الجزء الثالث: الختان والجدل الطبّي

«وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون» (البقرة 11:2).

«يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين» (الحجرات 6:49).

إتّصلت يوماً بأحد أقاربي المسيحيّين في القدس لتهنئته على مولوده البكر. وإذا به يخبرني أنه تم ختانه في المستشفى على يد طبيب مسلم ماهر درس في أمريكا. وعندما سألته عن سبب ختانه، أجاب قائلاً: «أبو الأنبياء إبراهيم خُتن». فأخبرته أن إبراهيم ختن نفسه عندما كان عمره 99 سنة (التكوين 1:17) وكان عليه الإنتظار حتّى يبلغ الطفل على الأقل سن الثامنة عشر ليقرّر بنفسه، خاصّة أن التعاليم المسيحيّة لا تفرض ختان الذكور. فأجاب: «لقد سألت خوري الرعيّة فقال بأنه لا مانع ديني من ختانه، والطبيب الذي ختن الطفل قال بأن الختان نظافة ويقي من أمراض كثيرة». وفي مجرى حديثه أخبرني مستغرباً أن الطبيب قد فرض عدداً من الفحوصات قَبل إجراء الختان فسّرها هو ذاته بأنها وسيلة لابتزاز المال منه. كما أخبرني أن كثيراً من المسيحيّين في فلسطين أصبحوا يمارسون ختان الذكور. واستغربت من الأمر لعلمي أن أكثر من 80% من سكّان العالم غير مختونين ولا يعانون من مرض خاص بهم، وأبناء جيلي من المسيحيّين الفلسطينيين ومن سبقهم من الأجيال الذين ولدوا على يد «الداية» في بيوتهم لم يتم ختانهم. وإذا ما أردنا إستخلاص عوامل الختان من هذه القصّة نجد ما يلي:

- هناك أوّلاً قصّة توراتيّة تحكي أن إبراهيم، الذي يُظن أنه عاش قَبل أربعين قرناً، قد ختن نفسه عندما كان عمره 99 سنة مدّعياً أن إلهه «يهوه» ترآى له وأمره بذلك. وعلى أساس هذه القصّة، التي لا ذِكر لها في القرآن، يعتقد اليهود أن الختان الذي بدأ بإبراهيم هو علامة عهد بينهم وبين الله تجعل منهم «شعب الله المختار» وتضمن لهم تملكهم «أرض الميعاد» إلى الأبد هبة من الله دون سواهم.

- تسرّب هذا الإعتقاد اليهودي في القرن العشرين إلى عقول المسيحيّين في فلسطين بعد إحتلال اليهود لهم فأصبح الختان عادة منتشرة بينهم.

- تأييد رجل الدين المسيحي الفلسطيني لهذا الإعتقاد اليهودي.

- ولادة الطفل في المستشفى وقيام رجل الطب المسلم الذي درس في أمريكا بتبرير الختان طبّياً.

هي مؤامرة حيكت خيوطها بذكاء راح ضحيّتها طفل مسكين وأب فقير لا يفهم لا في الدين ولا في السياسة ولا في الطب شيئاً، وأكسبت مالاً رجل الطب الغبي والجشع الذي يأمر وينهي في المستشفى، وثبّتت سلطة رجل الدين المسيحي الفلسطيني الجاهل على رقاب أتباعه، كما أكّدت سيطرة المحتل بتغلغل معتقداته السخيفة التي تخفي أطماعه في عقول المسيحيّين الفلسطينيين السذّج.

وكثيراً ما ناقشت ختان الذكور مع أصدقائي المسلمين في سويسرا. ورأيتهم، رغم المسافة التي تفصلهم عن بلادهم الأصليّة، يردّدون عامّة نفس الحجج التي سبق أن ذكرناها. فهم يعتمدون أوّلاً على ختان إبراهيم. ثم ينتقلون لأسباب النظافة والوقاية من الأمراض ونصيحة الأطبّاء بالختان. ويضيفون بافتخار أن النساء تفضّل المختون على غير المختون. وإذا ما أخبرتهم بأن الختان هو تعدًّ على سلامة الجسد، يردّون بأن القانون لا يعاقب على مثل هذه العمليّة التي يقوم بها أطبّاء بعضهم تعلّم في أحسن الجامعات الغربيّة. وعند مناقشة ختان الإناث معهم، وجدت أن كثيراً منهم يجهلون (أو يتجاهلون) وجود هذه العادة بين المسلمين ويستنكرونها ولا يجدون لها أي مبرّر ديني أو طبّي. ومن كلامي مع الغربيّين حول ختان الإناث وجدت أنهم يتحاملون على الثقافات الأخرى التي يتّهمونها بالهمجيّة ويجهلون أن الغرب قد مارس هذه العادة وأوجد لها مبرّرات طبّية ودينيّة لا تختلف عن تلك التي يقدّمونها اليوم لتبرير ختان الذكور، كما أنهم يجهلون أن ختان الإناث ما زال يمارس في الغرب ولو بنسبة أقل من المسلمين، كما سنرى في هذا الكتاب.

هذه الأمثلة تبيّن أنه بالإضافة إلى العوامل الدينيّة الذي عرضناها في الجزء السابق، هناك إعتبارات طبّية واجتماعيّة وقانونيّة تتحكّم بعادة ختان الذكور والإناث سوف ندرسها في الأجزاء القادمة بداية بالإعتبارات الطبّية التي نكرّس لها سبعة فصول نعرض فيها أوّلاً العلاقة بين رجال الطب ورجال الدين. ثم نبيّن محاولة البعض التتفيه من ختان الذكور والتهويل من ختان الإناث. وننتقل بعد ذلك للآلام الناتجة عن ختان الذكور والإناث ومضارّهما الصحّية والجنسيّة. وأخيراً نستعرض الإدّعاءات التي تزعم بأن لهما فوائد صحّية. وننهي هذا الجزء بالمعالجة الطبّية لآثارهما الضارّة.

الفصل الأوّل: العلاقة بين رجال الطب ورجال الدين

1) تصادم رجال العلم ورجال الدين

يعتقد أصحاب الديانات السماويّة بأن الله أرسل رسلاً أوكل إليهم تبليغ رسالته للبشر والتي أودعت في الكتب المقدّسة. ولاعتقادهم بأن الله ينطق بالحق، فإنهم يستنتجون أن كل ما جاء في تلك الكتب المقدّسة هو الحق بذاته. فعلم الله يحيط بكل المعارف البشريّة. والقول بعكس ذلك هو إنكار لعلم الله وإنكار لحقيقة الرسالة. ومن هنا جاءت المنافسة بين رجال العلم ورجال الدين الذين يعتبرون أنفسهم مؤتمنين على الرسالة الإلهيّة. فرجال الدين يريدون جعل أنفسهم المرجع الأوّل قَبل الفلاسفة والعلماء في كل المجالات. وقد تغلغل هذا الفكر حتّى في رؤوس السياسيين. ففي إحدى خطبه قال الرئيس السادات:

«إن الإسلام ليس مجرّد عبادات ومناسك ومواعظ خلقيّة وتلاوة آليّة لكتاب الله [...]. لا، إن قرآننا موسوعة كاملة لم يترك جانباً من الحياة أو الفكر أو السياسة أو المجتمع أو الأسرار الكونيّة أو الغوامض النفسيّة أو شئون المعاملات والأسرة إلاّ قالت فيه رأياً وحُكماً» [1] .

ففي مجال الفلسفة، دار في الماضي جدل حول علاقة التعاليم الدينيّة بالفكر الفلسفي. فألّف الغزالي كتابه «تهافت الفلاسفة». وقد رد عليه إبن رشد (توفّى عام 1198) في كتاب «تهافت التهافت» وكتاب «فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحِكمة من الإتّصال»، محاولاً التوفيق بين الفلسفة والشرع. وقد بدأ محاولته بمقدّمة جدليّة تقول: «إن شريعتنا هذه الإلهيّة حق»، دون إثباتها. وأضاف بعبارة لا تخلو من الشك:

«وإذا كانت هذه الشرائع حقاً وداعية إلى النظر المؤدّي إلى معرفة الحق، فإنا معشر المسلمين نعلم على القطع أنه لا يؤدّي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع. فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له [...]. ونحن نقطع قطعاً أن كل ما أدّى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع أن ذلك الظاهر يقبل التأويل» [2] .

إلاّ أن رجال الدين المسلمين نقموا على إبن رشد واتّهموه بالإلحاد. وفي مجال الفلك، تروي التوراة أن اليهود خاضوا معركة مع أهل مدينة «جبعون»:

«فكلّم يشوع الرب [...] أمام أعين إسرائيل: يا شمس قفي على جبعون، ويا قمر على وادي أيالون. فوقفت الشمس وثبت القمر، إلى أن إنتقمت الأمّة من أعدائها» (يشوع 12:10).

وهذا يعني أن الشمس هي التي تدور حول الأرض. فجاء جاليليو (توفّى عام 1642) وأثبت بأن الأرض هي التي تدور حول الشمس. فقامت قائمة الكنيسة الكاثوليكيّة وأجبرته على التراجع عن نظريّته ومنعت تعليمها عام 1633. ورغم أن نظريّة دوران الأرض قد قَبلت بها الكنيسة منذ القرن التاسع عشر، إلاّ أنها لم تعترف بالظلم الواقع على جاليليو إلاّ عام 1992 في خطاب بابوي جاء فيه أن ما حدث هو «سوء تفاهم» مؤكّداً في نفس الوقت أنه

«ما دام الحق لا يمكن له في أي حال أن يخالف الحق، يمكن التأكيد على أن هناك غلط وقع في تفسير النصوص المقدّسة».

وهو قول يشبه قول إبن رشد السابق الذكر ويؤكّد على عصمة النصوص المقدّسة عن الغلط [3] . وفي عصرنا، دافع رجل الدين السعودي الأكبر الشيخ عبد العزيز إبن باز (توفّى عام 1999) عن نظريّة دوران الشمس حول الأرض في كتابه «الأدلّة النقليّة والحسّية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب». يقول إبن باز:

«الذين يقولون أن الأرض تدور، فهم يكذّبون على الله، ويرتكبون خطأ ظاهراً مخالفاً للآيات القرآنيّة، وللمحسوس، والواقع. فقد أوضح الله في القرآن الكريم أنه ألقى الجبال في الأرض لئلاّ تميد بهم، والميد هو الحركة والإضطراب والدوران. ... وكل من كذب على الله سبحانه أو كذّب كتابه الكريم أو كذب على رسوله الأمين عليه الصلاة والسلام، فهو كافر ضال مضل يستتاب فإن تاب [...] وإلاّ قتل كافراً مرتداَ» [4] .

وفي مجال التاريخ أيضاً تطاحن رجال الدين ورجال التاريخ. ونذكر هنا على سبيل المثال كتاب طه حسين «في الشعر الجاهلي» الذي صدر عام 1926 وتمّت مصادرته لأنه شكّك في الوجود التاريخي لإبراهيم وأعتبره شخصيّة أسطوريّة [5] ، ممّا أقام قيامة أهل الدين معتبرين «أن المؤلّف أهان الدين الإسلامي بتكذيب القرآن في إخباره عن إبراهيم وإسماعيل». فرفعوا دعوة ضدّه [6] . وكلام طه صدم أيضاً النيابة ذاتها إذ تقول:

«وهل عقل الأستاذ سليم بأن الله سبحانه وتعالى يذكر في كتابه أن إبراهيم نبي وأن إسماعيل رسول نبي مع أن القصّة ملفّقة، وماذا يقول حضرته في موسى وعيسى وقد ذكرهما الله سبحانه وتعالى [...] مع إبراهيم وإسماعيل وقال في حقّهم جميعاً لا نفرّق بين أحد منهم، وهل يرى حضرته أن قصّة موسى وعيسى من الأساطير أيضاً؟» [7] .

إلاّ أن النيابة تحفّظت على أوراق القضيّة لأن

«غرض المؤلّف لم يكن مجرّد الطعن والتعدّي على الدين بل إن العبارات الماسّة بالدين التي أوردها في بعض المواضع من كتابه إنّما قد أوردها في سبيل البحث العلمي مع إعتقاده أن بحثه يقتضيها» [8] .

وقد غيّر طه حسين في الطبعة اللاحقة عنوان كتابه إلى «في الأدب الجاهلي» وحذف منه الفقرات التي كانت محل إثارة.

وفيما يخص تصرّفات البشر، يرى رجال الدين أن الله هو الذي يقرّر الشر والخير، وما على الناس إلاّ طاعة أوامره. يقول إبن ميمون إن أوامر الكتب المقدّسة أوامر أبديّة لا يحق لأحد إن يغيّرها، وكل من تخول له نفسه أن يغيّرها أو يلغيها أو يفسّرها بخلاف ما فسّرت به سابقاً يجب قتله خنقاً لأنه كذّب الله الذي يقول: «بكل ما أنا آمركم به تحرسون أن تعملوه، لا تزد عليه ولا تنقص منه» (تثنية 1:13)؛ «الخفايا للرب إلهنا، والمعلنات لنا ولبنينا للأبد، لكي نعمل بجميع كلمات هذه الشريعة» (تثنية 28:29)؛ «فريضة أبديّة مدى أجيالكم في جميع مساكنكم» (الأحبار 24:23) [9] . ولا يختلف المسلمون عن اليهود في ذلك. فالشيخ الشعراوي يقول فيمن يرفض تطبيق الشريعة الإسلاميّة:

«وأنا لو لي من الأمر شيء، أو لي من حُكم تطبيق منهج الله شيء لأعطيت سنة حرّية في من يريد أن يرجع عن إعلان إسلامه أن يقول: أنا غير مسلم. وأعفيه من حُكم الدين في أن أقتله قتل المرتد» [10] .

وقد طغت الكنيسة بإسم الدين ونصبت المشانق وأشعلت المحارق لمعارضي مبادئها وقوانينها. وللحد من تصادم رجال الدين مع رجال الفلسفة والعلم والقانون، تم في الغرب المسيحي علمنة الدولة بتقليص دور رجال الدين وإبعادهم عن السلطة، كما تم تقليص سلطة النص الديني وعلمنة العلوم والقانون. وقد إتّجه رجال الدين المسيحيّون، مع بعض الإستثناءات، إلى القول بأن الكتب المقدّسة تكلّم الناس بما كانوا يفهمونه في العصور التي جاءت فيها تلك الكتب. ولذلك لا يمكن إعتبار كل ما جاء فيها حقيقة علميّة. فالكتب المقدّسة قد جاءت بتعاليم أخلاقيّة وليست كتب جغرافيا وتاريخ وكيمياء وفيزياء وفلك وطب. ممّا يعني أن للعالِم مخالفة ما تقوله الكتب المقدّسة في هذه المجالات. وهناك تيّار غربي ينسف الأساس الديني ذاته منكراً أن الله هو مصدر الكتب المقدّسة. فهذه الكتب في نظر هذا التيّار من صنع البشر، ونبتت من الأرض، ولم تنزل من السماء، وأن واضعيها قد غرّروا بأتباعهم.

ويحاول رجال الديانات الرد على التهم التي توجّه لهم بأنهم يحدّون من العقل. فألّفوا الكتب الكثيرة ليبيّنوا أن كتبهم المقدّسة وتعاليمهم الدينيّة تحث على العقل والعلم. ولكن سرعان ما يجعلون تعاليمهم الدينيّة في المقام الأعلى ليثبتوا أنهم أكثر صدقاً من علم العلماء وعقل العقلاء. وهكذا يظهر أن غايتهم الدعاية، كل لديانته على حساب الديانات الأخرى. ونحن لا نود صدّ هم عن هذا المنحى ونقبل توبة التائبين، على شرط أن يتّفق قولهم مع أفعالهم. وأوّل ما نطالبهم به هو أن يكفوا عن تكفير ومحاكمة وقتل من يخالفهم الرأي. ولا داعٍ لإثقال هذا الكتاب بأمثلة كثيرة تبيّن ما نقول، تخرجه عن الهدف المرجو منه.

2) الختان بين الخطاب الديني والخطاب الطبّي

عرضنا في الجزء السابق الجدل الديني حول ختان الذكور والإناث عند اليهود والمسيحيّين والمسلمين. وقد رأينا أن الكتب المقدّسة لهذه الطوائف الثلاث لم تتكلّم عن ختان الإناث. وأن الكتب اليهوديّة قد فرضت ختان الذكور. إلاّ أن تيّاراً يهوديّاً متنامياً يحاول التخلّي عن الختان باعتباره مناقض لكمال خلق الله ومناف للأخلاق. أمّا الكتب المقدّسة المسيحيّة، فقد أفرغت الختان من معناه الديني وجعلته من المباحات. إلاّ أن تيّاراً أصولياً مسيحيّاًّ متزمّتاً قد حاول فرض الختان باعتبار أن التوراة التي سَنّته لا تنطق عن الهوى. وقد تصدّى لهذا التيّار تيّار مسيحي آخر يريد إلغاء الختان وتجريمه. أمّا القرآن فقد سكت تماماً عن هذا الموضوع. ورغم ذلك السكوت، فإن المسلمين يعتبرون أكبر مجموعة تمارس كل من ختان الذكور والإناث، معتمدين في ذلك على تفسير آيات متشابهات وعلى أحاديث نبويّة غير مثبتة. وقد إنقسم المسلمون بين معارض لختان الإناث ومؤيّد له، خاصّة تحت تأثير المعارضة الغربيّة له. أمّا فيما يخص ختان الذكور، فما زال التيّار المعارض له في أوّل مراحله.

ويمكن تقسيم مواقف مؤيّدي ومعارضي ختان الذكور والإناث فيما يخص علاقة الدين بالطب إلى أربع مجموعات:

أ) الختان أمر ديني لا علاقة له بالطب

عبثاً تبحث في الكتب المقدّسة عن سبب طبّي يؤيّد أو يفنّد ممارسة ختان الذكور والإناث. والمؤيّدون يرون بأن الختان هو أوّلاً أمر إلهي يجب إتمامه ولا يخضع في ذلك لاعتبارات طبّية. فالأوامر الدينيّة مثل عدد الركعات عند المسلمين لا يوجد لها مبرّر عقلي. فالله، مصدر التشريع عند أتباعه، ينزّه عن السؤال فيما يأمر: «لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون» (الأنبياء 23:21). ولذلك لا داع للبحث عن مبرّرات طبّية لتأييده، وحتّى وإن أثبت الطب مضارّه، فإنه لا ينظر إلى هذه المضار. فالشرع الإلهي يمر قَبل الإعتبارات البشريّة. وصاحب هذا المنطق قد يكون رجل دين أو رجل طب. وعلى سبيل المثال، يقول طبيب يهودي:

«ليس هناك جدل داخل اليهوديّة حول ضرورة الختان في الشريعة اليهوديّة. وليس هناك سبب للبحث عن تبرير صحّي أو غيره: فالختان هو أمر إلهي. ولهذا السبب لا يوجد أي تدخّل يمكن أن يقنع اليهود المتديّنين بالتوقّف عن إجرائه. فالطائفة اليهوديّة إستمرّت في إجراء ختان أطفالها الذكور حتّى عندما عوقبوا بالموت في العصر اليوناني والروماني القديم» [11] .

ويختم هذا المؤلّف مقاله قائلاً:

«لقد تم إجراء الختان كجزء حيوي من اليهوديّة منذ أكثر من 4000 عام وسوف يبقى جزءاً من اليهوديّة إلى الأبد. ولا حاجة للبحث عن سبب من وراء إجرائه. فهو أمر أعطاه الله لموسى على جبل سينا، وبهذا فهو أمر كغيره من الأوامر وسوف يستمر اليهود بإجرائه إلى الأبد. وكل المحاولات لإلغاء الختان في العصر اليوناني والروماني وفي الإتّحاد السوفييتي فشلت لأن هذه العمليّة تعتبر أساسيّة لليهوديّة» [12] .

وهذا الطبيب لا يكتفي برفض الأخذ بأي إعتبار طبّي في مجال الختان، بل ينكر وجود أي تيّار يهودي معارض، كما هو واضح من أوّل جملة في النص المذكور أعلاه. ولا شك في أن هذا الطبيب يعرف وجود مثل هذا التيّار المعارض الذي بينّا آراءه في القسم اليهودي [13] . وفي نفس المجلّة التي نشرت مقال هذا الطبيب، مقال آخر لطبيبة يهوديّة معارضة تحت عنوان: «الختان اليهودي: النظرة البديلة» [14] . فإنكار الطبيب وجود مثل هذا التيّار المعارض قد يعني تكفير غير مباشر لهذا التيّار والحُكم عليه بالردّة وإخراجه من صفوف اليهود.

ونفس هذا الموقف نجده عند بعض المسلمين. فيتساءل الدكتور محمود أحمد طه، وهو من مؤيّدي ختان الإناث،

«ما الحُكم إذا تعارض رأي العلم مع الحُكم الشرعي؟» فيجيب:

«نقول إن العبرة بالحُكم الشرعي ولو تعارض مع رأي العلم. وأساسنا في ذلك [...] أن الإلتزام بالحُكم الشرعي في حد ذاته طاعة لله عز وجل ولو لم تظهر لنا الحِكمة من إقرار الحُكم الشرعي هذا. ولنا في تقبيل الحجر الأسود وفي رجم الجمرات أكبر دليل على ضرورة طاعة الحُكم الشرعي مهما غمضت علينا الحِكمة من ذلك. وهذه قمة العبوديّة والطاعة لله عز وجل» [15] .

ويقول يحيى إسماعيل، الأمين العام لجبهة علماء الأزهر، أن ختان الإناث

«قضيّة دينيّة القول فيها لعلماء الشرع وفقهاء الدين أوّلاً. وكلام غيرهم فيها يأتي بعد كلامهم، ولا يُقبل منهم إلاّ ما كان بضوابط هذا الشرع متقيّداً» [16] .

ب) الختان أمر طبّي يثبت صحّة الدين

يرى هذا التيّار أنه لا يمكن وجود تضارب بين الطب والدين، وأن الطب في نهاية الأمر لا يمكنه إلاّ إثبات صحّة «الأوامر الإلهيّة». وعليه، فإن أتباعه يسعون دائماً لإشهاد الطب على صحّة تعاليمهم، ذاكرين الآراء التي تناسبهم، ومتجاهلين تماماً الآراء المخالفة والتي، في نظرهم، لا يمكن إلاّ أن تكون على خطأ ما دامت تخالف «الأوامر الإلهيّة». فبعد أن ذكر الدكتور محمود أحمد طه أن الأولويّة للتعاليم الدينيّة حتّى وإن خالفت المعطيات العلميّة، إستطرد يقول:

«إن العلم لا يتصوّر أن يعارض الحُكم الشرعي، وأنه إذا كان هناك ثمة تعارض فإن ذلك يعود إلى وجود خطأ في الرأي العلمي وليس إلى خطأ في الحُكم الشرعي. فختان الإناث يستند إلى الأحاديث النبويّة الشريفة، والرسول عليه أفضل الصلاة والسلام «لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى» (النجم 3:53-4)، ومن ثم فإن إقراره لختان الإناث لا بد أنه ينطوي على فوائد. ولو عجز العلم عن إثباتها اليوم فسوف يأتي الوقت الذي يثبت فيه العلم ما عجز عن إثباته اليوم من ترتيب فوائد عديدة للختان. كما أثبت العلم بالفعل أن لختان الذكور فوائد عديدة كانت غائبة عن العلماء من قَبل. وها نحن الآن نرى تغيّر في موقف المعارضين لختان الذكور غير المسلمين فأصبحوا يؤيّدونه وأصبح الختان مطبّق بالنسبة للذكور في شتّى بقاع العالم [...]. فالرسول عليه أفضل الصلاة والسلام جاء رحمة للعالمين، ومن جاء رحمة للعالمين لا يتصوّر أن يأمرنا بما فيه ضرر لنا» [17] .

ويقول محمّد البنّا:

«إن الله جعل الشريعة الإسلاميّة خاتمة الشرائع وصالحة لكل زمان. فلا يصل عقل بشري إلى نقص تعاليمها ولا إلى هدم مبادئها التي تركّزت في أصل القواعد البشريّة المسلم بها بداهة. فقد قال عليه الصلاة والسلام: الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة، منها الختان، وفي رواية: عشرة من الفطرة ومنها الختان [...]. إن الختان فطرة. فهو مبدأ كلّي عام أيّدته السماء، وزكاه فعل النبوّة الأوّل، فلا عدول عنه [...]. ولا يفوتني أن أقول: إن الحقيقة الكونيّة أصل يبنى البحث على صدق ما يتعلّق بها. لا أن البحث يقوم على نقضها. فالخالق لم يخلق عبثاً ولم يشرّع عبثاً. والقصور بنا أولى حتّى نوهب عقلاً يصل إلى المبادئ الإلهيّة المسلم بها فطرة» [18] .

ومن الكتب التي تحاول جاهدة إثبات الحقيقة الدينيّة من خلال الختان نذكر هنا خاصّة كتاب الدكتور حسّان شمسي باشا: «أسرار الختان تتجلّى في الطب الحديث»، والذي نشره ضمن «موسوعة الطب النبوي بين الإعجاز والعلم الحديث». وهذا الطبيب يشير في مقدّمته بأنه وجد صعوبة عندما كان يعمل في بريطانيا في إقناع الأطبّاء بإجراء الختان لابنه هناك لأن الإنكليز يعتبرون الختان شعيرة دينيّة لا تلزم الدولة بتحمّل نفقاتها. ولكنّه إكتشف أن الأمريكيّين يختنون بنسبة 61-85% من أطفالهم [19] . وبدلاً من البحث في سبب هذا الإختلاف في موقف الدولتين، فإنه يكرّس كتابه إلى ما جاء في المقالات الأمريكيّة المؤيّدة للختان، وخاصّة تلك التي كتبها أطبّاء يهود أو متحيّزون لهم، متناسياً تماماً الآراء الناقدة.

وقد بيّنت دراسة مصريّة رائدة تأثير الدين على مواقف الأطبّاء في مجال الختان. أجريت هذه الدراسة على 500 طبيب وطبيبة من العاملين في وزارة الصحّة وكلّيات الطب في جامعات القاهرة وعين شمس والأزهر لمعرفة موقفهم من ختان الإناث. وقد إتّضح أن خرّيجي طب القاهرة لا يؤيّد ختان الإناث منهم سوى 10.3%، بينما لا يتجاوز الإتّجاه المعارض للختان 23.8% من خرّيجي جامعة الأزهر [20] . كما إتّضح أن غالبيّة مؤيّدي ختان الإناث من الأطبّاء المسلمين (98.3%)، ولا يوجد بين مؤيّدي الختان سوى طبيب مسيحي واحد من إجمالي 85 طبيباً وطبيبة. وهو أمر متعلّق بدور بعض القيادات الدينيّة الإسلاميّة في ترويج أن ختان الإناث من شعائر الإسلام. وتستنتج هذه الدراسة من تحليل أجوبة الأطبّاء أن من يرون أن الدين يؤيّد الختان هم أقرب إلى إستخدام الدين لتبرير موقفهم الإجتماعي منهم إلى التمسّك بقناعة حقيقيّة مبنيّة على المعرفة العميقة [21] .

ج) الختان لا علاقة له بالدين

ينضم عامّة مؤيّدو الختان إلى التيّارين السابقين. أمّا معارضو الختان، وخاصّة ختان الإناث، فإنهم يحاولون إبعاد الجدل حول الختان عن الدين لحساسيّة الموضوع ولتبرئة الدين منه باعتباره أمراً ضارّاً. فعلى سبيل المثال حاولت ماري أسعد وضع ثلاثة إفتراضات حاولت إثباتها في مقال لها حول ختان الإناث:

1) إن ممارسة هذه العادة تنتشر بين الإناث من المسلمات والمسيحيّات.

2) إن هذه الممارسة تقوم وتستمر على أسس من العادات والتقاليد وليست على أسس دينيّة.

3) إن الممارسة حاليّاً ليست فقط إستمراراً لعادات وأفكار بالية، بل إنها ذات وضع متلائم مع القيم والعادات التي نعيشها، تلك التي تقوم على عزل الجنسين عن بعضهما، وعلى العفّة والبكارة قَبل الزواج، وعلاقة ذلك بشرف العائلة، وما قد تتعرّض له من عار نتيجة لفقد البنت لإحداهما [22] .

وتقول الدكتورة نوال السعداوي:

«إن الأسباب الإقتصاديّة ومن ثم الأسباب السياسيّة هي التي وراء نشوء واستمرار ختان البنات. وهذا التوضيح هام لأن كثيراً من الناس يخلطون بين السياسة والدين. وكثير من الناس يعمدون إلى إخفاء الأسباب السياسيّة والإقتصاديّة بأسباب دينيّة حتّى يصرفوا الأذهان عن الأسباب الحقيقيّة. وكثير من الناس يقولون أن الإسلام هو السبب وراء ختان البنات في مصر. وهو السبب وراء الوضع الأدنى للمرأة في البلاد العربيّة.

لكن أرى أن التخلّف في مجتمعاتنا العربيّة ليس هو الدين الإسلامي وإنما هو السلطة السياسيّة خارج مجتمعاتنا (الإستعمار الأجنبي) أو السلطة في الداخل (الحكومات العربيّة الرجعيّة المستغلّة) أو كلاهما معاً، ومحاولة تفسير الدين تفسيراً خاطئاً واستخدامه ليخدم أغراض القهر والخوف والإستغلال.

أن الدين بمعناه العام هو الصدق والمساواة والعدالة والحب والصحّة لجميع الناس رجالاً ونساء. ولا يمكن أن يكون هناك دين يدعو إلى المرض أو تشويه أجساد البنات وقطع بظورهن» [23] .

د) الطبيب عليه دراسة الختان بموضوعيّة دون النظر إلى الدين

هذا التيّار يرى أن على عالم الطب أن يقدّم لزملائه وللناس ما توحي له الطبيعة ويجب عليه أن ينقل ملاحظاته دون أن يتأثّر البتّة بالقيم والأخلاق والربح المادّي أو الإجتماعي والجنس والجنسيّة والوطنيّة والدين والإعتقاد. وإلاّ فقد تخطّى دوره كعالم. إن إستقامته مطلب علمي. غير أنه لا يوجد أي إنسان، مهما كانت درجة علمه، يمكنه أن ينجو من تلك الإعتبارات [24] .

ومن هنا تأتي ضرورة التحقّق من الخلفيّات التي ينطلق منها عالم الطب في تأكيداته. فاليهودي هو يهودي قَبل أن يكون عالم. فإذا ما إصطدم العلم مع المصالح الفرديّة والجماعيّة، فإن الإنسان قد يميل إلى التخلّي عن العلم. يضاف إلى ذلك أن العلم بحد ذاته متطوّر. وما نعتبره اليوم حقيقة مؤكّدة قد يبان غداً مجرّد هراء. وعلى المرء أن يتّسم بالتواضع في تأكيداته ولسان حاله يقول مع الإمام الشافعي: «رأيي صواب يحتمل الغلط ورأي الآخرين غلط يحتمل الصواب».

ويلاحظ هنا أن المسلمين االمؤيّدين للختان، حتّى بين الأطبّاء، قليلاً ما يلتزمون بالبحث العلمي الصرف. فهم سريعو الحُكم على النظريّات التي تناسبهم بأنها تؤيّد النظرة الدينيّة وصحّة دينهم. فهكذا يكشفون عن أوراقهم بسرعة، فيظهر سبب تحيّزهم. وفي نفس الوقت ينسون أن يتحقّقوا من صحّة النظريّات المعروضة ومن صحّة حججهم الدينيّة معتقدين غلطاً أن الختان جزء من معتقدهم، وهذا ما أثبتنا زيغه في الجزء السابق. وأمّا الكتابات الغربيّة، فإنها عامّة تفصل بين الدين والعلم ممّا يعطي الإنطباع بأن الباحثين غير منحازين لدينهم. إلاّ أنه إنطباع كاذب كما يظهر من العدد الهائل من الأبحاث الصادرة عن اليهود في مجال الختان والتي يقصد منها في حقيقة الأمر تثبيته ونشره كما تأمرهم به التوراة. وسوف نعود إلى ذلك في الفصل الخاص بالختان والسياسة في جزء الجدل الإجتماعي.

ونشير هنا إلى أن الموقف الإسلامي واليهودي والمسيحي المتعصّب الذي يحاول دائماً «جر النار إلى رغيفه» يمثّل خطراً ليس فقط على الأمانة العلميّة، ولكن أيضاً على الدين. فبماذا يتدفَّأ هؤلاء إذا ما تبيّن أن ما إستعاروه قد سحب من تحتهم بسبب عدم ثبوته. فهل نقول حين ذاك أن الدين لا يتّفق مع العقل؟ أم نحاول الكرة بعد الأخرى البحث عن نظريّات أخرى تسعفنا فيما نبحث عنه وهو البرهنة على الإعجاز العلمي للدين؟ أم نقوم بتكفير من يخالفنا في الرأي كما فعل إبن باز ضد من لم يتّفق معه بأن الأرض مسطّحة؟ وهذا هو ما نخافه أكثر ما نخاف على مجتمعنا.

الفصل الثاني: ختان الذكور والإناث بين التتفيه والتهويل

عرضنا في الجزء الأول من هذا الكتاب الأعضاء الجنسيّة الظاهرة للذكور والإناث وعمليّة الختان التي تجرى عليها ومدى إنتشارها وتوزيعها الجغرافي. وسوف نرى هنا تباين المواقف من الختانين.

1) تباين المواقف من ختان الذكور والإناث

يمكن تقسيم المواقف من ختان الذكور والإناث إلى تيّارات ثلاثة رئيسيّة. تيّار يقبل بختان الذكور ويرفض ختان الإناث، وتيّار يقبل بكلا الختانين، وتيّار يرفضهما كليهما.

أ) تيّار يقبل بختان الذكور ويرفض ختان الإناث

نجد هذا التيّار عامّة في الدول الغربيّة وفي مواقف منظّمة الأمم المتّحدة ومنظّمة الصحّة العالميّة واليونيسيف والمنظّمات الغربيّة التي تناهض ختان الإناث. ويميل هذا التيّار إلى التهويل من ختان الإناث بجميع درجاته، وفي بعض الأحيان لا يميّز بين تلك الدرجات. وفي نفس الوقت يسكت عن ختان الذكور أو يتفّهه أو يبرّره طبّياً. وقد كرّست هذه المنظّمات المذكورة دراسات عدّة عن ختان الإناث ولكنّها لم تقم بأي دراسة حول ختان الذكور.

ونجد تهويل ختان الإناث مع تتفيه ختان الذكور خاصّة في الكتابات النسائيّة الغربيّة. وتحتل السيّدة «فران هوسكن» دوراً هامّاً في عمليّة التضليل هذه. فهي تقول:

«من وجهة النظر البيولوجيّة والصحّية، العمليّات التي تتعرّض لها الفتيات ليست متوازية مع ختان الذكور [...]. فما يتم للفتيات له أهداف ونتائج مختلفة إذ يتم نزع عضو سليم وحسّاس جدّاً منهن. ومن وجهة النظر البيولوجيّة فإن بتر الأعضاء التناسليّة للإناث يوازي بتر جزء من القضيب أو بأكمله» [25] .

ونجد صدى لهذه الأقوال في كتابات غربيّة كثيرة. فالنشرة الإعلاميّة التي توزّعها وزارة العمل والشؤون الإجتماعيّة الفرنسيّة بهدف الحد من ختان الإناث تفرّق بين الختان الفرعوني والختان الذي يتم فيه بتر البظر والشفرين الصغيرين. وتقول بأن هذا الأخير «يمكن تشبيهه ببتر القضيب عند الصبي» [26] . وإذا ما إعتبرنا أنه من الممكن للنساء المختونات ممارسة الجنس بينما هذا من غير الممكن لمن بتر قضيبه، نرى مدى فجاجة هذه المقارنة [27] . وقد تناقلت هذه الأقوال النساء الإفريقيّات التي تناضل ضد ختان الإناث. فقد كتبت السيّدة «ايفوا دوركينوو»، مسؤولة عن برنامج ختان الإناث في منظّمة الصحّة العالميّة:

«من المؤكّد بأن الإجراءين [ختان الذكور والإناث] يتمّان بصورة واسعة دون ضرورة طبّية وأن في الحالتين يتعرّض الأطفال لتجربة عصيبة. وكل منهما يجريان دون موافقة الأطفال. إلاّ أن أوجه الشبه تتوقّف هنا. فالبظر من وجهة النظر البيولوجيّة يشبه القضيب. وبتر البظر الذي يتم في أكثر حالات بتر الأعضاء الجنسيّة للإناث يوازي بتر القضيب وليس الختان. وختان الذكور يؤدّي إلى قطع الجزء الأعلى للجلد الواقي الذي يغطّي الحشفة ولكنّه لا يؤذي القضيب الذي هو عضو اللذّة. بينما بتر البظر يؤذي ويفني عضو اللذّة عند النساء» [28] .

ويؤخذ على هذه الكاتبة أنها بدلاً من مقارنة درجات ختان الذكور مع درجات ختان الإناث، لجأت إلى التعميم فوقعت في أخطاء طبّية. فمن المؤكّد أن الدرجة الثانية من ختان الذكور هي أكثر شدّة من الدرجة الأولى لختان الإناث. وبتر البظر لدى الأنثى لا يعادل بتر القضيب عند الذكر. فإذا ما نظرنا إلى أصل الأعضاء الجنسيّة لدى الذكر والأنثى قَبل وبعد تطوّرها لتأخذ كل منها مميّزاتها، نجد أن القضيب لدى الرجل يعادل فرج المرأة بأكمله متضمّناً البظر ومجرى البول والثقب والشفرين الصغيرين. وعليه فإن قطع القضيب عند الرجل لا يعادل قطع البظر عند الأنثى بل قطع كل فرجها باستثناء الشفرين الكبيرين. ويضاف إلى ذلك أن القضيب هو وسيلة لقذف السائل المنوي. وبتر الغلفة جزئيّاً عند الذكور يوازي بتر غلفة البظر عند الإناث. وأمّا بتر الغلفة كاملاً كما يحدث عند اليهود، فيوازي بتر كل من غلفة البظر والشفرين الصغيرين معاً [29] . ومن الغلط القول بأن ختان الذكور لا يضر باللذّة الجنسيّة. فهو يفني جزءاً يعتبر أكثر الأعضاء حساسيّة في جسم الرجل كما سنرى لاحقاً. وختان الذكور يعرّض الشخص لمخاطر مثله مثل ختان الإناث، تصل في بعض الأحيان إلى ضرورة تغيير الذكر إلى أنثى وقد يؤدّي إلى الموت.

وقد كتبت الطبيبة السودانيّة المسيحيّة ناهد طوبيا:

«إن ختان الذكور هو مجرّد إزالة للغلفة عن رأس القضيب دون المساس بالعضو نفسه. أمّا ختان الإناث فأكثر جذريّة بكثير من الناحية التشريحيّة. فعمليّة قطع البظر أو «الخفض» (التي يتم خلالها إستئصال البظر كلّه أو جزء منه) لا يعادلها عند الذكور سوى قطع الجزء الأعظم من القضيب، على حين يكون المعادل لعمليّة «الخفاض الفرعوني» (التي لا تتضمّن فقط قطع البظر، بل إزالة أو رتق الأنسجة الحسّاسة الموجودة حول مدخل المهبل) هو بتر القضيب وجذوره من الأنسجة الرخوة، إضافة إلى جزء من كيس الخصية» [30] .

وخطورة موقف هذه الطبيبة تكمن في أهمّية دورها على الساحة الإعلاميّة إذ تعتبر إحدى رائدات مكافحة ختان الإناث ورئيسة منظّمة «راميبو» التي سوف نتكلّم عنها في فصلنا حول الجدل القانوني. وقد نشرت منظّمة الصحّة العالميّة دراسة لها حول ختان الإناث بالتعاون مع السيّدة «سوزان عزّت» [31] . وتجدر الإشارة إلى حدوث تطوّر لموقف هذه الطبيبة إذ أعلنت في بعض مقابلاتها بأنها تعارض ختان الذكور وإن كانت ترى أن من واجبها التركيز على ختان الإناث.

وقد إنتقل تهويل ختان الإناث وتتفيه ختان الذكور من الغرب إلى معارضي ختان الإناث في الدول الإسلاميّة. فالكتابات الإسلاميّة القديمة لا تعرف مثل هذا التهويل في ختان الإناث والتتفيه في ختان الذكور. ونعطي هنا بعض الأمثلة من الكتابات الإسلاميّة الحديثة:

نقرأ في كتاب أصدرته الجمعيّة المصريّة للوقاية من الممارسات الضارّة:

«ختان الولد شيء وختان البنت شيء آخر مختلف تماماً. فختان الذكور نظافة وإزالة زائد لا نفع فيه ووقاية من عدّة أمراض قد يكون من بينها السرطان وقلّما يؤدّي إلى ضرر ما دام القائم به خبيراً مدرّباً. أمّا ختان البنت فيمتد لأجزاء مسؤولة إلى حد كبير عن تنظيم الحياة الزوجيّة والتقريب بين الزوجين، وإعطاء المرأة حقاً طبيعيّاً في التمتّع بالحياة الزوجيّة» [32] .

والدكتور محمّد رمضان يعطينا جدولاً يقارن فيه بين عمليّة ختان الرجال وعمليّة ختان الإناث [33] :

عمليّة ختان المرأة عمليّة ختان الرجل

1) قطع عضو عضلي أساسي وليس جلدة زائدة 1) قطع جلدة زائدة (وهي الغلفة).

(كأننا قطعنا القضيب أو رأسه عند الرجل).

2) ليس لها فائدة في ذلك عند المرأة 2) لها فائدة عند الرجل للنظافة والإستنجاء

حيث إن فتحة البول منفصلة عن البظر. حيث إنه يتجمّع في هذه الغلفة البول.

3) يتم فيها قطع رأس البظر على الأقل، 3) ينكشف رأس القضيب ممّا يفيد في

إن لم يكن كلّه، ممّا يفقده الإحساس ويؤثّر الإستمتاع.

على الإستمتاع.

4) لها مشاكل كثيرة ومضاعفات طبّية متعدّدة. 4) ليس لها مشاكل أو مضاعفات طبّية تقريباً.

ويقول الدكتور أحمد شوقي الفنجري:

«تختلف عمليّة الختان في الأنثى عنها في الذكور إختلافاً جذريّاً [...]. يقابل قطع البظرة في الأنثى عمليّة قطع رأس القضيب أو الخصي التي كان المماليك يجرونها مع عبيدهم خوفاً على عفّة نسائهم» [34] .

ب) تيّار يقبل بختان الذكور والإناث

يشترك هذا التيّار مع التيّار السابق في أنه يتغاضى تماماً عن ختان الذكور الذي يعتبر أمراً مفروغاً منه وليس محل جدل. إلاّ أن هذا التيّار، بخلاف التيّار السابق، يقبل بختان الإناث أيضاً ويرفض تهويله. فعلى سبيل المثال، يقول الأستاذ عبد السلام السكّري:

«ختان الرجال وخفاض النساء كانت عمليّة تجرى على قدم وساق منذ مئات السنين وحتّى عشرات السنين الماضية. وقد خفضت أمّهاتنا وجدّاتهن وهكذا تصاعداً إلى ما شاء الله. ولم تحدث تلك الأضرار المدعاة. وما أدري ماذا يقول المعترضون على ذلك؟ بل كانت حياة هؤلاء الناس مستقرّة تنمو على طهارة، وتتربّع على عفّة، ورزقهم الله الولد، وعاشوا حياتهم في ود وإخاء، وأدّوا رسالتهم في الحياة على ما ينبغي أن يكون» [35] .

ج) تيّار يرفض كل من ختان الذكور والإناث

هذا التيّار في تزايد في الغرب، بينما ما زال في أوّل مراحله في الدول الإسلاميّة. ونكتفي هنا بذكر رأي الطبيبة السودانيّة ناهد طوبيا التي إستشهدنا بها سابقاً. تقول هذه الطبيبة أن كثير من الناس يتكلّم عن ختان الإناث وكأنه يجري كلّه على الطريقة الفرعونيّة والتي في حقيقتها لا تمثّل إلاّ 15% من عمليّات ختان الإناث. وعليه فإن هناك من يظن أن ختان الإناث أكثر مضرّة من ختان الذكور. وحقيقة الأمر أن في كثير من الحالات ختان الإناث أقل ضرراً وتعقيداً من ختان الذكور. هناك إذاً تهويل لختان الإناث بسبب المعلومات المبالغ فيها حول عمليّة الختان الفرعوني، وفي نفس الوقت هناك قليل من المعلومات التي تتناقلها وسائل الإعلام حول مضاعفات ختان الذكور على المدى القصير والبعيد رغم وجود الكثير من الكتابات الطبّية في هذا المجال. وعليه فإنه من الضروري اللجوء إلى مقارنة العمليّتين حسب درجاتهما المختلفة والأوساط التي تتم فيهما. وهي ترى أن مضاعفات ختان الذكور لا تختلف عن مضاعفات ختان الإناث إذا ما إستثنينا الختان الفرعوني.

وتنتقد هذه الطبيبة منطق التفريق بين الختانين لأنه يعتمد على المعطيات الطبّية بدلاً من التأكيد على المبدأ الأساسي الذي ينص على إحترام سلامة الجسد لكل طفل. فلا يمكن إعتبار ختان الإناث خطأ لأنه يؤدّي إلى مضاعفات طبّية كبيرة، بخلاف ختان الذكور الذي لا يؤدّي لمثل تلك المضاعفات. وهذا المنطق مغلوط لأنه ليس هناك أي إثبات علمي له. ولذلك فهي ترى بأنه من الخطأ التفريق طبّياً بين ختان الذكور والإناث.

ولكن هذه الطبيبة ترى أن الفرق بين ختان الذكور والإناث ليس على مستوى الطب ولكن على مستوى المحيط الإجتماعي والسياسي. ففي ختان الإناث يتم إرسال رسالة للمرأة فحواها: «إن نشاطك الجنسي خطير وضار ويجب مراقبته مهما كان الثمن» و«يجب أن تبقي مغلقة ضمن دور الإنجاب وخدمة الرجل جنسيّاً دون طلب أي شيء لك». وأمّا في ختان الذكور، فمثل هذه الرسالة غير موجودة. لا بل العكس، يعتبر الختان في المجتمع الإفريقي والإسلامي وسيلة لزيادة الرجولة ومدخل لدخول السلطة الذكوريّة. ولكنّها تضيف بأن ختان الذكور في الولايات المتّحدة تم إستعماله كوسيلة للكبت الجنسي [36] . وهذا التفريق بين ختان الذكور والإناث محل نظر. فسوف نرى في الجدل الإجتماعي أن ختان الإناث قد أستُعمِل أيضاً لزيادة اللذّة الجنسيّة، كما أن اليهود والمسلمين رأوا في ختان الذكور وسيلة لإضعاف اللذّة الجنسيّة.

2) الختان عمليّة بتر عند الذكور والإناث

أ) التلاعب بالكلمات

يلجأ كل من مؤيّدي ختان الذكور والإناث إلى التلاعب بالكلام. فهم يرفضون إستعمال تعبير «بتر» mutilation للإشارة إلى الختان الذي يؤيّدونه، ويرون أنه تعبير مبالغ فيه. فالأعضاء التي تزال، في نظرهم، هي أعضاء زائدة. فيشبّهون عمليّة الختان بقص الأظافر أو الشعر. ويعتبرون كلمة «بتر» تعبيراً مشيناً يتضمّن إدانة للختان ومن يمارسه. ومن يؤيّد ختان الذكور ويرفض ختان الإناث يرفض إستعمال هذا التعبير لختان الذكور بينما لا يتحرّج في إستعماله لختان الإناث. وهذا ما حدا بمنظّمة الصحّة العالميّة للإحتفاظ بتعبير «الختان» للإشارة إلى ختان الذكور، بينما أطلقت على ختان الإناث تعبير «بتر الأعضاء الجنسيّة».

وعلى النقيض من هذين التيّارين، يرى التيّار الرافض لختان الذكور والإناث بأنه يمكن إعتبار كل منهما عمليّة «بتر». وهذا التيّار لا ينفي السلبيّة التي تحيط بهذا التعبير. إلاّ أنه يرى ضرورة تعريفه وتطبيقه على الختان ليس على أساس المشاعر والحساسيّات الدينيّة أو الثقافيّة، بل على أساس معنى كلمة «بتر» كما جاء في القواميس اللغويّة والطبّية.

