضل من الكسر اثنتى عشرة قفة مملوءة. والآكلون كانوا نحو خمسة آلاف رجل ماعدا النساء والأولاد.

مرقس 35: 6-44

وبعد ساعات كثيرة تقدم إليه تلاميذه قائلين الموضع خلاء والوقت مضى. أصرفهم لكى يمضوا إلى الضياع والقرى حوالينا ويبتاعوا لهم خبزاً. لأن ليس عندهم ما يأكلون. فأجاب وقال أعطوهم أنتم ليأكلوا. فقالوا له نمضى ونبتاع لهم خبزاً بمئتى دينار ونعطيهم ليأكلوا. فقال لهم كم رغيفاً عندكم اذهبوا وانظروا فلما علموا قالوا خمسة وسمكتان. فأمرهم أن يجعلوا الجميع يتكئون رفاقاً رفاقاً على العشب الأخضر. فاتكئوا صفوفاً مئة مئة وخمسين خمسين.

فأخذ الأرغفة الخمسة والسمكتين ورفع نظره نحو السماء وبارك ثم كسر الأرغفة وأعطى تلاميذه ليقدموا إليهم وقسم السمكتين للجميع. فأكل الجميع وشبعوا ثم رفعوا من الكسر اثنتى عشرة قفة مملوءة من السمك. وكان الذين أكلوا من الأرغفة نحو خمسة آلاف رجل.

لوقا 12: 9-18

فابتدأ النهار يميل. فتقدم الإثنا عشر وقالوا اصرف الجموع ليذهبوا إلى القرى والضياع حوالينا فيبيتوا ويجدوا لهم طعاما لأننا ههنا فى موضع خلاء. فقال لهم أعطوهم أنتم ليأكلوا. فقالوا ليس عندنا أكثر من خمس أرغفة وسمكتين إلا أن نمضى ونبتاع طعاما لهذا الشعب كله. فقال لتلاميذه اتكئوهم فرقاً خمسين خمسين. ففعلوا هكذا واتكأوا الجميع. فأخذ الأرغفة الخمسة والسمكتين ورفع نظره نحو السماء وباركهن ثم كسر وأعطى التلاميذ ليقدموا للجميع. فأكلوا وشبعوا جميعاً. ثم رُفع ما فضل عنهم من الكسر أثنتا عشرة قُفة. لأنهم كانوا نحو خمسة آلاف رجل.

 

ونلاحظ هنا الاتفاق التام فى تدوين كلمات السيد المسيح وأيضا كلمات التلاميذ وما تميز به أحدهم عن الآخرين هو فقط فى تدوين كلمات قليلة جداً لم يدونها غيره. كما اتفقوا بصورة مذهلة فى وصف الحدث.

 

3- اتفاقات وتماثل بين إنجيلين فقط:

وهناك تماثل آخر واتفاق بين إنجيلين فقط فى تدوين أقوال وأعمال لم تدون فى الثالث، فيتفق القديس متى مع القديس مرقس والقديس مرقس مع القديس لوقا والقديس متى مع القديس لوقا، وهذا الأخير هو الأكثر شيوعاً، إذ يتفق القديس متى والقديس لوقا فى تدوين أعمال وأقوال تصل إلى حوالى 250 عدداً (آية) لا توجد فى الإنجيل للقديس مرقس، بينما يتفق القديس متى والقديس مرقس ويشتركان فى تدوين حوالى 170 عدداً لا توجد فى الإنجيل للقديس لوقا، ويتفق القديس مرقس مع القديس لوقا ويشتركان فى تدوين حوالى 50 عدداً لا توجد فى الإنجيل للقديس متى.

 

1- ما يتفق فيه القديس متى والقديس لوقا:

اتفق القديس متى والقديس لوقا فى تدوين وكتابة آيات (أعداد) كثيرة مشتركة بينهما لم تدون فى الإنجيل للقديس مرقس. هذه الآيات معظمها أقوال للسيد المسيح وهى تتفق فى الإنجيلين بدرجة كبيرة سواء فى الكلمات أو الصياغة أو الأسلوب والترتيب بل وتتفق فى تكرار بعض الفقرات، والتى تسمى بالازدواجات التى تتكرر أكثر من مرة، ويصل الاتفاق إلى درجة الاشتراك فى تدوين كلمات غير معتادة واستخدامات لغوية غير مألوفة. وهذا جعل العلماء يعتقدون بوجود مصدر مكتوب استعان به الإنجيلين عند تدوين كل منهما لأحد أوجه الإنجيل. وهذا ما أسموه بالمصدر Q من الكلمة الألمانية Quell والتى تعنى مصدر. وفيما يلى محتوى ما يشترك فيه الإنجيلين متى ولوقا:

التطوبيات فى المعجزة على الجبل (لو 20: 6-23؛ متى 3: 5،4،6،11،12).

محبة الأعداء (لو 27: 16-36؛ متى 39: 5-42، 44-48؛ 12: 7).

لا تدينوا لكى لا تدانوا (لو 37: 6-42؛ متى 1: 7-5؛ 24: 10،25؛ 14: 15).

السامعين والعاملين بالكلمة (لو 47: 6-49؛ متى 24: 7-27).

شفاء عبد قائد المئة (لو 1: 7-10؛ متى 28: 7؛ 5: 8-10،12).

سؤال المعمدان للسيد المسيح (لو 18: 7-20؛ متى 2: 11،3).

إجابة السيد له (لو 22: 7-35؛ متى 4: 11-9).

كاتب يطلب أن يكون تلميذاً للسيد وتلميذ يطلب أن يدفن والده المتوفى ورد السيد على كليهما (لو 57: 5-6؛ متى 19: 8-22).

إرسال المسيح لتلاميذه ورسله ومطالب حمل الإرسالية (لو 2: 10-12؛ متى 7: 9،38؛ 9: 10-15).

ويلات على مدن الجليل العاصية (لو 13: 10-15؛ متى 20: 11-42).

الصلاة الربانية (لو 2: 11-4؛ متى 9: 6-13).

استجابة الصلاة (لو 9: 11-13؛ متى 7: 7-11).

اتهام السيد أنه ببعلزبول يخرج الشياطين (لو 14: 11-22؛ متى 12: 12-32).

الحديث عن الروح النجس (لو 24: 11-26؛ متى 43: 12-45).

آية يونان النبى وموت المسيح ثلاثة أيام (لو 29: 11-32؛ متى 38: 12-42).

سراج الجسد هو العين (لو 33: 11-36؛ متى 15: 5؛ 22: 6،23).

التحذير من الفريسيين (لو 37: 9، 1: 12؛ متى 1: 23-36).

حمل صليب المسيح (لو 2: 12-12؛ متى 19: 10، 33-36).

الاهتمام بالأمور العالمية (لو 39: 12-46؛ متى 43: 26-51).

علامات هذا الدهر (لو 57: 12-59؛ متى 25: 5،26).

الاتفاق مع الخصوم (لو 57: 12-59؛ متى 25: 5،26).

مثل حبة الخردل ومثل الخميرة (لو 18: 13-21؛ متى 31: 13-33).

طرد إسرائيل من الملكوت (لو 23: 13-30؛ متى 13: 7،14؛ 11: 8،12؛ 10: 25-12).

الرب يرثى أورشليم (لو 34: 13،35؛ متى 37: 23-39).

سبيل التلمذة للمسيح (لو 26: 14-35؛ متى 37: 10،38؛ 13: 5).

لا يقدر أحد أن يخدم سيدين (لو 13: 16؛ متى 24: 6).

الطلاق والناموس (لو 16: 6-18؛ متى 12: 11،13؛ 18: 5،32).

مجيئ ابن الإنسان (لو 22: 17-27، 33-37؛ متى 26: 24-28، 37-39).

 

2- ما يتفق فيه القديس متى والقديس مرقس:

اتفق القديس متى والقديس مرقس فى تدوين كثير من الأقوال والأعمال التى لم يدونها القديس لوقا، وفيما يلى أهم ما اشتركا فى تدوينه:

أوصاف يوحنا المعمدان (متى 4: 3-6؛ مر 4: 1-6).

السيد لا يصنع آيات قديرة فى الناصرة (متى 58: 13؛ مر 5: 6،6).

دعوة أول مجموعة من التلاميذ (متى 18: 4-22؛ مر 16: 1-20).

شفاء مرضى فى أماكن كثيرة (متى 35: 15؛ مر 54: 6،55).

وصايا لدخول الحياة الأبدية (متى 8: 18،9؛ مر 43: 9-48).

أغفروا يغفر لكم (متى 14: 6،15؛ مر 25: 11،26).

استخدام الرب للأمثال (متى 34: 13،35؛ مر 33: 4،34).

كرازته فى القرى (متى 35: 9؛ مر 6: 6).

رفض أهل الناصرة له (متى 53: 13-58).

استشهاد يوحنا المعمدان (متى 3: 14-12؛ مر 27: 6-29).

المشى على الماء (متى 22: 14-23؛ مر 45: 6-52).

شفاء مرضى عند أرض جنيسارت (متى 34: 14-36؛ مر 53: 6-56).

ما الذى ينجس الإنسان (متى 1: 15-21؛ مر 1: 7-23).

شفاء ابنة المرأة الكنعانية (متى 21: 15-28؛ مر 24: 7-30).

شفاء أصم ومجموعة من المرضى (متى 39: 15-31؛ مر 31: 7-37).

معجزة إشباع أربعة آلاف نفس (متى 32: 15-39؛ مر 1: 8-10).

التحذير من خمير الفريسيين (متى 7: 16-12؛ مر 15: 3-21).

إيليا ويوحنا المعمدان (متى 9: 17-13؛ مر 9: 9-13).

تكملة حديث التجارب (متى 7: 18-9؛ مر 43: 9-48).

الإيمان الذى ينقل الجبل (متى 21: 21؛ مر 43: 9-48).

ما سيحدث فى يوم ابن الإنسان (متى 17: 24-18؛ مر 15: 13-16).

الزواج والطلاق (متى 19: 1-12؛ مر 10: 1-12).

طلب ابنى زبدى الجلوس عن يمين الرب وعن يساره (متى 20: 20-23؛ مر 35: 10-39).

لعن شجرة التين (متى 18: 21-19؛ مر 12: 11-14).

المسحاء الكذبة والأنبياء الكذبة (متى 23: 24-25؛ مر 3: 14-9).

المرأة التى دهنت الرب بالطيب (متى 6: 26-13؛ مر 3: 14-9).

رؤساء الكهنة يبحثون عن شهود زور على المسيح (متى 59: 26-62؛ مر 55: 14،61).

إطلاق باراباس وصلب السيد المسيح (متى 15: 27-20؛ مر 6: 16-10).

"ملك اليهود" وتعبير الجموع له (متى 37: 27-44؛ مر 2: 15-32).

"إلهى إلهى لماذا تركتنى" (متى 46: 27-50، مر 34: 15-36).

 

3- ما يتفق فيه القديس مرقس والقديس لوقا:

اتفق القديس مرقس والقديس لوقا فى تدوين أقوال وأعمال السيد المسيح أقل بكثير مما اتفق فيه القديس متى والقديس لوقا أو القديس متى والقديس مرقس، وفيما يلى أهم ما اتفق فيه القديس مرقس والقديس لوقا:

شفاء رجل به روح شريرة فى مجمع كفر ناحوم (مر 23: 1-28؛ لو 33: 4-37).

السيد المسيح يترك كفر ناحوم ليكرز للمدن الأخرى بالملكوت (مر 35: 1-38؛ لو 42: 4-43).

ذيوع خبره بعد شفاء أبرص (مر 45: 1؛ لو 15: 5؛16).

لا يوضع سراج تحت المكيال (مر 21: 4؛ لو 16: 8).

إنزال المفلوج من سقف المنزل (مر 4: 2؛ لو 9: 5).

بعض ما سيلاقيه الرسل بسبب الكرازة (مر 9: 3-13؛ لو 12: 21-17).

فى دعوة الإثنى عشر (مر 7: 6؛ لو 1: 9-2).

غاية الأمثال (مر 21: 4-25؛ لو 16: 5).

أهل كورة الجدريين يطلبون من الرب مغادرة تخومهم (مر 8: 5-20؛ لو 37: 8،39).

تكلمة قصة نازفة الدم (مر 33: 5-39؛ لو 45: 8-47).

الحديث عن إيليا ويوحنا المعمدان بعد التجلى (مر 15: 6،16؛ 8: 9،9).

غريب يخرج الشياطين باسم يسوع المسيح (مر 38: 9-41؛ لو 49: 9،50).

عطاء الأرملة الفقيرة (مر 41: 12-44؛ لو 1: 21-4).

دحرجة الحجر من على باب قبر المسيح (مر 3: 16؛ لو 2: 24).

 

4- ما دونه وتميز به كل إنجيل وحده:

وإلى جانب ما اتفق فى تدوينه الإنجيليون الثلاثة معاً وما اتفق فيه كل اثنين معاً فقد تميز كل واحد منهم بتدوين أقوال وأعمال للسيد المسيح لم يدونها غيره وكان أقلهم فى ذلك القديس مرقس والذى تميز بتدوين 7% فقط مما دونه، وتميز القديس متى ب 42% وكان أكثرهم فى ذلك القديس لوقا الذى تميز بتدوين 59% مما دونه ولم يدونه الآخرين.

 

أ- ما دونه القديس مرقس وحده:

وفيما يلى أهم ما دونه القديس مرقس وحده:

مثل البذار التى تنمو سراً (مر 26: 4-29).

شفاء أعمى فى بيت صيدا (مر 22: 8-26).

ظهور الرب بعد القيامة وأمره للرسل بالكرازة بالإنجيل فى الخليقة كلها ثم صعوده إلى السماء (مر 9: 16-20).

 

ب- ما دونه القديس متى وحده:

1- قصة طفولة السيد المسيح:

سلسلة نسب المسيح من جهة يوسف النجار إلى إبراهيم (متى 1: 1-17).

حبل العذراء بالروح القدس وميلاد المسيح (متى 18: 1-25).

زيارة المجوس للطفل المولود (متى 1: 2-12).

الهروب إلى مصر وقتل أطفال بيت لحم ثم العودة من مصر (متى 13: 2-23).

