سفــــــر الخـــروج

المراجع : الكتاب المقدس

           : قاموس الكتاب المقدس

           : من تفسير وتأملات الآباء الأولين : للقمص / تادرس يعقوب ملطي .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 تقديم : بدأ الكتاب المقدس أسفاره بالتكوين ، حيث أعلن بدء الخليقة وبدء الحياة البشرية فى أحضان الله محب البشر .. لكن سرعان ما سقط الإنسان تحت العصيان فخرج من الفردوس يحمل فى نفسه فراغا ليس من يملأه ؛ وفى قلبه موتا أبديا ليس من يقدر أن يفلت منه .

لم يقف الله مكتوف الأيدى أمام محبوبه الإنسان ، فإن كان الإنسان قد خرج معطيا لله القفا لا الوجه ؛ التزم الله فى حبه أن يخرج إليه ليخلصه ويرده إلى أحضانه الإلهية مرة أخرى . وهكذا جاء سفر الخروج يعلن بطريقة رمزية عن خلاص الله المجانى ، فقدم لنا خروج الشعب القديم من أرض العبودية بيد الله القوية منطلقا نحو حرية مجد أولاد الله ، وكأن هذا السفر وهو يقدم لنا حقائق تاريخية واقعية لم يقصد أن يسجل الأحداث لأجل ذاتها ، فهو ليس سجلا تاريخيا . وإنما أراد أن ندخل إلى الأعماق لنكشف خلاصنا الذى نعيشه فى حياتنا الآن

 مصر والعبرانيون :

لما كان محور هذا السفر هو خروج العبرانيون من أرض مصر ، لذا فإننا نفهم فرعون بمثل الشيطان الذى يأسر أولاد الله ، ومصر تشير إلى العالم ، والشهوات المصرية إنما تشير إلى شهوات العالم ، والعبرانيين تشير إلى المؤمنين الذين يعيشون كغرباء فى العالم .. فالحديث يأخذ الصورة الرمزية . لكن الآن صارت مصر علامة البركة كوعد الرب : " مبــارك شعبــى مصر " إش 19 : 25 ، " إذ يعرف الرب فى مصر ويعرف المصريون الرب فى ذلك اليوم ويقدمون ذبيحة وتقدمة وينذرون للرب نذرا ويوفون به "  إش 19 : 21 ... وصارت " إسرائيل " إنما تشير إلى " إسرائيل الجديد " أى الذين قبلوا الإيمان بالسيد المسيح المخلص ، وليس إسرائيل كأمة وجنس معين .

 مقدمة السفر :

تسميته : لم يعط العبرانيون لهذا السفر إسما ، وإنما اعتبروه جزءا لا يتجزأ من التوراة ككل ، فكانوا يدعونه " هوميس سينى " بمعنى " الثانى من الخمسة " أى السفر الثانى من أسفار موسى الخمسة ، أما اسمه فى الترجمة السبعينية فتعنى " خــروج " .

كاتب السفر :

كتب موسى النبى هذا السفر بوحى إلهى ، يظهر ذلك من الدلائل الآتية :

1-     يبدأ السفر بحرف العطف " واو " قائلا " وهذه أسماء " ، وكأن هذا السفر هو تكملة للسفر السابق له " سفر التكوين " .

2-  قدم لنا السفر أحداثا بدقة بالغة ، وفى كثير من التفاصيل مما يدل على أن الكاتب هو شاهد عيان ، بل أنه قائد عملية الخروج .

3-  سجل حوادث خاصة بموسى النبى نفسه مثل قتله المصرى سرا وأنه إلتفت يمينا ويسارا قبل قتله ، وروى لنا تفصيل الحديث بينه وبين العبرانى الذى كان يظلم أخيه ، كما روى لنا أخذ زوجته وإبنيه على حمير وختان إبنه .... الخ .

4-     قبل السامريون هذا السفر كأحد أسفار موسى الخمسة ، وهم أعداء اليهود ، فلولا تأكدهم من الكاتب لما قبلوه .

الرأى الأرجح أن خروج اليهود من مصر تم حوالى عام 1447 ق.م. أثناء الأسرة المصرية الثامنة عشر ، أيام تحتمس الثالث ، أو فى زمن أمنوفيس الثانى . هذا يتفق مع قضاة 11 : 26 ، إذ يذكر يفتاح الذى عاش حوالى عام 1100  ق.م.

يتفق هذا الرأى أيضا مع ما ورد فى 1 ملوك 6 : 1 أن بيت الرب قد بنى فى السنة الأربعمائة والثمانين لخروج الشعب من مصر ، فإن كان سليمان قد بدأ فى بناء الهيكل عام 967 ق . م . أو 966 ق . م . يكون الخروج قد تم حوالى عام 1447 ق . م .

 شخصية موسى النبى :

لهذا السفر أهمية خاصة ، إذ عرض حياة موسى النبى ، الذى صار ممثلا للعهد القديم كله بكونه مستلم الشريعة والمتكلم مع الله وقائد الشعب فى تحريره من العبودية للدخول به إلى أرض الموعد . لذا حين تجلى السيد المسيح على جبل طابور ظهر موسى وإيليا معه ( مت 17 : 1 – 8 ) . وفى سفر الرؤيا نسمع عن تسبحة موسى التى يترنم بها الغالبون فى السماء ( رؤ15 : 3 ) .

سفر الفداء والخلاص :

بدأ هذا السفر بالذل والأضطهاد وانتهى بظهور مجد اللـــه فى خيمة الإجتماع ، أى فى مسكنه مع عبه ( خر 40 ) .

سفر العبور :

قاسى الشعب الأمرين من العبودية لكنه لم يفكر فى الإنطلاق من الموقع إلا بعد أن أرسل الله لهم موسى يحدثهم عن الأرض التى تفيض لبنا وعسلا ، أى أورشليم ... هنا لم يعودوا يقبلون العبودية أو الأستسلام لها ...

أما عن إمكانية العبور ، فتكمن فى قول النبى : " نزل لينقذهم " خر 3 : 8 .. إنها إمكانيات نزول الله إلينا ...

سفر الوصية والعبادة :

بالرغم من وجود سفر متخصص فى الوصية الإلهية أو الناموس وفى العبادة الموسوية ، لكن موسى أصر أن يختم سفر الخلاص بأمرين : إســتلام الشـــريعة ، وخيمـــة الإجتمــــاع ..

العبادة هى غاية العبور : " إطلق شعبى ليعبدوننى " ... خلالها نتعرف على قانون السماء ( الوصية ) .. ونتدرب على السكنى مع الله ( الخيمة السماوية ) ! 

+  +  +  

خروج – الأصحاح الأول

الحاجة إلى مخلص

قصة العبودية :

 يروى لنا هذا السفر قصة العبودية فى كثير من التفاصيل ، أولا لأنها تمثل قصة عبوديتنا للخطية التى من أجلها جاء السيد المسيح لتحريرنا . وثانيا لأن هذه التفاصيل تمثل جوانب حية تمس حياتنا وعلاقتنا مع الله . أما السبب الثالث فهو أننا كثيرا ما ننسى أو نتناسى هذه العبودية القاتلة ، لذلك عندما أعلن السيد المسيح رسالته ، قائلا : " تعرفون الحق والحق يحرركم " يو 8 : 32 ، أجابه اليهود : " إننا ذرية إبراهيم ولم نستعبد لأحد قط . كيف تقول أنت أنكم تصيرون أحرارا ؟! "

ويعلق القديس أغسطينوس على هذه الإجابة قائلا :

+ [ حتى إن نظرنا إلى الحرية التى فى العالم ( وليس التحرر من الخطية ) فأين الحق فى قولهم أننا ذرية إبراهيم ولم نستعبد لأحد قط ؟ ألم يبع يوسف ( تك 37 : 28 ) ؟ ألم يؤخذ الأنبياء القديسون إلى السبى  ( 2 مل 24 ، حز 1 : 1 )؟ وأيضا أليسوا هم تلك الأمة التى كانت تخضع لحكام قساة فيصنعون اللبن ( الطوب الطينى ) فى مصر ؟ ]

والعجيب أنهم  ينطقون بهذا الكلام فى الوقت الذى فيه كانوا مستعبدين للحكم الرومانى ، فإن هذه هى طبيعة الإنسان ، يستسلم للعبودية ويخضع خانعا لها ويظن أنه فى حرية .. لذا سجلت عبودية هذا الشعب وتحريرهم ، حتى نذكر دوما حاجتنا إلى السيد المسيح كمحرر لنفوسنا من أسر الخطية

 ( 1 ) نشأة بنى إسرائيل فى مصر :

إن كان قد دخل يعقوب وبنيه وأحفاده إلى مصر كعائلة واحدة ، فقد نأت الأمة اليهودية فى مصر ، وصار لها أول قيادة ( موسى النبى ) . لقد ترعرعت بعد موت يوسف ( ع 7 ) ، وسقطت تحت ظلم فرعون وعبودية المصريين ، لكن الله أعد موسى ودعاه للنضال ضد فرعون ليخرج الشعب خلال ذبيحة الفصح .

نزل يعقوب إلى مصر ومعه من صلبه الأثنى عشر أبا ليتغربوا ، ويسقطوا تحت الذل والعبودية لكننا نجد أسماءهم فى سفر الرؤيا قد سجلت على أبواب أورشليم السماوية ( 21 : 12 ) ، كما أحصى عدد المختومين من كل سبط كأولاد لله ينعمون بالأمجاد السماوية . إذن فليظلم العالم أبناء النور ، أما الله فحافظ لأولاده ، يحصيهم وينقش أسماءهم فى سفر الحياة .

" وكان جميع نفوس الخارجين من صلب يعقوب سبعين نفسا "  ع 5 

ياللعجب ! كيف تخرج نفس من نفس ؟ آدم يقول عن حواء : " هذه الآن عظم من عظامى ولحم من لحمى " تك 2 : 23 ، لكنه لا يقول " هذه نفس من نفسى " ، أيضا لابان ليعقوب : " إنما أنت عظمى ولحمى " تك 29 : 14 ... أما هنا فيقول : " جميع نفوس الخارجين من صلب يعقوب " .. وكأنما أراد أن يعلن عن نوع جديد من القرابة فوق مستوى الجسد ، أراد أن يحمل قرابة روحية نهتم بها .

هذه هى سمة إسرائيل الجديد ، أى الكنيسة ، إنها أم ولود ، تنجب نفوسا مقدسة تحمل سمات السيد المسيح .

أما سر النمو فيكمن فى العبارة التالية :

" ومات يوسف وكل إخوته وجميع ذلك الجيل ، وأما بنو إسرائيل فأثمروا وتوالدوا ونموا وكثروا كثيرا جدا وامتلأت الأرض منهم " ع 6 ، 7 .

يربط هنا بين موت يوسف واثمار إسرائيل ، وكأنه لا نمو للكنيسة – إسرائيل الجديد – إلا بموت السيد المسيح على الصليب !

لقد سقطت حبة الحنطة على الأرض وماتت ، وخلالها جاء كل هذا المحصول . وكما هو مكتوب : " كانت كلمة الله تنمو وعدد التلاميذ يتكاثر جدا " أع 6 : 7 ...

 ( 2 ) خضوعهم للعبودية :

النتيجة الطبيعية للنمو المتزايد خلال صلب المسيح وموته هو هياج عدو الخير وثورته ، إذ يقول الكتاب : " ثم قام ملك جديد على مصر لم يكن يعرف يوسف ، فقال لشعبه : هوذا بنو إسرائيل شعب أكثر وأعظم منا . هلم نحتال لهم لئلا ينموا فيكون إذا حدثت حرب أنهم ينضمون إلى أعدائنا ويحاربوننا ويصعدون من الأرض . فجعلوا عليهم رؤساء تسخير لكى يذلوهم باثقالهم فبنوا لفرعون مدينتى فيثوم ورعمسيس " ع 8 : 11

من هو هذا الملك الجديد إلا إبليس الذى يرتعب كلما رأى الرب يملك على قلوب أولاده ، يبذل كل طاقاته لتكريس جنوده وإمكانياته الشريرة لأستعباد البشر وإذلالهم بالعمل فى الطين ، أى يجعلهم يرتبكون فى الأعمال الأرضية .

لماذا يسمح الله لأولاده بالضيق ؟

أ – للأشتياق للحياة الأفضل ، فلو بقى الشعب فى راحة لما انطلقوا إلى كنعان .

ب – ليلتصقوا بالرب ، فالضيق يشعرنا باحتياجنا إلى عمل الله فينا ومعنا .

جـ - إن كان الله قد بدى كأنه قد ترك شعبه للمذلة ، لكن الكتاب يؤكد " بحسبما أذلوهم هكذا نموا وامتدوا " ع 12 . إن كانت يد العبودية قد قست لكن الله لم يتركهم ، وعمل على خلاصهم بكل الطرق .

 ( 3 ) قتل الذكور :

إستدعى فرعون قابلتى العبرانيات شفرة وفوعة ، وطلب منهما أن يقتلا كل طفل ذكر عند ولادته ويستبقيا البنات ، وكان هذا الأمر سهلا ، فقد كانت العادة المتبعة فى مصر فى ذلك الوقت أن تتم الولادة على كرسى خاص ، فتستطيع القابلة أن تقتل الطفل قبل أن يراه أحد ، لكن القابلتان خافتا الله واستبقت الذكور والإناث .

العبرانيات : لقد دعى الشعب اليهودى بالعبرانيين ، نسبة إلى عابر أحد أجداد إبراهيم ( تك 10 : 21 ) ، لذلك كانت كلمة " عبرانى " تشير إلى اليهودى الأصيل وتميزه عن اليهودى الدخيل من الأمم .. ويدعى المؤمنون عبرانيين أيضا ، لأن طبيعة حياتهم " العبور " المستمر ، يشعر أنه غريب ومنطلق على الدوام من الأرضيات نحو السماويات .

 مجازاة الله للقابلتين :

 يقول الكتاب : " وكان إذ خافت القابلتان الله أنه صنع الله لهما بيوتا " ع 21 . فهل يصنع الله بيوتا ؟ إذ تشير القابلتان إلى الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد ، فإنه إذ يدرس بمخافة إلهية ويعيشهما المؤمنون كما يجب ، يقيم الله للكتاب موضعا فى أماكن كثيرة ، أى ينفتح مجال الخدمة وتقام بيوت لله . هكذا يحتاج العالم أن يرى فينا كلمة الله عاملة فى قلبنا بخوف إلهى ، فيجد الإنجيل له موضع فى كل قلب .

وقد أثار هذا النص جدلا : لماذا يكافىء الله القابلتين وقد كذبتا على فرعون ؟ ...

والرأى الأقرب للصواب : " ليس لأنهما كذبتا وإنما لأنهما صنعتا رحمة بشعب الله ، لم يكافىء فيهما خداعهما ( لفرعون ) بل معروفهما وحنو ذهنهما وأتيان الرحمة على الأطفال ، وليس خطأهما بالكذب "

 طرح الأطفال فى النهر :

يقول الكتاب : " ثم أمر فرعون جميع شعبه قائلا : كل إبن يولد تطرحونه فى النهر ، لكن كل بنت تستحيونها " ع 22

تأمل الخطر الذى يهددك منذ ولادتك الجديدة ؟ أى منذ نوالك المعمودية .. فقد أصعد يسوع إلى البرية من الروح ليجرب من إبليس ( مت 4 : 1 ) ..

 لكن السيد المسيح انتصر حتى يفتح لك طريق النصرة

+  +  + 

خروج – الأصحاح الثانى

إعداد موسى للخدمة

بعد أن كشف الأصحاح الأول عن الحاجة إلى مخلص جاءت الأصحاحات 2 – 4 تتحدث عن إعداد موسى النبى للخدمة :

( 1 ) موسى فى النهر

سمحت العناية الإلهية للشعب بتجربة قاسية ، وفى نفس الوقت كانت تعد لهم المنقذ ( 1 كو 10 : 13 ) .. أعد الله لهم موسى ودربه فى فترة ثمانين عاما حيث مر به فى مراحل ثلاث :

المرحلة الأولى : حيث عاش موسى فى قصر إبنة فرعون أربعين عاما يتثقف بحكمة المصريين وعلمهم ، وفى نفس الوقت كان يرضع لبن شعبه العبرانى . فى هذه الفترة ظن أنه قادر أن يخدم الله معتمدا على فصاحة لسانه وقدرة تدبيره وحكمته ... لكنه فشل .

والمرحلة الثانية : قضاها فى البرية لمدة أربعين عاما يتدرب فيها على معرفة نفسه أنه بدون الله لا يساوى شيئا ... عرف فيها نفسه أنه ثقيل الفم واللسان ( 4 : 10 ) ، عاجز عن العمل بذاته ( 4 : 14 ) .

أما المرحلة الثالثة : فبدأت بلقائه مع العليقة المشوكة الملتهبة نارا ، وتعرف على الله الذى يعمل فى اللاشىء ليقيم أعمالا مجيدة .

نعود بعد هذه المقدمة إلى موسى فى طفولته ، فيتحدث معلمنا بولس الرسول عن والديه كبطلى إيمان قائلا : " بالإيمان موسى بعد ما ولد أخذاه أبواه ثلاثة أشهر لأنهما رأيا الصبى جميلا ولم يخشيا أمر الملك " عب 11 : 23 . ونحن أيضا بالإيمان بالله الذى ينظر فى الخفاء إلى أعمالنا يلزمنا أن نخفى كل فضيلة حتى لا تصير فريسة لفرعون ( إبليس ) وتبتلعها أمواج النهر .

سقط من البردى : يقول الكتاب : " ولما لم يمكنها أن تخبئه بعد ، أخذت له سفطا من البردى وطلته بالحمرة والزفت ووضعت الولد فيه ووضعته بين الحلفاء على حافة النهر " ع 3 .

كان السفط هو الحافظ الظاهر للطفل ، أما دموع أمه فكانت الحافظ المستتر .

فى هذا يقول القديس غريغوريوس النيسى : [ من يهرب من مثل هذه الأمور يلزمه أن يقتدى بموسى ، ولا يكف عن الدموع ، فإنه وإن كان فى أمان داخل التابوت لكن تبقى الدموع هى الحارس القوى لمن خلص بالفضيلة ] .

 ( 2 ) موسى فى القصر :

إبنة فرعون : إنها تمثل الفلسفات الزمنية ، فهى عقيمة وغير مثمرة ، تتمخض ولكنها لا تلد ، وفى نفس الوقت لا تقف الكنيسة موقف العداء منها ، وإنما كما دخل موسى قصرها وإن كان قد نشأ يرضع لبن أمه ، هكذا تتقبل الفلسفات والعلوم ولا نحتقرها لكننا نتمسك بتعليم وتقليد الكنيسة أمنا وإنجيلها وتعاليمها وفكرها وكل حياتها .

أما من جهة الأسم : فقد دعته إبنة فرعون " موسى " ، الذى يعنى بالمصرية " ماء " ع 10 ، وهو الأسم الذى دعاه به الله نفسه .

 ( 3 ) موسى يخدم بغيرة بشرية :  

إذ تثقف موسى بحكمة المصريين قرابة أربعين عاما ظن أنه قادر أن يخدم الله ، معتمدا على فصاحته وحكمته . ظن فى نفسه أنه شىء فارتبك فى خدمته ، إذ " التفت إلى هنا وهناك " ع 12 ، مهتما بنظرة الناس إليه ، مع أنه خادم الله لا يهيم ببغض الناس أو رضائهم عن خدمته ، ما دام يعلم أن الله هو الذى أرسله ... موسى خرج إلى الخدمة معتمدا على كفاءته الخاصة فخاف وهرب من الخدمة ( ع 15 ) .

هذا ويلاحظ أن ما تعرض له موسى إنما يتعرض له كل من يضع فى قلبه أن يكرس حياته لله ، فيواجه حربين : حرب شمالية ، وأخرى يمينية .

أ – الحرب الشمالية : وهى الحرب ضد الشر الواضح ، وذلك كما رأى موسى الصراع بين رجل غريب الجنس ومن هو من بنى جنسه ، فضرب الأول ضربة قاضية وطمره فى الرمل ، هكذا حمل ذلك صورة رمزية للمؤمن الذى لا يضرب كل إنسانا وإنما يضرب كل شر فى قلبه ويدفنه ، حتى لا يكون للخطية الغريبة عن طبعنا موضعا داخلنا .

ب – الحرب اليمينية : وهى حرب مع البر الذاتى ، حين يظن الإنسان فى نفسه أنه قد ار بارا أفضل من الآخرين ، ليست له خطايا واضحة ، وهذه حرب مثل ما بين العبرانى وأخيه ، أى بين الأنسان وذاته " الأنا " .

كذلك يواجه المؤمن حربين : حرب ضد الخطية ظاهرة وسهلة نسبيا ، وحرب الإنقسام الداخلى فى الكنيسة وهى أخطر وأقسى ... تؤدى إلى هروب الكثيرين من الخدمة ، كما اضطر موسى إلى ذلك

 ( 4 ) موسى فى أرض مديان

بعد أربعين عاما إنتقل موسى إلى البرية ليتدرب على معرفة حقيقة نفسه أنه لا شىء .. إذ يقول :

 " من أنا حتى أذهب إلى فرعون ؟! " 3 :12 ...  برغم أن فرعون وبيته ليسوا غرباء عن معرفة موسى لأنه تربى فى بيت فرعون ! .. ولكنه بهذا الفكر الذى ينكر فيه ذاته تأهل لنوال قوة إلهية .

هناك فى البرية سكن رعوئيل الذى تفسيره " الله صديق " ، وتزوج موسى بصفورة إبنته  التى تعنى " عصفورة " وأنجب منها جرشوم الذى يعنى غريب .

أما عمل موسى فكان رعاية الغنم ، وفى هذا صورة السيد المسيح الراعى الصالح الذى يرعى حركات النفس الداخلية .

+  +  + 

خروج – الأصحاح الثالث

العليقــة المتقــــدة نـــارا

 ( 1 ) العليقة المتقدة نارا :

بينما كان موسى يرعى غنم حميه يثرون ساق الغنم إلى وراء البرية وجاء إلى جبل الله حوريب ، وإذا به يرى عليقة تتقد نارا ولا تحترق ، فقال : " أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم " ع 3 . هنا دخل موسى النبى إلى مرحلة جديدة هى مرحلة اللقاء مع الله الذى هو سر القوة ، والراعى الخفى الذى يعمل لخلاص العالم وبنيان الكنيسة .

والآن إلى أى شىء تشير هذه العليقة المتقدة ؟ 

نأخذ بعض تأملات الآباء :

·   يرى القديس اكليمنضس الإسكندرى أنها إعلانا عن الميلاد البتولى ، فقد ولد السيد المسيح من البتول ، وبميلاده لم تحل بتولية العذراء .

·   يرى القديس كيرلس الإسكندرى أن العليقة حملت سر التجسد الإلهى ، فقد اتحد اللاهوت بالناسوت دون أن يبتلع الناسوت ، فإنه ما كان يمكن لموسى النبى أن يبدأ هذا العمل الخلاصى ما لم يتلمس ظلال التجسد الإلهى ، فيتعرف على " الكلمة الإلهى " المتجسد كصديق للبشرية ، صار واحدا منا ، وعاش بيننا ...

·   رأى القديس يوحنا الذهبى الفم فى العليقة صورة حية لقيامة السيد المسيح الذى حمل جسدا حقيقيا ، ومات فعلا ، لكنه لم يمسك فى الموت على الدوام .

ويلاحظ أن الكتاب يقول " وظهر له ملاك الرب بلهيب نار من وسط عليقة " ع 2 . وهنا كلمة ملاك تعنى " مرسل " ، وتشير إلى الأقنوم الثانى ، ... فلو أن الذى ظهر ملاك وليس الأقنوم الثانى لما قال " ناداه الله من وسط العليقة ... ثم قال أنا إله أبيك إله ابراهيم وإله اسحق وإله يعقوب . فغطى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله " ع 4 – 6 .

( 2 ) خلع الحذاء

يقول الرب لموسى : " لا تقترب إلى هنا ، إخلع حذاءك من رجليك ، لأن الموضع الذى أنت واقف عليه أرض مقدسة " ع 5 .

نحن ندخل الهيكل حفاة الأقدام كوصية الرب لموسى النبى ، وخلع الحذاء يشير إلى الشعور بعدم تأهلنا حتى للوقوف فى هذا الموضع المقدس الذى فيه تقدم الذبيحة المخوفة التى تشتهى الملائكة أن تطلع عليها ، خلع الحذاء أيضا عند الآباء يحمل معان أخرى كثيرة وعميقة ، نذكر منها :

·   أن آدم عندما كان فى الجنة لم يكن بحاجة إلى لبس حذاء ، لأن الأرض لم تكن بعد قد أنبتت شوكا وحسكا ، وكأن بموسى النبى وهو فى حضرة الله كأنه فى جنة عدن ، حيث وجود الله معنا ، فلا حاجة لنا إلى الحذاء لأن الأرض أصبحت مقدسة كجنة عدن بوجود الله .

·   كانت الأحذية فى القديم تصنع من جلد الحيوان الميت ، وكأن الله بوصيته هذه يطلب منا أن نخلع عنا محبة الأمور الزمنية الميتة لنلتصق بالسمويات الخالدة حتى نلتقى به .

 ( 3 ) دعوة موسى :

من خلال العليقة الملتهبة نارا دعى موسى وهو واقف حافى القدمين ليتسلم خدمة شعب الله ، حقا إن المتحدث نارا آكلة ( إش 10 : 7 ) ، والدعوة صدرت عن النار الإلهية ، لكنها لا تؤذى موسى بل تسنده وتلهبه ... كما فغل الروح القدوس النارى فى التلاميذ ، الذى أحرق ضعفاتهم وأعطاهم قوة للحياة الجديدة الكارزة ( مت 3 : 11 ، أع 2 ) .

إذ دعى الله موسى النبى لم يحدثه عن مؤهلاته للخدمة وإمكانياته البشرية بل حدثه عن نفسه ، الإمكانيات الإلهية المقدمة له ، قائلا له : " أنا إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب " ع 6 .

وكانت هذه الكلمات تخرج بسلطان وقوة نارية حتى " غطى موسى وجهه لأنه خاف " ع 7 . تحدث أيضا عن قيامه هو بالخلاص فقد رأى وسمع وعلم مذلة شعبه لذا فهو ينزل لإنقاذهم .

أما سر قوة موسى النبى فهو : " إنى أكون معك " ع 12 . وهوذات الوعد الذى بعطيه لجميع أنبيائه ورسله وكل العاملين فى كرمه . فيقول ليشوع بن نون " كما كنت مع موسى أكون معك ، لا أهملك ولا أتركك " يش 1 : 5 . ويؤكد لأرميا النبى " لأنى أنا معك يقول الرب لأنقذك " أر 1 : 16 ، ويقول لتلاميذه " ها أنا معكم كل الأيام إلى إنقضاء الدهر " مت 28 : 20 .

 ( 4 ) إعتذار موسى :

أراد موسى أن يستعفى عن الخدمة قائلا : " من أنا حتى أذهب إلى فرعون وحتى أخرج بنى إسرائيل من مصر ؟! " ع 11

طبيعة موسى الضعيفة بالرغم من كونه من رجال الإيمان جعلته يتردد فى قبول الدعوة ، وربما كان ذلك من آثار فشله الأول حين خرج إلى الخدمة متكلا على ذراعه البشرى . فما كان له أن يقول " من أنا ؟ ! " بعد أن عرف أن الله نفسه هو الذى يرسله وهو الذى ينزل ليخلص .

أصر موسى على إعفائه أكثر من مرة ، تارة يضع أسئلة واعتراضات ، كأن يقول " فإذا قالوا ما إسمه ، فماذا أقول لهم " ع 13 والرب يجيبه ، وأخرى يقول " ولكن ها هم لا يصدقوننى " 4 : 1 فيعطيه الرب إمكانية عمل آيات ومعجزات ... ! وثالثة يعترض بسبب ضعفه الشخصى قائلا " أنا ثقيل الفم واللسان " 4 : 10 والله يؤكد له أنه هو خالق الفم واللسان " إذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به " 4 : 12 وإذ لا يجد أى حجة يقول " إستمع أيها السيد ، إرسل بيد من ترسل " 4 : 13 ، حتى حمى غضب الله   : 14 فأعطاه هرون شريكا معه فى الخدمة .