وعلى سبيل المثال نقرأ في القاموس الفرنسي Le Petit Robert تحت الفعل «بتر» mutiler : حرمان إنسان أو حيوان من سلامة جسده بواسطة البتر أو جرح خطير». وتحت الإسم «بتر» mutilation : «خسارة عرضيّة أو قطع عضو أو جزء من الجسم». كما نقرأ في القاموس الإنكليزي Webster's تحت الفعل «بتر» mutiler : «حرمان إنسان أو حيوان من طرف أو جزء آخر أساسي». ويعرّف الدكتور «جيرارد تسفانج» «البتر» بأنه «كل قطع نهائي لا رجعة فيه لعضو سليم». وهذا ينطبق على ختان الذكور والإناث لأنه يمس أعضاء مبرمجة وراثيّاً وتتواجد بصورة مماثلة عند كل الأجنّة وكل الأجناس [37] .

ولا يمكن في هذا المجال تشبيه الختان بعمليّة قص الشعر والأظافر. فإن كان صحيحاً أن الشعر والأظافر أعضاء من جسم الإنسان، إلاّ أنهما لا يحتويان على أعصاب أو أوعية دمويّة، ويطولان بعد قصّهما، وتركهما دون تهذيب يؤدّي إلى عرقلة الحياة العاديّة، وقصهما بحد ذاته لا مضرّة منه. أمّا فيما يخص البتر الذي يتم في عمليّة ختان الذكور والإناث، فإنه بتر لا رجعة فيه، وفيه مضرّة، بينما إبقاء العضو الذي يقع عليه الختان دون بتر ليس فيه أي ضرر. ونحن نرى أنه في الإمكان ترك الفتى والفتاة إلى عمر البلوغ دون أيّة مضرّة عليهما في إبقائهما على تلك الحالة إلى هذا العمر، بينما إذا تركنا الوليد دون قص شعره أو أظافره إلى عمر البلوغ فإن ذلك سوف يعيق تصرّفاته العاديّة من أكل وشرب ومشي الخ.

ب) غلفة القضيب ليست عضواً زائداً

يرى مؤيّدو ختان الذكور دون ختان الإناث أن الغلفة التي تزال في ختان الذكور هي عضو زائد، على خلاف الجزء الذي يزال في ختان الإناث. وحتّى في أيّامنا نجد كتابات غربيّة تذكر حرفيّاً ما كان قد كتبه «رومانيدنو» في القرن التاسع عشر على أن الغلفة جزء لا فائدة فيه [38] . وعلى سبيل المثال يقول «وايزفيل»، وهو من كبار المنظّرين بأن الختان يحمي من إلتهابات المسالك البوليّة: «إني أعتقد أن الغلفة هي غلطة من الطبيعة» [39] . وما زالت أكثر الكتب الطبّية في الولايات المتّحدة تكرّس حيّزاً ضئيلاً للغلفة وتصوّر القضيب دون غلفة وكأن ذلك هو القضيب الطبيعي. وكل ما يدرسه طالب الطب هو كيفيّة إزالة هذه الغلفة [40] . وأهم دراسة حتّى الآن حول تشريح الغلفة ووظيفتها هي تلك التي قامت بها مجموعة أبحاث يديرها الدكتور «جون تيلور» في جامعة «مانيتوبا» الكنديّة [41] . وقد بيّنت هذه الدراسة مكوّنات الغلفة ومدى غناها بالأنسجة والأعصاب والأوعية الدمويّة. ولا عجب إن تم نشر هذه الدراسة من قِبَل مجلّة خارج الولايات المتّحدة حيث ما زال الختان يلقى تأييداً كبيراً. وبناء على هذه الدراسة وغيرها قرّرت جمعيّة طب الأطفال الأستراليّة وجمعيّة طب الأطفال الكنديّة عام 1996 نشر توصيّة بأنه يجب عدم ممارسة ختان الذكور بصورة روتينيّة. وقد إعترفت كل من الجمعيّتين أن الختان يمكن أن يكون خرقاً لحقوق الإنسان.

ويرى معارضو ختان الذكور بأنه لا محل للتفريق بين ما يقطع في ختان الذكور والإناث من منظور علم الأجنّة والتشريح الذي يبيّن وحدة الأصل في الأعضاء الجنسيّة الذكوريّة والأنثويّة. فليس هناك أي إختلاف يذكر في شكل الأعضاء الجنسيّة لكل من الذكر والأنثى حتّى الأسبوع السابع أو الثامن من الحياة الجنينيّة. فكلاهما يظهران على شكل أعضاء أنوثيّة. وإذا ما كان كرومزوم الغدد التناسليّة أنثوي، فإن التطوّر يستمر حتّى تكتمل الأعضاء الجنسيّة الأنوثيّة. ولكن إذا ما كان كرومزوم الغدد التناسليّة ذكوري، فعنده يحدث تحوّل كبير في تلك الأعضاء تحت تأثير الهرمونات حتّى تظهر في مظهر أعضاء جنسيّة ذكوريّة. فإن الشفرين الكبيرين يلتحمان ليكوّنا الصفن (كيس الخصيتين) ثم تنتقل الخصيتين من جوار الكلية إلى ذلك الكيس قَبل الولادة بفترة قصيرة بداية بالخصية اليسرى ثم تلحقها الخصية اليمنى. كما يلتحم الشفران الصغيران ليكوّنا غلاف القضيب. وهكذا يبدأ تغيير في المظهر الخارجي من مظهر أنوثي إلى مظهر ذكوري. ووحدة الأصل في الأعضاء الأنوثيّة والأعضاء الذكوريّة تظهر في كون نهاية الأعصاب في غلفة البظر وغلفة القضيب متشابهة تماماً [42] .

فالغلفة عضو سليم إعتيادي طبيعي متواجد عند الذكور والإناث على السواء لدى «الحيوانات الأوّليّة» والتي تضم الإنسان وغير الإنسان (مثل القردة) منذ 65 مليون سنة على الأقل [43] . فكيف يمكن والحالة هذه أن تعتبر عضواً زائداً؟ وعلى أي أساس يمكن إعتبارها زائدة ما دام أن الكل عندهم غلفة؟ والقول بأن الغلفة زائدة هو تعبير عن جهل بوظيفتها. فالغلفة لم تخلق عبثاً وليس لمجرّد الزينة أو الترف الجنوني من الطبيعة. فقد مدّتها الطبيعة بكمّية هائلة من الشرايين والشعيرات الدمويّة والخلايا الحسّاسة. وهي في تكوينها تشبه جفن العين. فهل هناك من يقول بأن جفن العين عضو زائد يجب إزالته؟ وما هو طبيعي لا يحتاج للقطع، بل ما هو غير طبيعي وغير إعتيادي [44] . فكما أنه لا تقطع يد ممّن عنده يدين، فكذلك لا يعقل قطع الغلفة. أضف إلى ذلك أن الغلفة عضو أحادي بخلاف اليد. فإذا ما تم بتر الغلفة، فقد الشخص عضواً وحيداً لا يعوّض، بينما لو قطعت يده، فإن بإمكانه التعويض عنها باليد الأخرى. ويشار هنا إلى أن الأطبّاء يقومون عند الولادة بفحص الطفل. فإذا ما وجدوه دون غلفة، يعتبرون ذلك تشويهاً. والغريب أنهم إذا ما وجدوا عنده غلفة قاموا ببترها معتبرين أنها عضو زائد. وإن كنّا نريد أن نعتبر تجاعيد الغلفة أمراً غير طبيعي أو زائداً فيجب في هذه الحالة أن نعتبر تجاعيد رحم المرأة أمر غير طبيعي يجب إزالتها. ولا أحد يقول بذلك.

ونشير هنا إلى أننا قليلاً ما نجد طبيباً مسلماً يتكلّم ضد ختان الذكور من منطلق طبّي، عملي. وقد يكون ذلك لاعتقادهم أن لهذا الختان أساس ديني. وقد شذّت عنهم الدكتورة نوال السعداوي التي تقول:

«لقد ثبت أن قطعة الجلد التي تقطع في ختان الذكور لها وظيفة وقائيّة فهي تحمي رأس العضو عند الذكر. كما إنها تفرز مادّة وقائيّة تسهّل الممارسة الجنسيّة. إنها مثل الغطاء لعضو مهم في جسم الذكر» [45] .

ج) الأعضاء الجنسيّة للأنثى ليست أعضاء زائدة

كما أن مؤيّدي ختان الذكور إعتبروا الغلفة عضواً زائداً، إعتبر مؤيّدو ختان الإناث كذلك الجزء الذي يقطع من الأنثى عضواً زائداً. فهذا إبن قيّم الجوزيّة يقول عن ختان الذكور والإناث بأنه من خصال الفطرة التي يتم فيها «أخذ الفضلات المستقذرة التي يألفها الشيطان» [46] .

ويقول الشيخ شلتوت إن سبب إعتبار ختان الإناث مَكرُمَة هو

«أن تلك «الزائدة» من شأنها أن تحدث عند الممارسة مضايقة للأنثى، أو للرجل الذي لم يألف الإحساس بها، ويشمئز منها، فيكون خفضها مَكرُمَة للأنثى، وفي الوقت نفسه مَكرُمَة للرجل في الفترات المعروفة» [47] .

والدكتورة نور السيّد راشد ترفض قطع البظر، لأن

«البظر هو عضو الحس الجنسي للأنثى وله أهمّية كبيرة في الجماع والمعاشرة الزوجيّة وإزالته أو إزالة جزء منه يؤدّي إلى البرود الجنسي».

أمّا فيما يخص قطع الشفرين الكبيرين، فهي ترى أن إزالتهما أو تركهما

«لا يؤثّر على العمليّة الجنسيّة، وتركهما ليس منه أي ضرر صحّي. ولذا أفضّل تركهما، لأن لهما دور هام في حماية الجهاز التناسلي للأنثى، ولأن إستئصالهما فيه تشويه لهذه المنطقة من الأنثى».

والجزء الذي تقترح إزالته، عملاً بالسُنّة، هو غلفة البظر. فهذا الغشاء، في نظرها،

«ليس له أي تأثير على المعاشرة الزوجيّة. ولذا فإن إزالته نهائيّاً لا تؤثّر على الجماع [...]. فيمكن إزالة هذا الغشاء، واستئصاله نهائيّاً دون إلحاق أي ضرر بالبظر وذلك بقصّه دائريّاً حول البظر عند طبيب متخصّص» [48] .

وهذه النظرة للأعضاء التناسليّة عند المرأة لا توجد فقط بين المسلمين، فقد قالت مجموعة من مدرسة الطب في جامعة هارفارد الأمريكيّة في تقرير لها عام 1966: «إن البظر ليس ضروريّاً لحياة جنسيّة إعتياديّة» [49] . وتذكر الدكتورة نوال السعداوي أنها درست التشريح من «كتاب إنكليزي إسمه كانيجهام. وهذا الكتاب يستأصل عضو المرأة من علم التشريح باعتباره بلا فائدة مثل الزائدة الدوديّة. وقد ورثنا هذا الإتّجاه المتخلّف في التعليم الطبّي عن الإنكليز» [50] . وقد أجرت هذه الدكتورة بين عام 1973 و1974 بحثاً على 160 بنت وسيّدة مصريّة. وكانت إحدى تلك البنات طالبة في السنة الأخيرة في الطب. وكانت إجاباتها مشابهة تماماً لإجابات البنات الأمّيات. وقد شرحت لها بأنها لم تتعلّم بتاتاً خلال دراستها تركيب البظر ووظيفته، لا من أساتذتها ولا من الكتب التي تدرسها. وعندما سأل أحد الطلبة أستاذه عن البظر، إحمر وجه هذا الأخير وأجابه بأنه لن يسأله أحد في الإمتحان عن هذا الموضوع حيث إنه غير مهم [51] .

ويرفض معارضو ختان الإناث هذه الأقوال. فنقرأ في كتاب «مفاهيم جديدة لحياة أفضل»:

«لا يمكن القول بأن أعضاء التأنيث زوائد، لأنه لم تولد أيّة بنت آدميّة بدون هذه الأعضاء. رغم ذلك تقول بعض السيّدات أن هناك بنات يولدون بدون هذه الأعضاء لأن الملائكة قد قاموا بختانهن «طهارة ملائكة». وقد أكّدت إحداهن أنها سمعت طفلتها المولودة تصرخ ثم وجدتها ملوّثة بالدم وفسّرت هذا بأنه من آثار ختان الملائكة للبنت».

وبعد أن أوضح الكتاب أن مثل هذا النزيف يحدث لبعض المواليد الإناث بسبب إنخفاض هرمون الأنوثة في دمهن بعد إنفصالهن عن أمّهاتهن، يضيف:

«كشأن جميع أعضاء الجسم يتفاوت حجم أعضاء التأنيث الخارجيّة من بنت لأخرى دون أن يعني صغرها الشديد أنها غير موجودة (حتّى لو لم تلاحظها الأم) أو يعني وصولها إلى حجم أكبر أنها زوائد قذرة ضارّة. فهي في كل الأحوال أعضاء هامّة لصحّة البنت كأي عضو آخر في جسمها» [52] .

هذا وسوف نرى عند تحدّثنا عن المضار الصحّية والجنسيّة للختان بأن الأعضاء الجنسيّة التي تبتر في الذكور والإناث لها وظيفة صحّية وجنسيّة هامّة.

3) الإعتبارات الكامنة وراء تتفيه ختان الذكور أو الإناث

أ) الإنسان عدو ما يجهل

الذين يدينون ختان الإناث يفعلون عامّة ذلك دون أن يخطر في بالهم إمكانيّة المقارنة بينه وبين ختان الذكور. لقد أعمت الدعاية الغربيّة عقولهم إلى درجة نسيانهم أن ختان الذكور هو أيضاً عمليّة بتر. وإذا ما واجهتهم في هذا الأمر، يحاولون تبرير أنفسهم بتخمينات صطحيّة تشف عن جهل تام في موضوع ختان الذكور. وقد بيّنت محادثاتي مع كثير من مناهضات ومناهضي ختان الإناث لسنين طويلة بأنهم لم يدرسوا بتاتاً ختان الذكور. فهم يجهلون أن ختان الذكور يتم على درجات مختلفة. وعامّة الناس الذين يرفضون ختان الإناث يجهلون حتّى وجود درجات مختلفة من ختان الإناث. وهذا الجهل تساهم فيه وسائل الإعلام التي لا تبيّن تفاصيل العمليّتين. وقد إختبرت أن حواراً شخصياً لمدّة أقل من عشر دقائق مع المثقّف والجاهل يكفي لكي يعترف المستمع بأنه كان يجهل التفاصيل، وأنه غرِّر به، وأنه وقع ضحيّة ألاعيب وخداع قُوى خفيّة سيطرت على مخّه ومنعته من التفكير.

وسوف نرى في الفصول اللاحقة من هذا الجزء والجزء اللاحق أن هناك أسباب طبّية واجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة وراء ختان الذكور والإناث. ووراء هذه الأسباب يمكن للمرء أن يكتشف إعتبارات أخرى خفيّة لا يباح بها عامّة. ونكتفي هنا بذكر أربعة منها: الدينيّة والجنسيّة والنفسيّة والتكتيكيّة.

ب) الإعتبارات الدينيّة

مؤيّدو ختان الذكور قد نموا في محيط أثّرت عليه أفكار دينيّة تعتبر الغلفة عضواً نجساً والعلامة التي تميّز شعب الله المختار من «الغوييم» عند اليهود، والمؤمن من «الكافر» عند المسلمين، أو مخبأ الشيطان كما يقول إبن قيّم الجوزيّة. ولهذا السبب لم يعطوا ذلك العضو الأهمّية العلميّة الضروريّة، تماماً كما لا يدرس محرّمو الخنزير هذا الحيوان في كلّيات البيطرة. وقد أدّى هذا الفكر بأتباعه إلى درجة رسم العضو التناسلي للقضيب في كتب التشريح دون غلفة. فهم لا يحتملون حتّى رؤيتها مرسومة على الورق، ويحاولون بكل السبل إزالتها من مخيّلتهم ومن مخيّلة طلاّب الطب فلا يسألون عنها. كما يحاولون إقناع الأهل بأنهم مهما كان قرارهم لن يغلطون، فقطع الغلفة وإبقاؤها سواء. فالمعتقدات الدينيّة قد أدّت إلى تعتيم من قِبَل البعض وجهل من قِبَل الآخرين. ومن المعروف أن الإنسان عدو ما يجهل. وليس من صالح رجال الدين الشك والتشكيك في معتقداتهم. فيقومون بالدعاية للختان لمن يتقبّل منهم، أو السكوت عنه أمام من قد يستغرب من أمرهم، أو يحاولون لفت إنتباههم وتحويل إهتمامهم إلى ختان الإناث.

ج) الإعتبارات الجنسيّة

الختان، كغيره من الموضوعات المتعلّقة بالجنس، من المحرّمات. فلا يتطرّق لها الفرد إلاّ بحذر كبير وبروح من الدعابة لإخفاء الحرج. وهذا هو أحد أسباب الجهل الذي يحيط بالختان. فبسبب إنتشار الختان في الولايات المتّحدة حيث يمارس في الأيّام الأولى من الولادة، هناك كثيرون لا يعرفون ما هو الفرق بين المختون وغير المختون، ولا يعرفون أصلاً ما إذا كانوا مختونين حتّى ولادة أوّل طفل لهم فيعاينون الفرق بينهم وبين طفلهم، فيواجهون بسؤال الختان. يضاف إلى ذلك أن أكثر الكتب التي تتكلّم عن الثقافة الجنسيّة الموجّهة للطلاّب أو للأهل في الولايات المتّحدة لا تتعرّض لموضوع الختان بتاتاً. وإن عرض رسم للقضيب، فهذا العرض يكون لقضيب مختون وكأنه القضيب الطبيعي، ممّا يسهّل إقناع الأهل بأن القضيب غير المختون مع غلفته البائنة هو قضيب مشوّه. وإذا ما عرض قضيب غير مختون، يشار إلى ذلك بأنه مصاب بـ«ضيق الغلفة». ولذا لا عجب إن إعتبر الأطبّاء القضيب المختون هو القضيب الطبيعي. ويتحاشى الكثيرون ذكر كلمة القضيب حتّى في التدخّلات العمليّة أو من قِبَل المحامين الذين يدخلون قضايا متعلّقة بالقضيب. فكيف بالأحرى التكلّم عن الختان الذي هو تشويه للقضيب [53] .

د) الإعتبارات النفسيّة

محاولة تتفيه ختان الذكور عند المختونين قد يكون بسبب عدم معرفة لما يمكن أن يكون عليه الوضع عند غير المختونين، أو بسبب غيرتهم منهم. كما قد يكون لكبت ما يعانون منه حتّى لا يحسّون أنفسهم بأنهم ناقصون. فكثير من الأطبّاء لم يتمكّنوا أن يعيشوا بسلام داخلي مع أنفسهم أو لم يكونوا صريحين مع أنفسهم في تقييم وضعهم الجنسي. ولذلك فمن الصعب التكلّم معهم عن المواضيع الجنسيّة [54] . وهناك مثل بليغ يقول: «لا تتكلّم عن الحبل في بيت مشنوق». وما يقال عن المختونين يمكن أن يقال عن شريكاتهم. فالتشكيك بالختان طعن في رجولة شريكهن. وهذا ما لا تحمد عواقبه.

ويشير البعض إلى أن عدم الإهتمام بختان الذكور، على العكس من ختان الإناث، قد يكون نتيجة الثقافة التي تربط بين الرجال والقسوة والألم. فالرجال يرسلون للحرب بصورة روتينيّة بينما لا يمكننا أن نفكّر بإرسال النساء للحرب. ومنظر رجل يضرب في فلم من قِبَل رجل آخر لا يؤثّر فينا كضرب إمرأة [55] .

هـ) الإعتبارات التكتيكيّة

لا شك في أن النساء ساهمت وتساهم في النضال ضد ختان الذكور، لا بل هي رأس حربة هذا النضال كما سنرى في القسم القانوني. إلاّ أن هناك حركات نسائيّة متقوقعة على ذاتها تحاول «لم النار على قرصها»، متجاهلة ختان الذكور إمّا عن جهل أو عن بغض للرجال. فقد يكن قد أغتصبن من رجال أو عانين الظلم منهم. وقد يكون ذلك نتيجة خبث. فيجب أن لا ننسى في هذا المجال أن وراء الحركة النسائيّة المناهضة لختان الإناث أموالاً طائلة تصرف. وليس من صالح تلك الحركات إقتسام تلك الأموال مع الرجال. وهي ترى أنه من غير الممكن أو ليس من الحِكمة جمع ختان الذكور والإناث في نفس الكفاح. ومن الأسهل تكريس الكفاح ضد عادات الغير (ختان الإناث عند الأفارقة) من النظر في عيوب الذات (ختان الذكور عند الغربيّين) وهذا يقلّل خطر فقدان الدعم والإتّهام بمعاداة الساميّة [56] .

ونحن نجد شبيهاً لهذه الظاهرة عند اليهود الذين يصوّرون تاريخهم وكأنهم كانوا دائماً ضحيّة الإضطهاد وأنه لا يوجد شعب في العالم لاقى ما لاقوه من سوء المعاملة. فيستخفّون بآلام الغير، ويستنكرون مطالبتهم بتعويضات على غرار مطالب اليهود. فمعارضات ختان الإناث لهن منطق لا يختلف عن منطق اليهود. فهن يركّزن عامّة على ختان الإناث بأشد صوره لجذب الإنتباه واستدرار الترحّم من العامّة. ونحن لا ننكر أن اليهود قد عانوا الإضطهاد في تاريخهم، ولكن موقفهم هذا من الغير يصب في خانة الأنانيّة والعنصريّة ويخالف الحقيقة التاريخيّة. ونحن لا ننكر أن ختان الإناث عمليّة مؤلمة، ولكنّنا نرى أن تتفيه ختان الذكور من قِبَل معارضي ختان الإناث هو أيضاً نوع من الأنانيّة والتمييز الجنسي ويخالف الحقيقة الطبّية. وتصرُّف الحركات النسائيّة في هذا الخصوص، جهلاً أو عمداً، لا يرقى إلى مستوى المسؤوليّة. فليس من العدل إجحاف الذكور حقّهم بقصد تقديم قضيّة النساء. فحقّي لا يلغي حق الغير ولا يجب أن يلغيه. وألمي لا يلغي ألم الغير ولا يجب أن يلغيه. أضف إلى ذلك أن التغاضي عن ختان الذكور لا يخدم مصلحة النساء التي تريد إلغاء ختان الإناث، لترابط الختانين. ولنا عودة إلى هذه النقطة لاحقاً.

الفصل الثالث: الآلام الناتجة عن ختان الذكور والإناث

1) الألم غير الضروري مخالف للأخلاق

تعريض الغير للألم مخالف للأخلاق وللقاعدة الذهبيّة التي تقول: «لا تفعل لغيرك ما لا تريد أن يفعله الغير لك». وإذا ما كان هناك سبب لإباحة، مثل التدخّل الطبّي لإنقاذ حياة المريض، فإن الألم يجب أن يكون بأقل قدر ممكن. وعلى قدر الإمكان، يجب محاولة تخفيف الألم بواسطة التخدير الموضعي أو الشامل، أو باللجوء إلى وسائل ترويحيّة أخرى أقلّها إشعار الشخص المتألّم بنوع من الشفقة والحنان والمواساة وعدم إستفزازه وعدم التلذّذ بألمه وعدم إظهار البهجة أو الرقص على جراحه. كما يجب تفهيمه ما يجرى له وأن ذلك لمصلحته حتّى لا يشعر بأن هناك مؤامرة تحاك ضدّه.

وعمليّة ختان الذكور والإناث تدور في حقيقة الأمر بخلاف كل ذلك. فهي تتم في الأكثريّة الساحقة دون سبب طبّي، على عضو سليم، وفي أكثر الأحوال دون تخدير. وبينما يصرخ الطفل، يقوم الأهل والحضور بمظاهر البهجة وكأنهم يشمتون به حتّى وإن أحاطوه ببعض الدفء العائلي. والطفل لا يمكنه أن يفهم أن ما يجري له هو لصالحه رغم ما قد يدَّعيه الأهل.

يشرح طبيب أمريكي التناقض الذي يعيشه المجتمع الأمريكي. فمن جهة يحرص على معاملة الوليد بلطف لإشعاره بأنه مقبول بمحبّة. فينصح بتخفيض الضوء وتجنّب الضوضاء من حوله. وما هي إلاّ أيّام حتّى يؤخذ الطفل من أمّه ويربط على لوحة ويعرّى ويسلّط الضوء عليه وتجرى له عمليّة جراحيّة دون مخدّر. وحتّى إن أستُعمِل مخدّر فإن تأثيره المسكّن ينتهي بعد ساعة أو ساعتين ثم يعود الطفل للإحساس بالألم، ويصعب تفادي ملامسة قضيبه المجروح، فكل حركة تؤلمه. ولا يشفى الجرح قَبل عشرة أيّام إلى أسبوعين [57] .

هكذا يتحوّل الختان إلى مسرحيّة مبكية مضحكة في آن واحد. وشر البليّة ما يضحك. ولكن المأساة هي محاولة مؤيّدي ختان الذكور تبرير أنفسهم بأن الطفل لا يحس بالألم، أو بألم بسيط سرعان ما ينساه. وقد دار جدل كبير في الأوساط العلميّة حول مدى شعور الطفل بالألم وحول إستعمال التخدير لتخفيف ألم الطفل.

2) عدم إحساس الطفل بالألم أو عدم إحساس الغير بألمه؟

أ) إنكار إحساس الطفل بالألم

لا أحد يشك في أن ختان الذكور والإناث إذا ما تم بعد سن التمييز عمليّة مؤلمة. وعندما تتكلّم النساء في مصر عن يوم الختان تصفه «باليوم الأسود». ويحاولن تفادي التفكير به: «ما تفكرينيش بيه لأن كل ما أفكّر جسمي يقشعر وأخاف. فقد أخذوني من الدار للنار كأني رايحة لقدري» [58] . وختان الإناث يتم عامّة بعد سن التمييز إمّا لصعوبة مسك الأعضاء الجنسيّة عند الطفلة أو حتّى تتذكّر الألم لأن الختان رسالة لتحذيرها من هذا الجزء من جسمها. أمّا ختان الذكور، فهناك توجّه عام ومتزايد نحو ممارسته في الصغر، للإعتقاد في أنه كلّما كان الطفل أصغر، كلّما كان ألمه أقل، ولأنه لو ترك دون ختان حتّى يكبر فقد يتمرّد ويرفض هذه العمليّة.

يقول موسى بن ميمون إن الشريعة اليهوديّة وضعت الختان على الصغير لأنه في هذا السن «لا يتألّم كتألّم الكبير للين جلده، ولضعف خياله، لأن الكبير يستهول ويستصعب الأمر الذي يتخيّل وقوعه قبل أن يقع» [59] . وقد ردّد الموهيلون اليهود قول إبن ميمون عبر العصور. فعندما سئل الحاخام والموهيل «جارتنير» هل يعتقد فعلاً أن الأطفال أقل إحساساً في ذاك العمر، أجاب: «بالتأكيد. لقد أجريت عدّة مئات من عمليّات الختان وفي كثير من الأوقات لم أسمع أي صوت من الطفل. وهو يصيح فقط عندما تفتح رجليه. فهو لا يحب أن يمسك» [60] . والحاخام والموهيل «فايس» يقول: «إن الختان ليس مؤلم وهو يشبه ذهابك للحلاّق لقص شعرك». وخبير وموهيل يهودي إسمه «رمي كوهن» الذي أجرى آلاف عمليّات ختان خلال 17 سنة يقول: «إن الختان ليس مؤلماً بتاتاً، فالشريعة اليهوديّة حريصة على عدم إحداث صدمة للطفل» [61] .

وقد حاول البعض وضع النظريّات تأييداً لمقولة إبن ميمون. فهم يرون أن الطفل لا يتمتّع بجميع الحواس، ولا يشعر بالألم كما يشعر البالغ، ودماغه لا يمتلك القدرة على التذكّر لما يجري له، فهو سريع النسيان. ولذلك لا يؤثّر عليه أي تصرّف يقع عليه. فلا يكاد أن يكون هناك إختلاف كبير بينه وبين النباتات، حسب قول طبيب أمريكي في القرن الماضي [62] . وقد أدّى هذا الإعتقاد إلى إجراء عدّة تدخّلات جراحيّة على أطفال دون تخدير، أهمّها عمليّة الختان. وقد وصل الأمر إلى أن تقر الأكاديميّة الأمريكيّة لطب الأطفال لعام 1999: «إن هناك براهين كثيرة بأن الأطفال يبدون تجاوباً جسديّاً خلال الختان دون تخدير ممّا يوحي بأن الطفل يشعر بالألم والقلق الجسدي» [63] . وكأن الأمر يحتاج إلى برهان!! وهذا يبيّن أن إحساس الطفل بالألم لم يكن بديهياً في عقول الأطبّاء الأمريكيّين! فقد تطلّب الأمر إجراء دراسات لإثبات ذلك! ورغم ذلك، ما زال يتردّد على ألسِنة رجال الدين ورجال الطب بأن الختان عمليّة غير مؤلمة!

وقد ذكر الدكتور «فلايس» بأنه أجرى مئات من عمليّات الختان. وكان خلال ذلك منصباً على العمليّة، معتقداً أن ما يعمله هو الصحيح. ولم يكن يسمع صراخ الطفل لأنه تعلّم في كلّية الطب بأن الطفل لا يحس بالألم ولا يتذكّره. غير أنه صدم يوماً بصراخ طفل بقي عالقاً في ذهنه فلم يعد يختن الأطفال: «لقد تبيّن لي حينذاك بأني كطبيب أطفال علي أن أدافع عنهم وأحميهم، وختانهم هو خيانة لقانون الأخلاق الطبّية» [64] . وما زال الأطبّاء المؤيّدون للختان يردّدون مقولة إبن ميمون حتّى في المجلاّت العلميّة، دون تعليق من قِبَل رئيس التحرير أو المحقّقين. فقد كتب الطبيب اليهودي «فايس»، وهو من مؤيّدي الختان الجماعي: «إن إثارة موضوع الألم عند الأطفال حديثي الولادة لا مبرّر لها [...]. فالدراسات تبيّن أن وسائل الإحساس عنده ضعيفة. وهذا يبيّن عدم ضرورة إعطاء التخدير قَبل بلوغه عشرة أيّام» [65] .

ونجد مثل هذه الأقوال أيضاً عند الأطبّاء المسلمين. يقول الدكتور أحمد خفّاجي، وهو طبيب مصري: «كلّما أسرعنا بختان الذكور في وقت مبكّر من حياتهم كلّما كان هذا أفضل لهم. فالأطراف العصبيّة المسؤولة عن الإحساس بالألم لا يتم نموّها إلاّ بعد حوالي ستّة أشهر من الولادة» [66] .

ب) هل يحس الطفل بالألم؟

ولكن ما هي الحقيقة؟ هل يحس الطفل بالألم؟ للإجابة على هذا السؤال يجب البحث عمّا إذا كان الطفل يتمتّع بحواسه الخمس مثل الكبير أم لا.

يتمتّع الطفل بحاسّة اللمس ويتفاعل إيجابيّاً عند لمس جلده. فيزداد وزنه. ولذلك ينصح عامّة أن يضع الطفل أكثر وقت ممكن في أحضان أمّه. وهو يحس بتغيّر الحرارة. وهذا ما يحدث عندما يتم نقله من فراشه الدافئ إلى سرير آخر بارد لإجراء عمليّة الختان.

وحاسّة السمع عند الطفل متطوّرة. فهو يفرّق بين صوت إعتاد عليه كصوت أمّه وصوت غريب عليه، كما يتعرّف على الجهة التي يصدر منها الصوت. وهو يتفاعل مع حدّة الأصوات التي تصل إلى أذنيه. كما يتعرّف على صوته. فإذا ما أعيد عليه تسجيل صراخه يسكت. وقد تبيّن أن ثمانية من عشرة أطفال يفضّلون الإستماع لصوت أمّهم ممّا لصوت آخر. وبعضهم يتعرّف على صوت أبيهم إذا تكلّم معهم وهم في بطن أمّهم بصوت هادئ وكلام بسيط. وخلال عمليّة الختان يسمع الطفل أصواتاً غريبة عليه أو لا يسمع أي صوت.

ويتمتّع الطفل بحاسّة النظر منذ صغره، وتتطوّر هذه الحاسّة خلال الأشهر الأولى من حياته. ويرى الطفل حديث الولادة على مسافة 8 إلى 12 بوصة وهي المسافة التي تفصله عن وجه أمّه خلال الرضاعة. ويختلف نظر الطفل إلى الوجوه عن نظره إلى الأشياء الجامدة. فيحرّك ذراعيه ورجليه ويصدر مزيداً من الأصوات. ويتأثّر من رؤيته للأشخاص أو الأشياء، فيصرخ أو يكف عن الصراخ. وفي عمليّة الختان يلاحظ أن الطفل يغلق عينيه بشدّة موضّحاً بأنه يرفض رؤية ما يحدث له.

ويتمتّع الطفل بحاسّة الشم كما عند البالغ. فهو يبتسم إذا قدّم له رائحة العسل، ويمتعض من شم رائحة البيض الفاسد فتتغيّر ملامحه وضربات قلبه وحركات يديه ورجليه. وهو يفرّق بين رائحة حليب أمّه وحليب مأخوذ من إمرأة أخرى. وفي عمليّة الختان يشعر الطفل بالروائح الغريبة النابعة من غرفة العمليّات والتي لم يتعوّد عليها.

ويتمتّع الطفل بحاسّة الذوق تماماً كما يشعر البالغ. فملامحه تختلف حسب المواد التي تضع على لسانه. فيبتسم إذا وضع سكر على لسانه، ويعبّس إذا وضع ماء الكينين. وفي الختان حاسّة الذوق لا تتفاعل إلاّ إذا تقيأ الطفل [67] .

ويتفاعل الطفل مع وضعه. فهو ليس حجراً أصمّاً. وقد قسّمت تصرّفاته إلى ست حالات: ثلاثة في حالة اليقظة (الهدوء والحركة والصراخ)، واثنتين في حالة النوم (النوم النشط والنوم الهادئ)، وحالة بين النوم واليقظة (حالة النعاس). والطفل يبتسم ويبكي ويفرح ويغضب ويشمئز ويحزن ويخاف مثله مثل الكبير. وهو يعبّر عن ذلك من خلال ملامح وجهه وحركات يديه ورجليه. ويختلف صراخه حسب حاجته. فقد يكون حادّاً أو عميقاً، قصيراً أو طويل المدى. وفي الختان عامّة يكون الطفل في حالة صراخ يعبّر عن القلق والكرب. والطفل يتحرّك حسب وضعه. فعندما يرى أمّه يتحرّك بصورة مختلفة عن حركته عندما يرى لعبة أو شخص آخر. وفي الختان يتم ربط الطفل فتشل حركته ويمنع من التعبير الطبيعي عن حالته. وشفتاه لا تتحرّك بصورة طبيعيّة عند الصراخ الناتج عن ربطه [68] .

والطفل شخص نشيط يتطلّع للتعلّم ويستوعب الدروس بسرعة وبسرور. فهو يبتسم عندما يتمكّن من السيطرة على شيء في محيطه. ويعرف في أي إتّجاه يدير رأسه ليأخذ مكافأة. وهو ينتظر المكافأة ويغضب إذا لم يحصل عليها. والطفل الذي يحصل على مكافأة دون تعلّم تصرّف يملى عليه لا يتعلّم ذاك التصرّف بعد حصوله على المكافأة. وهو يتعرّف على وجه أمّه خلال الدقائق الأولى من ولادته. ويتصرّف بصورة مختلفة إذا لبست أمّه قناعاً أو سكتت خلال إرضاعه. وهو يحاكي غيره فيخرج لسانه ويفتح فمه إذا ما قام غيره بفعل ذلك أمامه. وهو يصرخ لنداء أمّه، وإذا لم تستجب له يدخل في حالة من القلق والكآبة. وهذا ما يحدث في الختان [69] .

والتعلّم يفترض الذاكرة. والطفل يتذكّر بعض المثيرات التي يتعرّض لها وهو داخل بطن أمّه. فسماعه موسيقى معيّنة خلال الحمل يجعله يتعرّف عليها بعد ولادته إذا أعيدت عليه كما يظهر من حركاته ودقّات قلبه. والتغيّرات التي تحدث على الطفل بعد الختان توضّح أنه يتذكّر ما يحدث له [70] .

ويشعر الطفل بالألم ويؤدّي ذلك إلى تغيّر في حركاته وأعصابه وكيمياء أعصابه وضربات قلبه وتنفّسه. وقد بيّنت الأبحاث أن شعور الطفل بالألم يوازي ألم البالغ إن لم يكن أكبر منه. فإذا ما قام الطبيب بخرز إبرة في رجل الطفل فإن الطفل يحاول إبعاد يد الطبيب بساقه الأخرى الطليقة الحركة. وحتّى إذا لم يظهر على الطفل ألم بسبب تناول أمّه للمخدّرات قَبل الولادة، فهذا لا يعني أن الطفل لا يحس بالألم. وتعتبر عمليّة الختان أكثر العمليّات إيلاماً للطفل بعد الولادة. ويبيّن ذلك إرتفاع دقّات القلب بنسبة 50% من معدّلها الإعتيادي وارتفاع مستوى الكورتيزول إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف مستواه قَبل الختان. وهذا هو الهرمون الذي يسري في الدم في حالة الكرب. ويدل على الألم شدّة الصراخ ونوعيّته [71] .

وتشير طبيبة نفس يهوديّة معارضة لختان الذكور أن البعض يرى أن ختان الذكور عند اليهود غير مؤلم على خلاف ختان المسلمين لأنه يتم في الأيّام الأولى. وهذا تعبير عن الإعتقاد بأن الطفل لا يتألّم. ولكن البحث الطبّي يبيّن أن هذا الإعتقاد غير صحيح. فالأطفال يحسّون بالألم أكثر من غيرهم من الصبيان والبالغين الأكبر سنّاً. وبالإضافة إلى ذلك، لا يملك الطفل الأعصاب المثبطة للألم التي قد تحميه منه بعكس الأكبر سنّاً. لا بل إن كلّما كان الطفل صغيراً، كلّما كان الألم أكبر لأن الغلفة في الصغر غير منفصلة عن الحشفة ولا يمكن إرجاعها للخلف إلاّ بنسبة 4% من الأطفال. وهذا يعني أن 96% من الأطفال اليهود سوف يتعرّضون ليس فقط للختان بل للشد القصري والمؤلم للغلفة إلى الخلف حتّى يمكن قطعها. بينما لو إنتظرنا حتّى سن الثالثة، فإن 10% فقط من الأطفال سوف يتعرّضون للشد القصري للغلفة. وترفض هذه الطبيبة إدّعاء البعض أن الألم الواقع على الطفل لا يدوم أكثر من بضع ثوان ثم ينساه الطفل. والحقيقة هي أن الطفل قد يدمي ويتألّم من العمليّة لعدّة أيّام بعد الختان [72] .

ج) لماذا لا يحس رجال الدين والطب بألم الطفل؟

لماذا ينكر الحاخامات والأطبّاء الذين يقومون بالختان ألم الطفل؟ وهل صحيح أنهم لا يسمعون صراخ الطفل؟ هناك عدّة تفسيرات:

- قد يصاب الطفل خلال الختان بصدمة فيدخل في حالة غيبوبة أو شبه غيبوبة، ممّا يشل مشاعره وحركته.

- يكون بعض الأطفال تحت تأثير المخدّرات التي أعطيت لأمّهاتهم عند الولادة فتسرّبت إليهم من خلال حبل الوريد. أي أن كثيراً من الأطفال يلدون في حالة تخدير. فهذه المخدّرات تؤثّر في علاقة الطفل مع أمّه إذ يبتسم قليلاً ويصبح حاد المزاج. وقد لوحظ أن تلك المخدّرات قد تترك أثراً حتّى على البالغين لمدّة سنة [73]

- قد ينبع إنكار رجال الدين ألم الطفل من محاولة لتغطية إحساسهم بالذنب من إيلامهم للأطفال [74] .

- قد يتظاهر الخاتن بعدم ألم الطفل كذباً ويحاول إقناع الأهل بذلك لأنه يخاف من تراجع عمليّات الختان إذا ما إكتشف الأهل أن أطفالهم يتألّمون. فقد ذكر كتاب أمريكي لتدريس التمريض لعام 1976 بأن على الممرّضة أن تطمئن الأم بأن عمليّة الختان ليست مؤلمة وأن الطفل يبكي من الضيق والرباط وليس من الألم [75] .

- قد يكون الخاتن فاقد الإحساس، أو حسب التعبير العامّي «متمسح»، أي أنه كَّون حماية خارجيّة مثل جلد التمساح. فمهما تنخزه فهو لن يحس. وهذه ظاهرة معروفة عند العالم والجاهل. فالجزّار الذي يذبح عدداً كبيراً من الحيوانات ينتهي بعدم سماع صوتها، بينما قد يمتعض شخص يحضر ذبح حيوان لأوّل مرّة، ويشفق على الحيوان، ويلوم الجزّار على قساوة قلبه. ومن فقد الشعور لن يقبل بأي نقاش مهما كانت البراهين العمليّة التي تقدّمها له. فالإحساس واعز مهم للوصول إلى المعرفة. وعدم الإحساس هذا يؤدّي إلى عدم فتح النقاش حول الختان بين الأطبّاء [76] .

- هناك الإعتبارات الفئويّة. فالأشخاص يحدثون ألماً أكبر على الغير كلّما كانوا في مجموعة ممّا لو كانوا وحدهم. وبما أن الأطبّاء يعرفون أن الأهل وزملاءهم في المهنة موافقون على الختان، فإنهم لا يتردّدون في البتر وإيلام الطفل. وهناك تأثير السلطة الطبّية. فالطبيب الذي يجري الختان لأوّل مرّة يقوم به تحت إشراف طبيب مدرّب أكثر خبرة منه. ولذا فهو يتخلّى عن مسـؤوليّة إتّخاذ القرار ذاتياً وينفّذ العمليّة طاعة لأوامر الطبيب المدرّب. وهو لا يقصد التأليم، بل ينفي وجود الألم ويغش نفسه للمضي قدماً في العمليّة. وبعد أن يقرّر الطبيب إجراء العمليّة، فإنه يصعب عليه الرجوع إلى الوراء لأن ذلك يعني أنه يستنكر ما قام به أوّلاً. وعندها يوهم نفسه أنه لا يؤلم الطفل. ويشار هنا إلى أن الذين شاركوا في إقتراف الفظائع في حرب فيتنام أنكروا بعد ذلك أنهم إقترفوا تلك الفظائع. وهكذا الأمر فيما يخص الختان [77] .

هذا وقد سأل إستطلاع للرأي أجري في الولايات المتّحدة عام 1998 عمّا إذا كان الأطبّاء غير منزعجين من إجراء عمليّة الختان. فكان الجواب أن 13% منهم فقط كان دائماً منزعجاً، وأن 38% كان منزعجاً في بعض الأحيان، وأن 43% منهم قال بأنه لم يشعر بتاتاً بالإنزعاج. وهذا يعني أن الأطبّاء قد تخلّوا عن مشاعرهم في هذه العمليّة، فأكثرهم يجرون تلك العمليّة دون تخدير و53% منهم يعتقد أن ضررها أكبر من فوائدها. وهذا يعني أن الأطبّاء يقومون بها دون أي إهتمام ولأسباب غير عقلانيّة محاولين تقديم تبريرات لعملهم مع معرفتهم بأنهم سوف يحصلون على أجرهم في آخر المطاف [78] .

د) لماذا لا يحس الأهل بألم الطفل؟

والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الأهل يجهلون فعلاً أن الختان عمليّة مؤلمة؟ وإذا كانوا لا يجهلون ذلك، فلماذا يسلّمون أطفالهم للأطبّاء أو غير الأطبّاء لكي يختنوهم؟

قديماً حاول موسى بن ميمون إعطاء إجابة على هذا السؤال. فهو يرى أن فرض الشريعة اليهوديّة الختان على الصغار سببه هو:

«إن الصغير يتهاون والده بأمره عند ولادته لأنه لم تتمكّن إلى الآن الصورة الخياليّة الموجبة لمحبّته عند والديه، لأن تلك الصورة الخياليّة إنّما تزيد بالمباشرة، وهي تنمو مع نموّه ثم تأخذ في الإنحطاط والإغماء أيضاً، أعني تلك الصورة الخياليّة. فإن ليس محبّة الأب والأم للمولود عندما يولد كمحبّتهما إيّاه وهو إبن سنة، ولا محبّة إبن سنة كمحبّة إبن ست. فلو ترك سنتين، أو ثلاث، لكان ذلك يوجب تعطيل الختان لشفقة الوالد ومحبّته له. وأمّا عند والديه فتلك الصورة الخياليّة ضعيفة جدّاً، وبخاصّة عند الوالد الذي هو المأمور بهذه الفريضة» [79] .

وقد ذكرت ممرّضة أمريكيّة أن نظام الولادة في المستشفى يضعف من محبّة الأم لابنها إذ إن الطفل لا يترك طويلاً مع أمّه. فتفقد السيطرة عليه ولا تشعر بالحنان الكافي نحوه. لذا فهي ليست قادرة على حمايته من تعدّي الأطبّاء عليه [80] . وصراخ الأطفال في الحضانة بعيداً عن أمّهاتهم كان يفسّر في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين بأنه مفيد للرئتين. وما يقوم به اليهودي هو في عينيه أمر إعتيادي. ويجب أن يكون متمتّعاً بقدر كبير من الشجاعة حتّى يعترف بأنه تعرّض للضرر وأن أهله قد غلطوا ولا يريد أن يفعل ذلك لابنه [81] .

ويجب أن لا ننفي أن الختان الديني يصاحبه نشوة دينيّة لها تأثير المخدّر على الأهل والحضور. فتحت تأثير النشوة الدينيّة كان عبدة بعض الآلهة يبترون أعضاءهم الجنسيّة بأيديهم. وفي أيّامنا يقوم الشيعة بجلد أنفسهم بسلاسل من حديد وبشق رؤوسهم بالسكاكين حتّى يدمون في ذكرى عاشوراء. كما أن بعض المسيحيّين الفيليبيين يرضون بأن يصلبوا في ذكرى صلب المسيح آملين الحصول على النعم والغفران من الله بعملهم هذا. فما بالك في الختان والضحيّة ليس الأهل بل طفل أو صبي مسكين؟

ولكن ليس من المستبعد أن يجهل الأهل ما يجرى لأطفالهم. فالطفل في المستشفى يؤخذ من أمّه وتجرى له العمليّة في غرفة منفصلة دون حضور أحد غير الطبيب والممرّضة. فقليلاً جدّاً ما يصل إلى أسماعها صراخ طفلها. وهناك أيضاً الحالة النفسيّة التي تجد الأم نفسها فيها قَبل الولادة أو بعدها بقليل. فهي تتألّم كثيراً من المخاض وفي وضع لا يسمح لها أن تحس بألم الطفل. فمن ثقلت عليه مصائبه إستخف لمصائب الغير حتّى وإن كان الغير هذا الطفل البريء [82] .

هـ) هل هناك فرق بين إحساس الذكر والأنثى بالألم؟

كرّست السيّدة الصوماليّة «واريس ديري» فصلاً من سيرة حياتها لعمليّة ختان الإناث في المحيط الصومالي الرعوي وتعطي وصفاً للآلام المبرحة التي تعرّضت لها [83] . ويبني معارضو ختان الإناث موقفهم الرافض لختان الإناث والقابل لختان الذكور على أساس أن ختان الإناث عمليّة مؤلمة على العكس من ختان الذكور الذي هو، في نظرهم، عمليّة سريعة ولا تؤدّي إلى ألم.

وحقيقة الأمر أن الألم قد يختلف بحسب درجة الختان. فقد أخبرتني سيّدات من عُمان، حيث نسبة المختونات تصل إلى 90% بأن ختان الذكور هناك أكثر ألماً من ختان الإناث. فالفتاة تذهب لتلعب مع رفيقاتها بعد ساعتين من ختانها، بينما يبقى الفتى في السرير لمدّة أسبوع بعد ختانه. والسبب في ذلك أن ختان الإناث في ذلك البلد يتم بطريقة مبسّطة جدّاً فلا يقطع إلاّ جزء صغير من غلفة البظر، دون المساس بالبظر. وقد يرى البعض أن هناك فرق بين نفسيّة الذكور والإناث. فالفتيان يتعوّدون على التدليل فيصيحون لأقل وخزة، بينما الفتيات يتعوّدن على الشقاء فلا يسمح لهن التعبير عن مشاعرهن.

