لموضوع العشرون : الحيوانات أمم أمثالنا !! 

 

     مرة أخرى نصادف نوعا جديدا من الإعجاز الذي يعتقد به محبو القرآن ونحن لا نلومهم على محبتهم تلك بل على مبالغتهم وتجاوزهم للحقيقة مع خرق الحدود حتى في هذا التجاوز أيضا . فماذا قالوا هذه المرة ؟؟ إنهم رأوا في سورة الأنعام 38 ـ والتي تقول " ما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم " ـــ رأوا فيها إعجازا عظيما يطلعنا عليه قول الأستاذ ع الفتاح طبارة الذي جاء كما يلي:"..وصف الله في هذه الآية جماعة الحيوان والطير بالأمم وأنها تشبهنا بعض الشبه أي أن لها عقلا تدبر به أمورها . هذه حقيقة علمية اعترف بها العلم حديثا فقد دل على أن جماعات الحيوان يربط آحادها رباط اجتماعي وثيق العرى ، وأن منها ما تعيش على صورة ممالك ذات نظم ثابتة كالنمل والنحل وغيرها وأن لكل جماعة منها لغة يتفاهم آحادها بها بينما كان العلماء الأقدمون لا يعترفون للحيوان وللطير بعقل ولا بذكاء فكانوا يحسبونها مجرد آلات حية تحس وتتألم ولكن لا تحمل عقلا وكل ما يشاهد منها من آثار التفكير والتدبير يعتبرونه من ثمرات الإلهام والغريزة ، بقي هذا الإعتقاد إلى عصور متأخرة ، فكان الفيلسوف ديكارت يرى أن الحيوان كالآلة المعقدة المجردة من الحياة العقلية ، فهو لا يفكر كما يفهم الناس بل يعبر في سلوكه عن الغرائز وقد اشتهر عنه هذا التعريف وتناقله الباحثون ، ولم يعترف للحيوان بعقل وتفكير نسبيين إلا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر ، من ذلك ما أعلنه دارون : إن التفكير موجود في الحيوان ولكن بدرجة أقل من الإنسان ، إن هذه الحقيقة التي أعلنها القرآن هي ولا شك إحدى معجزاته ، فقد قرر حقيقة أقر بها العلم بعد ان استبحرت الدراسات في الحيوان والطير وقضى العلماء أعمارهم في ملاحظتها ودراستها " (1)

 

                                             الإعتراضات

 

1ـ من الواضح أن القرآن لم يحدد أوجه الشبه بين الإنسان والحيوان ، فإن كان يقصد الشبه في كل شيء فهذا مستحيل وغير ممكن لأنه ظاهر للعيان أن الحيوان مختلف عن الإنسان ، أما إذا كان المقصود هو بعض أوجه الشبه فَرَدُّنا سيكون بحسب هذه الأوجه :

أ ـ في العلاقات : نختلف تماما عن الحيوان في نوعية العلاقة ، فالعديد من الحيوانات تعيش فوضى دون ضوابط معينة ، فالإبن يطأ أمه والأب يطأ ابنته وغير ذلك مما نعرفه جميعا ، وهذا دليل على انعدام الضابط الأخلاقي ، وتحكم الغريزة في الحيوان ، وهناك أيضا علاقات سلطوية تضبطنا جميعا كالرئيس والمرؤوس ، أما أكثرية الحيوانات إن لم نقل كلها فإنها تعيش دون نظام معين (الأقوى هو الذي يربح ويتسلط على الآخرين دائما) ...إذن لا يمكنني بل أترفع أيضا أن أصف الإنسان بأنه شبيه بالحيوان في علاقاته .

ب ـ أما الشبه في العقل فإننا لم نتأكد بعد أن الحيوان يستخدم عقله في تصرفاته بل ظاهريا يبدو العكس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1:روح الدين الإسلامي ص 59

بحيث نرى أن الحيوان يسير بحسب غرائزه ، ودليلي الأقوى في هذا الباب هو أن الحيوان منذ تواجده على الأرض لم يحقق أي تقدم أو رقي ونحن نعلم أن من يستخدم عقله لا بد وأن يتطور مع مرور الزمن وهذا ماحدث مع الإنسان الذي استطاع في وقت جد وجيز أن يحقق تقدما مدهشا وهائلا ، وبالتالي نخلص إلى القول بأن الحيوان لا يشبه الإنسان أبدا في عقله .

ج ـ الشبه في الغرائز الطبيعية : قد يبدو لأول وهلة أن الإنسان يشبه الحيوان في وظائف الأكل والشرب والشم والسمع والكلام (على نحو ما) والسير ...إلخ لكن هذا أيضا ليس مطلقا بل ينحصر في أشياء جد قليلة ، فمثلا طريقة التوالد تختلف عن الإنسان عند الحيوانات التي تبيض ، والحيونات العمياء التي تعتمد في طبيعتها على الإحساس وأخرى تطير وغيرها يقفز ، إلى غير ذلك مما يعلمه العامة من الناس حتى إن كان الشبه موجودا من هذه الناحية فإنه ليس بالإعجاز لأنه ظاهر بمجرد الملاحظة !!

ولو درسنا بتفصيل كل وجه على حدة لوجدنا أن هاته الحيوانات لا تشبهنا إلا في القليل والقليل جدا ، فكيف يمكنني أن أصفها بالأمم أمثالنا؟؟ هل الحيوان مثلي ؟ ومثلك أيها القارئ ؟ هل له أخلاق وقوانين ؟؟ ( نستثني من هذا النحل ، الذي هو حالة شاذة والحالة الشاذة لا يقاس عليها ) هل الحيوانات تتطور مثل الإنسان ؟ هل تعمل مثلنا ؟ هل تفكر مثلنا ؟ هل لها عواطف ؟ هل لها إرادة ؟ هل لها ضمير ؟؟ هل تفكر وتبدع كالإنسان؟ وهل ...هل ...إلخ .

إني أتعجب من الذي يجعل الإنسان مثله مثل الحيوان ويعتبر ذلك إعجازا علميا !! أليس الأجدر والأصح هو أن نعتبره هراء علميا لا نصيب له من الحقيقة البتة ؟!

 فخلق الله الإنسان على صورته ، على صورة الله خلقه  ذكـــــــــــرا و أنثــــى خلقهم                      تكوين 27:1

عودة