2- حديث عن الرياء متضمن فى الموعظة على الجبل.

3- حديث عن الرياء أيضا فى (ص 23).

4- أجزاء من حديث السيد لتلاميذه بخصوص إرساليتهم (ص 10).

5- مجموعة من الأمثال؛ مثل الزوان، مثل الكنز المخفى، مثل شبكة الصيد الجامعة (ص 13)، مثل الملك وعبيده (23: 8-35)، مثل الفعلة فى الكرم (1: 20-16)، مثل الابنين (28: 21-32)، مثل لباس العرس (11: 22-14)، مثل العشر العذارى (1: 25-13)، مثل الخراف والجداء فى المجيئ الثانى (31: 215-33).

 

6- ما يسمى بكتاب الشهادات.

استشهد القديس متى كثيراً بنبؤات العهد القديم التى سبق أن تنبأ بها الأنبياء عن السيد المسيح والتى شرحها وفسرها الرب لتلاميذه خاصة بعد قيامته من بين الأموات. وتتكون هذه الشهادات من مجموعتين؛ مجموعة مأخوذة عن ترجمة يونانية سواء كانت الترجمة اليونانية السبعينية أو ترجمة أخرى للنص العبرى، والمجموعة الأخرى وتتكون من اثنى عشر استشهاداً مأخوذة مباشرة من النص العبرى. وهذه المجموعة الثانية تميز بتدوينها القديس متى وحده باستثناء استشهاد واحد دونه كل من القديس مرقس والقديس لوقا أيضا، وهو نبؤة عن يوحنا المعمدان "صوت صارخ فى البرية ... الخ"، (متى 3: 3؛ مر 2: 1؛ لو 4: 3-6). وفيما يلى بقية المجموعة (الثانية):

نبؤة "العذراء تحبل" (23: 1).

نبؤة ميلاد المسيح فى بيت لحم (6: 2).

نبؤة "من مصر دعوت ابنى" (15: 2).

نبؤة "صوت سمع فى الرامة" وقتل أطفال بيت لحم (18: 2).

نبؤة أن الرب "يدعى ناصرياً" (23: 2).

نبؤة "الشعب الجالس فى ظلمة أبصر نوراً عظيماً" (15: 4،16).

نبؤة "أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا" (17: 8).

نبؤة "فتى الرب أو عبد الرب" الذى "على اسمه يكون رجاء الأمم" (18: 12-21).

نبؤة حديث الرب بأمثال "سأفتح بأمثال فمى" (34: 13،35).

نبؤة دخوله أورشليم "راكباً أتان وجحش ابن أتان" (4: 21،5).

نبؤة تسليمه مقابل "ثلاثين من الفضة" (9: 27).

 

7- قصص وأحداث أخرى لم تدون سوى فى الإنجيل للقديس متى:

تردد يوحنا المعمدان فى عماد المسيح (14: 3،15).

مشى بطرس على الماء (28: 14-31).

السيد المسيح يوفى الدرهمين (24: 17-27).

اتفاق يهوذا مع رؤساء الكهنة على تسليم المسيح (14: 26-16).

بيلاطس يغسل يديه (24: 27،25).

يهوذا يرد الفضة ويخنق نفسه (3: 27-10).

حدوث زلزال وقيام بعض الراقدين عند موت المسيح (51: 27-53).

وضع حراسة على قبر المسيح (62: 27-66).

نزول ملاك من السماء وحدوث زلزال وارتعاب الحراس عند قيامة المسيح (2: 28-4).

ظهور الملاك لامرأتين (9: 28-10).

رشوة رؤساء اليهود للحراس والزعم بأن جسد المسيح قد سرق (11: 28-15)

الرب يأمر تلاميذه بالكرازة فى جميع الأمم (16: 28-20).

 

ج- ما دونه القديس لوقا وحده:

دون القديس لوقا أحداث وأعمال وأقوال خاصة بالسيد المسيح لم تدون فى الإنجيلين الآخرين وتتكون من 541 عدداً (آية). وقد تسلمها، بحسب تأكيده هو وتأكيد العلماء، من تلاميذ الرب، الرسل شهود العيان "كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين (شهود عيان) وخداماً للكلمة"، وذلك فى الفترة التى كان فيها القديس بولس أسيراً فى روما. ويؤكد العلماء أنه تسلمها فى قيصرية.

1- أحداث ميلاد يوحنا المعمدان وميلاد الطفل يسوع:

بشارة الملاك لزكريا الكاهن بميلاد يوحنا (5: 1-23).

حبل اليصابات (24: 1)

بشارة الملاك للعذراء بميلاد المسيح (26: 1-38).

زيارة العذراء لاليصابات (39: 1-56).

ميلاد يوحنا المعمدان (57: 1-59).

ميلاد الطفل يسوع فى بيت لحم (1: 2-7).

بشارة الملائكة للرعاة وزيارة الرعاة للطفل السمائى المولود (8: 2-20).

ختان الطفل يسوع (21: 2-24).

نبؤة سمعان الشيخ وحنة النبية (25: 2-38).

ذهاب الصبى يسوع فى سم الثانية عشر إلى الهيكل ومحاورته المعلمين فى الهيكل ونزوله مع أمه العذراء ويوسف النجار إلى الناصرة وخضوعه لهما (41: 2-51).

ومن الواضح أن هذه الأحداث الخاصة بميلاد يوحنا المعمدان وميلاد الطفل يسوع ودخوله الهيكل فى سن الثانية عشر قد تسلمها من العذراء مريم مباشرة وهذا ما يؤكد بقوله "وأما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكرة به فى قلبها" (19: 2)، "وكانت أمه تحفظ جميع هذه الأمور فى قلبها" (51: 2).

2- أمثال السيد المسيح؛ وقد سجل القديس لوقا أربعة عشر مثلاً للسيد المسيح لو يدونها غيره وهى: مثل المديونين (41: 7-43)، السامرى الصالح (29: 10-37)، صديق نصف الليل (5: 11-8)، الغنى الغبى (13: 12-21)، شجرة التين (6: 13-9)، الرجل الذى لم يقدر أن يكمل برجه (28: 14-30)، الملك الذى وهب لمقاتله ملك آخر (31: 14-33)، الدرهم المفقود (8: 15-10)، الابن الضال (11: 15-32)، وكيل الظلم (1: 16-9)، الغنى ولعازر المسكين (19: 16-31)، واجب العبد تجاه سيده (7: 17-10)، القاضى الظالم (1: 18-8)، الفريسى والعشار (9: 18-14).

3- أقوال وأعمال خاصة بالكرازة فى الجليل:

رفض أهل الناصرة للسيد المسيح (16: 4-30).

معجزة صيد السمك الكثير (1: 5-11).

إقامة ابن أرملة نايين من الموت (11: 7-17).

المرأة الخاطئة (36: 7-50).

النسوة الخادمات (1: 8-3).

4- أحداث وأعمال تمت أثناء السفريات:

رفض قرية للسامريين للرب "لأن وجهه كان متجهاً نحو أورشليم" (51: 9-56).

إرسال السيد لسبعين تلميذاً للكرازة ووصاياه لهم (1: 10-16).

دخوله بيت مرثا ومريم (38: 10-42).

امرأة تطوب أم السيد المسيح (27: 11،28).

مثل النزاع حول الميراث (13: 12-15).

خبر ما حدث لبعض الجليليين (1: 13-5).

شفاء امرأة بها روح ضعف (10: 13-17).

شفاء المستسقى فى السبت (1: 14-6)

أقوال فى التواضع (7: 14-14).

أقوال فى الرياء (14: 16،15).

شفاء عشرة برص (11: 17-19).

إضافة زكا العشار للسيد (1: 19-10).

5- أحداث الآلام والصلب:

حديث السيد المسيح أثناء العشاء الربانى (15: 22-30).

نزول عرقه كقطرات دم فى البستان (40: 22-42).

محاكمة السيد فى بيت رئيس الكهنة وأمام بيلاطس وأمام هيرودس (54: 22، 16: 23).

اللص التائب على الصليب (39: 23-43).

6- أحداث القيامة وبعض ظهورات الرب:

إتيان النساء إلى القبر (1: 24-12).

ظهور الرب لتلميذى عمواس (13: 24-35).

ظهور الرب فى أورشليم للأحد عشر والذين كانوا معهم (36: 24-49).

صعود السيد المسيح إلى السماء (50: 24-53).

5- تقييم مدى ما اتفق فيه الإنجيليون وما تميز به كل واحد منهم بالأقسام والأعداد والكلمات:

اتضح لنا مما سبق أن ما اتفق فى تدوينه الإنجيليون الثلاثة، بل الأربعة، وما تميز بتدوينه كل واحد منهم برهن بصورة قاطعة على صحة ومصداقية ووحى كل حرف وكل كلمة وكل فقرة دونت فى الإنجيل، فما اتفقوا فيه، برغم كتابة كل واحد منهم بصورة منعزلة وفى مكان مختلف، برهن على الدقة المتناهية وإرشاد الروح القدس ووحيه فى تدوين وكتابة الإنجيل، وما تميز به كل واحد من الأربعة اكمل الصورة من جميع جوانبها وبرهن على مصداقية ووحدة الإنجيل ووحدة الوحى فيه. فقد ركز كل واحد منهم على جوانب معينة من جوانب حياة السيد المسيح ومن ثم فقد قدموا جميعاً صورة كاملة ومتكاملة لحياته وأعماله وأقواله؛ وعلى سبيل المثال فقد ركز القديس مرقس على الأحداث وخاصة المعجزات التى صنعها السيد فشكلت حوالى 50% من الإنجيل الذى دونه، وتكون الأقوال فى الإنجيل للقديس لوقا حوالى 66% وتكون الأحداث والأعمال حوالى الثلث.

وقد قام العلماء والنقاد بعمل تقييم لما اتفق فيه الإنجيليون الثلاثة وما تميز بتدوينه وحده كل واحد منهم، وذلك بتقسيم الأناجيل إلى أقسام وأعداد وكلمات بل وصفحات؛ ووجدوا أن الإنجيل للقديس لوقا هو الأكبر ومدون فى 72 صفحة، والإنجيل للقديس متى مدون فى 68 صفحة، أما الإنجيل للقديس مرقس فهو الأصغر ومدون فى 42 صفحة إذ يتميز بالإيجاز والسرعة والحيوية. والإنجيل للقديس يوحنا مدون فى 55 صفحة.

1- التقييم بالأقسام:

يتكون الإنجيل للقديس متى من 78 قسماً والإنجيل للقديس مرقس من 67 قسماً والإنجيل للقديس لوقا من 93 قسماً. ويقسم أحد العلماء ويدعى Dr. Reuss (1874م) الأناجيل الثلاثة إلى 124 قسم، يتفق الثلاثة فى 47 قسم ويتفق القديس متى والقديس مرقس وحدهما فى 12 قسم ويتفق القديس متى والقديس لوقا فى قسمين ويتفق القديس مرقس والقديس لوقا فى 6 أقسام، ويتميز القديس متى ب 17 قسم والقديس مرقس بقسمين والقديس لوقا ب 38 قسم.

وهناك تقييم آخر بالأقسام قام به ثلاثة من العلماء Norton, Stroud and Westcott يقول أن القديس مرقس يتفق مع الآخرين فى 93% ويتميز فى 7% فقط، ويتفق القديس متى فى 58% ويتميز القديس ب 42%، ويتفق القديس لوقا فى 41% ويتميز ب 59%، ويتفق القديس يوحنا مع الثلاثة فى 8% ويتميز فى 92%.

وخلاصة هذا هو أن الأناجيل الثلاثة الأولى تتفق فى 53% ويتفق الأول مع الثالث فى 21% والأول مع الثانى فى 20% والثانى مع الثالث فى 6% ويقول العلامة الإنجليزى وستكوت أنه لا يوجد فى الإنجيل للقديس مرقس سوى 24 عدداً لا مثيل لها فى الإنجيلين الآخرين.

2- التقييم بالأعداد (الآيات):

أحصى Reuss (1874م) الأعداد التى يتميز بها كل إنجيل كالآتى: دون القديس متى 330 عدداً لم يدونهم غيره، ودون القديس مرقس وحده 68 عدداً، ودون القديس لوقا وحده 541 عدداً، واتفق القديس متى والقديس مرقس فى تدوين 170 إلى 180 عدداً لم يدونوا فى الإنجيل للقديس لوقا،ودون القديس متى والقديس لوقا من 230 إلى 240 عدداً وحدهما، ودون القديس مرقس والقديس لوقا حوالى 50 عدداً وحدهما. وبالتالى يكون مجموع الأعداد التى اتفقت فيها الأناجيل الثلاثة من 330 إلى 370، مع الاعتراف بصعوبة عمل إحصاء رياضى دقيق لحصر الأعداد فى الإنجيل الثالث.

3- التقييم بالكلمات:

قام أحد علماء الكتاب ويدعى Rushbrooke (1880م) بتقييم آخر بالكلمات وهو كالآتى:

عدد الكلمات

الكلمات المشتركة

النسبة المئوية للكلمات المشتركة

ق. متى 18.222

ق. مرقس 11.158

ق. لوقا 19.209

48.589

2.651

2.651

2.651

7.953

14.5%

23.5%

13.5%

16.5%

 

ق. متى / ق. مرقس (أو 5.444 فى الكل) 2.793 مع ق. مرقس +29 مع ق. متى +48

ق. متى / ق. لوقا (5.066فى الكل) 2.415 مع ق. لوقا +27 مع ق. متى +26

ق. مرقس / ق. لوقا (أو 3.825 فى الكل) 1.174 مع ق. لوقا +34 مع ق. مرقس 20

كلمات خاصة بالقديس متى 10.363 أو 56%

كلمات خاصة بالقديس مرقس 4.540 أو 40%

كلمات خاصة بالقديس لوقا 12.969 أو 67%

_____________

27.872

ما سبق يعطى النتائج التالية:

أ- نسبة الكلمات المتميزة فى الأناجيل الثلاثة المتفقة هى 28.000 من 48.000 أى أكثر من النصف بكثير. فى ق. متى 56 كلمة من كل 100 كلمة خاصين به وحده، وفى ق. مرقس 40 كلمة من كل 100 كلمة خاصين به وحده، وفى ق. لوقا 67 كلمة من كل 100 كلمة خاصين به وحده.