وقد ذكرت الدكتورة موزة عبيد غبّاش، أستاذة علم الإجتماع بجامعة الإمارات، بأن ختان الإناث كان يجرى في بلدها بقطع الجزء الكبير من البظر وجلد الشفرتين. وتعلّق على ذلك بأن الخاتنة بعملها هذا «كانت تقوم بما يشبه التنظيف من الزوائد الجلديّة [...] ثم تضع مواد العلاج للتجفيف وخلال يوم أو يومين تتحرّك بشكل عادي». وتضيف: «وكان الثابت والمعروف أن عمليّة ختان البنت كانت أسهل بكثير من عمليّة ختان الولد» [84] .

وتقول المؤلّفة الأمريكيّة «لايتفوت كلاين» بأنها قابلت بعض النساء السودانيّات التي تدّعي بأنها تألّمت قليلاً جدّاً من الختان (الفرعوني) رغم أنه يجرى دون تخدير. وتتساءل ما إذا كان ذلك إنكار منهن أو أنهن إستطعن أن ينومن أنفسهن تنويماً مغناطيسياً فلا يشعرن بالختان. وتجيب بأن ختان الإناث يتم في جو مشحون بالفرح والهدايا والدفء العائلي. فالبنت تحاط من أقاربها ومحبّيها وتعرف بأنها ليست وحدها. والعمليّة تجرى بسرعة وسط تشجيعهم ويتم إلهائها عمّا يجرى لها [85] .

3) التخفيف من الألم

أ) معظم عمليّات الختان تتم دون تخدير

يقوم حلاّق الصحّة عامّة بإجراء ختان الذكور دون تخدير، على الصغار كما على الكبار. ونادراً ما يُستعمل المخدّر في الختان الذي يتم في الأوساط الطبّية على الأطفال حديثي الولادة. فقد تبيّن أنه في عام 1994 إستعمل 4% فقط من أطبّاء التوليد التي تقل أعمارهم عن 34 سنة المخدّر لختان حديثي الولادة. وقد لوحظ فرق بين الأطبّاء الذكور والإناث ضمن هذه الفئة: 14% أطبّاء، 20% طبيبات. ويرجع هذا المعدّل المنخفض إلى إستمرار الإعتقاد أن الختان ليس مؤلماً للطفل أو مؤلماً قليلاً فقط، أو لعدم الإهتمام بهذا الألم، أو للجهل بكيفيّة إستعمال المخدّر مع الأطفال، أو للخوف من عواقبه. وهناك حاليّاً محاولة لاستعمال المخدّر بين الأطبّاء بقصد التصدّي للحملة الرافضة للختان [86] . وعدم إستعمال المخدّر في الأوساط الطبّية قد يكون لعوامل إقتصاديّة. فالتخدير يتطلّب حضور طبيب متخصّص بالإضافة إلى الطبيب الجرّاح، وإطالة وجود الطفل في غرفة العمليّات. وهذا يعني مزيداً من التكاليف ونقص في الربح. ومن غير المستبعد أن يكون لعدم إستعمال التخدير أسباب مرضيّة ساديّة كما سنرى لاحقاً.

وبخصوص ختان الإناث، تشير المصادر المصريّة أن هذه العمليّة تجرى غالباً بدون تخدير حيث ثبت أن 77% من عيّنة البحث تمّت دون إستخدام مخدّر أو أدوية. ولم تنف أي من النساء اللواتي أجريت لهن هذه العمليّة أنها عمليّة مؤلمة [87] .

ب) الإعتبارات الدينيّة وراء عدم إستعمال المخدّر

بالإضافة إلى الأسباب السابقة، هناك إعتبارات دينيّة وراء عدم إستعمال المخدّر. نظريّاً يتوقّع الفرد أن يكون رجال الدين رحومين، وخاصّة أن كتبهم المقدّسة تدعوا إلى الرحمة. فعلى سبيل المثال يعيد علينا القرآن الكريم في كل سورة (باستثناء سورة التوبة) عبارة «بسم الله الرحمن الرحيم». ولكن حقيقة الأمر أن رجال الدين هم أقل الناس رحمة. فهم ليس فقط يشيعون بأن الطفل لا يتألّم، بل يضيفون أن الألم هو جزء من الختان.

يقول الحاخام «مائير أريك» (توفّى عام 1926) إنه محرّم إستعمال المخدّر لأنه علينا أن نعطي قيمة للألم. ففي رأيه يجب أن يحس الطفل والذي يصبح يهوديّاً بالحالة التي عاشها إبراهيم عندما ختن نفسه في عمر متأخّر. وهو يربط بين الألم وبين الإستحقاق عند الله. وهناك أيضاً من يرفض إستعمال التخدير لأنه تجديد، وكل تجديد مرفوض في الفكر الديني اليهودي التقليدي. وهناك من يرى أن الألم هو أسلوب لإشراك الطفل في عمليّة الختان، وأن تعريضه لألم بسيط هو لصالحه إذ يعطيه مناعة [88] .

ويلاحظ أن أكثر الموهيلين اليهود يجرون الختان دون تخدير. وقد برّر كاتب يهودي ذلك قائلاً أنه من غير الممكن إجراء عمليّة الختان دون ألم. فاستعمال المخدّر بحد ذاته مؤلم. ويضيف:

«في إعتقادي أن التخدير الموضعي ليس ضروريّاً، وأن إجراء العمليّة بصورة مفاجئة تقلّل التأثير النفسي عند الطفل [..]. وأعتقد أن راحة الطفل تعتمد على الوقت المطلوب لإجراء العمليّة. وأن صراخ الطفل يتناسب مع الوقت الذي يكبّل فيه الطفل. فكلّما كانت العمليّة مفاجئة سيكون تحمّل الطفل لهذه العمليّة أكبر» [89] .

ويقول طبيب وموهيل يهودي بأنه لا يستعمل أبداً المخدّر على الأطفال ولا داعٍ البتّة لمثل هذا الإستعمال. فالختان الذي يتم على طفل إبن ثمانية أيّام يؤدّي إلى ألم ضئيل جدّاً. والطفل يبكي أكثر عند مسكه ممّا عند إجراء القطع. فبعد الختان وإفلات رجلي الطفل ووضع نقطة خمر أو حليب على شفتيه، فإنه عادة يسكت. والطفل يكون في كثير من المرّات مريضاً في الليلة الأولى، ليس بسبب القطع ولكن بسبب الإحتكاك باللفائف. وعمليّة الختان ليس فيها ألم إذا ما أجريت خلال الأشهر الأربعة أو الخمسة الأولى. وأمّا إذا أجريت بعد ذلك، فتخدير موضعي يكفي. إلاّ أن بعض الأطفال الكبار يرفضون الختان ويؤخّرونه إلاّ إذا تم ذلك بتخدير تام. وعامّة تسمح القواعد الدينيّة إستعمال التخدير. ولذلك فهو لا يتردّد في اللجوء لمثل هذا التخدير [90] .

وإن لم نجد كتابات إسلاميّة في هذا المعنى، إلاّ أنه ليس نادر سماع أقوال من الأهل بأنه يجب على الصبي إثبات رجولته. والمجتمعات البدائيّة ترى أن صراخ الصبي أو الصبيّة خلال الختان يجلب العار لأهلهما كما سنرى في الجدل الإجتماعي.

ج) الإعتبارات التكتيكيّة وراء إستعمال المخدّر

يناقش معارضو ختان الذكور في الولايات المتّحدة موضوع اللجوء إلى المخدّر من وجهة إستراتيجيتهم الهادفة إلى إلغاء الختان. فمن الملاحظ أن هناك صلة بين إكتشاف التخدير عام 1846 وتزايد العمليّات الجراحيّة، ومن بينها ختان الذكور وختان الإناث على البالغين إذ لم يعد الألم حاجزاً أمام إجرائها. وعموماً بدلاً من البحث عن وسيلة أخرى لعلاج الأمراض، أصبح الأطبّاء يلجأون للجراحة لأتفه الأسباب [91] .

والسؤال المطروح هو: هل نكرّس جهدنا لتخفيف الألم أم لإلغاء الختان الذي هو سبب الألم؟ فتخفيف الألم يؤدّي إلى إسكات النقد ضد الختان. ويذكر معارضو الختان الإقتراحات التي كان قد قدّمها بعض البيض لكي يعامل أصحاب العبيد عبيدهم برقّة بدلاً من مكافحة العبوديّة. ما العمل؟ يقول أحدهم بأنه يجب أن يتّبع الإنسان ما يمليه عليه قلبه حتّى يجد القوّة الكافية في كفاحه. وإذا وضعنا جهدنا في تخفيف الآلام يجب أن نوضّح بأن الهدف النهائي هو إلغاء الختان ككل، وإلاّ أدّى جهدنا إلى نتائج مخالفة لما نقصده [92] .

هناك خوف إذاً من أن يكون إعطاء المخدّر للطفل أكثر فائدة للطبيب ممّا للطفل، لأنه يريح الطبيب من صياح الطفل ويساعده في إقناع الأهل بختان أطفالهم. وهكذا يكون إستعمال المخدّر حافزاً لزيادة عمليّات الختان بدلاً من أن يكون وسيلة لتخفيف الألم.

هذا وقد ناضلت منظّمة «الممرّضات لأجل حقوق الطفل» الأمريكيّة لاستعمال المخدّر عند إجراء عمليّة الختان. وتقول بأنها تعرف بأن التخدير يغطّي الألم ولا يخفي القطع. ولكن لا يمكنها أخلاقيّاً السماح بإجراء الختان دون مخدّر. وهي تعتقد بأن محو الختان هو عمل تدريجي. فيجب أن يبدأ بعض الخاتنين بالإعتراف بأن الختان دون مخدّر هو تعذيب قَبل أن يعترفوا بأنه خرق لحقوق الإنسان [93] .

وهناك من يقول إنه وإن كان من المفضّل إستعمال مخدّر يخفّف بعض الألم بدلاً من عدم إستعمال أي مخدّر، إلاّ أن الأفضل هو تأخير العمليّة حتّى يكبر الطفل ويكون في الإمكان إستعمال مخدّر أقوى ليخفّف الألم بدرجة أكبر. فالمخدّر على الأطفال أكثر خطراً من المخدّر على من هم أكبر سنّاً. وقد إعتبر إبن ميمون أن سبب إجراء الختان في اليوم الثامن هو ضعف العلاقة بين الأم والطفل. فإذا ما أخّرنا العمليّة، فإن هذه العلاقة سوف تكون أكثر قوّة وقد نصل إلى رفض الختان ككل [94] .

ونفس المشكلة تطرح فيما يخص ختان الإناث. فقد كتب محمّد إبراهيم سليم بأن معارضيه يعتمدون على كونه يؤلم الفتاة. ويتساءل:

«ولكن ماذا سيكون عليه رأيهم [...] لو تمّت العمليّة تحت تأثير مخدّر مأمون، يقوم به طبيب مختص، كما يحدث في أيّة عمليّة جراحيّة أخرى، وبالتالي فلا ألم ولا صدمات عصبيّة نتيجة ذلك؟ أعتقد أن الأمر سيختلف تماماً» [95] .

وسوف نرى في الجدل القانوني أن معارضي ختان الإناث في مصر وخارجها رفضوا عامّة إعطاء الأطبّاء إمكانيّة إجراء ختان الإناث، مع أو بدون مخدّر، لأن ذلك يضفي الشرعيّة على ما يفعلون فتتزايد عمليّات ختان الإناث بدلاً من إنهائها. وهناك من يرى أن إستعمال المخدّر في ختان الإناث قد يساعد على تفادي حدوث جروح غير متعمّدة بسبب حركة المختونة. إلاّ أن ذلك قد يؤدّي أيضاً إلى آثار سلبيّة إذ إن هدوء المختونة يعطي الخاتنة الفرصة لتقطع أكبر قدر من الجلد [96] .

د) قضيّة التخفيف من الألم

لتخفيف الألم عند الختان يتم إستعمال عدّة وسائل نفسيّة وطبّية. فينصح عامّة وضع المختون أو المختونة في جو مريح مثل سماع الموسيقى أو وضع حلمة حلوة في فمه أو إعطاء الطفل مهدّئ. وقد بيّنت التجارب أن النتيجة كانت ضعيفة، وأن الإختلاف قليل فيما يخص ضربات القلب ومعدّل الكولسترول في الدم، ولكن قد يؤدّي إلى تقليل وقت الصراخ وحدّته. ممّا يعني أن العمليّة مؤلمة مع أو دون مهدّئ. وبعد العمليّة تفقد كل هذه الوسائل أثرها.

وتبيّن أن إستعمال مسكّن «اسيتامينوفين» قد يهدئ خلال العمليّة ولكن لا تأثير له بعد حدوثها. ممّا يبيّن أن الختان يؤدّي إلى ألم شديد ومستمر. كما قام البعض باستعمال مخدّر لعصب ظهر القضيب في مؤخّرته. ولكن هذا الأخير ذات فعاليّة بمعدّل 50% إلى 70% لأنه لا يصيب دائماً العصب الحسّاس. وهذا يتطلّب إعطاء مخدّر محلّي إضافي لتخفيف الألم. ولكن لا يسمح ببعض المخدّرات على طفل عمره أقل من شهر أو ثلاثة أشهر لتفادي مضاعفات ثانويّة. وقد تبيّن أنه في بعض الحالات يصاب القضيب بالغنغرينا بسبب إستعمال المخدّر.

والبعض يلجأ إلى إستعمال أساليب خاصّة لإجراء عمليّة الختان لتفادي الألم الشديد. ويدّعي بعض الموهيلين أن الطريقة التقليديّة أقل ألماً من غيرها إذ تتحمّل أقل من 10 ثوانٍ. ولكن طول أو قصر الوقت ليس بحد ذاته مانع لحدوث الألم. فقطع اليد بساطور الجزّار يتحمّل أقل من ثانيتين. هذا وقد لوحظ أن من يستعملون «ملزم موجن» أقل ميلاً لاستعمال المخدّر. وهناك دراسات تقارن بين الطرق المختلفة لتحديد أي منها أخف إيلاماً. وهذا يتطلّب قياس جميع المعايير كدقّات القلب والتنفّس ومستوى الكولستيرول والأكسجين في الدم وليس فقط مدى صراخ الطفل أو ملاحظة تعبير وجهه [97] .

ويشار هنا إلى أن أوّل قانون يمنع تعريض الطفل إلى الألم ويفرض إستعمال المخدّرات لتخفيفه جاء من مقاطعة «ميتشغن» الأمريكيّة. فهذا القانون يمنع أن تتم عمليّة جراحيّة على طفل مربوط على آلة الربط المخصّصة بالختان دون إستعمال المخدّرات، ويطلب أن يكون الأهل على دراية كاملة حول وسائل معالجة الألم ومخاطرها قَبل موافقتهم على هذه العمليّة. كما يطالب بأن يتدرّب أعضاء الخدمات الصحّية ويستمرّوا في التدريب بخصوص معالجة الألم. ويلاحظ من هذا القانون أن الختان يمكن أن يتم دون تخدير إذا لم يتم ربطه على الآلة أو إذا وافق الأهل على الختان دون تخديره. وهناك فرض التدرّب بخصوص معالجة الألم ولكن لا يوجد فرض للوعي بحقوق الأطفال بسلامة جسدهم. وهذا القانون يستأنس بتعليمات فدراليّة تفرض إستعمال المخدّر في بعض الأبحاث التي تجرى على الحيوانات، بقصد تهدئة الناس ليقبلوا بهذه الأبحاث. وقد كانت وراء تبنّي قانون مقاطعة «ميشيجن» ممرّضة إشتكت من الآلام التي تشهدها عند إجراء الختان. فاتّجهت إلى مرشّحها في مجلس الشيوخ الذي جمع تواقيع مؤيّدة فأدخل القانون رغم معارضة الأطبّاء [98] .

هذا وتستبق قبيلة كيكويو الكينيّة عمليّة ختان الذكور والإناث الطقسيّة بحمّام لمدّة نصف ساعة في النهر باكراً عندما تكون مياهه باردة جدّاً. وهذه السباحة لها أثر التخدير. ويقول «جومو كنياتا» إن الآثار المؤلمة لا تظهر إلاّ بعد بضع ساعات من العمليّة بعد أن يستريح الفتيان والفتيات [99] .

الفصل الرابع: الأضرار الصحّية لختان الذكور والإناث

يتم في ختان الذكور والإناث بتر جزء من جسم الإنسان فيُحرم من وظيفة هذا الجزء ويُعرّض للمضاعفات التي تصاحب كل العمليّات الجراحيّة. ولهذا يجب أن تخضع لنفس المنطق الذي تخضع له العمليّات الجراحيّة، أي عدم إجرائها إلاّ إذا كانت الفائدة منها تعلو على مضارّها. إلاّ أن الكثيرين يُتفِّهون أو يتجاهلون هذه الأضرار.

1) أسباب تتفيه أو تجاهل الأضرار الصحّية للختان

أ) الأسباب الدينيّة

إن كنت مؤمناً بأن الختان أمر إلهي، فإنه من الصعب عليك التفكير في أن الختان قد يكون سبباً للضرر لأن ذلك تشكيك في عدل الله وتقويض لمعتقداتك وفتح المجال لتكفيرك.

بعث لي طبيب يهودي مسؤول عن التعليم الطبّي في جامعة «بن جوريون» الإسرائيليّة رسالة يقول فيها: «إذا أمر الله شيئاً فلا يمكن لهذا الشيء أن يكون ضارّاً». ويعرض الفيلم «إنه صبي» الذي أخرجه «فيكتور شونفيلد» عمليّة ختان صبي يهودي على يد موهيل إنتهى في غرفة العلاج المكثّف. وفي هذا الفيلم تصريح للطبيب «موريس سيفمان» من المنظّمة اليهوديّة التي تدرّب الموهيلين: «لو تبيّن أن الختان يمكن أن يكون ضارّاً، فقد نعيد التفكير فيه. ولكن لا شك عندي بتاتاً أن ذلك لا يمكن أن يحدث لأن الأمر الذي أعطاه الله هو أمر صالح» [100] .

ويقول طبيب وموهيل يهودي بأن الختان الديني يقوم به موهيلون ليسوا جميعهم في مستوى واحد في حرصهم على النظافة وفي تطهير معدّاتهم، ومنهم من يلجأ إلى عمليّة مص الدم بواسطة فمه. ورغم ذلك فإننا نكاد لا نرى تبعات سلبيّة للختان. وسبب هذه الظاهرة هو أن الله يحمي من يقوم بتنفيذ وصاياه بكل أمانة وباعتقاد متين. ولكنّه يضيف بأن رجل الطب يمكنه أن يرى سبباً آخر وهو أن العضو الذي يجرى عليه الختان مليء بالشرايين الدمويّة ممّا يسمح بدورة دمويّة منتظمة ويجعل سريان المرض يكاد يكون مستحيلاً. ويضيف بأن وسائل الوقاية الحاليّة وتطوّر فن الجراحة والختانة وتوكيل أشخاص مؤهّلين لهذه العمليّة أدّى إلى تقليل المضاعفات الطبّية [101] . ورغم ثبوت أضرار مص قضيب الطفل الدامي بفم الموهيل، يقول هذا الطبيب إنه يجب النظر إلى عمليّة المص بالفم نظرة إحترام لأن الكتب اليهوديّة القديمة تتكلّم عنها بصورة إيجابيّة جدّاً كجزء من عمليّة الختان وكوسيلة للوقاية من الأمراض [102] .

ب) جهل أو تجاهل العلاقة بين تلك الأضرار والختان

كثير من المختونين يتألّمون من أضرار لا يعرفون أن سببها الختان. فهذه الأضرار قد تحدث بعد مدّة من إجراء الختان على يد طبيب الولادة. وعندما يعرض الأمر على طبيب آخر، لا يخطر على باله أن تلك الأضرار قد تكون بسبب الختان.

وتشير مجموعة العمل التي نظّمتها منظّمة الصحّة العالميّة أن كثير من النساء ليس لهن شعور بعلاقة الختان بمشاكل صحّية وجنسيّة ومتاعب عند الولادة. وقد يكون سبب ذلك أن تلك المشاكل قد تظهر بعد سنين من إجراء العمليّة فلا تربط بينها وبين الختان. وقد يكون سببه التكيّف الإجتماعي للمرأة الذي يجعلها تتقبّل تلك الممارسة والآلام التي تصاحبها. وقد يحاول الذين يجرون العمليّة إيهام ضحاياهم بوجود أسباب خارجيّة وخرافات. وعلى سبيل المثال يؤدّي الندب الناتج عن الختان إلى عدم تحمّل النسيج ولادة أوّل طفل، ممّا ينتج عنه وفاة ذاك الطفل. ولذلك يتم الترويج في «سيراليون» لفكرة أن فقدان أوّل طفل يولد هو أمر طبيعي [103] .

وتقول سيّدة من «جامبيا» بأن النساء هناك تجهل أن يكون الختان سبباً للمرض وتظن أن سبب الأمراض هو العمل الشاق في الحقول. لا بل إن النساء هناك تظن أن ختانهن يجعل منهن نساء أكثر إنجاباً للأطفال وأكثر قوّة ويرفع من مقدرة الرجل الجنسيّة [104] . وكثيراً ما تجهل النساء حتّى الشكل الإعتيادي للأعضاء الجنسيّة ووظائفها إذا ما بترت صغيرة السن. فإذا ما سألت إمرأة سودانيّة إذا كانت تعاني من مشاكل صحّية بسبب الختان تجيب حالاً: لا، وتشدّد بأنها لا تشعر بألم بسبب ختانها أو تشعر بألم بسيط. وإذا ما سألتها ما إذا كانت تعاني من مشاكل في التبوّل، لا تفهم السؤال. فيجب لذلك طرح السؤال بصورة أخرى: كم من وقت يأخذ معك التبوّل؟ وإذا ما إستمر التبوّل لمدّة خمسة عشر دقيقة تعتبر المرأة هناك أن هذا الوضع طبيعي [105] .

وإن حدث مثل هذا الضرر كنتيجة مباشرة وواضحة للختان، هناك من يحاول إخفاء الضرر بقدر المستطاع أو الفصل بين الضرر والختان معتبراً أن ذلك «مكتوب» أو «قدر مقدّر»، أو كما يقول المثل العامّي: «إلِّي إنكتب غلب، وإلِّي إنبلى يصبر». فلا تمرّد على إرادة الله. حتّى أن الكثيرين يرفضون أن يرفعوا دعوى ضد الحلاّق أو الطبيب الذي أجرى العمليّة التي تسبّبت في إلحاق ضرر أو وفاة. فمثل هذه الدعوى تمرّد ضمني على إرادة الله إن لم تكن «زيادة الطين بلّة». ويقول المثل العامّي في هذا المجال: «غلب بستيرة ولا غلب بفضيحة».

ويشير باحث إفريقي بأن الموت في المجتمع القبلي البدائي الإفريقي ينظر إليه وكأنه قدر. فبينما يحاول الغربي البحث عن سبب علمي لتفسير حدوث الموت، فإن البدائيين يؤمنون بالسبب المزدوج: فموت الطفل من الملاريا لأن جرثومة لسعته لا يفسّر بحد ذاته لماذا هذا الطفل بالذات دون غيره هو الذي لسعته الجرثومة. فهم يرجعون الوفاة إلى أسباب دينيّة يقوم الساحر بتقريرها [106] .

وفي دولة «بينين» يظن الناس أن مضاعفات الختان ناتجة عن عدم تقديم ضحيّة أو لكون البنت غير عذراء. وتقوم الخاتنة بتبرئة نفسها بالبحث عن أسباب مختلفة مثل أن تقول بأن هذا لا يحدث إلاّ لبنات السفاح أو التي إقترف والديها أو أجدادها إثم. فموت الفتاة يعتبر ضحيّة تكفير عن هذا الإثم [107] .

ونجد فصلاً بين الأسباب والنتائج في إعتقاد الكثيرين بالسحر والعين. ومن الأمثال العامّية المتناقلة في هذا المجال: «ثلثين المقبرة من العين». فإذا ما أصيب أحد بمرض تقوم أمّه بتبخيره معتبرة أن أحداّ أصابه بالعين بدلاً من البحث عن أسباب المرض وعلاجه.

من هنا يمكننا أن نستنتج أن عمليّة الختان لا تكتفي ببتر جزء من جسم الإنسان، بل تمتد إلى بتر جزء من عقله. وقد يجد علماء النفس في هذا مادّة لأبحاثهم. فسوف نرى في الجدل الإجتماعي أن هناك من يعتقد أن الختان يؤثّر على تركيبة المخ ومن ثم على تصرّفات الفرد.

ج) عدم وجود وسيلة للمقارنة

قد يعيش كل من الرجل والمرأة حياتهم مع متاعب صحّية (أو جنسيّة) دون شكوى كأنّه قدر مقدّر وليس لهم وسيلة للمقارنة بين حالهم وحال الآخرين، خاصّة إذا ما ختنوا صغاراً. ومن هنا يأتي الجهل بأن للختان آثار سيّئة. وهذا يجعل من الصعب على كثير منهم أخذ موقف ضدّه أو فهم رفض البعض له. ولذلك لا بد من توعيتهم أوّلاً بأضرار الختان قَبل أن يأخذوا موقف ضدّه [108] .

ويلاحظ أنه إذا ما تم وضعهم أمام واقعهم، فإنهم قد يكتشفون أن شيئاً ينقصهم فيحسّون بالتعاسة. فقد عرض عالم نفس أمريكي حالة إمرأة سودانيّة مختونة ذهبت إلى أمريكا واستمعت للشابّات الأمريكيات يتكلّمن عن حياتهن الجنسيّة وحالة الإرتواء الجنسي. عندها بدأت دراسة الكتب الجنسيّة ومشاهدة الأفلام الغراميّة فأحسّت بنقص في حياتها أدّى بها إلى حالة كآبة تطلّب علاجها [109] . فلو بقيت هذه المرأة في محيطها الإجتماعي لم تكن لتكتشف أن وضعها يختلف عن وضع غيرها من النساء غير المختونات. في ذاك المحيط المغلق تظن النساء أن كل إمرأة على وجه الأرض مختونة.

2) الأضرار الصحّية لختان الذكور

أ) الأضرار الصحّية لختان الذكور قديماً

إن ختان الذكور عمليّة جراحيّة خطيرة تمس بأكثر الأعضاء حساسيّة تصاحبها مضاعفات طبّية ويمكن أن تؤدّي إلى تشويهات مستديمة أو إلى الموت. وقد كان رجال الدين اليهود يعون هذه الأضرار ولكن رغم ذلك فإنهم يشدّدون على ضرورة إجراء الختان وعدم التخلّي عنه إلاّ إذا سبق وأن توفّى أخوان أو إبناً خالة للطفل المرشّح للختان وبعضهم يرفع هذا العدد إلى ثلاثة [110] . ويذكر تلمود أورشليم حادثة موت ثلاثة إخوة متلاحقين. وعندها نصح رابي ناتان بأن يؤخّر ختان الطفل الرابع ثم تم ختانه فبقي على قيد الحياة فسمّي بإسمه [111] . وما زالت الكتب اليهوديّة تعيد علينا هذه القاعدة في زمننا. ويذكر جوزيف لويس كيف أن إبنة عمه ولدت طفلاً ذكراً بعد يأس طويل. فقرّرت ختانه رغم تحذيرها من ذلك. فأصرّت على ذلك. فختن الصبي في اليوم الثامن حسبما أوصى الكتاب المقدّس وخمدت أنفاسه قبل أن يتم له من العمر شهر. كما يذكر أن طبيباً إعترض على ختن طفل يهودي سليل أسرة مصابة بمرض سيول الدم. فقال الأب إنه يؤثر أن يرى إبنه جثّة هامدة على أن يخلّفه أغلف. وكان له ما أثر. إذ لم ينقض ربع ساعة حتّى كان الطفل قد زايلته الحياة [112] .

وقد تسرّب هذا الفكر اليهودي إلى الكتابات الإسلاميّة. فنحن نقرأ عند النزوي: «إذا كان عادة قوم أنهم إذا إختتنوا ماتوا، معروفين بذلك، فإنهم لا يختتنون ويتركون. وإن ماتوا صلّي عليهم، وحُكمهم الطهارة لأن هذا عذر» [113] . وتعرض كتب الفقه الإسلاميّة القديمة كثيراً من حالات التشويه والموت الناتجين عن الختان لمعرفة مدى المسؤوليّة الجنائيّة في هذه الحالات [114] . وقد جاء ذكر لأضرار الختان عند الجاحظ الذي يقول:

«إنهم [اليهود] لم يروا قط يهوديّاً أصابه مكروه من قِبَل الختان، وإنهم رأوا من أولاد المسلمين والنصارى ما لا يحصى ممّن لاقى المكروه في ختانه إذا كان ذلك في الصميمين [أي أشد الصيف والشتاء] من ريح الحمرة، ومن قطع طرف الكمرة، ومن أن تكون الموسى حديثة العهد بالإحداد وسقي الماء فتشيط عند ذلك الكمرة ويعتريها برص. والصبي إبن ثمانية أيّام أعسر ختاناً من الغلام الذي شب وشد وقوي. إلاّ أن ذلك البرص لا يتفشّى ولا يعدو مكانه؛ وهو في ذلك كنحو البرص الذي يكون من الكي وإحراق النار، فإنهما يفحشان ولا يتّسعان. ويختن من أولاد السفلة والفقراء الجماعة الكثيرة فيؤمن عليهم خطأ الخاتن، وذلك غير مأمون على أولاد الملوك وأشباه الملوك، لفرط الإجتهاد وشدّة الإحتياط، ومع ذلك يزمع ومع الزمع [أي الدهشة] والرعدة يقع الخطأ، وعلى قدر رعدة اليد ينال القلب من الإضطراب على حسب ذلك» [115] .

وقد ذكر الطبيب العربي الشهير الزهراوي أساليب ختان الذكر في عصره وأوضح أسلوبه الخاص لتفادي ضرورة إعادة الختان إذا ما قطعت الطبقة العليا وبقيت الطبقة السفلى، وكذلك لتفادي قطع طرف الإحليل أو حصول عدم تناسب في القطع. وقد بين الأدوية التي يستعملها لشفاء الجرح [116] . وقد بين هذا الطبيب أيضاً الأضرار التي قد تنتج عن الختان. يقول:

«وأمّا الخطأ الواقع في التطهير فربّما قلبت الجلدة الداخلة كلّها أو بعضها عند القطع فينبغي أن تمدّها من ساعتك بظفرك قَبل أن يتورّم الموضع وتقطعها على إستواء. فإن لم تستطع على إمساكها بظفرك فأجذبها بصنّارة واقطعها. فإن مضى له ثلاثة أيّام وبقي ما تحت الإحليل منتفخاً وارماً فأتركه حتّى يسكن الورم الحار واسلخه برفق واقطعه على حسب ما يتهيأ لك. وتحفّظ من رأس الإحليل فإن قطع شيء من رأس الإحليل فإنه لا يضر ذلك، فعالجه بما يلحم الجرح من الذرورات التي وصفنا في مقالة الذرورات. وإن قطع من الجلدة فوق المقدار وتقلّصت إلى فوق فلا يضر ذلك أيضاً كثير مضرّة. فعالجه بما ذكرنا حتّى يبرأ» [117] .

وهذا الطبيب، كما سنرى لاحقاً، لا يقترح إجراء عمليّة الختان في حالة حصول عاهة في الغلفة. ولا عجب من ذلك. فنحن نجد في كتابه تحذيراً شديد اللهجة من اللجوء إلى العمليّات الجراحيّة إلاّ في حالة عدم وجود وسيلة أخرى لشفاء المريض. فهو يقول بأنه إذا ما «إستعملنا ضروب العلاج في مرض من الأمراض ولم ينجح تلك الأدوية»، فعلى الطبيب اللجوء إلى الكي [118] . وإذا لم يكفي ذلك، فيمكن للطبيب في آخر المطاف اللجوء إلى العمليّات الجراحيّة التي يقول فيها موجّهاً كلامه لأبنائه:

«إن هذا الباب فيه من الغرر فوق ما في الباب الأوّل في الكي ومن أجل ذلك ينبغي أن يكون التحذير فيه أشد لأن العمل في هذا الباب كثيراً ما يقع فيه الإستفراغ من الدم الذي به تقوم الحياة عند فتح عرق أو شق على ورم أو بط خراج أو علاج جراحة أو إخراج سهم أو شق على حصاة ونحو ذلك ممّا يصحب كلّها الغرر والخوف ويقع في أكثرها الموت. وأنا أوصيكم عن الوقوع فيما فيه الشبهة عليكم فإنه قد يقع إليكم في هذه الصناعة صنوف من الناس بضروب من الأسقام فمنهم من قد ضجر بمرضه وهان عليه الموت لشدّة ما يجد من سقمه وطول بليته وبالمرض من التقرّر ما يدل على الموت، ومنهم من يبذل لكم ماله ويغنيكم به رجاء الصحّة ومرضه قتّال فلا ينبغي لكم أن تساعدوا من أتاكم ممّن هذه صفته البتّة وليكن حذركم أشد من رغبتكم وحرصكم ولا تقدموا على شيء من ذلك إلاّ بعد علم يقين يصح عندكم بما يصير إليه العاقبة المحمودة، واستعلموا في جميع علاج مرضاكم تقدمة المعرفة والإنذار بما تؤول إليه السلامة» [119] .

إن وصيّة هذا الطبيب العربي لأبنائه روعة من روائع الأخلاق الطبّية. فهو يشير إلى عدم اللجوء إلى العمليّات الجراحيّة إلاّ بحذر شديد. ويحث على أن يكون قرار الطبيب مبنيّاً على المعرفة، متوخياً سلامة المرضى، وليس خاضعاً للجشع المادّي. وما أحرى هذه الوصيّة القيّمة بأطبّاء زماننا. فسوف نرى في الفصل السادس من هذا الجزء كيف أن كثير من العمليّات الجراحيّة، ومن بينها عمليّة الختان، لم تعد تخضع لهذه الإعتبارات الأخلاقيّة.

ب) محاولة تتفيه الأضرار الصحّية لختان الذكور في أيّامنا

كانت أضرار الختان معروفة قديماً، ولكن كان من الواجب القبول بها لأسباب عقائديّة. إلاّ أن الهاجس الديني بدأ يضعف في زمننا ولم يعد الناس يتعصّبون لكثير من المعتقدات، لا بل يرون أنها لا تستحق الإعتبار إذا ما أملت عليهم تصرّفات ضارّة، كما رأينا في موقف معارضي ختان الذكور عند اليهود [120] . ولذلك أخذ مؤيّدو ختان الذكور بتتفيه أضرار هذه العمليّة والتهويل من عدم ممارستها. وقد يكون ذلك إمّا بقصد الترويج الديني أو بقصد التكسّب من وراء هذه العمليّة. وسوف نتكلّم في الجزء الرابع عن علاقة الختان بالإقتصاد. ومثالاً للترويج الديني نكتفي هنا بذكر الدكتور حسّان شمس باشا الذي يعتمد على كاتب غربي من كبار دعاة ختان الذكور. يقول هذا الدكتور [121] :

«إن حدوث مضاعفات عقب عمليّة الختان أمر نادر جدّاً. ففي دراسة أجريت على 100.000 طفل مختون وجد أن نسبة حدوث مضاعفات لا تتجاوز 2 بالألف. وهذه مضاعفات لا تتعدّى حدوث نزيف بسيط يسهّل علاجه أو إلتهاب خفيف. وقد أظهرت الدراسات التي شملت أكثر من مليوني طفل مختون حدوث حالة وفاة واحدة فقط عزيت للختان [122] . وهذه نسبة ضئيلة جدّاً. فهي حالة واحدة من أصل مليوني طفل نجبت عن نزف حدث عقب ختان أجري في البيت من قِبَل شخص عادي.

يقول البروفيسور وايزويل: «إن هذا الرقم لا يذكر بالقياس إلى ما يسبّبه عدم الإختتان. فهناك ما بين 225-317 شخص يموتون سنوياً في أمريكا نتيجة سرطان القضيب» [123] . وكان يمكن إنقاذ حياة كل هؤلاء بالعودة إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها [وهذا تعليق لباشا].

يقول تقرير لأطبّاء الجيش الأمريكي عام 1989: «إن مضاعفات الختان نادرة جدّاً، ولم توجد حالة وفاة واحدة في نصف مليون طفل مختون في مدينة نيويورك. ولم تحدث أيّة وفيّات في دراسة أخرى أجريت في المستشفيات العسكريّة الأمريكيّة وشملت 175.000 طفل [124] . وفي دراسة أجريت على 136.086 طفل مختون بلغت نسبة مضاعفات (والتي عادة لا تتجاوز إلتهاب موضعي أو نزف خفيف) 2 بالألف [125] .

ولم يحقّق الدكتور حسّان شمسي باشا صحّة الأرقام المذكورة ولم يعرض آراء معارضي الختان لأن ذلك لا يتّفق مع ما يريد أن يثبته. فعنوان كتابه «أسرار الختان تتجلّى في الطب الحديث» والذي نشره ضمن «موسوعة الطب النبوي بين الإعجاز والعلم الحديث». ومن الواضح أن صاحبنا يرى أن الختان هو جزء من معتقده الديني الإسلامي. وهمّه هو أن يثبت بالترهيب والترغيب أن معتقده يتّفق مع المعطيات العلميّة الحديثة.

هذا وقد أثبتنا في الجزء الثاني أن الختان مخالف لروح القرآن. وقصدنا هنا ليس تفنيد أو تأييد المعتقدات الدينيّة، بل تقديم عرض للأضرار الصحّية الناتجة عن ختان الذكور. ثم ننتقل إلى ختان الإناث حيث سنرى كيف حاول مؤيّدوه أيضاً تتفيه أضراره. ونحيل القارئ إلى الفصل السادس للتعرّف على الفوائد الصحّية المزعومة لختان الذكور والإناث.

ج) عدم وجود إحصائيّات دقيقة للأضرار الصحّية

لا توجد إحصائيّات رسميّة ومؤكّدة حول الأضرار الصحّية لختان الذكور حتّى في الولايات المتّحدة. وليس هناك في الكتابات الطبّية دراسة حول كيفيّة قياسها، ممّا يدل على تحيّز للختان. وهذا أمر غريب في مجتمع يعتبر الختان فيه أكثر العمليّات الجراحيّة حدوثاً. هناك إذاً فراغ كبير في هذا المجال. وهذا يفسّر التضارب في الأرقام المتعلّقة بتلك الأضرار.

كتب أحد الأطبّاء أنه تم في مدينة نيويورك عام 1953 قرابة نصف مليون عمليّة ختان ولم تسجّل إلاّ وفاة واحدة لطفل يهودي ختن في البيت. وما بين عام 1933 و1951 تم في إحدى المستشفيات في مدينة نيويورك 10.802 سجّل بينها حالة تلوّث واحدة، وأربع حالات نزيف، وحالة عاهة واحدة. وفي إحدى مستشفيات كليفورنيا تم 1844 عمليّة ختان بين عام 1949 و1950 كان بينها ثلاث حالات نزيف. ولكن في عام 1978 كتب آخر أن 1% من عمليّات الختان تؤدّي إلى مضاعفات طبّية. وترى «رومبيرغ» بأن تلك المضاعفات تصل إلى 5% إلى 10% من مجموع حالات الختان [126] .

وفي المؤتمر الرابع حول بتر الأعضاء الجنسيّة الذي عقد في لوزان عام 1996 سألت الطبيب الأمريكي «دينيستون» ما هي في تقديره نسبة حدوث أضرار عند إجراء الختان. فأجاب بأن الختان يؤدّي إلى 100% من الأضرار. فالطبيب يتدخّل عند حصول عطب صحّي، ويعتبر تدخّله ناجحاً إذا ما توصّل إلى إعادة الوظيفة الطبيعيّة للجسم. وفي حالة الختان لا يمكن بأي حال إعتبار وجود غلفة عند الطفل حالة مرضيّة، إذ هي جزء من التكوين الفيزيولوجي للعضو التناسلي. فإذا تدخّل الطبيب لبتر الغلفة، فهو إنّما يقوم ببتر جزء سليم ويحذف وظيفة فيزيولوجيّة أصليّة غير مَرَضيّة. ولذلك كل ختان هو تشويه للجسم وضرر طبّي وليس حلاًّ لمشكلة. وقد أعاد هذا الطبيب هذا القول في مقاله المنشور ضمن أعمال المؤتمر، مع بعض التفاصيل:

«إن نسبة الأضرار بعيدة المدى للختان هي 100%. فكشف الحشفة بصورة إصطناعيّة يجعلها تصبح خشنة وجافّة. وفتحة البول كثيراً ما تتقيّح وتضيق فلا يسمح لها بالإنغلاق الطبيعي. وحافّة القطع في الختان تلتصق بالحشفة أو تكوِّن مظهراً غير لائق على ساق القضيب» [127] .

ويذكر هذا الطبيب أن في الولايات المتّحدة يموت 229 طفل كل سنة بسبب الختان. و1 من كل 500 طفل مختون يعاني من مضاعفات خطيرة تتطلّب عناية صحّية في قسم العلاج الطارئ. حتّى وإن لم يقرّوا عن أضرار تصيبهم، فإن المختونين يقضون حياتهم مع أعضاء جنسيّة تعمل نصف وظيفتها ومشوّهة وفاقدة حساسيّتها. والختان، مهما كانت درجته ولأي جنس كان، يترك آثاراً سلبيّة على صحّة الإنسان [128] . ويضيف أنه يحدث سنوياً ألفي حالة مضاعفات طبّية في الولايات المتّحدة لا داعي لها [129] .

وقد قام «تيم هيموند»، أحد معارضي ختان الذكور، بحساب الأضرار الناتجة عنه آخذاً بالإعتبار أن نسبة المختونين في العالم هي 20%.

عدد سكّان العالم عام 1994 5.6 مليار

عدد الذكور (50%) 2.8 مليار

عدد الأضرار إذا كانت نسبتها 10% 65.6 مليون

عدد الأضرار إذا كانت نسبتها 2% 11.3 مليون

عدد الأضرار إذا كانت نسبتها 1% 5.6 مليون [130]

نستنتج من ذلك أنه لا توجد إحصائيّات دقيقة للأضرار الصحّية الناتجة عن الختان. فليس من صالح الأطبّاء أو المستشفيات الكشف عن تلك الأضرار. فذلك يعطي للأهل ذريعة لرفع قضايا ضدّهم، خاصّة وأن ليس لتلك العمليّة أسباباً طبّية تبرّرها. من جهة أخرى، فإن هذه الأضرار قد تحصل عند إجراء الختان كما قد تحصل بعد مدّة طويلة من إجرائه. فكثير من الأضرار الناتجة عن الختان تتم بعد خروج الطفل من المستشفى، خاصّة في العائلات الفقيرة حيث العناية الصحّية ليست دائماً متوفّرة، والتعليمات بخصوص جرح الختان قليلة. وفي كلتا الحالتين يحاول الطبيب عدم الربط بين تلك الأضرار وبين الختان إمّا لتفادي الملاحقات القضائيّة أو لبعد الزمن بين الختان والأضرار. ويُذكر في هذا المجال عمليّة ختان في الولايات المتّحدة أصيب الطفل خلالها بضرر في مخّه فأصبح غير قادر على الكلام والمشي أو الإهتمام بنفسه. وقد عرض الأهل مبلغ 10.000 دولار لمن يستطيع أن يجد ملفّاته الطبّية التي فقدت [131] .

وعدم وجود إحصائيّات دقيقة، يعني أن الأطبّاء لا يستطيعون أن يقدّموا للأهل أرقاماً حول أضرار الختان. وبطبيعة الحال، هذا في صالح الأطبّاء الذي يكسبون الملايين من ورائه. فإذا ما وضعت الأرقام المرعبة أمام أعين الأهل فذلك قد يؤدّي إلى رفضهم إجرائه لأطفالهم.

وأضرار ختان الذكور ترتبط بمدى توفّر الرعاية الصحّية والعلاج. فإذا ما تمّت العمليّة على يد حلاّق وبأدوات ملوّثة وفي مكان قذر ولم تتوفّر وسائل العلاج، فإن هذه الأضرار تزداد. وهذا لا يعني أن الختان في المستشفيات الحديثة على يد أمّهر الأطبّاء لا يمثّل خطراً. فقد تكون الأضرار نتيجة ضعف مناعة الطفل، أو نتيجة أصابته بمرض سيول الدم، حيث لا يسعف توفّر الرعاية الصحّية والعلاج. لذا نجد مضاعفات وحالات وفاة بسبب الختان حتّى في الولايات المتّحدة ذاتها حيث تنقل المجلاّت والصحف لنا مآسي كثيرة عن ختان الذكور أدّت إلى ملاحقات قضائيّة دفعت فيها المبالغ الطائلة تعويضاً عن الضرر الناتج.

وإن كان الختان يؤدّي إلى أضرار في الدول المتقدّمة فما حال الدول الفقيرة؟ ففي دراسة حول عمليّة الختان في قبيلة «كهوسا» في جنوب إفريقيا تبيّن أن 9% من الأولاد المختونين توفوا، و52% فقدوا كل أو أكثر جلد القضيب، و14% حدث لهم تقرّحات خطيرة، و10% فقدوا حشفتهم، و5% فقدوا كل قضيبهم. وهذه الأرقام تخص من تم الختان عليهم في المستشفيات. ممّا يعني أن الأرقام الحقيقيّة أعلى بكثير [132] . وقد حاول الأطبّاء خفض نسبة المضاعفات الناتجة عن الختان في هذه القبيلة وذلك من خلال إجراء تلك العمليّة في المستشفيات وعلى يد طبيب متمرّس. غير أن مثل هذه العمليّة غير الطقسيّة مرفوضة من تلك القبيلة إذ تُفقد الختان معناه الإجتماعي. وإن كان هناك قبول لعمليّة الختان في المستشفى إذا ما كان هناك سبب طبّي، إلاّ أن من يطلب إجراء تلك العمليّة بذاته يعتبر خارجاً عن القبيلة [133] .

د) قائمة بالأضرار الصحّية لختان الذكور

إذا ما نظرنا إلى كتابات مؤيّدي ختان الذكور، فإننا نرى أنهم لا يذكرون الأضرار الناتجة عنه، وفي أحسن الأحوال يتفّهون تلك الأضرار. فإذا ما أردنا معرفة هذه الأضرار علينا أن ننظر في كتابات المعارضين، وهي كلّها غربيّة [134] . ونحن نستعرض أهم هذه الأضرار الصحّية. ونحيل القارئ فيما يخص الأضرار الجنسيّة والنفسيّة إلى الفصول الأخرى.

النزيف

تقدّر نسبة حدوث النزيف بـ 2% على الأقل من حالات الختان. فغلفة القضيب عضو كثير الشرايين يؤدّي بترها إلى نزول دم. وإن تم مس الشريان اللجامي، فإن هذا النزيف يكون سريعاً. والطفل الذي يزن ثلاثة كيلوغرامات لا يحتوي على أكثر من كأس دم أو ما يناهز 300 غرام من الدم. ولذلك في حالة عدم التنبّه للنزيف لمدّة قصيرة، فإنه يقود إلى الوفاة. وكثيراً ما يصاب الصبي بحالة صدمة من النزيف.

وبعض الأشخاص مصابون بمرض سيلان الدم، وهو مرض وراثي. ونزيف الدم في هذه الحالة يصعب التحكّم به. وللحد من هذه الظاهرة أخترعت الآلات الضاغطة التي تكبس الشرايين فتمنع سيلان الدم. ولكن اليهود الأرثوذكس يرفضون إستعمالها لأنها لا تسيل الدم، ممّا يبطل الختان الديني. وتبيّن الإحصائيّات أنه حتّى باستعمالها، يبقى الطفل معرّضاً لخطر النزيف. ولذلك يجب تفادي إجراء الختان إذا ما تبيّن بعد فحص الأهل أو الصبي بوجود مثل هذا المرض، أو إذا كانت الغلفة ملتصقة بالحشفة كما هو الأمر في أكثر حالات الأطفال في بداية حياتهم. فشد الغلفة لفصلها عن الحشفة يؤدّي إلى مزيد من النزيف. ويشار هنا إلى أن فيتامين «ك» المسؤول عن تجليط الدم وإيقاف النزيف لا يتكوّن في جسم الطفل قَبل خمسة عشر يوماً من ولادته. وهذا يبيّن بأنه من الغلط إجراء العمليّة في الأيّام الأولى من حياته. ولذلك يحاول بعض الأطبّاء إعطاء الطفل هذا الفيتامين لتفادي النزيف.