 ( 5 ) إسم الله :

عرف موسى أن الذى يحدثه هو الله ، فسأله عن إسمه " فقال الله لموسى أهيه الذى أهيه ، وقال هكذا قل لبنى إسرائيل أهيه أرسلنى إليكم ... إله آبائكم إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب أرسلنى إليكم " ع 14 ، 15 .

أولا :    أهيه الذى أهيه    AHIAH

هذا الأسم يكشف عن جانبين فى الله : أولا : أنه هو الكائن وحده الذى بجواره يكون الكل كأنه غير موجود ، ثانيا : أنه ليس إسم يقدر أن يعبر عنه .

 أى [ اخبرهم أولا أنى أنا هو الكائن حتى يعرفوا الفارق بين من هو كائن وما هو ليس بموجود . كما قدم لهم الدرس الآخر أنه لا يمكن لإسم ما أن يستخدم ليليق بى أنا الذى إليه وحده ينسب الوجود ] .

ثانيا :    إلــــه آبائكــم  

قول الله لموسى " إله آبائكم إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب " ع 15 وتكرارها ثلاث مرات فى هذا اللقاء بين الله وأول قائد للشعب ( ع 6 ، 15 ، 16 ) سحب قلب آباء الكنيسة إلى علامة الصداقة الإلهية الإنسانية فمع أن الله هو إله العالم كله ، إله السمائيين والأرضيين ، إلا أنه ينسب نفسه للأخصاء أصدقائه . إنه لا يود أن يكون سيدا بل صديقا فنراه يكلم موسى وجها لوجه كما يكلم الصديق صاحبه ( خر 33 : 11 ) .

وأخيرا ، نلاحظ أن السيد المسيح إستخدم الأسم ليؤكد للصدوقيين القيامة ، فإن الله إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب إله أحياء وليس إله أموات ( مت 22 : 31 ، 32 ) فإن كان الله هو الحى إنما ينسب لنا ، واهبا إيانا الحياة لنبقى معه إلى الأبد .

 ( 6 ) سر الأيام الثلاثة :

أمر الله موسى أن يطلب مع الشيوخ من فرعون قائلين : " الرب إله العبرانيين إلتقانا ، فالآن نمضى سفر ثلاثة أيام فى البرية ونذبح للرب إلهنا " ع 18

لقد طلب الرب منهم أن يخرجوا سفر ثلاثة أيام فى البرية ويذبحوا للرب ، وكان فرعون يطلب من موسى وهرون أن تقدم الذبائح فى أرض مصر ، لكن موسى أجابه " لا يصلح أن نفعل هكذا ... نذهب سفر ثلاثة أيام فى البرية ونذبح للرب إلهنا كما يقول لنا " 8 : 26 ، 27 . وأخيرا سمح لهم بالخروج ، لكنه كان يقول لهم " لا تذهبوا بعيدا " 8 : 28 ، أما موسى فأصر على السفر ثلاثة أيام ... لماذا ؟

الطريق الذى يخرج فيه الشعب ليقدم لله ذبيحة إنما هو السيد المسيح نفسه الذى قام فى اليوم الثالث ، وخلال قيامته تقبل كل عبادة وتقدمة منا للآب .

خبرة الأيام الثلاثة أى القيامة مع السيد المسيح اختبرها قبلا إبراهيم أب الآباء ، هذا الذى خرج من بيته ثلاثة أيام وعندئذ رأى العلامة فقدم إبنه ذبيحة حب لله ( تك 22 : 4 ) .

 ( 7 ) يد الله القوية :

من حين إلى آخر يؤكد الله لموسى قدرته على الخلاص قائلا : " فأمد يدى واضرب مصر بكل عجائبى التى أصنع فيها وبعد ذلك يطلقكم " ع 20 ...

أما غاية هذا العمل الإلهى الخلاصى فهو " أصعدكم .... إلى أرض تفيض لبنا وعسلا " ع 17 – اللبن والعسل إنما يشيران إلى حياة الشبع واللذة الروحية ، لهذا كان المعمدون فى الكنيسة الأولى يشربون أثناء طقس المعمودية لبنا ويأكلون عسلا ، إذ بالمعمودية صار لهم حق الدخول إلى كنعان السماوية الموعود بها .

+  +  +

خروج – الأصحاح الرابع

موسى يلتقى بشعبه

بعدما التقى موسى بالله خلال العليقة الملتهبة نارا كان لابد لموسى النبى أن يترك مديان ليلتقى بهرون أخيه وبشعبه فى مصر :

 ( 1 ) معجزات ثلاث لشعبه

كما ظهر الله لموسى خلال العليقة المتقدة نارا يعلن له سر الخلاص خلال التجسد الإلهى والميلاد البتولى والألم ، كان لابد أن يمنح موسى إمكانية تقديم بعض المعجزات التى تحمل ظلا لهذا السر أى الخلاص ، خلال التجسد الإلهى والصليب . لقد وهبه ثلاث معجزات يمارسها أمام شعبه ، ليس لمجد إظهار قوة فائقة للطبيعة ، وإنما تعلن عمل الله الفائق نحو الإنسان . هذه المعجزات هى : تحويل العصا إلى حية ، وجعل يده اليمنى برصاء ، تحويل الماء إلى دم .

 أولا : تحويل العصا إلى حية

سأل الله موسى : ما هذه فى يدك ؟ فقال " عصا " ع 2

ألم يعلم الله ما بيد موسى ، فلماذا سأله هكذا ؟ ... حتى يتذكر أنها كانت عصا قبل أن تتحول إلى حية !

هذه هى طريقة الله فى تعامله معنا كأن يسأل عن لعازر : قائلا " أين وضعتموه ؟ " يو 11 : 34 ، حتى متى أقامه يشهد اليهود أنفسهم أنه أقامه من القبر .

لقد أمر الرب موسى أن يلقى عصاه ، التى دعيت فيما بعد عصا الله ( ع 20 ) على الأرض فتصير حية تبتلع كل حيات المصريين . الله الكلمة هو عصا الله وقوته الذى نزل على الأرض من أجلنا ، هذا الذى لم يعرف خطية صار خطية لأجلنا ( 2 كو 5 : 21 ) لكى يقتل كل خطايانا ، أى حملت المعجزة ظلالا لسرى التجسد والصليب .

ينطبق هذا الرمز بحق على الرب ، لأنه إن كانت الخطية هى حية ، والرب صار خطية ، إذن النتيجة المنطقية واضحة للجميع . بكونه صار خطية صار أيضا حية هذه التى ليست إلا أنها خطية . من أجلنا صار حية لكى يلتهم حيات المصريين التى أوجدها السحرة ويقتلها .

هروب موسى من الحية وخوفه منها ، يمثل هروب التلاميذ من السيد المسيح ، عندما مات على الصليب . فالأنسان يخاف ويرتعب عندما يدرك قوة العمل الإلهى .

أخيرا ، فإن عودة الحية إلى عصا مرة أخرى إنما تشير إلى السيد المسيح الصاعد إلى السموات ، إلى أمجاده بعدما مزق الصك الذى كان علينا ، ليقيمنا معه ويجلسنا معه فى السمويات ، شركاء معه فى المجد ، نستقر فى حضن أبيه ببره .

 ثانيا : يده اليمنى برصاء :

إن يد الله الآب اليمنى أو يمين الآب إنما هو الأبن الجالس عن يمينه ، أى قوة الآب ، هذا الذى فى حضنه ، لقد نزل إلينا حاملا خطايانا ( البرص يشير إلى الخطية ) ليغسلنا ويقدسنا ثم يعود بنا إلى حضن أبيه أصحاء بلا خطية ، وكأن هذه الآية إنما تؤكد الآية السابقة .

ويرى القديس أغسطينوس فى قول المرتل " لماذا ترد يدك ويمينك ؟ اخرجها من وسط حضنك . إفن ، والله ملكى منذ القدم فاعل الخلاص فى وسط الأرض " مز 74 ، يرى أنها صرخات موجهة لله الآب حيث يطلب أن يرسل إبنه الوحيد " يمينه " الذى فى وسط حضنه ، ليفن الشر مقدما الخلاص فى وسط كل الأمم .

 ثالثا : تحويل الماء إلى دم :

جاءت هذه المعجزة لتثبيت المعجزتين السابقتين ، فإنه لا خلاص لنا إلا خلال دم السيد المسيح ، الذى يقدس مياة قلبنا الباردة .

 ( 2 ) أنا ثقيل الفم واللسان :

اعتذر موسى النبى عن الخدمة قائلا : " إستمع أيها السيد . لست أنا صاحب كلام منذ أمس ولا أول من أمس ولا من حين كلمت عبدك ، بل أنا ثقيل الفم واللسان . فقال له الرب : من صنع للإنسان فما أو من يصنع أخرس أو أصم أو بصيرا أو أعمى ، أما هو أنا الرب ؟! فالآن إذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به " ع 10 – 13 .

متى شعر موسى أنه ثقيل الفم واللسان ؟ حين كان فى القصر إبنا للأميرة إبنة فرعون ، يتدرب بكل حكمة المصريين كان يشعر أنه قادر على الكلام ، أما الآن إذ صار فى حضرة الرب نفسه شعر أنه ثقيل الفم واللسان !

بالوقوف أمام الله اكتشف موسى النبى ثقل فمه ولسانه ، إنسحق فى داخله معتذرا عن الخدمة فتأهل بالأكثر لكى يملأ الله فمه ليخدم . وقد تحدث الآباء كثيرا عن اتضاع موسى .

لم ينفتح فم موسى وحده ليتكلم الله فيه ؛ وإنما أيضا انفتح فم أخيه هرون ، هذا الذى التقى مع موسى عند جبل الله ( ع 27 ) . وكأن كل من يريد أن ينفتح فمه ويتمتع بكلمات الرب والمعرفة الإلهية يلزمه أن يلتقى بموسى ( الناموس ) روحيا على جبل الله أى داخل الكنيسة المقدسة الإلهية .

 ( 3 ) هرون كسند لموسى :

 بالرغم من كل تأكيدات الله لموسى أنه هو الذى يعمل فيه ، وهو ملتزم بإنجاح طريقه ، لكن موسى عاد ليقول : " إستمع أيها السيد . ارسل بيد من ترسل " . حقا ما أتعب القلب البشرى حين يتعب ! لقد حمى غضب الله ( ع 14 ) ، فخسر موسى إنفراده بالرسالة ، وقدم له الله شريكا ، حقا إن الشركة فى الخدمة جميلة ومبهجة فقد أرسل الرب تلاميذه إثنين إثنين ، لكن ما حدث مع موسى كان ثمرة ضعفه وإصراره على الهروب من المسئولية .

على أى الأحوال ، حول الله حتى هذا الضعف للخير ، إذ صار هرون سندا لموسى ، ورمزا للملاك الحارس .  

( 4 ) ترك مديان :

إذ أمر الله موسى أن يرجع إلى مصر ليخرج الشعب قال له : " أنظر جميع العجائب التى جعلتها فى يدك ، واصنعها قدام فرعون . ولكننى اشدد قلبه حتى لا يطلق الشعب " ع 21 هكذا سبق فأعلن الله له الإمكانيات التى وهبه إياها وأيضا بالتجارب التى تحيط به حتى لا يخور فى طريق الجهاد ، هذا ما فعله السيد المسيح معنا ، أكد لنا " ثقوا أنا قد غلبت العالم " يو 16 : 33 ، وفى نفس الوقت قال " ها أنا أرسلكم كحملان فى وسط ذئاب " مت 10 : 16 .

( 5 ) ختان إبن موسى

يبدو أن زوجة موسى الغريبة الجنس ، صفورة إبنة يثرون ، خافت على إبنها من الختان ، وقد خضع موسى النبى لرأيها ... هكذا حتى العمالقة فى حياتهم الروحية يتعرضون لضعفات قد تدفع لهلاكهم .

كان لزاما على موسى أن ينطلق بزوجته من مديان ليعمل فى كرم الرب ، وكان لزاما عليه أن يختن الإبن ثمرة اتحاده بهذه الزوجة .

قابلهم الملاك ، وأرعبهم هذا اللقاء ، لكن زوجته هدأت الملاك بتقديم إبنها طاهرا ، إذ نزعت عنه العلامة الخاصة بالغرباء ( الغرلة ) تماما .

( 6 ) بدء العمل :

التقى موسى وهرون أى الوصية الإلهية مع العبادة الورعة الكهنوتية ، وتلاقيا مع جميع الشيوخ ، الذين خضعوا لعمل الله وكلماته ، أما الشعب فإذ سمعوا " خروا وسجدوا " ع 27 .

إنها صورة حية لخضوع كل طاقات النفس والجسد للعمل الإلهى خلال قبول كلمة الله والعبادة .

حقا ما أحوجنا أن نعمل فى القلب ، كرم الله المقدس ، خلال كلمة الله وبروح تعبدى ليصير القلب كله مقدسا للرب ، خاضعا له !

+  +  +

خروج – الأصحاحان الخامس والسادس

لقاء مع فرعون

إلتقى موسى بالله خلال العليقة ، ثم التقى بهرون فى جبل الله ، وخرج الإثنان إلى جميع الشيوخ وكل الشعب ، والآن لا بد أن يدخلا إلى فرعون نفسه ليلتقيا مع الأسد فى عرينه .

( 1 ) لقاء داخل القصر

أ – إذ طلب موسى وهرون من فرعون أن يطلق الشعب ليتعبد له على مسيرة ثلاثة أيام ، أى خلال قوة قيامة الرب ، هاج فرعون قائلا : " من هو الرب حتى اسمع له ؟  لا أعرف الرب " ع 2 . أليس هذا هو ذات الروح الذى نطق به المجمع حين دعى الرسولين بطرس ويوحنا " وأوصوهما أن لا ينطقا البتة ولا يعلما باسم يسوع " أع 4 : 18 .

ب – ان حديث فرعون هذا : " لا أعرف الرب "  يكشف عن ظلمة الجهل التى يعيش فيها عدو الخير .

جـ - يرى العلامة أوريجانوس فى شكوى فرعون أن موسى وهرون يبطلان الشعب ( ع 4 ) هى شكوى عدو الخير فى كل جيل ، إذ يرى الكثيرون أن تكريس الشباب حياتهم للعبادة والخدمة هو مضيعة للطاقة البشرية .

( 2 ) تشديد السخرة

بدلا من إطلاق الشعب ليعبد الرب شدد فرعون أوامره ضد الشعب لإذلالهم ، متهما إياهم أنهم متكاسلون .

يعلق العلامة أوريجانوس على ذلك قائلا : " حقا قبل أن تعرف الكرازة لا توجد الضيقات والتجارب ، لا تبدأ الحرب قبل أن يبوق بالبوق . لكن ما أن يبوق بوق الكرازة حتى تعطى العلامة للحرب ( الروحية ) وتحل الضيقة " .

( 3 ) تذمر الشعب :

إذ تشدد فرعون فى الأمر قال الشعب لموسى وفرعون " ينظر الرب إليكما ويقضى ، لأنكما أنتنتما رائحتنا فى عينى فرعون وفى عيون عبيده حتى تعطيا سيفا فى أيديهم ليقتلوننا " ع 21

إذ دخل الخوف قلب الشعب تحولت كلمة الله فى فمى موسى وهرون التى لها الرائحة الزكية ، رائحة حياة للحياة ، إليهم رائحة موت لموت ( 2 كو 2 : 15 ، 16 .. ) .

هذا التذمر ليس علته عنف فرعون وتشديد السخرة ، لكنه طبيعة لازمت هذا الشعب طوال سيرهم فى البرية بالرغم من عناية الله الفائقة لهم ... لذلك يليق بنا فى تذمرنا ألا نلوم الظروف المحيطة بنا بل قلبنا المملوء خوفا وعدم ثقة فى الله المخلص .

 ( 4 ) تأكيدات الرب لموسى :

إذ تذمر الشعب ، صرخ موسى إلى الرب وقال " يا سيد ، لماذا أسأت إلى هذا الشعب ؟ لماذا أرسلتنى ؟ فإنه منذ دخلت إلى فرعون لأتكلم باسمك أساء إلى هذا الشعب ، وأنت لم تخلص شعبك " ( 5 : 32 ، 33 ) .

ما أجمل أن يدخل الخادم مع الله فى عتاب حين يشعر كأن خدمته قد فشلت ، مقدما لله حسابات عمله ؟!

تقبل الله هذا العتاب واستجاب لمرارة قلب خادمه . إن كان فرعون قد أعلن جهله بالله قائلا " لا أعرف الرب " ( 5 : 2 ) فإن تأكيدات الله المتكررة لموسى هى " أنا الرب " ( 6 : 2 ، 7 ، 8 ، 28 ) .

هو الرب الذى عمل فى الآباء قديما إذ ظهر لإبراهيم وإسحق ويعقوب ( 6 : 3 ) ، ويعمل فى الحاضر إذ يسمع أنات شعبه ويخرجهم من تحت الثقل ويحررهم من العبودية ( 6 : 5 ، 6 ) ، ويدبر لهم المستقبل فيدخلهم إلى الأرض التى وعد بها ( 6 : 9 ).

 ( 5) رؤساء بيت آبائهم :

بعد أن أكد الرب لموسى أنه يحرر الشعب من العبودية ، ذكر الكتاب أسماء بيت آبائهم .. وكأن الرب يريد أن يؤكد  أنه ليس فقط يهتم بالشعب كجماعة ، لكنه يهتم بكل واحد فيهم بإسمه . علاقة الله مع شعبه دائما على المستور الحماعى والشخصى فى نفس الوقت ، فى رعايته لهم كجسد السيد المسيح الواحد المقدس ، شعرة واحدة من رأس الجماعة لا تسقط بدون إذنه !

لقد وجد بعض الآباء معان كثيرة لهذه الأسماء ، نذكر على سبيل المثال ما رآه العلامة أوريجانوس فى أسماء بنى قورح : أسير وألقانة وأبيأساف ( 6 : 24 ) ، هؤلاء الذين نظموا صلاة تسبحة جميلة بروح واحد منسجم ، جاءت مقدمتها : " كما يشتاق الإيل إلى جداول المياة هكذا تشتاق نفسى إليك يا الله " مز 42 .

 أما سر انسجامهم معا فى الصلاة والتسبيح فهو أن أسير يعنى " تعليم " وألقانة تعنى " ملكية الله " وأبيأساف فى رأيه ترجع لليونانية وتعنى مجمع الأب ، وكأنه إذ تكون النفس كقورح ويكون لها هؤلاء الأبناء معا : حب التعليم المستمر ، والشعور بالتكريس لله أى فى ملكيته ، والأرتباط بروح الجماعة الواحدة ، يفيض فى القلب قصيدة حب وصلاة مقبولة يفرح بها الله .

 ( 6 ) أنا أغلف الشفتين :

حاول موسى أن يعتذر للرب قائلا " كيف يسمعنى فرعون وأنا أغلف الشفتين ؟! " ( 6 : 2 ، 30 ) . لكن تأكيدات الرب له " أنا الرب " ... أنا أخلص ...

ما أجمل أن يشعر الإنسان بضعفه الروحى وخطاياه كسر فشل لخدمته ، فيقول " أنا أغلف الشفتين " ... ليست فيهما قداسة لتعمل كلماتى بسلطان ضد إبليس ، أو كما يقول نحميا حين سمع عن أخبار الخدمة المحزنة " أنا وبيت أبى قد أخطأنا " ( نح 1 : 6 ) . لم يلم الظروف ولا الآخرين ولا نسب لله أنه قد نسى أولاده بل ألقى باللوم على نفسه هو وبيت أبيه لأنهم أخطأوا .

لقد ادرك موسى مفهوم الختان والغرلة على مستوى روحى داخلى ، لذا حسب شفتيه فى حاجة إلى ختان داخلى ... وجاء بعده أرميا يتحدث عن ختان القلب الخفى ( أر 4 : 4 ) وختان الأذن ( أر 6 : 4 ) ، وتحدث معلمنا بولس الرسول فى أكثر وضوح عن الحاجة إلى الختان الروحى فى المعمودية ، حيث يخلع المؤمن أعمال الإنسان القديم ليحمل جدة الحياة ويكون على صورة خالقه . 

+  +  +

خروج – الأصحاحات 7 – 10

الضربات العشر

تتحدث هذه الأصحاحات الأربعة ( 7 – 10 ) عن التسع ضربات الأولى بينما تحدث الأصحاحان ( 11 ، 12 ) عن الضربة الأخيرة التى إرتبطت بخروف الفصح

 ( 1 ) مقدمة للضربات :

 قبل أن يبدأ الله بالضربات أكد لموسى عدة حقائق :

أ – أنا جعلتك إلها لفرعون ( ع 1 ) ، أى جعلتك سيدا عليه ، فلا تخافه ولا ترهب قسوة قلبه ، وكما يقول القديس باسيليوس : [ يقدم هذا اللقب برهانا على نوع من السلطان فى التدبير أو فى العمل ] . فالمؤمن يحذر من إبليس لكنه يؤمن بسلطان عليه كقول الرب :

" ها أنا اعطيكم سلطانا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شىء " لو 10 : 19 . وكما يؤكد القديس يوحنا الذهبى الفم فى أكثر من مقال أنه ليس للشيطان سلطان علينا ، إنما يقدم إغراءاته غير الملزمة وحيله وخداعاته لكى نسقط فى فخاخه .

ب – " أخوك يكون نبيك " ع 1 ، أى المتكلم عنك . إذ التحمت الوصية ( موسى ) بالعمل الكهنوتى التعبدى ( هرون ) ، صارت العبادة معلنة للوصية وكاشفة عنها . هذا هو إيماننا أن عبادتنا الليتورجية ليست منفصلة عن إنجيلنا ، بل عاملة به وكارزة ، يستطيع الأمى والطفل أن يدركا الأسرار الأنجيلية خلال بساطة الطقس وروحانيته ويقدر المتعلم والناضج أن يجد أعماق المفاهيم اللاهوتية الأنجيلية فيه .

جـ - غاية الضربات : " يعرف المصريون إنى أنا الرب " ع 5 ، أى يبدد ظلمة الجهل التى طمست عينى الإنسان فى شره . بمعنى آخر ، لم يهدف الله بها إلى إلقاء الرعب فى قلوب الحاضرين ، إنما أراد أن تكون سندا للخلاص .

د – إستدعى فرعون ساحرين : ذكر القديس بولس الرسول إسميهما " مينيس ويمبريس " 2 تيموثاوس 3 : 8 ، عن التقليد اليهودى . قام هذان الساحران بمقاومة موسى وهرون ليس بإلقاء الرعب والتهديد كما فعل فرعون وإنما خلال حرب خطيرة هى حرب التمويه بين الحق والباطل ، عمل الله وعمل إبليس ، فحاولا أن يفعلا ما يفعلانه موسى وهرون لكنهما فشلا ، إذ يقول الكتاب :

-         " عصا هرون ابتلعت عصيهم " ع 12

-    " فعل كذلك العرافون بسحرهم ليخرجوا البعوض فلم يستطيعوا ... فقال العرافون لفرعون هذا أصبع الله " 8 : 18 ، 19 .

-    لم يستطع العرافون أن يقفوا أمام موسى من أجل الدمامل ، لأن الدمامل كانت فى العرافين وفى كل المصريين " 9 : 12 .

بمعنى آخر ، إن كان السحرة حاولوا الخداع بإبراز بعض أعمال تحمل صورة ما فعله موسى وهرون ، وذلك بفعل السحر ، لكنهم كانوا فى ضعف ، وسقط الساحران تحت الضربات كغيرهما ، ولم يكونا قادرين على إبطال الضربات أو إنقاذ فرعون وجنوده ... واضطرا أن يعترفا بقوة " أصبع اللــه " .

فى دراستنا لسفر الرؤيا رأينا حربا مشابهة ، فكما يعلن الثالوث القدوس أعماله مع الإنسان يحاول الثالوث الدنس " الدجال والوحش البرى والوحش البحرى " أن يخدعوا البشر ، بل وأحيانا يقدمون أعمالا تبدو كما لو كانت تشبه أعمال الثالوث القدوس ، مثل عمل المعجزات بفعل شيطانى .

هـ - العصا التى كانت فى يد موسى النبى دعيت " غصا الله " 4 : 20 ، " عصا هرون " 7 : 22 ، " عصا موسى " 10 : 13 . هى عصا الخلاص التى تعمل فى حياتنا تشير إلى الإيمان بالصليب الخشبة المحيية ، لذا دعيت عصا الله ، كما تشير للوصية الإلهية أو كلمة الله الكارزة بالصليب ( عصا موسى ) ، وأيضا تشير للحياة التعبدية التىخلالها ندخل فى حياة الشركة مع المصلوب ( عصا هرون ) . وكأن الإيمان يلتحم بالكتاب المقدس والعبادة بفير انفصال .

و – العصا بين الناموس والصليب : العصا التى جاء بها موسى إلى مصر هى الناموس الذى يضرب به الضربات العشر ، أى يدين الخطية ويفضحها . وهى أيضا الصليب الذى جرد إبليس من سلطانه وقهر قوته معطيا للمؤمنين قوة الغلبة والخلاص .

 ( 2 ) تحويل الماء دما :

 يلاحظ فى الضربات العشر أن الله كان يوجهها ضد آلهة المصريين نفسها ليكشف ضعفها ، إذ يقول " وأصنع أحكاما بكل آلهة المصريين أنا الرب " 12 : 12 . فتحويل مياة النيل إلى دم دنس أوقع المصريين فى حيرة إذ رأوا معبودهم قد صار دنسا ! ومن جهة أخرى كشف لهم أن فكرهم كله جسدانى ، يرون كل شىء حسب اللحم والدم وليس بمنظار روحى .

لقد طلب الرب من موسى أن يذهب إلى فرعون فى الصباح ( ع 15 ) ، لأن حربنا مع عدو الخير تبدأ مع صباح حياتنا الروحية وبدء إنطلاقها . كما طلب منه أن يلتقى به على حافة النهر ، يخرج إليه عند المياة ( ع 15 ) ، وكأن ذلك إعلان للمؤمن أن يلتقى مع صاحب الفلسفات بذات فلسفاتهم ، فلا تخاف الكنيسة من دراسة العلوم الفلسفية ، واشترط أن يأخذ العصا التى تحولت إلى حية فى يده ، فلا إمكانية للغلبة على الشر بدون الصليب واهب النصرة .

أما النتيجة فهى : " يكون دم فى كل أرض مصر فى الأخشاب وفى الأحجار " ع 19 . فإن كان الأرض قد صار " أرض مصر " أى محبا للعالم ، فإن الدم يدخل إليه ليقدسه ، والحجارة الجامدة تتحول إلى حياة " أولاد لإبراهيم " ، كقول السيد المسيح نفسه " إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ " ! .

ويلاحظ أن الماء لم يصر دما للعبرانيين ، وكأنهم وهم كغرباء لا يتأثرون بشرور المصريين .

 ( 3 ) ضربة الضفادع :

كانت الضفادع مفرزة للإله أوزوريس ، ومن مزامعهم أن إنتفاخها علامة وحى إلهى ، فسمح الله أن تفيض عليهم وتصير ضربة كبرى بالنسبة لهم .

إن كان فرعون قد ألزم الشعب بالعمل فى الطين فقد ناله تأديب قاسى أن تقفز الضفادع من الطين بشكلها القبيح ورائحتها غير المقبولة وصوتها المزعج لتدخل إلى بيته وتقتحم مائدته وسريره ومخازنه السرية ، فتتحول حياته طينا ووحلا ! بالكيل الذى كال به كيل له وازداد .

( 4 ) ضربة البعوض :

كان الكهنة يهتمون جدا بالنظافة ويحترسون من التدنس بالبعوض والقمل ، فضربوا بالبعوض ، الأمر الذى فشل السحرة أن يخرجوه فاعترفوا أمام فرعون قائلين : " هذا أصبع الله " ع 19 .

نقرأ أن الناموس قد كتب بأصبع الله ، وأعطى خلال موسى خادمه الطوباوى ، هنا يفهم الكثيرون أصبع الله أنه الروح القدس .

بسبب كبريائنا يسمح الله للمخلوقات الصغيرة جدا والمزدرى بها أن تعذبنا ما دام الإنسان متكبرا على الله ومتعجرفا .. 