ب- عدد الكلمات التى يشترك فيها الثلاثة أقل من عدد الكلمات التى يتميز بها كل واحد وحده؛ فيتفق ق. متى مع الإنجيليين الآخرين فى كلمة من كل سبع كلمات، ويتفق ق. مرقس فى كلمة من كل 4.5 كلمات، ويتفق ق. لوقا فى كلمة من كل 8 كلمات. ويوجد نصف الإنجيل للقديس مرقس فى الإنجيل للقديس لوقا.

وقد برهنت هذه الدراسات على أن كُتاب الأناجيل الثلاثة الأولى قد كتبوا فى أماكن مختلفة ولم ير أحدهم ما كتبه الآخران. عدا القديس يوحنا. ولو أن أحدهم أطلع على ما دونه الآخران لكان قد نقل عنه جميع الأحداث والأعمال والأقوال الموجودة فيه ولم يترك كلمة واحدة، وهذا ما لم يحدث إذ إن كل واحد منهم دون أموراً لم يدونها غيره، أو لتجنب كل ما كتبه غيره باستثناء الخطوط العامة، كما حدث عند تدوين الإنجيل الرابع والذى اتفق مع الثلاثة المتفقين فى حوالى 8% فقط وتميز عنهم فى 92%.

وقد برهن ما اتفق فيه الثلاثة، وما اتفق فيه معهم القديس يوحنا على مصداقية وصحة كل ما كُتب فى الإنجيل بأوجهه الأربعة، كما بهرن ما تميز بتدوينه وحده كل واحد منهم على غنى وغزارة ما عمله وعلمه السيد المسيح وأيضا على مصداقية كُتاب الإنجيل وأمانتهم وعمل الروح القدس فيهم وبهم إذ اتفقوا فى كل ما دونوه لاهوتياً وعقيدياً وجوهرياً وتاريخياً وجغرافياً وفكرياً بصورة تفوق الوصف.

 

6- نظريات وافتراضات لتبرير الاتفاق والتميز:

حاول النقاد الذين يعتمدون على أسلوب النقد الأدبى فقط إيجاد حلول تبرر الاتفاق والتميز فى الأناجيل الثلاثة الأولى، وتبعهم فى ذلك كثيرون من العلماء ودارسى الكتاب المقدس، وافترضوا حلولاً ونظريات لا حصر لها ويصعب تجميعها فى مجرد كتاب واحد، وهى ترهق العقل والذهن وتبعد عن الحق الإنجيلى، وقد بدأ العلماء والنقاد أنفسهم يتخلون عنها فى السنوات الأخيرة والرجوع إلى التسليم الرسولى والاهتمام بدراسته بجدية اكثر باعتباره الأساس الذى برهنت الدراسات الحديثة على مصداقيته.

وفيما يلى نقدم أهم ما افترضوه واجمع عليه عدد كبير:

 

1- افتراض الاستخدام المتبادل:

والذى يفترض اعتماد الأناجيل الثلاثة على بعضها البعض، أى أحد الأناجيل كان هو المصدر للآخرين. وما بيناه فى الدراسات السابقة لا يتفق مع هذا الافتراض ولم يعد يدافع عنه الكثيرون الآن.

 

2- افتراض الجزيئيات:

والذى يقول أن تلاميذ المسيح سجلوا كلمات السيد المسيح فى ملحوظات أو مذكرات صغيرة، جمع فيها أحدهم مجموعة من المعجزات، وجمع آخر الأقوال، وجمع ثالث روايات الآلام، وهكذا. ويؤيد هذا الافتراض ما جاء فى مقدمة الإنجيل للقديس لوقا. وعندما دون الإنجيل استخدمت هذه المجموعات. وقد اعترض البعض على هذا الافتراض على أساس انه لا أثر لهذه المجموعات إلى جانب أن الأناجيل الثلاثة اتفقت فى تتابع الأحداث وليس فى المفردات فقط.

 

3- افتراض التقليد الشفوى:

والذى يؤكد أن التعليم الرسولى شكل نفسه فى تقاليد شفوية، شكلت الإنجيل الشفوى بصورة جوهرية، هذا الإنجيل الشفوى حفظ فى اللغة الآرامية الأصلية ومع احتياج الأمم ترجم إلى اليونانية، وكان هذا التقليد الشفوى سواء فى صورته الآرامية أو ترجمته اليونانية هو المصدر الرئيسى عند تدوين الإنجيل، وما تميز به كل واحد من كتاب الإنجيل راجع لميله الخاص وطبيعة من كتب إليهم. ويدافع العلامة وستكوت (1851م) عن هذا الافتراض هكذا:

سلم اليهود تقاليدهم فى صورة شفوية غير مكتوبة وقد تبعتهم الكنيسة فى ذلك واستمد التسليم الرسولى ينقل شفوياً حوالى 20 سنة.

كانت الدائرة الرسولية مكونة بالدرجة الأولى من معلمين وليس كُتاب، كما أن عمل الكرازة استغرق الرسل برغم أنهم كانوا مؤهلين للتدوين كيهود سابقين كانوا يعرفون القراءة والكتابة، وكان غالبيتهم يتكلمون اليونانية وكان الروح القدس يعمل فيهم وبهم. ومن ثم فقد اتخذ الإنجيل شكله وتقرر فقط بخبرة التعليم.

ولأن الأناجيل كُتبت بسبب حاجة الجماعات المسيحية إليها، فقد تم التركيز على الأعمال والأقوال التى كانت مستخدمة بصورة شبة متكررة فى التعليم الرسولى. وهذا ما يبرهن عليه التركيز بالدرجة الأولى على أحداث الآلام والصلب والقيامة، كما يبرهن عليه كرازة الرسل المدونة فى سفر أعمال الرسل وما جاء فى رسائل العهد القديم.

ويبرهن الإنجيل للقديس مرقس ببساطته الشديدة وتركيزه على أحداث الآلام والصلب والقيامة التى تشكل ثلث ما دون فيه من أعمال وأقوال، على أنه كان ممثلاً مباشراً لهذا التقليد الإنجيلى، الذى كان الأساس المشترك. ويرى وستكوت أن ما دونه كل من القديس متى والقديس لوقا يمثل النموذجين الآرامى واليونانى، إذ احتفظ القديس متى بالشكل العبرى للتقليد وقدم القديس لوقا الشكل اليونانى. ويرى أنت الإنجيل الشفوى الأصل حفظ فى الآرامية واليونانية.

ويعترض البعض على هذا الافتراض بأن الأحداث مدونة بصورة متتابعة وبترتيب دقيق إلى جانب وجود كلمات دقيقة حفظت شفوياً فى أشكالها التى دونت فى الإنجيل، وهناك حقيقة هامة هى أن كل من القديس متى والقديس لوقا اتبعوا نفس ترتيب القديس مرقس وعندما يبتعدان عنه فدائماً يعودا إليه، وهذا يبرهن على أنهم استخدموا وثائق مكتوبة أكثر منها شفوية. وذلك إلى جانب وجود الأعمال والأقوال التى اتفق فيها كل من القديس متى والقديس لوقا ولا توجد فى الإنجيل للقديس مرقس.

 

4- افتراض الوثائق المكتوبة:

والذى يقول باعتماد كل من القديس متى والقديس لوقا عند التدوين على مصدرين مكتوبين هما الإنجيل للقديس مرقس، ثم المصدر المشترك بينهما والذى يُقصد به العمال والأقوال التى اتفق فيها واشترك فى تدوينها كل من القديس متى والقديس لوقا والتى ذكرناها بالتفصيل فى هذا الفصل تحت عنوان "ما يتفق فيه القديس متى والقديس لوقا"، وقد رمز له بالحرف Q من كلمة (Quell) الألمانية والتى تعنى مصدر. ولكن وجود أقوال وأعمال خاصة بالقديس متى وحده ولم تدون فى الإنجيلين الآخرين، وكذلك بالنسبة للقديس لوقا أدى إلى ظهور افتراض المصادر الأربعة.

 

5- افتراض المصادر الأربعة:

والذى يقول باعتماد كل من القديس متى والقديس لوقا على أربعة مصادر هى: الإنجيل للقديس مرقس، والمصدر Q الذى يمثل ما اشتركا فى تدوينه وحدهما ثم اعتماد كل منهما على مصدر خاص به وحده هو ما تميز بتدوينه كل واحد منهم وحده، رمز له بحرف M بالنسبة لما دون فى الإنجيل للقديس لوقا وحده. والرسم التالى يوضح هذا الافتراض:

ولكن عدم استخدام القديس لوقا لقسم كبير من الإنجيل للقديس مرقس (مر 45: 4، 26: 8) يدل على أنه لم يرى هذا الإنجيل ولم يعتمد عليه، وكذلك القديس متى الذى لم يدون كل ما جاء فى الإنجيل للقديس مرقس.

 

6- حقائق يجب أن توضع فى الاعتبار:

هناك عدة حقائق يجب أن نضعها فى الاعتبار عند دراسة ما اتفق فيه الإنجيليين الثلاثة وما تميز به كل واحد منهم:

1- إن جميع كُتاب ومدونى الأناجيل الأربعة وبقية أسفار العهد الجديد هم من تلاميذ المسيح، شهود العيان، الذين دونوا وكتبوا ما عاشوه بأنفسهم وما سمعوه بآذانهم وما شاهدوه بأعينهم وما لمسته أيديهم، فيما عدا القديس لوقا الذى كان تلميذ ومساعد القديس بولس والذى تقابل مع معظم الرسل ومع مريم العذراء ودون الإنجيل الثالث بعد أن تسلم من شهود العيان الذى عاش معهم واستمع إليهم وتتبع كل شئ من أصوله بالتدقيق.

وقد كان كُتاب الإنجيل مؤهلين لتدوين الإنجيل كيهود سابقين يعرفون القراءة والكتابة وقد تمرسوا على ذلك وصقلتهم التجربة حيث دونوا الإنجيل بعد أكثر من عشرين سنة من حلول الروح القدس وبدء الكرازة. وكانوا جميعاً يجيدون اليونانية كما برهنا على ذلك. أما ما جاء عنهم فى سفر الأعمال، خاصة بطرس ويوحنا، "انهما إنسانان عديما العلم وعاميان" (أع 13: 4)، فالمقصود به انهما لم يكونا من طبقة رجال الدين اليهود، الكهنة والكتبة والفريسيين، بل من عامة الشعب، ومع ذلك فالآية نفسها تبرهن على عكس ما يظنه البعض إذ تقول "فلما رأوا مجاهرة بطرس ويوحنا ووجدوا أنهما إنسانان عاميان وعديما العلم تعجبوا. فعرفوهما أنهما كانا مع يسوع".

2- ويجب أن نضع فى الاعتبار أن الفترة التى سُلم فيها التسليم الرسولى شفاهة والتى استمرت أكثر من عشرين سنة حتى بُدئ فى تدوين الإنجيل كان يقودها الرسل، تلاميذ المسيح، شهود العيان الذين سلموا الإنجيل شفاهة بأنفسهم وكان معظمهم أحياء، وهم الذين دونوا الإنجيل بأنفسهم ولم يدونه أحد غيرهم باستثناء القديس لوقا تلميذهم ومساعدهم. وسواء استعان هؤلاء الرسل بالتسليم الشفوى أو المكتوب فقد كانوا قادرين كشهود عيان على تدوين كل كلمة خرجت من فم السيد المسيح الإلهى كما خرجت وكما سمعوها وأن يصفوا الأحداث والأعمال كما عاشوها بأنفسهم ورأوها بأعينهم.

ويجب أن نضع فى الاعتبار، كما بينا فى بداية هذا الفصل، الطرق التى كانت فى التعليم الشفوى وأساليب الحفظ وتقوية الذاكرة والتى كانت سائدة بينهم،كما بينت الدراسات.

كما يجب أن نضع فى الاعتبار أيضا وجود المذكرات والملحوظات أو الوثائق المكتوبة التى أشار إليها القديس لوقا فى افتتاحية الإنجيل الثالث "لأن كثيراً من الناس أخذوا يدونون رواية الأحداث التى جرت بيننا، كما نقلها (سلمها) إلينا الذين كانوا من البدء شهود عيان للكلمة"، وهذا ما برهنت عليه الدراسات أيضا. ولا يجب أن ننسى أبداً أن كتاب الإنجيل سواء فى اعتمادهم على ما رسخ فى التقليد الشفوى أو فى اعتمادهم على الوثائق المكتوبة، فقد كانوا فى كل الأحوال هم شهود العيان الذين دونوا ما سمعوه بآذانهم وما شاهدوه بأعينهم وما عاشوه بأنفسهم.

3- وهناك اعتبار هام للغاية ويجب أن يوضع فوق كل اعتبار وهو أن التلاميذ عامة والإنجيليين خاصة كانوا يؤمنون أن المسيح هو كلمة الله النازل من السماء وكلامه هو كلام الله، ولم يكن إيمانهم مبنى على مجرد السمع من الآخرين، أو أن إيمانهم قد نقل إليهم من الآباء بصورة تقليدية، وإنما كان إيمانهم مبنى على الواقع المحسوس فقد رأوا المسيح وسمعوه وعاشوا معه وعاينوا مجده، أو كما يقول القديس بطرس لأننا لم نتبع خرافات مُصنعة إذ عرفناكم بقوة ربنا يسوع ومجيئه بل قد كنا معاينين عظمته" (2بط 16: 1)، وبالتالى فقد كان كلامه مقدساً وله قيمة قدسية لا حد لها ولا يمكن للذاكرة أن تنساه لأنهم سمعوا كلامه من فمه الإلهى مباشرة. وكان إيمانهم محسوس أيضا فى ذواتهم فقد كان الرب يوحى إليهم ويقودهم ويعمل آيات وقوات ومعجزات على أيديهم وبواسطتهم.