الإلتهابات وتعفّن الجرح

قطع الغلفة يجعل الجرح والحشفة المكشوفة عرضة للتلوّث بالبول والبراز، ممّا قد يسبّب إلتهابات وتقيّحاً في فتحة البول. وهذا هو السبب الرئيسي لعسر البول والتهاب المسالك البوليّة، ممّا قد يتطلّب تدخّل جراحي لتوسيع فتحة البول. وهذا يحدث في 10% من حالات الختان. وإذا لم توجد أدوية معقّمة، فالجرح قد يؤدّي إلى التعفّن وإصابته بجراثيم عدوى كثيرة مثل التيتانوس والغنغرينا ومرض السحايا والدفتيريا وتسمّم الدم والتهاب العظام، ممّا قد يودي بحياة الطفل.

إنكماش القضيب

قد يؤدّي الختان إلى إنكماش قضيب الذكر فيختفي تحت الجلد المحيط به. فيتطلّب تدخّل جراحي لإرجاعه إلى وضعه الطبيعي وذلك بإضافة جلد إلى جلده.

القضاء على الغدد التي تفرز المادّة المرطّبة

بالختان يتم القضاء على الغدد التي تفرز المادّة المرطّبة والتي تتواجد في ثلم إكليل الحشفة وبطانة الغلفة. والمادّة المرطّبة تلعب أدواراً مُهمّة منها فصل الغلفة عن الحشفة تدريجيّاً ومنع إعادة إلتصاقها بها، والإحتفاظ بالحشفة ناعمة وليّنة تماماً كما تحافظ الإفرازات الأخرى على نعومة البشرة. فإذا ما تم قطع الغلفة بالختان، فإن الحشفة تصبح دون حماية وتجف بسرعة وتصبح عرضة للخدش بالملابس. كما أنها تثخن وتخشن وتفقد حساسيّتها الطبيعيّة. حتّى أن لونها الطبيعي يتغيّر. ويقدّر البعض سمك بشرة الحشفة لدى المختونين بعشرة أضعاف سمك بشرة الحشفة عند غير المختونين [135] .

باسور الإحليل والمبال الفوقاني

قد تحدث عمليّة الختان فتحة جانبيّة في مجرى البول يطلق عليها «باسور الإحليل». وهذا ينتج بسبب خطأ من الخاتن خلال عمليّة قطع الغلفة، فيثقب القضيب. وقد يثبت طرف الآلة داخل مجرى البول. وعند إغلاقها فإنها تسحق الجزء الأعلى لمجرى البول والجزء الأعلى للحشفة مع الغلفة، ممّا ينتج عنه حدوث فتحة في أعلى الحشفة يطلق عليها «مبال فوقاني». وهناك بعض حالات التشوّه الخلقي يطلق عليه «الإحليل التحتاني» وهو تحوّل فتحة مجرى البول من أعلى الحشفة إلى الجانب السفلي منها. ويصلّح هذا العيب بترقيع الفتحة بغلفة القضيب وإجراء فتحة في المكان الإعتيادي. فإذا لم يلاحظ الطبيب هذا العيب قَبل الختان، فإنه يصعب عليه إصلاحه لأنه بالختان يزيل قطعة الجلد التي يحتاج إليها لتصليح العيب.

ضيق الغلفة

سوف نرى أن مؤيّدي ختان الذكور يجرونه للوقاية من ضيق الغلفة الذي يمنع سحبها إلى الخلف لكشف الحشفة. إلاّ أن الختان قد يؤدّي إلى مثل هذا الضيق ممّا يسبّب حشر للحشفة. وهذا يتطلّب تدخّل لتوسيع الجلد وفي بعض الأوقات يجب إعادة عمليّة الختان.

إحتباس البول

قد يتم في الختان قطع «لجام القضيب»، ممّا يحرم مجرى البول الداخلي من أهم مصدر للدم فيه. وهذا يؤدّي إلى ضيق مجرى البول في 5 إلى 10% من المختونين وإلى صعوبة في التبوّل. وقد يحدث إحتباس للبول بسبب لف قضيب الطفل بعد الختان لإيقاف النزيف أو بسبب إستعمال الأجهزة في الختان، وخاصّة جهاز Plastibell . وهذا الإحتباس قد ينتج كرد فعل من الطفل بسبب صدمة عمليّة الختان. واحتباس البول يجعل الطفل يتألّم ويصيح ويمتنع عن الرضاعة. وقد يؤدّي إلى قصور كلوي.

موت الحشفة أو تشويهها وفقدها حمايتها

يؤدّي تضييق اللف على حشفة الطفل في بعض الأحيان إلى موتها. ويحدث أيضاً أن تجرح هذه الحشفة أو تقص كاملة بسبب تهاون الخاتن فيصاب القضيب بتشويه دائم يصاحبه مشاكل جنسيّة كبيرة مدى الحياة. ولحماية الحشفة من مثل هذه الحوادث تم إختراع الآلات الطبّية.

هذا وبتر الغلفة يحرم الحشفة من حمايتها الطبيعيّة في بعض الحوادث مثل الحرق. فإذا ما تعرّضت الحشفة للحرق فإنه يصعب إزالة التشويه. بينما إذا مس الحرق الغلفة، فإنها تقي الحشفة. وعند الحاجة يمكن إزالة الغلفة بالختان مع ضرر أقل لشكل القضيب. ونسبة الإصابة بالحرق أكبر من نسبة الإصابة بسرطان القضيب. وتذكر المصادر الطبّية أن الغلفة تحمي من زمام البنطلون، ومقعد المرحاض الذي قد يسقط على قضيب الولد الصغير عند التبوّل، والتفاف شعر أو خيط حول القضيب ممّا يؤدّي إلى انحباس الدم وموت الحشفة. وبتعرية الحشفة تفقد حرارتها التي تساعد على شفاء التخدّشات التي قد تصيبها خلال المداعبة الجنسيّة. فالغلفة تعطي الحشفة حرارة تساعد على شفاء تلك التخدّشات.

قطع زائد لجلد القضيب

من الصعب معرفة القدر الذي يتم قطعه من جلد القضيب خلال الختان، خاصّة عندما يجرى على طفل حديث الولادة. ويختلف هذا القدر حسب مهارة الخاتن ونوعيّة الختان. فاليهود مثلاً يشدّدون على ضرورة قطع أكبر قدر من الجلد. وهذا الأسلوب إنتقل منهم إلى الأطبّاء الأمريكيّين. وقد يُحدث الختان قطع كبير فيصبح جلد القضيب أقصر من القضيب الذي يغطّيه. وقد تحدث مضاعفات في عمليّة الختان فيضطر الطبيب إلى قطع المزيد من الجلد فيتعرّى القضيب ويسبّب ضيقاً عند إنتصابه وتعطيلاً لوظيفته الطبيعيّة. وقصر جلد القضيب يؤدّي عند الإنتصاب إلى شد جلد الصفن ممّا يحدث ألماً ومشاكل جنسيّة سوف نعرضها في الفصل الخامس. وقد دفعت هذه المضاعفات بعض المختونين إلى اللجوء لعمليّة إستعادة الغلفة إمّا بطريقة جراحيّة أو بطريقة شد الجلد، كما سنرى في الفصل السابع.

التقيؤ ووقف التنفّس

هناك حالات لوحظ فيها أن الختان ادّى إلى التقيؤ ووقف التنفّس بسبب الكرب الذي يصيب الطفل خلال عمليّة الختان، خاصّة عندما تتم دون تخدير. وقد يؤدّي صراخ الطفل خلال العمليّة إلى إصابته بـ«الإسترواح الصدري» و«الإندغام الرئوي».

مخاطر التخدير

ذكرنا أن الختان يتم عامّة دون تخدير. واستعمال التخدير بحد ذاته له نتائج لا يمكن تجاهلها في أيّة عمليّة جراحيّة. فالتخدير قد يؤدّي للموت. ويقول بعض الأطبّاء أن خطر التخدير أكبر عند الأطفال ممّا عند البالغين. ولو تم تخدير كل الأطفال لكان هذا سبباً في حوادث وفاة أكثر بين الأطفال ممّا هو الحال عليه بدون تخدير.

تقرّح فتحة مجرى البول

تحمي الغلفة حشفة الطفل من البول الذي يبلّل ملابسه. فإذا ما أزيلت الغلفة، إنكشفت الحشفة وأصبحت ملامسة مباشرة للملابس المشبّعة بالأمونيا التي في البول، ممّا يؤدّي إلى تحرّق الحشفة وتقرّحها والتهابها. ونسبة المختونين الذين يصابون بهذه الظاهرة تقدّر ما بين 8% و31%، ولكن النسبة الحقيقيّة أعلى من ذلك بكثير لأن حالات الإلتهابات والتقرّح لا تسجّل دائماً. وكثيراً ما يجهل الأطبّاء سببها خاصّة عندما تحدث بعد مدّة من الختان فينسون العلاقة بينهما. وعندها يلجأ الأطبّاء إلى البحث عن وسيلة لشفائها، فيقترحون تغيير نظام طعام الطفل لتخفيف الأمونيا في بول الطفل. وقد يقترحون بعض المراهم كالفازلين ومضادّات حيويّة لها عواقب وخيمة إذا ما إعتاد عليها الطفل، إذ يبطل مفعولها، فيضطر الأطبّاء لإقتراح مضادّات أقوى من السابقة. ومنهم من يقترح تغيير الثياب مراراً وغسلها وغليها حتّى تزول الأمونيا تماماً.

ضيق فتحة مجرى البول

قد يؤدّي تقرّح فتحة مجرى البول إلى مضاعفات لاحقة مثل ضيق تلك الفتحة، خاصّة عند الصغار، ممّا يجعل التبوّل صعباً ومؤلماً ويتطلّب جهداً كبيراً لإخراجه. وقد قام بعضهم بقياس فتحة مجرى البول عند مائة مختون ومائة غير مختون، فوجد أن الفتحة عند غير المختونين أوسع من الفتحة عند المختونين. ويذكر طبيب بأن ضيق فتحة مجرى البول تحدث عند قرابة ثلث المختونين ولا تحدث عند غير المختونين. وقد أثبتت الدراسات أن صعوبة التبوّل تؤدّي في بعض الأحيان إلى التبوّل في السرير ليلاً. ولعلاج ضيق فتحة مجرى البول يلجأ البعض إلى عمليّة جراحيّة لشق المبال أو توسيعه.

الإبقاء على حلقة Plastibell

يعتبر جهاز Gomco وجهاز Plastibell أكثر الأجهزة إستعمالاً لإجراء ختان الذكور في أمريكا. وبعد الختان، يتم الإبقاء على قمع جهاز Plastibell لقرابة عشرة أيّام قبل أن تنسلخ تلقائياً عن القضيب. إلاّ أنه يحدث أن يندمل القمع داخل جلد القضيب. وهذا يؤدّي إلى تقرّح أو تنكرز الجلد، وأيضاً إلى فقد الحشفة.

التعرّض لعدوى الأمراض

من مخاطر الختان التي تحصل كثيراً تعريض القضيب إلى عدوى الأمراض من خلال الجرح، ممّا يؤدّي إلى أوخم النتائج بما فيها الموت. ويصاحب هذه العدوى إرتفاع حرارة الطفل والتقيّح والتورّم. ويرى البعض أن نسبة إلتهاب جرح الختان قد تصل إلى 8%. والدم المحيط بجرح الطفل يساهم في تفشّي الجراثيم. وهذه العدوى مرتفعة في المستشفيات بسبب وجود جراثيم ذات مناعة عالية للمضادّات الحيويّة. وقد تظهر عوارض العدوى بعد رجوع الطفل إلى البيت. وقد تتحوّل هذه العدوى إلى العمود الفقري وتصيب المخ بمرض إلتهاب السحايا الذي يسبّب الموت. ويصاحب هذه الأمراض ألم شديد ورفض الرضاعة.

تشويه القضيب

ليس كل الذين يختنون يستطيعون إجراء عمليّة ذات نتائج مرضيّة شكلاً. فقد يكون القطع معوجّاً فيؤدّي إلى إعوجاج القضيب عند إنتصابه. وقد يترك شفاء الجرح طبقة من الجلد على طبقة أخرى مع نتوات. وقد رفعت إلى المحاكم قضايا في هذا الخصوص باعتبار أن القضيب لا يتّفق مع النظرة الجماليّة المتعارف عليها. وإذا تم الختان بواسطة ملزم Plastibell يجب أن تسقط حلقته خلال عشرة أيّام من الختان. ولكن قد تبقى هذه الحلقة داخل الجلد حول حد الحشفة كما ذكرنا. وهنا يجب تدخّل من الطبيب لإزالة الحلقة التي تترك تشويهاً في العضو على شكل ثلم. وقد يحدث جسر من اللحم بين الغلفة والحشفة يجعل إنتصاب القضيب مؤلماً. وفي عام 1986، قامت جمعيّة طب المسالك البوليّة في «فرجينيا» بفحص وثائق تخص ختان طفل خسر جرّاء ذلك كل جلد القضيب، وختان طفل آخر أصابه غنغرينا ونكرزة في حشفته وقضيبه بسبب الكي الكهربائي لدمل الجرح. وعلى أثر ذلك، قامت الجمعيّة المذكورة بأخذ قرار بالإجماع ضد الختان الروتيني.

التعرّض للخدش

يصبح جلد القضيب في حالة القطع الكبير أكثر توتّراً عند الإنتصاب ممّا يجعله أكثر عرضة للخدش. وبعض المختونين يشتكون بأنهم لا يتحمّلون إحتكاك قضيبهم بالملابس الداخليّة.

فقدان القضيب

هناك حالات تم فيها فعلاً قطع القضيب بسبب إلتهابات أو بسبب إستعمال الكي الكهربائي لإيقاف نزيف الدم بعد إجراء الختان. وقد تطلّب الأمر إجراء عدّة عمليّات جراحيّة للمحافظة على القضيب بسحبه من جوف الطفل وترقيعه بالجلد. وفي عدم نجاح تلك المحاولات، فإنه يتم بتر القضيب كاملاً. وفي بعضها حُوّل الولد فعلاً إلى أنثى. وبطبيعة الحال تكون الأنثى هنا غير قادرة على اللذّة الجنسيّة أو الإنجاب، وتجد صعوبة في التبوّل. فعمليّة التحويل هذه هي مجرّد محاولة لتخفيف للعاهة. وهذا التحويل يصاحبه مشاكل نفسيّة لا تقاس تؤيّدي إلى قضايا أمام المحاكم للحصول على تعويضات بسبب الضرر. ولكن هل يمكن لكل أموال الدنيا أن تعوّض عن مثل تلك العاهة؟.

وقد عرضت مجلّة «التايم» الأمريكيّة في 24 مارس 1997 قصّة ختان فاشل تم عام 1963 قرّر الأطبّاء والأهل على أثره تحويل الطفل إلى أنثى. فتم نزع خصيتيه وصمّم له فرج من بقايا النسيج ظنّاً منهم أن إعطائه هرمونات الأنوثة سوف يحوّل نفسيته ونزعاته من ذكر إلى أنثى. وكان هذا تطبيقاً للنظريّة الشائعة في ذاك الوقت والتي كانت تدّعي بأن الأطفال يولدون حياديين جنسيّاً ثم يتم زرع ميول الذكورة والأنوثة فيهم من خلال التربية. وقد إعتمد الأطبّاء في الولايات المتّحدة على هذه الحادثة لإقناع الأهل بتحويل عشرات الصبيان إلى فتيات لعلاج حالات فشل الختان. غير أن ضحيّة هذه الحادثة المأساويّة لم تتمكّن أبداً من التأقلم مع جنسها الجديد. فقد كانت تمزّق ثياب البنات التي كانت أمّها تلبسها بها، وتفضّل اللعب مع الصبيان، وترفض ألعاب الفتيات. ورغم أن رفاقها لم يكونوا يعلموا بقصّة تحويلها من ذكر إلى أنثى، فإنهم كانوا يستغربون من تصرّفاتها. غير أن الأطبّاء إستمرّوا بالضغط عليها ليقنعوها بأنها أنثى وأن عليها التصرّف كأنثى. وعندما كان عمرها 14 سنة، رأت أن لا خيار أمامها إلاّ الإنتحار أو التحوّل إلى ذكر. وعند ذلك إعترف لها الأهل بأنه تم تحويلها في صغرها من ذكر إلى أنثى. وعندها قرّرت الرجوع إلى حالتها الأولى فأجرى لها الأطبّاء عدّة عمليّات لتشكيل قضيب صغير ولكنّه خال من حساسيّة القضيب الإعتيادي.

ويذكر الدكتور رشدي عمّار أنه توجد حالات يصعب بالعين المجرّدة تحديد الجنس إذا كان ولداً أو بنتاً. ولا بد من عمل فحص للأعضاء التناسليّة الداخليّة وعمل تحاليل كثيرة وأبحاث لتحديد الجنس. يقول الدكتور عمّار:

«وفي هذه الحالات قد تجرى عمليّة الطهارة للولد على أنه بنت ويزال قضيب صغير الحجم على أنه البظر، ثم يثبت بعد ذلك أن الجنس ولد. وبذلك يقضى على المستقبل الجنسي للطفل بعد ذلك. وقد صادف شخصياً هذه الحالة سنة 1959 في طفل ذكر أجريت له عمليّة الختان وأزيل القضيب على أنه البظر وبالفحص والتحليل ثبت أنه ولد وليس بنتاً» [136] .

الوفاة

يؤدّي الختان بسبب النزيف أو الإصابة بعاهة أخرى أو التخدير إلى حالات وفاة كما ذكرنا سابقاً. ولا يعرف بصورة مؤكّدة عدد الوفيّات التي يسبّبها الختان حتّى في الدول المتقدّمة إذ إنها تسجّل تحت أسباب غير الختان. ويرى طبيب أمريكي أن كل وفاة تحدث في الأيّام العشرة التي تتبع الختان يجب أن تعتبر وفاة مشبوهة [137] .

هـ) الأضرار الصحّية الخاصّة بالختان اليهودي

يجرى الختان الديني عند اليهود على ثلاث مراحل. فيتم أوّلاً قص الغلفة. ثم تسلخ بطانة الغلفة مع اللجام بظفر مدبّب. وبعدها يقوم الخاتن بمص قضيب الصبي بفمه. وقد أدخلت المرحلة الثانية في القرن الأوّل الميلادي لمنع إستعادة الغلفة بشد جلد القضيب. وأضيفت في العصر التلمودي (500-625) مرحلة مص القضيب. وقد توفّى آلاف من الأطفال اليهود في القرن التاسع عشر في أوروبا بسبب مص الدم هذه. وقد تم إدخال تعديلات على عمليّة الختان بداية من الربع الأخير من القرن التاسع عشر لكي تتماشى مع التقدّم الطبّي. فقد أستبدل ظفر الخاتن بالمقص في المرحلة الأولى من الختان، ولكن الظفر ما زال مستعملاً لسلخ بطانة الغلفة واللجام. كما أقترح إستبدال إستعمال أنبوب زجاجي لمص الدم بدلاً من مصّه مباشرة بفم الخاتن لتفادي العدوى. ولكن هذا المص ما زال يمارس بين اليهود الأرثوذكس. وقد سمح الحاخام الشرقي «بكشي دورون» في إسرائيل بمص الدم بأنبوب زجاجي ليس خوفاً على إنتقال الأوبئة إلى الطفل ولكن خوفاً من أن ينتقل الإيدز إلى الموهيل [138] .

ويحاول اليهود التتفيه من مخاطر الختان الذي يتم على يد موهيل. يقول طبيب وموهيل يهودي بريطاني بأن مضاعفات الختان تندر عندما يجرى على يد الموهيلين رغم كثرة هذه العمليّات. ويذكر في هذا المجال أن هناك حالة واحدة من 800 حالة ختان تم إدخالها المستشفى بسبب النزيف في القدس عام 1964. ويشير إلى أن المضاعفات تصل إلى 0.19% من بين 100.000 ختان أجري على وليد في الولايات المتّحدة رغم أن هذه العمليّات لم تجرى على يد موهيل. كما يستشهد بمقال يبيّن أن المضاعفات في الختان تظهر أكثر عندما تجرى العمليّة من قِبَل الطبيب بدلاً من الموهيل. ويتساءل هذا المؤلّف عن سبب ندرة مضاعفات الختان [139] . ولكن هناك من لا يكتفي بالتعجّب بل يبرّر هذا التعجّب بكون الختان أمر إلهي، كما رأينا سابقاً. وخلافاً لرأي هذا الطبيب، تقول دراسة لمعارضين يهود بأنه لا توجد في إسرائيل متابعة لمعرفة مدى المضاعفات الناتجة عن الختان. فليس هناك سجل أو إحصائيّات في هذا الخصوص. وقد بيّنت دراسة بناء على معلومات من الصحف العاديّة والطبّية أنه هناك 22 حالة وفاة، و19 حالة بتر القضيب أو غنغرينا أصابت القضيب، و132 حالة خطرة تطلّبت العلاج في المستشفى بسبب النزيف وتلوّث الجرح وقطع الحشفة وفقد كمّية كبيرة من الجلد وغيرها من المضاعفات. وقد أدّت بعض هذه المضاعفات إلى أضرار لا رجعة فيها [140] .

وتقول طبيبة بريطانيّة يهوديّة معارضة بأن لا اليهود ولا المسلمين في بريطانيا يحتفظون بإحصائيّات حول أضرار الختان التي يقومون بها. وتبيّن أن ختان الذكور له أضرار عدّة وخطيرة. وتذكر بأنها تكلّمت مع كثير من الأمّهات التي عانت من هذه الأضرار. وقد أبلغتها إحداهن بأنها لن تضع طفلاً آخراً لأنها لا تستطيع عدم ختانه ولا تستطيع تحمّل ألمه. وتضيف هذه الطبيبة بأنه إن كانت لكل عمليّة جراحيّة يقصد منها شفاء المرض والحفاظ على الحياة أضرارها، فيوزن بين الأضرار والفوائد، إلاّ أن مثل هذه المخاطر لا يمكن قبولها لعمليّة لا تهدف للشفاء، بل هي تعدّ على عضو سليم [141] .

وبسبب الأضرار السابقة الذكر، ينص الأطبّاء المعارضون للختان على تفادي قطع الغلفة بقدر الإمكان إلاّ في حالات الضرورة الطبّية. وحتّى في هذه الحالات، يجب محاولة اللجوء إلى «الرأب» بدلاً من الختان لتفادي قطع الأنسجة الحسّاسة. وإذا كان لا بد من الختان فيجب الإقتصار على أقل قدر من القطع للحفاظ على وظيفة القضيب الطبيعيّة. وفي كل الحالات يجب تفادي اللجوء إلى ختان الأطفال حديثي الولادة لأن ذلك يتطلّب سلخ الحشفة عن الغلفة قَبل تمام تكوينها. كما إنه يجب ترك قرار الختان للشخص عندما يبلغ. فهذا هو ما يتّفق مع الأخلاق الطبّية وحقوق الإنسان [142] .

3) الأضرار الصحّية لختان الإناث

أ) الأضرار الصحّية لختان الإناث قديماً

تعرّضت كتب الفقه الإسلاميّة القديمة كثيراً لحالات التشويه والموت الناتجين عن الختان لمعرفة مدى المسؤوليّة الجنائيّة في هذه الحالات، كما ذكرنا في كتابنا السابق. وهم قليلاً ما يفرّقون بين ختان الذكور وختان الإناث في هذا المجال.

وفيما يخص ختان الإناث، ينقل إبن حزم أقوال الفقهاء أنه يقضى «في شفر قَبل المرأة إذا أوعب حتّى يبلغ العظم نصف ديتها وفي شفريها بديتها إذا بلغ العظم [...]. في ركب المرأة [منبت العانة] إذا قطع بالديّة من أجل أنها تمنع من لذّة الجماع». ويذكر إبن حزم أن الشافعي يقضي «في العفلة [بظر المرأة] إذا بطل الجماع الديّة وفي ذهاب الشفرين كذلك» [143] . ولكن من غير الواضح إن كان ذلك الضرر هو نتيجة ختان الإناث.

وقد ذكر النفزاوي (توفّى عام 1324) ضمن أسماء الفروج «المصفّح»، معرّفاً ذلك بأنه تعبير عن ضيق الفرج طبيعةً من الله أو بسبب ختان تم دون مهارة. فقد يُحدِث الجرّاح حركة غير مقصودة بمبضعه فيجرح شفرتي الفرج أو إحداهما فيلتئم الجرح مكوّناً ندباً يسد مدخل الفرج. وحتّى يتمكّن من إيلاج عضو الرجل لا بد من إجراء عمليّة جراحيّة للفرج بمبضع [144] .

ب) محاولة تتفيه الأضرار الصحّية لختان الإناث في أيّامنا

حاول مؤيّدو ختان الإناث تتفيه مضارّه تماماً كما فعل مؤيّدو ختان الذكور، ويضيفون أن تلك الأضرار مفتعلة نتيجة للضجّة الحاليّة التي يقيمها الغرب حول هذه الموضوع. فيقول الدكتور نجاشي علي إبراهيم، أستاذ مساعد بكلّية الشرعيّة والقانون بجامعة الأزهر:

«إنشغل الناس في هذه الأيّام بقضيّة الختان التي فرضت نفسها على الجميع [...] لتشكيك الناس فيما توارثوه عبر الأجيال. وأخذوا يتحدّثون عن الختان، وقد كانوا في غنى عن الكلام عنه. لأنه لم يحدث لهم ما يدّعيه المدّعون من أن الختان يسبّب النزيف والعقم وأذى الجهاز البولي وحبس البول، وحبس دم الدورة الشهريّة، والناسور البولي وغير ذلك من الأمراض والمخاطر التي لم تظهر في أسلافهم عبر السنين والأجيال الماضية.

لقد كانت حياة الناس مستقرّة وعاديّة ولكن نتيجة لهذا التشكيك الذي حدث أصبح الناس في حيرة من أمرهم، كيف عاشوا هذه الفترة الطويلة من عمر البشريّة وهم يمارسون هذا الخطأ ولم يجدوا من يرشدهم أو يأخذ بأيديهم إلى بر السلامة والأمان؟!! أليس فيهم رجل رشيد ينبّههم إلى هذه المخاطر وهذه الأمراض؟!» [145] .

ويرى هذا المؤلّف ضرورة التفريق بين ختان الإناث «السُنّي» الذي يتم حسب قول النبي: «أشمّي ولا تُنهِكي»، وبين الأنواع الأخرى من هذا الختان. فالختان «السُنّي» لا مضار له، على خلاف الأنواع الأخرى التي يجب إدانتها. إلاّ أن الكثيرين يخلطون بين الختان السُنّي وتلك الأنواع الأخرى عن عمد لتشويه الإسلام والطعن فيه، كما فعلت شبكة «سي إن إن» عند عرضها لـ«عمليّة ختان وحشيّة يقشعر منها البدن للطفلة المصريّة نجلاء». فالمتأمل في هذه العمليّة «يستطيع أن يدرك أنها مؤامرة دنيئة لتشويه صورة الختان الإسلامي ودعوة صريحة لاستمرار الحرب المشتعلة لمنع الختان، وأن هذا المنكر الذي عرضته شبكة «سي إن إن» هو صورة الختان الإسلامي الذي يجب أن يحارب ويجب أن يمنع الناس من ممارسته بقرار أو قانون» [146] .

ومحاولة تتفيه أضرار ختان الإناث، بقصد إضفاء الشرعيّة عليه، نجدها أيضاً عند الكتّاب الأفارقة. فعلى سبيل المثال يدّعي الرئيس الكيني «جومو كينياتا» بأن ختان الإناث في بلده يتم بمهارة «المتخصّص في هارلي ستريت» [147] .

ويشار هنا إلى أن تقرير المستشار الصحّي للمكتب الإقليمي لمنطقة شرق المتوسّط لمنظّمة الصحّة العالميّة الدكتور «روبيرت كوك»، بتاريخ 30 سبتمبر 1976، يفرّق بين أربعة أنواع من ختان الإناث أخفها «الختان بالمفهوم العام» الذي عرّفه كما يلي: «القطع الدائري لغلفة البظر، ويشابه ختان الذكور. ويمارس أيضاً في الولايات المتّحدة لمعالجة فشل الوصول إلى الإرتواء الجنسي من قِبَل النساء، وأيضاً لمعالجة تضخّم بظر المرأة وضيق الغلفة عندها». وهو يعتمد في ذلك على مقالين لطبيبين أمريكيّين هما «راثمان» و«وولمان» ويضيف: «وبما أنه لم يذكر أيّة نتائج صحّية ضارّة لمثل هذه الختان، فإنه لن يهتم به». ولذلك فهو لا يتعرّض إلاّ لمضار الختان الفرعوني. [148] وسوف نرى أن هذه النظرة المتحيّزة لصالح ختان الإناث من الدرجة الأولى قد تخلّت عنها منظّمة الصحّة العالميّة وغيرها من المنظّمات التي تدين جميع أنواع ختان الإناث الذي يتم دون سبب طبّي.

ج) عدم وجود إحصائيّات دقيقة للأضرار الصحّية

كما هو الأمر مع ختان الذكور، ليس هناك إحصائيّات دقيقة حول الأضرار الصحّية لأنواع ختان الإناث المختلفة.

تذكر الطبيبة السودانيّة «أسمى الضرير» أن 84.5% من حالات الختان التي تحتاج إلى علاج لا يتم الإشهار عنها [149] . وتشير دراسة ميدانيّة تمّت في «سيراليون» بأن 83% من الإناث التي تعرّضت للختان يحتجن إلى علاج طبّي في مرحلة ما من حياتهن بسبب الختان. وفي بعض الجماعات ليس هناك إمكانيّات للعلاج الطبّي فيؤدّي الختان إلى نزيف شديد وموت الفتاة [150] .

هذا ومخاطر ختان الإناث مرتبطة بعوامل كثيرة منها مدى القطع ومهارة الذي يجري العمليّة ونظافة الآلات التي يستعملها والمحيط الذي تجرى فيه والحالة الصحّية للضحيّة. وإن كانت جميع أنواع البتر تعرّض لمضاعفات إلاّ أن أكثر هذه المضاعفات خطورة وأطولها أثراً تحصل في الختان الفرعوني. وإن كانت هذه المضاعفات أقل في الختان الذي يجرى على يد طبيب ماهر في وسط طبّي معقّم، إلاّ أنه قد يؤدّي مثل هذا الختان إلى الوفاة بسبب النزيف الذي يصعب السيطرة عليه.

د) قائمة بالأضرار الصحّية لختان الإناث

يتجاهل مؤيّدو ختان الإناث أضراره الصحّية، وفي أحسن الأحوال يتفّهونها. وإذا ما أردنا معرفة هذه الأضرار علينا النظر في كتابات المعارضين، وهي مصادر مصريّة وغربيّة [151] . ونحن نستعرض أهم هذه الأضرار الصحّية. ونحيل القارئ إلى المضاعفات الجنسيّة والنفسيّة إلى الفصول الأخرى.

النزيف

يؤدّي ختان الإناث إلى نزيف دموي. في بعض الحالات يكون النزيف بسيطاً ويمكن إيقافه إمّا بوسائل بدائيّة تمهّد لحدوث الإلتهابات مثل البن المطحون أو تراب الفرن أو بعض الأعشاب القابضة مثل «القرض»، كما يحدث في بعض المنازل، بما فيه من أتربة وتلوّث. أو بخياطة الأوعية النازفة أو كيّها في المستشفى. وفي حالات أخرى يكون النزيف شديداً لإصابة الشريان البظري الذي يندفع منه تيّار الدم تحت ضغط شديد فتحتاج الفتاة إلى نقل دم وإجراء جراحة عاجلة. وهناك حالات تكون فيها الطفلة مصابة بمرض سيلان الدم الوراثي فيسبّب الختان نزيفاً مستمرّا يؤدّي إلى وفاة البنت.

الصدمة العصبيّة

وهي رد فعل الجسم للألم والنزيف. وأعراضها إنخفاض شديد بضغط الدم وحرارة الجسم وإغماء. وقد يمكن إنعاش الفتاة بوسائل طبّية قد تصل إلى عمليّة نقل دم، وقد تتوفّى.

الإضرار بالأعضاء المجاورة

إثناء إجراء عمليّة ختان الإناث، تقوم الضحيّة عامّة بحركات مقاومة بسبب الخوف والألم تؤدّي إلى عدم إمكانيّة السيطرة عليها والتركيز على العضو الذي يراد بتره، ممّا يسبّب إلحاق جراح بالأعضاء المجاورة مثل مجرى البول أو المهبل أو العجّان أو الشرج. وقد يؤدّي ذلك إلى عدم السيطرة على البول والبراز اللذان قد ينزّان باستمرار. وقد سجّلت بعض الحالات التي تصل إلى كسر بعظام الترقوة أو الذراعين أو الفخذين عند الضغط العنيف على عظام طفلة صغيرة بأيدي من يقيّدون حركتها.

متاعب بوليّة

تشعر الفتاة المختونة بألم شديد عندما يمس البول الحمضي الجرح. وقد يؤدّي الخوف من الألم إلى إحتباس البول. كما قد يحدث هذا الإحتباس من تهيّج وتورّم الأنسجة المصابة حول فتحة مجرى البول نتيجة لإصابته أثناء إجراء العمليّة ذاتها، خاصّة إذا كان من يقوم بها ليس على دراية بالتشريح الطبيعي للأعضاء التناسليّة الخارجيّة. ويترتّب على إحتباس البول آلام شديدة أسفل البطن، وتكاثر الميكروبات في البول الراكد المتجمّع بالمثانة، لا سيما في حالة حدوث إلتهابات بموضع التشويه كما يحدث كثيراً. ويؤدّي ذلك إلى إلتهاب بالمثانة، وربّما يتطوّر إلى الحالبين والكليتين.

الإلتهابات

الجرح في مكان حسّاس كهذا عرضة للتلوّث، إمّا بسبب إستخدام أدوات ملوّثة، أو أشياء ملوّثة لإيقاف النزيف، أو لأن المنطقة عموماً قريبة من فتحة الشرج وأي جرح فيها عرضة للتلوّث بالبكتيريا القولونيّة. وقد تعالج هذه الإلتهابات وتشفى أو تترك آثاراً مزمنة. وقد تتفاقم وتحدث غنغرينا بالفرج، أو قد تغزوا الميكروبات الدم وتسبّب التسمّم الدموي. وقد تمتد هذه الإلتهابات إلى الكلى وسائر الجسم جميعاً، كما قد تؤدّي إلى ضيق فتحة الفرج وما يتصوّر أن ينجم عن هذه الإلتهابات والنزيف من وفاة. وقد تمتد الإلتهابات إلى الجهاز التناسلي الداخلي أي إلى المهبل والرحم والبوقين. وقد تمتد إلى الجهاز البولي فتصاب المثانة والكليتان. وقد يؤدّي ذلك أيضاً إلى الإصابة بمرض الإيدز بسبب تلوّث جرح الختان.

تشويه العضو

يلتئم جرح الختان بنسيج ليفي محدثاً تشويهات بالمكان. وقد تحدث ندب مؤلمة عند اللمس فتسبّب ألماً عند الجماع. وقد يشوّه الشكل الخارجي نتيجة عدم إزالة أجزاء متساوية أو نتيجة ترك زوائد تنمو وتتدلّى بعد ذلك. وقد تتكوّن أورام نتيجة لدخول بعض الخلايا أثناء إلتئام الجرح تحت الجلد. وتتضخّم هذه الأورام في الكبر ممّا يستدعي إجراء عمليّة جراحيّة لإزالتها. كما قد تحدث إلتصاقات مختلفة بالأنسجة وقروح مزمنة مكان الجرح. وقد يلتصق حدّا جرح الشفرين محدثاً إنغلاقاً للرحم وكأن الختان قد أجري على الطريقة الفرعونيّة.

تعطيل وظيفة الشفرين الصغيرين

يؤدّي قطع الشفرين الصغيرين إلى الحرمان من وظيفتهما في توجيه تيّار البول بعيداً عن الجسم. كما يحرم البنت من وظيفتهما في حماية مدخل المهبل من غزو الجراثيم.

العقم

قد تمتد الإلتهابات الموضعيّة مع نقص حماية مدخل المهبل إلى المسالك التناسليّة. وقد تسبّب العقم نتيجة لانسداد البوقين. ويرجع الأطبّاء 20 إلى 25% من حالات العقم في السودان إلى الختان. وتحكي السيّدة الشاديّة سارة يعقوب بأن صديقة لها مختونة ختاناً فرعونياً تم فتحها ليلة زواجها في مكان لا يؤدّي إلى الرحم. وبطبيعة الحال لم تحمل وظنّت أنها مصابة بالعقم. ولحسن حظها عرضت نفسها للطبيب الذي إكتشف الوضع المأساوي فاحدث فتحة يؤدّي إلى الرحم فحملت.

تعسّر عمليّة الوضع

نتيجة لالتئام جرح الختان بنسيج ليفي، فإن منطقة الفرج تفقد مطّاطيّتها. وإذا لم يتمدّد الفرج أثناء الوضع فإنه يؤدّي إلى حدوث تمزّق في منطقة العجّان وفي عضلة الشرج، فتفقد السيّدة التحكّم في عمليّات الإخراج. وقد تؤدّي طول فترة الولادة وتعسّرها إلى حدوث تمزّق في الأنسجة المحيطة بفتحة البول. وهذه التمزّقات تحتاج لتدخّل جراحي فوري لإيقاف النزيف الناتج عنها ولمنع تقيّح الجروح. وقد يؤدّي ضيق فتحة المهبل الناتج عن الختان إلى تعسّر مرور رأس الجنين، ممّا يؤدّي إلى وفاته إختناقاً بسبب نقص الأكسجين، أو إلى ولادة طفل متخلّف عقليّاً أو حركيّاً، نتيجة للضغط الزائد على رأسه بسبب طول فترة الولادة.

إصابة غدّتا بارثولين

توجد غدّتا بارثولين تحت الثلث الأوسط للشفرين الكبيرين. وتتمثّل وظيفتهما في إفراز المادّة المرطّبة التي تسهّل العمليّة الجنسيّة. وعند إجراء عمليّة الختان قد تصاب هاتان الغدّتان بالإلتهاب أو بالأورام إمّا نتيجة لانسداد قناتهما أو نتيجة للإلتصاقات التي تنتج من إلتئام الجرح. وهذه الأورام تستدعي تدخّلاً جراحيّاً لمعالجتها.

عسر الطمث

يحدث هذا إمّا لأسباب نفسيّة ناتجة عن الصدمة النفسيّة السابقة للختان وارتباطه في اللاشعور بالدم أو النزيف، ممّا يؤدّي إلى تكرار حدوث الصدمة النفسيّة مع كل دورة طمثيّة. وقد يكون السبب عضويّاً نتيجة لحدوث إلتهابات مزمنة واحتقان بالحوض.

المخاطر العامّة للجرح

عمليّة الختان لها مضاعفات ومخاطر ككل عمليّة جراحيّة. ومن هذه المخاطر الإصابة بالتيتانوس في حالة تلوّث الجرح بهذا الميكروب، أو الإلتهاب الكبدي الوبائي أو الإيدز في حالة إستخدام أدوات ملوّثة مثلما قد يحدث في الطهارة الجماعيّة لبنات أسرة أو جيران معاً، لا سيما أن الغليان لا يقتل فيروس إلتهاب الكبد الوبائي.

الوفاة

هناك حالات وفاة بسبب ختان الإناث. ولكن ليس هناك إحصائيّات في هذا الخصوص. وتنتج الوفاة خاصّة بسبب النزيف الذي يصعب السيطرة عليه. كما قد تحدث بسبب الصدمة أو الإلتهابات وتعفّن الدم، أو بسبب إعطاء كمّية كبيرة من المخدّر في حالة إستعماله.

هذا وحالات الوفاة الناتجة عن ختان الإناث قليلاً ما يعلن عنها. وقد نشرت جريدة الأهرام في 16/10/1996 حول إخراج جثّتي طفلتين توفّتا عقب إجراء عمليّة ختان لهما في ضيع مصريّة. يقول النبأ:

«أمرت نيابة أرمنت بقنا بضبط وإحضار طبيب الوحدة الصحّية لبلدة الضبعيّة للتحقيق معه حيث تسبّب في وفاة طفلتين في يوم واحد إثر قيامه بإجراء عمليّتي ختان لهما في مسكن كل منهما، فأصيبت الطفلتان بنزيف حاد لعدم دراية الطبيب بإجراء عمليّات الختان ممّا تسبّب في وفاتهما. تبيّن من التحرّيات أن الطفلتين المتوفّيتين هما أميرة محمود محمّد حسن (4 سنوات) ووردة حسن السيّد (3 سنوات)، وأن والد كل منهما إتّفق مع الطبيب واسمه عزّت شلبي سليمان على إجراء عمليّتي ختان لهما بمنزل كل منهما مقابل 10 جنيهات للعمليّة الواحدة. إلاّ أنه نتيجة لعدم درايته بإجراء مثل هذه العمليّات تسبّب في إصابة كل منهما بنزيف حاد وهبوط في الدورة الدمويّة أدّى لوفاتهما. وتبيّن أن الطبيب المتهم قام باستخراج تصريحي دفن الطفلتين سرّاً دون إخطار الوحدة الصحّية. وأتّفق مع والديهما على عدم الإبلاغ أو إثارة الموضوع حرصاً على مستقبله»

وختان الإناث، وخاصّة الفرعوني، يؤدّي إلى حالات وفاة كثيرة. وتذكر المؤلّفة «لايتفوت كلاين» أن الأطبّاء السودانيين يقدّرون حالات الوفاة ما بين 10 إلى 30% من الفتيات المختونات، خاصّة في القرى حيث لا تتواجد وسائل العلاج. وتشير إلى أنها لاحظت أن عدد النساء في السودان أقل من عدد الرجال، ربّما بسبب تلك الوفيّات. وقد تكون هذه الملاحظة غير صحيحة لأن النساء أقل ظهوراً من الرجال في الأوساط الإسلاميّة. غير أن إرتفاع المهر الذي يتذمّر منه الشباب قد يؤكّد هذه الملاحظة [152] .

وتقدّر كاتبة إفريقيّة نسبة الوفيّات بسبب ختان الإناث في قبائل العافار وعيس ما بين 5 و6%. وفي هذه القبائل يتم الختان على الطريقة الفرعونيّة. ويتزايد عدد الوفيّات بين النساء أثناء الولادة لأن الشرايين تنفجر مؤدّية إلى نزيف قوي [153] . وتبيّن السيّدة الصوماليّة «واريس ديري» أن ختان الإناث في مجتمعها يحصد أرواح كثير من الفتيات بسبب تلوّث الجرح والإلتهابات [154] .

هـ) الأضرار الصحّية الخاصّة بالختان الفرعوني

بالإضافة إلى الأضرار السابقة الذكر، هناك أضراراً خاصّة بالختان الفرعوني، مثل:

- حدوث حصوات خلف الندبة

- صعوبة إجراء الفحوصات للأعضاء الجنسيّة لعدم إمكانيّة إدخال الأدوات الطبّية خلف جدار الفرج المخاط. ولا يمكن للطبيب فك الخياطة لأن ذلك يتطلّب إعادتها كما كانت.

- إحتباس البول ودم الحوض خلف الندبة وتعفّنهما ممّا يزيد من المشكلات البوليّة والتناسليّة واحتمال العقم. وكل النساء المختونات عانت من مضاعفات في مدّة الحيض. وتتطلّب هذه المضاعفات التدخّل الجراحي لفتح الفرج. وقد يدوم الحيض مدّة عشرة أيّام وينتج عنه روائح كريهة تضطر معها الفتاة البقاء في البيت مدّة الحيض، ممّا يخلق مشاكل دراسيّة ومهنيّة.

- عسر الولادة: قد يضطر الطبيب لتوليد الأم بعمليّة قيصريّة. فكل سيّدة ختنت فرعونياً تخضع لعمليّة قطع لعدم مرونة الأنسجة الناتجة عن إلتئام الجرح. وهذا يؤدّي إلى نزيف. وقد يؤدّي ذلك إلى الإضرار بمجرى البول وإلى مرض سلس البول (عدم التحكّم بالبول). وهذا يطيل عمليّة الولادة مع ما يتبعه من مخاطر نزيف واختناق الطفل ونقص أكسجين.

- قد يؤدّي ضغط رأس الجنين على جدران المهبل لفترة طويلة في الولادة المتعسّرة إلى إصابة الأم بناسور مهبلي - بولي، أو مهبلي - شرجي يؤدّيان إلى عدم تحكّمها في البول أو البراز، وهذا يستدعي إجراء جراحة لعلاج هذا الضرر.

4) الختان والإحساس بالوقوع في الفخ

هناك نظريّة جديدة تقول بأن مخاطر الختان ليس في الختان ذاته، بل في الظروف التي يتم فيها. فقد لوحظ تدهور في صحّة الحيوان والإنسان الذي يضع في وضع لا مفر له منه ولا يجد له حلاً ويشعر بالتهديد الواقع عليه، ممّا يجبره للرضوخ. وتبيّن أن الكلاب تصاب بتقرّح في المعدة وتفقد وزنها ويرتفع ضغط الدم عندها إذا ما عرّضت لصعقات كهربائيّة. وسبب التدهور المرضي للكلاب لم يكن بحد ذاته الصعقات الكهربائيّة بل حالة الكبت التي تتعرّض له تلك الكلاب. وإذا ما تم السماح لهذه الكلاب بالتفاعل، فهذا يخفّف من تدهور صحّتها. ونجد نفس الظاهرة في حالة تعذيب السجناء. فليس التعذيب هو الضار، بل حالة الضغط وفقدان القرار هو الذي يضر بصحّتهم. فيرتفع عندهم الدم، ويكبر خطر الإصابة بالسرطان وتقرّحات المعدة، وتضعف المناعة أمام المرض، وتكثر إضطرابات النوم. ففي كل حالة يحس فيها الإنسان بأنه في فخ، يحدث تدهور في حالته الصحّية. وعندما يفقد الحيوان والإنسان الأمل، فهنا تبدأ مرحلة الهدم الذاتي من الداخل [155] .

الفصل الخامس: المضار الجنسيّة لختان الذكور والإناث

للإنسان الحق في اللذّة الجنسيّة لراحته الجسديّة والنفسيّة تماماً كحقّه في الأكل والشرب والنوم. واللذّة الجنسيّة هي إحدى غايات ووسائل تماسك الزواج. وكما أن قطع جزء من اللسان يؤدّي إلى إنتقاص في حاسّة الذوق واللذّة الذوقيّة، فكذلك يؤدّي قطع جزء من الأعضاء الجنسيّة إلى إضعاف اللذّة الجنسيّة. وإذا لم يتمكّن الإنسان من الوصول إلى اللذّة كما نظّمتها الطبيعة فإنه سوف يبحث عنها بوسائل أخرى كالمخدّرات والشذوذ الجنسي والتبديل للشريك، ممّا يخلق مشاكل في الحياة الزوجيّة. وهذا ما سوف نراه في فصلنا هذا.

1) ختان الذكور واللذّة الجنسيّة

أ) مؤيّدو ختان الذكور قديماً يرون فيه إضعاف للذّة

رأي رجال الدين اليهود قديماً في الختان وسيلة مثلى لإضعاف العضو التناسلي عند الذكر وتخفيف اللذّة الجنسيّة وكبت الشهوة، ليس فقط عند الرجل بل أيضاً عند شريكته في العلاقة الجنسيّة. وقد أيّدوا الختان لأن نتائجه تتّفق مع نظرتهم السلبيّة للشهوة الجنسيّة.

يقول المفكّر اليهودي «فيلون» أن الهدف من الختان هو الحد من اللذّة التي تسحر النفس. فاللذّة النابعة من العلاقة الجنسيّة بين الرجل والمرأة هي أقوى لذّة عند الإنسان. ولذلك قرّر المشرّعون بتر العضو الجنسي المتّصل بهذه اللذّة، ليس فقط للحد من هذه اللذّة، بل للحد من جميع الملذّات الأخرى [156] . ويضيف في مكان آخر أن الله أمر بختان الذكور وليس بختان الإناث لأن الرجل أكثر إحساساً باللذّة الجنسيّة من المرأة، فيبحث عن التزاوج. ولذلك أراد الله أن يحد من لذّته ويخفّف من اندفاعه [157] .