 ( 5 ) ضربة الذباب :

كان المصريون يعبدون آلهة تقوم بطرد الذباب ... فأراد الله أن يكشف عن عجز آلهتهم .

 ( 6 ) ضربة الوباء الذى أصاب المواشى  :

كان المصريون يعتقدون بالقداسة فى بعض الحيوانات ولا سيما العجل أبيس الذى يحسبون أن فيه روح إلههم أوزوريس . فبضربة الحيوانات يدرك المصريون خطأ معتقدهم .

 ( 7 ) ضربة البثور :

كان للمصريين آلهة كثيرة يقدمون لها أناسا أحياء ، قيل أنهم كانوا يحرقون بعض العبرانيين على مذبح عال ويدرون رمادهم فى الهواء لكى تنزل مع كل ذرة بركة ، لذلك أخذ موسى رمادا من التنور وذراه فنشرته الرياح ونزل على الكهنة والشعب والحيوانات بالقروح والدمامل ، حتى لم يستطع السحرة أن يقفوا أمام موسى من أجل الدمامل ( ع 11 ) . كأن الله أراد أن يعلن أنه إن كان قد طال أناته عليهم لكنه يستطيع أن يخلص هؤلاء الذين يحرقونهم بلا ذنب .

 ( 8 ) ضربة الرعد والبرد والنار :

كانت هذه الضربة شديدة إذ لم يعتد المصريون على البرد القارص وهذا الجو العنيف . وقد رأينا أن أصوات الرعد كانت تشير إلى إعلانات الله وإنذاراته ، والبرد يشير إلى قتل الزرع الرخيص ( العشب ) الذى أقامه العدو فى القلب ، والنار تحرق الأشواك الخانقة للنفس ليلتهب القلب بمحبة الله .

 ( 9 ) ضربة الجراد :

الجراد مفسد للزرع ومجلب للقحط ، إذ يبيد كل نبات أخضر ، فكانت الضربة تشير إلى عجز آلهتهم عن إعالتهم حتى جسديا .

 ( 10 ) ضربة الظلام :

كان المصريون يعبدون الإله رع  أى الشمس ، كأن هذه الضربة قد وجهت ضد هذا الإله . وفى نفس الوقت كشفت لهم عن عمى بصيرتهم الداخلية ، وأعلنت عن حاجتهم لمجىء شمس البر الذى يشرق على الجالسين فى الظلمة . وقد بقى الظلام ثلاثة أيام ، لعل ذلك إشارة إلى انتظار النفس للدخول فى نور قيامة السيد المسيح .

 موقف فرعون من الضربات :

حاول فرعون أمام هذه الضربات أن يدخل فى مفاوضات مع موسى وهرون مقدما أنصاف حلول غير مجدية ، وإذ أصر موسى وهرون على موقفهما قال " أطلقكم لتذبحوا للرب إلهكم فى البرية ، ولكن لا تذهبوا بعيدا . صليا لأجلى " ( 8 : 28 ) . تظاهر بالورع والحاجة إلى صلاتهما ، لكنه لا يريدهما أن يسيرا الثلاثة أيام كاملة ، أى لا يتمتع الشعب بقوة القيامة مع السيد المسيح المخلص .

- إذ اشتدت الضيقة سمح لهم بالخروج كما يريدون ( أى يسيرون ثلاثة أيام ) ، لكنه قال " إذهبوا أنتم الرجال واعبدوا الرب لأنكم هكذا طالبون " ( 10 : 10 ) . مشترطا أن يتركوا نساءهم وأولادهم ومواشيهم . يسمح لنا العدو أن نتعبد لله لكن بدون نسائنا أى أجسادنا ، لأن الزوجة إنما تشير للجسد ، كقول الرسول للرجال أن يحبوا نساءهم كأجسادهم ،... ولا يكون لهم أولاد أى ثمار الروح  ، وبدون المواشى أى تقديس الحواس والعواطف . أنه يريد العبادة منفصلة عن كل حياة الإنسان العملية حتى عن تقديس جسده وعواطفه .

- وأخيرا ، سمح لهم أن يخرجوا بنسائهم وأولادهم " غير أن غنمكم وبقركم تبقى " 10 : 24 . وكانت إجابة موسى النبى ؛ عبارته الخالدة : 

  " لا يبـقى ظــلــف "             

 نخرج جميعنا بنسائنا وأولادنا ومواشينا ، مقدمين كل شىء للرب ، ولا نترك لأبليس موضع فى حياتنا ... لن نترك له ظلف فى حياتنا ، حتى لا يكون له مجال للعمل الرير فى داخلنا .

موسى النبى الذى رأيناه يحاول أن يستعفى من الخدمة فى حواره مع الرب على جبل سيناء ، خوفا من فرعون ، وقد إمتلأ الآن بقوة روحية يعلن فى شجاعة تامة أمام فرعون 

: لا يبقى ظلف !!  

+  +  + 

خروج – الأصحاحان الحادى عشر والثانى عشر

الفصح

 بين خروف الفصح وقيامة المسيا :

إن كان الفصح يعتبر نقطة تحول فى تاريخ الشعب القديم ، خلاله عبروا من أرض العبودية إلى البرية منطلقين نحو أرض الموعد ، لذا حمل خروف الفصح بكل طقوسه مفهوما خاصا ، يقام فى أول شهور السنة ( 12 : 2 ) ، يعيدونه كل عام فريضة أبدية ( 12 : 14 ) ، تلتزم به كل الجماعة ( 12 : 6 ) . حمل أيضا مفهوما روحيا يمس حياة الجماعة الكنسية فى علاقتها بالله ، فلم يكن خروف الفصح مجرد تذكار لقصة تاريخية حدثت فى الماضى ، لكنه يمثل عنلا حاضرا ودائما لله فى حياة شعبه .

عيد الفصح أيضا كان يعنى وجود علاقة شخصية بين كل عضو فى الجماعة والله نفسه . هذا فيما يخص خروف الفصح الرمزى ، أما وقد قدم السيد المسيح نفسه " فصحا " حقيقيا عن العالم كله ، صارت آلامه وصلبه ودفنه وقيامته فصحا دائما ومستمرا فى حياة الكنيسة ، تعيده الكنيسة ليس فقط مرة كل عام ، بل وفى كل قداس إلهى ، بل وتختبر قوته خلال حياتها اليومية . صار هذا العمل الفصحى الإلهى موضوع لهج كل مؤمن حقيقى ، خلاله يعبر من مجد إلى مجد ليدخل بالروح القدس إلى حضن الآب .

 هذا ما جعل الأصحاحين الحادى عشر والثانى عشر من سفر الخروج مركزا للسفر كله ، بل وبغير مبالغة للعهد القديم كله ، كما أن صلب السيد المسيح وقيامته هما مركز الأنجيل . لذلك رأيت الضرورة ملحة إلى تقديم دراسة دقيقة ومختصرة قدر الإمكان لخروف الفصح على ضوء التقاليد المعروفة فى ذلك الحين ، وعلى ضوء التقليد اليهودى ، وخلال آلام السيد وصلبه وقيامته ، لنعرف أثره فى حياة الكنيسة الجامعة وفى حياة كل عضو فيها .

 الفصح والتقاليد القديمة :

فى أيام آدم الأول ، قدم إبناه تقدمتين مختلفتين : قدم هابيل – كرجل صيد – ذبيحة دموية كفارة عن خطاياه تسلمها بلا شك عن والديه ، وقدم قايين من محصولات الأرض بكونه رجل زراعة . على أى الأحوال تسلمت البشرية هذين العملين وشوهت صورتهما خلال إنحراف البشرية عن الطريق الإلهى ، فصارت قبائل البدو فى العالم تلطخ خيامها بعلامة الدم إعتقادا منها أنها تطرد الأرواح الشريرة فلا تؤذيهم . أما القبائل العاملة فى الزراعة فصار لها تقليد مغاير ، يمتنعون عن أكل الخبز المختمر لبضعة أيام فى بداية المحصول الجديد حتى لا يدخل الخمير الخاص بالمحصول القديم مع دقيق المحصول الجديد .. بهذا يرون أنهم يبدأون عاما جديدا بطعام جديد وحياة جديدة .

ويلاحظ أن هذين الطقسين ( رش الدم والإمتناع عن الخمير ) لهما أصل إيمانى نقى ، لكن البشرية إنحرفت بهما عن مسارهما الإيمانى ، فجاء طقس الفصح يرد الطقسين إلى مسارهما السليم من جديد .

والعجيب أن الكنيسة فى احتفالها بعيد الفصح " القيامة " مارست منذ العصور الأولى طقسين متكاملين ومتلازمين ، هما طقس عماد الموعوظين وطقس الأفخارستيا . ففى ليلة العيد يقوم الأسقف بعماد الموعوظين ليحملوا علامة الدم على جباههم الداخلية وفى قلبهم ، ينعمون بالمصالحة مع الله فى إبنه يسوع المسيح بواسطة روحه القدوس . ويتنعمون بروح البنوة الذى يعينهم على العبور نحو الأمجاد الإلهية ، ثم يتقدمون مع بقية المؤمنون للأشتراك فى الطقس الآخر – أى الإفخارستيا – حيث تظهر الكنيسة المجاهدة على الأرض وكأنها وسط جهادها مستقرة حول مذبح الله الأبدى . فتأكل الفطير الجديد على الدوام ، تتمتع بالجسد والدم المقدسين اللذين لا يقدما ولا يشيخا .

هذا هو فصحنا الجديد الذى حمل الفصح القديم ظلا له ورمزا .

 فصح شخصى :

أمر الله أن تقوم كل الجماعة بتقديم الفصح ، فهو فصح الكنيسة كلها المتحدة بعريسها ، واشترط فيما بعد أن يقدم فى أورشليم دون سواها ، الموضع الذى دعى اسمه فيه ، لأنه فصح الرب .

هذه الصورة الجماعية الحية لم تتجاهل الجانب الشخصى لكل عضو فى الجماعة ، بل ركزت عليها خلال إتحاد العضو بالجماعة . فلم يأمر الله أن يرش الدم على كل بيت فحسب ، وإنما ألزم كل رجل وإمرأة أن يأكلاه مشويا بالنار . والأكل علامة العلاقة الشخصية والإشتراك الشخصى فى ممارسة الطقس .

حقا لم يكن ممكنا للأطفال الصغار جدا والرضع أن يشتركا فى الأكل لكنهم كانوا يحضرون الطقس ويفرحون به ، بل وخلصوا من الهلاك خلال إيمان والديهم الذين يشتركون فى أكل خروف الفصح .

[ وهكذا المعمودية أيضا للأطفال ، بإيمان والديهم .. حتى لا يهلكوا ! ] .

من الناموس إلى المسيا :

كان عشاء الفصح عند اليهود له طقسه الخاص الذى سجله لنا الأصحاح الثانى عشر من سفر الخروج مع بعض التقاليد الأخرى التى حملت صلوات بركة وتسابيح ومزامير معينة سجلت فى المشنة ( التقليد اليهودى ) .

كان هذا العيد غنيا فى ذكرياته ووعوده التى حملت رعاية الله للإنسان خاصة خلال الخلاص المقدم بالمسيا . فكانوا يعرفون هذه الليلة أنها ذكرى سنوية لخلقة العالم ، ولختان إبراهيم وذبيحة إسحق وخروج يوسف من السجن والعتق المنتظر من السبى ، وظهور المسيا ، ومجىء موسى وإيليا وقيامة الآباء ونهاية العالم .. لهذا قدم السيد المسيح نفسه فصحا للعالم فى عيد الفصح ، ليعلن أن الحقيقة تبتلع الرمز وتدخل به إلى كمال هدفه .

+ يتحقق سر الفصح فى جسد الرب ...

فقد اقتيد كحمل ، وذبح كشاة ،

 مخلصا إيانا من عبودية العالم  ( مصر ) ،

 ومحررنا من عبودية الشيطان كما من فرعون ،

 خاتما نفوسنا بروحه ، وأعضاءنا الجسدية بدمه ..

إنه ذاك الواحد الذى خلصنا من العبودية إلى الحرية ،

 ومن الظلمة إلى النور ، ومن الموت إلى الحياة ،

ومن الظلم إلى الملكوت الأبدى ...

إنه ذاك الذى  هو ( فصح ) عبور خلاصنا ...

هو الحمل الصامت ... الذى أخذ من القطيع ،

 واقتيد للذبح فى المساء ، ودفن بالليل ...

من أجل هذا كان عيد الفطر مرا ، كما يقول كتابكم المقدس :

 تأكلون فطيرا بأعشاب مرة ،

مرة لكم هى المسامير التى استخدمت ،

مر هو اللسان الذى جدف ،

مرة هى الشهادة الباطلة التى نطقتم بها ضده ..

هكذا .. ذبيحة الحملان وطقس الفصح وحرف الناموس ، هذه قد تحققت فى المسيح يسوع . عوض الناموس جاء اللوغوس ، فصار القديم جديدا ، وصارت الوصية نعمة ، والرمز حقيقة .

 من الفصح الأرضىإلى الفصح السماوى :

تحدث القديس أثناسيوس فى رسائله الفصحية كثيرا :

+ والآن يا أحبائى قد ذبح الشيطان ( فرعون ) ، ذلك الطاغية الذى هو ضد العالم كله ، فنحن لا نقترب من عيد زمنى بل عيد دائم سمائى ....

الآن نأكل " كلمة الآب " وتمسح قلوبنا بدم العهد الجديد نعرف النعمة التى يهبنا إياها المخلص ، الذى قال " ها أنا أعطيكم سلطانا لتدوسوا الحيات والعقارب ، وكل قوة العدو " ( لو 10 : 19 ) .

الذين يحفظون العيد فى نقاوة يكون الفصح طعامهم السماوى .

+  +  +

طقس الفصح :   خر 11 : 4

الناموس كان مقدمة لعهد النعمة ، ليس فقط خلال الوصايا والكلمات ولكن أيضا خلال الرمز .. والآن نتحدث عن طقس الفصح كما ورد فى سفر الخروج وما يرمز إليه ، بالأستعانة بالنصوص الأنجيلية :

( 1 ) لماذا تم بالليل ؟

يقول الرب لموسى " إنى نحو نصف الليل أخرج فى وسط مصر " 11 : 4 ،  

تمت الضربة فى الليل فى الظلام ، لأنه فى ظل الليل بعيدا عن نور النهار الواضح يتحقق العدل فى الشياطين وجرائمهم القاتمة " وأعطى عجائب فى السماء والأرض دما ونارا وأعمدة دخان . تتحول الشمس إلى ظلمة ، والقمر إلى دم قبل أن يجيىء يوم الرب العظيم المخوف " يوئيل 2 : 30 ، 31

كأنه بالليل حيث يسكن الشيطان فى الظلمة يقتله الرب فى عرينه ، بينما هو مطمئن ليس من يقاومه فيهلك وكل أعماله معه .

 ( 2 ) فى شهر أبيب أول الشهور :

كلم الرب موسى وهرون قائلا " هذا الشهر يكون لكم رأس الشهور ، هو لكم أول شهور السنة " ( 12 : 1 ) كأنه فى كل فصح يدخلون عاما جديدا ، ليعيشوا فى حالة تجديد قلبى مستمر فى المسيح يسوع الذبيح .

هذا يعنى أن ذبيحة الفصح الحقيقى بالنسبة لنا هى بدء الحياة الأبدية

ويلاحظ أن " أبيب" تعنى " سنبلة " ، وكأنه خلال الفصح تصير النفس سنبلة الرب أى حصاده .

( 3 ) الحفظ فى اليوم العاشر ع 3

كان إشارة إلى دخول السيد المسيح أورشليم ليبقى تحت الحفظ حتى يقدم نفسه فصحا من أجلنا . أما اختياره اليوم العاشر فإشارة إلى مجيئه بعد الناموس ( الوصايا ) يكمل الوصية التى كسرها الإنسان ، واهبا لنا إمكانية تنفيذها .

( 4 ) تقديمه فى اليوم الرابع عشر ع 6

فى اليوم الرابع عشر يكون القمر بدرا ، ولما كانت الشمس رمزا للسيد المسيح والقمر للكنيسة ، كأنه خلال " المسيح فصحنا " 1 كو 5 : 7 ، تكتمل إستنارة الكنيسة ويعلن بهاؤها .

أما أيام الحفظ فهى خمسة ( 10 – 14 أبيب ) تمثل البدايات الخمس للعالم فى تاريخ الخلاص .

آدم به بدأ الجنس البشرى ، ونوح بدأ به العالم الجديد بعد الطوفان ، إبراهيم بدأ كأب للمؤمنين ومن صلبه خرج شعب الله ، وموسى بدأ العالم فى الناموس المكتوب وأخيرا جاء السيد المسيح فى اليوم الخامس ليبدأ عهد النعمة ، فيه قدم نفسه فصحا ، له فاعليته فى كل الحقبات الخمس . 

( 5 ) دعوة الجار القريب ع 4

تشير هذه الدعوة إلى دعوة الأمم بكونهم " القريب " الذى ينعم أيضا بذبيحة الفصح الحقيقى .

( 6 ) شاة صحيحة ع 5

إشترط أن يكون إما خروفا ، رمز للوداعة كقول إشعياء النبى " ظلم أما هو فتذلل ، ولم يفتح فاه ، كشاة تساق إلى الذبح " 53 : 7 ، أو من الماعز الذى يقدم فدية عن الخطية حسب الناموس ( عدد 7 : 16 ) .

نظره يوحنا المعمدان وقال " هوذا حمل الله الذى يرفع خطية العالم " يو 1 : 29   . وفى السماء رآه القديس يوحنا اللاهوتى :

" وفى وسط القسوس خروف قائم كأنه مذبوح " رؤيا 5 : 6

أما كونه صحيحا بلا عيب ، فلأن السيد المسيح قدوس بلا عيب يقدر أن يكفر عن خطايانا بدم نفسه ( عب 9 : 14 ) .

أما كونه ذكرا فإشارة إلى رئاسته ، لكونه عريس كل المؤمنين ( 2 كو 11 : 2 ) ، إذ :

" من له العروس فهو العريس " يو 3 : 29 .

" إبن حول " أى شاب ليس فيه ضعف الشيخوخة ولا يصيبه القدم ، يبقى جديدا فى حياتنا على الدوام ، مع أنه هو القديم الأيام الأزلى .  

( 7 ) يذبحه كل جمهور جماعة إسرائيل ع 6

من جهة تحقق هذا الأمر فى شخص السيد المسيح الذى قيل عنه :

 " اجتمع على فتاك القدوس يسوع الذى مسحته هيرودس وبيلاطس البنطى مع أمم وشعوب إسرائيل " أع 4 : 27

( 8 ) ذبحه فى العشية ع 6

إشارة إلى تقديم السيد المسيح نفسه فصحا عن العالم فى ملء الأزمنة .  

( 9 ) رش الدم على العتبة العليا والقائمتين ع 7

يتحدث عن فاعلية الدم قائلا " فأرى الدم وأعبر عنكم " ، لأنه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة " عب 9 : 22

إن رش الدم هكذا على العتبة العليا والقائمتين إنما يشير إلى تقديس النفس بجوانبها الثلاث : العقلى والعاطفى والروحى ، أى تقديس الإنسان بكل طاقاته الفكرية واشتياقاته وأحاسيسه الداخلية .

ويلاحظ أن رش الدم لا يكون على العتبة السفلى حتى لا يداس بالأقدام ، إذ يقول الرسول " كم عقابا أشر تظنون أنه يحسب مستحقا من داس إبن الله وحسب دم العهد الذى قدس به دنسا وازدرى بروح النعمة " عب 10 : 29 .  

( 10 ) إستخدام الزوفا ع 22

" خذوا باقة زوفا واغمسوها فى الدم الذى فى الطست ومسوا العتبة العليا والقائمتين بالدم "

الرأى التقليدى بين اليهود أن الزوفا هى نبات الزعتر واستخدم للتطهير من البرص ( لا 14 : 4 ، 6 ) ، واستخدم أيضا لرفع إسفنجة من الخل التى قدمت للسيد على الصليب ( يو 19 : 29 ) .

( 11 ) يأكلونه مشويا بالنار.. لا تأكلوا منه نيئا أو طبيخا مطبوخا بالماء         ع 8، 9

يلتزم المؤمنون بأكل اللحم مشويا بالنار ، للأتحاد بالسيد المسيح الذى اجتاز من اجلنا العدل الإلهى قائلا " قلبى كالشمع ذاب فى وسط أحشائى . قوتى نشفت كزق ولصق لسانى بحنكى " ..

 ( 12 )  مع فطير . . وعلى أعشاب مرة  ع 8

يشير الخمير إلى الشر والخبث ( 1 كو 5 : 7 ، 8 ) وإلى الرياء ، يقول الرسول :

" إذا لنعيد ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة الشر والخبث بل بفطير الإخلاص والحق " 1 كو 5 : 8 ..

ويلاحظ أن السيد المسيح فى سر الأفخارستيا إستخدم خبزا مختمرا ، لأنه حمل فى جسده خطايانا .

الأعشاب المرة تذكر الشعب مرارة عبودية الخطية التى يتحررون منها خلال خروف الفصح .

وتشير إلى مرارة نفس السيد المسيح من جزاء ما عاناه من إهانات واستهزاء عند محاكمته وصلبه ..

( 13 ) لا تبقوا منه إلى الصباح ع 10

إشارة إلى سر الفصح كسر " الحياة الجديدة " وقد حرصت كنيستنا على عدم إبقاء الأسرار الإلهية لليوم التالى .

( 14 ) عظما لا تكسروا منه ع 46

يشير إلى السيد المسيح الذى لما جاءوا ليكسروا ساقيه وجدوه قد مات سريعا ( يو 19 : 36 ) فلم يكسروهما ..  

( 15 ) يأكلوه وهم على إستعداد للرحيل ع 11

إشترط أن يأكلوه هكذا " أحقاؤكم مشدودة وأحذيتكم فى أرجلكم وعصيكم فى أيديكم ، وتأكلونه بعجلة . هو فصح للرب " ع 11

التفسير التاريخى لهذا الأمر حتى يتذكر اليهود أنهم راحلون ، لقد عرف هذا الشعب بكثرة النسيان فأعطاهم هذه الوصية حتى لا ينسوا غاية الفصح .

التفسير الرمزى : لكى نكون نحن أيضا مستعدين لخروجنا ورحيلنا ، إلى أورشليم السمائية ..

 الأحقاء مشدودة تشير إلى ضبط الجسد والشهوات وملذاته ...

الحذاء الذى فى الرجل ، هو حذاء السيد المسيح [ الذى قال عنه معلمنا يوحنا المعمدان : أنه غير مستحق أن ينحنى ويحل سيور حذائه ] حتى كما سلك ذاك نسلك نحن بحذائه لا نخاف أشواك هذه الحياة ..

أما العصا التى فى أيدينا فهى عصا الله ، الصليب ...  

( 16 ) يعيدونه فريضة أبدية ع 14 ولا يأكل منه غريب ع 43 ، 48

إشترط ألا يشترك فيه أهل الغرلة ، إنما يشترك أهل الختان وحدهم ، هكذا لا يقدر أن يتمتع بالتناول من الأسرار المقدسة إلا الذى نال الختان الروحى ، أى المعمودية ، فصار إبنا لله له حق الأتحاد معه فى المسيح يسوع .  

قتل الأبكار :

دفع المصريون ثمن ما فعلوه بقتلهم أولاد العبرانيين وإلقائهم فى النهر ، فأدبهم الرب بذات فعلهم . أما أولاد الله فحتى شعور رؤوسهم محصاة وتحت رعايته .  

خروج الشعب :

إستدعى فرعون موسى وهرون وقال لهما : " قوموا أخرجوا من بين شعبى ... واذهبوا اعبدوا الرب كما تكلمتم . خذوا غنمكم أيضا وبقركم كما تكلمتم واذهبوا . وباركونى أيضا " ع 31 ، 32 وكان المصريون يلحون عليهم بالخروج ...

لقد طلب الشعب من المصريين ذهبا وفضة وثيابا فأعطوهم ، كان ذلك بسماح إلهى كتعويض عن الأجرة التى سلبها إياها المصريون أيام السخرة وبناء البيوت لهم مجانا ... 

عدد الخارجين :

الذين خرجوا ستمائة ألف ماشين من الرجال عدا الأولاد ع 37  

دعوتهم " ماش من الرجال " فتعنى أن الكنيسة فى حالة تحرك مستمر نحو السماء بروح الجهاد والمثابرة بلا يأس ، لا تعرف التوقف عند العبور .

+  +  +

خروج – الأصحاح الثالث عشر

تقديس البكر

أول وصية أمر بها موسى بعد الخروج مباشرة هى " قدس لى كل بكر كل فاتح رحم من بنى إسرائيل من الناس ومن البهائم إنه لى " ع 2

إنها ليست أمرا أو وصية بقدر ما هى عطية ووعد ، فبخروج الشعب من دائرة العبودية والإنطلاق نحو أورشليم العليا يدخل المؤمن فى دائرة ملكية الله ، ويصير عضوا حيا فى هذا الملكوت الإلهى ، إذ يقول " إنه لى " .

نظام البكورية : إن كانت البكورية قد عرفت قبل الشريعة الموسوية ، فإن الأخيرة جاءت لتنظمها بصورة دقيقة تفصيلية ، حملت رموزا لكنيسة الأبكار السماوية ، وإننا إذ نترك دراسة البكورية لمجال آخر إن شاء الرب وعشنا ، أود أن أضع بعض النقاط الهامة فى تنظيم الشريعة للبكورية :

أولا : البكر له نصيب اثنين فى الميراث ( تث 21 : 17 ) ، إشارة إلى فيض نعم الله علينا فى الميراث الأبدى .

ثانيا : يحسب الذكر المولود أولا هو البكر حتى وإن كانت والدته ليست محبوبة لدى زوجها ( تث 21 : 15 – 17 ) .

ثالثا : غالبا ما يتبوأ البكر من أولاد الملوك العرش ( 2 مل 21 : 3 ) ، ونحن أيضا كأولاد ملك الملوك نحسب فيه ملوكا .

رابعا : يقدم البكر لخدمة الرب ( خر 13 : 12 ، 34 : 19 ) ، علامة تقديم كل العائلة وتكريسها للرب . لكنه أستعيد باللاويين عوض الأبكار .

خامسا : تكريس حتى بكور الحيوانات لخدمة الرب ، ولا يفك ولا يستبدل إلا إذا كان من الحيوانات النجسة ( خر 13 : 13 ، لا 27 : 27 ) .  

( 2 ) تيهان الشعب :

إندهش الشعب إذ رأى نفسه يسير فى طريق غير طريق فلسطين ، فإنه إذ كان لم يتدرب بعد على الحرية أراد الله أن يتدرج به فى البرية حتى يبلغ به إلى أرض الحرية " قال لئلا يندم إذا رأوا حربا ويرجعوا إلى مصر " ع 17  

( 3 ) عظام يوسف :

يقول الكتاب : " وأخذ موسى عظام يوسف معه ، لأنه كان قد استحلف بنى إسرائيل بحلف قائلا أن الله سيفتقدكم فتصعدون عظامى من هنا معكم " ع 19

كأن يوسف أدرك خلال الظلال أن شعبه سيخرج من أرض مصر ويستريح فى أرض الموعد ، فكان طلبه يحمل رمزا لشوق القيامة فيه ، إنه يود أن يستريح جسده أيضا فى أورشليم العليا حينما يحمل الطبيعة اللائقة بالسمويات .

ويعلق القديس افراهات على تصرف موسى النبى قائلا : [ كانت عظام الرجل البار أثمن وأفضل – فى عينيه – من الذهب والفضة التى أخذها بنو إسرائيل معهم من مصر وأفسدوها . لقد بقيت عظام يوسف أربعين عاما فى البرية وعندما رقد موسى أورثها ليشوع بن نون ... هذا الذى دفنها فى أرض الموعد ككنز ! ] .  

( 4 ) النزول فى إيثام :

رحل العبرانيون من رعمسيس إلى سكوت ، والآن بلغوا إيثام ، التى فى رأى العلامة أوريجانوس تعنى " علامة " وهى المحطة الثالثة ، وفى طرف البرية ( ع 20 ) . ليس ممكنا للمؤمن أن يدخل البرية بكل آلامها وتجاربها ما لم يبلغ المحطة الثالثة ، أى يختبر القيامة مع السيد المسيح ، فيعلن الرب ذاته له ، يسنده نهارا وينير له ليلا .