4- والحقيقة الرابعة هى عمل الروح القدس سواء فى الكرازة أو التدوين، هذه الحقيقة التى يجب أن لا يغفلها أحد أبداً عند مناقشة تدوين الإنجيل ومناقشة الاتفاق والتميز فى الأناجيل الثلاثة الأولى. وقد كان وعد السيد واضحاً فى أن الروح القدس سيقود الرسل ويرشدهم ويعلمهم ويذكرهم بكل ما قاله لهم سواء فى التسليم الرسولى أو عند تدوين الإنجيل المكتوب، وقد كان الرسل تحت قيادة وسيطرة الروح القدس فى الكرازة وكانوا كذلك عند تدوين الإنجيل، وفى كل الأحوال فقد كانوا هم رجال الروح القدس وحفظة الإنجيل الشفوى وحفظة الإنجيل المكتوب أيضا، ولا يمكن أبداً أن نصف الحالة الروحية والنفسية التى كان عليها هؤلاء الرسل الذين حل الروح القدس عليهم وسكن فيهم وتكلم على لسانهم، كما يقول دواد النبى "روح الرب تكلم بي وكلمته على لسانى" (2صم 2: 23)، وكما يقول بولس الرسول أننا، الرسل، لم نتكلم "بأقوال تعلمها حكمة إنسانية بل بما يعلمه الروح القدس" (1بط 12: 1). ولذا فيمكن للنقاد والعلماء أن يلقوا الضوء على الظروف والأحوال التاريخية ولكن لا يمكن لهم أبداً أن يدركوا الحالة الروحية التى كان عليها الرسل ولا أن يدركوا مغزاها. فقد ساعد الروح القدس الرسل على تذكر كل ما قاله وعمله السيد المسيح كما قادهم وأرشدهم وأوحى لهم سواء فى الكرازة والتسليم الرسولى أو عند تدوين الإنجيل أو عند كتابة الرسائل وبقية أسفار العهد الجديد، وقد أعانهم على الاختيار من الكم الهائل من الأعمال والأقوال التى عملها وعلمها السيد سواء مما حفظوه شفوياً أو مما سبق وسجلوه فى مذكرات أو ملحوظات صغيرة. وبرغم إسهام الإنجيليين الشخصى وميلهم الروحى واللاهوتى ونوعية الناس الذين كتب إليهم كل واحد منهم فقد كانوا خاضعين تماماً لتوجيه وقيادة وإرشاد ووحى الروح القدس، فقد تكلم ودون "أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس" (2بط 21: 1)، "كل الكتاب هو موحى به من الله" (2تى 16: 3).

5- والحقيقة الخامسة هى أن ما دون وسجل وكتب فى الإنجيل (كل أسفار العهد الجديد) هو ما عمله وعلمه السيد المسيح، الإله المتجسد، كلمة الله النازل من السماء، وبالتالى فكلامه هو كلام الله وعمله هو عمل الله، وهو فى ذاته شخص فريد وحياته فريدة وأعماله فريدة وأقواله فريدة وعلى نفس المقياس فإنجيله فريد، لأنه يخص شخص فريد، ولا مثيل له بين الأدب عامة وبين الأدب اليهودى والأدب اليونانى خاصة، ولا يمكن أن يخضع لمقاييسهم وأسلوب نقدهم بالمرة، المسيح آتى من فوق، وكما يقول يوحنا المعمدان "الذى يأتي من فوق هو فوق الجميع. والذى من الأرض هو أرضى ومن الأرض يتكلم. الذى يأتي من السماء هو فوق الجميع" (يو 31: 3). وإنجيله أيضا فوق الجميع، فكما أنه هو فريد ومن فوق لذا فسجلات حياته وأقواله وأعماله فريدة وفوق الجميع ولا يمكن مساواتها بالأدب البشرى الأرضى.

6- الحقيقة السادسة التى لا يجب أن تغيب عن بالنا أبداً هى أن الإنجيل المكتوب بأوجهه الأربعة قد قبلت بعد تدوينها مباشرة، منذ اللحظة الأولى وانتشرت فى كل الكنائس باعتبارها سجلات حياة وأقوال وأعمال السيد المسيح، والتى كان المؤمنون يحفظون محتواها شفوياً، وباعتبارها أيضا كلمة الله الموحى بها وقد دونها وكتبها رجال الروح القدس، رجال الله القديسون بوحى الروح القدس. وقد قبلوها واستلموها من أيدى كتابها الرسل الإنجيليين مباشرة، ولم يشكوا لحظة واحدة فى وحيها أو فى مصداقيتها، فقد حفظوها شفوياً وتسلموها شفوياً من رسل المسيح ثم استلموها مكتوبة أيضا من نفس رسل المسيح الذين كانوا فى وسطهم وعاشوا بينهم وشاهدوا المعجزات التى صنعها الله على أيديهم، وكان من المستحيل ألا يصدقوهم. ولذا فقد قبلت الأناجيل فور تدوينها ونشرها من أيدى الرسل شهود العيان الموحى إليهم، رجال المسيح ابن الله ورجال الروح القدس الذين قدسهم وحفظهم الآب. وكانوا بحق "رجال الله القديسون".

 

---

 

(1) تسمى الأناجيل الثلاثة الأولى أو المتماثلة من كلمة Synoptic والتى تعنى فى أصلها اليونانى “Syn” أى "معاً" و “Opsis” أى "وجهة نظر" أى "وجهة نظر مشتركة" لحياة وأعمال وتعليم السيد المسيح فى الأناجيل الثلاثة الأولى.

(2) يو 25: 21.

(3) أع 22: 1.

(4) أع 1: 1،2.

(5) ركز القديس لوقا على نسب السيد المسيح من جهة أمه مريم العذراء ووراثته لعرش من جهة هالى والد العذراء باعتباره حفيده الأكبر ووريثه فقد كان من المعتاد فى العهد القديم أن يلقب الحفيد بالابن (قارن على سبيل المثال 1 أخ 1: 8،3 مع تك 21: 46؛ عزرا 1: 5؛ 14: 6 مع زك 1: 1،7). وأنظر كتابنا "الكتاب المقدس هل هو كلمة الله" ص92.

(6) تك 15: 3؛ رؤ 9: 12.

(7) متى 1: 3-12؛ مر 1: 1-8؛ لو 1: 3-8

(8) يو 29: 1-36

(9) يو 5: 6-13؛ متى 13: 14-21؛ مر 32: 6-44؛ لو 1: 9-17

(10) يو 18: 6-21؛ متى 24: 14-27؛ مر 47: 6-50

(11) يو 1: 13-30

(12) يو 31: 13، 33: 16

(13) يو 17

(14) يو 4: 18-6

(15) يو 19: 18-24

(16) يو 31: 18

(17) يو 33: 18-38

(18) يو 38: 18-40؛ 1: 19-15

(19) يو 23: 19-24

(20) يو 20: 19-22

(21) يو 25: 19-27

(22) يو 31: 19-37

(23) يو 1: 20-10

(24) يو 11: 20-18

(25) يو 24: 20-29

(26) يو 21

(27) أنظر متى 13: 3-17؛ 1: 4-11؛ مر 9: 1-13؛ لو 21: 3-23؛ 1: 4-13

(28) مت 12: 4، 35: 18؛ مر 14: 1، 50: 9؛ لو 14: 4، 50: 19

(29)

(30) لو 51: 9، 14: 18

(31) متى 1: 19، 34: 20؛ مر 1: 10-52؛ لو 15: 18، 28: 19

(32) متى 21-25؛ مر 11-13؛ لو 29: 19، 38: 21

(33) يو 12: 12-19

(34)

(35) متى 26-28؛ مر 14-16؛ لو 22-24؛ يو 21،22

(36) متى 1: 8-3؛ مر 40: 1-42؛ لو 12: 5-15

(37) متى 23: 21-25؛ مر 27: 11-29؛ لو 1: 20-3

(38) متى 4: 4-6، 15-17؛ مر 5: 13-7، 14-17؛ لو 8: 21-10، 20-22

الفصل التاسع

وحى الإنجيل وقانونيته

 

أولاً: وحى الإنجيل:

كان للكنيسة الأولى فى مهدها الباكر وفى سنواتها الأولى بعد القيامة وحلول الروح القدس أربعة مصادر للتعليم والسلطان الكنسى، وهى، كما بينا فى الفصول السابقة، شخص وعمل وتعليم الرب القائم من الأموات، وعمل الروح القدس وقيادته للرسل وإرشاده وتوجيهه للكنيسة، وأسفار العهد القديم، خاصة ما جاء بها من نبؤات عن شخص الرب وأعماله وتعليمه والتى شرح معناها وفسرها الرب نفسه لتلاميذه ورسله، ثم شهادة الرسل، شهود العيان، وحملهم للإنجيل إلى كل البشرية فى العالم أجمع.

كان الرسل هم رجال الله الذين حملوا الإنجيل، الأخبار السارة، إلى كل المسكونة وكان الرب يقودهم ويرشدهم ويعلمهم بروحه القدوس. وكان الروح القدس يعمل فيهم وبهم ويتكلم على لسانهم ويحثهم على الكرازة ويشهد للمسيح من خلالهم "ومتى جاء المعزى الذى سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذى من عند الآب ينبثق فهو يشهد لى. وتشهدون أنتم أيضا لأنكم معى من الابتداء(1)". وكان الرسل واعين تماما ومدركين بصورة ملموسة ومحسوسة لعمل الروح القدس فيهم فقد أنسكب عليهم بصورة مرئية "وصار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين. وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم. وامتلأ الجميع من الروح القدس وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا(2)". وكانوا يحسون ويلمسون وجوده فيهم أيضا من خلال الأعمال والمعجزات التى كان يعملها على أيديهم، بل وكانوا يدركون عمله فيهم وكلامه على لسانهم بصورة تفوق الوصف، وكانوا يعلمون جيداً أن كفايتهم فى الكرازة ليست من أنفسهم بل من الروح الساكن فيهم "ليس أننا كفاه من أنفسنا أن نفتكر شيئاً كأنه من أنفسنا بل كفايتنا من الله الذى جعلنا كفاه لأن نكون خدام عهد جديد لا الحرف بل الروح(3)". كانوا مدركين وواثقين من عمل الروح القدس فيهم وبهم وأنهم كانوا يتكلمون به ويتكلم هو على لسانهم، يقول القديس بطرس الرسول فى ذلك "الأمور التى أخبرتم بها انتم الآن بواسطة الذين بشروكم فى الروح القدس المرسل من السماء(4)". كما لم تكن كرازتهم فقط بكلام حفظوه "لا بحكمة كلام(5)"بل بعمل وقوة ومواهب الروح القدس، بما يعلمه الروح القدس ذاته؟ "وكلامى وكرازتى لم يكونا بكلام الحكمة (الإنسانية) المقنع بل ببرهان الروح والقوة لكى لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله(6)"، "ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذى من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله التى نتكلم بها أيضا لا بأقوال تعلمها حكمة إنسانية بل بما يعلمه الروح القدس(7)".

وكان السيد المسيح قد وعد تلاميذه بأنه سيتكلم على لسانهم بالروح القدس:

"فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون. لأنكم تُعطون فى تلك الساعة ما تتكلمون به. لأنكم لست أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذى يتكلم فيكم(8)"، "لأن الروح القدس يعلمكم فى تلك الساعة ما يجب أن تقولوه(9)"، "لأنى أنا أعطيكم فماً وحكمة لا يقدر جميع معانديكم أن يقاوموها أو يناقضوها(10)

وكشف لهم ما سيعمله الروح القدس فيهم وبهم ومن خلالهم، وما سيقوله بأفواههم وعلى لسانهم وكيفية وجوده فيهم ومعهم:

"يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلتهُ لكم(11)

"فهو يشهد لى(12)" و "يرشدكم إلى جميع الحق(13)

"وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم(14)".

كان الرب القائم من الأموات هو المصدر الأول والرئيسى والإلهام المباشر للكنيسة وكانت حياته وأقواله وأعماله أساس وجوهر ومحور وبؤرة ولب الكرازة. وما تنبأ به عنه أنبياء العهد القديم كان البرهان، بالنسبة لليهود، على حقيقة كونه المسيح ابن الله النازل من السماء والآتى إلى العالم، والبرهان بالنسبة للأمم على أن مجيئه كان مقرراً ومحتوماً منذ الأزل وقد أعلن للأنبياء السابقين له بمئات السنين، وكان الروح القدس يقود الكنيسة بواسطة الرسل، وكان الرسل واعين ومدركين وواثقين أن ما يتكلمون به هو كلام الله، كلام الرب، المعطى لهم بالروح القدس، والذى حفظوه بالروح القدس وتكلموا به فى الروح القدس، "فأوصيهم لا أنا بل الرب ... فأقول لهم أنا بل الرب(15)"، "هكذا أمر الرب(16)"، "لأننى تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضا(17)"، "فأننا نقول لكم هذا بكلمة الرب(18)".

تكلم الرسل بكلام الرب وقادهم الروح القدس فى كرازتهم وأرشدهم ووجههم وذكرهم وأوحى لهم، وعندما كتبوا الرسائل، كتبوها بالروح القدس الذى أوحى لهم بكتابة كل ما جاء فيها، وعندما كتبوا الإنجيل بأوجهه الأربعة ودونوا وسجلوا فيه حياة وأعمال وتعليم المسيح، فقد كتبوه مسوقين من الروح القدس "تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس(19)" فكما عمل معهم فى الكرازة عمل معهم أيضا فى كتابة الإنجيل.

وكلمة "مسوقين" هنا تعنى حرفياً "محمولين" أى أن الروح القدس قادهم وحملهم أثناء الكتابة والتدوين ووجههم لاختيار أحداث وأعمال وأقوال معينة لتدوينها وعلمهم وأرشدهم وذكرهم وحفظهم وعصمهم من الخطأ والزلل، ولذا يقول الرسول بالوحى "كل الكتاب هو موحى به من الله(20)"، وعبارة "موحى به من الله" فى اليونانية "ثيؤبنوستوس Theo pneustos" وتعنى حرفياً "تنفس الله"، "نفس الله"، "الله تنفس". وإن كانت هذه الآية تنطبق على أسفار العهد القديم، فهى تنطبق بالدرجة الأولى على كل أسفار العهد الجديد.