ونجد رأياً مماثلاً عند الطبيب والفيلسوف موسى إبن ميمون الذي يقول:

«وكذلك الختان أيضاً عندي إحدى علله تقليل النكاح وإضعاف هذه الآلة حتّى يقصر هذا الفعل ويجمّ ما أمكن. وقد ظُنَّ أن هذا الختان هو تكميل نقص خلقة، فوجد كل طاعن موضعاً للطعن. وقيل كيف تكون الأمور الطبيعيّة ناقصة حتّى تحتاج لتكميل من خارج مع ما تبيّن من منفعة تلك الجلدة لذلك العضو. وليس هذه الفريضة لتكميل نقص الخلقة، بل لتكميل نقص الخُلق. وتلك الأذيّة الجسمانيّة الحاصلة لهذا العضو هي المقصودة التي لا يختل بها من الأفعال التي بها قوام الشخص، ولا بطل بها التناسل، ولكن نقص بها الكَلَب والشره الزائد على ما يحتاج. وأمّا كون الختان يضعف قوّة الإنعاظ، وقد ربّما نقّص اللذّة، أمر لا شك فيه، لأن العضو إذا أُدمي، وأزيلت وقايته من أوّل نشوئه، فلا شك، أنه يضعف. وببيان قالوا الحُكماء عليهم السلام: إنه من الصعب أن تفارق المرأة الأغلف الذي جامعها، فهذا أوكد أسباب الختان عندي. ومن يتبدئ بهذا الفعل إلاّ إبراهيم الذي شهر من عفّته». ويضيف: «وممّا إشتملت عليه أيضاً هذه الجملة النهي عن إفساد آلات النكاح من كل ذكر من الحيوان مطرداً على أصل: «رسوم وأحكام عادلة» (تثنية 8:4)، أعني تعديل الأمور كلّها لا يفرط في الجماع كما ذكرنا، ولا يعطّل أيضاً بالكلّية الأمر وقال: «أثمري وأكثري» (التكوين 22:1). كذلك هذه الآلة تضعف بالختان، ولا تستأصل بالقطع بل يترك الأمر الطبيعي على طبيعته ويُتحفّظ من الإفراط» [158] .

ويقول الحاخام «إسحاق بين يديا» الذي عاش في فرنسا في القرن الثالث عشر إن الرجل غير المختون مليء بالشهوة. والمرأة تنجذب نحوه. فهو يبقى في داخلها لوقت طويل بسبب الغلفة التي تقلّل من سرعة القذف. وهي تجد لذّة في ذلك ممّا يدفعها إلى ممارسة العلاقة الجنسيّة بشكل أكثر تواتراً. أمّا زوجة اليهودي، فهي لا تصل إلى ذروة اللذّة إلاّ مرّة في السنة لأن ختان زوجها يؤدّي إلى قذف سريع. وهكذا يركّز الرجل كل جهده في دراسة التوراة بدلاً من أن يشغل عقله في الجنس [159] .

وعند أقباط مصر يقول إبن العسّال: «وأمّا المنفعة [من الختان] فقد ذكر بعض رجال الطب المتفلسفين المصنّفين أن الختان يضعف آلة الشهوة فتقل وهذا بالإتّفاق مستحب» [160] . ويرى توما الأكويني أن أحد أسباب وضع الختان كعلامة للإيمان في القضيب وليس في الرأس هو إنقاص الشهوة واللذّة الجنسيّة [161] .

وفي الكتابات الإسلاميّة هناك رأي مماثل. يقول إبن قيّم الجوزيّة بأن في الختان تعديل للشهوة «التي إذا أفرطت ألحقت الإنسان بالحيوانات، وإن عدمت بالكلّية ألحقته بالجمادات. فالختان يعدّلها ولهذا تجد الأغلف من الرجال والغلفاء من النساء لا يشبع من الجماع» [162] . ويقول المنّاوي (توفّى عام 1622) نقلاً عن الإمام الرازي (دون تحديد هويّته): «إن الحشفة قويّة الحس. فما دامت مستورة بالغلفة تقوّي اللذّة عند المباشرة. وإذا قطعت صلبت الحشفة فضعفت اللذّة، وهو اللائق بشرعنا تقليلاً للذّة لا قطعاً لها توسيطاً بين الإفراط والتفريط» [163] .

ولا شك في أن الفكر اليهودي كما عبّر عنه «فيلون» وابن ميمون قد أثّر على الفكر المسيحي والإسلامي. وسوف نرى كيف أن الغرب لجأ للختان للحد من العادة السرّية بسبب النظرة اليهوديّة السلبيّة للذّة الجنسيّة. وهذه النظرة السلبيّة هي أحد أسباب إستمرار الختان في الولايات المتّحدة. يقول طبيب أمريكي أن مجتمع الولايات المتّحدة ما زال مكبوتاً جنسيّاً. فبالرغم من إثبات الطب عدم ضرورة الختان، فإنه ما زال مستمرّاً هناك لأسباب خفيّة لاشعوريّة أو شعوريّة وهي الحاجة للسيطرة على التصرّف الجنسي [164] .

ب) معارضو ختان الذكور في أيّامنا يرون فيه أيضاً إضعافاً للذّة

يتّفق معارضو ختان الذكور مع من ذكرناهم سابقاً في أن الختان يضعف اللذّة الجنسيّة ويحاولون إيجاد تفسير علمي لذلك. ولكن خلافاً لهم، يعارضون الختان لأن نتائجه تتضارب مع نظرتهم الإيجابيّة للذّة الجنسيّة.

يبيّن المعارضون بأن اللذّة الجنسيّة، خلافاً لما قد يعتقد، لا توجد في الحشفة (رأس القضيب) بل في إكليل الحشفة واللجام والغلفة. فالحشفة تكاد تكون عديمة الحساسيّة، قليلاً ما تتأثّر بالألم والحرارة. والعضو الوحيد الأقل حساسيّة من الحشفة هو عقب القدم. وبقطع الغلفة يتم تعرية الحشفة وإكليلها، ممّا يجعلهما تدريجيّاً مع تقدّم العمر أقل حساسيّة ونعومة ورطوبة. ويقارن بين الحشفة والقدم العارية: فكلّما سرت بقدم عارية، يخشن جلدها وتنقص حساسيّتها. وبقطع الغلفة يحرم القضيب من أكثر خلايا جسم الإنسان حساسيّة وتهيّجاً. فقد تصل كمّية الجلد التي تقطع إلى 80% من جلد القضيب يقضي على قرابة متر من الأوردة الدمويّة والشرايين وقرابة 10 أمتار من الأعصاب و20.000 نهاية عصبيّة. كما أن الختان أحياناً يحدث أضراراً باللجام [165] .

وإن كان الختان لا يمنع إنتصاب القضيب، إلاّ أن تقليص مساحة الجلد الذي يتمدّد فيه وإضعاف مطّاطيّته يجعل هذا الجلد مشدوداً وأقل إنزلاقاً فوق قصبة القضيب. وإذا كان القطع كبيراً، فإن القضيب قد يلتوي داخل الجلد أو يشد جلد كيس الصفن (كيس الخصوتين) للتعويض عمّا فقده. أضف إلى ذلك أن الختان قد يترك نتوءات وتشويهات في الجلد نتيجة إلتحام محل القطع.

وفي مرحلة التحضير للعلاقة الجنسيّة، تقوم المرأة عامّة بمداعبة القضيب وتحريك جلده لكي تهيّجه وتبقيه في حالة إنتصاب إلى حين أن تصبح هي مستعدّة للعلاقة الجنسيّة. وكذلك يفعل الرجل مع المرأة في إعدادها للعلاقة الجنسيّة من خلال مداعبة بظرها وغلفتها. وتحريك جلد القضيب ليس من السهل إذا ما تم قطع جزء كبير منه بالختان. فالجلد يصبح مشدوداً. كما أن فقدان الغدد التي تفرز المادّة المرطّبة يجعل القضيب جافّاً. وإمرار اليد عليه، وخاصّة على الحشفة المكشوفة، قد يسبّب إيلاماً له، إلاّ إذا تم تعويض المادّة المرطّبة الطبيعيّة بمادّة دهنيّة كيماويّة بديلة لا تتلاءم دائماً مع الجسم ولها عواقبها، وخاصّة أنها تتسرّب إلى داخل جسم الرجل والمرأة. لذلك يجب تعليم شريكة العلاقة الجنسيّة أسلوباً لتهييج القضيب المختون بمداعبته دون إيلامه عند شد جلد القضيب إلى الوراء والى الأمام. وهكذا تكون عمليّة التهييج التحضيريّة أقل عفويّة، ممّا يحرم كل من الرجل والمرأة من لذّة التحضير. وقد يكون فقدان الغلفة عند المختونين هو أحد الأسباب التي من أجلها تقوم المرأة في الحضارة الأمريكيّة بعمليّة مص القضيب بفمها معوّضة بهذا الأسلوب فقدان رطوبة القضيب الطبيعيّة بلعابها، وفقدان النسيج الأملس عند الرجل بالنسيج المخاطي الموجود في فمها. وهذا يفسّر أيضاً لماذا تسبق العلاقة الجنسيّة للمختونين عامّة مداعبة أقل. وهكذا يقوم الختان بحرمان كل من الرجل والمرأة من لذّة مرحلة الإعداد قَبل الإيلاج.

وبتر الغلفة يجعل العلاقة الجنسيّة ذاتها مؤلمة لكل من الرجل والمرأة. فالقضيب غير المختون عند ممارسة الجنس ينزلق دخولاً في مهبل المرأة وخروجاً منه ضمن جلده وغلفته وبطانة غلفته. وبفضل عضلات المهبل، تبقى الغلفة وبطانتها ملامسة للمهبل بينما القضيب يتحرّك داخله. أمّا إذا كان القضيب قد فقد غلفته (وبطانتها)، فإنه يتحرّك مع جلده المشدود حوله داخل المهبل. ويسبّب ذلك إحتكاكاً أشد والتهاباً أكبر للمهبل يؤدّي إلى متاعب وألم لكل من الرجل وشريكته تتحوّل إلى متاعب نفسيّة ونفور بينهما. ويضاف إلى شد جلد القضيب فقدانه لجزء كبير من المادّة المرطّبة التي تلعب دور الزيت بين عجلات الآلة. ويشار هنا إلى أن المختونين يندفعون نحو الإيلاج ويتصرّفون بسرعة وعنف كبيرين واقتحام للفرج بشدّة للحصول على مثيرات كافية للوصول إلى اللذّة والإرتواء، ممّا قد يؤدّي إلى كشط وإدماء وألم عند كل من الذكر والأنثى. وكلّما تقدّم الرجل والمرأة في العمر، فإن العلاقة الجنسيّة تصبح أقل لذّة إذ تصبح الحشفة وإكليل الحشفة أقل حساسيّة، وعمليّة الإيلاج أكثر ألماً. ويشار إلى أن ممارسة العادة السرّية تختلف في أسلوبها عند المختون من غير المختون. فغير المختون يقوم بزلق جلد القضيب المتحرّك فوق الحشفة المرطّبة ذهاباً وإياباً دون أن يكون هناك إحتكاك والتهاب ودون مس الحشفة باليد [166] .

يقول طبيب أمريكي:

«إن النتيجة الأكثر مأساويّة للختان هو إنتقاصه من حساسيّة القضيب فيؤثّر بذلك على علاقة الرجل مع المرأة. فالرجل لا يمكنه بتاتاً الوصول إلى قدر كامل من اللذّة الجنسيّة كما وهبها الله. والمرأة بدورها لا يمكنها بتاتاً أن تكون شاهدة أو متقبّلة لاستجابة كاملة من محبّها. ولذلك فهي محرومة ومغشوشة فيما يحق لها أن تعطيه وتحصل عليه».

ويشبّه هذا الطبيب الرجل المختون بالموسيقي الذي يملك آلة موسيقيّة رديئة. فمهما كانت مقدرته الموسيقيّة فإنه لن يتمكّن من أن يستخلص منها لحناً موسيقياً يتّفق ومقدرته [167] . هذا وسوف نرى في الفصل السابع كيف أن المختونين يحاولون الآن مط جلد القضيب حتّى يسترجعوا بعض ما فقدوه بالختان من طول في الجلد وقوّة في اللذّة.

ج) مؤيّدو ختان الذكور في أيّامنا يرون فيه تقوية للذّة

قديماً أيّد رجل الدين ختان الذكور لأنه يضعف اللذّة الجنسيّة. ثم جاء معارضو الختان فرفضوه لأنه يضعف تلك اللذّة التي يعتبرونها حقاً طبيعيّاً للإنسان. ومع إختلاف القيم، أخذ مؤيّدو ختان الذكور يقولون بأن الختان لا يضعف اللذّة الجنسيّة، لا بل قد يقوّيها. فالمختونون وشريكاتهم لا يتذمّرون من حالهم. والختان يؤدّي إلى إبطاء في عمليّة القذف وإطالة في العلاقة الجنسيّة، ومن ثم مزيداً من اللذّة لكل من الرجل وشريكته. والنظافة الناتجة عن الختان تعمل على زيادة اللذّة. ولكن ما هي حقيقة الأمر؟

رضى المختونين عن ختانهم

إن القول بأن ختان الذكور لا يضر لأن المختونين راضون عن ختانهم ليس له أساس علمي. فليس من السهل أن يتكلّم الرجل عن متاعبه الجنسيّة إلاّ بحياء كبير وفي محيط يثق فيه، لأن ذلك متعلّق برجولته. أضف إلى ذلك الهاجس الديني. وبدلاً من الإعتراف بنقصه يشدّد المختون على كونه بحالة جيّدة لحماية نفسه. ومن جهة أخرى لا يعرف كثير من المختونين ما فقدوا لأنهم لا يملكون وسيلة للمقارنة بين وضعهم الحالي وكيف كان يمكنهم أن يكونوا لو لم يختنوا. فكل تجربتهم الجنسيّة تمّت بقضيب مختون. وهم في ذلك يشبهون فاقد تمييز الألوان. فهو يظن أن كل شيء على ما يرام وكما يراه ولا يعرف شكلاً آخر للألوان. من جهة أخرى يجهل هؤلاء المختونون تماماً ما هي وظيفة الغلفة وكيفيّة عمل القضيب غير المختون. فالكتب الطبّية والشعبيّة تصوّر لهم القضيب دون غلفة [168] .

وقد قام «ماستيرز» و«جونسون» بإجراء تجربة على 35 شخصاً مختوناً 35 شخصاً غير مختون من نفس العمر بإيصال أجهزة تكشف عن الحساسيّة. ولم تؤدّي هذه التجربة لأي إختلاف يذكر بين المجموعتين [169] . إلاّ أن معارضي ختان الذكور يشكّكون في طريقة ونتائج هذا الإختبار، لأنه لم يقس حساسيّة الغلفة. ومن المعروف أن الأعصاب الحسّية تتركّز في الغلفة وليس في الحشفة [170] . وقد أجريت دراسة إستطلاعيّة عام 1994 على 313 شخصاً مختوناً في الولايات المتّحدة ينتمون إلى أوساط دينيّة وعرقيّة مختلفة ولهم صلة بمراكز مكافحة الختان واستعادة الغلفة. وتبيّن هذه الدراسة بأن 61% منهم يعانون من نقص في الحساسيّة، وأن هذا النقص أدّى إلى عرقلة العلاقة الجنسيّة من خلال مشاكل الإنتصاب وصعوبة القذف أو عدم الوصول للإرتواء الجنسي. وقد إضطر 40% منهم إلى اللجوء إلى مثيرات غير طبيعيّة. وأجاب عدد كبير منهم بأن العلاقة الجنسيّة العاديّة (ولوج الفرج) ليست كافية لإثارتهم للوصول إلى اللذّة والإرتواء. وفي تقرير آخر تبيّن أن 50% من المختونين غير راضين عن ختانهم، بينما 3% من غير المختونين غير راضيين عن وضعهم [171] .

وقد بيّن بحث أجري على خمس أشخاص ختنوا عندما كانوا بالغين حدوث تغيير في حساسيّة ولذّة القضيب قَبل وبعد الختان. وقد إستنتج البحث أن من الخطأ إعتبار الختان عمليّة تزيد من الإثارة الجنسيّة [172] . وقد ندم آخرون بعد ختانهم. وقد ذكر أحدهم أن الإختلاف قَبل وبعد العمليّة يشبه الإختلاف بين النهار والليل. وكان طبيبه قد نصحه بإجراء العمليّة لأنه دون ذلك قد يصاب بسرطان القضيب. وعندما إشتكى إلى طبيبه من النتائج، قال له الطبيب بأن تلك النتائج طبيعيّة. وقد قال آخر بأنه أحس بعد الختان وكأنه يعزف قيثارة مع أصابع متصلّبة. وقال ثالث بأن اللذّة الجنسيّة قَبل وبعد الختان إختلفت كمن كان يرى بالألوان فأصبح يرى فقط باللونين الأبيض والأسود. وقال آخر بأن حساسيّة حشفته قد نقصت بمعدّل 50%. ولكن في حالة أخرى ذكر طبيب تمّت عليه العمليّة في سن البلوغ، أنه شعر بتحسّن في لذّته الجنسيّة. ومن تفسيره يظهر أنه كان يشكو سابقاً من سرعة القذف [173] .

وهناك دراسة قام بها طبيبان في مستشفى بمدينة «العفّولة» حول المهاجرين الروس الذين ختنوا بعد مجيئهم إلى إسرائيل. فقد تبيّن من الأجوبة التي إستلمها الطبيبان من 76 مهاجراً روسياً أن من ختن كبيراً أحس بضعف في الرضى الجنسي. فبينما رأى 54% منهم وجود رضى قَبل الختان، فإن فقط 24% أحسّوا برضى بعد الختان. وكان هناك نسبة 30% إلى 61% ممّن كانوا راضيين بصورة متوسّطة. ولا تغيير في نسبة من كانوا غير راضيين قَبل الختان. وقال 68% منهم بأنهم ختنوا تعبيراً عن إنتمائهم لليهوديّة، بينما قال 10% منهم بأنهم ختنوا تمشّياً مع العادات الإجتماعيّة الإسرائيليّة والباقون بسبب الضغوط الإجتماعيّة. وواحد فقط كان سبب ختانه طبّياً. وعليه فقد يكون بعض الذين أجابوا قد أخفوا حقيقة مدى إحساسهم باللذّة الجنسيّة [174] .

ويؤكّد الذين يستعيدون غلفتهم بأنهم يشعرون بلذّة أكبر في العلاقة الجنسيّة ممّا كان عليه الأمر قَبل إستعادة تلك الغلفة. ولنا عودة لاستعادة الغلفة في الفصل السابع.

الختان وإبطاء القذف

لم نجد عند الكتّاب المسلمين المعاصرين أيّة إشارة لإضعاف اللذّة الجنسيّة بسبب ختان الذكور. وهم يجهلون أو يتجاهلون آراء معارضي ختان الذكور في هذا المجال. إلاّ أننا نجد عندهم آراءاً تقول بأن ختان الذكور يبطئ القذف ويطيل من الجماع واللذّة الجنسيّة. وأقوالهم هذه يتناقلونها عامّة عن الغرب. فهم لا يجرون أبحاثاً في هذا المجال.

يرى الدكتور محمّد رمضان أنه بقطع غلفة القضيب «ينكشف رأس القضيب ممّا يفيده في الإستمتاع» [175] . وحقيقة الأمر أن الحشفة تنكشف في العلاقة الجنسيّة بمجرّد إنتصاب القضيب سواء كان الشخص مختوناً أو غير مختون. ويقول مجدي فتحي السيّد: «يبدو أن للختان [ختان الذكور] تأثيراً غير مباشر على القوّة الجنسيّة. فقد تبيّن من إحصائيّات بعض المعاهد العلميّة بأن المختونين تطول مدّة الجماع عندهم، قَبل القذف، أكثر من غير المختونين. لذلك فهم أكثر إستمتاعاً وأكثر إمتاعا وارضاءاً» [176] . وقد نشرنا في الملحق 24 نصّاً للشيخ محمود محمّد خضر يذهب نفس المنحى.

مثل هذه الآراء نجدها في الكتابات الطبّية الغربيّة التي تعتمد عليها اليوم الكتابات المؤيّدة لختان الذكور، والتي ترى في إسراع القذف عاهة جنسيّة. وسبب طول الجماع في نظرهم نابع من تقليص الختان لمساحة جلد القضيب المهيّج جنسيّاً. من جهة أخرى يؤدّي الختان إلى كشف الحشفة منذ الصغر، ممّا يجعل هذه الأخيرة تخشن وتفقد حساسيّتها باحتكاكها بالملابس. وبإضعاف الحساسيّة الجنسيّة، يتم تأخير القذف. وعلى هذا الأساس، تنصح كتب شعبيّة عدّة في الولايات المتّحدة بإجراء الختان كوسيلة لإبطاء القذف وزيادة اللذّة [177] . إلاّ أن هذه النظريّة تصطدم بمشكلة تعريف «سرعة القذف» وتحديد الأسباب التي تؤدّي إليها.

يشير كتاب «كاماسوترا» الهندي الشهير أن في أوّل ممارسة جنسيّة للرجل تكون لذّته شديدة وتستلزم وقتاً قصيراً، ثم تنعكس الحال في الممارسات الجنسيّة التالية التي تتم في نفس اليوم. أمّا في أوّل ممارسة جنسيّة للمرأة، فإن تلك العلاقة تبدأ فاترة وتستلزم وقتاً طويلاً، وفي الممارسات التالية التي تتم في نفس اليوم، فإن لذّتها تصبح أشد وتستلزم وقتاً أقصر للوصول إلى الإرتواء الجنسي [178] .

هذا ويعتبر الأطبّاء سرعة القذف عيباً إذا تم خارج المهبل بمجرّد ملامسته واستمر الحال عليه. وإذا كان القذف سريعاً داخل المهبل ووافق إرتواء الرجل إرتواء المرأة، فهذا أمر لا يعتبر عيباً. أمّا إذا تأخّر قذف وارتواء الرجل عن إرتوائها فقد يحس الرجل بانتقاص في قدرته الجنسيّة. وإذا كان إرتواؤه أسرع من إرتواء المرأة ثم أهملها ولم يوصلها للإرتواء بدورها، فقد يشعر الرجل أن المرأة باردة، كما قد تشعر المرأة بالإحباط. وسرعة الإرتواء عند الرجل والمرأة تتعلّق بعوامل كثيرة من بينها عدم إستطاعة الرجل السيطرة على العلاقة الجنسيّة، وتهيّج كبير لدى علاقة مع شريكة أو شريك جديد. وقد يلعب الدين دوراً في سرعة القذف أو في إبطائه. فاليهود الأرثوذكس يرون ضرورة القذف بأسرع وقت ممكن. وهذا يعني أن سرعة القذف هو مصطلح نسبي يختلف من شخص إلى آخر ومن شريك إلى آخر. ويلاحظ أن القذف عند الحيوانات يتم حال إدخال القضيب في مهبل الأنثى [179] .

هذا ولم يثبت علميّاً وجود علاقة بين سرعة أو إبطاء القذف وبين الختان. ولو كان قولهم صحيحاً لواجه غير المختونين مشاكل أكثر من المختونين. ومشكلة سرعة القذف توجد في الولايات المتّحدة حتّى بين المختونين. وارتفاع الختان في هذا البلد من 50% إلى 75% في عام 1980 لم يؤد إلى تقلّص هذه المشكلة، لا بل زادها حدّة. واليهود مثل غيرهم يتّجهون للعيادات الطبّية لمعالجة سرعة القذف رغم ختانهم. وهناك شهادات بعض الأفراد الذين تم ختانهم كباراً. وهم يؤكّدون أن الختان قد حسّن علاقاتهم الجنسيّة بإبطاء سرعة القذف. ولكن هذا قد يكون في زمن محدود بعد العمليّة، ثم ما يلبث أن يعود إلى سرعة القذف. وهناك شهادات مخالفة تماماً من أفراد ختنوا صغاراً ثم إستعادوا غلفتهم عندما كبروا بالوسائل التي سنعرضها لاحقاً. وقد أدّى ذلك إلى إبطاء القذف وسيطرة أكبر على العلاقة الجنسيّة [180] .

يقول الدكتور «تسفانج»، الأخصّائي في علم الجنس، إن فقدان الغلفة يجعل الحشفة أكثر خشونة. وقد يظن البعض أن ذلك يسمح للشخص المختون أن يستمر في العلاقة الجنسيّة لساعات وساعات لارواء شريكته. وحقيقة الأمر هو أن خشونة الحشفة لا تمنع من القذف السريع [181] .

رضى النساء عن ختان الذكور

يرى مؤيّدو ختان الذكور في أيّامنا بأن النساء تفضّل العلاقة الجنسيّة مع المختونين. ولكن هناك آراء تخالف ذلك.

رأينا سابقاً قولاً لموسى إبن ميمون «إنه من الصعب أن تفارق المرأة الأغلف الذي جامعها». أي أنها تجد مع غير المختون لذّة أكثر ممّا مع المختون. وقد تم إستطلاع رأي 139 إمرأة كان لهن علاقات جنسيّة مع مختونين وغير مختونين. وتبيّن منها ما يلي:

- أن الشريك المختون يصل إلى القذف قَبل الأوان بصورة أكبر من غير المختون.

- أن النساء أقل بلوغاً للإرتواء الجنسي في العلاقة مع المختونين.

- أن النساء يقل إحساسهن بالإرتياح وتقل عدد مرّات وصولهن إلى الإرتواء الجنسي مع المختونين.

- أن إفرازات المهبل تضعف مع إستمرار إيلاج المختون. وإذا ما كان الجماع طويلاً، تقل رغبة المرأة في إستمراره.

- أن النساء التي يقل عمرهن عن 29 سنة يفضّلن الوصول إلى الإرتواء من خلال العلاقة الجنسيّة بالفم مع المختونين.

- أن النساء يفضّلن العلاقة الجنسيّة بالفرج مع غير المختونين بدلاً من المختونين.

- أن النساء يشعرن بأن الرجال غير المختونين يجدون متعة أكثر في العلاقة الجنسيّة العاديّة، وأن المختونين أكثر ممارسة للعادة السرّية والجنس بالفم. وهذه الظاهرة قد تكون لأنهم لا يتمتّعون كثيراً بالعلاقة الجنسيّة العاديّة.

- أن العلاقة الزوجيّة والشراكة الجنسيّة أطول مع غير المختونين ممّا مع المختونين. وهذا ما يؤكّد مقولة إبن ميمون. فوجود الغلفة يؤدّي إلى إلفة أكبر بين الزوجين [182] .

وقد جاء في رسالة على الانترنيت بعثت بها إمرأة متزوّجة من رجل مختون لمجموعة تناقش كل من ختان الذكور والإناث. تقول فيها أن زوجها «مختون ومشوّه من جرّاء هذه العمليّة. وهي تشعر بما فقده من لذّة في الجماع» وتضيف:

«الهدف الأخير لختان الذكور هو إضعاف اللذّة الجنسيّة للنساء. فالمرأة الطبيعيّة لا يمكنها الوصول إلى نفس مستوى اللذّة مع رجل مختون مثلما مع رجل غير مختون. وإني متمسّكة برأيي بأن السبب الذي من أجله تم فرض ختان الذكور قديماً هو نوع من التمييز ضد النساء. وما زال ذلك هو سبب ممارسة الختان في أيّامنا. ونحن نشدّد اليوم على ألم الطفل بدلاً من التشديد على الآثار السيّئة لختان الذكور على كل من الرجل والمرأة. وتشعر النساء بأن علاقتهن الجنسيّة ليست على ما يرام، ولكنّهن لا يرين العلاقة بين رداءة العلاقة الجنسيّة وبين ختان الذكور. وهذا أمر حزين. فلو ربطت النساء بين ختان الذكور والعلاقة الجنسيّة الرديئة، لانتهت هذه الممارسة حالاً» [183] .

ويرى مؤيّدو ختان الذكور بأن الطعام اللذيذ لا يمكن إستساغته لو كان في صحن قذر أو على مائدة قذرة. وهم يعتبرون أن العضو التناسلي غير المختون مقزّز بسبب المادّة المرطّبة التي يفرزها. وعلى هذا الأساس، يمنح بعض المسلمين للزوجة المسلمة الحق في تطليق زوجها إن كان غير مختون [184] . ويرد معارضو الختان بأن المادّة الرطبة لدى القضيب هي ظاهرة طبيعيّة تماماً كما هو الأمر لأعضاء أخرى في جسم الإنسان كالأذن والأنف والإبط والفم والجلد ومهبل المرأة. فهذه المادّة عامل وقاية للجسم وتساعد في ترطيبه. وقد رأينا أن هذه المادّة تساعد في العمليّة الجنسيّة. يضاف إلى ذلك أن المادّة المرطّبة عند الرجل تلعب دور الجذب الجنسي وتساعد للوصول إلى الإرتواء. هذا ما أثبتته الدراسات التي أجريت على الحيوان. وعلى كل حال لا يمكن ولا يجب القضاء على هذه المادّة بصورة تامّة، ويمكن المحافظة على النظافة الضروريّة للعضو الذي يفرزها، دون قطعه [185] .

هذا وقد تلعب الثقافة ونفسيّة الإنسان دوراً في علاقة الختان باللذّة الجنسيّة. فالمرأة التي تعيش في مجتمع لا يختن الذكور، قد ترى في الختان عيباً وتصاب بصدمة من هذه الظاهرة. أمّا التي تعيش في مجتمع يختن الذكور، قد ترى في عدم الختان عيباً تتقزّز منه. والعكس صحيح. ففي تغيير السروج راحة، حسب قول المثل. وتقول «رومبيرغ» بأنه يجب تخطّي مثل هذه الإختلافات السطحيّة التي لا أهمّية لها إذا ما قيست بقيم أخرى مثل اللطف والحرص على الآخر والمداعبة [186] .

وقَبل الإنتقال إلى علاقة ختان الإناث باللذّة الجنسيّة نشير إلى أن قبيلة «كيكويو» الكينيّة لا تفصل غلفة القضيب بل تتركها مدلاّة (وتسمّى الفرشاة)، والقصد من ذلك هو زيادة التهيّج الجنسي. وعندما تكون المرأة حاملاً، فإن هذه القطعة تعتبر الحد الذي يمكن للرجل إيلاجه من قضيبه في فرج إمرأته حتّى لا يؤذيها [187] .

2) ختان الإناث واللذّة الجنسيّة

أ) مؤيّدو ختان الإناث قديماً يرون فيه إضعافاً للذّة

رأى مؤيّدو ختان الإناث قديماً فيه وسيلة لإضعاف لذّة المرأة وكبح جماحها لصدّها عن طريق الرذيلة والسيطرة عليها.

فإذا رجعنا إلى الأحاديث التي جاءت في ختان المرأة، وكلّها مشكوك في صحّتها، وجدنا أن أهم حديث في هذا الخصوص يربط بين اللذّة وختان الإناث. وهذا الحديث ينقل قولاً للنبي لامرأة كانت تعمل خاتنة للجواري: «أشمّي ولا تُنهِكي، فإنه أنور للوجه وأحظى للرجل». وهناك صوراً أخرى لهذا الحديث في نفس المعنى [188] . واعتماداً على هذا الحديث، كتب الجاحظ:

«والبظراء تجد من اللذّة ما لا تجده المختونة. فإن كانت مستأصلة مستوعبة كان على قدر ذلك [...]. قال النبي (ص) للخاتنة: يا أم عطيّة أشمّيه ولا تُنهِكيه فإنه أسرى للوجه وأحظى عند البعل. كأنه أراد النبي (ص) أن ينقص من شهوتها بقدر ما يردّها إلى الإعتدال. فإن شهوتها إذا قلت ذهب التمتّع ونقص حب الأزواج. وحب الزوج قيد دون الفجور [...]. وزعم جناب بن الخشخاش القاضي أنه أحصى في قرية واحدة النساء المختونات والمعبرات، فوجد أكثر العفائف مستوعبات [أي مختونات] وأكثر الفواجر معبرات [أي غير مختونات]، وأن نساء الهند والروم وفارس إنّما صار الزنى وطلب الرجال فيهن أعم لأن شهوتهن للرجال أكثر. ولذلك إتّخذ الهند دوراً للزواني. قالوا: وليس لذلك عِلّة إلاّ وفرة البظر والغلفة» [189] .

ويكرّر علينا الفقهاء نص الجاحظ هذا مع بعض الإختلافات [190] . وذكر إبن تيميّة: «إن المقصود بختان الرجل تطهيره من النجاسة المحتقنة في الغلفة، والمقصود من ختان المرأة تعديل شهوتها، فإنها إذا كانت غلفاء كانت مغتلمة شديدة الشهوة» [191] . ويضيف في كتاب آخر: «ولهذا يقال في الشائمة: يا إبن الغلفاء! فإن الغلفاء تتطلّع إلى الرجال أكثر. ولهذا يوجد من الفواحش في نساء التتر ونساء الإفرنج ما لا يوجد في نساء المسلمين. وإذا حصلت المبالغة في الختان حصل المقصود باعتدال، والله أعلم» [192] . ويقول إبن قيّم الجوزيّة بأن في ختان الإناث (والذكور) تعديل للشهوتها «التي إذا أفرطت ألحقت الإنسان بالحيوانات، وإن عدمت بالكلّية ألحقته بالجمادات. فالختان يعدّلها ولهذا تجد الأغلف من الرجال والغلفاء من النساء لا يشبع من الجماع» [193] .

هناك إذاً عند الفقهاء القدامى رغبة في كبح جماح شهوة المرأة والسيطرة عليها حتّى لا تنظر لغير زوجها وتنزلق للرذيلة. ونجد تعبيراً بليغاً لموقفهم هذا في قول لمالك ينقله لنا الباجي: «ومن إبتاع أمة فليخفضها إن أراد حبسها وإن كانت للبيع فليس ذلك عليه» [194] . ومعنى ذلك أنه أسهل على صاحب الأمة السيطرة عليها في البيت إذا كانت مختونة.

ب) معارضو ختان الإناث في أيّامنا يرون فيه أيضاً إضعافاً للذّة

يشدّد معارضو ختان الإناث في مصر على أن بتر البظر يؤدّي إلى إنتقاص في اللذّة الجنسيّة عند المرأة. تقول الدكتورة نوال السعداوي:

«البظر [...] يتميّز بأنه العضو الوحيد الذي يشتمل على أنسجة قابلة للإنتصاب أثناء الإثارة الجنسيّة وعلى أكثر الأعصاب حساسيّة بلذّة الجنس. وهو الذي يقود العمليّة الجنسيّة من أوّلها إلى آخرها. وبدونه لا تصل المرأة إلى قمة اللذّة التي يصاحبها الإنزال وتنتهي به العمليّة الجنسيّة.

ويتشابه البظر مع عضو التذكير عند الرجل في شكله وتكوينه وشدّة حساسيّته وأهمّية دوره في الجنس. ولا عجب في ذلك ولا غرابة. فأصلهما واحد في الجنسين، والخلايا التي تصنع البظر هي نفسها الخلايا التي تصنع عضو التذكير. لكن الذي يحدث خلال تطوّر الجنين أن البظر في الأنثى يتوقّف عن النمو في مرحلة من المراحل وأن عضو الذكر يستمر في النمو فترة أطول. لكن المجتمع، وقد قرّر لأسباب إقتصاديّة أن دور المرأة الوحيد في الحياة هو إنجاب وخدمة الزوج والأولاد، فقد رأى حرمان المرأة من اللذّة الجنسيّة التي قد تشغلها عن الدور الذي رسمه المجتمع لها.

وقد نتج عن هذا أن جهل الرجل بظر المرأة وتجاهله، ولم يعرف إلاّ المهبل لأنه الأداة الوحيدة لإمتاعه. وتصوّر الرجل بسبب الجهل أنه ما دام يصل هو إلى قمة اللذّة عن طريق مهبل المرأة فلا بد أن المرأة أيضاً تصل إلى قمة اللذّة عن طريق المهبل. وبسبب الأنانيّة لم يستطع الرجل أن يكتشف خطأه ويتعرّف على الطريق الذي يمكن أن يصل بالمرأة إلى اللذّة» [195] .

ويقول الدكتور ماهر مهران:

«أن نسبة الضعف في التجاوب في التي أجريت لهن عمليّة الختان تصل إلى 54% ويرجع هذا إلى إستئصال المناطق الحسّاسة اللازمة للتفاعل الجنسي. وممّا لا شك فيه أن عدم تجاوب المرأة في اللقاء الجنسي يؤدّي إلى مشاكل عديدة أوّلها عدم تواصل التعاون الجنسي بين الزوج والزوجة، ممّا يؤدّي إلى إحتقان مزمن في الحوض والألم وإفرازات مهبليّة بجانب التوتّر العصبي والنفسي» [196] .

ويقول الدكتور محمّد سعيد الحديدي:

«ما حال أحدنا إذا قطع لسانه لا سمح الله وأريد منه أن يتذوّق شيئاً ليحكم عليه. لا شك أنه يستحيل عليه ذلك. نعم قد يستسيغ الطعام الذي يأكله لأن له رائحة ذكيّة أو لأن شكله جميل أو لأنه يعرف عنه أنه غذاء لذيذ شهي فيقتنع من ناحية معنويّة فقط أن هذا الغذاء سيفيده.

هذا بالضبط يا حضرات السادة سؤالي الذي أوجّهه إليكم اليوم والذي أريد منكم الإجابة عنه. ولا شك أنه بدهي تماماً. فكيف يمكن للزوجة المخنّثة التي أستئصِل منها العضو الخاص بالحساسيّة الجنسيّة أن تتذوّق هذه الناحية من الشعور والإحساس. لا شك أن سبيل إقناعها من هذه الناحية يصبح عسيراً صعباً وطويلاً. وهذا ما نشاهده في جميع النساء المخنّثات، وقد نتج عن نقص في الحساسيّة الجنسيّة تستعيض عنه المرأة بطول المدّة اللازمة لإقناعها من هذه الناحية وقلّما يمكن إقناعها» [197] .

ويحاول الكتّاب الغربيّون صياغة فكرهم بصورة علميّة. فيقول الدكتور «جيرارد تسفانج» أن النظام العصبي يكون عند الولادة في مراحله البدائيّة ويبدأ بالتطوّر بين سن الثانية والثالثة بواسطة اللمس اليدوي عندما يكتشف الطفل جسده. وتطوّر حلقة اللذّة الجنسيّة عند البنت متأخّر بالنسبة لتطوّر حلقة اللذّة عند الولد لأن قضيب الولد ظاهر بخلاف البظر عند البنت. فقد لوحظ أن هناك أطفال يمارسون العادة السرّية منذ وجودهم في رحم والدتهم. وعند البنت تتم حلقة أعصاب اللذّة وتصبح ذات فاعليّة ما بين سن السادسة والسابعة. ومع ممارسة العادة السرّية، يستمر تطوير تلك الأعصاب. وتطوّر الجنس عند البنات يتم فقط في الحقبة الثانية من عمرهن، أي بعد عمر عشر سنين. ففي هذا العمر يمكنهن أن يمارسن الجنس. وقد يحسسن باللذّة الجنسيّة من خلال أعصاب المهبل حتّى وإن تم قطع البظر قَبل ذلك على شرط أن تكون أعصاب اللذّة قد تطوّرت قَبل قطع البظر. وهناك نساء مختونات تدّعي أنهن وصلن لذروة اللذّة. وقد يكون هذا ممكناً إذا تم ختانهن في عمر متأخّر بحيث كانت الأعصاب متطوّرة وتم تهييجها بواسطة المهبل. ولكن لإثبات تلك الإدّعاءات يجب القيام بفحوصات في المختبرات. ومثل هذه الفحوصات غير متوفّرة لتبديد الشكوك [198] .

وقد قال في المؤتمر الذي عقد حول ختان الإناث في جنيف عام 1977 بأن 90 إلى 95% من النساء المختونات مصابة بالبرود الجنسي بصورة نهائيّة، خاصّة عند التي ختنت صغيرة ولم تجرّب اللذّة الجنسيّة قَبل ختانها. فحتّى يتم شعور المرأة المختونة باللذّة الجنسيّة يجب عليها أن تكون قد جرّبت تلك اللذّة من خلال البظر قَبل قطعها. والقول بأن النساء المختونات تستمر بالشعور باللذّة ما هو إلاّ خرافة. فليس هناك أي برهان على ذلك مخبريّاً [199] .

وقد دار جدل حاد في المؤتمر الذي عقد في لوزان عام 1996 بين هذا الطبيب وسيّدة إفريقيّة مختونة قالت بأنها تصل إلى الإرتواء الجنسي رغم ختانها. فأجابها الطبيب بأن الآلات التي تقيس اللذّة الجنسيّة لم تسجّل مثل تلك الظاهرة وأنه يقترح على من تدّعي عكس ذلك أن تعرض نفسها للفحص. وقد إعتبرت النساء قوله هذا إهانة. فرد عليهن بأنه كعالم للجنس عليه أن يبحث في موازين علميّة للتحقّق ممّا يقال ولا يقصد بتاتاً الإهانة.

ج) مؤيّدو ختان «السُنّة» في أيّامنا يرون فيه تعديلاً أو تقوية للذّة

يفرّق الكتّاب المسلمون عامّة بين «ختان السُنّة» الذي يجرى عملاً بالحديث النبوي «أشمّي ولا تُنهِكي»، والأنواع الأخرى الأكثر قسوة. وهم إذ يدينون هذه الأنواع، يقبلون بختان السُنّة ويعتبرونه وسيلة لعديل شهوة المرأة دون إلغاء لذّتها الجنسيّة. لا بل هناك من يرى في ذلك الختان وسيلة لزيادة لذّة كل من الرجل والمرأة. يقول الشيخ محمود شلتوت:

«إن تلك «الزائدة» من شأنها أن تحدث عند الممارسة مضايقة للأنثى، أو للرجل الذي لم يألف الإحساس بها، ويشمئز منها، فيكون خفضها مَكرُمَة للأنثى، وفي الوقت نفسه مَكرُمَة للرجل في الفترات المعروفة. وختان الأنثى بهذا الإعتبار لا يزيد عمّا تقتضيه الراحة النفسيّة واستدامة العاطفة القلبيّة بين الرجل وزوجته، من التزيّن، والتطيّب، والتطهير من الزوائد الأخرى التي تقترب من هذا الحمى» [200] .

ويرى عبد السلام السكّري:

« إن الأمر بخفاض الإناث ذو شقّين من المصلحة: الشق الأوّل: إنه يحد من غلواء شهوة المرأة حتّى لا تقع في المحظور. والشق الثاني: إن خفاضها يطيل اللذّة الجنسيّة بما يحصل به الإرواء الجنسي، وبالتالي يتحقّق الإحصان الكامل من الزوجين» [201] .

وهناك إعتقاد شعبي في مصر أن ختان الإناث يجعل البنت تفور. وقد ذكرت مجلّة صباح الخير المصريّة في 3/11/1994 نقلاً عن شابّة مصريّة إسمها أمال - 19 سنة - بائعة بمحل:

«حينما وضعوني على «الماجور» كنت أستعطف أمي قائلة: يا أمّه حرام عليك. بتعملي فيّ كده؟ أهون عليك يا أمّه؟ فقد كنت كبيرة (11 سنة) وأعي بالأحداث التي حولي. كما كنت قد رأيت بنات كثيرة أجريت لهن هذه العمليّة ومدى الألم الذي تعرّضن له. كانت أمي كما أتذكّر تبكي معي وهي «تخلّعني» ملابسي قائلة «عشان تكبري وتفوري وتتخني». ولا أنسى نظرات «عم إسماعيل» حلاّق أخويا في جسدي كلّه وهو يعد الموسى وضربة في «الكويتشة الطويلة» ويسألهم: «أكلّتوها اللحمة وشرّبتوها اللبن ولا لسه»؟ حينما لمسني لم أصرخ من الألم قدر ما صعب علي جسمي الذي أخفيه من أبي وأمي وأخواتي، بعدها وضع لي «شويّة بن» وقطن ونصحني ألاّ أتحرّك من سريري لمدّة 10 أيّام. كل هذا كوم وعذاب أوّل مرّة أدخل الحمّام كان كوم ثاني بل كثيراً ما أتشعره للآن!»

ونشير هنا إلى أن الغرب قد لجأ في السابق إلى ختان الإناث للحد من العادة السرّية واللذّة الجنسيّة. ومع دراسات فرويد زاد الإهتمام بالجنس وتحوّل الفكر الغربي من كبح للذّة إلى البحث عنها كحق من حقوق الفرد. وانعكس هذا على الختان، وخاصّة ختان الأنثى. وكان فرويد يعتبر البظر عضواً ثانوياً للذّة مقارنة بالمهبل. وقد نشرت إحدى تلميذاته «ماري بونابارت» دراسة عام 1924 تقول فيها إن البظر مهم للعلاقة الجنسيّة وأن الإثارة الجنسيّة مرتبطة بقربه من فتحة البول. ولذلك إقترحت أن تقرّب بينهما وذلك ببتر اللحم المحيط بالبظر من جانبيه. وقد قام بتلك العمليّة الطبيب «جوزيف هالبان» من فينا عام 1932 على خمس نساء. وكانت التجربة فاشلة [202] . ورغم ذلك فقد أيّدت السيّدة «جودي لورنس» هذه النظريّة كوسيلة لزيادة اللذّة عند المرأة في كتاب لها صدر عام 1973 عنونته «البحث عن الإرتواء الكامل» [203] .

وقد كتب الدكتور اليهودي «راثمان» في عام 1959 مقالاً يقترح فيه قطع غلاف البظر إذ إن هذه العمليّة، في رأيه، قد أثبتت فائدتها منذ أكثر من 3000 سنة. بالإضافة إلى إمكانيّة اللجوء إلى هذه الوسيلة عندما يكون هناك حاجة لتصليح عيب في الشكل لتضخّم الغلفة أو عطل ميكانيكي، يرى هذا الطبيب فائدة من مثل هذا القطع في الحالات التالية:

- إذا كانت المرأة تجد صعوبة في الوصول إلى الإرتواء الجنسي أو لا تصل إليه.

- إذا كانت المرأة غير راغبة في العلاقة الجنسيّة رغم أنه لا يوجد هناك عيب في الغلفة. وهنا تساعد العمليّة لحل مشاكلها النفسيّة.

- إذا كان الرجل بليداً ويصعب تثقيفه. فهذه العمليّة تساعده ليجد طريقه لبظر المرأة بسهولة.

- إذا كان البظر صغيراً. وهنا تساعد العمليّة في إبرازه.

ويذكر هذا الطبيب أن إمرأة عمرها 34 سنة طلّقت خمس مرّات قَبل أن تلجأ إليه. فوجد أنها تعاني من تضخّم وضيق في الغلفة وأنها لم تصل أبداً للإرتواء. وبعد أن أجرى عليها الختان، عادت وتزوّجت مع آخر رجل طلّقته ولم يعد عندها أيّة مشكلة جنسيّة. وهي تتأسّف لأنها ضيّعت أربع فرص أخرى. ولإجراء هذه العمليّة، عرض هذا الطبيب بالصور آلة من إختراعه تشبه الكمّاشة لها رأس مدبّب على شكل مثلّث يكون طرفها الأعلى مسنّن ومفرغ من الداخل. يوضع طرف الكمّاشة الأسفل بين البظر والغلفة وطرفها الأعلى فوق الغلفة، ويكبس بشدّة على الغلفة التي تقطع بمشرط جراحي على حافّة الطرف الأعلى حتّى يبين الطرف الأسفل للكمّاشة [204] .

وقد نشر الدكتور «ليو وولمان» عام 1973 مقالاً مدافعاً عن ختان الإناث كوسيلة لزيادة للذّة [205] ، وهو طبيب في مستشفى «إبن ميمون» في «بروكلين». وقد إعتمد خبير منظّمة الصحّة العالميّة الدكتور «روبيرت كوك» عام 1976 على كتابات «راثمان» و«وولمان» لكي يبرّر إهماله لهذا النوع من الختان باعتباره ختاناً مفيداً. ونشر الدكتور «بورت» عام 1975 كتاباً عنوانه «جراحة الحب» [206] يدّعي فيه أن السعادة الجنسيّة تتم ليس بتقريب البظر من الفرج، بل بتقريب الفرج من البظر بقطع العصب العصعصي وإجراء ختان غلفة البظر. وكان «بورت» جرّاحاً يخيط الفروج بعد شقّها عند الولادة [207] .