يقول العلامة أوريجانوس : [ يلزمنا ألا نتوقف هنا ( فى سكوت ) بل نكمل الطريق . يليق بنا أن نرفع الخيمة من سكوت ونسرع إلى إيثام . ويمكننا ترجمة إيثام إلى " علامة " وهو اسم أحسن اختياره ، لأنك تسمع بعد ذلك أن الله كان يسير أمامهم نهارا فى عمود سحاب ليهديهم فى الطريق وليلا فى عمود نار لينير لهم . هذه العلامة لا نجدها فى رعمسيس ولا فى سكوت ، وهما المرحلتان الأولى والثانية من الرحلة ، وإنما تأتى فى المرحلة الثالثة حيث تبدأ إعلانات الله . تذكر ما كتب قبلا أن موسى كان يقول لفرعون : " نذهب سفر ثلاثة أيام فى البرية ونذبح للرب إلهنا " خر 5 : 3 ... إذن لم يكن يريد فرعون أن يسمح لبنى إسرائيل بالذهاب إلى أماكن إعلانات الله ما لم يسمح لهم بالتقدم لينعموا بأسرار اليوم الثالث . إسمعوا ما يقوله النبى : " الرب يحيينا بعد يومين ، فى اليوم الثالث يقيمنا فنحيا أمامه " هو 6 : 2 .

اليوم الأول بالنسبة لنا يمثل آلام المخلص ..

واليوم الثانى يمثل نزوله إلى الجحيم ...

واليوم الثالث يمثل قيامته ...

كان الرب يسير أمامهم نهارا فى عمود السحاب ليهديهم فى الطريق ، وليلا فى عمود نار ليضىء لهم . إن أخذنا بقول الرسول أن هذه الكلمات يقصد بها المعمودية ( 1 كو 6 : 2 ) ، فإنه ينبغى على كل من يعتمد ليسوع المسيح إنما يعتمد لموته ، ويدفن معه بالمعمودية للموت ( رو 6 : 3 ) ، ويقوم معه فى اليوم الثالث . يتحدث الرسول عن مثل هذا الإنسان قائلا أن الله يقيمه ويجلسه معه فى السمويات ( أف 2 : 6 ) .

إذن عندما تقتنى سر اليوم الثالث يقودك الرب ويريك بداية طريق الخلاص ] .

إن كان الرسول يرى فى السحابة التى ظللت الشعب المعمودية ( 1 كو 6 : 2 ) التى خلالها ننال روح التبني بالروح القدس ، فإن القديس باسيليوس الكبير يرى فيها " ظل نعمة الروح القدس الذي يعطى برودة للهيب شهواتنا ، بإماتة أعضائنا ( كو 3 : 5 ) ، بهذا يكون عمود النور ظلا للإستنارة التي نلناها بالمعمودية لنسير في طريق الرب المخلص خلال ظلمة هذه الحياة .

+  +  +

خروج – الإصحاح الرابع عشر

عبور البحر الأحمر

يتحدث هذا الأصحاح عن :  

( 1 ) النزول إلى فم الحيروث :

بأمر الهي رجع بنو إسرائيل ونزلوا أمام فم الحيروث ، وهى بين مجل والبحر أمام بعل صفون ( ع 2 ) . يرى العلامة أوريجانوس أن " فم الحيروث " تعنى الصعود القاسى أو الصعود القفر " ، و" مجدل " تعنى " برج " ، و " بعل صفون " تعنى " الصعود بخفة أو بسرعة " .

الطريق الذي ينبغي علينا أن نسيره هو طريق صاعد وضيق ، يتطلب السهر والإيمان . فالإيمان والأعمال يتطلبان مشقات ومجهودات ضخمة ، والذين يريدون السير حسب الله يواجهون تجارب وضيقات عديدة ...

فى هذا الطريق نجد برجا ... هذا الذى قال عنه الرب فى الإنجيل : " من منكم وهو يريد أن يبنى برجا لا يجلس أولا ويحسب النفقة هل عنده ما يلزم لكماله ؟! " لو 14 : 28 . هذا البرج هو الأساس القوي الذى تقوم عليه الفضيلة مرتفعة .  

( 2 ) ندم فرعون على إطلاقهم :

أوضح الرب سر إنزالهم إلى فم الحيروث قائلا : " أشدد قلب فرعون حتى يسعى وراءهم " ع 4 لقد سمح لهم بالخول فى الضيقة حتى يتمجد الرب فيهم وأيضا كما يقول " ويعرف المصريون إنى أنا الرب " ع 4

كيف شدد الرب قلب فرعون ؟ " أسلمه الله إلى شهوات قلبه " رو 1 : 24 ، تركه لقساوة قلبه ، فثار على الشعب وتشدد قلبه .

سعى فرعون ومعه ستة مائة مركبة ، رقم 6 يشير إلى كمال العمل البشرى ، والمائة تشير إلى كمال عدد الجماعة ، كأنه خرج بكل طاقاته البشرية وبكل رجاله لكنهم لم يحملوا الطبيعة السماوية ( رقم 1000 ) لذلك فشل وهلك .  

( 3 ) تذمر الشعب :

اشتهى الشعب فى أول ضيقة تصادفه بعد الرحيل أن يعود إلى حياة العبودية عوضا عن حياة الحرية ومعها الجهاد ، مع أنه " من الأفضل لنا أن نموت ونحن فى الطريق نبحث عن حياة الكمال عن أن نمتنع عن البحث عنها "

طلب موسى من الشعب أن يقفوا وينظروا خلاص الرب الذى يصنعه لهم .. قائلا لهم عبارته الخالدة:

" الرب يقاتل عنكم وانتم تصمتون"    ع14

إنه لا يدفعهم للحرب مع فرعون كما فعل معهم فى حربهم مع عماليق وغيرهم فيما بعد ، لأنهم لم يختبروا بعد المن السماوى ولا الشراب الروحى ، خرجوا من مصر بلا خبرة للجهاد ... هكذا لا يطالب الإنسان بالجهاد إلا بالقدر الذى يناسب إمكانياته وقدراته !  

( 4 ) صرخة موسى الصامتة :

يقول الرب لموسى : " مالك تصرخ إلى " ع 15 ، مع أن موسى لم يصرخ له علانية أمام الشعب ، بل كان يحدث الشعب المتذمر فى مرارة قلب يبعث فيهم روح الرجاء فى الخلاص قائلا : " الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون " .

بلا شك صرخ موسى فى قلبه صرخة مرارة هزت السماء ، سمعها الله وحده دون الشعب ، وجاءت الإستجابة سريعة ..

قال العلامة أوريجانوس : [ إن الله يسمع صرخات القديسين الصامتة بالروح القدس  ، موسى صرخ صرخة قوية ، قدمها كصلاة يسمعها الله وحده ! ] لهذا يقول داود : " بصوتى إلى الرب صرخت ، فاستجاب لى " مز 77 : 7

حنة أيضا لم يسمع صوتها ، نالت كل إشتياقها قدر ما صرخ قلبها ( 1 صم 1 : 13 ) .. هابيل أيضا لم يصل فقط بصمت ، وإنما صلى عندما مات ، إذ أصدر دمه صرخة أقوى من صوت البوق ( تك 4 : 10 ) ... أيضا " من الأعماق صرخت إليك يارب " ، من الأعماق أى من القلب يصدر الصوت وتكون صلاتك سرا .

الفكر الذى ارتفع من موسى نحو الله دعى صرخة ، ولو أنها تمت فى فكر القلب الداخلى دون صوت !

( 5 ) عبور البحر الأحمر :

سلك الشعب بالإيمان إذ رأوا البحر أمامهم فانفتح لهم طريق ونجوا ، أما الأعداء فرأوا الطريق بالعيان فساروا فيه ، فغرقوا وماتوا . يلاحظ فى هذا العبور :

أولا : عبور البحر الأحمر حمل رمز المعمودية .. حيث ينعم المؤمن بالخلاص خلال الدفن مع المسيح المتألم والتمتع بقوة قيامته .

ثانيا : يرى البابا أثناسيوس أن البحر انشق بأمر الهي وليس بسبب كلام موسى ، بخلاف ما قام به السيد المسيح الذى ينتهر البحر ويأمر الرياح فتطيعه بسلطانه الإلهى

ثالثا : ليتنا نتمثل بموسى النبى فنمسك بعصا الرب ، أى صليبه المقدس ، ونضرب بها أمواج الخطية الثائرة داخلنا فينفتح لنا طريق يهلك أعداءنا الروحيين .

رابعا : أعلن هذا العمل حب الله للإنسان وعمله الخلاصى ، إذ يقول العلامة أوريجانوس : [ المياة تصير جبالا ! المياة الراجعة تصير أسوارا .. ويظهر عمق البحر ، وإذ هو رمال فقط !

تظهر محبة الله أيضا فى انتقال عمود السحاب من أمامهم إلى الوراء ( ع 19 ) حتى يحجبهم عن أعين فرعون وجنوده ويكون حماية لهم .

خامسا : يرمز هذا الخلاص لعمل السيد المسيح الخلاصى من جوانب كثيرة منها :

-    قسى فرعون قلبه لكى يهلك الشعب فغرق هو وجنوده ، وقسى إبليس أيضا قلبه فأراد أن يقتل السيد المسيح ويبيد إسمه من كورة الأحياء ، وإذا به هو يهلك مع كل جنوده .

-    رأى فرعون البحر منشقا فاندفع وراء الشعب ليهلكه بلا من أن يخاف ويرتعب ، ورأى إبليس الطبيعة ثائرة فى لحظات الصليب ولم يبال بل اندفع ليكمل الصلب .

-         ضرب موسى البحر بالعصا فغرق فرعون ، وضرب السيد المسيح إبليس بخشبة الصليب فأغرقه فى الجحيم .

-    بعد العبور إجتاز الشعب البرية ، ونحن أيضا إذ تمتعنا بعمل الصليب فى المعمودية نجتاز برية هذا العالم مع قائدنا يسوع المسيح حتى نبلغ أورشليم السماوية .

-    يعلق القديس غريغوريوس أسقف نيصص على العبارة : " فخاف الشعب الرب وآمنوا بالرب وبعبده موسى " ع 31 قائلا : [ من يعبر البحر ويرى المصريين ( الملذات الأرضية ) موتى داخله ، لا يعود ينظر موسى وحده كحامل عصا الفضيلة ، إنما يؤمن بالله ويكون مطيعا لموسى ( ع 31 ) . نحن أيضا نرى ذات الأمر يحدث مع الذين يعبرون المياة مكرسين حياتهم لله وفى طاعة وخضوع للذين يخدمونه فى الكهنوت ( عب 13 : 17 ) ]  

خروج – الإصحاح الخامس عشر

تسبحـــة النصرة

يحوى هذا الإصحاح :

( 1 ) تسبحة النصرة :

ترمز هذه التسبحة لتسبحة المفديين فى السماء ، إذ خلصهم الله وعبر بهم من العالم إلى السماء ، تستخدم هناك مع السيد المسيح ( رؤ 15 : 3 ) . لهذا وضعتها الكنيسة فى التسبحة اليومية بكونها " الهوس الأول – وكلمة هوس تعنى  تسبحة " لتؤكد لأولادها ضرورة التسبيح لله وتقديم الشكر المستمر من أجل عمله الخلاصى معنا ، إذ يهبنا غلبة يومية على إبليس وجنوده ، وليس بذراعنا البشرى ، وإنما خلال عمل نعمته فينا .

ويلاحظ أن موسى والشعب لم ينطقوا بالتسبيح إلا بعدما اعتمدوا ورأوا خلاص الله العجيب . هكذا بالمعمودية إذ ندفن مع مسيحنا المصلوب ونقوم معه فى جدة الحياة ينفتح لساننا الداخلى لنسبح للرب ونشكره .

وقد حملت هذه التسبحة تعبيرات ومعان جميلة تحتاج إلى كتاب مستقل ، لكننى أكتفى هنا بعرض بعض الفقرات منها :

" أرنم للرب فإنه قد تعظم . الفرس وراكبه طرحهما فى البحر " ( ع 1 ) :

بدأت التسبحة بتمجيد الرب الذى تمجد بالصليب حيث داس إبليس وكل قواته ، ليعتق الذين سبق فأسرهم ...

إنها تسبحة عذبة يترنم بها المسيحى كل يوم حين يرى الخطية تسقط بالصليب تحت قدميه ، وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولى : [ لنغنى مع موسى ... ونسبح مرتلين ، إذ نرى الخطية التى فينا قد طرحت فى البحر ، أما نحن فنعبر إلى البرية ] .

 " قد هبطوا إلى الأعماق كحجر " ( ع 5 )

الإنسان الشرير يكون ثقيلا يغطس فى المياة ، الفضيلة خفيفة تعوم على المياة والذين يسيرون فى طريقها يطيرون كالسحاب وكالحمام بأجنحتهم الصغيرة ( إ ش 9 : 8 ) ، أما الخطية فكالرصاص ثقيلة ( زك 5 : 7 ) .

لقد مشى ربنا ومخلصنا على المياة ( مت 14 : 25 ) ، هذا الذى بالحقيقة لا يعرف الخطية ، ومشى تلميذه بطرس مع أنه ارتعب قليلا إذ لم يكن قلبه طاهرا بالكلية إنما حمل فى داخله بعضا من الرصاص .. لهذا قال له الرب " يا قليل الإيمان لماذا شككت ؟ " فالذى يخلص إنما يخلص كما بنار ( 1 كو 3 : 15 ) حتى إن وجد فيه رصاص يصهره . 

 " يمينك يارب معتزة بالقدرة .. يمينك يارب تحطم العدو " ( ع 6 )

يرى القديس أمبروسيوس فى هذه التسبحة عمل الثالوث القدوس واضحا ، ففى هذه العبارة يعترف بالإبن الذى هو " يمين الرب " ، ليعود بعد قليل فيتحدث عن عمل الروح القدس " أرسلت روحك فغطاهم البحر " ع 10 ، هذا الذى يعمل فى سر المعمودية ، مهلكا الشر ومنقذا أولاد الله .

 " قال العدو : أتبع أدرك أقسم غنيمة . تمتلىء منهم نفسى . أجرد سيفى . تفنيهم يدى " ع 9

هذا هو عمل إبليس : الإرهاب المستمر والإضطهاد ، لهذا عندما دافع البابا أثناسيوس عن هروبه من وجه الأريوسيين مضطهديه أورد هذا القول معلقا عليه : [ أمرنا الرب بالهروب ، والقديسون هربوا . أما الأضطهاد فهو شر من عمل الشيطان ، يريد أن يمارسه ضد الكل ] .

" من مثلك يارب " ع 11

ليس لله شبيه فى قدرته وحبه وفى طبيعته بكونه غير المدرك ولا المنظور ولا متغير ، بلا بداية ولا نهاية . هذا الذى ليس له شبيه أعطانا بالتبنى أن نحسب أولادا له لكى نتشبه به ، كقول الرسول يوحنا " أيها الأحباء الآن نحن أولاد الله ولم يظهر بعد ماذا سنكون ، ولكن نعلم أنه إذا أظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو " 1 يو 3 : 2  

" تمد يمينك فتبتلعهم الأرض " ع 12

يعلق العلامة أوريجانوس على هذه العبارة قائلا : [ اليوم تبتلع الأرض الأشرار ، ألا ترى أن الأرض تبتلع من ليس له إلا الأفكار والأعمال الأرضية ؟! ... فيشتهى الأرض ، ويضع فيها كل رجائه ، ولا يرفع نظره نحو السماء ، ولا يفكر فى الحياة العتيدة ، ولا يخشى دينونة الله ، ولا يبتغى مواعيده فى الأبدية ، إنما هو دائم التفكير فى الأمور الحاضرة ، راكضا نحو الأرضيات . إن رأيت إنسانا كهذا قل أن الأرض ابتلعته . إن رأيت إنسانا منسكبا على رغبات الجسد وشهواته ، ورأيت روحه بلا قوة لأن الجسد مسيطر على كل حياته فقل أن هذا الإنسان إبتلعته الأرض .... ] .  

" حتى يعبر شعبك يارب .. حتى يعبر شعبك الذى إقتنيته " ع 16 :

كرر موسى النبى : " حتى يعبر شعبك "  ليعلن أن غاية العمل هو الخلاص والعبور إلى الأبدية ، ولتأكيد أن العابرين هم شعب واحد من أصلين : يهودى وأممى .  

" تجىء بهم وتغرسهم فى جبل ميراثك " ع 17

الله لا يريد أن يغرسنا فى مصر ( محبة العالم ) ولا فى أماكن فاسدة وشريرة ، لكنه يريد أن يقيمنا فى جبل ميراثه . لنفهم كيف يفعل هذا ؟ " كرمة من مصر نقلت ، طردت أمما وغرستها . هيأت قدامها فأصلت أصولها فملأت الأرض . غطى الجبال ظلها وأغصانها أرز الله " مز 80 : 9 – 11 . إنه لا يغرسها فى الوديان بل على الجبال ، فى أماكن مرتفعة وعالية . لا يريد أن يترك الخارجين من مصر فى الحضيض إنما يقودهم من العالم إلى الإيمان ، يريد أن يقيمهم فى المرتفعات ، يريدنا أن نسكن فى الأعالى ، لا أن نزحف على الأرض .

" المقدس الذى هيأته يداك يارب " ع 17

يقول العلامة أوريجانوس : [ ما هو المقدس الذى لم يقمه إنسان بل هيأه الرب ؟

" الحكمة بنت بيتها " أم 9 : 3 . هذا الأمر إنما يخص تجسد الرب ، فإن الجسد الذى أخذه ليس من زرع إنسان ، إنما قام البناء فى العذراء كما تنبأ دانيال " قطع حجر بغير يدين ... أما الحجر فصار جبلا كبيرا " دا 2 : 34 ، 35 . هذا هو المقدس الذى ظهر فى الجسد ، الذى قطع بغير يدين ، أى ليس من صنع إنسان ] .  

" مشوا على اليابسة فى وسط البحر " ع 19

يقول العلامة أوريجانوس : [ إن كنت أنت أيضا من بنى إسرائيل ( الجديد ) تستطيع أن تمشى على اليابسة وسط البحر . إن وجدت نفسك وسط جيل معوج وملتوى تضيىء بينهم كأنوار فى العالم متمسكا بكلمة الحياة لإفتخارى ( فى 2 : 15 ، 16 ) , من يتبع المسيح يسير مثله ( على المياة ) ، فتكون له المياة سورا عن يمينه ويساره ( ع 22 ) . يسير على اليابسة حتى يبلغ الحرية مترنما للرب بتسبحة النصرة ، قائلا

" أرنم للرب فإنه قد تعظم " ع 1 ] .

( 2 ) مريم المرنمة :  

يرى القديس جيروم فى مريم أخت هرون كقائدة روحية للنساء فى ذلك الوقت صورة حية لعمل المرأة فى الكنيسة ، هذه التى تكرس حياتها لتسبيح الرب وتعلم الأخريات هذا العمل .

كما رأى فيها القديس أمبروسيوس صورة رمزية للكنيسة المترنمة للرب على الدوام ففى حديثه عن العذارى ، قال : [ ألم تكن رمزا للكنيسة البتول بروح بلا عيب تجمع الجماهير المتدينة لتنشد الأناشيد الإلهية ؟! إذ نسمع أنه كان يوجد عذارى مهتمات بذلك فى الهيكل بأورشليم ؟! ] .  

( 3 ) من مارة إلى إيليم :

طريق البرية هو طريق الدخول فى ضيقات كثيرة ، بل بالحرى هو طريق خبرة العمل الإلهى فى حياتنا وسط الآلام ، وانفتاح القلب نحو السماويات .

ما أن عبر الشعب وفرح وتهلل ، حتى تحولت أفراحه إلى مرارة وضيق إذ شعروا بالعطش فتذمروا على موسى ( ع 24 ) ، إذ وجدوا ماء مرا لا يقدر أن يرويهم . ألقى موسى النبى بالشجرة فى المياة المرة فصارت حلوة .

ما هى هذه المياة المرة إلا وصايا الناموس ، التى أعطت مرارة للإنسان بسبب عجزه عن التنفيذ ، لكن دخل السيد المسيح ، شجرة الحياة  فى الوصية ، فصير الناموس روحيا وجعله مرويا للنفس .

يرى كثير من الآباء فى الشجرة رمزا للصليب الذى يعمل فى مياة المعمودية فتتحول حياتنا من المرارة إلى العذوبة ، وعوض ما نحمله من أعمال الإنسان القديم نتمتع بالطبيعة الجديدة التى صارت لنا فى المسيح يسوع .

+  +  +

خروج – الإصحاح السادس عشر

تجربة الطعام

 ( 1 ) فى برية سين

فى سفر الخروج يقول : " ثم ارتحلوا من إيليم وأتى كل جماعة بنى إسرائيل إلى برية سين " ع 1 ، أما سفر العدد فيوضح بأكثر تفصيلا قائلا " ثم ارتحلوا من إيليم ونزلوا على بحر سوف ونزلوا فى برية سين " عدد 33 : 10 ، 11   

يرى العلامة أوريجانوس أن إيليم تعنى " الأكباش " ، ولو أن البعض يرى أنها تعنى " الأشجار " . فى رأيه أن الأكباش تمثل قادة القطيع حيث الإثنا عشر تلميذا ( عين ماء ) والسبعون رسولا ( نخلة ) . هؤلاء قادوا بالمسيح يسوع الشعب إلى شاطىء بحر سوف ( عدد 33 : 10 ) ، لكنه من الجانب المملوء أمانا ، إذ عبروه مرة واحدة ، وفيه هلك إبليس وجنوده . الآن " يستطيعوا أن ينظروا البحر ويروا أمواجه لكنهم لا يخافون حركاته ولا عواصفه "

إرتحلت الجماعة المقدسة من بحر سوف ونزلت إلى برية سين ، وهى المدينة التى أنزل الله فيها المن للشعب للمرة الأولى ..

 ( 2 ) تذمر الشعب :

إذ مضى شهر على خروجهم من أرض العبودية قدموا لله تذمرا عوض تسبحة الشكر والحمد له ، إذ قالوا لموسى وهرون : " ليتنا متنا بيد الرب فى أرض مصر إذ كنا جالسين عند قدور اللحم نأكل خبزا للشبع ، فإنكما أخرجتمانا إلى هذا القفر لكى تميتا كل هذا الجمهور بالجوع " ع 3

يقول الكتاب " رجعوا بقلوبهم إلى مصر " ، حقا لقد ذاقوا مرارة العبودية والذل واختبروا عربون أرض الموعد ومارسوا حياة الغلبة والنصرة ومع هذا كانوا فى كثير من الأوقات يشتاقون إلى رائحة قدور اللحم ، إلى " شهوة العين وشهوة الجسد وتعظم المعيشة " أمام لذة الخطية الدنيئة ينسى الإنسان بركات الله ونعمه ، مشتهيا الذل عن الحرية !

لم يكن الجوع هو السبب فى التذمر بل كان ذلك طبعهم ، فإنهم حتى بعد أن قدم لهم هذا الطعام اليومى الطازج الذى لا يتعبون فيه لم يكفوا عن التذمر ، بل عادوا يبكون قائلين : " من يطعمنا لحما ؟ قد تذكرنا السمك الذى كنا نأكله فى مصر مجانا والقثاء والبطيخ والكرات والبصل والثوم . والآن قد يبست أنفسنا ، ليس شىء غير أن أعيننا إلى هذا المن ؟! عدد 11 : 4 – 6

وكما يقول القديس جيروم : [ إحتقروا طعام الملائكة وتنهدوا على لحم مصر ، صام موسى أربعين يوما وأربعين ليلة على جبل سيناء مظهرا أن الإنسان لا يعيش على الخبز وحده بل على كل كلمة الله . يقول الرب إن الشعب شبع فصنع أوثانا . كان موسى يتسلم الشريعة المكتوبة بأصبع الله بمعدته الخاوية ، أما الشعب فأكل وشرب وقام لبلعب أمام العجل الذهبى ، مفضلين العجل المصرى عن جلالة الرب . حقا لقد ضاع تعب أيام كثية كهذه خلال الشبع لساعة واحدة !] .  

( 3 ) المن والسلوى :

تذمر الشعب ولم يكن لدى موسى خزائن مادية لتشبع جوعهم لكنه إذ قبل عار المسيح حاسبا إياه غنى أعظم من خزائن مصر ( عب 11 : 26 ) لم يتركه الرب هو وشعبه معتازين إلى شىء .

هذا المن يشير إلى السيد المسيح الذى قدم جسده المقدس غذاء للنفس ، إذ قال :

 " الحق الحق أقول لكم ليس موسى أعطاكم الخبز من السماء بل أبى يعطيكم الخبز الحقيقى من السماء ، لأن خبز الله هو النازل من السماء الواهب حياة للعالم .. آباؤكم أكلوا المن فى البرية وماتوا ، هذا هو الخبز النازل من السماء إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد ، والخبز الذى أعطى هو جسدى الذى أبذله من أجل حياة العالم "   يو 6

بعد العبور كان يلزم للشعب أن يأكل طعاما جديدا غير طعام أرض العبودية ، يشبع كل واحد منهم . ونحن أيضا إذ دخلنا عهدا جديدا قدم لنا السيد طعاما روحيا حقيقيا يقدر أن يشبع النفس ويهبها حياة أبدية .

والعجيب أن المن بدأ ينزل على الشعب يوم الأحد كما هو واضح من قول الرب لموسى " وفى اليوم السادس إنهم يهيئون ما يجيئون به فيكون ضعف ما يلتقطونه يوما فيوما " ع 5 . وكان يوم الإستعداد للسبت ( الجمعة ) هو سادس يوم ينزل فيه المن ، فيكون قد بدأ النزول بالأحد . وبقيامة السيد المسيح من الأموات فجر الأحد قدم لنا جسده القائم من الأموات سر قيامة لنفوسنا وأجسادنا ، وصار الأحد العيد الكنسى الأسبوعى حيث نتمتع فيه بالمن السماوى .

قال موسى النبى " الرب يعطيكم فى المساء لحما لتأكلوا ، وفى الصباح خبزا لتشبعوا " ع 8 ما هو هذا المساء إلا آخر الأزمنة أو ملء الزمان الذى فيه حمل كلمة الله جسدا ، مقدما ذاته لنأكل ونشبع ! وبمجيئه فى ملء الزمان ، وسط الظلمة فى المساء ، أشرق بنوره علينا فتحول مساؤنا نهارا ، ودخلنا فى صباح جديد ، مقدما لنا خبزا جديدا تبع به البشرية المؤمنة .

طعم المن كرقاق بعسل ، والسيد المسيح " حلقه حلاوة وكله مشتهيات " نش 5 : 6 ، كان الشعب يلتقط المن صباحا فصباحا ... وشركتنا مع ربنا يسوع المسيح متجددة كل يوم ، ولقاؤنا معه مبكر جدا " الذين يبكرون إلي يجدونني " أم 8 : 17

إذ احتقر الشعب المن ضربهم الله ضربة عظيمة جدا ، ومن يأكل جسد الرب بدون استحقاق ينال دينونة لنفسه ( 1 كو 11 : 27 – 33 ) .

( 4 ) شريعة السبت

من جمع لنفسه منا فائضا لليوم التالى جمع دودا ونتانة ، وصار موضع سخط الله وغضب موسى النبى ، لكنه إذ جاء يوم الإستعداد للسبت إلتزم الجميع بجمع ضعفين ، وكان ذلك إشارة إلى الجمع والحفظ ليوم الراحة العظيم .

هذا اليوم ( السابق ) إنما هو الحياة الحاضرة التى فيها نعد أنفسنا للأشياء العتيدة

( 5 ) قسط المن

أمر موسى هرون أن يأخذ قسطا واحدا ويجعل فيه ملء العمر منا ويضعه أمام الرب ، يوضع فيما بعد فى تابوت العهد . بقى هذا تذكارا لعمل الله معهم ، ويحمل شهادة رمزية لمجىء السيد المسيح المن الحقيقى النازل من السماء ، [ وقد رأت الكنيسة فى القسط رمزا للقديسة مريم الحاملة للسيد المسيح فى أحشائها ] .