أولاً: لأن الرسل كرزوا بالروح القدس الذى عمل بهم وفيهم ومن خلالهم وبالتالى قادهم للكتابة والتدوين وحملهم وقادهم وأوحى لهم عند كتابة كل إنجيل وسفر ورسالة؟

وثانياً: لأن الإنجيلين سجلوا ودونوا وكتبوا ما سبق أن قاله وعمله وعلمه وأمر به الرب نفسه والذى شاهدوه بأعينهم وسمعوه بآذانهم ولمسوه بأيديهم وعاشوه بأنفسهم وحفظوه بقلوبهم وفى ذاكرتهم وحافظوا عليه بأرواحهم، بل وكان الرب نفسه معهم حسب وعده "وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر"، يعمل بهم بروحه القدوس.

كان الرسل والإنجيليون على ثقة تامة وبشكل محسوس وملموس أنهم يكرزون بالروح القدس ويكتبون وهو مسوقين من الروح القدس، وكما أعلنوا وكرزوا بالروح القدس، فقد صرحوا أيضا بأن ما كتبوه هو بالروح القدس، كتبوه "مسوقين بالروح القدس"، تكلم المسيح فيهم "المسيح المتكلم فىّ(21)".

وقد ساوى الرسل بين ما جاء فى أسفار العهد القديم وآمنوا أنه كلام الله الموحى به وبين ما عمله وعلمه السيد المسيح باعتباره أعمال الله وتعليم الله المتجسد وكانوا واثقين من ذلك بصورة مطلقة، وما شهدوا به هم أنفسهم ودونوه فى أسفار باعتباره كلام وعمل الله الذى حفظوه ووحى الروح القدس الساكن فيهم، "لتذكروا الأقوال التى قالها سابقاً الأنبياء القديسون ووصيتنا نحن الرسل ووصية الرب(22)". وشهدوا لكل ما دونوه بالروح القدس فى كتب (أسفار) معلنين أنه كلام الله الذى استلموه من السيد المسيح مباشرة، سواء قبل الصلب والقيامة أو بعد ذلك، سواء ما علمه لهم وهو على الأرض بالجسد أو بعد صعوده إلى السماء بروحه القدوس، وقد كتبوه مسوقين بالروح القدس، فهو كلام الله ووحى الروح القدس. ومن ثم يشهد القديس بطرس لما كتبه القديس بولس بالروح قائلاً "كما كتب إليكم أخونا الحبيب بولس أيضا بحسب الحكمة المعطاة له كما فى الرسائل كلها متكلماً فيها عن هذه الأمور(23)". ويقتبس القديس بولس عن سفر التثنية من العهد القديم ومن الإنجيل للقديس لوقا مؤكداً بالروح القدس أن كليهما يضمان كلام الله الموحى به وان كليهما سفران مقدسان، "لأن الكتاب (المقدس Scrripture) يقول: لا تكم ثوراً (تث 4: 25). والفاعل مستحق أجرته (لو 7: 10)(24)". وعبارة الكتاب يقول "تعنى، الكتاب المقدس، واقتباسه من الإنجيل للقديس لوقا يؤكد حقيقتين، الأولى هى أن هذا الإنجيل كان قد كتب، والثانية هى أنه كان مستخدماً ومعروفاً فى الكنيسة ككتاب مقدس وكلمة الله. ويؤكد لنا قول القديس بولس بالروح: "تمسكوا بالتعاليم التى تعلمتموها سواء بالكلام أو برسالتنا(25)"، "إن كان أحد لا يطيع كلامنا (تعليمنا) بالرسالة فلاحظوا هذا ولا تخالطوه لكى يخجل(26)"، إنه، فى حياة الرسل، كانت هناك مساواة كاملة بين كلمة الله المسلمة شفوياً والمكتوبة فى أسفار. ويؤكد القديس يوحنا أن كل ما كتبه ودونه سواء فى الإنجيل أو الرسائل أو سفر الرؤيا هو تعليم وعمل السيد المسيح، كلمة الله، وإعلانه الذى أعطاه من السماء وأوحى به بالروح القدس لكى ينال من يؤمن به الحياة الأبدية:

"وأما هذه (آيات ونصوص الإنجيل للقديس يوحنا) فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله ولكى تكون لكم إذا آمنتم حياة بأسمه(27)"، "الذى رأيناه وسمعناه نخبركم به ... ونكتب إليكم هذه (رسالته الأولى) لكى يكون فرحكم كاملاً(28)"، "كتبت هذا إليكم أنتم المؤمنين باسم ابن الله لكى تعلموا أن لكم حياة أبدية ولكى تؤمنوا باسم ابن الله(28)".

"إعلان يسوع المسيح الذى أعطاه إياه ليرى عبيده ما لابد أن يكون عن قريب وبينه مرسلاً بيد ملاكه لعبده يوحنا الذى شهد بكلمة الله بشهادة يسوع المسيح بكل ما رآه. طوبى للذى يقرأ وللذين يسمعون أقوال النبوة ويحفظون ما هو مكتوب فيها(30)".

وهذا ما يؤكد القديس بطرس أيضا بقوله بالوحى "كتبت إليكم بكلمات قليلة واعظاً وشاهداً أن هذه هى نعمة الله الحقيقية التى فيها تقومون(31)".

ويبدأ الإنجيل للقديس متى بالتأكيد أنه يدون الإنجيل الذى هو حياة وأعمال وتعليم السيد المسيح، كلمة الله "كتاب ميلاد يسوع المسيح(32)"، وكذلك القديس مرقس الذى يبدأ بالقول "بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله(33)"، كلاهما يؤكدان بهاتين العبارتين أنهما دونا كلمة الله الموحى بها ليقرأهما المؤمنون فى كل مكان وزمان.

وهذا ما أكده القديس لوقا أيضا بقوله "الكلام الأول أنشأته (دونته) ياثاوفيلس عن جميع ما ابتدأ يسوع يفعله ويعلم به إلى اليوم الذى ارتفع فيه بعدما أوصى بالروح القدس الرسل الذين أختارهم(34)".

ثانياً: قانونية الإنجيل (الأناجيل الأربعة وكل أسفار العهد الجديد):

كلمة قانون هو كلمة يونانية (Kanon) استخدمت فى العصور الأولى للمسيحية للتعبير عن الأسفار الموحى بها سواء فى العهد القديم أو العهد الجديد وللتميز بينها، كأسفار موحى بها وكلمة الله، وبين بقية الكتب الدينية الأخرى غير الموحى بها. وفى دراستنا هذه تعنى بالتحديد قبول الكنيسة لكل سفر من أسفار العهد الجديد، على حدة، باعتباره كلمة، كلام الله الموحى به، وتأكيد صحة نسبة إلى كاتبه، أحد شهود العيان، واعتراف الكنيسة به فور تدوينه ونشره.

وكما بينا، أعلاه، فقد قبلت الكنيسة منذ البدء ما دونه الرسل شهود العيان بالروح القدس فور تدوينه ونشره مباشرة بفرح وبهجة وتهليل. وهذا القبول الفورى كانت له أسبابه ومبرراته التى لا يمكن أن تنكر على الإطلاق؟

أولاً: لأن الكنيسة، كانت قد تسلمت الإنجيل شفاهة وقبل أن يدون بأكثر من عشرين سنة وكانت تحفظ كل كلمة فيه عن ظهر قلب وتحافظ عليه بروحها.

ثانياً: ولأن الذين سلموا الإنجيل الشفوى، الرسل شهود العيان، هم نفس الذين دونوا الإنجيل وكتبوه بالروح القدس، وهم أيضا الذين سلموه لها مكتوباً.

ثالثاً: كما أن أعضاء الكنيسة الذين استلموا من الرسل الإنجيل الشفوى هم الذين طلبوا من الرسل أن يدونوا لهم ما سبق أن سلموه لهم شفاهة، ومن ثم دون الإنجيل بالروح القدس أمامهم وبمعرفتهم فقبلوه بفرح وتهليل وحافظوا عليه بأرواحهم.

وكان الإنجيل (كل أسفار العهد الجديد) يقرأ فور تدوينه ونشره فى الكنائس فى اجتماعات العبادة والتعليم، ككلمة الله ونعمته الحقيقية التى يقومون فيها، كما يقول بطرس الرسول بالروح، وكإعلان الله وشهادة يسوع المسيح والذى يقود الإيمان به بكلامه، بكلام الله، إلى الحياة الأبدية، كما يقول الإنجيلى والرسول، وكإنجيل ابن الله والبشارة الأبدية للخلاص، وكتاب ميلاد وحياة وأعمال وتعليم يسوع المسيح كما يعلن الإنجيليون الثلاثة القديسون مرقس ومتى ولوقا و"الإيمان المسلم مرة للقديسين(35)"، كما يقول يهوذا الرسول (أخو يعقوب)(36)، ووصية الرب وإعلان يسوع المسيح وإنجيله الذى هو أساس ومصدر الإيمان المسيحى "كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذى فى الرب لكى يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح(37)"، كما يقول بالروح بولس الرسول والذى يقول لتلميذه تيموثاؤس "أعكف على القراءة والوعظ والتعليم(38)". كان كل سفر يقرأ فى الكنائس واجتماعات العبادة فى الكنيسة التى كتب لها أولاً ثم تنسخ منه نسخ وترسل إلى الكنائس المجاورة، حيث كانت تتركز الكنائس المسيحية بكثافة فى آسيا الصغرى وفلسطين وسوريا والإسكندرية وما حولها وشمال أفريقيا واليونان وروما، وكانت كل كنيسة تحتفظ بالسفر أو الرسالة التى كتب لها أصلاً وتحتفظ بنسخ من الأسفار التى كتبت وأُرسلت للكنائس الأخرى، يقول القديس بولس الرسول لأهل تسالونيكى:

"أناشدكم بالرب أن تقرأ هذه الرسالة على جميع الأخوة القديسين(39)

ويقول لأهل كولوسى:

"ومتى قُرئت عندكم هذه الرسالة فاجعلوها تقرأ أيضا فى كنيسة اللاودكيين والتى من لادوكية تقرأونها أنتم أيضا(40)".

ونظراً لأن معظم رسائل بولس كانت هى أول ما كتب من أسفار العهد الجديد فقد كانت هى الأكثر انتشاراً فى الكنيسة وكان يوجد منها مجموعات كبيرة فى الكنائس كثيرة، وهذا ما يؤكده القديس بطرس سنة 64م بقوله "كما كتب إليكم أخونا الحبيب بولس ... كما فى الرسائل كلها". ثم جمعت الأناجيل الأربعة فى بداية القرن الثانى معاً، وجمعت أيضا الرسائل الجامعة التى للقديسين ويعقوب وبطرس ويوحنا ويهوذا مع سفر الأعمال فى مجموعة واحدة.

ويؤكد سفر الرؤيا، الذى رآه القديس يوحنا الإنجيلى بالروح ودونه أيضا بالروح القدس، على حقيقة انتشار وثبات عادة قراءة الإنجيل فى الكنائس، ويؤكد الوحى الإلهى أن سفر الرؤيا نفسه قد أعطى بالروح القدس وكتب أصلاً للقراءة العامة: "طوبى للذى يقرأ وللذين يسمعون أقوال النبوة ويحفظون ما هو مكتوب فيها لأن الوقت قريب(41)". ويتكرر فى السفر عبارة "من له أذن للسمع فليسمع ما يقوله الروح للكنائس(42)"، فى ختام الرؤيا يؤكد الروح أيضا أن الرؤيا قد أعطيت لتكتب وتقرأ ويحذر من الإضافة والحذف إلى كلمة الله: "لأنى أشهد لمن يسمع أقوال نبؤة هذا الكتاب عن كان أحد يزيد على هذا يزيد الله عليه الضربات المكتوبة فى هذا الكتاب. وإن كان أحد يحذف من أقوال كتاب هذه النبؤة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة ومن المدينة المقدسة ومن المكتوب فى هذا الكتاب(43)". والوحى الإلهى يؤكد هنا بصورة مطلقة على قداسة كلمة الله فى هذا السفر، سفر الرؤيا، وبالتالى فى كل أسفار العهد الجديد (الإنجيل)، فقد كتبت جميعها بوحى الروح القدس ويحذر من تسول له نفسه أن يضيف على كلمة الله أو يحذف منها بالهلاك الأبدى.

وقد انتشرت كل أسفار العهد الجديد (الإنجيل) فى كل البلاد التى انتشرت فيها الكرازة المسيحية، خاصة مدن أسيا الصغرى وفلسطين وسوريا ومصر وقبرص واليونان وروما، كما وصل الإنجيل للقديس متى إلى الهند فى حياة الرسل على يد القديس توما، كما وصلت الأسفار إلى شمال أفريقيا وانتشرت فيها بكثافة وسرعة فى حياة الرسل أيضاً، وذلك لاحتياج الكنائس فى هذه البلاد إليها ولسهولة المواصلات فى الإمبراطورية الرومانية التى امتدت على شواطئ البحر المتوسط فى آسيا وأفريقيا وأوربا. كما أن الإنجيل بأوجهه الأربعة دون وكتب فى بلاد متعددة وانتشر منها إلى البلاد المحيطة حتى وصل إلى الهند على يد القديس توما، وانتشر الإنجيل للقديس مرقس من روما والإسكندرية، وانتشر الإنجيل للقديس لوقا من إنطاكية واليونان، وانتشر الإنجيل للقديس يوحنا من أفسس بآسيا الصغرى وكان موجوداً ومنتشراً فى مصر بعد تدوينه ونشره بحوالى ثلاثين سنة، مما يدل على أنه وصل إلى مصر قبل ذلك بفترة، وكانت الأناجيل الثلاثة الأولى موجودة مع القديس يوحنا قبل تدوينه للإنجيل الرابع فأشار إلى ما جاء بها بصورة موجزة ودون الكثير من أقوال وأعمال السيد المسيح التى لم تدون فيها، وكان الإنجيل للقديس لوقا موجود مع القديس يوحنا قبل تدوينه للإنجيل الرابع فأشار إلى ما جاء بها بصورة موجزة ودون الكثير من أقوال وأعمال السيد المسيح التى لم تدون فيها، وكان الإنجيل للقديس لوقا موجود مع القديس بولس وأشار إلى وجوده مع القديس تيموثاؤس تلميذه وأقتبس منه (أنظر 1تى 18: 5 مع لو 7: 10) قبل سنة 65م، كما كانت رسالة القديس بطرس الثانية مع القديس يهوذا أخو يعقوب واقتبس منها (أنظر 2بط 2: 13 مع يه 17). وقد انتشر الإنجيل المكتوب أولاً على أيدى الرسل أنفسهم وفى حياتهم، وكان القديس يوحنا الذى عاش إلى نهاية القرن الأول شاهداً على ذلك.