وقد نشرت المجلاّت الشعبيّة الأمريكيّة مقالات مؤيّدة لختان الإناث. ففي عام 1973، نشرت مجلّة Playgirl التي يقرأها ستّة ملايين شخص، مقالاً عنوانه: «ختان المرأة ألطف قطع على الإطلاق» [208] . وبعد سنة ونصف من ذلك المقال نشرت مقالاً آخراً لنفس الكاتبة عنوانه «جراحة بمائة دولار لحياة جنسيّة تساوي مليون دولار» [209] . وبعث طبيب برسالة للمجلّة شاكراً للمقال وقائلاً بأنه يجري تلك العمليّة وأن قرابة 15 إلى 20% من السيّدات قد تستفيد منها [210] . كما نشرت مجلّة Cosmopolitan الواسعة الإنتشار عام 1976 مقالاً إعتبرت فيه أن ختان الإناث المتمثّل في بتر غلاف البظر هو إحدى وسائل زيادة اللذّة الجنسيّة عندهن وذلك بتقريب البظر من فتحة الفرج حتّى يلامس القضيب في العلاقة الجنسيّة. وهذه المجلّة تقول إن ختان الإناث قد يفيد 10% من النساء [211] . وقد قدّر «فالرشتاين» في كتابه الذي صدر عام 1980 عدد عمليّات ختان الإناث التي تجرى سنوياً في المستشفيات الأمريكيّة بقصد زيادة اللذّة بين 2000 و3000 عمليّة. ويظن أن ما يجرى في عيادات الأطبّاء الخاصّة أكثر من ذلك بخمسين مرّة. وقد إنتقد هذه االعادة عدد من الكتّاب الأمريكيّين واعتبروا أن هذه الممارسة يجب أن لا تجرى بصورة روتينيّة بل فقط على بعض النساء اللواتي لا يصلن إلى الإرتواء الجنسي. وقد أعلنت إحدى شركات التأمين الأمريكيّة عام 1977 بأنها لن تدفع من الآن وصاعداً مثل تلك العمليّة [212] .

وتوجد على الانترنيت رسالتين من سيّدتين أمريكيتين أزال طبيب غلفة بظرهما لتقوية اللذّة الجنسيّة من خلال إبراز البظر. وتدّعيان بأنهما إستفادتا من هذه العمليّة. وتنصح إحدى السيّدتين أن تفكر جميع النساء في إزالة غلفتهن وأن تلجأ للطبيب عندما يكون عمرهن عشرين عاماً لفحص بظرهن. وتضيف أن ذلك يساعد على النظافة [213] .

وقد نشرت صحيفة Toronto Globe and Mail الكنديّة في 10 نوفمبر 1998 مقالاً عن طبيب يقوم منذ 12 سنة بقص الشفرين الصغيرين وغلفة البظر وتضييق فتحة الفرج لأسباب جماليّة ولزيادة اللذّة. وهو يجري هذه العمليّة على الأقل مرّة كل شهر. وتكلّف العمليّة ما بين 1500 و2500 دولار كندي. وتتم على مجموعتين من النساء: النساء الرياضيّات تتراوح أعمارهن بين 25 و35 سنة اللواتي يردن أن يكون مظهرهن مدخل لهن للعالم، ونساء يعانين من تشوّه خلقي قد يؤثّر على اللذّة الجنسيّة. فقد تكون الشفرة كبيرة فتنحبس خلال ولوج القضيب أو تغطّي البظر تماماً. ويذكر المقال قول طبيب آخر من «تورنتو» بأن عدداً من النساء يرغبن بشدّة في إجراء هذه العمليّة إلى درجة أنه من غير الممكن القول بأنه ذلك ليس لهن حق في إجرائها. كما يذكر شهادة سيّدة أمريكيّة أجرت عمليّة قص الشفرين لأنها كانت غير مرتاحة في العلاقة الجنسيّة وتشعر بألم عندما تركب الحصان أو الدرّاجة [214] .

د) صعوبة التعرّف على علاقة ختان الإناث باللذّة

يظهر من إستطلاع تم في دولة مالي وساحل العاج بأن عدد الباردات جنسيّاً بين المختونات ليس أعلى من عدد الباردات جنسيّاً بين غير المختونات. ويشير البحث بأن الجدل العام حول هذا الموضوع أوجد كبحاً عند بعض النساء المختونات اللواتي يتساءلن بعد قراءاتهن عمّا إذا كانت علاقاتهن الجنسيّة طبيعيّة أم لا [215] .

كما جاء في بحث لماري أسعد من أن مناقشة مع 135 ممرّضة في مصر أوضحت عدم وجود علاقة بين اللذّة الجنسيّة والختان. فقد ذكرت 90% منهن أنهن يتمتّعن بالجنس. ولكنّها أضافت بأن هذه الأرقام يجب أخذها بتحرّز بسبب حساسيّة الموضوع [216] .

وتقول الكاتبة الأمريكيّة «لايتفوت كلاين» إن 90% من النساء السودانيّات اللواتي قابلتهن أخبرنها بأنهن كن يصلن إلى الشبك الجنسي بصورة منتظمة أو في بعض الأحيان. وقد يكون ذلك مبالغ فيه ليظهرن بمظهر الزوجات الجيّدات. ولكنّها تضيف أنه لا يوجد عندها شك في أن الإرتواء الجنسي موجود حتّى عند النساء اللواتي قطعن بصورة قاسيّة [217] .

وتذكر الطبيبة السودانيّة «أسما الضرير» في دراستها حول 2375 إمرأة سودانيّة مختونة منهن 2006 مختونة فرعونيا بأن 50% من النساء لم يشعرن أبداً باللذّة الجنسيّة وأنهن يمارسن الجنس كواجب، وأن 23.3% منهن لا فرق عندهن، والباقيات إمّا أنهن يعتبرن العلاقة لذيذة بصورة عامّة أو في بعض الأحيان. وأشارت أن ما تبيّن لها خلال الإستجوابات حول ما إذا كن يتمتّعن باللذّة الجنسيّة أم لا هو أن ما يشعرن به لا أهمّية له وأن المهم هو إرضاء أزواجهن [218] .

هناك عدّة عوامل تفسّر صعوبة معرفة مدى تأثير ختان الإناث على الشهوة واللذّة الجنسيّة:

- تجهل بعض النساء تعريف اللذّة والإرتواء. فهناك من تعيش في توتّر جنسي وتظن أن ذلك هو الإرتواء خاصّة إذا لم تختبره وليس لديها وسيلة للمقارنة. فالمرأة التي لم تحمل أبداً ساعة في حياتها لا تستطيع أن تتكلّم بصورة واضحة حول مدّة اللذّة. فهي لم تتعامل أبداً مع الثواني والدقائق. فإن قالت سيّدة إن اللذّة طالت دقيقتين أو ثلاثة. فهذا قد يعني أن اللذّة دامت وقتاً قصيراً [219] .

- بعض النساء المختونات تنكر عدم وصولها للذّة خوفاً من أن يطلّقها زوجها إذا ما إكتشف بأن غيرها أكثر لذّة منها، فتقنع بمصيرها [220] .

- تختلف النظرة إلى اللذّة حسب الشعوب والخلفيّات الثقافيّة. ففي المجتمعات حيث يتم ختان الإناث على الطريقة الفرعونيّة، يمكن إعتبار أن أكثر الرجال قد تكيّفوا مع فرج ضيّق لسيّدة تأخذ موقفاً سلبيّاً أو تتألّم. ولكن هذا الوضع سيختلف مع إنفتاح المجتمع واكتشاف أن ختان الإناث ليس منتشراً في كل العالم. وقد يؤدّي ذلك إلى وضع غير مريح. فبعض النساء التي إكتشفت وضعاً مخالفاً في بلاد أخرى بسبب قراءاتها قد يتحوّل رضاهن عن وضعهن إلى كآبة ويصبن بصدمة عصبيّة تتطلّب العلاج [221] . ويرى البعض أن الجدل حول علاقة الختان باللذّة من نتاج الفكر الغربي ونظرته الخاصّة بالجنس. ممّا جعل البعض يرون فيه نوعاً من العنصريّة والإهانة وكثيراً من المبالغات [222] .

- تختلف اللذّة الجنسيّة من إمرأة إلى أخرى. فهناك من يصلن إلى الإرتواء الجنسي بمجرّد القُبلات، وبعضهن قد يصلن من خلال مداعبة الثدي، وبعضهن من خلال مداعبة البظر والشفرين، والبعض الآخر من خلال الإيلاج الشديد للقضيب في الفرج. ومن بتر لها عضو يمكنها أن تطوّر شعوراً باللذّة من خلال عضو بديل. فاللذّة الجنسيّة لا تكمن فقط في نطاق البظر. وعندما تسأل المرأة المختونة ما هو الجزء الأكثر حساسيّة عندها تقول البعض بأنه الثدي أو الرقبة أو البطن أو الفخذين، وقليلاً ما تشير إلى الأعضاء الجنسيّة بصورة عفويّة. ولا يعرف ما إذا كان هذا سببه التحفّظ في الكلام عن هذه الأعضاء أو تحوّل الحساسيّة من الأعضاء المبتورة إلى أعضاء أخرى [223] .

- تحيط باللذّة محرّمات تجعل من الصعب الإباحة بها بصورة مباشرة. فقد كانت الكاتبة الأمريكيّة «لايتفوت كلاين» تسأل مخاطباتها إذا كانت تطلب من زوجها إجراء العلاقة الجنسيّة معها. فأشارت عليها مترجمتها السودانيّة بأنها عليها أن تسأل بدلاً من ذلك ما إذا كانت المرأة تلجأ إلى التبخير. ففي السودان تقوم المرأة التي ترغب في العلاقة الجنسيّة بتبخير نفسها، فيفهم زوجها رغبتها عند شمّه رائحة البخور. ومن عادة النساء السودانيّات عدم إشعار الزوج بأنهن يتفاعلن مع العلاقة الجنسيّة، لأنه ينظر إلى ذلك نظرة سيّئة وقد يؤدّي إلى الطلاق [224] .

ويشار هنا إلى أنه يتم إعادة رتق الفرج بعد الولادة مع إبقاء فتحة صغيرة. والمرأة هي التي تطالب بإجراء هذه العمليّة لها رغم أن زوجها قد يفضّل أن تكون فتحة الفرج أكبر. وإن إعترض زوجها على ذلك، فإنها تذكّره بأن هذا أمر يخص النساء ولا يحق له التدخّل فيه. والهدف من تلك العمليّة هو منع الفرج من التهدّل. وهناك بعض النساء اللواتي يقمن بطلب خياطة فرجهن من جديد حتّى دون ولادة، معتبرة ذلك هديّة منهن لأزواجهن. فالزوجات المتهدّلات الفرج لا يشعرن باللذّة إذ ليس هناك أعضاء يحتك بها القضيب. ممّا يعني أن الهدف من العمليّة ليست فقط لصالح أزواجهن بل لصالحهن. وهذا ما يخلق التقوّلات: «عجوز تبحث عن لذّة جنسيّة». ممّا يدفع بعض النساء إلى التوقّف عن طلب خياطة فرجهن مكتفيات بدورهن كجدّات [225] .

وقد توصّلت دراسة نشرتها منظّمة الصحّة العالميّة إلى النتيجة التالية بعد إستعراضها للآراء المتناقضة:

«جميع أنواع ختان الإناث تؤثّر إلى درجة ما على التجاوب الجنسي للنساء، ولكنّها لا تلغي بالضرورة إمكانيّة حصول اللذّة والإرتواء [...]. فبعض الأنسجة الحسّاسة وجذر البظر مدفونة في عمق العانة ولا تُزال عند بتر الأعضاء الظاهرة. وحتّى النساء المختونات على الطريقة الفرعونيّة يحتفظن بأجزاء سليمة من الأنسجة الحسّاسة من البظر والشفرين. وبعض الدراسات تبيّن أنه بالإضافة إلى الأعضاء التناسليّة الخارجيّة، هناك أعضاء أخرى مهيّجة في جسم الإنسان قد تصبح أكثر إحساساً في حالة ختان الإناث، خاصّة عندما تتم التجربة الجنسيّة بصورة جيّدة مع شريك حريص على مشاعر شريكته. كما أن المكوّنات النفسيّة والدماغيّة للتجربة الجنسيّة تتأثّر بعوامل شتّى لا يمكن دائماً التنبؤ بها. وهناك حاجة إلى دراسات أكثر دقّة قَبل إلقاء الضوء على الآثار الجنسيّة لبتر الأعضاء التناسليّة عند الإناث» [226] .

هـ) رضى الرجال عن ختان الإناث

تختلف نظرة الرجال إلى الأعضاء الجنسيّة الأنثويّة حسب إعتقاداتهم. فمؤيّدو الختان «السُنّي» يرون فيه وسيلة للوصول إلى لذّة الرجل. وقد ذكرنا أن الشيخ محمود شلتوت يرى في إزالة «الزوائد» مَكرُمَة للمرأة والرجل. ويتساءل الدكتور حامد الغوّابي «كيف لرجل أن يختلط بزوجة وهي لها عضو كعضوه ينتصب كانتصابه. أليس ذلك أدعى إلى إستئصال جزء من هذا العضو كما جاء في حديث رسول الله (ص)؟» [227] .

هذا وقد إعتبر الشيخ النفزاوي (توفّى عام 1324) ضيق الفرج وسيلة لزيادة لذّة الرجل. وللوصول إلى ذلك ينصح بما يلي: «ولتضييقه، تحل الشب في الماء وتستنجى به مع ماء السواك فإنه يضيق. ولرد الرحم البارز: يطبخ الخرّوب طبخاً ناعماً بعد إزالة نوائه وقشور الرمان بالماء، وتجلس المرأة عليه دائماً بقدر الإحتمال. فإذا برد تسخّنه وتعيد الجلوس عليه. تفعل ذلك مراراً وتبخّر بروث البقر، فإنه يرجع إن شاء الله تعالى» [228] . وتضييق الفرج لإعادته إلى شكله الطبيعي إذا ما تم شق العجّان عند الولادة أمر معروف في الغرب والقصد منه هو أيضاً زيادة لذّة الرجل والمرأة [229] .

وفي كلمتها أمام مؤتمر أديس أبابا لعام 1987 ذكرت ممثّلة الصومال أن هناك إعتقاد في بلدها أن الرجال لا يتزوّجون البنت إلاّ إذا كانت مشبوكة الفرج. وهذا الرأي ناتج من فكرة أن الرجل يجني لذّة أكبر إذا كانت فتحة فرج المرأة ضيّقة من خلال عمليّة الختان. ولكنّها تقول بأن الأشكال المختلفة لختان الإناث تزيد من ألم المرأة وتنقص من اللذّة الجنسيّة. وقد يؤدّي ذلك إلى إحساس بعدم القدرة عند الرجل [230] .

ويذكر كتاب الممارسات التقليديّة أن «البحوث التي أجريت في السودان على300 زوج سوداني لكل واحد منهم أكثر من زوجة بعضهن مختتنات وبعضهن غير مختتنات. فأجاب 266 منهم بأنهم يفضّلون العلاقة الجنسيّة مع الزوجة غير المختتنة» [231] .

وتقول كاتبة إفريقيّة أن أحد حجج مؤيّدي ختان الإناث هو الإعتقاد بأنه يحسّن القوّة الجنسيّة للذكور لأن البظر يتهيّج مثل القضيب ويؤدّي إلى سرعة القذف. وفي كثير من الجماعات الذكوريّة، يعتبر إنهاء العلاقة الجنسيّة بسرعة إهانة تؤدّي إلى خصومات في العلاقة الزوجيّة. فالرجل يعتقد بأنه هو الذي عليه أن يتحكّم بالعلاقة الجنسيّة للمدّة التي يرغب فيها. ولذلك فإن ختان الإناث يساعد في عدم تدخّل المرأة في تلك المُهمّة [232] .

وإن كان البعض يرون في بتر الأعضاء الجنسيّة للأنثى وتضييق الفرج زيادة في اللذّة، فإن آخرين يرون العكس. فبعض القبائل تلجأ إلى شد البظر والشفرين حتّى تطولان، كما أنها توسّع فتحة الفرج. والرجال في تلك القبائل يقدّرون هذه الظاهرة ويبحثون عن النساء التي أجريت لهن هذه العمليّة [233] .

هناك إذاً تضارب في الآراء حول علاقة ختان الإناث بلذّة الرجل. ولكن يجب الإشارة إلى أن الختان الفرعوني قد يؤدّي إلى علاقة جنسيّة مؤلمة جدّاً في بادئ الأمر لكل من الرجل والمرأة. ولا يمكن تصوّر حدوث لذّة في هذه العلاقة إلاّ إذا إعتبرنا أن الرجل والمرأة مصابان بمرض السادومازوشيّة. وهي حالة مرضيّة معروفة سوف نعود إليها في الجدل الإجتماعي. ففتح المرأة المختونة فرعونياً بقضيب الرجل قد يأخذ من أسبوع إلى عدّة أشهر. وقد يلجأ الزوج إلى شق فرج المرأة بسكّين، أو قد يطلب مساعدة الداية في فتح الزوجة مقابل مبلغ من المال على أن لا تبوح بالسر. وفي بعض الأحيان يحدث قناة جانبيّة يمارس الجنس من خلالها دون علم أن ذلك ليس الفرج. وقد كسر طبيب ثلاث شفرات جراحيّة دون أن يتمكّن من شق فرج المرأة، ثم نجح في مهمّته بمقص قوي. والزوج الذي لا يتمكّن من فتح فرج زوجته يمارس اللواط معها ممّا يؤدّي إلى تشقّق في الشرج [234] . ونشير هنا إلى أن فرج المرأة بعد الولادة يتم تخييطه من جديد ممّا يعني مواجهة مشكلة فتح المرأة من جديد بعد مرور أربعين يوماً من الولادة. وخياطة الفرج بعد الولادة بدعة جديدة ظهرت في المدن السودانيّة منذ 50 سنة [235] .

وتذكر «لايتفوت كلاين» كيف أنها سمعت في الفندق الذي تنام فيه صراخاً وعويلاً شديدين وكأنه نتيجة تعذيب. وعندما سألت صاحب الفندق ماذا جرى وإن كان ممكناً التدخّل للحد من هذا الصراخ والعويل، أجابها بأنه فندق لقضاء شهر العسل ولا يمكن فعل أي شيء. وعندها فهمت لماذا يتواجد فندق شهر العسل قرب المستشفى. وعندما تتم ليلة الدخلة في البيت، فإن الزوجين يدخلان إلى غرفة بينما ينتظر الضيوف خروج الزوجين وقد إنتهيا من مهمّتهما وهم يسمعون صراخهما وعويلهما. وبعد الإنتهاء من المُهمّة يخرج الزوج ومعه زوجته إلى المستشفى لعلاجها وعلاج نفسه بسبب تجرّح قضيبه. وبعض الرجال يلجأون إلى السكر الشديد حتّى لا يحسّوا بالألم الذي يعانون منه وتعاني منه زوجاتهم ليلة الدخلة [236] .

3) الختان وتعاطي المخدّرات

هناك جدل حول علاقة ختان الذكور والإناث بتعاطي المخدّرات. ولكن ما زالت تنقصنا الدراسات الجدّية في هذا المجال، ربّما لحساسيّة الموضوع. ولتشجيع الباحثين، نقدّم هنا عرضاً للآراء التي عثرنا عليها.

أ) ختان الذكور وتعاطي المخدّرات

كتب القليل عن علاقة ختان الذكور بتعاطي المخدّرات. يقول «جولدمان»، وهو معارض لختان الذكور، أنه إذا ما عرف الذكور المختونون أن الغلفة هي جزء من أعضائهم، فإنهم سوف ينظرون لأنفسهم نظرة سلبيّة ممّا يحط من تقديرهم لأنفسهم، خاصّة أن العلاقة الجنسيّة لها صلة قويّة بتقدير الذات. وإذا قَبلنا بأن الختان ينقص اللذّة الجنسيّة، فيجب أن نعتبر أن الختان ينقص تقدير الذات. وهذا له أثر شخصي واجتماعي. فالذي لا يقدّر نفسه لا يقدّر الآخرين. ويؤدّي ذلك إلى الإنعزاليّة، والإحباط واستعمال المخدّرات [237] .

وقد نشرنا في المحلق 24 نصّاً للشيخ محمود محمّد خضر يقول عكس ذلك. فهو يرى أن عدم الختان يؤدّي إلى شدّة الهيجان الجنسي أو سرعته ومن ثم إلى سرعة القذف التي تعتبر من أخطر أمراض العصر. وغالباً ما يلجأ الرجل إلى المخدّرات لتبريد هذا الهيجان وإطالة أمد العمليّة الجنسيّة، وبعض الناس يستعين بالغطاء الذكري لإطالة العمليّة ولو لم يكن بحاجة إليه لمنع الحمل من الجماع [238] .

ب) ختان الإناث وتعاطي المخدّرات

تشير كتابات مصريّة كثيرة إلى علاقة تعاطي المخدّرات بختان الإناث. فقد كتب أحمد أمين:

«في هذه الأيّام من حياتي، أعني في سنة 1950 وما بعدها، نادى بعض الناس بقصر الختان على الذكور دون الإناث، وحجّتهم في ذلك أن ختان البنات قد سبّب إنتشار عادة تعاطي الحشيش والمنزول والأفيون ونحو ذلك0 وذلك بسبب أن البنت إذا إختتنت ثم كبرت فختانها يقلّل من لذّتها الجنسيّة، فيضطر الرجل إلى إستعمال المخدّرات التي ذكرناها لغيابه عند مضاجعتها. فنادوا بعدم ختانها حتّى لا يضطر الرجل إلى مثل هذه المخدّرات؛ ولم تلقى هذه الدعوة في أوّل أمرها كثيراً من الإهتمام» [239] .

ويقول الدكتور محمّد سعيد الحديدي:

«إن المخدّرات والمغيّبات بكافّة أنواعها قد إنتشرت في بلادنا إنتشاراً مخيفاً قد تعدّى كل الإحصائيّات في أي بلد آخر [...] رغم العقوبات الشديدة والقوانين الصارمة التي يؤخذ بها كل من يتجرأ ويتعاطى هذه المخدّرات. ما السر في هذا يا حضرات السادة. لو إهتدينا لهذا السر لوفّرنا على أنفسنا وعلى أمّتنا المال الكثير الذي يبذل لمكافحة هذه الأشياء ولجنينا فوائد أعظم. فكم من أشخاص زجّوا في السجون وكم ضحّوا بأموالهم وعقولهم وأسرهم لتعاطي هذه السموم. ما السر في ذلك إذاً؟

إني أسلّم معكم بأن كثيراً ممّن يتعاطون هذه المواد المخدّرة يتعاطونها لنقص في إدراكهم وتكوينهم العقلي. ولكن ما رأيكم فيمن يتعاطون هذه المواد من أناس يشهد لهم نجاحهم في حياتهم العمليّة والعلميّة والأدبيّة والمادّية بقسط أوفر من رجحان العقل بل النبوغ؟ الجواب بسيط. وهو الرغبة في تخدير الحساسيّة لدى هؤلاء الرجال ليحصل التكافؤ بينهم وبين من يلامسون من نساء مختتنات» [240] .

ويقول الدكتور رشدي عمّار:

«في 62 حالة كان الأزواج يتعاطون المخدّرات أو المشروبات الكحوليّة للمساعدة على الإتّصال الجنسي ولإطالة مدّة العمليّة الجنسيّة رغبة في إشباع الأزواج والزوجات. وبسؤالهن عن النتائج كانت الإجابة أنه أفاد في بعض الحالات وأنه يأتي بنتيجة عكسيّة في حالات أخرى. ونحن جميعاً نعلم أن من أسباب إدمان بعض الرجال على المخدّرات أو المشروبات الكحوليّة هو الرغبة في إشباع الزوجات بإطالة العمليّة الجنسيّة نظراً لزيادة نسبة البرود الجنسي كنتيجة للطهارة» [241] .

ويلاحظ علاقة بين ختان الإناث وآفة ورق «القات» التي تعاني منها اليمن. فعندما حاولت السلطات البريطانيّة منع إستعمال «القات» في إبريل 1957 في مستعمرة عدن كادت تندلع ثورة شعبيّة. فقد إعتبر اليمنيون ذلك المنع إنتهاكاً لحق من حقوقهم الأساسيّة. وقد إستنكرت النساء هذا المنع لأن ذلك يؤثّر على حياتهن الزوجيّة. وقد أجبرت السلطات البريطانيّة إلغاء قرارها في 24 يونيو 1958 [242] .

وقد رد مؤيّدو ختان الإناث على هذا الإتّهام معتبرين أن عدم ختان الإناث هو الذي يؤدّي إلى الإدمان على المخدّرات وليس العكس. فهم يرون أن المرأة إذا لم تختن تبقى شديدة الميل جنسيّاً مع تقدّم العمر على العكس من الرجل الذي يفتر. وحتّى يستطيع مضاهاتها، فإنه سوف يلجأ إلى إستعمال المخدّرات. لكن «في الحالة التي تختتن فيها المرأة نصف إختتان، يكون إحساسها معقولاً، والزوج والزوجة في حالة متساوية» [243] .

ويقول مجدي فتحي السيّد متسائلاً: «ألم تختن النساء على ممر القرون الطوال، فلم يحدث أي تعكير للرجال، ولم يصدر في يوم من الأيّام أيّة علاقة تربط بين ختان النساء والمخدّرات». ويضيف: «كيف بعد دعوة الرسول (ص) إلى ختان النساء يقول لنا هؤلاء بأنه سبب رواج المخدّرات؟! ولكن إذا لم تستح فقل ما شئت، وأصنع ما شئت». ولكن صاحبنا بعد أن إستنكر الختان كما يجرى في السودان وأعتبره حراماً في دين الله وعملاً جاهليّاً، قال إن عواقبه وخيمة ويحرم الرجل والمرأة من اللذّة ويؤدّي أحياناً لشرب المسكرات والمخدّرات من جانب الرجال [244] .

4) الختان والشذوذ الجنسي

أ) تعريف الشذوذ الجنسي

الشذوذ الجنسي يعني ميل الرجل للعلاقة الجنسيّة مع رجل آخر، وميل المرأة للعلاقة الجنسيّة مع إمرأة أخرى. وممارسة الشذوذ الجنسي يمكن أن يكون بموافقة الطرفين أو مفروضاً من طرف على الآخر. وفي العلاقة بين رجلين هناك الداخل والمدخول، وقد يكون هناك تبادل للأدوار. ويمكن التفريق بين نوعين من الشذوذ الجنسي:

- الشذوذ الجنسي العضوي: إذا ما زادت هرمونات الأنوثة على هرمونات الذكورة عند الرجل، فإن هذا الرجل سيجد نفسه أكثر ميلاً للرجال. وإذا ما زادت هرمونات الذكورة على هرمونات الأنوثة عند المرأة، فإن هذه المرأة ستجد نفسها أكثر ميلاً للنساء.

- الشذوذ الجنسي الوضعي: هذا الشذوذ ناتج ليس عن تكوين عضوي، بل بسبب أوضاع خاصّة. فمثلاً إذا سجن رجال في غرفة واحدة لمدّة طويلة ولم يكن هناك منفذ للوصول إلى المرأة، فإن هؤلاء الرجال قد يلجأون إلى العلاقة الجنسيّة بينهم لسد حاجتهم. ونفس الأمر إذا ما حبست نساء في غرفة واحدة دون منفذ إلى الرجل، فإن هذه النساء قد يلجأن إلى العلاقة الجنسيّة بينهن.

والذي يهمّنا هنا هو الشذوذ الوضعي لمعرفة ما إذا كان الختان يجر الرجل أو المرأة إلى ممارسة علاقة جنسيّة شاذّة.

ب) ختان الذكور والشذوذ الجنسي

ليس هناك دراسة شاملة حول علاقة ختان الذكور بالشذوذ الجنسي بسبب حساسيّة الموضوع. وسوف نشير هنا إلى ما وجدناه في هذا المجال ضمن الكتابات العامّة.

يشار أوّلاً أن الغرب قد لجأ إلى الختان لمكافحة العادة السرّية التي تقود، في نظر مؤيّديه، إلى الشذوذ الجنسي [245] .

وقد نشرت مجلّة «نيويورك تايمز» في 2 أكتوبر لعام 1977 أن وكالة المخابرات الأمريكيّة أجرت الختان عام 1961 على 15 طفل بين عمر 5 و7 سنين من عائلات فقيرة لمعرفة ما إذا كان للختان صلة بالخوف من الخصي وما إذا كان هذا الأخير له علاقة بالشذوذ الجنسي. وقد دمّرت هذه الوكالة نتائج بحثها ولم تنكر هذا الحدث [246] .

وتقول «رومبيرغ» بأن أكثر الشاذّين جنسيّاً في الولايات المتّحدة هم من المختونين، وأن هؤلاء الشاذّين يفضّلون العلاقة الجنسيّة الشاذّة مع رجال مختونين. فمنشوراتهم تظهر دائماً صوراً لعراة مختونين رغم أنه بإمكانهم الحصول على صور لغير مختونين من خارج الولايات المتّحدة. وتذكر دراسة للدكتور «فولي» تبيّن أن 32% من المقبولين في مستشفى تابع للبحرّية الأمريكيّة كانوا مختونين، وأن 100% من الذين يعلنون عن أنفسهم شاذّين جنسيّاً بصورة صريحة كانوا مختونين. وتضيف المؤلّفة أن الشذوذ الجنسي موجود أيضاً في أوروبا وفي أجزاء أخرى من العالم حيث لا يمارس الختان بصورة واسعة مثل الولايات المتّحدة. وهذا يعني أن الختان ليس العامل الوحيد للشذوذ الجنسي. ورغم هذا التحفّظ، فإن هذه المؤلّفة تعطي تفسيرين للشذوذ الجنسي عند المختونين:

- الختان قد يورث الخوف من الخصي عندهم. فبعد ختان شخص، أصبح هذا غير قادر على العلاقة الجنسيّة مع النساء. وكلّما حاول دخول إمرأة، أحس بألم كبير. وفي هذه الحالة، أدّى الختان إلى مضاعفات نفسيّة قادته فعلاً إلى الشذوذ الجنسي.

- الإحساس الجنسي عند الطفل يبدأ منذ الساعات الأولى من ولادته. فالطفل يتحسّس جسده بيديه في الدقائق الأولى من حياته. ومنهم من يعتاد على لمس أعضائه الجنسيّة، ومنهم من يلمس فمه ومنهم من يلمس أذنيه، متحسّساً الأعضاء التي يشعر أنها أكثر عذوبة له. وإذا ما إعتبرنا أن الطفل الأمريكي يبتر في الأيّام الأولى من ولادته، فماذا يمكن أن تكون ردّة فعله إذا إكتشف أن أعضاءه الجنسيّة تسبّب له ألماً، لا لذّة؟ [247]

ويقول «جولدمان» أن الشذوذ الجنسي عند الرجل هو بسبب عدم الرضى من العلاقة الجنسيّة مع المرأة. وقد يكون سبب عدم الرضى شعور الرجل بالخجل أو ضعف في تقدير الذات، ممّا يؤدّي إلى صعوبة في التفاعل في مرحلة الإعداد للعلاقة الجنسيّة أو إلى عجز جنسي. وهذا بدوره يؤدّي إلى بحث للذّة إمّا من خلال علاقة مع إمرأة غير زوجته أو في علاقة شاذّة [248] . ويضيف هذا المؤلّف أن الختان يفقد الحشفة غلافها وحساسيّتها ويجعلها جافّة وخشنة ويحرمها من المادّة المرطّبة التي تساعد على إيلاج القضيب في الرحم. وقد يكون هذا هو السبب الذي يجعل ظاهرة ممارسة الجنس بالفم للحصول على اللذّة الجنسيّة أكثر إنتشاراً في الولايات المتّحدة ممّا في الدول الأخرى [249] .

وتشير دراسة أن بقاء الغلفة ضروري للتصرّف الجنسي الطبيعي. فقد تبيّن أن حذفها عند الثدييات وعند الإنسان يؤدّي إلى تشويش في العلاقة الجنسيّة نتيجة تلف الخلايا الناقلة للحس واللذّة. وقد نشبّه ذلك بقطع بعض أسلاك الراديو الداخليّة ممّا يؤدّي إلى تشويش في إستلام المحطّات الإذاعيّة. وهذا ما جعل البعض يربط بين الختان والعادة السرّية والعلاقة الجنسيّة الشاذّة ومص القضيب. فبالختان يحاول الإنسان (والحيوان) التعويض عمّا خسره من خلايا ولذّة بالبحث عن اللذّة خارج مجراها الطبيعي [250] .

ونحن نقدّم تفسيراً للعلاقة بين الختان والشذوذ الجنسي. فالختان قد يخلق وضعاً عند الرجل يشبه وضع السجين. فبالختان يتم قطع جزء من جلد القضيب. وإذا كان القطع كبيراً، فإن جلد القضيب لن يكون كافياً لتغطيته عند إنتصابه، فيحدث شد على الجلد الذي يغطّي الخصيتين. وقد يؤدّي الختان إلى تشويه في القضيب. وهذا يعني تعطيل الوظيفة الطبيعيّة للقضيب، ممّا قد ينتج عنه فقدان اللذّة في العلاقة الجنسيّة مع إمرأة. وهنا يصبح الرجل سجين وضع غير مريح قد يجرّه إلى البحث عن اللذّة بوسائل أخرى، وذلك بأن يسمح لرجل أن يدخله. وقد إستلمت عدّة رسائل من شاب سويسري يقول فيها بأن ختانه قد أدّى به إلى الشذوذ الجنسي، إذ إن العلاقة الجنسيّة مع النساء لم تعد لها أيّة لذّة في عينيه.

هذا ويستبعد طبيب النفس «فافاتزا» أن يؤدّي الختان إلى شذوذ جنسي. فهذه النظريّة تنبع حسب رأيه من تجارب بين أوساط الشاذّين الذين يعطون فقدان غلفتهم أهمّية كبرى تصل إلى التعصّب فيحاولون شدّها [251] . ويرد «بيجلو» بأنه إن كان هناك بعض الشاذّين بين الذين يلجأون لشد غلفتهم، إلاّ أن هذا لا ينطبق على جميعهم، فهناك أيضاً نساء تطلب معلومات عن سبل إسترجاع غلفة أزواجهن [252] .

ويعتبر «بويد» القول بأن الختان قد يؤدّي إلى الشذوذ الجنسي هو نوع من العنصريّة [253] . وهذا المؤلّف معادي لختان الذكور. ويشير إلى أن معاداة ختان الذكور يتواجد بصورة أكبر بين الشاذّين بين الرجال ممّا بين غير الشاذّين. ويرجع السبب في ذلك أنهم إستطاعوا أن يقارنوا بين أعضائهم المبتورة وأعضاء شريكهم في العلاقة الجنسيّة، فيكتشفون الضرر الذي لحق بهم ويعون لما جرى بهم. بينما الرجال العاديين الذين يكتفون بعلاقة مع النساء فلا وسيلة لهم للمقارنة [254] .

ج) ختان الإناث والشذوذ الجنسي

ليس هناك كتابات حول علاقة ختان الإناث بالشذوذ الجنسي. وعلى العكس هناك بعض التلميحات إلى أن عدم ختان الإناث قد يؤدّي إلى الشذوذ الجنسي عندهن.

سنرى لاحقاً أن الغرب لجأ لختان الإناث للحد من العادة السرّية التي تقود إلى الشذوذ الجنسي في نظره. وفي عام 1975، نشر الطبيب الأمريكي «جيمس بورت» كتاباً عنوانه «جراحة الحب» تأييداً لختان الإناث. وقد علّل تأييده لهذه العمليّة بأنها تحد من الشذوذ الجنسي عند النساء [255] .

وتشير مقابلات مع بعض نساء مصريّات أنهن يعتقدن بأن عدم ختانهن يؤدّي بهن إلى العلاقة الجنسيّة الشاذّة والجري وراء الجنس [256] . ونجد هذا الفكر في كتاب «المنتخب من السُنّة» الذي نشره المجلس الأعلى للشئون الإسلاميّة في مصر. ففي هذا الكتاب تعليق على الحديث الذي رواه الحجّاج بن أرطأة «الختان سُنّة في الرجال، مَكرُمَة في النساء»: «مهما قيل في هذا الحديث، فإنه يجب الأخذ به بالنسبة لختان الإناث. فقد دلّت الحوادث على أن ترك ختانهن يؤدّي بهن إلى أخطر العادات، حيث تشيع فيهن عادة السحاق. وقد ثبت من الإحصائيّات أنه لا وجود لهذه العادة إلاّ في البلاد التي لا تختتن فيها الإناث» [257] . ولم يذكر لنا هذا الكتاب أي مصدر لهذه الإحصائيّات للتحقّق منها.

وهذا القول يعني أن المرأة ستشعر أن عندها قضيب صغير، فتمارس دوراً شبيهاً بدور الذكر مع المرأة وتعاشر المرأة مثلها. ويرد الدكتور محمّد رمضان على هذا القول:

«الواقع يكذّب هذا، والشذوذ الجنسي هذا، هو إنحراف في النفس والسلوك، وليس مرتبطاً بأي عضو من الأعضاء سواء كان العضو صغيراً أم كبيراً. ألا نرى أن عضو الرجل كبير وأنه وسيلته الأساسيّة في المعاشرة؟! فهل وجوده بهذا الحجم أدّى إلى إنحرافه وممارسته الشذوذ؟ وكأنهم بهذا يلقون الذنب والخطأ على هذا العضو!! وهل العلاج أن تكون الوقاية قطع هذا العضو لكل النساء، وتقصيره لكل الرجال مثلاً؟! إن هذا لا يقرّه شرع أو دين، بل لم يرد أن الرجل إذا مارس الشذوذ الجنسي، قمنا بقطع عضوه حتّى لا يعود إلى ذلك» [258] .

5) تأثير الختان على الزواج

العلاقة الزوجيّة مبنيّة على التفاهم وتلبية المصالح بين الزوجين، ومن بينها اللذّة الجنسيّة. وإذا ما أصاب العلاقة الجنسيّة ضرر، فإن ذلك ينعكس سلبيّاً على الحياة الزوجيّة. وهذا ما جعل البعض يرى أن الختان، خاصّة ختان الإناث، يؤدّي إلى الطلاق وتعدّد الزوجات.

أ) تأثير ختان الذكور على الزواج

يرى باحث أمريكي أن ختان الذكور سبباً لتعدّد الزوجات وعلاقات جنسيّة خارج الرابطة الزوجيّة بحثاً عن اللذّة المفقودة. كما أنه قد يؤدّي إلى تفكّك العلاقة الزوجيّة والى الطلاق.

ففد بيّنت دراسة أجريت على 4500 إمرأة أن 80% منهن غير راضيات عن علاقتهن بأزواجهن، وأن 90% من النساء اللواتي طلّقن بناء على طلبهن كان سبب ذلك الوحدة وفقدان المشاعر داخل الزواج، وأنهن كن يتمنّين لو أن زوجهن أكثر كلاماً معهن وأكثر إنفعالاً شعوريّاً. ويظهر ضعف الإنفعال الشعوري بدرجة أكبر عند الرجال من النساء. وسبب ذلك أن الذكور يلقون حناناً أقل من الإناث في صغرهم في الحياة العائليّة. وأحد مؤثّرات إنخفاض الإنفعال الشعوري هو حدوث صدمة. وكلّما كانت الصدمة في عمر أصغر، كلّما كان أثرها أكبر على صحّته النفسيّة. وهنا نرى دور ختان الذكور كصدمة تؤدّي إلى خلق مشاكل داخل الحياة الزوجيّة وتؤدّي إلى الطلاق. وقد بين البعض أن هناك علاقة بين نسبة الختان ونسبة الطلاق في الولايات المتّحدة، كما هناك علاقة بين إرتفاع نسبة الختان وارتفاع عدد غير المتزوّجين [259] .

هذا وقد بيّنت دراسة بأن الشراكة الجنسيّة بين المرأة وغير المختونين تدوم مدّة أطول من الشراكة مع المختونين بسبب الإلفة التي يحس بها الشريكين في العلاقة الجنسيّة. وهذا يبيّن صدق مقولة إبن ميمون بأن المرأة التي تمارس الجنس مع غير المختون يصعب فصلها عنه [260] .

وقد تنبّه مؤيّدو ختان الذكور لهذه النظريّة فحاولوا إثبات العكس. فقد ذكرت دراسة نشرت عام 1998 أن الختان مثل بتر أي جزء من الإنسان يؤثّر على الخلايا العصبيّة في المخ، خاصّة إذا تم ذلك البتر في سن مبكّرة. وهذا بدوره يؤثّر على التصرّف الجنسي للفرد، فلا يلغي الرغبة في الجنس ولكن يخفّفها. ونفس الأثر ينتج عن تخشّن الحشفة. فيكون الختان نوعاً من الخصي العصبي الضعيف. وتستشهد هذه الدراسة بقول إبن ميمون السابق الذكر في هذا المجال [261] . ولكن هذه الدراسة ترى في ختان الذكور فائدة تساعد في بقاء الجماعة اليهوديّة:

1- إضعاف الشهوة الجنسيّة يقلّل من عنف الشباب وتنافسهم على النساء ممّا يمثّل خطراً على بقاء الجماعة.

2- إضعاف الشهوة الجنسيّة تجعل الرجل في مستوى المرأة التي هي أقل إندفاعاً من الرجل في العلاقة الجنسيّة.

3- هذا التساوي يساعد في الحفاظ على متانة الزواج ويقلّل من حالات الخيانة الزوجيّة [262] .

وتطرح هذه الدراسة السؤال لماذا إذاً لا تمارس كل الجماعات البشريّة الختان إذا كان في الختان فائدة جماعيّة؟ وتجيب بأن بعض الجماعات البشريّة تتّبع نظاماً بديلاً للختان لتهدئة الشباب، وهو إختلاط الذكور والإناث، بالإضافة إلى أن مناطق الشمال الباردة أقل إندفاعاً للجنس [263] .

وهذه الدراسة قد تأثّرت في النقطتين الثانية والثالثة بالفكر الإسلامي الذي ذَكَرْته في مقال لي وضع في مراجع تلك الدراسة [264] . فقد عَرَضْت في ذلك المقال ما سنراه في النقطة السابقة بأن المسلمين يرون أن ختان الإناث يضعف الغريزة الجنسيّة عند النساء ويساوي بينها وبين غريزة الرجل. وهذه الدراسة قامت فقط بقلب تلك النظريّة لصالح ختان الذكور.

ب) تأثير ختان الإناث على الزواج

يرى عامّة مؤيّدو ختان الإناث، أن الغاية منه منع إنحراف البنت وتهذيب ميولها الجنسيّة. ويعتقدون أن الختان يؤثّر أيضاً إيجابيّاً على العلاقة الزوجيّة. يقول الدكتور حامد الغوّابي:

«إن الرجل دائماً هو أكبر من زوجته في السن. وقد يكون الفارق بينهما عشر سنين أو خمس عشرة أو عشرين سنة أو أكثر كما نرى في بلادنا. فما بال هذا الرجل إذا بلغ سن الخمسين أو أكثر، وقد فتر نشاطه وضعفت حيويّته، وكانت زوجته لا تزال في سن الثلاثين أو أقل بأعضائها السليمة الحسّاسة؟! كيف لمثل هذا الرجل أن يحتفظ بصحّته وهو يجد أمامه زوجة لا تزال في عنفوان الشباب، قويّة الإحساس، وهو قد فتر إحساسه، شديدة الميل وهو قد قل ميله. فماذا تكون النتيجة؟ هنا يضطر الرجل إلى تناول المكيّفات كالحشيش، ولكن في الحالة الأولى التي تختتن فيها المرأة نصف إختتان، يكون إحساسها معقولاً، والزوج والزوجة في حالة متساوية» [265] .

ولكن يرى المعارضون أن العكس هو الذي يحدث. يقول الدكتور ماهر مهران:

«إن نسبة الضعف في التجاوب في التي أجريت لهن عمليّة الختان تصل إلى 54%. ويرجع هذا إلى إستئصال المناطق الحسّاسة اللازمة للتفاعل الجنسي. وممّا لا شك فيه أن عدم تجاوب المرأة في اللقاء الجنسي يؤدّي إلى مشاكل عديدة أوّلها عدم تواصل التعاون الجنسي بين الزوج والزوجة، ممّا يؤدّي إلى إحتقان مزمن في الحوض والألم وإفرازات مهبليّة بجانب التوتّر العصبي والنفسي. وقد أدّى ذلك في كثير من الحالات إلى مشاكل أسريّة عنيفة قد تنتهي بالطلاق. كما أن ذلك سبب من الأسباب الهامّة التي أدّت إلى إنتشار المخدّرات بين الأزواج متصوّرين أن في ذلك حلاً للمشكلة»

ويضيف:

«لا شك أن المشاكل الجنسيّة والنفسيّة الناتجة عن طهارة الإناث تنعكس على الزوج. وقد وجد أن 10% من الأزواج يشكون من ضعف أو قذف سريع كما أن 18% من الأزواج يستعملون المخدّرات ولا سيما الحشيش تدخيناً، كما أن 3% من الأزواج متزوّجون من زوجة أخرى حلاً للمشاكل الجنسيّة والأسريّة» [266] .

وتقول الدكتورة سهام عبد السلام أنه في حالة الإحباط الجنسي المتكرّر قد يحدث إكتئاب لدى بعض السيّدات، أو قد يدفع ببعضهن للعصبيّة وإثارة النكد بلا مبرّر. وقد تنحرف من لم تحظ بتنشئة إجتماعيّة قويمة وتبحث عن أكثر من شريك لمحاولة الوصول إلى الإشباع الجنسي الذي ينقصها [267] .

وتقول طبيبة من «سيراليون» أن ختان الإناث يؤدّي إلى مشاكل زوجيّة، خاصّة في المجتمعات التي تمارس تعدّد الزوجات. فالختان يضعف التجاوب الجنسي مع ما يصاحبه من إضطرابات عقليّة. وهذا يصل إلى فقدان الرغبة في الحياة عندما ترى أن زوجها يتركها عاطفياً ليذهب إلى أخرى لعدم تجاوبها معه جنسيّاً [268] . وتشير هذه الطبيبة أنها قامت بمقابلات مع 50 سيّدة مارست الجنس قَبل ختانها. وقد تبيّن بأن لا أحد منهن قد وصلت بعد الختان إلى مستوى اللذّة التي كانت تشعر به قَبل الختان. ولم تكن هذه السيّدات تعي أن سبب ذلك هو الختان. وقد حاولت بعضهن البحث عن الزوج المثالي متنقّلة من رجل إلى آخر ممّا أدّى إلى فقدان زوجها وخراب بيتها. وهكذا بدلاً من أن يكون ختان الإناث وسيلة لمنع العلاقة الجنسيّة خارج الزواج، أدّى ذلك الختان إلى نتيجة عكسيّة تماماً [269] .

هذا وقد ذكرنا أن الختان الفرعوني كما في السودان يخلق صعوبة لفتح فرج المرأة. والرجل الذي لا يتمكّن من فتح فرج زوجته في ليلة الزواج قد يصاب بشعور بعدم القدرة الجنسيّة. وهناك حالات إنتحار نتيجة لهذا. ويقدّر أن 20% من السودانيين الذين تزوّجوا إمرأة ثانية كان سببه عدم تحمّلهم فتح زوجتهم التي يخاط فرجها بعد كل ولادة بصورة أضيق [270] . والمشكلة في هذا البلد هي أنه إذا وجد الرجل إمرأته غير مختونة، فإنه يفرض عليها الختان. وإذا إستطاع فتحها بسهولة، ظن أنها ليست بكراً فيقوم بتطليقها [271] . وهناك إعتقاد بأنه إذا لم تكن المرأة مختونة، فإن زوجها سوف يسارع إلى إتّخاذ زوجة أخرى أو إلى التردّد على العاهرات [272] .

ويبيّن الدكتور محمّد سعيد الحديدي كيف أن ختان الإناث يؤثّر على تصرّفات النساء في المجتمع المصري وظاهرة الزار. يقول هذا المؤلّف:

«ما أثر ذلك الحرمان [من اللذّة الناتج عن ختان الإناث] في نفسيّة المرأة؟ [...] إن المرأة التي فقدت أغلب حساسيّتها الجنسيّة والتي يصعب إمتاعها وقلّما يمكن إمتاعها لطول المدّة التي تحتاجها إلى ذلك، تصبح في ثورة نفسيّة كامنة وتزداد حدّة في طبعها وعصبيّة في مزاجها. [...] ومسكينة تلك المرأة البائسة التي تعبّر عن هذه الثورة بما نعرفه يا حضرات السادة، ونشاهده في بعض الأسر المصريّة، ألا وهو الزار. فالزار يا حضرات السادة نتيجة مباشرة لختان المرأة. وإلاّ فأجيبوني يا حضرات السادة، لما لم يعرف الزار إلاّ في بلادنا؟ ألا تسكن العفاريت إلاّ في مصر جنّة الله في أرضه؟ ما علمت من إمرأة عليها زار إلاّ وكانت مصريّة أو متمصّرة ومختتنة. حري بكم وبنا أن نوجد علاجاً لهذا النقص الإجتماعي في بيئتنا. وقد عرفتم السبب فعليكم بالعلاج» [273] .