+  +  +   

خروج الإصحاح السابع عشر

تجربة الشراب  
( 1 ) فى رفيديم

يقول الكتاب : " ثم ارتحل كل جماعة بنى اسرائيل من برية سين بحسب مراحلهم على موجب أمر الرب ونزلوا فى رفيديم ، ولم يكن ماء للشرب " ع 1 وبأكثر تفصيل يتحدث فى سفر العدد ( 33 : 12 – 15 ) أنهم ارتحلوا من برية سين إلى دفقة ومن دفقة إلى ألوش ومنها إلى رفيديم .

فى سفر الخروج أراد أن يتحدث عن رفيديم مباشرة بعد برية سين لكى يربط بين تجربة الشراب ( الصخرة المتفجرة ) وتجربة الطعام ( المن والسلوى ) . أما سفر العدد فتحدث بأكثر تفصيل حيث يرى العلامة أوريجانوس أن الجماعة خرجت :

" بحسب مراحلهم " ع 1 ، أى خرجت مقسمة إلى أربع مراحل بنظام وترتيب حسن ، خرجت من سين حتىبلغت رفيديم ، أى خرجت من التجربة بتدبير حسن حتى بلغت " التمييز الحسن " والحكم السليم ! أو على حد تعبيره [ من يخرج من التجربة بتدبير حسن يظهر فى يوم الدين سليما ( ذا حكم سديد ) ، أو بصحة بغير جراحات التجربة ، كما هو مكتوب فى سفر الرؤيا : " من يغلب فسأعطيه أن يأكل من شجرة الحياة التى فى وسط فردوس الله " ( رؤ 2 : 7 ) . من يدبر أموره بالحق ( مز 162 : 5 ) يبلغ الحكم السليم ] .

( 2 ) تذمر الشعب :

وفى رفيديم أيضا تذمر الشعب على موسى قائلين : " لماذا أصعدتنا من مصر لتميتنا وأولادنا ومواشينا بالعطش " ع 3 .

 فى هذه المرة صرخ موسى بقلبه كما بلسانه قائلا : " ماذا أفعل بهذا الشعب ؟ بعد قليل يرجموننى ؟! " ع 4 .

فى البرية قد تثور فيك أفكار التذمر حينما تشتد بك الضيقة ، لكن ليكن لك قلب موسى ولسانه ، فتصرخ إلى الله الذى يخرج من الصخرة ماء !

صرخ موسى لله مؤمنا أن النعمة الإلهية تفوق كل إمكانيات الطبيعة ، إذ يستطيع الله بطريقة أو بأخرى أن يروى ظمأ هذا الشعب . وقد صارت حياة موسى بما احتوته من أعمال إلهية خارقة تمثل عمل النعمة فى الكنيسة .

( 3 ) الصخرة المتفجرة ماء :

أولا : تشير الصخرة إلى السيد المسيح كقول الرسول بولس : " وجميعهم أكلوا طعاما واحدا روحيا ، وجميعهم شربوا شرابا واحدا روحيا ، لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم والصخرة كانت المسيح " 1 كو 10 : 3 ، أما الماء المتفجر فهو الروح القدس الذى قدمه لنا السيد المسيح سر تعزيتنا وتقديسنا وشركتنا مع الآب فى إبنه .

ماكان للشعب أن يرتوى من هذا الينبوع ما لم يضرب بالعصا ، وهكذا ما كنا نعرف أن نرتوى من ينابيع محبة الله اللانهائية وننال الروح القدس فينا ، ما لم يضرب السيد المسيح محتملا خلال العدل الإلهى ثمن خطايانا على الصليب ..

قال الرب لموسى : " مر قدام الشعب وخذ معك من شيوخ اسرائيل ، وعصاك التى ضربت بها النهر خذها فى يدك واذهب . ها أنا أقف أمامك هناك . على الصخرة فى حوريب ... " ع 5 ، 6

دعوة الشيوخ لمرافقة موسى أثناء ضرب الصخرة وتفجير المياة إنما يحمل رمزا أن الناموس ( موسى ) ليس وحده الذى شهد للصليب ولكن أيضا الآباء البطاركة وكل الأنبياء اشتركوا مع الناموس فى الشهادة لعمل الفداء خلال الصليب .

ثانيا : يقول المرتل : " شق صخورا فى البرية وسقاهم كما من لجج عظيمة " مز 78 : 15 . هنا لم يقل " الصخرة " بل صخورا ، لعله يشير إلى رمز آخر ، هو أن المؤمنين الذين كانت قلوبهم قبلا قد تحجرت وجفت تفجرت فيها ينابيع حياة خلال الصليب لا لترتوى فقط وإنما لكى تفيض على الآخرين .

فى اليوم الأخير من العيد ( يو 7 : 37 ) إذ وقف رئيس الكهنة يسكب ماء أمام الشعب ليعلن عن عمل الله فى حياتهم ، وقف يسوع ونادى قائلا : "إن عطش أحد فليقبل إلى ويشرب ، من آمن بى كما قال الكتاب تجرى من بطنه أنهار ماء حى " .

( 4 ) حرب مع عماليق :

هذه هى المرة الأولى التى يدخل فيها الشعب فى حرب علانية مع شعب آخر ، قبلا حين أراد فرعون وجيشه أن يحاربوا الشعب كانت الأوامر الصادرة " قفوا وانظروا خلاص الرب ... الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون " 4 : 14 – أما الآن بعدما تمتع الشعب بعبور البحر الأحمر ونالوا من الله كل شبعهم : المن والسلوى والصخرة المتفجرة التزموا أن يحاربوا ، لكن ليس بقوتهم البشرية إنما خلال عمل الله فيهم . وكانت هذه الحرب رمزا للحرب الروحية بين ملكوت الله وملكوت إبليس حيث تتم الغلبة لأولاد الله خلال الصليب ، ففى هذه الحرب نلاحظ الآتى :

أ- كنا نتوقع من موسى فى أول حرب علانية أن يصرخ راكعا أو منبطحا على الأرض ... لكننا نراه يبسط يداه على شكل صليب رمزا لغلبة الصليب .. [ غلب يسوع عماليق بهذه العلامة التى للصليب خلال موسى ] .

ب- كان موسى على رأس التل يرمز للسيد المسيح الذى صلب على جبل الجلجثة ، وكان يشوع مع رجال الحرب يجاهدون ضد عماليق رمزا لجهاد الكنيسة المستمر ضد الخطية .

جـ - لم يكن حور فى عظمة موسى النبى ، لكنه ما كان يمكن لموسى أن يبقى رافعا يديه بدون هرون وحور ... بهذا يدرك كل مؤمن موقعه فى العمل الإلهى ، ولا يستهن أحد بمواهبه مهما ظهرت أنها بلا قيمة .

د – رفع يدى موسى يشير أيضا إلى حياة المثابرة حتى النهاية .. يرفع يداه ذاك الذى يقول : " لتكن رفع يدى كذبيحة مسائية " مز 140 : 2 ، بهذا ينهزم عماليق .. لكن الرسول يوصينا أن نرفع " أيادى طاهرة بلا غضب ولا جدال " 1 تى 2 : 8 ، كما يقول :  " قوموا الأيادى المسترخية والركب المخلعة ، وسيروا فى الطريق المستقيم " .

إن أردت أن تغلب إرفع يداك ، وارفع أعمالك ، ولا تمض حياتك على الأرض ..

هـ - إذ غلب الشعب عماليق صعد موسى إلى الجبل ليتسلم الشريعة بعد عمل إستعدادات ضخمة من جانب الشعب والكهنة ، وكأن المؤمن بعد كل نصرة على الخطية أى عماليق المحارب له ، يدعوه الرب للأرتفاع على جبل معرفة الله ليتسلم من يديه فهما أعمق ومعرفة لأسرار الوصية الإلهية . 

+  +  +

خروج – الإصحاح الثامن عشر

مقابلة يثرون لموسى
( 1 ) يثرون يلتقى بموسى

" سمع يثرون كاهن مديان حمو موسى كل ما صنع الله إلى موسى وإلى اسرائيل شعبه " ع 1 ، ولعله سمع من إبنته صفورة التى رافقت موسى كل الطريق وعبرت معه البحر الأحمر ، وعندما اقتربت من سكن أبيها ذهبت إليه تكرز له بأعمال الله العجيبة ، وتأتى بأبيها الكاهن الوثنى ليسمع ويرى عمل الله فيقدم " محرقة وذبائح لله " ع 12 .

إن كان يثرون قد جاء بقلبه يمجد الله على أعماله الخلاصية ، فإن موسى أيضا العظيم فى الأنبياء ، الذى وهبه كل هذه العجائب لاقى حماه بكل اتضاع ... " خرج موسى لأستقبال حميه وسجد وقبله " ع 7 . النبوة لم تعلمه التشامخ على الآخرين بل الإتضاع أمام حميه الكاهن الوثنى . ولعله باتضاع كسبه أيضا للتعرف على أعمال الله

( 2 ) حديث فى الله :

إمتاز هذا اللقاء بأنه كان فى الرب ، لم يخرج عن تمجيد إسمه ، كما امتاز بالفرح الروحى ، إذ يقول الكتاب :

" ففرح يثرون بجميع الخير الذى صنعه إلى اسرائيل " ع 9 ، وبارك يثرون الرب ( ع 10 ) ، وشهد له أنه " أعظم من جميع الآلهة " ع 11 وقدم محرقة وذبائح لله ( ع 12 ) .

ما أجمل اللقاءات التى تسير كلها فى دائرة الرب وأعماله الخلاصية العجيبة ، فإنها تملأ القلب فرحا وتطلق اللسان للتسبيح وتكسب حتى غير المؤمنين للأيمان .

لم يقف الأمر عند هذا الحد بل يقول الكتاب : " وجاء هرون وجميع شيوخ اسرائيل ليأكلوا طعاما مع حمى موسى أمام الله " ع 12 .... كأن يثرون عرف الله كصديق له ، حتى فى أكله وشربه يشعر بوجوده أمام الله . يعلق العلامة أوريجانوس على هذا التصرف قائلا : [ كل ما يفعله القديسون إنما يفعلونه أمام الله ، أما الخاطىء فيهرب من وجه الله ، كما هرب آدم من وجه الرب عندما أخطأ ! ] .

( 3 ) مشورة يثرون :

أولا : إذ رأى يثرون موسى يتحمل كل المسئولية بمفرده ، يقضى فى كل كبيرة وصغيرة ، من الصباح حتى المساء ، أشار عليه بتعيين رؤساء ألوف ورؤساء مئات ورؤساء خماسين ورؤساء عشرات ، أناس ذوى قدرة ، خائفين الله ، أمناء ، مبغضين الرشوة ، يقضون بين الشعب كل حين ، أما الدعاوى الكبيرة فتقدم إليه . وأطاع موسى حماه . 

يرى الآباء فى موقف موسى البطولة الحقة من جهة اتضاعه ، إذ يقول القديس يوحنا الذهبى الفم : [ يقول الله عن موسى " وأما الرجل موسى فكان حليما جدا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض " عد 12 : 3 . لم يكن من هو أكثر منه اتضاعا ، هذا الذى مع كونه قائدا لشعب عظيم كهذا ، وقد أغرق ملك المصريين ( فرعون ) وكل جنوده فى البحر الأحمر كالذباب ، وصنع عجائب عظيمة هكذا فى مصر وفى البحر الأحمر وفى البرية ، وتسلم شريعة عظيمة هكذا ، ومع ذلك كان يشعر أنه إنسان عادى ، وكزوج إبنة كان أكثر اتضاعا من حميه ؛ أخذ منه مشورة دون غضب ..... موسى فى اتضاع فكره تصرف حسنا  ]   .

إزدرى موسى بالبلاط الملكى ( عب 11 : 24- 26 ) من أجل اتضاعه الحقيقى ، لأن التفكير السليم والروح العالية إنما من ثمرة الإتضاع ، أى سمو وأى عظمة أن يحتقر موسى القصر الملوكى والمائدة الملوكية ؟!

ثانيا : إن رجعنا إلى سفر العدد نرى موسى يقول للرب " لماذا أسأت إلى عبدك ولماذا لم أجد نعمة فى عينيك حتى أنك وضعت ثقل جميع هذا الشعب علي . ألعلى حبلت بجميع هذا الشعب أو لعلى ولدته ؟! عد 11 : 11 ، 12 .

ما كان لموسى أن يستثقل عمل الرعاية ، لأن الله هو الراعى الحقيقى ، والأب غير المنظور الذى يرعى أولاده ، لذلك إذ طلب الله من موسى أن يختار سبعين رجلا قال له " فأنزل أنا وأتكلم معك هناك وآخذ من الروح الذى عليك وأضع عليهم فيحملون معك ثقل الشعب فلا تحمله أنت وحدك " ع 11 : 7 ، وكأنه الرب الذى يعطى موسى سحب منه ليعطى مساعديه ...

إننا لا ننكر أهمية تشغيل الطاقات الروحية فى الكنيسة ، لكن ليس بروح التذمر ولا بالشعور كأننا نحن الذين نحمل أثقال الشعب ... إنما نحمل بركة مشاركتنا للسيد المسيح ، رئيس الكهنة وأسقف نفوسنا الخفى ، الحامل ضعفات الكل !

+  +  +  

خروج – الإصحاح التاسع عشر

الإستعداد للشريعة  

( 1 ) الحاجة للشريعة :

لم يكن ممكنا للخارج من أرض العبودية ، السالك فى طريق البرية القفر ، أن يبلغ أرض الموعد ويستقر فى أورشليم دون استلامه الشريعة الإلهية أو الوصية . لذا يصرخ المرتل فى أرض غربته ، قائلا " غريب أنا فى الأرض ، لا تخف عنى وصاياك " مز 119 : 19

تسلم الشعب الشريعة الموسوية ، التى قدمت لهم بطريقة تناسب طفولتهم الروحية ، وفى نفس الوقت حملت فى أعماقها أسرار " الكلمة الإلهى " ، لأنه ما هى الشريعة إلا كلمة الله الذى هو وحده القائد والمخلص والمنير والمشبع للنفس ، يقودها إلى حضن الآب ، ويدخل بها إلى أمجاده الإلهية . لذا يقول القديس مرقس الناسك : [ أن الوصية تحمل فى داخلها السيد المسيح ؛ من يدخل إلى أعماقها ويعيشها بالروح يلتقى بالكلمة الإلهى نفسه ]

ويتحدث المرتل فى المزمور 119 ( 118 ) عن الشريعة الإلهية كسند له فى غربته فيرى فيها :

أ – سر فرحه وسط آلام البرية : ع 103  من المزمور

ب- سر تسبيحه وتهليل نفسه : ع 54  من المزمور

جـ - سر غناه الداخلى : ع 72  من المزمور

د – قائدة للنفس ومرشدة لها وسط مضايقات الأعداء : ع 11 ، 61 ، 92  من المزمور

هـ – سر حياته ع 25  من المزمور

ز- سر الإستنارة ع 135  من المزمور

أخيرا إن الوصية تقدم لنا فى روحها وأعماقها شخص المخلص عريس النفس ومشبعها لهذا يقول : " لكل كمال رأيت حدا ، أما وصيتك فواسعة جدا " ع 96  من المزمور .

( 2 ) شريعة سيناء :

حدد سفر الخروج بدء استلام الشريعة بالشهر الثالث من الخروج وموضع الإستلام " سيناء " حيث نزل الشعب مقابل جبل سيناء ( ع 1 ، 2 ) .

أما رقم " 3 " ( الشهر الثالث ) فيشير إلى قيامة السيد المسيح الكلمة الإلهى فى اليوم الثالث ، وكأن الله يريدنا أن نلتقى به خلال الوصية فى مجد القيامة ، فلا نراها أوامر ونواة ، ولا نواميس مكتوبة وفرائض وقوانين ، بل سر قيامة لنا فى الأمجاد الإلهية .  

( 3 ) غاية الوصية :

قبل أن يتحدث الله عن غاية الشريعة أعلن حبه العملى للشعب ، قائلا : " أنا حملتكم على أجنحة النسور وجئت بكم إلي " ع 4 ، وكأنما أراد أن يوضح أن الحب المتبادل هو أساس هذه الشريعة ، لقد أحبنا وحملنا بالروح القدس ( أجنحة النسور ) وجاء بنا إليه ، أى إلى أحضانه الإلهية ، لنختبر أحشاء محبته ونتعرف على أبوته .

هذه هى غاية الشريعة : " تكونون لى خاصة من بين جميع الشعوب ؛ فإن لى كل الأرض ، وأنتم تكونون لى مملكة كهنة وأمة مقدسة " ع 5 ، 6 . مع أنه ليس فى احتياج لأن كل الأرض له ، لكنه يريد أن نكون خاصته ، لنا دالة النبوة ، مملكة كهنوتية وأمة مقدسة مكرسة له تحمل طبيعته كقدوس .

( 4 ) الإستعداد للشريعة :

أولا : دعى موسى الشعب ووضح أمامهم الكلمات التى أوصى بها الرب ، كإنما يعرض عليهم العهد الذى يريد أن يقيمه الله مع شعبه ، وبالفعل أعلن الشعب قبولـه للعهد ، إذ : " قالوا كل ما تكلم به الرب نفعل " ع 8  .

الله لا يلزمنا بالعهد ما لم نعلن قبولنا له أولا !

للأسف قبلوا العهد بالكلام لكنهم رفضوه بالعمل ، فصار الناموس بالنسبة لهم لا ينفع شيئا ... قالوا " كل ما تكلم به الرب نفعل " ، لكنهم كسروا الوصية وحنثوا العهد ، حتى جاء المخلص الذى وحده يقدر أن يتمم مشيئة الرب ووصيته فى كمالها ، وفيه نصير نحن أيضا كاملين وغير كاسرين للناموس .

ثانيا : طلب الرب من موسى أن يتقدس الشعب ويغسلوا ثيابهم ، ويكونوا مستعدين لليوم الثالث ، لأنه فى اليوم الثالث ينزل الرب أمام عيون جميع الشعب على جبل سيناء .

يقول العلامة أوريجانوس : [..... لقد غسلت ثيابك مرة واحدة عندما نلت نعمة المعمودية ، وتطهر جسدك ، وتخلصت من كل دنس الجسد والروح ، " فالذى طهره الله لا تدنسه أنت " أع 10 : 15 ] 

يرى البابا أثناسيوس فى هذا الإستعداد رمزا للدخول إلى الحياة الفاضلة التى بدونها لا يقدر أن يدخل موسى إلى حضرة الله ويتسلم الشريعة ، إذ يقول : [ خلال الفضيلة يدخل الإنسان إلى الله كما فعل موسى فى السحابة الكثيفة حيث كان الله . أما خلال الرذيلة فيخرج الإنسان من حضرة الرب كما حدث مع قايين حين قتل أخاه ( تك 4 : 16 ) ، إذ خرج من لدن الرب عندما قلقت نفسه ] .

كان الأمر صريحا : " كونوا مستعدين لليوم الثالث ، لا تقربوا إمرأة " ع 15 ، ليس لأن العلاقة الزوجية تحمل شيئا من الدنس ، وإنما لأجل تكريس كل الطاقات وانشغال الفكر بالكامل فى انتظار الوصية ..

وكما استقبل الشعب قديما كلمة الله المنقوشة على اللوحين بالإمتناع عن العلاقات الزوجية والإغتسال ، وضعت الكنيسة على أولادها أن يمتنعوا عن فراش الزوجية ليلة تناولهم " الكلمة الإلهية " ، كما وضعت طقسا جميلا لغسل أيدى الكهنة قبل استلام الحمل ، فيه يراجع الكاهن نفسه فى أمر نقاوة نفسه واستعداده الداخلى للخدمة .

ثالثا : يحذر الرب الشعب قائلا : " احترزوا من أن تصعدوا إلى الجبل أو تمسوا طرفه ؛ كل من يمس الجبل يقتل قتلا ... بهيمة كان أم إنسانا لا يعيش ؛ أما عند صوت البوق فهم يصعدون إلى الجبل " ع 12 ، 13 فلكى يصعد موسى ( الداخلى ) على جبل المعرفة وينعم بالأسرار الإلهية يلزمنا ألا نسمح للحواس التى تنشغل بالأمور المادية كالنظر والسمع أن ترتفع معنا ولا أيضا الشهوات الحيوانية .

( 5 ) حديث مع الله :

أولا : يقارن الآباء بين لقاء الشعب مع الله فى العهد القديم ولقائهم معه فى العهد الجديد ، ففى العهد القديم أقام موسى للشعب حدودا من كل ناحية حتى لا يصعدوا على الجبل أو يمسوا طرفه " كل من يمس الجبل يقتل قتلا ، لا تمسه يد بل يرجم رجما أو يرمى رميا ، بهيمة كان أم إنسانا لا يعيش " ع 12 ، 13 ...... أما فى العهد الجديد فجاء كلمة الله ذاته وجلس على الجبل ( مت 5 ، 6 ، 7 ) والتف حولـه الخطاة كأولاد له ، إنه يفتح بابه للجميع طالبا بنوتهم له !

فى العهد القديم حدثت رعود وبروق وسحاب ثقيل وصوت بوق شديد جدا حتى ارتعد كل الشعب فى المحلة .. " قالوا لموسى : تكلم أنت معنا فنسمع ولا يتكلم معنا الله لئلا نموت " 20 : 19 ..... أما فى العهد الجديد فكان الرب يتكلم بصوت هادىء وديع ليجتذب الكل إليه . وكما يقول القديس أغسطينوس : [ هناك أعطى الناموس خارجيا حتى يرتعب الأشرار ، وهنا يقدم بطريقة داخلية تبريرهم " . فى القديم عامل البشرية كأطفال صغار يسمعون الصوت المرهب لكى يخافوا ، أما فى العهد الجديد فيحدثنا كأبناء ناضجين يريدنا أصدقاء وأحباء له ] . 

شكرا لله الذى فتح أمامنا طريق الجبل المقدس وجعل كلمته تدعونا جميعا بلا استثناء لا لنتسلم الشريعة منقوشة على لوحين من الحجر ، إنما ليعطينا كلمته حيا فى داخلنا ، ووصيته منقوشة فى قلوبنا !

ثانيا : إستخدم الله صوت بوق شديد جدا حتى ارتعد كل الشعب الذى فى المحلة ...

صوت البوق إنما يرمز للكرازة بالتجسد الإلهى ، الأمر الذى بوق به الأنبياء ليعلنوا للبشرية قرب مجيئه ، لكنه إذ جاء الرسل وارتفعوا إلى قمة الجبل المقدس " كان صوت البوق يزداد اشتدادا جدا " ع 19 ، أى أعلنوه بأكثر قوة حتى بلغ صوتهم أقصة المسكونة ورسالتهم نهاية العالم ( مز 19 : 5 ) .

ثالثا : نزل الرب على جبل سيناء كنار آكلة ، كان يتحدث مع موسى والجبل يدخن : " وصعد دخانه كدخان أتون وارتجف كل الجبل جدا " ع 18 .

يقول المرتل عن الله : " قدامه تذهب نار " مز 79 : 3 ، إذ هو نفسه نارا آكلة ، وخدامه حوله ويتقدمونه كنار ملتهبة ( مز 104 : 4 ) يحرقون من كان خشبا أو عشبا أو قشا ، كما ينقون من كان ذهبا أو فضة أو حجارة كريمة .

رابعا : يقول الرب لموسى : " ها أنا آتى إليك فى ظلام السحاب " ع 9 ، وبالفعل : " فى اليوم الثالث لما كان الصباح أنه صارت رعود وبروق وسحاب ثقيل على الجبل " ع 16

ويقول الكتاب المقدس : " وأما موسى فاقترب إلى الضباب حيث كان الله " 20 : 20

إذن ما هو هذا السحاب والضباب الذى اقترب إليه موسى ليسمع صوت الرب ؟

يجيب القديس جيروم على هذا السؤال خلال تعليقه على قول المرتل " السحاب والضباب حوله " مز 97 : 2 ، إذ يقول : [ أمران يحيطان بالرب : السحاب والضباب ( الظلام ) . أظن أنها ذات السحابة التى وردت فى ألإنجيل " وسحابة نيرة ظللتهم " مت 17 : 5 . هذا حدث عندما تجلى الرب وسقط التلاميذ على وجوههم أمامه ، وجاءت سحابة نيرة ظللتهم . ]

" السحاب والضباب حولـه " : " هوذا الرب راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر " إش 19 : 1 ما هى هذه السحابة السريعة ؟ أظنها القديسة مريم التى حملت الإبن بغير زرع بشر .. جاءت هذه السحابة السريعة إلى العالم وأحضرت معها خالق العالم . ...

الرب فى الضباب : هو فى النور وفى الضباب ، هو فى النور بالنسبة للمبتدئين الذين يتحدث معهم بوضوح ، لكنه بالنسبة للمتقدمين يحدثهم بطريقة سرائرية ، فهو لا يتحدث مع الرسل كما مع الجماهير ، هذا هو معنى " وضباب حولـه " .. أى حولـه أسرار ، لهذا يقول فى سفر الخروج أن كل شعب الله غير قادر على التعرف على الأسرار ، أما موسى فكان وحده يقدر أن يفهم . لهذا يقول الكتاب : " جعل الظلمة سترة حوله " مز 18 : 12 .  

( 6 ) تحذير للشعب والكهنة :

دعا الله موسى ليحذر الشعب والكهنة لئلا يقتحموا الجبل فيسقط منهم كثيرون ( ع 21 ) ولئلا يبطش الله بالكهنة ! لقد تحول الجبل إلى قدس أقداس بنزول الرب عليه ، لذا خاف الرب على شعبه وكهنته لئلا يهلكون بسبب حب استطلاعهم واقتحامهم المقدسات الإلهية المهوبة !

لم يصعد إلا موسى وهرون ، موسى كممثل للكلمة الإلهية وهرون كممثل لكهنوت السيد المسيح ، فالمسيح وحده الكلمة الإلهى والكاهن يدخل إلى المقدسات الإلهية ، وبدونه نهلك ! . 

+  +  + 

خروج – الإصحاح العشرون

الوصايا العشر

( 1 ) مقدمة الوصايا العشر :

ما كان يمكن للشعب أن يتقبل الوصايا الإلهية أو يتذوق الشريعة وهو فى أرض العبودية ، لذا خرج به الرب إلى البرية ليسلمه الشريعة هناك ، مبتدءا بالقول : " أنا الرب إلهك الذى أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية " ع 2 . وبالرغم من أن هذه العبارة جاءت كمقدمة للوصايا وليست فى شكل وصية إلا أن اليهود إعتبروها جزء من الوصية الأولى .

تسمى الوصايا العشر بالكلمات العشر ( خر 34 : 28 ، تث 4 : 13 ، 10 : 4 ) ، كتبت على لوحى حجر ( خر 32 : 15 ) ، وتدعى " كلمات العهد " تث 29 : 1 ؛ ولوحى الشريعة ( خر 31 : 18 ) ، والشهادة ( خر 25 : 16 ) .

ورد نص هذه الوصايا مرة أخرى فى سفر التثنية ( 5 : 6 – 21 ) ، والفارق بينهما أن النص فى سفر الخروج قدم تبريرا لوصية تقديس السبت أن الله إستراح بعد الخلقة فى اليوم السابع ، أما فى سفر التثنية فارتكز على أنه فى ذلك تذكار للخلاص من أرض العبودية والدخول إلى الراحة .

يلاحظ أن الوصايا العشر قد حملت جانبا سلبيا فيما عدا وصيتى تقديس السبت وإكرام الوالدين ، كما أن الوصية الخاصة بإكرام الوالدين هى الوصية الوحيدة التى لها وعد .

وقد لخص السيد المسيح هذه الوصايا جميعها فى وصية " المحبة لله والقريب " ( مت 22 : 37 ، رو 13 : 9 ، غل 5 : 14 ، يع 2 : 8 ) .

( 2 ) الناموس بين الحرف والروح :

إهتم كثير من الآباء بالكشف عن العبارة " الحرف يقتل ولكن الروح يحيى " ( 2 كو 3 : 3 – 9 ) . أوضح القديس أغسطينوس ما يلى :

- بالناموس إنكشفت الخطية ولم تعالج " حرف الناموس الذى يعلمنا عدم إرتكاب الخطية يقتل إن غاب عنه الروح الذى يهبه حياة ، إذ يجعلنا نعرف الخطية دون أن نتجنبها ، كما يجعلها تتزايد بدلا من أن تقل ، إذ يضيف إلى الشهوة الشريرة ( التى يمنعنا عنها الناموس ) تعدينا للناموس نفسه " .