 

1- شهادة الآباء الرسوليين لوحى وقانونية الإنجيل (95-120م):

الآباء الرسوليين هم تلاميذ الرسل ومساعديهم فى الخدمة وخلفاؤهم فى قيادة الكنيسة، وقد استلموا منهم الإنجيل الشفوى (التسليم الرسولى)، "الإيمان المسلم مرة للقديسين"، والإنجيل المكتوب، وبالتالى فقد كانوا شهوداً عياناً للرسل وانتشار الكرازة المسيحية والمشاركين فى تأسيس الكنيسة، وحملة الإنجيل فى حياة الرسل وبعد رحيلهم عن هذا العالم إلى كل المسكونة. هؤلاء الآباء القديسون، شهود الرسل، وشهود انتشار الإنجيل والكنيسة الأولى، كتبوا العديد من الرسائل والكتب والتى وصلنا جزء هام منها. هذه الكتابات وصلت إلينا سالمة وصحيحة، وقد درسها علما النقد النصى والنقد الأدبى وعلماء المخطوطات وعلماء الكتاب المقدس وبرهنوا على مصداقيتها وصحة مصداقية نسبها إليهم، حتى جعلوا منها مقياساً ومرجعاً يرجعون إليه للتأكد من صحة ومصداقية أسفار العهد الجديد وتاريخ كتابة كل سفر منها ومدى إيمانهم بوحيها وقانونيتها والنطاق التى انتشرت فيه واستخدام الكنائس فى البلاد المختلفة لها.

وترجع قيمة هؤلاء الآباء لكونهم شهود عيان للرسل ولأسفار العهد الجديد، بل ولكونهم هم من أوائل المؤمنين بالمسيحية وأول من حفظ الإنجيل الشفوى والإنجيل المكتوب، ولن كتاباتهم ترجع لنهاية القرن الأول وبداية القرن الثانى، أى بعد انتشار الإنجيل بفترة كافية ولأنهم اقتبسوا من العهد الجديد أكثر من 360 مرة فى كتاباتهم الباقية معنا(42).

وقد برهنت كتاباتهم الباقية على عدة حقائق جوهرية على رأسها:

إيمانهم المطلق بأن كلام المسيح هو كلام الله باعتباره كلمة الله المتجسد.

حفظهم التسليم الرسولى "الإنجيل الشفوى" ومحافظتهم عليه بكل ورع.

وجود كل أسفار العهد الجديد، الإنجيل المكتوب، مع جميعهم وإيمانهم المطلق بأنها كلمة الله ووحى الروح القدس.

إيمانهم الكامل بأن تلاميذ المسح ورسله، هم رجال الروح القدس وسفراء المسيح وأن تعاليمهم ووصاياهم هى تعاليم ووصايا المسيح التى سمعوها منه بأنفسهم والتى تكلم بها فيهم ومن خلالهم، وأوحى بها لهم بروحه القدوس الساكن فيهم.

وبالرغم من أن كل واحد منهم اقتبس واستشهد ببعض الأسفار دون الأخرى فهذا لا يدل على عدم وجود هذه الأسفار الأخرى معه لأنه لم يصلنا كل ما كتبوه فى مواضيع معينة استخدموا فيها آيات معينة.

 

1- القديس أكليمندس الرومانى (30-100م):

أسقف روما(43) وأحد مساعدى القديس بولس والذى قال عنه أنه جاهد معه فى نشر الإنجيل(44)وتعرف على الكثيرين من رسل المسيح واستمع إليهم، ويقول عنه إيريناؤس أسقف ليون أنه "رأى الرسل الطوباويين، وتحدث معهم وكانت كرازتهم لا تزال تدوى فى أذنيه وتقليدهم ماثل أمامه(45)".

هذا القديس أشار إلى الأناجيل الثلاثة الأولى واقتبس منها على أساس أنها أقوال المسيح، كلمة الله التى يجب أن تتبع وذلك فى رسالته إلى أهل كورنثوس:

"تذكروا أقوال الرب يسوع كيف قال " ويل لذلك الإنسان (الذى به تأتى العثرات) كان خيراً له أن لا يولد من أن يكون حجر عثرة أمام مختارى، كان خيراً أن يعلق (فى عنقه) حجر رحى ويغرق فى أعماق البحر من أن يعثر أحد مختارى(46)".

"لنذكر على وجه الخصوص أقوال الرب يسوع التى قالها عندما كان يعلم الوداعة وطول الأناة لأنه تكلم هكذا: ارحموا ترحمون. اغفروا يغفر لكم. وكما تفعلون يعطى لكم، وكما تدينون تدانون، وكما تعطفوا يظهر لكم العطف(47)".

وفى ف 8: 46 يقول "تذكروا ربنا يسوع القائل ..." ويقتبس أقوال السيد المسيح التى وردت فى متى 24: 26، لوقا 1: 17،2.

ويقتبس عن الرسالة إلى العبرانيين قوله "الذى هو بهاء مجده ... صار أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث أسماً أفضل منهم(48)".

وأقتبس فى ف 46 معظم ما جاء فى الفصل الأول من نفس الرسالة إلى العبرانيين. كما اقتبس من الأناجيل الكثير عن أحداث الميلاد وظهور النجم وأحداث الصلب.

وإلى جانب هذا فقد أشار إلى رسائل القديس بولس إلى كورنثوس (الأولى) وإلى أفسس وإلى تيموثاوس (الأولى) وإلى تيطس، وإلى رسالة يعقوب ويدل محتوى رسالته على معرفة واضحة بالإنجيل للقديس يوحنا.

ثم يقول لأهل كورنثوس مشيراً إلى رسالة القديس بولس الأولى إليهم:

"انظروا إلى رسالة بولس الطوباوى. ماذا كتب لكم فى بداية الكرازة بالإنجيل؟ فى الواقع فقد كتب لكم بوحى من الروح القدس رسالة تتعلق به وبكيفا (بطرس) وأبولوس(49)". وهو هنا يؤكد بصورة كاملة ومطلقة إيمانه وإيمان الكنيسة الأولى بوحى وقانونية أسفار العهد الجديد. فقد تعلم ذلك من الرسل أنفسهم الذين كانوا واثقين أنهم رجال الروح القدس.

 

2- أغناطيوس الأنطاكى (30-107م):

أسقف إنطاكية وتلميذ بطرس الرسول والذى يقول عنه المؤرخ الكنسى يوسابيوس القيصرى "أغناطيوس الذى اختبر أسقفاً لإنطاكية خلفاً لبطرس، والذى لا تزال شهرته ذائعة بين الكثيرين(50)". وقد كتب سبع رسائل استشهد فيها بما جاء فى الإنجيل للقديس متى والإنجيل للقديس لوقا وما جاء فى رسائل القديس بولس إلى كورنثوس (الأولى) وإلى فليمون وما جاء فى سفر أعمال الرسل، وكانت آيات الإنجيل للقديس يوحنا فى عقله وقلبه وفكره ويبدو أنه كان السفر المفضل لديه إلى جانب الإنجيل للقديس متى.

وفيما يلى أهم ما تأثر به وأخذه عن الإنجيل للقديس يوحنا:

"يسوع المسيح الكائن قبل الأجيال مع الآب والذى ظهر فى آخر الأجيال(51)".

"يسوع المسيح الذى خرج من الآب الواحد وهو معه وذهب إليه(52)".

"يسوع المسيح ابنه (الآب) الوحيد(53)".

كما أخذ منه اللقب الذى لقب به السيد إبليس "رئيس هذا العالم(54)" وتعبير "ماء حى(55)". كما أن قوله "الروح الآتى من الله: لأنه يعرف من أين يأتى وإلى أين يذهب" يعكس حديث السيد المسيح مع نيقوديموس عن الروح والريح(56).

وشهد لكل رسائل القديس بولس من جهة وحيها ووجودها كلها فى كنيسة أفسس: "وقد اشتركتم فى الأسرار مع القديس بولس الطاهر الشهيد المستحق كل بركة ... الذى يذكركم فى كل رسائله بالمسيح يسوع(57)".

ومن أهم ما قاله عن الإنجيل:

"سمعت من يقول إذا لم أجد ذلك عند الأقدمين لا أؤمن بالإنجيل. وعندما أقول لهم: أن ذلك مكتوب، يجيبوننى: هذا هم الموضوع، الوثائق بالنسبة لى هى يسوع المسيح، الوثائق هى صليبه وموته وقيامته والإيمان الذى من عنده(58)".

"لكن الإنجيل يمتلك كل شئ فائق (فوق التدبير السابق) يعنى ظهور ربنا يسوع المسيح وآلامه وقيامته. لأن الأنبياء المحبوبين أعلنوه ولكن الإنجيل هو كمال الخلود(59)".

ويعلق العلامة وستكوت على الفقرة الأولى بقوله "يسوع المسيح هو جوهر كل السجلات، وسجلاتى المقدسة (المنيعة) هى صليبه وموته وقيامته والإيمان به(60)".

 

3- القديس بوليكاربوس أسقف أزمير (65-155م):

كان تلميذاً للقديس يوحنا وبعض الرسل الذين أقاموه أسقفاً على أزمير بآسيا الصغرى، كما يقول اريناؤس أسقف ليون والمؤرخ الكنسى يوسابيوس القيصرى(61) وجيروم سكرتير بابا روما(62)، واستلم من الرسل التقليد الرسولى. هذا الرجل كتب رسالة قصيرة (فيما بين 108-110م) استشهد فيها بآيات ونصوص من معظم أسفار العهد الجديد (الإنجيل)، خاصة الإنجيل للقديس متى والإنجيل للقديس لوقا وسفر الأعمال ورسائل بولس الرسول إلى رومية و1و2 كورنثوس وغلاطية وأفسس و1و2 تسالونيكى و1و2تيموثاؤس ورسالتا بطرس الأولى والثانية ورسالة يوحنا الأولى. وقد ذكر أيضا، مثل إكليمندس واغناطيوس، رسائل بولس الرسول كأسفار مقدسة وموحى بها: "فلا أنا ولا أى إنسان آخر قادر أن يصل إلى حكمة المبارك والممجد بولس الذى كان قائماً يعلم بين الذين عاشوا فى تلك الأيام، وعلم الحق بدقة وثبات، وبعد رحيله ترك لكم رسائل إذا درستموها صرتم قادرين على أن تبنوا إيمانكم الذى تسلمتموه(63)".

واقتبس فى فقرة واحدة آيتين من سفر المزامير ومن رسالة بولس الرسول إلى أفسس بقوله "كما قيل فى الكتب المقدسة: أغضبوا ولا تخطئوا (مز 5: 4)، لا تغرب الشمس على غيظكم (أف 46: 4)(64)". وهو فى هذا الاقتباس يساوى بين سفر المزامير والرسالة إلى أفسس على أساس أن كليهما سفران مقدسان وموحى بهما من الله. ويقتبس من رسالة يوحنا الأولى قوله "كل من لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء فى الجسد، هو ضد المسيح(65)".

 

4- الدياديكية (تعليم الرسل الأثنى عشر) (100م):

كتب هذا الكتاب فى نهاية القرن الأول واقتبس كثيراً من الإنجيل للقديس متى وأشار إلى الإنجيل ككل، سواء الإنجيل الشفوى أو المكتوب بقوله: "كما هى عندكم فى الإنجيل(66)"، "كما أمر الرب فى إنجيله(67)"، "حسب ما جاء فى الإنجيل(68)"، "كما يقول الإنجيل(69)"، ويقتبس من الإنجيل للقديس متى بقوله: "لا تصلوا كما يصلى المرأوون، بل كما أمر السيد فى إنجيله، فصلوا هكذا: أبانا الذى فى السموات ... إلخ(70)" "لأن الرب قال لا تعطوا الخبز للكلاب(71)".

ويُختتم الكتاب بالقول "ولكن كما كُتب: سيأتى الرب ومعه القديسون" (زك 5: 14) ثم يضيف "وسينظر العالم مخلصاً آتياً على سحب السماء" (متى 3: 24).

 

5- رسالة برنابا (حوالى 100م):

يجمع العلماء على أن هذه الرسالة كُتبت فى نهاية القرن الأول وأن كاتبها مستقيم الرأى (أرثوذكسى)، ويقتبس من الإنجيل للقديس متى 16: 20 باعتباره كتاب مقدس وموحى به بقوله "كما هو مكتوب: كثيرون يُدعون وقليلون يُنتخبون(72)". وصيغة "مكتوب"، كما استخدمها السيد المسيح وتلاميذه عن أسفار العهد القديم تعنى "سفر مقدس" وموحى به، ومكتوب بالروح القدس، ومعترف بقانونيته(73)، كما اقتبس الكاتب من رسالتى بولس الرسول الأولى والثانية إلى تيموثاؤس.

 

6- الرسالة الثانية المنسوبة لإكليمندس (بداية القرن الثانى):

يجمع العلماء على أن هذه الرسالة المنسوبة لإكليمندس ترجع لبداية القرن الثانى، وترجع قيمتها، فى دراستنا ههنا، لكونها معبرة عن فكر إحدى الجماعات المسيحية فى بداية القرن الثانى الميلادى وشهادتها للإنجيل، ووحيه وقانونيته، فهى تقتبس من الإنجيل بأوجهه الأربعة كثيراً تحت عبارات "لأن الرب يقول فى الإنجيل(74)"، "يقول كتاب مقدس آخر(75)". ويؤكد استخدام الكاتب للفعلى المضارع "يقول" على الإشارة للإنجيل المكتوب والذى يؤكد إيمان الكنيسة فى عصره "بوحيه" وكونه "كتاب مقدس" أى "موحى به ومكتوب بالروح القدس" والإيمان بأنه "سفر قانونى". وفيما يلى بعض ما اقتبسه من الإنجيل للقديس متى (23: 10، 5: 12، 16: 10) والإنجيل للقديس لوقا (21: 8، 3: 10، 10: 16-12).