وكما طرح موضوع أثر ختان الإناث على العلاقة الجنسيّة، طرح كذلك موضوع مط البظر والشفرين كما تمارسه بعض القبائل. وقد ذكر كاتب إفريقي أن هذه العادة لا تترك أي أثر نفسي أو إجتماعي سلبي، لا بل إنها تساعد على زيادة اللذّة عند كل من الرجل والمرأة وتحمي المرأة من البرود الجنسي. كما أنها تجنّب المرأة خطر تحويلها إلى آلة إنجاب فقط. وعليه فإن هذه العادة هي عامل إتّزان نفسي وجنسي للمرأة وعامل تماسك بين الزوجين [274] . لكن ممّا لا شك فيه هو أن هذه العادة إذا فرضت في الصغر تعتبر تدخّلاً في الحرّية الشخصيّة وخرقاً للحق في تقرير المصير الجنسي.

الفصل السادس: الفوائد الصحّية المزعومة لختان الذكور والإناث

يقول الدكتور «دينيستون»:

«لا توجد في تاريخ الطب كمّية هائلة من المعطيات المغلوطة كالتي قدّمت لتبرير عمليّة الختان الضارّة. وكلّما أثبت علميّاً خطأ تلك المعطيات، إخترعنا حالاً حججاً جديدة [...]. إن محاولة إستعمال العلم لتبرير الختان هو تعسّف في إستعمال العلم. فليس هناك أي سبب علمي أو طبّي لتبرير الختان الروتيني» [275] .

رأينا في الفصول السابقة أن الختان عمليّة يتم فيها بتر عضو سليم، ينتج عنها ألم وأضرار صحّية وجنسيّة. وقد حاول مؤيّدو ختان الذكور والإناث عبر التاريخ إثبات أن للختان فوائد صحّية، منتقلين من حجّة إلى أخرى، مغتنمين الأمراض التي تزرع الرعب في قلوب الناس، آخرها الإدّعاء أن الختان يقي من مرض الإيدز. ويرد عليهم المعارضون بأن هذه الفوائد مزعومة وهي على كل حال لا تضاهي الأضرار الناتجة عن الختان، ولذلك لا تبرّره.

وبما أن زمام المبادرة في عصرنا بيد المسيحيّين الغربيّين واليهود، فإن الكتابات العربيّة لا تقوم إلاّ بترديد ما يقوله هؤلاء، مع تأخّر في الميعاد، غير واعين بأن بعض تلك الحجج قد عفا عليها الزمن. فهم يركبون آخر قاطرة في القيطار. وسوف نعرض في فصلنا هذا حجج مؤيّدي ختان الذكور والإناث كما جاءت في المصادر العربيّة والغربيّة ورد المعارضين عليها.

الفرع الأوّل: ختان الذكور والإناث للحفاظ على النظافة

1) الختان والنظافة في الكتابات القديمة

يرى مؤيّدو ختان الذكور أن الغلفة تحتوي على أوساخ تؤدّي إلى أمراض لا يمكن تفاديها إلاّ بقطعها. وقد إرتبطت فكرة الختان بالنظافة إلى درجة أن الكثيرين يستبدلون كلمة «الختان» بكلمة «الطهارة». ويضيفون أن الأديان قد فرضت ختان الذكور لهذا السبب. ولكن عبثاً نبحث في التوراة عن هذا السبب. فالختان في التوراة ليس إلاّ موضوع ديني. أضف إلى ذلك أن اليهود يختنون من يموت غير مختوناً حتّى يومنا هذا. وقد دار جدل مماثل عند المسلمين حول ختان الميّت [276] .

وإن كانت التوراة لا تتضمّن حجّة النظافة، إلاّ أنه من غير المستبعد أن تكون النظافة السبب الأكثر إحتمالاً لممارسة الختان في القديم. وقد أشار هيرودوت إلى علاقة الختان بالنظافة عند المصريّين القدامى. فهو يقول: «بينما كل شعوب الأرض تبقي على الأعضاء التناسليّة كما هي، فإن المصريّين ومن تعلّم منهم يمارسون عادة الختان». ويضيف «بأنهم يمارسون الختان حفظاً للنظافة، لأن النظافة عندهم أولى من الجمال». ثم يشرح كيف أنهم كانوا مثابرين عليها. فهم يشربون بأكواب من النحاس يغسلونها جميعها كل يوم ويلبسون ثياباً من الكتّان نظيفة. والكهنة منهم كانوا يحلقون أجسادهم كل يومين حتّى لا يبقى عليهم قمل أو نجاسات أخرى [277] . وقد ذكر المؤلّف اليهودي «فيلون» كلاماً مشابها عن علاقة الختان بالنظافة عند المصريّين القدامى [278] .

2) الختان والنظافة في المصادر الإسلاميّة والعربيّة

ليس في القرآن أي ذكر لختان الذكور والإناث. إلاّ أن بعض الأحاديث المنسوبة للنبي محمّد تذكرهما. ورغم تشكيكنا في صحّتها، إلاّ أنها توضّح أن عند واضعيها هناك علاقة بين الختان والنظافة. فأحد تلك الأحاديث يقول: «الفطرة خمس: الختان والإستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط». وعلّق إبن العربي على هذا الحديث: « [...] أمّا الختان فلنظافة الغلفة عمّا يجتمع من أذى البول فيها» [279] . ويقول إبن قيّم الجوزيّة: «وقد إشتركت خصال الفطرة في الطهارة والنظافة وأخذ الفضلات المستقذرة التي يألفها الشيطان ويجاورها من بني آدم، وله بالغرلة إتّصال واختصاص» [280] . ونحيل القارئ إلى ما ذكرناه سابقاً عن حجّة ضرورة الختان لحصول الطهارة التي لا تصح الصلاة إلاّ بها، ورد المعارضين على هذه الحجّة [281] .

وفي أيّامنا يقول الدكتور محمّد علي البار:

«أثبتت الأبحاث العديدة التي أجريت على الأطفال غير المختونين في الولايات المتّحدة وأوروبا صعوبة تنظيف الغلفة (الغرلة) وما تحتها بانتظام [...]. بل إن الأطبّاء أنفسهم لا يعرفون كيف يتم تنظيف الغلفة بالطريقة المثلى، إذ لا توجد هذه الطريقة [...]. ولنا هنا ملاحظة وهي أن الشافعيّة هم الذين إستحبّوا ختان الطفل المولود في يوم سابعه بناء على ما ورد أن النبي (ص) ختن الحسن والحسين وعق عنهما في اليوم السابع لميلاد كل واحد منهما» [282] .

وهذا الحديث الأخير مشكوك في صحّته [283] . وهدف محمّد علي البار من إنتقاء رأي الشافعيّة هو الرد على من قد يحتج بأن الختان عند المسلمين قد يؤخّر حتّى سن الرابعة عشر، ممّا يعني ضرورة تنظيف الغلفة قَبل هذه السن، ختن الطفل أم لم يختن. ورأي البار هذا يخالف رأي الطبيب عبد الرحمن القادري الذي ينصح لأسباب علميّة عدم إجراء الختان في السنين الثلاث الأولى من العمر إلاّ عندما يكون الطفل مصاباً بتضيّق الغلفة خاصّة الشديد منه الذي يؤدّي إلى إنسداد البول [284] . وبطبيعة الحال إذا بقي الطفل حتّى هذا العمر دون ختان، فإنه يجب تنظيف غلفته. وإذا نظّفت حتّى هذا العمر، فما الذي يمنع من تنظيفها فيما بعد؟

وحجّة ضرورة قطع الغلفة للنظافة فيها كثير من المجافاة للعقل. فالإنسان الذي ينظّف كل جزء من جسمه من رأسه إلى قدميه لماذا تستعصي عليه نظافة جزء صغير مثل الغلفة؟ وليس قطع عضو هو الأسلوب الوحيد للمحافظة على النظافة. وإن كانت النظافة سبباً للختان، لوجب أيضاً قلع الأسنان لمنع تتراكم الأوساخ فيها. فالإنسان ينظّف أسنانه بالفرشاة والمعجون ولا يقلعها إلاّ إذا خربت ويئس من تصليحها.

ويفرّق الكتّاب المسلمون عامّة بين ختان الذكور وختان الإناث في موضوع النظافة. فالشيخ محمود شلتوت يقول إن ختان الذكور قد أعتبر سُنّة لأنه به تتم النظافة والطهارة. «أمّا الإناث فلعدم تحقّق هذا الإعتبار الصحّي فيهن فقد نزل الحُكم فيهن عن درجة السُنّية إلى درجة المَكرُمَة» [285] . ولكن الدكتورة نور السيّد رشاد ترى ضرورة ختان الإناث بقطع غلفة البظر لأن هذا الغشاء

«يشبه الجراب، ممّا يجعله دائماً غير نظيف، نتيجة لدخول بعض الإفرازات المهبليّة وجزء من البول وتراكمها فيه، وهذه الإفرازات وبقايا البول تكوّن بيئة ملائمة لنمو وتكاثر أنواع عديدة من البكتيريا والفطريّات» [286] .

إلاّ أن الدكتور محمّد رمضان، وهو من معارضي ختان الإناث، يرفض أن تكون النظافة مبرّراً لختان الإناث. فهو يقول:

«إن قواعد النظافة للمرأة لمن إختتنت أو لم تختن واحدة، ونتيجتها واحدة، والفطريّات والأمراض التي تصيب هذا المكان ليس فيها إختلاف بين الفئتين. كما أن العيب في تراكم هذه الإفرازات وليس في وجود هذه الأجزاء حتّى أقوم ببترها، بل عدم إتّباع المرأة لقواعد النظافة العامّة والتي جاء بها الإسلام. وسواء كانت مختتنة أم لا، فإنها ستتعرّض لنفس نتيجة عدم النظافة من إلتهابات وغيره» [287] .

هذا ونجد حجّة النظافة عند مؤيّدي ختان الإناث من الأفارقة. فهم يقولون أن الإفرازات النابعة من غدد البظر والشفرين الصغيرين والكبيرين تؤدّي إلى إنبعاث رائحة كريهة وغير صحّية ممّا يجعل المرأة غير نظيفة. وفي المجتمعات التي تفرض على النساء غسل أعضائهن الجنسيّة بالماء والصابون هناك إعتقاد بأن الأيدي التي تمس هذه الإفرازات قد تتلوّث بهن وتنقلهن إلى الطعام والماء والملابس. ولذا يجب نزع الأعضاء التي تفرز هذه الإفرازات. ففي المجتمع الإفريقي نظافة المرأة هي جزء من كرامتها. وترد كاتبة إفريقيّة على هذا الإدّعاء قائلة أن الندب الناتجة عن الختان تمنع البول ودم الحيض من المرور في مجاريها الطبيعيّة فينتج عن الختان إحتباس بولي يؤدّي إلى روائح كريهة أكثر مضرّة من الإفرازات الناتجة عن الغدد [288] .

وتشير المؤلّفة «لايتفوت كلاين» أن هناك إعتقاداً في الأوساط الشعبيّة السودانيّة بأن عدم الختان يجعل الفرج وسخاً ومليئاً بالديدان [289] . وترد المؤلّفة أن الختان بدلاً من أن يكون وسيلة للنظافة قد يكون منفذاً للإصابة بالعدوى بسبب المحيط غير النظيف الذي يجرى فيه. وإن كانت إحتمالات العدوى بالأمراض بسبب التلوّث أكثر حصولاً عندما تتم عمليّة ختان الإناث خارج المستشفيات، إلاّ أن المستشفيات لا تخلى من تلك الأخطار. فكثير من المستشفيات السودانيّة في حالة يرثى لها لا يحترم فيها أبسط قواعد النظافة، لا في قاعة العمليّات ولا في المراحيض [290] .

3) الختان والنظافة في المصادر الغربيّة

يرفض معارضو ختان الذكور في الغرب القول بأن الختان كان سببه قديماً الحفاظ على النظافة على المدى القريب أو البعيد، لا بل يرون أن له أثاراً سلبيّة بسبب قطع الغلفة التي هي أفضل أداة تحفظ القضيب، وفي الغابة الطفل المختون معرّض لخطر أكبر من الطفل غير المختون [291] .

كما يرفضون الإدّعاء بأن الختان مرتبط بالمناخ الحار الذي قد يسبّب كثرة العرق وتراكم الأوساخ في الغلفة. فسكّان المناطق الإستوائيّة الحارّة لا يمارسون الختان أكثر من غيرهم. والشعوب الإسلاميّة التي تسكن في تلك المناطق تمارسه فعلاً، أمّا غيرها من الشعوب الواقعة في نفس المحيط المناخي لا تمارسه. وهناك من يمارس الختان رغم أنهم يسكنون مناطق باردة. وإن كان المناخ في الماضي البعيد قد لعب دوراً في إنتشار الختان، فهذا ليس مثبت، وعلى كل حال ليس صحيحاً في وقتنا. ويلاحظ المعارضون أن بعض الشعوب التي تمارس الختان لا تعطي أهمّية كبرى للنظافة. والشعوب التي يعرف عنها أنها تتشدّد في النظافة، مثل الشعب السويسري، لا تختتن. كما أن بعض الشعوب التي تعيش في مناطق شديدة البرودة ولا تستحم أو تغيّر ملابسها خلال فصل الشتاء لا تختتن رغم أن الأوساخ تتراكم على أجسامها. بينما تمارس بعض الشعوب التي تعيش بصورة عارية أو تكاد تكون عارية عادة الختان. وقد يكون سبب الختان وعدمه هو ظهور القضيب للعيان. ففي المناطق الباردة، لا يكشف الشخص عن جسمه ولا ينظر الناس إلى أعضائه الجنسيّة بعكس الشخص الذي يعيش في المناطق الحارّة حيث يتعرّى المرء [292] .

ويشير معارضو الختان إلى أن إنتشار الدعاية التجاريّة في بداية القرن العشرين هي التي ربطت الختان بالنظافة. فقد صرفت الشركات عام 1919 خمسة أضعاف ما صرفته عام 1900 لترويج بضاعتها وخلق الحاجة عند المستهلكين. وقد تم ترويج وسائل التنظيف بالإعتماد على علم النفس. فبدأوا بإقناع الناس أن أجسامهم وسخة تحتاج إلى مستحضرات تنظيف. وكانت المنتجات تعلّب بحيث لا تمسّها اليد قَبل أن تصل إلى المستهلك. وهنا تدخّل الختان كوسيلة للحفاظ على النظافة [293] .

ولم يكتفي الغرب بالتحجّج بالنظافة لممارسة ختان الذكور بل أيضاً لممارسة ختان الإناث. فقد كتب أحد الأطبّاء الأمريكيّون عام 1958 يقول:

«إن بظر الطفلة مخفي بالغلفة. فنقطة الإلتقاء بينهما مستوية. وقد لا تظهر هذه النقطة إلاّ بعد ولادات كثيرة. وإذا لم يفتح هذا الإلتقاء، فإن الإفرازات الدهنيّة يمكن أن تخلق مشاكل. وإذا فتح هذا الإلتقاء قليلاً، فإن البكتيريا سوف تدخل وتؤدّي إلى تلوّث تلك البقايا. ثم تظهر عوارض التهيّج والحك والتخديش والإستمناء بصورة كبيرة وملحّة. وعند الكبر، يؤدّي ذلك إلى علاقات جنسيّة مؤلمة وفتور جنسي. ونفس الأسباب التي تذكر تبريرا لختان الذكور تصلح عامّة لتبرير ختان الإناث» [294] .

وحجّة النظافة هي أحد الأسباب الرئيسيّة التي يتذرّع بها مؤيّدو الختان. وهي وراء كل إدّعاءاتهم الأخرى بأن الختان يمنع تفشّي الأمراض. فهم يرون أنه يصعب تنظيف القضيب إذا ما بقي على حاله. وعدم النظافة تؤدّي إلى تراكم المادّة المرطّبة التي تصبح مرتعاً لجراثيم الأمراض الجنسيّة وسرطان عنق القضيب ومجرى التبوّل والبروستات وقد تصل إلى سرطان عام للقضيب. وعدم إمكانيّة النظافة تعني ضرورة بتر الغلفة. ولكن هذا الإدّعاء يخالفه الواقع حيث إن معظم رجال العالم غير مختونين، وهم لا يعانون من العاهات المذكورة. فلو كان الأمر كذلك لختنهم أطبّاء دولهم. ودولة مثل بريطانيا التي تركت الختان لم ترى ضرراً في ذلك ولم ترجع إلى ممارسته [295] .

ويرى معارضو ختان الذكر أن ربط الختان بالنظافة في الغرب هو تعبير عن إحتقار الأطبّاء للنساء. فرغم الحمّام اليومي في الولايات المتّحدة في أيّامنا وتواجد وسائل النظافة المتعدّدة، إلاّ أن الختان ما زال منتشراً في هذا البلد. فالأطبّاء يعتبرون أن النساء غير قادرات على الحفاظ على نظافة أعضائهن الجنسيّة والأعضاء الجنسيّة لأطفالهن. وقد خلق موقف الأطبّاء هذا عند المرأة تخوّفاً من عدم مقدرتها بالقيام بتلك المُهمّة ممّا جعلها تقبل إتمام الختان على طفلها لكي تعفى من تلك المُهمّة [296] .

ويرى طبيب أمريكي في الإدّعاء بأن ختان الذكور ضروري للنظافة مسبّة وإهانة للذكور. فهذا يعني أنهم لا يستطيعون نظافة أنفسهم. فأي شخص عنده قليل من الذكاء يمكنه أن يغسل عضوه التناسلي. فغسل القضيب ليس أصعب من غسل أحد أصابع اليد. ومن الجنون إستعمال السكّين بدلاً من الغسل البسيط للحفاظ على النظافة. فالطفل الذي يتعلّم كيف ينظّف أسنانه وانفه وأذنيه يمكنه أيضاً تنظيف غلفته وحشفته دون حاجة للقطع. وقد تعلّم الإنسان كيف يربط حذاءه وكيف يذهب إلى القمر فلماذا لا يمكنه التعلّم كيف ينظّف أعضاءه الجنسيّة؟ وإذا ما شدّدنا على ضرورة ختان الذكور للحفاظ على النظافة، فيجب أيضاً ختان الإناث لأن المحافظة على نظافة الأعضاء الجنسيّة للذكور بسبب بروزها أسهل بكثير من المحافظة على الأعضاء الجنسيّة للإناث التي تختفي ضمن التجاعيد. أضف إلى ذلك أن الأعضاء الجنسيّة للإناث أكثر قرباً من الشرج من القضيب وأكثر تعرّضاً للتلوّث. كما أن ما بين 20 و30% من النساء البالغات لا تقفع غلفتهن إلى الخلف وتبقى ملتصقة بالبظر. وليس هناك أي شخص في الولايات المتّحدة يطالب اليوم ببتر أي جزء من الأعضاء الجنسيّة للإناث للمحافظة على نظافتها [297] . ويشرح هذا الطبيب بأننا ببتر الغلفة نحرم الحشفة من غلافها الحامي لها فتصبح عرضة للبول والبراز وملامسة الملابس الخارجيّة. فمن العبث القول بأن الختان يساعد على نظافة الطفل. لا بل إن ذلك يعرّضه للجراثيم خاصّة في مرحلة قَبل شفاء الجرح والتي تستمر من عشرة أيّام إلى أسبوعين [298] .

ويشير معارضو ختان الذكور إلى أن المحافظة على نظافة العضو التناسلي للطفل عمليّة بسيطة جدّاً بواسطة الغسيل كما يغسل أي عضو آخر من الجسم. وإذا ما إلتهبت الغلفة، فيكفي هنا تغيير الملابس وإبقاء الأعضاء الجنسيّة معرّضة للهواء لكي تتنفّس. ويجب فحص غذاء الطفل وغذاء الأم لأنه هو الذي قد يسبّب إلتهاب الغلفة. فمثلاً عصير الفواكه بما يحمله من حموضة قد يسبّب حرقان في البول وتهيّجاً للغلفة. وقد يكون بسبب المواد التي تستعمل لنظافة الطفل أو لنظافة ملابسه أو نوعيّة ملابسه. وعلى كل حال من الأفضل أن تلتهب الغلفة ممّا أن تلتهب الحشفة. فالغلفة هي الدرع الواقي الذي خلقته الطبيعة لتغليف وحماية الحشفة وفتحة البول من التعدّي الخارجي.

ويجب ملاحظة أن الغلفة تكون عند أكثريّة الأطفال حديثي الولادة متّصلة بالحشفة ويتم إنفصالها عنها تدريجيّاً مع إكتمال نمو الجسم ومن خلال التبوّل ولعب الطفل بأعضائه. فالذي يجب أن يشد الغلفة إلى الخلف هو الطفل وليس الأهل. وهو أدرى بمدى تحمّله لشد الغلفة دون ألم. ويجب على الأهل ترك الأعضاء الجنسيّة للطفل تتطوّر لوحدها دون التدخّل في هذه العمليّة حتّى وإن إستمر إلتحام الغلفة بالحشفة لمدّة طويلة. فتلك هي إرادة الطبيعة. فالغلفة تتطوّر حسب تكييف الطبيعة لها وليس بإرادة الأهل. وإذا ما حاول الأهل والأطبّاء شد الغلفة إلى الخلف، فإن ذلك يؤدّي إلى نتائج لا تحمد عواقبها.

الفرع الثاني: ختان الذكور والإناث لمكافحة الإستمناء وعواقبه

الإستمناء، والذي يطلق عليه إسم «العادة السرّية» أو «جلد عميرة»، يعني طلب إخراج المني والوصول إلى اللذّة الجنسيّة بصورة عمديّة بغير جماع. ويختلف عن «الإمناء» أو «الإنزال» اللذان يحصلان في غير اليقظة ودون طلب. وهذا التعبير ينطبق على الرجل والمرأة. ويكون الإستمناء باليد أو غيرها من أنواع المباشرة، أو بالنظر أو بالفكر. ويكون من فعل الشخص أو فعل غيره.

والمتصفّح للكتب الغربيّة يجد أن الوقاية من الإستمناء من أهم الحجج التي ساقها المسيحيّون واليهود الغربيّون لإجراء عمليّة ختان الذكور والإناث. وقد كادت هذه الحجّة تختفي في الغرب بعد تطوّر نظرته عن الإستمناء. لا بل إن أكثر الغربيّين يجهلون في أيّامنا وجود مثل هذه الحجّة. أمّا في العالم الإسلامي، فإن مؤيّدي ختان الذكور والإناث اليوم ما زالوا يتحجّجون بها نقلاً عن الغرب جاهلين أن الغرب ذاته كاد يتخلّى عنها وأن كتب الفقهاء المسلمين القدامى لم تذكر الختان كوسيلة للحد من الإستمناء.

1) الإستمناء في المصادر العربيّة

أ) موقف المسلمين من الإستمناء

ترى الكتب الإسلاميّة بصورة عامّة أن حُكم الشرع في الإستمناء هو الحرمة وارتكاب الإثم. وهي تعتمد على الآيات التالية من القرآن:

- «والذين هم لفروجهم حافظون إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين. فمن إبتغى وراء ذلك فألئك هم العادون» (المؤمنين 5:23-7).

- «وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتّى يغنيهم الله من فضله» (النور 42:24).

- «ويحل لهم الطيّبات ويحرّم عليهم الخبائث» (الأعراف 157:7).

وترى الحنفيّة والشافعيّة والإمام أحمد أن الإستمناء مكروه. ولكن إذا كان لتسكين الشهوة المفرطة الغالبة التي يخشى معها الزنى فهو جائز في الجملة، بل قيل بوجوبه، لأن فعله حينئذ يكون من قبيل المحظور الذي تبيحه الضرورة، ومن قبيل إرتكاب أخف الضررين. وينقل القرطبي عن أحمد: «أحمد بن حنبل على ورعه يجوّزه ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة». ويضيف القرطبي: «وعامّة العلماء على تحريمه» [299] .

ويتشدّد إطفيش (توفّى عام 1914)، وهو من كبار فقهاء الإباضيّة، في حُكمه على الإستمناء. فهو يقول إن من يرى رجلاً «يدلك ذكر نفسه بيد نفسه تلذّذاً، أو يديم نظره إلى عورة نفسه أو يحك ذكره بفخذه» أو إمرأة «تدخل إصبعها أو عوداً أو نحو ذلك في فرجها أو غير ذلك من المعاصي» فإنه يجوز له «أن يدفعه إن لم ينته بكلام، ويقاتله لأنه من جنس البغاة بذلك ولو أدّى دفاعه وقتاله إلى موته، ولا شيء على من دافعه وقاتله» [300] . ويقول مفتي عُمان الشيخ أحمد بن حمد الخليفي في عقاب هذه العادة: «من أصر على الإستمناء أدّبه الإمام بما يراه رادعاً لأمثاله» [301] . ويذكر عبد الرحمن الجزيري: «لا يقام الحد [على الفاعل] بإجماع العلماء لأنها لذّة ناقصة وإن كانت محرّمة، والواجب التعزيز على الفاعل» [302] .

ويأخذ إبن حزم، وهو ظاهري، موقفاً متحرّراً إذ يقول:

«لو عرّضت [المرأة] فرجها شيئاً دون أن تدخله حتّى ينزل فيكره هذا ولا إثم فيه. وكذلك الإستمناء للرجال سواء سواء، لأن مس الرجل ذكره بشماله مباح ومس المرأة فرجها كذلك مباح بإجماع الأمّة كلّها. فإذا هو مباح فليس هناك زيادة على المباح إلاّ التعمّد لنزول المني، فليس ذلك حراماً أصلاً لقول الله تعالى «وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم» (الأنعام 119:6)، وليس هذا ممّا فصّل لنا تحريمه، فهو حلال لقول الله تعالى «خلق لكم ما في الأرض جميعاً» (البقرة 29:2). إلاّ أننا نكرهه لأنه ليس من مكارم الأخلاق ولا من الفضائل» [303] .

وإن يرى إبن حزم، مثل غيره من الفقهاء، ضرورة الغسل بعد الإستمناء عملاً بالآية «وإن كنتم جنباً فاطهروا» (المائدة 6:5)، إلاّ أنه، خلافاً لهم، يرى أن الإستمناء لا يفسد الصوم أو الإعتكاف أو الحج أو العمرة [304] .

وفي عصرنا، تشدّد رجال الدين المسلمون ضد الإستمناء، فلا يسمحون به إلاّ لتفادي الزنى. ولا يكتفون بالإعتماد على آية المؤمنين 5:23-7 سابقة الذكر، بل يضيفون إليها آية «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» (البقرة 2: 195)، وحديث «لا ضرر ولا ضرار»، معتبرين أن الإستمناء محرّم ليس فقط لمخالفته التعاليم الدينيّة، بل أيضاً لمضارّه الجسميّة والجنسيّة والنفسيّة والعقليّة. وهو ما لم يقل بل أحد من الفقهاء المسلمين القدامى. وهذه الأضرار المزعومة للإستمناء كما يذكرها عبد الله ناصح علوان هي باختصار ما يلي:

- أضرار صحّية: إنهاك في القوى، نحول في الجسم، إرتعاش الأطراف، خفقان بالقلب، ضعف بالبصر والذاكرة، إخلال بالجهاز الهضمي، إصابة الرئتين بالإلتهابات التي تؤدّي إلى السل في أغلب الأحيان، وأخيراً تؤثّر على الدورة الدمويّة وتسبّب فقر الدم.

- أضرار جنسيّة: من أهم هذه الأضرار مرض العنّة، ومعناها عدم قدرة الشاب على الزواج. ولا شك أن هذا المرض يتسبّب عنه نفور المرأة من الرجل، ولا يمكن والحال هذه أن تدوم الرابطة الزوجيّة لتعذّر الإتّصال. ومن الأضرار إشمئزاز كل جنس من الآخر لاعتياد الرجل في إشباع الشهوة عن طريق هذه العادة الأثيمة. ومعنى هذا أن المرأة لم تجد حصانتها بزواجها من هذا الرجل المريض. وربّما يؤدّي الأمر في النهاية إلى الفراق أو إتّخاذ المرأة الخلاّن سرّاً لإشباع غريزتها.

- أضرار نفسيّة وعقليّة: الذهول والنسيان، ضعف الإرادة، ضعف الذاكرة، الميل إلى العزلة والإنكماش، الإتّصاف بالإستحياء والخجل، الإستشعار بالخوف والكسل، والظهور بمظهر الكآبة والحزن، والتفكير بارتكاب الجرائم والإنتحار... إلى غير ذلك من هذه الأضرار التي تشل التفكير وتميّع الإرادة وتحطّم الشخصيّة [305] .

ويضيف كاتب عماني الأخطار المزعومة التالية لهذه العادة على النساء:

- تكون أثديتهن مرتجفة هابطة يخرج منها سائل أبيض منتن وتراهن بلهاوات وينتهي حالهن بالجنون.

- أضرار نفسيّة فهي لو أنها تتم بالمجهود الشخصي إلاّ أنه لا شك أن الفتاة التي تمارسها ستشعر بعدها بالذنب.

- إلتهاب الجهاز التناسلي تتبعه إفرازات مهبليّة من الصعب علاجها، وذلك إذا ما أستُعمِلت في لمس الأجزاء الخارجيّة من الجهاز التناسلي بعض الأجسام الصلبة والتي غالباً ما تكون ملوّثة.

- إذا تكرّرت العادة كثيراً فإن ذلك يؤدّي إلى تضخّم شفتي المهبل ممّا يسبّب صعوبات كثيرة وبعض الآلام للسيّدة بعد الزواج.

- هناك إحتمال بأن يصل الجسم الصلب إلى داخل المهبل ويؤدّي إلى تمزّق غشاء البكارة، وفي بعض الأحيان قد تحدث جروح في الشفتين الخارجيتين مع نزف وآلام حادّة.

- من أهم المضاعفات أيضاً التعود على عدم الحصول على درجة النشوة إلاّ عن طريق هذه العمليّة، ويسبّب هذا أضراراً بليغة بعد الزواج حيث لا تشعر بالإتّصال الجنسي المباشر ولا تصل أبداً إلى هذه النشوة إلاّ بالرجوع إلى هذه العادة. وقد يكون ذلك سبباً في زواج فاشل [306] .

ويذكر المؤلّف المغربي عبد الحق سرحان أن الإشاعات الشعبيّة في بلده تقول بأن هذه العادة تؤدّي إلى الجنون والسل ومرض القلب وفقد النظر تدريجيّاً، وتنبت الشعر على الكف التي تمارس هذه العادة وقد يصيبها الفالج عقاباً لها، وهذا الإثم يسجّل من قِبَل الملائكة على سجل الآثام التي لا تمحى، ويعتبر من يمارس هذه العادة كمن يمارس الجنس مع أمّه أو أخته [307] .

وينصح علوان لعلاج الإستمناء بما يلي:

- الزواج في سن مبكّر.

- صيام النفل (خارج شهر رمضان) عملاً بالحديث: «يا معشر الشباب: من إستطاع منكم الباءة [تكاليف الزواج] فليتزوّج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء [أي قاطع للشهوة]» [308] .

- الإبتعاد عن المثيرات الجنسيّة.

- ملء الفراغ بما ينفع.

- الرفقة الصالحة.

- الأخذ بالتعاليم الطبّية كالإكثار من الحمّامات الباردة في موسم الصيف وصب الماء البرد على العضو التناسلي في الفصول الأخرى، والإكثار من الألعاب الرياضيّة والتمارين البدنيّة، وتجنّب الأطعمة المحتوية على بهارات وتوابل لكونها مثيرة ومهيّجة، والإقلال ما أمكن من المنبّهات العصبيّة كالقهوة والشاي، وعدم الإكثار من اللحوم الحمراء والبيض، وعدم النوم على الظهر أو البطن، بل السُنّة أن ينام على شقّه الأيمن مستقبلاً بوجهه القبلة.

- إستشعار خوف الله [309] .

هناك إذاً تشدّد من قِبَل رجال الدين في أيّامنا ضد الإستمناء. وقد أضافوا إلى المنع الديني أضراراً صحّية وجنسيّة ونفسيّة وعقليّة لم يذكرها الفقهاء القدامى. كما أضافوا أيضاً وسائل جديدة لعلاجه. وهذه الإضافات ليس من الصعب إرجاعها إلى المصادر اليهوديّة والغربيّة كما سنرى لاحقاً.

وقد حمل محمّد جلال كشك على رجال الدين المتزمّتين. فبعد أن عرض المواقف المختلفة للفقهاء القدامى، قال محمّد جلال كشك:

«أنظر كيف كان من مضى أكثر فهماً لروح الإسلام، وأكثر قدرة على تفهّم إحتياجات الإنسان، وكيف يجأر الآن داعية مكبوت من فوق المنابر يحذّر الفتيان من العادة السرّية - وهو مصطلح غربي منحدر من الديانة اليهوديّة - المسيحيّة - وتأمل أنهم أباحوا ذلك في زمن كان يمكن فيه للمراهق في سن الثالثة عشرة أن يمتلك جارية يفرغ معها شهوته، بينما يحرّمونه الآن على شباب يعيش في أوروبا وأمريكا بلا زوجة ولا جارية حتّى مشارف الثلاثين» [310] .

وهناك كتابات عربيّة شعبيّة وعلميّة تعرّضت للإستمناء وحاولت تخفيف ضغط التيّار الديني نذكر منها كتاب الدكتور صبري القبّاني «حياتنا الجنسيّة» حيث نقرأ:

«يقال: إن من نتائج الإستمناء الجنون، العنّة، إنهيار الأعصاب، فقدان الحيويّة، الصداع، الشلل و... إلى ما لا نهاية!! وكل هذه الإتّهامات لا تمت للواقع بصلة. إن الإستمناء عند الأفراد ليس بحد ذاته عملاً غير طبيعي، بل إنه، كأي عمل جنسي آخر، وسيلة لإراحة الجسم، ولو أحسن العمل به لبقي الناس في جو أمين إلى أن تحين ساعة الزواج. إن الإستمناء العادي لا يؤثّر على الصحّة وقد أثبتت الإحصائيّات أن أكثر الناس يلجأون إلى الإستمناء في وقت من الأوقات» [311] .

ويضيف:

«إن الرهبنة أو الإنقطاع الدائم مضر كالإفراط في الإستمناء، لأنه يثير حرباً شعواء بين العقل ورغائب الجسد الثائرة. والإستمناء اللطيف (غير المرهق) في فترات متقطعة يقوّي الأعضاء الجنسيّة ويدرّبها على وظائفها ولا يفقد الجسم حيويّته» [312] .

ب) الختان لمكافحة الإستمناء عند المسلمين

رأينا أن موقف الفقهاء المسلمين القدامى من الإستمناء قد تأرجح بين التحريم والكراهيّة والإباحة. وهم ينصحون بالصيام والصلاة والزواج والإنشغال كوسيلة للحد منه، ولكن لا يذكرون بتاتاً الختان. غير أن مؤلّفين إيطاليين من القرن السادس عشر ذكرا أن من عادات بعض المتصوّفة الدراويش الأتراك أنهم كانوا يلجأون إلى شبك الغلفة حتّى يحرموا أنفسهم من ممارسة الجنس [313] . وهناك إشارات في كتب من القرن السابع عشر أن عادة شبك الغلفة كانت تمارس من بعض متصوّفة المصريّين والعرب والفرس [314] .

والغريب في الأمر أن بعض الكتّاب المسلمين الجدد في أيّامنا قد إستولوا على حجّة الإستمناء وجنّدوها في نضالهم لتأييد ختان الذكور والإناث، وهم عامّة يجهلون كيف نشأت هذه الحجّة في الغرب وأنها تكاد لا تذكر في أيّامنا هناك ولا يتمسّك بها إلاّ الذين أعمت التعاليم اليهوديّة بصائرهم. نحن إذاً أمام «إسرائيليّات» جديدة تنخر في عقولنا كما نخرت «الإسرائيليّات» قديماً في عقول قدماء الفقهاء المسلمين. ويكفي هنا أن نذكر بعض الأمثلة من كتابات المؤلّفين المسلمين الجدد في هذا المجال.

يرى عبد السلام السكّري وجوب ختان الذكور لأنه

«يقي صاحبه من كثير من الأمراض ومنها الإصابة بمرض السرطان وسلس البول ويخفّف من غلواء الإستمناء للبالغين» [315] .

وتقول الدكتورة نور السيّد راشد دفاعاً عن ختان الذكور:

«يخفّف الختان خطر الإكثار من إستعمال العادة السرّية لأن وجود الغلفة ووجود الإفرازات الجنسيّة المختزنة بها يثير الأعصاب التناسليّة المنبثّة حول قاعدة الحشفة وتدعو المراهق إلى حكّها والإستزادة من مداعبتها ومداعبة عضوه» [316] .

ولم يكتف الكتّاب المسلمون بتأييد ختان الذكور للوقاية من الإستمناء، بل أيّدوا أيضاً ختان الإناث لنفس الهدف. فالدكتورة نور السيّد راشد تطالب بممارسة ختان الإناث بقطع غلفة البظر عندهن لأن «ترك هذا الغشاء يؤدّي إلى الشبق الجنسي وأيضاً الإكثار من العادة السرّية وذلك لكثرة إحتكاك هذا الغشاء بالبظر» [317] . ويقول الدكتور حامد الغوّابي:

«إن البظر... ينتصب كعضو الرجل. فهذا قد يقود في المرأة إلى إستعمال اليد (جلد عميرة) وما يقود ذلك إلى أمراض كثيرة وفي بعض الحالات سبب ذلك تضخّم الشفرين الصغيرين (الذين يقطعان في عمليّة الختان) إلى درجة كبيرة مشوّهة المنظر» [318] .

ولا نعرف رداً من الكتّاب المسلمين على الإدّعاء أن ختان الذكور يقلّل من الإستمناء. بينما رد الدكتور محمّد رمضان على إدّعاءات أن ختان الإناث يقلّل من الإستمناء. فهو يقول:

«سبحان الله!! تحت أي منطق وعقل ودين يتم ذلك؟ ولماذا لا نفعل ذلك مع الأولاد فنقطع الحشفة (رأس القضيب) أو نزيل طبقة الجلد الخاصّة بها ويتركّز فيها الإحساس عنده - خاصّة أن ممارسة الأولاد لهذه العادة أكبر بكثير من الفتيات حسب الإحصائيّات [...]. وإذا كان لها ضرر، فهو عليهم أكبر من الفتيات. [...] وجود البظر لا يؤدّي إلى ممارسة العادة السرّية، ومن ستمارسها فإنها تفعل ذلك سواء مع غياب هذا العضو أو وجوده، لأن لها أسباباً أخرى مثل: الفراغ، والإنطوائيّة، وعدم الزواج، والمؤثّرات الإعلاميّة التي تهيّج الغرائز... الخ. كما إن بعض المتزوّجات المختتنات يمارسنها كمحاولة للحصول على اللذّة بعد أن فشلن في الحصول عليها بالمعاشرة» [319] .

2) الإستمناء عند اليهود والمسيحيّين الغربيّين

أ) موقف اليهود والمسيحيّين الغربيّين من الإستمناء

يأخذ رجال الدين اليهود موقفاً متشدّداً من الإستمناء. وهم يعتمدون خاصّة على النص الآتي من سفر التكوين:

«واتّخذ يهوذا زوجة لعير بكره إسمها تامار. وكان عير بكر يهوذا شرّيراً في عيني الرب. فأماته الرب. فقال يهوذا لأونان: أدخل على إمرأة أخيك وقم بواجب الصهر وأقم نسلاً لأخيك. وعلم أونان أن النسل لا يكون له. فكان إذا دخل على إمرأة أخيه، إستمنى على الأرض، لئلاّ يجعل نسلاً لأخيه. فقبح ما فعله في عيني الرب. فأماته أيضاً» (التكوين 6:38-10).

وزواج الرجل من زوجة أخيه المتوفّى التي لم تنجب منه فريضة في التوراة (تثنية 5:25-6)، وما زالت حتّى يومنا عند اليهود. والذي يظهر من قصّة «أونان» أنه كان يمارس «العزل» (أي إنزال المني خارج الرحم) حتّى لا تحمل إمرأة أخيه منه. فأماته الله لرفضه تنفيذ الشريعة. إلاّ أن رجال الدين اليهود فهموا أن «أونان» كان يمارس الإستمناء، وأن هذا هو سبب موته. وقد أشتقّت في القرن التاسع عشر كلمة onanism من إسم «أونان» لتعني الإستمناء كما سنرى لاحقاً.

ونجد إدانة للإستمناء في «المشنا» الكتاب الثاني بعد التوراة قداسة عند اليهود. فهي تقول: «يجب مدح يد المرأة التي تتفحّص بتكرار العضو الجنسي، ولكنّها إذا كانت يد رجل فلتقطع». ومدح يد المرأة سببه أنها تتفحّص أعضاءها التناسليّة لمعرفة درجة طهارتها والإمتناع عن الأعمال التي لا يحق لها عملها في حالة النجاسة [320] . وقطع يد الرجل سببه ممارسة الإستمناء. ويعلّق التلمود على هذا النص أن الفرق بين النساء والرجل ناتج عن كون النساء غير حسّاسات على عكس الرجال. ولذلك يجب قطع يد الرجل بمجرّد مسّه قضيبه حتّى وإن لم يكن هناك تكرار. ويذكر لنا التلمود أقوال رجال الدين اليهود الذين يدينون الإستمناء ويمنعون حتّى مسك القضيب عند التبوّل سداً للذرائع، نذكر أهمّها.

يقول رابي «اليعازر» أن من يسمك قضيبه للتبوّل كمن يجلب الطوفان للعالم. وقد أشار عليه أحدهم بأنه إذا لم يمسك قضيبه فإن نقط بول قد تقع على رجليه فيعتبره الناس مبتور القضيب ويعيّروا أولاده بأنهم أولاد حرام. فرد بأن ذلك أفضل من أن يرتكب الشر بمس قضيبه أمام الله. ويقول رابي «يوحنّان»: إن كل من يخرج مناه يستحق الموت لأنه جاء في الكتاب المقدّس: «فقبح ما فعله في عيني الرب، فأماته أيضاً» (التكوين 10:38)، إشارة إلى فعل «أونان». ويقول رابي «أمّي» بأن من يخرج المني كمن يسفك دماً لأنه جاء في الكتاب المقدّس: «ألستم أولاد المعصية ونسل الكذب المثيرين أنفسهم عند البطم تحت كل شجرة خضراء الذابحين أولادهم في الأودية تحت شقوق الصخر» (أشعيا 4:57-5). ويحكي لنا التلمود أن رابي «يهوذا» ورابي «صاموئيل» كانا على سطح كنيس فأراد رابي «يهوذا» أن يبول. فأجابه رابي «صاموئيل»: إمسك قضيبك وبوّل خارج سطح الكنيس. فتساءل رجال الدين اليهود كيف يمكنه قول ذلك إذا ما إعتبرنا قول رابي «اليعازر» بأن من يمسك قضيبه كمن يجلب الطوفان على العالم. وأجاب أحدهم بأن خوف «يهوذا» من السقوط من السطح والخوف من معلّمه «صاموئيل» يمنعه من التفكير في اللذّة عند إمساكه قضيبه. وأجاب آخر بأن يهوذا كان متزوّجاً فيسمح له إمساك قضيبه للبول. وأجاب ثالث بأنه كان بإمكانه إمساك خصيتيه من أسفل [321] .

ويعيد علينا الحاخام والفيلسوف إبن ميمون موقف التلمود من الإستمناء ويرى أن من يمارسه هو كمن يقتل إنسان. وينصح الرجل بأن لا ينام مستلقياً على ظهره ووجهه إلى الأعلى إلاّ إذا كان منحنياً إلى إحدى الجهات حتّى لا ينتصب قضيبه. ولتفادي التهيّج الجنسي يحرّم إبن ميمون النظر للحيوانات التي تتزاوج أو للنساء التي تنشر ثيابها، ويحرّم السير وراء المرأة. كما يحرّم على الرجل غير المتزوّج مس قضيبه أو وضع يده تحت سرّته. وعندما يبول، يحرّم عليه مسك قضيبه إلاّ إذا كان متزوّجاً. وإن كان متزوّجاً أو غير متزوّج فعليه أن لا يضع يده على قضيبه إلاّ إذا أراد أن يفرج عن نفسه. كما ينصح الأباء بتزويج أولادهم وبناتهم في أسرع وقت ممكن عند بلوغهم لتفادي الإستمناء [322] .

وقد أدان رجال الدين المسيحيّون الإستمناء معتمدين على نص الكتاب المقدّس اليهودي السابق الذكر الخاص بـ«أونان» وأضافوا إليه نصّاً من رسالة للقدّيس بولس يقول:

«أما تعلمون أن الفجّار لا يرثون ملكوت الله. فلا تضلّوا، فإنه لا الفاسقون ولا عبّاد الأوثان ولا الزناة ولا المخنّثون ولا اللوطيون ولا السرّاقون ولا الجشعون ولا السكّيرون ولا الشتّامون ولا السالبون يرثون ملكوت الله» (1 قورنتس 6: 9-10).

وقد فسّر بعض اللاهوتيّين كلمة «المخنّثون» (باللاتينيّة mols ) بأنها تعني الذين يمارسون الإستمناء، ومنها جاءت الكلمة اللاتينيّة mollities للتعبير عنه، ولكن في حقيقتها تعني الذين يمارسون الشذوذ الجنسي. وقد بدأت بعض الكتابات الغربيّة في القرن السابع عشر تتكلّم عن مضار الإستمناء. ففي عام 1670 رأى الطبيب الألماني «ايتميلير» أن الإستمناء هو أحد أسباب «داء السيلان». وبعد ذلك بثلاثين سنة نصح الطبيب الإنكليزي «بينارد» باللجوء إلى الحمّام البارد لأنه يساعد للشفاء من الضعف الجنسي الذي يسبّبه الإستمناء [323] .

وفي عام 1715 نشر دجّال إنكليزي مجهول الإسم كتيّباً تحت عنوان Onania في أقل من مائة صفحة حول مضار الإستمناء للذكور والإناث ووسائل مكافحته. وقد تتابعت طبعات هذا الكتيّب مع إضافات جديدة في كل طبعة حتّى عام 1778 وترجم إلى عدّة لغات. وعنوان الكتاب هو إشارة للنص التوراتي المذكور سابقاً ومنها تحوّر ليصبح Onanism ، ليعني الإستمناء. وهذا الكتاب يذكر بين مضار هذه العادة داء السيلان والضعف الجنسي كما جاء عند الطبيبين الألماني والإنكليزي المذكورين أعلاه، ويزيد عليهما عدداً من الأعراض المرضيّة مثل القرح والتشنج والصرع وعدم النمو. ويرسم للإستمناء صورة مخيفة ويقول إنه يؤدّي إلى الموت. وإن تمكّن الرجل أو المرأة من الإنجاب، فأولادهما يموتون صغاراً. والمرأة التي تمارس الإستمناء تعرّض نفسها لخطر الإجهاض. ويضيف المؤلّف أن الذين لا يشعرون بتلك العاهات في هذه الدنيا، فهم معرّضون للمصائب في هذه الدنيا وللعقاب الإلهي في الآخرة [324] .

وقد أثّر كتاب الدجّال الإنكليزي تأثيراً كبيراً في الفكر الغربي فصدرت بعده عدّة كتابات تناقلت ما جاء فيه إمّا نقداً أو تأييداً. وعلى أساسه إقترح الطبيب الفرنسي «بيرنارد دي ماندفيل» عام 1724 إقامة دور دعارة عامّة حتّى يقي الناس من الإستمناء الذي يخرّب الصحّة. ونجد إعادة لمضار الإستمناء في الكتب الطبّية كـ«القاموس الطبّي» الذي صدر في لندن عام 1743-1745 والذي يرى أنه لا توجد عادة سيّئة تؤدّي لعدد كبير من النتائج الوخيمة مثل الإستمناء [325] .