- أعلن الناموس عن الحاجة إلى طبيب : " دخل الناموس لكى تكثر الخطية " ( رو 5 : 20 ) ، فبوجوده ظهر ( الإنسان ) مذنبا ومرتبكا وفى حاجة لا إلى طبيب بل إلى الله نفسه كمعين له ، يوجه خطواته حتى لا تسيطر عليه الخطية . صار لزاما لكى يشفى أن يسلم نفسه لمعونة الرحمة الإلهية . وبهذا إذ تكثر الخطية يجب أن تزداد النعمة جدا ( رو 5 : 20 ) ليس خلال استحقاق الخاطىء لكن خلال تدخل الله الذى يعينه .. إن الناموس بإصداره الوصايا مع التهديدات وعدم تبريره لأى إنسان ، يكشف أن تبرير الإنسان هو عطية من الله بمعونة الروح القدس .. متبررين مجانا بنعمته رو 3 : 24

الناموس صالح والوصية عادلة : ونحن كمسيحيين نلتزم بالوصايا العشر ( مع مراعاة السبت كرمز للأحد ) .. الوصايا العشر نافعة ومفيدة لمن يعمل بها ، بل ولا يستطيع أحد أن ينعم بالحياة ما لم يحفظها .. لكنها تعطى حزنا للإنسان الحرفى إذ لا تحرره من الخطية ، لذا قيل " الذى يزيد علما يزيد حزنا " جا 1 : 18 ، أما الذى يحفظ الناموس روحيا حسب الإنسان الداخلى فيكون له الناموس فرحا ..

-  الناموس والعهد الجديد :  يقول القديس أغسطينوس : [ لاحظ هذا أيضا فى الشهادة التى أذلى بها النبى  بطريقة أكثر وضوحا فى هذا الأمر ، إذ يقول : " ها أيام تأتى يقول الرب وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهدا جديدا ، ليس كالعهد الذى قطعته مع آبائهم يوم أمسكتهم بيدهم لأخرجهم من أرض مصر حين نقضوا عهدى فرفضتهم يقول الرب .... "    ( أر 31 : 31 – 34 ) ما الفرق الذى أظهره الله بين العهدين ، القديم والجديد ؟ ... تم التغيير بسبب الروح المحيى الذى بدونه الحرف يقتل ، إنه يرى أن العهد القديم سمى " قديما " ، لأن الخطية التى للإنسان القديم كانت تعمل فى الإنسان ولم يقدر حرف الناموس أن يشفيها ، أما العهد الجديد فسمى كذلك من أجل عطية روح الله الحى ( 2 كو 3 : 3 ) الذى نقش الوصية بطريقة جديدة لا فى ألواح حجرية بل فى ألواح قلب لحمية . فى العهد القديم جاءت الوصية منذرة من الخارج ، أما فى العهد الجديد فنلنا نعمة الروح القدس المحيى فى القلب فى الداخل .  

( 3 ) ما جئت لأنقض بل لأكمل :

أكد السيد المسيح أنه ما جاء لينقض الناموس بل ليكمله ( مت 5 : 17 ) ، فمن ناحية كشف أعماق الناموس ودخل بنا من حرفيته إلى روحه الخفى ، فلم يعد الناموس مجرد وصايا وأوامر بل تلاق مع " كلمة الله " الخفى ، وكما يقول القديس مرقس الناسك :

[ يختفى الله فى وصاياه ، فمن يطلبه يجده فيها ] ، ....

ومن ناحية أخرى أوصانا الرب فى العهد الجديد بقتل رأس الخطايا ، فلم يطالبنا بعدم القتل فحسب وإنما عدم الغضب الذى هو بداية الطريق للقتل ، ولم يسألنا الإمتناع عن الزنا وإنما عدم النظر إلى إمرأة بقصد شرير ، الذى هو بداية السقوط فى الزنا ..الخ .

+  +  +

الوصــايـــــا العشـــــر

++ الوصية الأولى :

 لا تكن لك آلهة أخرى أمامى

تبدأ الوصايا العشر هكذا : " أنا الرب إلهك الذى أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية ، لا يكن لك آلهة أخرى أمامى ... لأنى أنا الرب إلهك إله غيور " ع 2 – 5

فى قولـه " لا يكن لك آلهة أخرى أمامى " لا يعنى وجود آلهة أخرى ، إنما يحذر شعبه من السقوط فى التعبد لآلهة الوثنيين مع عبادتهم لله .

إن كنا الآن لا نتعرض لعبادة الأوثان ، لكن الله يحذرنا من الآلهة الأخرى التى تملك فى القلب كمن يحب العالم أو الكرامة أو مديح الناس أو الشهوات ... وهناك " الذين آلهتهم بطنهم " فى 3 : 19 .

إنه يريد أن نحبه ليملك على القلب ، ليس لأنه يريد أن يستعبدنا أو يذلنا ، وإنما لأنه : " إله غيور " ... لذلك أصر أن يصف نفسه هكذا " أنا الرب إلهك غيور".. وقد علق القديس يوحنا الذهبى الفم على هذه العبارة قائلا : [ قال الله هذا لكى نتعلم شدة حبه . فلنحبه كما يحبنا هو ، فقدم ذخيرة حب كهذه . فإننا إن تركناه يبقى يدعونا إليه ، وإن لم نتغير يؤدبنا بغضبه . لقد فعل الله كل شىء لكى نحبه ، حتى أنه لم يشفق على إبنه من أجل أن نحبه ، ومع هذا فنحن متراخون وشرسون ] .

يدعى الله " إلها غيورا " ، لأنه لا يحتمل أن ترتبط النفس التى وهبت ذاتها له بالشياطين ..

إن هذا الحب الزوجى الذى يربط النفس بعريسها قد سحب قلوب الخطاة والزناة للتوبة ، كما شد قلوب الكثيرين لحياة البتولية والرهبنة ، إذ رأوا فى العريس السماوى ما يشبع القلب بفيض . وقد احتل هذا " الحب " مركز الصدارة فى الكتابات الآبائية الروحية . 

 ++ الوصية الثانية :

 لا تصنع لك تمثالا منحوتا

جاءت الوصية هكذا : " لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورة ما مما فى السماء من فوق وما فى الأرض من تحت وما فى الماء من تحت  الأرض، لا تسجد لهن ولا تعبدهن ، لأنى أنا الرب إلهك غيور " ع 4 : 5

إن الكنيسة ملتزمة بلا شك بتنفيذ هذه الوصية ، لكنها تحفظ روح الوصية لا حرفها ، لأن الحرف يقتل وأما الروح فيحيى ( 2 كو 3 : 6 ) .

روح الوصية هو وقف تسلل العبادة الوثنية إلى الشعب وليس منع استخدام الصور فى ذاتها ، فقد عرف الشعب اليهودى بتعرضه للسقوط فى نوعين من الإنحراف الوثنى : 

أ – الإمتثال بالوثنيين المحيطين بهم ، كما سقط سليمان الملك فى عبادة الآلهة الغريبة عندما تزوج بوثنيات .

ب- الخلط بين العبادة الوثنية وعبادة الله الحى ، كما يظهر من عبادتهم للعجل بقصد التعبد لله الحى خلال هذا العمل الرمزى ( خر 32 : 5 ) .

إن منع الصور فى العهد القديم قام جوهريا على عجز الشعب اليهودى عن التمييز بين العبادة الخاصة بالله وحده ، والتكريم الذى يمكن تقديمه لغير الله .

ويظهر ذلك بوضوح من أمر الله لشعبه قديما بإقامة صورا معينة هو حددها ، لا كحلى يتزين بها بيت الرب وإنما كجزء حي فى الطقس التعبدى . فخيمة الإجتماع نفسها والهيكل فيما بعد جاءا برسم إلهي أيقونة مبدعة تصور السمويات ( عب 8 : 5 ، خر 25 – 40 ) ، كما احتويا صورا مثل تمثالى الكاروبين على غطاء تابوت العهد ... وكان موسى وجميع الشعب يسجدون أمام التابوت ، والرب يتكلم معهم من بين الكاروبين ( عد 10 : 35 ، 36 ، خر 25 : 22 ) . هذا وكان الشاروب مصورا على حجاب خيمة الإجتماع بين قدس الأقداس والقدس . كما صارت صورة الشاروب وحدة فنية متكررة منقوشة على حوائط الهيكل وعلى مصراعى الباب ( 1 مل 6 : 27 – 29 ) دلالة على حلول الله فى بيته المقدس .

أمر الله موسى أن يعمل تمثالا من النحاس لحية محرقة ( نارية ) يضعها على عمود فى البرية لتكون سر شفاء كل من ينظر إليها ( عد 21 : 8 ، 9 ) .

إذن الله لم يمنع الأيقونات والتماثيل إلا من حيث الخوف عليهم من السقوط فى الأنحرافات الوثنية . لكن إذا زال هذا الخوف صارت الأيقونات تقوم بدور تعليمى بكونها لغة جامعة يفهمها كل إنسان أيا كان جنسه ، ودور روحى ... فى ذلك يقول الأب يوحنا الدمشقى إن سألك وذنى أن تعرفه عن إيمانك فخذه إلى الكنيسة وأقمه أمام الأيقونات .

أفتقد ذنوب الآباء فى الأبناء :

يرتعب البعض إذ يسمعون الرب يقول " افتقد ذنوب الأباء فى الأبناء " ع 5 قائلين : وما ذنب الأبناء ليحملوا أجرة ما فعله آبائهم ؟

أكد الله لنا أنهلا يجازى الإنسان على أخطاء والديه ، فكثيرون ممن لهم الطبائع الحارة بالتوبة صاروا قديسين فنالوا بركة أعظم مما لغيرهم .

أكد الله هذا الأمر على لسان أرميا النبى القائل : " فى تلك الأيام لا يقولون بعد الأباء أكلوا حصرما ، وأسنان الأبناء ضرست ؛ بل كل واحد يموت بذنبه ؛ كل إنسان يأكل الحصرم تضرس أسنانه " 31 : 29 ، 30

كلمات الله لا تعنى أن الله ينتقم لنفسه فى الأبناء عما فعله آباؤهم ... لكنه يريد أن يؤكد طول أناته ، فإنه يترك الأشرار للتوبة سنة فأخرى ، وجيلا فآخر ، وإذ يصمم الإنسان على عمل الشر يؤدب فى الجيل الثالث أو الرابع ليس من أجل خطايا آبائهم لكن من أجل إصرار الأبناء على السلوك الشرير بمنهج آبائهم .

بهذا إذ قال اليهود : " دمه علينا وعلى أولادنا " صدقوا ، إذ يتحمل أبناؤهم هذا الدم الذى سفكه آباؤهم ما داموا مصرون على جحد هذا الدم ، أما إن قبلوا المخلص فإنهم لا يعودوا أولادا لسافكى دم المسيح بل أولادا لله .

++ الوصية الثالثة :

لا تنطق باسم الرب إلهك باطلا

الوصيتان الأولى والثانية خاصتان بعبادة الله الحى بعيدا عن كل انحراف وثنى ، أما الوصية الثالثة فتخص " إسم الله " .

إذ خشى الله على شعبه أن يقسموا بأسماء آلهة أخرى أعطاهم الرب أن يحلفوا بإسمه ، إعلانا لإسم إلههم وتمييزا لهم ( تث 6 : 13 ، 10 : 20 ، إش 48 : 41 ، مز 63 : 1 ) ؛ كما أمرهم : " لا تدخلوا إلى هؤلاء الشعوب ... ولا تذكروا اسم آلهتهم ، ولا تحلفوا بها ، ولا تعبدوها ولا تسجدوا لها " يش 23 : 7

وقد اشترط عليهم ألا يحلفوا بإسم الرب كذبا ( لا 19 : 12 ) ، وأن يوفوا ما قد حلفوا به باسم الرب .

هذا بالنسبة للقسم ، أما بالنسبة لترديد إسم الله ، فقد طلب منهم أن لا يرددونه باطلا ، أى بلا سبب جوهرى ، فإن اسمه قدوي ( لو 1 : 49 ) ، ومهوب ( مز 111 : 9 ) ، عظيم بين الأمم ( ملا 1 : 11 ) ، عجيب فى الأرض كلها ( مز 8 : 9 ) ... علينا أن نهابه ونوقره ، لا ننطق به إلا فى خشوع وبكل إجلال ، فقد أمرنا موسى النبى قائلا : " لتهاب هذا الإسم الجليل المرهوب الرب إلهك " تث 28 : 58 ، موضوع حبنا وشبعنا وصلواتنا : " باسمك أرفع يدى ، فتشبع نفسى كما من لحم ودسم " مز 63 : 4 ، " محبوب هو إسمك يارب ، فهو طول النهار تلاوتى " مز 119 : 97 ....

أما فى العهد الجديد فقد بلغ المؤمن إلى النضوج الروحى فيليق ألا يحلف البتة كقول السيد : " ليكن كلامكم نعم نعم لا لا ، وما زاد على ذلك فهو من الشرير " مت 5 : 37 . وعرفنا إسم السيد المسيح المخلص ، " فكل من يدعو باسم الرب يخلص " رو 10 : 13 ، ومن أجل اسمه نحتمل بصبر ولا نكل ( رؤ 2 : 3 ) ، ومن أجله نهان فنفرح ونسر ( أع 5 : 14 ) ، وباسمه تخرج الشياطين ( مر 16 : 17 ) وتجرى آيات وعجائب ( أع 4 : 29 ، 30 ) .

++ الوصية الرابعة :

 تقديس يوم السبت

إنها وصية أبدية تلتزم الكنيسة بتنفيذها ، بالدخول إلى " السبت " الحقيقى ، أى " الراحة " التى صارت لنا خلال قيامة السيد المسيح ، فإن كان الله قد استراح فى اليوم السابع بعد نهاية عمل الخليقة ، صارت راحتنا ببداية الخليقة الجديدة التى صارت لنا بقيامتنا مع السيد المسيح .

++ الوصية الخامسة :

 إكرام الوالدين

وضع الرب إكرام الوالدين فى مقدمة الوصايا الخاصة بعلاقتنا بالآخرين .. فيأمرنا بإكرامنا لهما قبل أن يوصينا " لا تقتل " أو " لا تزن " الخ  وهى الوصية الوحيدة والمقترنة بمكافأة أو وعد ( أف 6 : 2 ) .

وكانت الشريعة صارمة على من يكسر هذه الوصية : " من ضرب أباه أو أمه يقتل قتلا ... ومن شتم أباه أو أمه يقتل فتلا " خر 21 : 15 – 17 . من يعاند ولا يسمع لقول أبيه ولا لقول أمه يرجمه جميع رجال مدينته بحجارة حتى يموت ( تث 21 : 18 – 21 ) . ومن يستخف بأبيه أو أمه يصير تحت اللعنة ( تث 27 : 16 ) .

يبدو أن اليهود استغلوا هذه الوصايا فأساء البعض التصرف فى معاملة أولاده ، إذ أرادوا الطاعة المطلقة بلا اعتبار لنفسية الأولاد وشخصياتهم . فجاء السيد المسيح ليكشف المفاهيم العـميقة لهذه الوصية ، ففى الوقت الذى كان السيد خاضعا للقديسة مريم والقديس يوسف ( لو 2 : 51 ) هذا الذى تخضع له كل القوات السماوية ( فى 2 : 10 ) ، واهتم بأمه وهوعلى الصليب مشغولا بخلاص العالم كله وساقطا تحت الآلام ، مسلما إياها لتلميذه القديس يوحنا ( يو 19 : 27 ) ... إذ به يضع مفهوما جديدا لهذه الطاعة وذلك عندما عاتبته أمه قائلة : " يابنى لماذا فعلت بنا هكذا ؟! هوذا أبوك وأنا كنا نطلبك معذبين " لو 2 : 48 ، 49 ، أجابهما : " لماذا كنتما تطلباننى ؟! ألم تعلما أنه ينبغى أن أكون فى ما لأبى ! " لو 2 : 49 ...

إجابة السيد المسيح كانت أشبه بثورة فى عالم الطفولة ، إذ أعطى للأبناء حق التفاهم مع الوالدين ، والطاعة فى الرب ( أف 6 : 1 ) وليس الطاعة المطلقة كما فهمها اليهود وكما كانت البشرية فى ذلك الحين تفهمها .

لقد أمر الرب بإعالة الوالدين المحتاجين بواسطة أولادهم ، وفاءا لأعمالهم الحسنة التى قدمت للأولاد فى طفولتهم ، وقد وبخ السيد المسيح الفريسيين الذين وضعوا تقليدا يخالف كلمة الله ، فقد سمحوا للأبناء أن يقدموا ما يحتاج إليه الوالدان إلى الخزينة فى الهيكل لحساب الفقراء ، فإن سألهم الوالدين شيئا يقولون : " قربان " ( مت 15 : 4 ) ! فأبطلوا وصية الرب بتقليدهم الشرير .

أخيرا إن كانت هذه الوصية حملت إكرام الوالدين حسب الجسد ، والآباء الروحيين فبالأولى جدا تنفيذها على الأبوين الروحيين يكون الله أبونا والكنيسة هى أمنا .  

++ الوصية السادسة :

 عـدم القتـل

لا يطيق الله أن يرى الدم البرىء مسفوكا بلا ذنب ، إذ يقول لقايين : " صوت دم أخيك صارخ من الأرض " تك 4 : 11 ، ولا يحتمل حتى سفك دم الشرير ، إذ يقول : " كل من قتل قايين فسبعة أضعاف ينتقم منه ، وجعل الرب لقايين علامة لكى لا يقتله كل من وجده " تك 4 : 14 ، 15 . تظهر كراهيته لسفك الدم قوله لداود النبى المحبوب لديه :

 " قد سفكت دما كثيرا وعملت حروبا عظيمة ، فلا تبنى بيتا لإسمى " أى 22 : 8 .

الله الذى أوصى بعدم القتل صرح به بالنسبة للزناة ( لا 20 : 10 – 16 ) ، وللقاتل نفسه ( خر 21 : 14 ) ولضارب أبيه أو أمه أو شاتمهما ( خر 21 : 15 ، 17 ) ، ولكاسر يوم السبت ( خر 31 : 15 ) ، والمجدف على إسم الرب ( لا 24 : 16 ) .. وأمر به فى بعض الحروب مع الوثنيين . كان هذا كله يناسب العهد القديم ، إذ لم يكن يستطيع الإنسان أن يميز بين الخاطىء والخطية ، وعابد الوثن وعبادة الأوثان ، فبالقتل أراد أن ي}كد رفضه التام للخطية وعبادة الأوثان التى للأمم . أما فى العهد الجديد ، إذ يدخل المؤمنون إلى النضوج الروحى لم يعد القتل عقوبة للخاطىء ، إنما يلزم خلاصه من الخطية علة موته .

والقتل لا يعنى مجرد سفك الدم ، فهناك من بقتل بلسانه كقول الكتاب : " لسانهم سيف قتال " أر 9 : 8 ، " ألين من الزيت كلماته وهى سيف مسلول " مز 55 : 21 ، وهناك قتل بالنية : " كل من يبغض أخاه فهو قاتل نفس " 1 يو 3 : 15 . وهناك قتل للروح كقول الكتاب " الحرف يقتل " 2 كو 3 : 6 . وقد اعتبر القديس أكليمنضس الإسكندرى المبتدعين أشر من القتلة ، إذ يقول :

[ القتل هو هلاك أكيد ، فمن يرغب فى استبعاد التعليم الحقيقى الخاص بالله والخلود ... أكثر ضررا من القاتل ] .

++ الوصية السابعة :

 عــدم الزنــا

يقول الرسول : " اهربوا من الزنا ؛ كل خطية يفعلها الإنسان هى خارجة عن الجسد ، لكن الذى يزنى يخطىء إلى جسده " ( 1 كو 6 : 18 ) .

بالزنا نسىء إلى أجسادنا التى هى أعضاء المسيح ( 1 كو 6 : 15 ) ، والتى هى هيكل الروح القدس ( 1 كو 6 : 19 ) .

ليست خطية بشعة يكرهها الله مثل الزنا ، حتى دعيت فى الكتاب " نجاسة " ( 2 بط 2 : 10 ) ، بها تتنجس النساء ( خر 18 : 11 ) وينجس الرجل جسده ( 2 بط 2 : 10 ) وتتنجس ثيابه ( رؤ 3 : 4 ) ، وينجسون الأرض ( أر 3 : 6 – 9 ) .

من فرط بشاعتها دعيت عبادة الأوثان زنا ( أر 3 : 6 – 9 ) ، وبسببها عاقب الرب الأرض بالطوفان ( تك 6 : 1 ، 2 ) ، وحرق سدوم وعمورة ( تك 19 : 24 ، 25 ) ، وكاد يفنى سبط بنيامين كله ( قض 20 ) ، وقدم الرسول بولس تأديبا قاسيا حتى كاد الزانى أن يبتلع من الحزن المفرط ( 1 كو 5 : 3 ، 5 ) ، واعتبرها الرب السبب الوحيد لحل رباط الزوجية ( مت 5 ) .

وأراد السيد المسيح أن يحفظنا منها تماما فأوصانا ألا نتطلع إلى إمرأة لنشتهيها ، وكأنه أراد أن يغلق الباب من بداية الطريق .

وقد كتب الآباء كثيرا عن حياة العفة والطهارة سواء بالنسبة للمتزوجين أو البتوليين .

 ++ الوصية الثامنة :

عـدم الســـرقة

وهى خطية بشعة لأنها سلب ما للغير ، وهى خطية مكروهة حتى قبل نزول الشريعة ،  اعتبر إتهام يعقوب بسرقة آلهة لابان أمرا بشعا ( تك 31 : 30 ، 32 ) ، وإتهام إخوة يوسف بسرقة الكأس ( تك 44 : 7 – 9 ) . تزداد بشاعة هذه الخطية إن كان المسروق منه محتاجا مثل الأرملة ، لذلك وبخ الله الكتبة والفريسيين قائلا :

 " ويل لكم أيها الكتبة والفريسيين ، لأنكم تأكلون بيوت الأرامل .. لذلك تأخذون دينونة أعظم " ( مت 23 : 14 ) .

والإقراض بربا لمحتاج أو رهن ثياب أحد أو غطائه ( خر 22 : 25 – 27 ) أو كان الشىء المسروق من المقدسات .

اعتبرالله من يمتنع عن دفع العشور سرقة ( غلا 3 : 7 – 10 ) !

واعتبر القديس أكليمنضس الإسكندرى أن كل من ينسب شيئا لغير صاحبه فهو يسرق ، كمن يسرق أفكار الغير وينسبها لنفسه .  

" لا سارقون ولا طماعون ...  ولا خاطفون ، يرثون ملكوت الله "  1 كو 6 : 10

والسرقة بصفة عامة هى عدم إحترام حقوق الغير وملكيته ، وهى تدل على خسة نفس السارق وعدم أمانته ، وهى كما تؤذى الآخرين تحطم شخصية السارق فى نظر الناس ، فى أحيان كثيرة تعتبر السرقة نوعا من المرض النفسى يحتاج إلى علاج ، فنجد أن السارق قد يأخذ أشياء لا يحتاج إليها ولا يعرف كيف ينتفع بها وإنما يجد لذة فى أخذها من الغير والأحتفاظ بها ، ... ولذلك فهو بحاجة إلى العلاج ومساعدة الآخرين له على تجاوز هذه الحالة .

++ الوصية التاسعة :

 عـدم الشـهادة بالــزور

الشهادة بالزور تعنى الكذب ، ويعتبر الشيطان " كذابا أبو الكذاب " يو 8 : 44 ، فمن يكذب يعمل أعمال أبيه الشيطان .

لما كانت الشهادة الزور لها خطورتها على الجماعة وضعت الشريعة " على فم شاهدين أو ثلاثة تقدم كل كلمة " (تث 19 : 15 )

وقد اهتم الكتاب المقدس بالصمت المقدس ، لأن كثرة الكلام لا تخلو من معصية ، والتسرع فى الحديث قد يدفع الإنسان للكذب بغير عمد .

++ الوصية العاشرة :

لا تشـتــه

" لا تشته إمرأة قريبك .

ولا تشته بيت قريبك ، ولا حقله ، ولا عبده ، ولا أمته ، ولا حماره ، ولا شيئا مما لقريبك " ( خر 20 : 17 ، تث 5 : 21 ) .

هذه الوصية كشفت عن عمق الناموس ، إنه أراد أن يقتل الخطية من جذرها ، لكن اليهود لم يفهموا .

اوصى الناموس الموسوى " لا تشته " ، وأوصى العهد الجديد بذات الوصية ، فما الفارق ؟ أوصى الناموس لكنه لم يعط العلاج ، كشف عن عجز الإنسان عن تنفيذ الوصية لكى يطلب العلاج ، أما العهد الجديد فأعطانا إمكانيات التنفيذ بالروح القدس العامل فينا .

لا تقف الشهوة عند الأمور الخاصة بشهوات الجسد ، وإنما شهوة الإمتلاك أيضا ومحبة المال ، فيقول القديس أمبروسيوس : [ محبة المال رذيلة قديمة وعتيقة ، أظهرت ذاتها حتى فى إعلان الناموس ، إذ جاء الناموس لكى يقمعها ] .

+  +  +

خروج – الإصحاح الحادى والعشرون

الشريعة

( 1 ) العبد العبرانى :

يتحدث هذا الإصحاح عن حقوق العبد العبرانى ، إذ تميز الشريعة بين العبد العبرانى والعبد الغريب ( الأممى ) . ولكى نتفهم ما ورد فى الشريعة يلزمنا أن نتفهم نظرة الوثنية لنظام الرق ، وما هو موقف الشريعة اليهودية ؟ وما هو دور المسيحية فى ذلك الشأن ؟

الوثنية واليهودية ونظام الرق :

عرفت الشعوب الوثنية نظام الرق ، يستوى فى ذلك الشعوب المتخلفة مع المتحضرة ، ولم يعط القانون الرومانى للعبيد أى حق مدنى أو إنسانى ... لم يكن ممكنا للشريعة اليهودية أن تمنع هذا النظام دفعة واحدة ، لهذا التزمت بتقديم قواعد ونظم تحفظ للعبد حقه الإنسانى ، وتنزع عنه – إلى حد كبير – الجانب الإذلالى ، ليعيش كإنسان وأخ تحت ظروفه القاسية ، وقد عرف اليهود نوعين من العبودية : عبودية العبرانيين ، وعبودية الأمميين .

أولا- عبودية العبرانيين :

كانت تتم فى أحد الظروف التالية :

أ – بسبب الفقر قد يبيع الإنسان نفسه ( لا 25 : 39 ) أو أولاده ( 2 مل 4 : 1 ) .

ب- بسبب السرقة ، إن لم يكن له ما يوفى فيباع بسرقته ( خر 22 : 3 ) .

جـ - قد يبيع الإنسان إبنه عبدا أو إبنته أمة ( خر 21 : 7 ، 17 ؛ نح 15 : 5 ) .

د – قد يصير الإنسان عبدا بالميلاد إذا كان والده عبدا .

أما الحقوق التى قدمتها الشريعة للعبد العبرانى والأمة العبرانية فهى :

أ‌-       يعامل العبد العبرانى كأخ ، ليس فى مذلة ( لا 25 : 39 – 43 .

ب- يتمتع العبد بالعتق من العبودية فى السنة السابعة من عبوديته ، أى إن صح التعبير، فى السنة السبتية ، سنة الراحة .  هذه إشارة إلى الحرية التى صارت لنا جميعا بمجىء الرب فى اسنة السبتية ، أى فى ملء الزمان بمجىء الرب " سر الراحة الحقيقة " .

جـ - فى سنة اليوبيل ( لا 25 : 39 ، 40 ) .

د – لا يخرج العبد فارغا بعد تحرره ، بل يأخذ معه من الغلات والقطيع ومن البيدر والمعصرة ( لا 25 : 43 ) ، لم يحررنا السيد المسيح فخسب لكنه وهبنا غنى روحه القدوس ، فننطلق حاملين بره وقداسته فينا .