"الذى يعترف بى قدام الناس سأعترف به قدام أبى"، "أخوتى هم الذين يعملون إرادة أبى" "يقول الرب ستكونون مثل حملان فى وسط ذئاب"(78).

"يقول الرب فى الإنجيل: إذا لم تحفظوا القليل فمن يعطيكم العظيم؟ الأمين فى القليل جداً أمين أيضا فى الكثير(79)".

 

7- شهادة الهراطقة فى بداية القرن الثانى الميلادى:

برغم خروج الهراطقة ككل عن الإيمان المسيحى وخلطهم للإيمان المسيحى بالفكر اليهودى غير الموحى به، وبالفكر الوثنى، إلا أن شهادتهم لوحى الإنجيل وقانونيته لها قيمة عالية لأن هذه الجماعات خرجت، أصلاً، عن المسيحية وكان الإنجيل وبقية أسفار العهد الجديد هم قانونهم الأول(80) وقد بنوا أفكارهم، فى أحيان كثيرة، على فهم خاطئ لآياته. وقد اكتشف لهم مؤخراً فى نجع حمادى أكثر من أربعين كتاباً تمتلئ بآيات من معظم أسفار العهد الجديد، خاصة من الإنجيل للقديس يوحنا، وكان على رأس الهراطقة الغنوسيين باسيليدس Basilides الذى كتب، كما يؤكد إكليمندس الأسكندرى فى فترة حكم الإمبراطور الرومانى هادريان (117-139م) وقد اقتبس، كما يشير هيبوليتوس(81) من الإنجيل للقديسين متى ولوقا ويوحنا ومن رسائل بولس الرسول إلى كورنثوس (الأولى) وأفسس وكولوسى وتيموثاؤس (الأولى) ومن رسالة بطرس الأولى، ثم جماعة الأوفايتس Ophites(82)، والذى يعنى اسمهم "عابدو الحية" وكانوا أول من استخدموا كلمة "غنوسيين Gnostics" وزعموا كما يقول هيبوليتوس أن عقيدتهم جاءت من يعقوب أخر الرب، واستخدموا، كما يشير هسيبوليتوس أيضا، الإنجيل بحسب متى ولوقا ويوحنا، ورسائل بولس الرسول إلى رومية، و1و2 كورنثوس وأفسس وغلاطية وعبرانيين، وسفر الرؤيا، وذلك إلى جانب كتبهم الأخرى(83).

مما سبق يتضح ويتأكد لنا أن الإنجيل بأوجهه الأربعة بصفة خاصة ورسائل بولس الرسول وبقية أسفار العهد الجديد بصفة عامة كانت منتشرة ومعروفة فى كل البلاد التى انتشرت فيها المسيحية وكان جميع المؤمنين يؤمنون بأنها كلمة الله الموحى بها والتى استلموها من الرسل شهود العيان ورجال الروح القدس، وأنها أسفار مقدسة ومكتوبة بواسطة الرسل أنفسهم والذين كتبوا مسوقين ومحمولين بالروح القدس. كما كانت منتشرة بأعداد كبيرة وفى بلاد كثيرة وفى وسط أناس حفظوها شفوياً قبل أن يستلموها مكتوبة، وكان الرسل، فى حياتهم، خير ضمان لوحيها والحفاظ عليها ثم صار تلاميذهم، الآباء الرسوليين، والذين صاروا قادة للكنيسة من بعدهم، خير ضمان لوحيها والحفاظ عليها ثم صار تلاميذهم، الآباء الرسوليين، والذين صاروا قادة للكنيسة من بعدهم، خير ضامن أيضا لوحى هذه الأسفار، الإنجيل، وللحفاظ عليها، باعتبارهم هم أيضا شهود عيان وأول من استلم منهم الإنجيل شفاهة ومكتوباً.

وكان القديس يوحنا الرسول والذى عاش إلى نهاية القرن الأول الميلادى خير شاهد وضامن لوحى الإنجيل وبقية أسفار العهد الجديد.

ويبرهن محتوى رسالة بوليكاربوس المتأثرة كثيراً بما جاء فى الإنجيل للقديس يوحنا الذى كُتب فيما بين 80-100م وكذلك المخطوطة التى تحتوى على جزء من هذا الإنجيل والتى وجدت فى مصر وترجع لما بين سنة 117-135م على أن الإنجيل الذى دون فى أفسس أواخر القرن الأول وكان منتشراً فى مصر فى بداية القرن الثانى قد انتشر بسرعة كبيرة وبأعداد كثيرة فى وقت قصير جداً.

كما تبرهن لنا إشارة القديس بطرس إلى رسائل بولس الرسول وكذلك اقتباس القديس يهوذا من رسالة بطرس الرسول الثانية، وأيضا إشارة بولس الرسول إلى الإنجيل للقديس لوقا على انتشار هذه الأسفار النسبى قبل سنة 65م وبعد صعود المسيح بثلاثين سنة فقط. ويبرهن لنا ما كتبه آباء الكنيسة الأولون، تلاميذ الرسل ومساعديهم، على انتشار كل أسفار العهد الجديد ووجودها فى الكنائس قبل سنة 95م أى فى حياة القديس يوحنا.

وهناك ملاحظة أخيرة يجب أن نذكرها وهى وجود اختلاف طفيف بين بعض الآيات والنصوص المقتبسة فى أسفارها الأصلية وفى كتابات الآباء، ويرجع سبب ذلك إلى اعتماد هؤلاء الآباء بالدرجة الأولى على الاقتباس من الذاكرة وبسبب حفظهم للإنجيل شفوياً حتى من قبل أن يدون فى أسفار، وكذلك تركيزهم على مضمون وجوهر النص لا حرفه ومن ثم فقد استخدموا فى أحيان كثيرة أكثر من آية من أكثر من سفر فى فقرة واحدة.

 

2- شهادة آباء الكنيسة فيما بين 120-170م لوحى الإنجيل وقانونيته:

وفى بداية القرن الثانى، وبعد انتقال القديس يوحنا أخر الرسل وأخر شهود العيان للمسيح كان هناك بعض تلاميذ الرسل من أمثال بابياس لا يزالون أحياء وشهوداً لوحى الإنجيل وقداسة أسفار العهد الجديد وانتقاله وانتشاره فى كل البلاد بكثرة وبكل دقة وأمانة. كما كان هناك كثيرون من تلاميذ الآباء الرسوليين مثل يوستينوس والذين مثلوا الاستمرار الطبيعى لسلسلة الشهود التى بدأت بتلاميذ المسيح وامتدت فى تلاميذهم واستمرت فى تلاميذ تلاميذهم. وكان القرن الثانى الميلادى غنى جداً بهؤلاء، فقد شهد أوله تلاميذ الرسل وشهد آخره تلاميذ تلاميذ الرسل وخلفاؤهم والذين كان لهم أيضا تلاميذ وخلفاء امتدوا واستمروا فى القرن الثالث من أمثال إكليمندس الأسكندرى. وهؤلاء جميعاً كانوا شهوداً أمناء "للإنجيل الشفوى والمكتوب".

وقد شهد القرن الثانى الميلادى، خاصة الفترة من 120-170م وما بعدها انتشاراً واسعاً للمسيحية فى بلاد كثيرة، هذا الانتشار عبر عنه يوستينوس الشهيد (100-165م) فى بداية تلك الفترة بقوله "لا توجد سلالة واحدة من البشر سواء كانت بربر أو إغريق، سواء كانت ساكنة خيام أو بدو متجولين بينها مصلين ومقدمى قرابين شكر لا يقدمون صلواتهم باسم يسوع المصلوب(84)". كما عبر عنه العلامة ترتليان (145-220م) فى أواخر تلك الفترة بقوله فى الدفاع الذى أرسله للإمبراطور الرومانى وحكم الإمبراطورية "نحن نملأ كل مكان بينكم المدن والجزر والحصون والقرى والأسواق والمعسكر والقبائل والجماعات والقصر ومجلس الشيوخ والساحة العامة، ولم نترك لكم شيئاً سوى معابد آلهتكم(85)" هذا الانتشار تبعه انتشار واسع للإنجيل المكتوب فقد كان من الضرورى أن يكون لدى هذه الفئات والجماعات نسخاً كثيرة جداً تفى بحاجة هذه الجماعات فى كل البلاد والشعوب وتفى بحاجة الكنائس التى تأسست فيها للإنجيل المكتوب وكل أسفار العهد الجديد، وذلك إلى جانب حصول كثير من قادة هذه الجماعات من أساقفة وقسوس وشمامسة وفضلاً عن القادرين من الشعب على نسخ كثيرة أيضا. وهذا يبرهن على أن نسخ الإنجيل انتشرت فى تلك الفترة لا بالمئات فقط ولا بالألوف فقط بل بعشرات الألوف، وذلك تحت عناية وإرشاد الروح القدس وأمام وتحت إشراف تلاميذ الرسل وخلفائهم.

هذه الفترة أيضا شهدت تجمع أسفار العهد الجديد فى مجموعات رئيسية مثل تجمع الإنجيل بأوجهه الأربعة معاً ورسائل بولس، التى كان لها السبق فى ذلك، معاً، وسفر الأعمال والرسائل الجامعة معاً، وهكذا.

 

(1) بابياس أسقف هيرابوليس (60-130):

هذا الرجل يقول عنه إيريناؤس(86) وجيروم(87) أنه كان تلميذاً للقديس يوحنا ورفيقاً لبوليكاربوس(86)، وكان أسقفاً لهيرابوليس فريجيه بآسيا الصغرى، وقد جمع التقاليد الشفوية من أفواه الرسل، مع أنه يعترف أيضاً، كما يقول يوسابيوس القيصرى(88) "أنه تقبل كلمات الرسل ممن تبعوهم ولكنه يقول إنه هو نفسه كان أحد المستمعين إلى أريستون والقس يوحنا"، وقد وضع كتاباً من خمس مقالات قبل سنة 130م فى "تفسير أقوال Logia الرب". وما وصلنا مما كتب عنه يؤكد معرفته بالإنجيل للقديس متى والقديس مرقس والقديس يوحنا. وقد اقتبس من الإنجيل للقديس يوحنا، بحسب ما نقل عنه إيريناؤس ضمن فقرة طويلة قوله "قال الرب فى بيت أبى منازل كثيرة(89)".

وقال عن الإنجيل للقديس متى: "وهكذا كتب متى الأقوال Logia الإلهية باللغة العبرية (اللهجة الآرامية) وفسرها كل واحد على قدر استطاعته(90)".

وقال عن الإنجيل للقديس مرقس "إن مرقس إذ كان هو اللسان الناطق لبطرس كتب بدقة، ولو من غير ترتيب كل، ما تذكره عما قاله المسيح أو فعله، لأنه لا سمع للرب ولا أتبعه، ولكنه فيما بعد كما قلت أتبع بطرس الذى جعل تعاليمه مطابقة لأحتياج سامعيه، دون أن يقصد بأن يجعل أحاديث الرب مرتبطة ببعضها، ولذلك لم يرتكب أى خطأ إذ كتب على هذا الوجه ما تذكره. لأنه كان يحرص على أمر واحد: أن لا يحذف شيئاً مما سمعه، وأن لا يقرر أى شئ خطأ(91)".

ويرجع فضل بابياس فى أنه كان أول مفسراً أرثوذكسى لأقوال الرب وأول من يذكر لنا أحتياج الكنيسة لمثل هذا التفسير، وأول من يذكر لنا أسماء مدونى الإنجيل بالاسم، وإن كان غالبية الآباء والعلماء لا يتفقون معه فى قوله أن مرقس "لا سمع الرب ولا أتبعه" بل على العكس تماماً، إذ يذكره بعضهم كواحد من الرسل السبعين، ويؤكد الغالبية العظمى أنه كان أحد الذين عاينوا الرب وأتبعه فى البستان، فهو الشاب الذى كان يتبعه وهرب عارياً وقت القبض عليه وكان منزل والدته "مريم أم يوحنا الملقب مرقس"(92) هو المنزل الذى حل فيه الروح القدس على التلاميذ ومقر الرسل فى أورشليم ويرى كثيرون أنه المنزل الذى عمل فيه السيد الفصح مع تلاميذه. وسنعود لدراسة هذا الموضوع فى الفصل التالى.

 

(2) يوستينوس الشهيد (100-165م):

آمن بالمسيحية وكرس حياته للدفاع عنها، فى بداية القرن الثانى، وقد بقى لنا من كتاباته دفاعين عن المسيحية وجهها للإمبراطور الرومانى أنطونيوس بيوس (138-161م) والسانتوس الرومانى(93)، وحوار مع تريفوا اليهودى. وقد شهد فيهم للإنجيل بأوجهه الأربعة وأقتبس منه وأستشهد به أكثر من مئة مره (59 متى، 3 مرقس، 25 مرقس، 25 لوقا، 6 يوحنا) إلى جانب إشاراته لسفر الأعمال ورسائل بولس الرسول إلى رومية وكورنثوس (الأولى)، وغلاطية، وتسالونيكى (الثانية)، ورسالتا بطرس الأولى والثانية وسفر الرؤيا. كما شهد لسفر الرؤيا شهادة قوية بقوله إنها كتبت بواسطة أ؛د رسل المسيح هو القديس يوحنا "كان يوجد بيننا رجل اسمه يوحنا، كان أحد رسل المسيح الذى تنبأ برؤيا أعلنت له"(94). وكانت معرفته بالإنجيل للقديس يوحنا واضحة جداً، وقد أستشهد بآياته ست مرات على الأقل إلى جانب استخدامه لتعبير الكلمة "لوجوس _ Logos" التى أخذه من مقدمة الإنجيل كما أن استخدامه لهذا الإنجيل ككل واستخدامه للمقدمة بصفة خاصة واضح للعيان، وإن كان قد استخدم جوهر الإنجيل، استخداماً عقيدياً اكثر منه تاريخياً. يقول العلامة الإنجليزى وستكوت بعد دراسة مستفيضة فى 67 صفحة مليئة بالأدلة والبراهين "يبدو إذاً إنه ثابت من الدليل الخارجى والداخلى إن استخدام يوستينوس للإنجيل للقديس يوحنا فوق كل تساؤل، وإن كان هذا يرجع كما بيننا تواً لخصائص الإنجيل الرابع"(95).