هـ - يمكن للعبد أن يتزوج إبنة سيده ( 1 أى 2 : 35 ) ، كما يمكن للسيد أن يتزوج الأمة أو يعطيها زوجة لإبنه . ولا يحق له أن يبيع العبد العبرانى أو الأمة لسيد أجنبى ( خر 21 : 7 – 11 ) .

و – إن أهمل السيد أو إبنه فى حق الأمة التى تزوجها ، من جهة الطعام أو الملابس أو حقوقها الزوجية تصير الأمة حرة !

أخيرا فقد ألغيت عادة العبيد العبرانيين وحرمت بعد العودة من السبى .

ثانيا - عبودية الأممى :

غالبا ما يكونوا من أسرى الحرب ( عد 31 : 9 ، 2 مل 5 : 2 ) ، أو مشترين ، أو بالميلاد ، لكننا لا نشتم من الكتاب المقدس ولا من التاريخ أنه وجد سوق للرق عند اليهود .

قبل الشريعة الموسوية قدم لنا إبراهيم أب الآباء مثالا حيا فى التعامل مع العبيد ، فقد وضع فى قلبه إن لم ينجب يترك ميراثه لأحد عبيده " أليعازر الدمشفى " تك 15 : 20 ، الذى جعله وكيلا على كل أمواله . وفى زواج إسحق برفقة ظهرت ثقة إبراهيم فى عبده ، وكان العبد فى تصرفاته يكشف عن استحقاقه أن يكون موضع هذه الثقة .

وإذ جاءت الشريعة الموسوية قدمت للعبيد حقوقا تحفظ لهم آدميتهم ، منها :

أ – من يسرق إنسانا ويبيعه أو يوجد فى يده يقتل ( خر 21 : 16 ) .

ب – جريمة قتل العبد تتساوى مع قتل الحر ( لا 24 : 17 ، 22 ) .

جـ - إذا فقد عبد عينه أو يده يعتق ( خر 21 : 26 ، 27 ) .

د – اعطت الشريعة للعبيد أن يعبدوا آلهتهم الخاصة ، أى حرية العقيدة حتى وإن كانوا مخطئين ، لكن من حق السيد العبرانى أن يختن عبيده .

هـ - أعطتهم حق الإشتراك مع سادتهم فى الأعياد ( خر 20 : 10 ، 23 : 12 ) .

المسيحية ونظام الرق :

عالجت المسيحية مشكلة " نظام الرق " بطريقة موضوعية ، إذ لم تشأ إثارة العبيد ضد سادتهم ، الذين كانوا يمثلون فى المملكة الرومانية نصف تعدادها ، إنما طالبت العبيد بالطاعة ( أف 6 : 5 – 8 ، كو 3 : 22 – 25 ، 1 تى 6 : 1 ، 2 ، 1 بط 2 : 18 – 21 ) ، كما أنها آمنت حتى بإمكانية تأثير العبد على سيده خلال الحياة المقدسة فى الرب .

عملت الكنيسة على إعادة العبد الهارب إلى سيده فليمون ، لكى يحرره بإرادته ويعفو عنه دون ضغط أو إلزام .

لقد بدأ نظام الرق ينهار من جذوره ، وكان ذلك أحد الأسباب الرئيسية لهياج الدولة الرومانية على الكنيسة المسيحية .

( 2 ) القتل والضرب :

أعلنت الوصايا العشر كراهية الله للقتل ، فجاءت الوصية صريحة " لا تقتل " . أما الشريعة فكشفت عن تفاصيل أكثر لهذه الوصية ، وربطت بين القتل والضرب المؤدى إلى إصابات مستديمة فى الجسم ، وقد أوضح الإصحاح عقوبات الجرائم الآتية :

أ – القتل عمدا : عقوبته قتل القاتل .

ب‌-  القتل بالمسئولية : كأن يهمل الإنسان فى ضبط ثوره ... .

جـ - القتل مع غير العمد ( ع 13 ) : كان للقاتل فى هذه الحالة الحق فى الهروب من أمام وجه ولى الدم إلى إحدى مدن الملجأ ، فلا يجوز قتله مادام داخل المدينة إلى أن يموت الكاهن العظيم ، حينئذ يستطيع أن يخرج من المدينة ولا يجوز قتله ( ع 35 : 11 ، تث 19 : 3 ، يش 2 : 3 ) ، وكانت هذه المدن رمزا للسيد المسيح ، الملجأ الذى تلجأ إليه النفس التائبة فتحتمى به .

د – الضرب : وقد أوضح الإصحاح عقوبة الضرب ( ع 26 ) .

إجهاض إمرأة بسبب رجال متخاصمين :

" إذا تخاصم رجال وصدموا إمرأة حبلى فسقط ولدها ولم تحصل أذية يغرم كما يضع عليه زوج المرأة ويدفع على يد قضاة . وإن حصلت أذية نفسا بنفس ، وعينا بعين ، وسنا بسن ، ويدا بيد ، ورجلا برجل ... " ع 22 – 25 .

يعلق العلامة أوريجانوس على هذا التشريع قائلا : [ المتخاصمون هم الذين يتناقشون فى بعض النقط الخاصة بالناموس مستخدمين ما تحدث عنه الرسول " مماحكات الكلام " 1 تى 6 : 4 . لهذا يوصى الرسول قائلا : " مناشدا قدام الرب أن لا يتماحكوا بالكلام ، الأمر غير النافع لشىء ، لهدم السامعين " 2 تى 2 : 14 .

والغرض من الشريعة هو :

-         إعطاء كل ذى حق حقه .

-         تحذير اليهود من الوقوع فى الخطأ ، بسبب  عقوبات الخطأ الصارمة .

+  +  + 

خروج – الإصحاح الثانى والعشرون

تابع : الشريعة

( 1 ) السرقة :

اعتبر الله نفسه مسئولا ليس فقط عن حياة الإنسان وجسده وإنما أيضا على ممتلكاته ، فكل أنانية فى حياة إنسان خلالها يريد أن يقتنى لنفسه شيئا على حساب أخيه يعتبر خطية يرتكبها الإنسان فى حق الله نفسه ، وقد جاءت الشريعة فيما يخص السرقة والسارق والمعتدى عليه بالسرقة غاية فى المرونة بالنسبة لذلك العصر فعلى سبيل المثال :

أ- بالنسبة للص أو السارق نفسه الذى يعرض حياته وحريته وممتلكاته للضياع إن قتل أثناء سرقته ليلا لا يعوض عنه بدم ، وإذا سرق يلزم بتعويض المعتدى عليه بالضعف إن كانت السرقة فى يده ، أما إن كان قد تصرف فيها بالبيع أو الذبح فيرد الثور بخمسة ثيران والشاة بأربعة من البقر ، ولو باع كل ممتلكاته ، أو باع نفسه عبدا !!

مع كل هذه الصرامة كانت " حياة اللص " موضع إهتمام الله ، فإن ضبط اللص يسرق وضرب فى النهار حتى مات يطلب دمه من القاتل ، فإن الله لا يريد روح الأنتقام بل التأديب ! أما بالليل فيفترض أن صاحب الممتلكات كان يضربه فى الظلام فإن مات اللص يكون اللص هو المسئول عن نفسه !

ب – لا تقف السرقة عند السطو ، ولكنها تتم أيضا خلال الإهمال ، كأن يترك إنسان ماشيته فى حقله بلا أسوار فترعى فى حقل غيره ، أو يوقد نارا فى شوك أرضه فتلتهم محاصيل جاره ، أو يأتمنه إنسان على ذهب أو فضة أو حيوان فيهمل فى الحفاظ على الأمانة ، وهنا يقوم القضاء بالحكم .

ج – فى حالة ضياع الأمانة أو موت ماشية مودعة كأمانة أو مستعارة يكون الحكم مرنا ، حسبما يقضى القضاة ، وأيضا حسب إمكانية صاحب الوديعة ، فإن كان فى عوز يلتزم المودع لديه بالتعويض .

د – اعتبر الله الإنسان ملتزما بالمحافظة على ممتلكات جاره خاصة فى غيابه ، فإذ لم توجد مخازن فى بنوك وتأمينات ، تعاون الجماعة يسند الكل ، فلا يترك إنسان حيوانا يرعى فى حقل جاره ولا يهمل فى إشعال نار تلحق الضرر بمحاصيل جاره .

( 2 ) الزنـــــا :

هنا يتسع مفهوم الزنا ليشمل السحر والذبح لآلهة غريبة . يظن البعض خطأ أن الزنا قد حرمه الله لأجل الإساءة إلى أحد الطرفين جسديا أو إجتماعيا أو معنويا أو لطرف ثالث كزوج المعتدى عليها ، لكن الشريعة تكشف خطورة الزنا بكونه دنس ونجاسة لا يحتملها الله ، فيأمر بقتل من يصنع شرا مع الحيوان ، لأنه يدنس نفسه وجسده بل ويدنس الأرض .  

( 3 ) الظلــم :

لا يحتمل الله ظلم الإنسان لأخيه ، خاصة إن كان المعتدى عليه غريبا أو أرملة أو يتيما أو فقيرا . وقد منع الربا ( ع 25 ) ، لأنه لم تكن تستخدم القروض فى أعمال تجارية لزيادة الدخل وإنما بسبب العوز حتى اضطر البعض أن يرهن ثوبه الذى يتغطى به ... الله يريد رحمة ، فلا يسمح لإنسان أن يترك ثوب أخيه رهينة لديه بعد غروب الشمس .

 ( 4 ) عدم السب :

يقول : " لا تسب الله ، ولا تلعن رئيسا فى شعبك " ع 28

تقوم الكنيسة على الإحترام المتبادل وطاعة الصغير للكبير ، فالمؤمن يشعر برعاية الله وعنايته فلا يخطىء إلى الله ، وأيضا يطيع الرؤساء فى الرب .

( 5 ) سلب حقوق الله :

إذ يتحدث فى هذ الإصحاح عن عدم إغتصاب ممتلكات الآخرين ( السرقة ) وعدم ظلم الغرباء والضعفاء والمحتاجين يتحدث عن عدم سلب حقه فى البكور ، ليس لأن الله فى عوز ، لكن لأجل الفقراء والمحتاجين .

فى ( ص 13 ) تحدث عن تقديم بكور البنين ، كعلامة تقديس كل الشعب لله .

والعجيب أنه ليس فقط يهتم بالبكور حتى يجد المحتاجين كفايتهم فى بيت الرب ، وإنما يهتم حتى بالكلاب ، فيقول " لحم فريسة فى الصحراء لا تأكلوا ، للكلاب تطرحونه " ع 31 .

هذا من جانب ومن جانب آخر طالبنا بالتقديس له ، إيجابيا بتقديم بكور البنين وبكور الحيوانات والمحاصيل ، وسلبيا بالإمتناع عن المحرمات والأمور الدنسة ، وكأن المؤمن فى شركة مع الله يجاهد فى عمل الفضيلة وأيضا فى الكف عن الرذيلة ، يصنع الخير ويمتنع عن الشر .

+  +  +

خروج – الإصحاح الثالث والعشرون

تابع : الشريعة

( 1 ) النفاق وعدالة القضاء :

إهتمت الشريعة بتقديس الجماعة كما بتقديس كل عضو فيها ، فإن كان من أجل الجماعة يلزم ألا يتقبل العضو خبرا كاذبا ولا يشترك مع المنافق فى ظلمة ، فإنه أيضا من أجل تقديس نفسه لا يجرى وراء الجماعة إن انحرفت ( ع 2 ) ولا يتحدث بالكذب حتى لا يقتل بارا ( ع 7 )

كما يهتم الله بالفقير لئلا يظلمه الناس لحساب الغنى : " لا تحرف حق فقيرك فى دعواه " ع 6 أيضا يطالبنا فى شفقتنا على الفقير لا نظلم الغنى : " لا تحاب مع المسكين فى دعواه " ع 3

( 2 ) مساعدة الآخرين والعدالة :

مساعدة الآخرين ليست أمرا إختياريا لكنها وصية إلهية إلزامية ، لا تقف عند حد الإنسان ، وإنما مساندة حتى حمار العدو إن وقع تحت حمله .

إن كان الإنسان – تحت شريعة الناموس – يلتزم ألا يستهين بحمار عدوه إن سقط فماذا تكون بالحرى مسئوليته إن أهمل فى مساندة نفس عدوه أو أخيه وهو فى عهد النعمة ؟ وكما يقول القديس يوحنا الذهبى الفم : [ إن كان الأمر هكذا بالنسبة لمن يستهين بحمار عدوه ، فماذا يكون بالنسبة لمن يحتقر الحيوان المستخدم للأحمال ولا يحتقر نفس عدوه وهى تهلك إنما يستخف بنفس صديقه ؟! كيف ينال غفرانا ؟!

( 3 ) الرشوة والعدالة :

تحذر الشريعة من الرشوة ، فإنها تعمى بصيرة الحكماء ( المبصرين ) وتعوج كلام الأبرار ( ع 8 ) .

( 4 ) السبت وحقوق الغير :

سمعنا عن السبت فى جمع المن ( ص 16 ) ، وفى الوصايا العشر ( ص 20 ) ، لكنه هنا فى الشريعة إذ يتحدث عن حقوق الآخرين يتكلم عن السبت من وجهة نظر جديدة ، فليس السبت هنا تقديسا لحياة الإنسان الذى فيه يذكر الله الذى استراح فى اليوم السابع ، ولا تذكارا لخروجه من أرض مصر وأعمال الله معه لأجل دخوله إلى الراحة ، وإنما يذكر السبت لأجل حق الآخرين عليك ، فيعطى للأرض سبتا للراحة ( السنة السابعة ) فتستريح الأرض ويجد الفقراء طعاما ، وأيضا وحوش البرية ، كذلك يعطى راحة فى اليوم السابع ليس لنفسه وعائلته فحسب وإنما لإبن أمته والغريب ولثوره وحماره .

الأعيــــاد :

يتحدث سفر اللاويين على الأعياد اليهودية وطقوسها بأكثر تفصيل فى سفر اللاويين ، ولكنه هنا يركز على جانب معين ، هو أهميتها فى الحياة الإجتماعية ، فقد تحدث عن ثلاث أعياد وتحدث عن ثلاث أمور :

أ – يأكلون الفطير ليس فقط فى عيد الفطير وإنما أيضا فى العيدين الآخرين ، الفطير يير إلى " الحياة الجديدة " ، وكأن العيد هو فرصة لمراجعة الإنسان حساباته الداخلية وعلاقاته بالآخرين لئلا يكون قد ظلم أحدا ، أو تجاهل حق الفقير أو الغريب .

ب – لا يبيت شحم عيد الرب إلى الغد . هنا يقول " عيدى " ع 18 ، فهو ليس عيد الإنسان ، ولكنه عيد الرب فيه يفرح الله بالإنسان . ولعله قصد بهذه الوصية أن يوزع كل ما يملكه بخصوص العيد فى ذلك اليوم ولا يترك شيئا لنفسه أو لعائلته بل يعطيه للمحتاجين .

ج – تقديم البكور : وقد سبق الحديث عنها .

الأعياد الكبرى عند اليهود هى عيد الفطير الذى لا ينفصل عن الفصح ( خر 12 ، 13 ، لا 23 : 5 ) ، وعيد الحصاد فى بدء موسم الحصاد حيث يقدمون أبكار غلاتهم ( لا 23 : 15 – 22 ؛ عدد 28 : 26 – 31 ، تث 16 : 9 – 12 ) . وعيد الجمع فى نهاية الموسم ( عد 29 : 12 إلخ ؛ لا 23 : 34 – 43 ، تث 16 : 13 ، 43 ) .

يعلق القديس يوحنا الذهبى الفم على وصية الشريعة :

" لا تظهروا أمامى فارغين " ع 15

 قائلا : [ إنها تعنى ألا تدخل الهيكل بلا ذبائح . فإنه لا يليق بك أن تدخل بيت الله بدون ذبائح ؛ فلا تذهب الإجتماع غير مصطحب إخوتك ، فإن هذه الذبيحة والتقدمة أفضل من تلك ، متى قدمت لله نفسا معك فى الكنيسة ] ..

إضافة لذلك يجب على الأخوة المسيحيين عامة تقديم الدعم المادى للكنيسة ، حتى يمكن أن تسد الكنيسة إحتياجات الفقراء والأسر المحتاجة ، والمرضى ، والأسر المستورة التى لا تستطيع أن تمد يدها علانية للغير ، بالإضافة لإحتياجات الكنيسة من البخور وأوانى المذبح وكافة المشروعات الإجتماعية التى تقوم بها .

( 6 ) الحضرة الإلهية :

وتعتبر هذه الوصية هى الوصية الوداعية ، إنه يرسل ملاكه أمامهم ليحفظهم فى الطريق ويدخل بهم إلى الموضع الذى أعده لهم ( ع 20 ) . هنا يتحدث عن حضور الله الذى يتنازل ليكون فى وسطهم فيصير كملاك مرسل لحمايتهم وقيادتهم والدخول بهم إلى الوعود الإلهية . كلمة ملاك تعنى " رسول " ، أى يحمل رسالة ، حينما ينزل الله إلينا إنما يحمل إلينا رسالة هى من قبله ؛ وقد دعى " وجه يهوه " فى خر 33 : 15 ، 16 .

( 7 ) عدم مخالطة الأمم :

هى ليست وصية مستقلة لكنها إمتداد للوصية السابقة ، فإن كان من الجانب الإيجابى يقبلون حضرة الله فى وسطهم وتسلمه قيادة حياتهم ، فمن الجانب السلبى يرفضون مخالطة الأمم علامة رفضهم لآلهتهم ، إذ لم يكن يستطيع اليهود أن يميزوا بين الخاطىء والخطية ، وبين الشعوب الأممية والحياة الوثنية .

+  +  +

خروج – الإصحاح الرابع والعشرون

العهد الإلهى – والتحرك الكنسى

فى الأصحاحات السابقة نرى تحرك الله المستمر نحو شعبه ، هو الذى هيأ لهم موسى منقذا ، وهو الذى حرك قلب فرعون ، وهو الذى عبر بهم البحر الأحمر وأهلك عدوهم ، وعالهم بالمن السماوى وحول مرارة المياة إلى عذوبة إلخ .... وأخيرا قدم لهم وصاياه وشرائعه سندا لهم ، والآن تلتزم الكنيسة بالتحرك نحو الله وبمساندته ، فقد جاء هذا الإصحاح يكشف عن العمل الكنسى فى الله ، والذى يمكن تلخيصه فى النقاط التالية :

( 1 ) الروح الجماعية :

إن كان موسى " يقترب وحده إلى الرب " ع 2 ، والشعب لا يصعد معه ، لكن الله أمر موسى أن يصعد ومعه هرون وناداب وأبيهو وسبعون من الشيوخ ( ع 1 ) . فالكنيسة لا تعرف الإنفرادية ، إنما يلزم أن تلتقى القيادات الروحية بمواهبها المتعددة وأعمالها المتباينة بروح واحدة يلتقى موسى مستلم الشريعة مع هرون رئيس الكهنة وإبنيه ناداب وأبيهو ممثلين للكهنة واللاويين ومع السبعين شيخا يمثلون أراخنة الشعب . فى هذا يقول الرسول : " فإنه كما فى جسد واحد لنا أعضاء كثيرة ولكن ليس جميع الأعضاء لها عمل واحد ، هكذا نحن الكثيرين جسد واحد فى المسيح وأعضاء بعضا لبعض كل واحد للآخر  . ولكن لنا مواهب مختلفة بحسب النعمة المعطاة لنا ، أنبوة فبالنسبة للإيمان ، أم خدمة ففى الخدمة ، أم المعلم ففى التعليم ، أم الواعظ ففى الوعظ . المعطى فبسخاء ، المدبر فبإجتهاد ، الراحم فبسرور " رو 12 : 4 – 8 .

هكذا يعمل الكل معا بروح واحد مع اختلاف المواهب ، والقديس يوحنا الذهبى الفم يقول : [ ليتنا نأخذ هذه الأمور فى اعتبارنا فلا نحسد ولا نحقد على الذين لهم مواهب أعظم ، وفى نفس الوقت لا نحتقر الذين لديهم مواهب أقل ] .

( 2 ) رباط روحى لا جسدى :

لم يأخذ واحدا من إبنيه ، بل ولا سمعنا عن إبنيه أنهما تسلما مسئولية معينة ، إنما أخذ معه هرون وإبنيه ناداب وأبيهو ( ع 1 ) . هنا تظهر القيادة الروحية الحية التى تعمل من أجل الله وحده ، فلا يسلم إبنيه حسب الجسد أى مسئولية هم غير قادرين عليها ، لكنه إذ أمره الله أن يعمل أخوه هرون معه لم يمتنع .

ناداب هو إبن هرون البكر ، وإسمه يعنى " كريم " ، وكان أحد الذين كرسوا كهنة الرب ، وأبيهو تعنى " أب هو " . وللأسف مات الإثنان عندما قدما نارا غريبة أمام الرب ( لا 10 : 1 ، عد 26 : 61 ) ، ربما لأنهما كانا فى حالة سكر ، على أى الأحوال صار هذين الرجلين مثلين مرعبين لكهنة الرب ، فإنهما وإن صحبا موسى وهرون مع السبعين شيخا ورأوا الرب ( ع 9 ) وتحت رجليه أمجاد سماوية ، واشتركا فى العمل الكهنوتى منذ بدء قيامه لكنهما حرما نفسيهما من التمتع بالله خلال تقديمهما نارا غريبة . لهذا لا نعجب إن كان الرسول يحذرنا : " من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط " 1 كو 10 : 12 ، كما يقول : " أقمع جسدى واستعبده حتى بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسى مرفوضا " 1 كو 9 : 27 . 

( 3 ) دور الشعب :

إن كان قد صعد موسى قائد الشعب وهرون كاهنه وإبناه ، والسبعون شيخا أراخنة الشعب ، لكن لا يمكن أن تقوم الحياة الكنسية على سلبية الشعب ، فقبل أن يقدم موسى المحرقات وذبائح السلامة للرب وقبل أن يرش الدم على المذبح والشعب تحدث معهم عن " كل الأقوال التى تكلم بها الرب " وقبلوها بكل رضى ( ع 3 ) .. من أجل الشعب جاء موسى ، ومن أجلهم أقيم الكهنوت والأراخنة ... لذلك فلهم الكلمة الأولى والمباشرة فى علاقتهم مع الله .

فى الكنيسة يقوم الشعب بدور إيجابى ، فلا تعرف الكنيسة القداسات السرية ، وإنما يلزم لإشتراك الشعب علانية مع الكهنة فى الخدمة ، وكما يصلى الكاهن من أجل الشعب ، يطلب الشماس من الشعب أن يصلوا عن الأب البطريرك وكل طغمات الكهنوت . ويلتزم الشعب بالشهادة أو الكرازة بالإنجيل بكونهم رسالة المسيح المقروءة من جميع الناس .

( 4 ) دور الفتيان :

" وأرسل فتيان بنى إسرائيل فأصعدوا محرقات وذبحوا ذبائح سلامة للرب من الثيران " ع 5

ليس فقط يقوم الشعب بدور إيجابى فى الحياة الكنسية ، وإنما أعطى موسى إهتماما بالفتيان الذين أرسلوا لإصعاد محرقات وذبائح سلامة للرب ، فدور الفتيان لا يقف عند الإستماع والطاعة لكنهم يحملون عملا أساسيا فى حياة الكنيسة .

الله يطلب محرقات الحب وذبائح السلامة منك فى أيام شبابك ، لذا يقول الكتاب :

" أذكر خالقك فى أيام شبابك " جا 12 : 1 .

( 5 ) روح التلمذة :

" قام موسى ويشوع خادمه ، وصعد موسى إلى جبل الله " ع 13 .

رأى القديس أمبروسيوس فى التصاق يشوع بموسى صورة حية للتلمذة ، فإن القائد الناجح هو الذى يقدم للكنيسة تلاميذ للرب ، ويعرف نجاحه بعد رحيله إن كان قد ترك من يكمل الرسالة الإلهية أم انتهى عمله برحيله .

يقول القديس أمبروسيوس عن يشوع : [ كان ملاصقا لموسى الطوباوى فى كل موضع ، وسط كل الأعمال العجيبة والأسرار الرهيبة ... ما أجمل الوحدة بين الشيخ والشاب . أعطى الأول شهادة ( لوحى الشريعة ) وقدم الآخر راحة ( أرض الموعد ) . قدم الواحد قيادة والآخر سعادة ... أحدهما تحكم فى البحر والآخر فى السماء :

 " حينئذ كلم يشوع الرب يوم أسلم الرب الأموريين أمام بنى إسرائيل وقال أمام عيون إسرائيل يا شمس دومى على جبعون وياقمر على وادى أيلون ، فدامت الشمس ووقف القمر حتى انتقم الشعب من أعدائه " .  ( يشوع 10 : 12 ) ]

( 6 ) العمل بروح الصلاة مع الحكمة :

التصق هرون بحور ، فكانا يعملان معا حين كان يسندان يدى موسى أثناء حرب يشوع ضد عماليق ( 17 : 12 ) ، وها هما يعملان الآن فى القضاء لدعاوى الشعب أثناء غياب موسى .

هرون يمثل الكهنوت ، أما حور ( ربما يكون زوج أخت موسى النبى وهرون حسبما يعتقد يوسيفوس المؤرخ اليهودى ) فهو من سبط يهوذا جد بصلئيل الذى قال عنه موسى : " دعا الرب بصلئيل بن أورى بن حور ... وملأه من روح الله بالحكمة والفهم والمعرفة " خر 35 : 30 ، 31 . فكأن حور يمثل الحكمة الإلهية . فإن كان موسى يبسط يديه كان يمثل الصليب ، فإن هذا الصليب قام على عمل المسيح الكهنوتى وحكمة الله لخلاصنا ، هنا أيضا فى غياب موسى يترك هرون وحور للقضاء فى دعاوى الشعب ، وكأن الكنيسة يلزمها فى رعايتها للشعب أن يجتمع العمل الكهنوتى المملوء حنوا وترفقا مع الحكمة فى التدبير .

( 7 ) التقديس بالدم :

لا يمكن أن يقدم العمل الكنسى إلا خلال المذبح والذبيحة ، لهذا بكر موسى فى الصباح وبنى مذبحا فى أسفل الجبل وإثنى عشر عمودا لأسباط إسرائيل الأثنى عشر ، فلا وجود لهذه الأسباط إلا خلال المذبح ... ولا تقديس لهم إلا برش نصف الدم على المذبح والنصف الآخر على الشعب . خلال دم الذبيحة الحقيقية ، دم السيد المسيح يدخل الشعب إلى الأقداس ، وكما يقول معلمنا بولس الرسول : " فإذ لنا أيها الأخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع ، طريقا كرسه لنا حديثا حيا بالحجاب أى جسده ، وكاهن عظيم على بيت الله . لنتقدم بقلب صادق فى يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة أجسادنا بماء نقى ... " عب 10 : 19 ، 21 .

 ( 8 ) ربط الحياة السماوية بالواقع الزمنى :

ظهر لهم الرب وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف وكات السماء فى النقاوة ( ع 10 ) . كأن الله أراد من العاملين فى الكنيسة جميعا أن يحملوا الطبيعة السماوية والفكر السماوى ، لكن دون تجاهل لواقعهم الزمنى واحتياجات أجسادهم ، إذ يكمل الكتاب قائلا : " فرأوا الله وأكلوا وشربوا " ع 11

هكذا يليق بنا كخدام الله أن نراه ونتشبه به ونحمل أفكاره فينا ، دون أن نتجاهل احتياجات جسدنا الضرورية من مأكل ومشرب فى حضرة الرب !!  

( 9 ) موسى على الجبل أربعين يوما :

تحدثنا قبلا عن السحاب وظهور مجد الله كنار آكلة ، لكننا لننظر الآن إلى موسى وهو على الجبل " أربعين نهارا وأربعين ليلة " ع 18 .

يرى القديس أغسطينوس أن رقم 40 يشير إلى كمال حياتنا الأرضية أو الزمنية ، وكأنه يليق بالمؤمن أن يقضى كل أيام حياته على جبل الله ، أى فى شريعة الله ووصاياه ، يتأمل مجد الله وينعم باللقاء معه وجها لوجه . وكما صام موسى الأربعين يوما هكذا يعيش المؤمن الحقيقى فى حياة الزهد كل أيام غربته ، ليس من أجل الزهد فى ذاته إنما لأجل ارتفاع قلبه لحياة الشركة مع الله والتطلع المستمر له . أو بمعنى أدق نقول مع العلامة ترتليان : [ صام موسى وإيليا أربعين يوما وعاشا على الله وحده ] ، أى صار طعامهما المشبع !

+  +  +    

خروج – الإصحاح الخامس والعشرون ( 1 – 9 )

التابوت والمائدة والمنارة

 ( 1 ) بين الخيمة والكنيسة والسماء :

فى هذا الإصحاح نرى موسى النبى وقد انفصل عن معوقات الرؤيا الإلهية إرتفع على جبل المعرفة المقدسة ، فقدمت له الوصايا الإلهية والشريعة ، والآن يقدم له الرب رؤيا جديدة هى " المقدس السماوى " الذى ليس من صنع إنسان ، فيه يسكن الله مع خليقته المحبوبة لديه ، وقد طلب منه أن يصنع ظلا لصورة هذا المقدس . مثالا له للذين هم عند سفح الجبل ، لكى يسكن الله فى وسطهم ويهيئهم للدخول إلى المقدس السماوى ، بمعنى آخر جاءت خيمة الإجتماع ظلا لصورة السماء عينها حتى يجتاز الشعب إلى العهد الجديد فيدخلون صورة السماء أو عربونها ، وأخيرا ينطلقون فى الحياة الأبدية إلى كمال المسكن السماوى .

هذا ما أعلن لليهود ؛ ظلال صورة السمويات ، فنالوا جزءا من الحقيقة .. أما نحن فعاينا صورة النظام السماوى .. ولكن بعد القيامة فتتمثل الحقيقة واضحة عندما نرى المسكن السماوى ، المدينة التى صانعها وبارئها الله ( عب 11 : 10 ) ، نراها وجها لوجه وليس فى الظلمة ولا خلال جزئيات ( 1 كو 13 : 12 ) .

هذا ما كشفه لنا الرسول بولس فى سفر العبرانيين عندما إقترب بالروح إلى الخيمة فى خشوع وإجلال ليراها " شبه السمويات وظلها " عب 8 : 5 ، تعلن أسرار عمل الله وسط شعبه ، أمور لا يصوغ له أن يتكلم عنها بالتفصيل ( عب 9 : 5 ) .

 ( 2 ) تقدمات المسكن :

طلب الله من موسى أن يسأل الشعب لكى يقدم كل إنسان حسبما يسمح قلبه ( خر 35 : 5 ) ، أى قدر ما تسمح محبته يساهم فى التقدمة التى تستخدم فى صنع :

" المقدس " الذى يسكن فيه الرب وسط شعبه : " من كل من يحثه قلبه تأخذون تقدمتى . وهذه هى التقدمة التى تأخذونها منهم : ذهب وفضة ونحاس وأسمانجونى وأرجوان وقرمز وبوص وشعر معزى وجلود كباش محمرة وجلود تخس وخشب سنط وزيت للمنارة وأطياب لدهن المسحة وللبخور العطر وحجارة جزع وحجارة ترصيع للرداء والصدرة " ع 3 : 7 .

 المعانى الروحية لهذه المواد :

الذهب : يشير إلى  الإيمان الذى يجعل من القلب سماءا ، لذا يشير إلى السمويات ...

الفضة : تشير إلى كلمة الكرازة ، لأن كلمة الله كالفضة مصفاة سبع مرات ...

النحاس : يشير إلى الصبر والقوة ، فالسيد المسيح ظهرت يداه حلقتان من ذهب ( نش 5 : 14 ) ، لأن أعماله سماوية ، أما رجلاه فشبه النحاس النقى كأنهما محميتان فى أتون النار ( رؤ 1 : 15 ) ...

الخشب الذى لا يسوس : يشير إلى العلم أو العفة التى لا تشيخ ولا تفسد .

البوص ( الكتان ) المبروم : إذ يشير البوص إلى الجسد ، فكونه مبروما أى تحت الضبط والقمع ..

القرمز : يشير إلى حياة الإستشهاد سواء بسفك دم المؤمنين فى عصور الإستشهاد أو حياة الإماتة اليومية من أجل الرب .

الأرجوان : هو لباس الملوك ؛ لذا عندما أرادوا الإستهزاء بالسيد المسيح كملك ألبسوه أرجوانا ، فإننا نلبس نحن الأرجوان ، ثوب الملك ، الذى هو " المحبة "

شعر المعزى : يشير إلى الموت عن الخطية ( خر 35 : 6 ، لا 4 : 23 ) ..

جلود الكباش : تشير إلى الغضب ، فمن يقدم جلودها إنما يعلن أنه قد مات الغضب فيه

إشتراك الكل فى التقدمة :

يقول العلامة أوريجانوس : [ إشتراك كل أحد فى التقدمة أمر لا يهمله الرب ، يا للكرامة التى تأخذها ! ... وعلى العكس ياللعار إن اكتشف الرب أنك لم تقدم شيئا فى بناء المسكن ! فإنك إن عشت فى عدم تقوى وبغير أمانة لا تترك لك ذكرى فى مسكن الرب  ] .

+ عندما يأتى رئيس العالم يبحث فى قلوبنا لعله يجد شيئا ملكا

 له فيطالب به ، أما الرب فإن وجد فى قلبك تقدمة له

 فإنه يدافع عنك ويقيمك ملكا .

 + ربى يسوع ، هبنى الإستحقاق أن أترك لنفسى ذكرى فى مسكنك

 فإننى أشتاق أن يكون لى نصيب فى هذا الذهب الذى

يصنع منه المذبح أو يغطى به التابوت أو الذى منه

 المنارة أو السرج ، وإن لم يكن شيئا فى هذا فهب لى الإستطاعة

 على الأقل أن يكون لى نصيب فى الفضة التى تقدم

 للأعمدة أو قواعدها ، أو حتى أستحق أن يكون لى نصيب

 فى تقديم نحاس المسكن الذى يصنع منه الدوائر

 والأشياء الأخرى المذكورة فى الكتاب المقدس .

 + ليتنى أكون أميرا فأقدم الحجارة الكريمة للأفود

 وصدرة رئيس الكهنة ، إن كان ذلك فوق طاقتى لأقدم

شيئا آخر لمسكن الله كشعر المعزى ، حتى لا أوجد عقيما بلا ثمر !

 من أين جاءوا بالتقدمات ؟

الشعب استخدم الذهب والفضة والحجارة الكريمة والثياب التى أخذوها من بيت العبودية فى صنع خيمة الإجتماع بمحتوياتها ، لم يستخدم المصريون هذه الأمور إستخداما حسنا ، أما العبرانيون فأستخدموها فى أغراض دينية لأن حكمة الله كانت معهم .

 يصنعون لى مقدسا :

طلب الرب من موسى أن يصنعوا له مقدسا يسكن فيه الله معهم ، يكون ظلا للسمويات ، إذ يقول :

 " بحسب جميع ما أريك من مثال المسكن ومثال جميع آنيته هكذا تصنعون " ع 9 .

كما يحمل المبنى الكنسى الأصيل صورة للسمويات ، هكذا يقام فى القلب أيضا مسكنا للرب يحمل صورة السمويات .

أما المسكن الذى نبنيه فهو الكنيسة المقدسة :

 " التى لا دنس فيها ولا غضن " ( أف 5 : 27 ) .

 ( 3 ) التابوت :

كنا نتوقع فى سفر الخروج أن يحدثنا بعد الدعوة للإشتراك فى تقدمات بناء الخيمة أن يحدد أبعاد الخيمة ومواد بنائها وأقسامها وأخيرا الأثاث الذى فيها ، لكننا هنا نجده يبدأ بالحديث عن بعض أثاثها قبل حديثه عن الخيمة نفسها . فيحدثنا فى هذا الإصحاح عن [ تابوت العهد ومائدة خبز الوجوه والمنارة ]، ولعله بهذا أراد أن يبدأ بالحديث عن أقدس الأمور فى أقدس موضع فى ذلك الحين . هذه الأشياء الثلاثة إنما تمثل سر حلول الله فى وسط شعبه ( التابوت ) وسر شبعهم بالله ( مائدة خبز الوجوه ) وسر استنارتهم به ( المنارة الذهبية ) .

أراد الله أن يقدم لشعبه الأمكانيات التى تسندهم فى تنفيذ الوصايا الإلهية ؛ الإنسان بحاجةإلى التابوت الذى هو حلول الله نفسه داخل القلب ، ومائدة خبز الوجوه التى هى الشبع بخبز الملائكة ، والمنارة التى الإستنارة بالروح القدس .

 كان التابوت أشبه بصندوق  طولـه ذراعان ونصف وعرضه ذراع ونصف وارتفاعه ذراع ونصف ، مصنوع من خشب السنط ومغشى بصفائح ذهبية خالصة ، من الداخل ومن الخارج ( ع 11 ) . يحيط برأسه إكليل من ذهب ، فوقه غطاء من الذهب الخالص يسمى " كابورت " ، ويسمى أيضا كرسى الرحمة حيث كان يمثل عرش الله المملوء حنوا نحو أولاده . وفوقه كاروبين ( 2 كاروب ) ، واحد من كل طرف ، وهما من الذهب الخالص ، يظللان الغطاء ، باسطين أجنحتهما إلى فوق ، ووجهاهما كل واحد نحو الآخر . وعلى كل من الجانبين حلقتان ذهبيتان لكى يدخل فى كل حلقتين عصا من خشب السنط المغشاة بالذهب ، تستخدم لحمل التابوت . وكان منوط بحراسته وحمله بنو قهات من اللاويين ( عد 3 : 29 – 31 )

 تاريخ التابوت وعمله :

كان تابوت العهد يمثل الحضرة الإلهية ، إذ يقول الرب : " وأنا اجتمع بك هناك واتكلم معك على الغطاء من بين الكروبين اللذين على تابوت الشهادة بكل ما أوصيك به إلى بنى إسرائيل " ع 22

بهذا كان التابوت يسير أمام الشعب يتقدمه عمود السحاب نهارا وعمود النار ليلا ، وكان متى حمل يقال : " قم يارب فلتتبدد أعداؤك ويهرب مبغضوك من أمامك " ، وإن حل فى موضع يقال : " إرجع يارب إلى ربوات ألوف إسرائيل " عد 10 : 33 – 36 عندما عبر الشعب الأردن حمل التابوت أمامهم فانشق النهر ( يش 3 : 14 – 17 ) ، ثم بقى مدة فى الخيمة فى الجلجال ، نقل بعده إلى شيلوه حيث بقى ما بين ثلاثة قرون وأربعة ( أر 7 : 12 – 15 ) .

وبسبب شر إبنى عالى الكاهن وقع التابوت فى يدى الفلسطينيين فى أفيق ( 1 صم 4 ) وجاءوا به إلى أشدود ووضعوه بجوار صنم داجون ( 1 صم 5 : 2 ) فحلت بهم البلايا واضطروا إلى إرجاعه ، فوضع فى قرية يعاريم ( 1 صم 6 ، 7 ) ، ثم نقله داود النبى إلى أورشليم ، حتى بنى الهيكل ( 2 صم 6 : 1 – 15 ، أى 15 : 25 – 29 ) .

التابوت والمذبح المسيحى :

لا يشير تابوت العهد إلى الحضرة الإلهية فحسب ، وإنما يشير إلى عمل الله الخلاصى خلال ذبيحة العهد ، لذا جاء المذبح يكمل ما هدف إليه التابوت فى كل تفاصيله محتوياته

التابوت والكنيسة :

جاء تابوت العهد يحمل رمزا للكنيسة الواحدة ، وكنيسة القلب . من حيث وجود الله بالداخل ، ونقاوة القلب كالذهب الخالص .

وإن كان التابوت يمثل الكنيسة ، فهو يمثل أيضا القديسة مريم العذراء بكونها حاملة للسيد المسيح ، والعضو الأمثل فى الكنيسة المقدسة .

 ( 4 ) مائدة خبز الوجوه :

كانت مائدة خبز الوجوه مصنوعة من خشب السنط ، طولها ذراعين وعرضها ذراعا واحدا وإرتفاعها ذراعا ونصف ؛ وكانت مغشاه بالذهب ، وعلى حافتها العليا إكليل ذهبى . وبها أربعة حلقات ذهبية عند أطرافها ليوضع فيها عصوان لحملها .

وكانت الصحاف تستخدم فى إحضار الخبز إلى المائدة ورفعها عنها ، أما الصحون فتحوى البخور ( لا 24 : 7 ) ، ويوضع فى الكاسات الخمر للتقدمة ، وتستخدم الجامات فى صب الخمر وسكبه .

توضع مائدة خبز الوجوه فى القدس بجوار الحائط الشمالى ، أى عن يمين الداخل فى الخيمة ( خر 40 : 22 ) .

 طقس الخبز :

لهذا الخبز دقيق خاص جاء فى سفر اللاويين ( 24 : 5 – 9 ) ، فكان يصنع كل سبت حيث لا يجوز العمل ، لأنه يشير إلى الخبز السماوى الذى ليس من هذا العالم ( أى المسيح نفسه السماوى ) . يقدم على المائدة الذهبية ساخنا ، تأكيدا لسمته السماوية وقلبه الملتهب حبا لإشباعنا . يوضع الخبز على صفين أو وجهين ، ويوضع بخور فوق كل صف . وكما يقول يوسيفوس المؤرخ أنه كان يقدم بخور على كاسات ذهبية ، يحرق يوم السبت .

يرى يوسيفوس أن هذا الخبز كان فطيرا بلا خمير ، كل خبزة عبارة عن عشرى إيفة من الدقيق الفاخر ، الذى كان يستخدم لتقديمه للضيوف أصحاب الكرامة ، وعلى مائدة الملك ( تك 18 : 6 ، 1 مل 4 : 22 ) ، كما كان يستخدم فى بعض التقدمات . 

( 5 ) المنارة وسرجها :

وضع الرب تصميمها وحدد مادتها ومقاييسها .

لم تكن المنارة لمجرد الإضاءة فحسب ، وإنما كانت جزءا لا يتجزأ من الطقس التعبدى ، لها مفاهيمها اللاهوتية الروحية . فالنور يذكرنا بالله الذى أوجده كأول أعمال خلقته ، فى النور يسكن الله ، وبه يلتحف بالنور ( مز 10 : 42 ) . هو نور شعبه ( إش 10 : 27 ) .

وكما أن السيد المسيح هو نور العالم ( يو 1 : 41 ، 8 : 12 ) فبإشراقه على تلاميذه جعلهم نورا للعالم ( مت 5 : 14 ، 16 ) ، بهذا نرى الكنائس فى سفر الرؤيا فى شكل مناير سبع ( رؤ 1 ) ، وجود السبعة أسرجة تشير إلى عمل الروح القدس النارى ، يضىء ويعمل فى الكنيسة من خلال حياتها السرائرية ( خلال الأسرار السبعة ) بل وفى كل عمل روحى تمتد إليه يد الكنيسة لكى يعي المؤمنين فى استنارة دائمة .

 النور فى كنيسة العهد الجديد :

تسلمت الكنيسة عن التقليد اليهودى- التوراة والكتابات وطقوس العبادة – مفاهيم روحية للنور .. واستخدمت كنيسة الرسل الأنوار أثناء العبادة ، فلا يمكن لسفر أعمال الرسل أن يروى لنا عن وجود مصابيح كثيرة ( راجع أعمال الرسل 20 : 8 ) أثناء إقامة الإفخارستيا فى ترواس بلا معنى ، فلو إنها لمجرد الإضاءة ، لكان هذا الأمر طبيعيا لا حاجة لذكره ، لكن الكنيسة المسيحية منذ بدء انطلاقها رأت فى الإضاءة طقسا روحيا يمس حياة العابدين . وقد سلكت الكنيسة بهذا الروح .

السراج المنير فى الشرقية من الهيكل ليل نهار وكأنه نجم المشرق الذى ظهر للمجوس ليدخل بهم إلى المسيا المخلص ، وعن الشمعدانين حول المذبح وكأنهما الملاكان المرافقان لجسد السيد فى القبر واحد عند الرأس والآخر عند القدمين ، والسراج التى تضيىء أمام أيقونات القديسين إذ صار القديسون بالمسيح يسوع ربنا نورا فى العالم وكواكب مضيئة فى الفردوس .

أثناء قراءة الأنجيل تضاء كل أنوار الكنيسة ، كما يحمل شماسان شمعتين عن يمين الإنجيل وعن يساره ، كقول المرتل " كلامك سراج لرجلى ونور لسبيلى " وإشارة لعمل الإنجيل فى إنارة العالم . 

+  +  +  

سفر الخروج – الإصحاح السادس والعشرون

خيمة الإجتماع

يروى لنا سفر الخروج أن الله أظهر لموسى مسكنا ليقيم مثالا له ( خر 25 : 9 ) ، أى أظهر له الحقيقة لكى يصنع لها رمزا على شبه الحقيقة . وقد أكد سفر الأعمال ( 7 : 44 ) والرسالة إلى العبرانيين ( 8 : 5 ، 9 : 23 ) أنه رأى نموذجا حقيقيا . هذا يعنى شيئا واحدا هو أن الله قد أراد أن تكون جميع تفاصيل المبنى ودقاءقه ليست أمورا للزينة بل رمزا يعلن حقيقة واقعة وإشارة تتنبأ بحقيقة روحية مقبلة .

 أسماء الخيمة :

1 – المسكن ( ع 1 ) ، لأن الله أمر موسى أن يقيمها لكى يسكن فى وسطهم ( خر 25 : 8 ، 9 ) .

2- مسكن الشهادة ( 38 : 21 ) ، أو خيمة الشهادة ( أع 7 : 44 ) إذ يودع فيها كأمر أساسى تابوت العهد الذى يحوى لوحى الشهادة ، وكأن الخيمة فى جوهرها جاءت كشهادة عملية للعهد الذى أقامه الله مع شعبه ، نقشه بأصبعه على لوحى الشهادة .

3 – خيمة الإجتماع : دعيت هكذا ليس لأن الشعب يجتمع معا فيها ، وإنما لأن الله نفسه يجتمع مع شعبه خلالها ( 33 : 7 ) ، ليؤكد رعايته للشعب وحفظه لعهده معهم .

4 – بيت الرب ( خر 34 ، يش 6 : 24 ) ، إنه ليس مجرد موضع لقاء ، لكنه المكان الذى يقدمه الشعب لله كتقدمة ، فيتقبله الله مالىء السماء والأرض ليجعله فى ملكيته بيتا خاصا له ، هذا الذى لا يسكن فى بيت ، حتى يدخل إليه رجاله وأولاده كمن يدخلون السموات مسكن الله !

أقسام المسكن :

جاءت أبعاد المسكن حسبما هو مبين بالإصحاح ، وينقسم المسكن من الداخل إلى قسمين بأربع أعمدة متشابهة تثبت على أساسات من الفضة ومعلق عليها حجاب ( ع 31 – 32 ، 37 ) عبارة عن شقة مطرزة من أعلى المسكن إلى أسفله ، من الكتان المبروم والأسمانجونى والأرجوان والقرمز ، وعليها الكاروبيم برسم حاذق .

يسمى القسم الغربى " قدس الأقداس " ، وهو أشبه بمكعب كل ضلع فيه طوله عشرة أذرع ، يحوى فى داخله تابوت العهد .

أما القسم الشرقى فيسمى " القدس "  ، أبعاده عشرون ذراعا فى الطول ، وعشرة أذرع عرضا ، وعشرة أذرع إرتفاعا ( خر 26 : 16 ، 18 ، 22 – 24 ) ، يحوى مائدة خبز الوجوه على يمين الداخل للقدس ، ويقابلها على اليسار المنارة الذهبية ، وبينهما مذبح البخور الذهبى قبالة تابوت العهد ( فى قدس الأقداس ) .

 الدار الخارجية :

يحيط بالمسكن فناء على شكل مستطيل طولـه 100 ذراع وعرضه 50 ذراعا ، والمسكن فى موقعه يميل إلى الجانب الغربى من الفناء .

يحدد الفناء بعشرين عمودا من كل جانب ، وعشرة أعمدة فى العرض ، وارتفاعه خمسة أذرع ، نصف ارتفاع المسكن . على الأعمدة تعلق شقق من الكتان المبروم . الأعمدة مغطاة بفضة وتستقر على قواعد من نحاس .  

المدخل من جهة الشرق ، إتساعه عشرون ذراعا ، مغلقا بستارة من الأسمانجونى والأرجوان والقرمز والكتان المبروم ، ومعلقة على أربعة أعمدة ( خر 27 : 9 – 18 ) .

فى الفناء ، خارج المسكن توجد المرحضة وأيضا مذبح المحرقة .

 إقامتها وموقعها :

أقيمت الخيمة فى اليوم الأول من السنة الثانية من خروجهم ( 40 : 17 ) ، وقد اشتغل الصناع تسعة أشهر فى إقامتها ، دشنت بعدها بشعائر دينية .

وكانت تنصب مدة السفر فى البرية وسط المحلة ، تحيط بها خيام الكهنة واللاويين ، ثم خيام بقية الأسباط حواليهم فى أربعة أقسام ( عدد 2 : 2 – 34 ) .

فى اليوم الذى أكملت فيه الخيمة أظهر الله ذاته فى سحابة غطتها وملأتها ، بعد ذلك تحولت السحابة إلى عمود كان يسير أمام الشعب فى رحلاتهم . إذا وقف العمود فوق الخيمة ينزل الشعب ، وإذا انتقل نقلت الخيمة وتبع الجمهور الجمهور السحابة . بالليل كانت السحابة تتحول إلى عمود نار يسير أمامهم ( 40 : 35 – 38 ، عد 9 : 15 – 23 ) .

ولما انتهوا من البرية ، إستقرت الخيمة فى الجلجال ( يش 4 : 19 ) ثم نقلت إلى شيلوه ( يش 18 : 1 ) وبقيت ما بين ثلاثة وأربعة قرون ، ثم نقلت إلى نوب ( 1 صم 21 : 1 – 9 ) ، وفى أيام الملك داود نقلت إلى جبعون ( 1 أى 21 : 29 ) ، وكانت هناك فى بدء حكم سليمان ( 2 أى 3 : 13 ) حتى بنى الهيكل على نمطها وأن يكون فى أبعاده ضعفها طولا وعرضا وارتفاعا .

 الخيمة كرمز للمسيح :

1-    المواد التى تصنع منها الشقق هى التى يصنع منها الحجاب الذى يفصل قدس الأقداس عن القدس . وأيضا ذات المواد التى تصنع منها الستارة التى فى مدخل المسكن ، وأيضا ثياب هرون رئيس الكهنة ، هى تمثل شخص السيد المسيح من جوانب أربع ، وكأن السيد المسيح هو غاية كل هذه الرموز .

أ‌-       الكتان المبروم يشير إلى الطهارة والنقاوة الكاملة .

ب‌-   الأسمانجونى ، لونه سماوى ، يشير إلى كونه من السماء ( يو 3 : 13 )

ج – الأرجوان ، لباس الملوك ، علامة ملكه ( مز 2 ) .

د – القرمز إشارة إلى عمله الخلاصى ، بسفك دمه لأجل خلاصنا .

   هذا هو الأساس الذى تقوم عليه الخيمة من كل جوانبها ، إنها شخص السيد المسيح نفسه الذى فيه يلتقى الأب مع البشرية ... إذ فيه تمت مصالحتنا معه !

2-    تغطى هذه الشقق الرائعة الجمال بثلاث أغطية :

       أ – الغطاء الأول من شعر معزى ( ع 7 ) ، غطاء بلا جمال ، إذ بقدر ما حمل السيد فى أعماقه جماله الإلهى ، كان خارجه يحمل أتعابا وآلاما . رآه إشعياء النبى بلا جمال وظهر له كأنه مضروب من الله والناس ( إش 53 ) ، لكنه هو حمل الله الذى عليه وضعت آثامنا وخطايانا .

      ب – جلود كباش محمرة ( ع 14 ) ترمز لطاعة السيد المسيح للآب حتى الموت

     ج – جلود تخس ( ع 14 ) وهى فوق كل الأغطية ، إذ ترمز للسمة البارزة فى شخص السيد المسيح : ثباته فى الشهادة للحق حتى الموت !

 الأعمدة والعرائض :

تلك الأعمدة التى توضع عليها الشقق الموصولة ترمز إلى المعلمون ، هؤلاء يقول عنهم الرسول : " .... يعقوب وصفا ويوحنا المعتبرين أعمدة أعطونى وبرنابا يمين الشركة " غل 2 : 9

فى المسكن تجتمع الأعمدة معا خلال العرائض المساعدة ( ع 19 ) رمز للأيدى المتشابكة خلال الشركة الرسولية .

أما الفضة فتعلن عن كلمة الله ونوال موهبة الروح القدس ، إذ كلام الله نقى كفضة مصفاة فى بوتقة .

 أعمدة الحجاب وأعمدة المدخل :

يقوم الحجاب الذى يفصل قدس الأقداس عن القدس على أربعة أعمدة ، فإن كان هذا الحجاب يمثل عزل الإنسان وحرمانه من الدخول إلى حضرة الله والتمتع برؤيته ، فإنه فى الحقيقة يمثل حبنا للعالم ، أو شهوات الجسد الذى أخذ من التراب ( العالم ) ، لذلك فإن الأربعة أعمدة هنا تشير للعالم ( أربعة جهات المسكونة ) أو شهوات الجسد ، الأمور التى انهارت بارتفاع السيد المسيح على الصليب ، حيث انشق حجاب الهيكل

أما ستارة المدخل ( السجف ) فتقوم على خمسة أعمدة ، ورقم خمسة يشير غالبا إلى الحواس الخمسة ، فلا دخول إلى المسكن إلا بتقديس الحواس الخمس ,

العذارى الخمس الحكيمات كان لهن الحواس المقدسة المستنيرة بالروح القدس ، أما ملكوت إبليس فشبه بالخمس عذارى الجاهلات .. ( مت 25 ) .

 الشقق :

الخيمة فى جوهرها ستارة ضخمة تتكون من ستارتين معا ، كل ستارة تتكون من خمس شقق ، كل شقة طولها 28 ذراعا وعرضها 4 أزرع ، هذه الشقق مصنوعة من الكتان المبروم والأسمانجونى والأرجوان والقرمز .

فالستارة الكلية التى تمثل الكنيسة الجامعة ، بكونها خيمة المسيح وثوبه ، عرضها 28 ذراعا وطولها 40 ذراعا ( 10 شقق × 4 عرض الشقة ) .. هذه الأبعاد ليس بغير معنى ، فإن رقم 28 يشير إلى كنيسة العهد الجديد حيث رقم 7 يمثل الكمال ، فإن الإنجيل إذ يكرز به فى العالم ( 4 جهات المسكونة ) يكون كنيسة العهد الجديد رمزها 28 . أما رقم 40 فتشير لعهد الناموس ، حيث يشير الرقم إلى الوصايا العشر منفذة فى هذا العالم ( 10 × 4 ) ، لذلك صام موسى 40 يوما وأيضا إيليا علامة ضرورة النسك كل أيام غربتنا ، وأيضا صام السيد المسيح أربعين يوما . إذن فالستارة تشير إلى كمال الكنيسة المتحدة خلال العهدين ، القديم والجديد .

الستارة الكلية التى تتكون منها الخيمة فى حقيقتها تتكون من ستارتين ، تتحد الستارتان معا خلال خمسين عروة فى إحدى الجانبين من كل ستارة ( 4 ، 5 ) ، ترتبط العرى كلها بواسطة خمسين أشظة ذهبية . إذن فسر اتحاد الشعبين ( اليهود والأمم ) معا هو رقم 50 ، أى حلول الروح القدس فى يوم الخمسين ... أما كون الأشظة من الذهب فذلك لأن سر الوحدة الذى يقدمه الروح القدس إنما يتم خلال تمتعنا بالفكر السماوى ، إذ لا يوجد فى السماء إنشقاق ولا إنقسام إنما وحدة حب !

 الأغطية :

الخيمة فى جوهرها تتكون من عشر شقق ، إشارة إلى الوصية أو الناموس ( 10 وصايا ) ، وكأن سكنى الله فى وسطنا يلتزم حفظنا لناموسه أو وصاياه . بطاعتنا له ندخل فردوسه ونعيش معه كأولاد له .

عودة الى الرئيسية