وقد أشار للإنجيل بأوجهه الأربعة أكثر من سبع عشرة مره باعتباره "مذكرات الرسل" أو "المذكرات": فيقول "لأن الرسل سلموا لنا فى المذكرات التى دونوها والتى تسمى أنا جيل"(96)، "لأنه فى المذكرات التى أقول أنها دونت بواسطة رسله والذين اتبعوهم (مسجل) أن عرقه سقط كقطرات دم عندما كان يصلى"(97)، "وعندما ظهر نجم فى السماء عند ميلاده كما هو مسجل فى مذكرات رسله، أدرك المجوس من العربية العلامة بهذا وآتوا وسجدوا له"(98).

وقد أشار مثل معاصريه وسابقيه وبقية أسفار العهد الجديد باعتبار أنها إعلان الله ووحيه وعمل روحه القدوس "وكما علمنا الذين سجلوا كل ما يختص بمخلصنا يسوع المسيح الذين صدقناهم (آمنا بهم) إنه عن طريق أشعياء ايضاً الذى تناولناه الآن أعلن روح النبوة إنه سيولد كما صرحنا من قبل"(99). ويقول فى حواره مع تريفوا "لأنه كما آمن إبراهيم بصوت الله وحسب له ذلك براً ونحن بنفس الطريقة آمناً بصوت الله تحدث لنا بواسطة رسل المسيح وأعلن لنا بواسطة الأنبياء حتى الموت لأن إيماننا تبرأ بكل ما فى العالم"(100).

وهنا يقول بوضوح إن الله كلمنا بواسطة رسله كما كلمنا سابقاً بواسطة الأنبياء، وهذا الصوت الذى كلمنا به الله من خلال الأنبياء ومن خلال رسل المسيح نؤمن به حتى الموت. ثم يقول لنا عن انتشار الإنجيل وقراءته فى اجتماعات العبادة فى كل الكنائس "وفى اليوم الذى يدعى الأحد يجتمع معاً كل الذين يعيشون فى المدن أو فى الريق فى كل مكان واحد وتقرأ مذكرات الرسل (الأناجيل) أو كتابات الأنبياء بحسب ما يسمح الوقت، وعندما يتوقف القارئ يعلم الرئيس وينصح بالعمل بهذه الأمور السارة"(101). وهنا ايضاً يؤكد المساواة الكاملة بين أسفار أنبياء العهد القديم ككلمة الله الموحى بها وبين الأناجيل الأربعة أيضاً ككلمة الله.

وفى الفصل المئة من حواره مع تريفوا محتوى الإنجيل فى قوله "ولأننا نجد أنهُ مكتوب (مُسجل) فى مذكرات رسله (الأناجيل) انه ابن الله، ولأننا ندعوه الأبن، فقد أدركنا أنه ولد من الآب قبل كل الخلائق بقوته وأرادته... وصار إنساناً من العذراء لكى يدمر العصيان الذى نتج بسبب الحية، بنفس الطريقة.."(102).

 

(3) تاتيان السورى (110- 172م):

كان تلميذاً ليوستينوس الشهيد، ولكنه انحرف بعد ذلك. هذا الرجل جمع فيما بين (166- 170م) الأناجيل الأربعة فى كتاب واحد أسماه "دياتسرون" أى الرباعى وقد انتشر فى سوريا بغزارة حتى أن ثيودريت وجد حوالى (سنة 420م) أكثر من 200 نسخة فى كنائسه ب Cyus بسوريا واستبدالها بالأناجيل الأربعة(103). ويبدأ هذا الكتاب بمقدمة الإنجيل للقديس يوحنا "فى البدء كان الكلمة.." وينتهى أيضاً بخاتمه الإنجيل للقديس يوحنا "وأشياء آخر كثيرة صنعها يسوع..". ويعتبر هذا الكتاب ذو قيمة عالية وثمينة لشهادته للإنجيل بأوجهه الأربعة، كما كانت تنظر إليه الكنيسة الأولى.

 

(4)- الوثيقة الموراتورية (قانون موراتوى)، (170م):

هذه الوثيقة وجدت فى المكتبة الأمبروسية Ambrosian بميلان سنة 1740م ونشرها العالم الإيطالى موراتورى Muratori فدُعيت بأسمه. وهى قائمة بأسفار العهد الجديد مع تعليق على كل منها وترجع إلى سنة 170م، كما يجمع العلماء. وقد كتبت فى روما أصلاً باليونانية ثم ترجمت إلى اللاتينية العامية. وبرغم أن سطورها الأولى مفقوده إلا أنه من الواضح أنها تتكلم عن الإنجيل للقديس متى، ويتبقى سطر واحد عن الإنجيل للقديس مرقس يقول "الذى فيه كان حاضراً وهكذا دونه". وفيما يلى نص الوثيقة:

"كتاب الإنجيل الثالث، الذى بحسب لوقا. هذا الطبيب لوقا بعد صعود المسيح (قيامته)؟ حيث أخذه بولس معه كخبير فى الطريق (التعليم)، دونه بأسمه حسب فكره. مع إنه لم ير الرب فى الجسد، ولأنه كان قادراً على التحقق منه، فقد بدأ يروى القصة من ميلاد يوحنا.

رابع الأناجيل هو الذى ليوحنا (واحد) من الرسل. عندما حثه تلاميذه وأسقافته قال: صوموا معى من اليوم من اليوم ولمدة ثلاثة أيام وما يعلن لكل واحد فلنقوله بعضنا لبعض. وفى نفس الوقت كُشف لأندراوس، أحد الرسل، أن ما ينجح (يفحص) الكل فيه، يجب أن يدون يوحنا كل شئ بأسمه. ولذا فعلى الرغم من وجود أفكار متنوعة تعلم فى الأناجيل ككل (أى الأربعة) إلا أن هذه الأمور لا تسبب اختلافا لإيمان المؤمنين، لأن كل ما فى جميعها أعلن بالروح الواحد.

كل سجلوا مُعلن فى الكل: ما يختص بالميلاد وما يختص بالآلام وما يختص بالقيامة، وما يختص بالأحاديث مع التلاميذ، ما يختص بمجيئه الأول محتقر فى تواضع، الذى تم، والثانى ممجد فى قوة ملوكية، الذى سيأتى، فما العجيب إذا فى أن يورد يوحنا نقاط خاصة فى رسالته ايضاً، فهو دائماً صادق مع نفسه، إذ يقول هو نفسه "الذى رأيناه بعيوننا وسمعناه بآذاننا ولمسته أيدينا تكتبه لكم". فهو نفسه يعترف هكذا يعترف أنه ليس شاهد عيان وأذن فحسب، بل كاتب أيضاً لكل عجائب الرب بالترتيب.

ولكن أعمال كل الرسل مكتوبة فى كتاب واحد. فقد لخص لوقا للعزيز ثاؤفيلس الأمور العديدة التى حدثت فى حضوره...".

ثم تتحدث الوثيقة بعد ذلك عن رسائل بولس الرسول عدا الرسالة إلى العبرانيين. وتتكلم عن رؤيا يوحنا ورسالة يهوذا ورسالتين ليوحنا.

وتؤكد لنا هذه الوثيقة عدة أمور:

إيمان الكنيسة بوحى أسفار العهد الجديد وكتابتها بالروح القدس.

إيمان الكنيسة بأن أسفار العهد الجديد هى أسفار مقدسة، موحى بها من الله.

تميز تماماً فى آخرها بين الكتب الموحى بها والكتب المزيفة بقولها "لأنه لن يخلط الخل مع العسل"(104).

وعلى الرغم أن المخطوطة لا تذكر الرسالة إلى العبرانيين وكذلك إحدى رسائل يوحنا ورسالتا بطرس ورسالة يعقوب، فهذا لا يدل على عدم الإيمان بقانونيتهم ووحيهم، لأن المخطوطة لم تذكرهم مطلقاً لا بين الكتب القانونية ولا بين الكتب الأبوكريفه، كما أن معظم آباء الكنيسة فى نهاية القرن الأول وبداية القرن الثانى ذكروهم واقتبسوا منهم واستشهدوا بهم وشهدوا لهم. يقول العلامة وستكوت أن عدم ذكر هذه الرسائل قد يرجع لوجود فجوه أو شق فى المخطوطة، وعلى أية حال فهذه الرسائل مستشهد بها جيداً وبدرجه كافية فى مصادر أخرى(105).

 

(5) كتابات قادة الهراطقة الغنوسيين:

أ- مارسيون Marcion الذى كتب سنة (140م) أو ما قبل ذلك. كان هذا الرجل أول من كتب قائمة بقانون لأسفار العهد الجديد لم تضم سوى الإنجيل للقديس لوقا مختصراً، فقد حذف منه قصة ميلاد المسيح وسلسلة نسبه، ثم عشر من رسائل بولس الرسول هما على الترتيب، الرسالة إلى غلاطية، وإلى كورنثوس (1و2) وإلى تسالونيكى (1و2)، وإلى أفسس (التى دعيت لاوديكيه) وإلى كولوسى وإلى فيلبى وإلى فليمون. وحذف بقية الأسفار ولم يعترف إلا برسوليه بولس الرسول(106).

ب- فالنتينوس Valentinus(107) (حوالى 140م). استشهد بالإنجيل للقديسين متى ولوقا ويوحنا والرسالة إلى رومية وإلى كورنثوس الأولى وإلى عبرانيين ورسالة يوحنا الأولى واقتبس من الرسالة إلى أفسس باعتبارها كلمة الله وسفر مقدس. وقد برهن اكتشاف الكتاب الابوكريفى المسمى بإنجيل الحقيقة والذى يتبع بعض العلماء إلى فالنتينوس على استخدام الكتاب والكاتب للأناجيل الأربعة وسفر الأعمال وسفر الرؤيا ورسائل بولس الأربعة عشر، وهذا، فى نظر العلماء، يبرهن على وجود هذه الأسفار، جميعاً فى روما فى نهاية القرن الأول وبداية القرن الثانى.

ج- هيراكليون Heracleon تلميذ فالنتينوس: والذى يذكر كأول من فسر العهد الجديد (عدا تفسير بابياس المفقود)، وكان كأهل جيله يؤمن بأن كل أسفار العهد الجديد هى أسفار إلهية وموحى بها من الله وقد أشار إلى الإنجيل للقديس متى ورسائل مختلفة لبولس الرسول.

وهناك الكثيرون غير هؤلاء من الهراطقة الغنوسيين الذين اقتبسوا من كل أسفار العهد الجديد واستشهدوا بها كأسفار مقدسة وموحى بها من الله، وكان كل منهم يستشهد بأسفار معينة مثل السيمونيين الذين استشهدوا بالرسالة الأولى لكورنثوس كسفر مقدس وموحى به.

 

3- شهادة آباء الكنيسة فى نهاية القرن الثانى وبداية القرن الثالث:

هذه الفترة من تاريخ المسيحية تعتبر فترة حاسمة فى تاريخ قانون العهد الجديد، فهى الفترة التى انتشرت فيها جميع أسفار العهد الجديد فى كل مكان دخلت فيه المسيحية سواء فى الإمبراطورية الرومانية أو خارجها، كما أنها الفترة التى كان فيها الإنجيل المكتوب هو المرجع الأول للمسيحية بعد رحيل الرسل وتلاميذهم وأن كان تلاميذ تلاميذهم وخلفائهم كانوا ما يزالون أحياء فى هذا العالم.

 

(1)- ايريناؤس (120-202م) أسقف ليون:

كان إيريناؤس أسقف ليون بالغال (فرنسا حالياً) هو أحد تلاميذ تلاميذ الرسل وخلفائهم وحلقة الوصل بين تلاميذ الرسل ومن جاءوا بعده، فقد شاهد واستمع لتلاميذ الرسل، خاصة بوليكاربوس الذى استمع إليه ورآه فى شبابه، ويقول عنه "أنه إلى الآن لم يزل ثابتاً فى مخيلتى نوع الاحتشام والرصانة الذى كان يتصف به القديس بوليكاربوس مع احترام هيئته ووقار طلعته وقداسة سيرته، وتلك الإرشادات الإلهية التى كان يعلم بها رعيته وأبلغ من ذلك كأنى اسمع ألفاظه التى كان ينطق بها عن الأحاديث التى تمت بينه وبين القديس يوحنا الإنجيلى وغيره من القديسين الذين شاهدوا يسوع المسيح على الأرض وترددوا معه وعن الحقائق التى تعلمها وتسلمها منهم(108)".

وقد كتب مجموعة من الكتب "ضد الهراطقة" دافع فيها عن المسيحية وأسفارها المقدسة واقتبس منها حوالى 946 اقتباساً منها 532 من الإنجيل بأوجهه الأربعة و713 من رسائل بولس الرسول الأربعة عشر و112 من بقية أسفار العهد الجديد(109). وأكد على وجود الإنجيل بأوجهه الأربعة وانتشاره فى كل مكان حتى الهراطقة:

"الأرض التى تقف عليها هذه الأناجيل أرض صلبة حتى أن الهراطقة أنفسهم يشهدون لها ويبدأون من هذه الوثائق وكل منهم يسعى لتأييد عقيدته الخاصة منها(110)".

وقدم لنا إيمان جيله بوحدة الإنجيل ووجوده فى أربعة أوجه أو زوايا أو مداخل: "ليس من الممكن أن تكون الأناجيل أكثر أو أقل مما هى عليه لأنه حيث يوجد أربعة أركان Zones فى العالم الذى نعيش فيه أو أربعة أرواح (رياح) جامعة حيث انتشرت الكنيسة فى كل أنحاء العالم وأن "عامود وقاعدة"(111) الكنيسة هو الإنجيل وروح الحياة، فمن اللائق أن يكون لها أربعة أعمدة تنفس الخلود وتحى البشر من جديد، وذلك يوضح أن الكلمة صانع الكل، الجالس على الشاروبيم والذى يحتوى كل شئ والذى ظهر للبشر أعطانا الإنجيل فى أربعة أوجه ولكن مرتبطين بروح واحد(112)<