وأكبر تأثير لهذا الدجّال الإنكليزي كان على الطبيب السويسري «تيسو» (توفّى عام 1797). فقد كتب هذا كتاباً باللاتينيّة عام 1758 حول حمّى المرارة ألحقها بنص حول الإستمناء ومضارّه. وعاد عام 1760 فنشر الملحق موسّعاً ضمن كتاب بالفرنسيّة. وقد طارت شهرة هذا الطبيب في كل أوروبا الغربيّة ممّا ساعد على إشتهار كتابه ضد الإستمناء فأعيدت طباعته سنوياً حتّى عام 1782 وقد ترجم لعدّة لغات أوروبيّة [326] . وقد أثّر هذا الطبيب بدوره في الفكر الطبّي والفلسفي والتربوي الأوروبي في عصره. وقد بدأ تحت تأثيره منذ عام 1785 تصميم ملابس خاصّة تمنع الولد أو البنت من مس أعضائهم الجنسيّة لممارسة الإستمناء. وقد كان على علاقة ودّية مع «روسو» الذي مارس تلك العادة ونبّه ضد أضرارها معتبراً أنه من المفضّل أن يزني الإنسان ممّا أن يمارسها لأن الخروج من سيطرة النساء أسهل من الخروج من سيطرة تلك العادة [327] . ونجد رأياً مماثلاً عند «كانت» الفيلسوف الألماني الشهير [328] .

وقد مهّد رأي الدجّال الإنكليزي والطبيب السويسري لزرع الخوف من الإستمناء في أوروبا ومن بعدها في أمريكا خلال القرن التاسع عشر. فقد إنتشرت آراء تتّهم الإستمناء بأنه السبب الرئيسي لكثير من الأمراض. وقد عبّر عن ذلك «قاموس العلوم الطبّية» في فرنسا عام 1819 الذي يشير إلى أن الإستمناء، حسب أطبّاء عصره، يؤدّي تقريباً إلى كل الأمراض الحادّة أو المزمنة التي تعكّر إنسجام وظائفنا الجسديّة وينسب إليه الأمراض التي تصيب المخ والنخاع الشوكي والجهاز العصبي والعظام والعضلات وجهاز التنفّس وجهاز الهضم والجهاز التناسلي، كما أنه يؤدّي إلى الموت [329] .

وقد صاحب الخوف من الإستمناء نشوء نظريّة في القرن التاسع عشر في إنكلترا تقول بأن كل الأمراض يمكن ربطها بسبب واحد هو ضعف أو قوّة النشاط العصبي. وقد طوّر هذه النظريّة الطبيب الأمريكي «بنجامين روش» الذي درس في سكوتلندا حيث إعتبر أهم نشاط عصبي هو الإرتواء الجنسي. ففي عام 1812 كتب بأنه يجب عدم التساهل مع الجنس لأنه يسبّب ضعف الحيوانات المنويّة والعنّة وعسر البول ووجع الظهر والسل الرئوي وسوء الهضم وضعف النظر والدوخة والصرع والوسوسة المرضيّة وفقدان الذاكرة والحماقة والموت. وفي عام 1855 كتبت إفتتاحيّة مجلّة طبّية أمريكيّة أنه لا الطاعون ولا الحروب ولا الجدري ولا عدد من الشرور الأخرى المماثلة أدّت إلى مصائب للبشريّة أكثر من تلك التي أدّى إليه الإستمناء [330] .

وقد إنتشرت فكرة ضرر الجنس المفرط والإستمناء في كل الدول الغربيّة ولكن بدرجة أكبر في إنكلترا والولايات المتّحدة تحت وطأة الفكر الفكتوري في عصر الملكة فكتوريا 1837-1901 حيث ترعرعت فكرة أن هناك عنصر بشري أعظم من غيره. وعلى العنصر الأعظم السيطرة على تصرّفه الجنسي لإبقاء سيطرته على الغير إذ إن التصرّف الجنسي المفرط يؤدّي إلى الخمول العقلي. وفي الولايات المتّحدة كتب عالم الفيزياء «جورج بيرد» مطالباً بالحرص على النشاط العقلي عند المثقّفين، وهذا يعني السيطرة على النشاط الجنسي. وكان العصر الفكتوري معادي للجنس بسبب النظريّات الطبّية حول الإستمناء. وقد حدّدت العلاقات الجنسيّة حتّى بين المتزوّجين إذ أعتُبِر بأن تلك العلاقة يجب أن لا تزيد عن مرّة واحدة في الشهر أو حصرها بالإنجاب فقط. وكان يُظن أن المرأة التي تمارس العلاقة الجنسيّة خلال الحمل لا بد أن تفقد طفلها بالإجهاض.

ومن أكبر معادي الإستمناء الطبيب الأمريكي «جون هارفي كيلوج». ففي عام 1882 كتب أن الإستمناء خطيئة ضد الطبيعة ويساوي اللواط، لا بل هو أكثر خطورة منه لكثرة إنتشاره. وكان يرى بأنه يسبّب ما يناهز 31 عاهة. وقد وضع عدّة معايير يمكن من خلالها معرفة الشخص الذي يمارس الإستمناء منها الأرق والخجل والأكتاف العريضة وعدم بروز الثدي عند المرأة والتدخين وحب الشباب وقرض الأظافر بالأسنان واستعمال الكلمات البذيئة. وقد إقترح لمكافحة الإستمناء تناول إفطاره المشهور الذي يحمل إسمه وإجراء عمليّة الختان [331] .

ورغم إستمرار معاداة التعاليم الدينيّة للإستمناء، فإن الطب أصبح تدريجيّاً أكثر تسامحاً معها. وقد بدأ الأمر في إنكلترا. ففي محاضرة نشرها الطبيب الإنكليزي «جيمس ماجيت» عام 1875 حول مرض الوهم الجنسي رأى أن الضرر ليس في الإستمناء ولكن في تكرارها الذي قد يؤدّي إلى التعب. ونفس النتيجة تنتج عن العلاقة الجنسيّة المتكرّرة.

وفي عام 1877، كتب الطبيب الفرنسي «شارل مورياك» مقالاً في «قاموس الطب والجراحة الجديد» عن الإستمناء مكرّراً مضارّه ولكن محذّراً من المزايدات المضحكة في إعتبار كل الأمراض ناتجة عنه كما فعل الطبيب السويسري السابق الذكر [332] . وكتب عالم الجنس الألماني «مانيوس هيرشفيلد» عام 1917 بأنه يرى ضرورة ترك كل ما كتب عن المضار الصحّية للإستمناء لأنه لا إثبات له. وتحوّل قاموس «لاروس الطبّي المصوّر» من موقف المحذّر من أضرار الإستمناء عام 1922 إلى موقف مختلف تماماً عام 1924 حيث نقرأ بأنه من الغلط أن ينزعج الأهل أمام هذه العادة التي ضخّمت أضرارها. وفي عام 1949 رأي عالم الجنس «اوسفالد شفارتز» بأنه لا توجد أضرار على المدى القريب أو البعيد للإستمناء. والدكتور «بنجامين سبوك» قال عام 1971 بأنه غير صحيح القول بأن الإستمناء ضار، إلاّ إذا لجأ إليه بصورة غير معتدلة.

وتدريجيّاً تغيّر أيضاً موقف الشبيبة من الإستمناء وفقد الخوف منه. حتّى أن الشعور بالخطيئة بدأ بالتراجع في الأوساط الكاثوليكيّة. ففي عام 1966 كتب الأب الدومينيكاني «بلي» بأن الحجج التي بنيت عليها فكرة أن الإستمناء «خطيئة مميتة» يمكن إعادة النظر فيها. فمن الصعب القول بأنها عمل ضد الطبيعة. والتلويح بالخطيئة أمام هذا التصرّف أمر خطير. فقد يؤدّي ذلك إلى دفع الشخص في الهاوية. ولكن موقف الكنيسة الكاثوليكيّة الرسمي بقي رافضاً. ففي عام 1976 نشرت «جمعيّة تعليم الإيمان» تصريحاً شديد اللهجة ربطت فيه بين العلاقات الجنسيّة الشاذّة والعلاقات الجنسيّة قَبل الزواج والإستمناء. وقد علّق الأب «ريني سيمون»، الأستاذ في المعهد الكاثوليكي في باريس على هذا الموقف قائلاً: «إن مصيبة الكنيسة هي أنها تكرّر بصورة قطعيّة مبادئ أخلاقيّة تتعلّق بالجنس في وسط تغيّر تماماً موقفه من الجنس» [333] .

ب) الختان لمكافحة الإستمناء عند اليهود والمسيحيّين الغربيّين

أمام الخوف من الإستمناء وسيلان المني في النوم، كان لا بد من اللجوء إلى وسائل لمنعهما. فبالإضافة إلى الوسائل الروحيّة مثل التوبة والإماتة والأعمال الصالحة، كان الأطبّاء ينصحون بوسائل غير جراحيّة وجراحيّة من بينها الختان.

ومن بين الوسائل غير الجراحيّة كان الأطبّاء ينصحون الذكور والإناث بغسل الأعضاء الجنسيّة بالماء البارد، وممارسة الرياضة حتّى يتعب الجسم ولا يفكّر الإنسان في اللجوء لتلك العادة بل ينام حال إرتمائه في السرير. وكان عليهم تجنّب الألعاب الرياضيّة التي تسبّب إحتكاك الأعضاء الجنسيّة مثل الإنزلاق على خشبة الدرج أو التأرجح على آلة الحصان أو شد الحبل الملس، وتفادي بعض القراءات التي تهيّج المخيّلة، ومنها بعض نصوص التوراة مثل سفر «نشيد الأناشيد».

كما كانوا ينصحونهم بإتّباع نظام غذائي خاص. فالدجّال الإنكليزي السابق الذكر إقترح تجنّب أكل الفول والبازلاء والخرشوف لأنها تنفخ الأعضاء الجنسيّة [334] . وغيره نصح بتجنّب أكل الوجبات المهيّجة أو شرب الخمر أو حتّى الإكثار من شرب السوائل لأن ذلك يؤدّي إلى الذهاب للحمّام كثيراً ولمس الأعضاء الجنسيّة. وقد ذكرنا أن الطبيب «كيلوج» قد نصح بتناول إفطاره الشهير. وكان الزواج هو إحدى وسائل إبعاد الشاب عن تلك العادة. فملك بلجيكا «ليبولد الأوّل» كتب للملكة «فكتوريا» عام 1853 بأنه يريد الإستعجال بتزويج إبنه البكر الذي يبلغ عمره 18 حتّى يخلّصه من تلك العادة.

وإذا لم يتخلّص الولد أو البنت من هذه العادة، كان الأطبّاء ينصحون الأهل بربط يدي أولادهم وبناتهم بقضبان السرير أو إلباسهم إحدى المعدّات الميكانيكيّة والملابس والأحزمة الغريبة التي تحيل دون لمس الأعضاء الجنسيّة. وفي عام 1781 إخترع أحدهم حزاماً يشبه حزام العفّة لمنع الإستمناء [335] . وقد كان هناك عام 1860 سوق في باريس لهذه المعدّات دون أن تثير الغرابة في ذاك الوقت. وقد أصدرت الولايات المتّحدة ما بين عام 1861 و1932 قرابة 20 براءة إختراع لمعدّات القصد منها منع الإستمناء. وفي كتاب «رعاية الطفل» الذي أصدرته عام 1921 «دائرة الأطفال» الحكوميّة الأمريكيّة نصيحة للأهل بأن يلجأوا إلى تلك المعدّات الميكانيكيّة لمنع الولد أو البنت من ممارسة الإستمناء الضار الذي يدمّره مدى الحياة. ولكن عام 1929 لم يعد هذا الكتاب يؤمن بتلك الوسائل وحظر على الأهل أن يلجأوا إليها لأنها قد تؤثّر بهم نفسيّاً. وبدلاً من ذلك ينصح الكتاب أن يلهى الولد قَبل النوم بلعبة. وفي طبعة 1942 يقول الكتاب بأن الأم الحكيمة لن تهتم بهذه العادة التي يمارسها الأطفال بصورة طبيعيّة. وفي عام 1951 ينصح الأم بأن لا تقول للطفل كلمة «لا» لأن ذلك قد يزعجه [336] .

بالإضافة إلى الوسائل غير الجراحيّة، نصح الأطبّاء بإجراء عمليّات جراحيّة لمن يتمكّن من دفع تكاليفها، وخاصّة الطبقات العليا في المجتمع، تلك الطبقة التي يأتي منها أكثر الأطبّاء [337] . وقد زاد من اللجوء إلى هذه العمليّات إدخال التخدير في الطب حوالي عام 1850. وقد تفنّن الأطبّاء فاقترحوا ثقب غلفة القضيب وشبكها بحلقة [338] . وشبك الغلفة هذا لمكافحة الإستمناء نجده في كتب ألمانيّة من القرن الثامن عشر [339] . وقد إقترح جرّاح ألماني عام 1827 بأن تمارس عمليّة شبك الغلفة لتحسين الجنس البشري ومن يزيل هذا الشبك يجب معاقبته بشدّة [340] . وقد إقترح كتاب طبّي شعبي صدر عام 1920 في مقاطعة «اوهايو» الأمريكيّة أن يلجأ إلى شبك غلفة القضيب ضد الإستمناء [341] .

كما أن الأطبّاء إقترحوا الختان بقطع الغلفة بمقص مفلول، وحتّى الخصي. واقتراح الختان نجده عند الطبيب الفرنسي «كلود فرنسوا لالمان» (توفّى عام 1853). وقد تسرّبت نظريّته هذه إلى الولايات المتّحدة في كتابات الطبيب الأمريكي «ادوراد يكسون» (توفّى عام 1880) الذي إقترح في كتاب صدر عام 1845 فرض ختان الأطفال كما هو الأمر عند اليهود [342] . وقد ساعد في إنتشار هذا الفكر في الولايات المتّحدة الطبيبان اليهوديّان «موزيس» و«جاكوبي». فكل منهما إدّعى بأن اليهود لا يمارسون الإستمناء، وأن سبب ذلك هو الختان، وأن غير اليهود يميلون كثيراً للإستمناء، ولذلك فهم أكثر عرضة للأمراض الخطيرة بسبب وجود غلفة عندهم. وكانا يريان أن الغلفة تسبّب الصرع وضعف التغذية والهستيريا وكثيراً من الإضطرابات العصبيّة. وقد كتب «موزيس» مقالاً عام 1871 في مجلّة طبّية يقول فيه أن الإستمناء يحدث بسبب الغلفة الطويلة. وأضاف بأنه لم ير حالة واحدة لطفل يهودي يلجأ لمثل هذه العادة إلاّ إذا عاشر أطفالاً تغطّي حشفتهم الغلفة فعودوه عليها. وقد ذكر مقال صدر عام 1895 أن الختان هو أقرب صديق للطبيب في كل حالات الإستمناء. وللحصول على النتيجة الأفضل لا بد من قطع أكبر قدر من الجلد والغشاء المخاطي حتّى يكون الجلد مشدوداً في حالة الإنتصاب. فيجب أن لا يكون هناك مجال لتحريك الجلد، بل يجب أن يكون الجلد متساوياً مع القضيب حتّى لا يلجأ الإنسان إلى الإستمناء دون أن يضيّع وقتاً كثيراً لبلوغ اللذّة. وكلّما كان الوقت المطلوب أكبر، كلّما كانت الفائدة أكبر [343] .

وفي عام 1914 كتب الطبيب اليهودي الأمريكي «ابراهام وولبارست» أن من واجب كل طبيب أن يشجّع ممارسة الختان على الصغار. وفي عام 1932، كتب مقالاً يقترح فيه تعقيم من يمارس الإستمناء ومنعه من الزواج. ونتيجة لمواقف هذا الطبيب المؤيّدة للختان، تم إعادة كتابة كتب تعليم الطب لتحث أطبّاء التوليد بفحص كل طفل يولد. فإذا وجدوا أن غلفته لا ترجع إلى الوراء، كان عليهم قطعها حالاً [344] .

وقد ذكر الدكتور «هولت» في كتابه «أمراض الطفولة» المنشور عام 1897 أن الإستمناء يداوى بالقمع الميكانيكي والقصاص والختان. وفي طبعة كتابه التي صدرت عام 1936 إعترف المؤلّف أن هذه الوسائل لم تنجح في إستئصال الإستمناء. ورغم ذلك إستمر في إقتراح الختان لمداواة الإستمناء حتّى يتعلّم الطفل من خلال ألم العمليّة أنه عليه أن يترك تلك العادة [345] . وقد تبنّت هذه الوسيلة «مجلّة الجمعيّة الطبّية الأمريكيّة» في إفتتاحيتها لعام 1928 [346] . وقد كتب الدكتور «كوكشات» عام 1935 مقالاً يقول فيه:

«إني أقترح بأن يتم ختان جميع الأطفال الذكور. إن هذا العمل مخالف للطبيعة، ولكن هذا هو فعلاً المقصود بتلك العمليّة. فالطبيعة قد خلقت الشباب في حالة إستعداد دائم للجماع كلّما سنحت الفرصة، ولذلك غطّت الحشفة الحسّاسة حتّى تبقى دائماً قابلة للإثارة. أمّا الحضارة، على عكس الطبيعة، فإنها تطلب العفّة. والحشفة المكشوفة بالختان تكسب خشونة تخفّف من حساسيّتها. وهكذا يكون الشاب أقل إنجذاباً إلى قضيبه. فأنا مقتنع بأن المختونين أقل ممارسة للإستمناء. وفي هذا الموضوع لا مجال للقول بأن الله يعرف ما هو أفضل للطفل الصغير» [347] .

ومع تراجع الخوف من الإستمناء، بدأ التراجع عن وصف الختان كوسيلة لمنعه. فقد أوصى الأطبّاء مثل الدكتور «بنجامين سبوك» عام 1942 بعدم اللجوء إلى الختان لمداواة الإستمناء رغم أنه كان ما زال يؤيّد ختان الأطفال حديثي الولادة. وقد تراجع عن تأييده للختان كلّية عام 1976 إذ صرّح: «إني أؤيّد أن يترك القضيب على حاله. إن الرأي في طب الأطفال يبتعد عن عمليّة الختان الروتينيّة لكونها عمليّة غير ضروريّة وأقل ما يقال عنها أنها خطيرة نوعاً ما. وإني أؤمن باحتمال حدوث ضرر حسّي بسبب العمليّة. يجب على الأهل أن يتأكّدوا ما إذا كانت هناك أسباب مقنعة لأجل الختان - ولكن لا توجد مثل تلك الأسباب حسب معرفتي» [348] .

وكتب الطبيب «جوتماخير» عام 1941 أن ختان الأطفال يساعد على تفادي الإستمناء عندما يكبر الأطفال، ولكنّه يرفض اللجوء إلى الختان كعلاج للإستمناء. وقد أعاد نفس الفكرة عام 1956. ولكن في عام 1966 بدأت الكتابات الطبّية تتساءل ما إذا كان هناك فعلاً علاقة بين الغلفة والإستمناء. وقد تحوّل هذا الموقف تدريجيّاً حتّى أن الدكتور «روبيرت جولد» كتب عام 1977 أنه من الصعب أن تجد خبيراً في العلاقات الجنسيّة يعتبر الإستمناء ظاهرة غير طبيعيّة أو غير صحّية. وعليه فإن الإستمناء لم يعد بعد سبباً للختان رغم أن تلك العادة ما زالت تمارس، وأن شعوراً بالذنب ما زال يصاحبها، وأن بعض الأطبّاء والعامّة يرون فيها ضرراً. وقد يكون هذا أحد الأسباب التي تدفع بعض الأهل لإجراء عمليّة الختان لأطفالهم. ولكن مع مرور الوقت ستنتهي هذه الحجّة [349] .

هذا وقد إقترح أيضاً الأطبّاء الغربيّون ختان الإناث لمعالجة الإستمناء والأمراض المرتبطة به مثل الهستيريا تحت تأثير العادات القبليّة الإفريقيّة حيث ذكرت تقارير الرحّالة وعلماء الإنسان أن النساء الإفريقيّات لهن بظر كبير وأنهن إذا بقين على حالهن دون ختان يصبحن هائجات. ومع موجة الخوف من الجنس الذي إجتاحت الغرب، تم تبنّي هذه العادة [350] .

ويشار هنا إلى أن كلمة هستيريا تأتي من الكلمة الإغريقيّة «هيسترا» والتي تعني الرحم. ثم أصبحت تعني الجنون. والكلمة hysterectomie تعني إستئصال الرحم ولكنّها تخفي في ثناياها معنى الحد من الجنون. وهذه النظرة مستلهمة من رأي للفيلسوف اليوناني أفلاطون (توفّى حوالي عام 348 ق.م) الذي يقول:

«إن الأعضاء الجنسيّة عند الذكور هي بطبيعتها متمرّدة وأمّارة بالسوء كالحيوانات الطرشاء التي لا تصغي لصوت العقل. وهذه الأعضاء، تحت تأثير رغبات هائجة، تريد أن تتحكّم في كل مكان. وهذا يحدث أيضاً عند المرأة ولنفس السبب. فإن ما نسمّيه الفرج أو الرحم هو حيوان يحيا في داخلها راغباً في الإنجاب. وإذا ما بقي عاقراً مدّة طويلة بعد المراهقة، فإنه لا يستطيع تحمّل هذه الحالة فيسخط ويتوه عبر كل الجسم، فيسد ممرّات النفس ويمنع التنفّس، ويؤدّي إلى ضيق شديد وأمراض مختلفة حتّى تتاح الفرصة لأن تجمع الرغبة والمحبّة الجنسين ليجنيا ثمرة كما عن شجرة، ويبذرا الحيوانات المنويّة في الرحم كما في تلم المحراث» [351] .

وأوّل عمليّة ختان أنثى ذكرت في الغرب هي تلك التي تمّت في برلين عام 1822. وقد لجأ الطبيب «جيستاف براون» إلى ختان الإناث كوسيلة للحد من الإستمناء في فينا خلال الستّينات من القرن التاسع عشر. وفي جدل دار في جمعيّة الجرّاحين في باريس عام 1864 ناقشوا خلاله عدّة وسائل لمنع الإستمناء منها بتر البظر عند الفتاة، ووضع أملاح البوتاسيوم عليه، أو كيّه. ولكن البعض فضّل إبقاء البظر وإخاطة الشفرين الكبيرين بحيث يغطّيان البظر لمنع ملامسته وتهييجه مع إبقاء فتحة للبول [352] .

وقد بلغت عمليّة ختان الإناث في بريطانيا ذروتها ما بين عام 1858 و1866. وكان المدافع عن هذه العمليّة الدكتور «إسحاق بيكر براون» (توفّى عام 1873) الذي أختير رئيساً للجمعيّة الطبّية في لندن عام 1865. ففي عام 1858 أسّس مستشفياً خاصاً في لندن زاره قرابة 3417 طبيباً للإطّلاع على فن العمليّات الجراحيّة التي كان يجريها. ويُظن أنه أجرى عدّة مئات أو عدّة آلاف من عمليّات الختان خلال السنين التسع التي بقي فيها في هذا المستشفى. وكان هذا الطبيب يبحث عن الإضطرابات العصبيّة عند النساء والتي ربطها بالإستمناء. وكان العلاج لتلك الأمراض بتر البظر. وقد أخذ أحد المحلّلين لصحيفة دينيّة مسيحيّة موقفاً مؤيّداً لأحد كتب هذا الطبيب وطلب من رجال الدين أن يحضروا النساء الفقيرات من رعاياهم للأطبّاء حتّى تجرى عليهن عمليّة بتر البظر [353] . ولكن سرعان ما أنتقد هذا الجرّاح من قِبَل الأطبّاء هناك وطرد من جمعيّة الجرّاحين عام 1867 وتخلّى عن رئاسة الجمعيّة الطبّية. وهكذا سقطت عادة ختان الإناث في إنكلترا [354] .

وإن كانت نظريّة هذا الطبيب قد إنتهت سريعاً في بريطانيا، إلاّ أنها أثّرت على كثير من الأطبّاء في دول أخرى، وخاصّة في الولايات المتّحدة. فقد أشارت إليها إحدى المجلاّت الطبّية الأمريكيّة عام 1866. ورغم ما دار من جدل ضد ختان الإناث في بريطانيا قام الأطبّاء الأمريكيّون بتبنّي هذه العمليّة وزيّنوا لها. وفي نهاية السبعينات من القرن التاسع عشر قام طبيبان بإجراء عمليّة جراحيّة مزدوجة تم فيها قطع البظر واستئصال المبيضين. ويُظن أن عدد العمليّات التي أجريت هناك في هذا الشكل يصل إلى عدّة آلاف. ثم فصلت العمليّتان في الثمانينات من القرن التاسع عشر وتركت عمليّة إستئصال المبيضين بينما أستمر في إجراء عمليّة ختان الإناث.

وقد دافع عن ختان الإناث الطبيب «روماندينو» عام 1891 حيث إعتبر ممارسة عادة الختان الإفريقيّة وسيلة للشفاء من الأمراض العصبيّة وللحد من الطلاق في الولايات المتّحدة. وقد ذكرنا كيف أن الدكتور «هولت» في كتابه «أمراض الطفولة» قد أيّد اللجوء إلى الختان لمكافحة الإستمناء. وهذا الطبيب إقترح فيما يخص البنات اللجوء إلى الختان التام وكي البظر وجلد الفخذين والرحم وغلاف البظر [355] .

وقد إنتشرت عمليّة ختان الإناث في الولايات المتّحدة بصورة واسعة ما بين الثمانينات من القرن التاسع عشر والأربعينات من القرن العشرين لمكافحة الإستمناء. وفي عام 1941 أوصى كتاب كاثوليكي موجّه للكهنة في «كرسي الإعتراف» بأن ينصحوا قطع أو كي البظر بالنار كعلاج للنساء الشاذات جنسيّاً [356] . وكانت عمليّة الختان تجرى على النساء في كل الأعمار حتّى سن اليأس، وحتّى في الخمسينات. وكان هناك قرابة ثلاثة آلاف إمرأة تختن سنوياً في السبعينات من القرن العشرين في المستشفيات الأمريكيّة. وفي عام 1973 نصحت مجلّة طبّية ختان الإناث لمداواة البرود الجنسي. وكانت شركة التأمين Blue Shield تدفع تكاليف مثل هذه العمليّات عام 1977. ونعيد القارئ لما ذكرناه في الفصل السابق حول ختان الإناث واللذّة الجنسيّة.

لقد فسّر تغلغل ختان الإناث في الولايات المتّحدة بأنه نتيجة عدم تطوّر طب النساء في ذلك البلد حيث كان يُظن أن كل إضطراب نسائي سببه الجنس، كما كان يُظن أن سرطان الرحم يكثر عند المرأة التي عندها مشاعر جنسيّة قويّة والتي تمارس الإستمناء. ولم يكن هناك أي نوع من العلاج لمثل تلك الأمراض غير بتر البظر. وقد ساعد على إنتشار هذا الأمر في الولايات المتّحدة وجود عدد كبير من السود والمهاجرين الذين أمكن إجراء تجارب جراحيّة عليهم دون أي نقد. فكان الجرّاحون يشترون العبيد المتمرّدين أو على حافّة الموت من الذكور والإناث بدولار واحد لإجراء تلك التجارب عليهم. وكان العبيد في المنزلة الثانية بعد الحيوانات لمثل تلك التجارب الجراحيّة. وكان الكشف الطبّي لمعرفة ما إذا كانت السيّدة بحاجة إلى ختان أم لا هو بأن يضرب على ثديها أو بظرها، أو كليهما. فإذا تبيّن أنها قد وصلت إلى الإرتواء، وجب ختانها [357] .

ومهما كان موقفنا من الإستمناء، يبقى السؤال الأساسي وهو: هل الختان يحمي فعلاً من الإستمناء؟ ولماذا؟ لا يرد مؤيّدو ختان الذكور والإناث على هذا السؤال الأخير. ولا توجد أيّة دراسة تثبت أن المختونين والمختونات يمارسون الإستمناء بصورة أقل من غير المختونين وغير المختونات. وإن كنّا اليوم نعتبر إجراء ختان الذكور والإناث لمنع الإستمناء شطحة من شطحات رجال الطب تحت تأثير الهوس الديني الذي أعمى بصائرهم، فإنهم لم يتوقّفوا عند هذا الحد. فقد إقترحوا إجراء الختان لأمراض أخرى آخرها مرض الإيدز. وهذا ما سنراه في الفرع القادم.

الفرع الثالث: ختان الذكور والإناث للوقاية من الأمراض الفتّاكة

الصحّة أثمن ما يملك الإنسان، وهو يحرص على تفادي الأمراض التي تصيبها. ولعلاج الأمراض يلجأ المرء إلى الوقاية ثم إلى العلاج بالعقاقير، ثم إلى الجراحة. وللوقاية من الأمراض يجب إكتشاف أسبابها. ولكن كثير من الأمراض ما زالت مجهولة الأسباب حتّى في أيّامنا. وقد نُسبت وما زالت تُنسب كثير من الأمراض إلى أرواح نجسة تستوطن في الأماكن النجسة، واعتُبرت الغلفة هي إحدى تلك المواطن. وقد رُبط أيضاً المرض بغضب الله بسبب مخالفة أوامره. وبما أن البعض يعتقد أن الله أمر بالختان، فإن عدم الختان إعتبر معصية تؤدّي إلى المرض. وهكذا تم قطع الغلفة لمنع الأرواح النجسة من الإستيطان فيها وتنفيذاً لأوامر الله، وبهذا يتم الوقاية من المرض. وحتّى عندما لا يصرّحون بهذه الحجج الدينيّة، فإنهم لجأوا إلى الختان معتبرين أن عدم إجرائه هو سبب الأمراض.

1) الختان شماعة للوقاية من أمراض مجهولة الأسباب

أ) الختان والوقاية في الكتابات القديمة

يذكر المؤلّف اليهودي «فيلون» أن الختان يقي من مرض مؤلم يصعب شفاؤه يصيب الغلفة يدعى مرض «الفحم»، ويسبّب إلتهابات مستديمة تصيب غير المختونين [358] . وفي مكان آخر، يقول إن الختان يمارس في المناطق الحارّة بين اليهود والمصريّين والعرب والأثيوبيين وتقريباً بين كل الذين يسكنون المناطق الجنوبيّة حيث الحرارة الشديدة. فالغلفة التي تحيط بالعضو التناسلي تسخن فتلتهب وتتجرّح، بينما إذا قطعت، فإن العضو التناسلي يتهوّى بتعريته، ممّا يبعد الأمراض. فالذين يسكنون المناطق الشماليّة والمناطق التي تكثر فيها الرياح لا يمارسون الختان لأن الحرارة أقل، ممّا يقلّل من الأمراض. ويعطي برهاناً على ذلك أن الأمراض التي تصيب الأعضاء الجنسيّة تتفشى في الصيف وليس في الشتاء [359] .

ب) الختان والوقاية في الكتابات الغربيّة

إكتشف العلماء الغربيّون في القرن التاسع عشر الجراثيم التي تسبّب الأمراض والروائح البدنيّة. وللقضاء على تلك الروائح أخترعت عام 1870 المراهم التي توضع تحت الإبط. وإذ لم يتمكّن العلماء إكتشاف أسباب جرثوميّة للأمراض النفسيّة والعقليّة أوصوا بإجراء العمليّات الجراحيّة. فقد أوصى كتاب لطبيب النفس الأمريكي «برنارد ساخس» أعيدت طباعته حتّى عام 1905 ببتر الناتئ العظمي والأعضاء الجنسيّة مثل البظر والشفرين الكبيرين، كما أوصى بالختان وإفناء البظر بالكي. وحتّى عام 1925 كانت 10% من وسائل العلاج ضد الإستمناء هي وسائل جراحيّة [360] .

ونجد آلاف من المقالات في المجلاّت الطبّية الأمريكيّة المشهورة في الولايات المتّحدة بين عام 1870 و1920 تعتمد على الجراحة ومن بينها ختان الذكور والإناث للوقاية من الأمراض والعاهات مثل الربو والصرع والسل ومئات من الأمراض الأخرى وحتّى التبوّل اللاإرادي [361] . وقد أخترعت آلة للختان قدّمتها مجلّة الجمعيّة الطبّية الأمريكيّة عام 1910 ووصفتها بأنها سهلة الإستعمال إلى درجة أن الرجل والمرأة يمكنهما إجراء تلك العمليّة على أنفسهما بواسطتها [362] .

ويجب هنا الإشارة إلى نشاط جمعيّة ما بين عام 1890 و1920 في الولايات المتّحدة تدعى «جمعيّة جراحة الفتحات»، أسّسها الجرّاح «برات» في مستشفى بـ«شيكاغو». وكانت هذه الجمعيّة تمرّن على الجراحات التي تجرى على فتحات الجسم التي تقع تحت الخصر. وقد نشر مؤسّسها كتاباً عام 1890 أعيد طبعه عام 1925 يقول فيه إن ختان الإناث ضرورة كما هو الأمر في ختان الذكور. وكانت تلك الجمعيّة تصدر مجلّة متخصّصة وتضم مئات من الجرّاحين وأخصّائي العظام وخبراء تقويم العمود الظهري، وقد أجروا عمليّات على آلاف المرضى. ونجد في مجلّة تلك الجمعيّة مقالات حول عمليّات ختان الذكور والإناث أجريت للشفاء من أمراض مثل الصداع وانحناء الناتئ العظمي ومرض المفاصل والإستسقاء الدماغي. وقد علّق بعضهم على أن 60% من الجنون صادر عن وضع غير طبيعي للأعضاء الجنسيّة. وفي أحد تلك المقالات نقرأ أن اليهود قليلاً ما يصابون بمرض المفاصل وسبب ذلك أنهم يختنون [363] .

ورغم أنه تم في الثلاثينات من القرن العشرين إكتشاف أن الصرع سببه خلل في المخ، إستمر الأطبّاء المؤيّدون لختان الذكور بدعوتهم أن الصرع ينتج عن غلفة ضيّقة، كما يبيّنه مقال للطبيب اليهودي «ابراهام وولبارست» عام 1934 [364] .

ولم يكتف الغرب باللجوء إلى الختان للوقاية من أمراض يجهلون سببها، بل إقترحوا إجراء ختان الأطفال في الصغر للوقاية من الختان الذي قد يضطر لإجرائه في الكبر لعلاج أمراض قد تصيبه. فبما أنه لا بد من إجراء العمليّة يوماً ما، من المفضّل إجراؤها بأسرع وقت ممكن. ومن هنا توسّع الأطبّاء الأمريكيّون في إجراء الختان على حديثي الولادة. وهذه الحجّة ما زالت تردّدها الكتب والمقالات الطبّية والشعبيّة.

وحقيقة الأمر أن عمليّة الختان يندر أن تجرى في الكبر. ففي مدينة اوسلو في النرويج، كان هناك فقط ثلاث حالات ختان على أطفال خلال 26 سنة بين 20.000 طفل تم مداواتهم. وفي الدانمارك، من بين 1968 طفلاً تم مداواتهم حتّى عمر السابعة عشر خلال عدّة سنين لم يتم عمل الختان إلاّ على ثلاث حالات فقط. ويُظن الأطبّاء أنه كان من الممكن تفادي حالات الختان هذه. ولا توجد أيّة إحصائيّات تذكر عن ختان شباب بالغين في تلك الدول. وقد أجريت في فنلندا، عام 1970، عدد من عمليّات ختان شباب لأسباب ضيق الغلفة ولكن 99.499% من ذكور فنلندا الذين يزيد عمرهم عن 15 سنة ظلوا دون حاجة للختان. ممّا يعني أن هناك 6 حالات ختان طبّية بين مائة ألف شاب. أي أن الأطبّاء لا يضطرون لإجراء تلك العمليّة لأسباب طبّية. وإن كان هناك بعض المشاكل الصحّية مع الغلفة، فقد أمكن مداواة تلك المشاكل علاجيّاً وليس جراحيّاً.

وفي الولايات المتّحدة لا توجد أيّة دراسة تبيّن نسبة اللجوء إلى ختان الشباب لأسباب طبّية. ويقدّر «فالرشتاين» أن نسبة الذين يختنون هناك بعد عمر 15 سنة لأسباب طبّية بـ 0.3% أي ثلاثة شباب بين كل ألف شاب، وعامّة يتم ذلك في الجيش. وارتفاع الأعداد الأمريكيّة يفسّر بأسباب غير طبّية. فهناك من يختتن لأسباب دينيّة (التحوّل إلى اليهوديّة أو الإسلام أو الزواج المختلط)، أو لأن المرأة تطلب ذلك خوفاً من السرطان، أو لأن بعضهم يظن أن القضيب المختون أجمل من القضيب غير المختون. أضف إلى ذلك أن الأطبّاء في الولايات المتّحدة يفضّلون اللجوء إلى السكّين بدلاً من إيجاد أسلوب علاجي لمداواة المرض، لأن ذلك أربح لهم. ممّا يعني أن ممارسة الختان بعد عمر 15 سنة لأسباب حقيقة طبّية قليل جدّاً. وفي جميع أنحاء العالم يتم علاج مشاكل الغلفة بالأدوية وليس بالقطع [365] .

ج) الختان والوقاية في الكتابات العربيّة والإفريقيّة

لقد أثّر الفكر الغربي على الأطبّاء العرب منذ القرن الماضي. فقد أعاد علينا الطبيب المصري صالح صبحي التبريرات الغربيّة بخصوص ختان الإناث في كتابه الذي ألّفه بالفرنسيّة عام 1894 عن رحلة الحج التي كان مشرفاً طبّياً عليها في ذاك الوقت:

«إن ختان الإناث هو قطع البظر. والهدف الرئيسي والوحيد هو الوقاية من الهستيريّة. وهذا المرض نادر في الدول التي تمارس هذا الختان، كما تبيّنه لنا التجربة كل يوم. فالحساسيّة الشديدة للبظر، بإشعاعها من خلال نظام الشرايين، يمكن أن تسبّب أمراضاً مختلفة خطيرة قد تصيب المبيضين وتجعل المرأة عاقراً. وقد تصيب الرئتين والقلب. وإذا ما إنتقلت إلى المعدة فإنها تسبّب لها الإضطرابات كالمغص وفقدان الشهيّة والتقيؤ. وإذا ما أصابت الأمعاء، فقد تسبّب الإسهال أو الإمساك. وفي بعض الحالات تنتقل إلى المخ وتؤدّي إلى إضطرابات عصبيّة والجنون. وإذا أصابت العصب السمبتاوي، فإنه يؤدّي إلى إضطرابات في حيويّة الأنسجة والى تعب عام ينتهي بموت بطيء».

وهذا الطبيب يوصي بممارسة ختان البنات في جميع المجتمعات مهما كانت ديانتها، وخاصّة في العائلات المصابة بأمراض وراثية مثل الصرع، والهستيريا، والجنون، لتقليل إحتمالات الإصابة بهذه الأمراض أو القضاء عليها. وأمّا بخصوص الآلام التي تسبّبها هذه العمليّة، فهو يؤكّد بأنها ليست بالدرجة التي تظن. فالبنت المختونة تعود إلى حالتها المعتادة بعد ستّة وثلاثين ساعة [366] .

وسوف نرى لاحقاً كيف أن الكتّاب المسلمين في عصرنا ما زالوا يتناقلون التبريرات الغربيّة لكل من ختان الذكور والإناث دون ذكر لآراء المعارضين التي لا تتّفق مع هدفهم المعلن وهو إثبات أن الطب الحديث يتّفق مع معتقداتهم الدينيّة.

والخرافات الطبّية الغربيّة حول ختان الذكور والإناث لا تختلف عن خرافات ممارسي ختان الإناث في إفريقيا إذ يعتقد بأنه يقي المرأة من أمراض صحّية وعقليّة كثيرة. وإذا ما كانت الفتاة ضعيفة، فإنه يُظن أنها مصابة بـ«مرض الدودة» وأن ختانها يشفي من هذا المرض بإخراج الدودة [367] .

وتشير كاتبة إفريقيّة إلى إعتقاد بعض الجماعات الإفريقيّة بأن ختان الإناث يجعل المرأة في صحّة أفضل. فالمختونات قليلاً ما يشتكين من الألم ما عدا تلك التي تنتج عن أسباب خارج الطبيعة (مثل الجن والسحر). وكثيراً ما تعطى أمثلة لبنات تم ختانهن فأصبحن بصحّة جيّدة. ويذكر كذلك أن للختان قوّة شفاء. فقد شفيت نساء من الحزن العميق والشبق الجنسي والهستيريا والصرع وهوس السرقة والتهرّب. وترد هذه الكاتبة على هذا الإعتقاد بأنه غير عقلي. فالنساء في المجتمعات التقليديّة قليلاً ما تتشكّى من آلامها. والمشكلة هنا أن تلك المجتمعات لا يوجد فيها نساء غير مختونات يمكن على أساسها عمل مقارنة بين صحّة المختونات وغير المختونات [368] .

هذا ويمكن القول بأن قليلاً من الأمراض لم تنسب في وقت أو آخر إلى عدم ختان الذكور والإناث، أو أعتُبِر الختان وسيلة للوقاية منها. ولكن تم في كل عصر التركيز على الأمراض التي تبث الرعب في النفوس، فأنتقل مؤيّدو الختان من الإستمناء وعواقبه التي ذكرناها في الفرع السابق إلى الأمراض التناسليّة، فالسرطان، فالإيدز. هذا ونشير هنا إلى أن البغايا في الدول الأسيويّة يقمن بوضع وشم على أعضائهن الجنسيّة كتعويذة لحمايتهن من الأمراض الجنسيّة [369] . وبفعلهن هذا لا يختلفن عمّن يلجأ للختان للوقاية من الأمراض.

2) ختان الذكور والإناث للوقاية من الأمراض الجنسيّة

أ) المصادر العربيّة

بين يدينا كتابان لطبيبين عربيين مسلمين تعرّضاً للختان كوسيلة للوقاية من الأمراض الجنسيّة. وهذان الطبيبان يعتمدان كلّياً على الكتابات الغربيّة المؤيّدة لختان الذكور، وليس فيهما أيّة إشارة إلى الآراء المعارضة. ونكتفي هنا بذكر فقرة من كل منهما.

يقول الدكتور حسّان شمسي باشا:

«لا شك في أن كل الأمراض الجنسيّة أكثر شيوعاً عند غير المختونين منها في المختونين. فقد عدّد الدكتور «فينك» الذي ألّف كتاباً عن الختان وطبع عام 1988 في كليفورنيا في الولايات المتّحدة أكثر من 60 دراسة علميّة أثبتت جميعها إزدياد حدوث الأمراض الجنسيّة عند غير المختونين» [370] .

ويقول الدكتور محمّد علي البار:

«تنبّه كثير من الباحثين إلى دور الختان في التخفيف النسبي من آثار الأمراض الجنسيّة. ومنذ الحرب العالميّة الثانية وفي الحرب الكوريّة كانت التعليمات في الجيش الأمريكي تقضي بنشر الختان على نطاق واسع لأنه يقلّل من إلتهاب الحشفة ويقي إلى حد ما من الأمراض الجنسيّة» [371] .

والمؤلّفان الغربيان المشار إليهما طبيبان يهوديّان من كبار المدافعين عن ختان الذكور في الولايات المتّحدة ويطلبان إجراءه على جميع الأطفال دون إستثناء، يهوداً كانوا أو غير يهود.

ب) المصادر الغربيّة

زرعت الأمراض الجنسيّة في القرن التاسع عشر قَبل إكتشاف الجراثيم الرعب في الغرب. وكانت تعتبر جزاءاً إلهياً ضد الأعمال السيّئة، حتّى أن بعض الأطبّاء رفضوا مداواتها [372] .

وقد نشرت عنها الكثير من الدراسات، من بينها تلك التي صدرت عام 1855 وعنوانها «تأثير الختان على الوقاية من الزهري». وقد بيّنت هذه الدراسة التي تمّت على مستشفى في لندن أن اليهود، بين جميع الطوائف الدينيّة، أقل تعرّضاً لتلك الأمراض التناسليّة كالزهري والتقرّح. وبما أن اليهود كانت المجموعة الوحيدة التي تمارس الختان بصورة واسعة، إستنتجت تلك الدراسة أن الختان يقي من الأمراض الجنسيّة [373] . وقد تم نشر هذه الدراسة في المجلاّت الطبّية خارج إنكلترا كما أستعملت أمام المحاكم كإثبات على ضرورة الختان. فقد رفض طبيب يهودي من فينا ممارسة الختان على إبنه عام 1857. فتدخّل الحاخام «جوزيف هيرشفيلد» مقدّماً الدراسة المذكورة ليبيّن أنه يحق حرمان الأب من ولايته على إبنه وتسليمه لرجال الدين اليهود. وهكذا تم ختان الولد رغماً عن والده [374] . وقد توصّلت دراسة أمريكيّة في عام 1884 إلى نتيجة مماثلة بينما كان المرض يتفشى هناك [375] .

ولم يفكّر أحداً حين ذاك في أسباب أخرى تفسّر عدم إنتشار مثل هذا الوباء بين اليهود. ومن بين هذه الأسباب نذكر إنعزال اليهود عن المحيط العام في «الجيتو» اليهودي الذي كان بمثابة حجر صحّي (كرنتينا) تحميهم من سريان تلك الأوبئة، والعلاقات العائليّة اليهوديّة المنغلقة. ويشار إلى أن القانون في القرون الوسطى كان يمنع العاهرات المسيحيّات من ممارسة الجنس مع اليهود ويعاقب بالموت كل من العاهرة واليهودي. وقد تبنّى هذه القاعدة لاحقاً النظام النازي. واقترح «مئير كهانة» في إسرائيل مشروع قانون مشابه في شهر سبتمبر 1984 يعاقب بالسجن لمدّة خمس سنوات كل علاقة جنسيّة بين اليهود وغير اليهود، رجالاً كانوا أو نساء [376] .

أدّى عدم النظر في هذه المعطيات وجهل الأطبّاء لأسباب الأمراض الجنسيّة إلى تبنّي خرافة أن الختان يقي من تلك الأمراض. وما زالت الكتابات الغربيّة تتناقل هذه الخرافة. وقام مؤيّدو الختان بإضافة تفسيرات طبّية لتثبيتها إذ إعتبروا أن الغلفة تخبئ المادّة المرطّبة التي تصبح مرتعاً للجراثيم. وبإزالة الغلفة يسهل تنظيف القضيب وتُقوَّى الحشفة ممّا يجعل إنتقال الجراثيم داخلها صعباً. وقد روّج لمثل هذه النظريّة الدكتور «ايجين هاند» من البحرّية الأمريكيّة في محاضرة ألقاها عام 1947 أمام «الجمعيّة الطبّية الأمريكيّة» آخذاً بالإعتبار الجنود في الحرب العالميّة الثانية، قال فيها إن الأمراض التناسليّة والسرطان عند اليهود أقل بكثير ممّا عند الزنوج والبيض غير المختونين [377] . وقد نقلت مجلّة «نيوزويك» في عددها الصادر في 12 يوليو 1947 فقرات من هذه المحاضرة التي إعتبرتها مثيرة وموثّقة. ولا تخلو هذه الفقرات من إعتبارات عنصريّة ضد الزنوج وتعظيماً لليهود مع تشويه للحقائق. فصاحبنا يعتبر أن سرطان اللسان أقل عند اليهود والمختونين ممّا عند غير المختونين لأن مرض الزهري عندهم أقل، ممّا يعني أنهم أقل تعريضا للتلوّث السرطاني [378] . وقد قال طبيب آخر أن 70% من أمراض الأعضاء الجنسيّة يسبّبها الزنوج. وبما أنه من غير الممكن تعليم الزنوج النظافة، لذا يجب ختانهم. وكان هذا المقال في موجة من الهستيريا الشعبيّة المتخوّفة من الأمراض التناسليّة حيث تم نشر عدد ضخم من المقالات ضد هذه الأمراض [379] .

وقد إغتنم الطبيب اليهودي «ابراهام رافيتش» هذه النظريّة فأصدر كتاباً عام 1973 عنونه «الوقاية من الأمراض التناسليّة والسرطان بواسطة الختان». وهذا الطبيب يرى ضرورة أن يفرض الختان على الجميع كما تُفرض اللقاحات. وهو يدافع عن تمزيق الغلفة بالإظفر كما تجرى عند اليهود لأن ذلك حسب رأيه يؤدّي إلى نزيف أقل من القطع. وهناك أغلاط كثيرة في هذا الكتاب قليلاً ما تعرّض لها المؤلّفون، لا بل إن كثيراً من الأطبّاء ما زالوا يستعملون هذا الكتاب كمرجع في موضوع الختان [380] .

وقد بيّن «فالرشتاين» أن نسبة الأمراض التناسليّة في الولايات المتّحدة قد إرتفعت رغم إرتفاع نسبة الختان هناك. وعامّة تصيب الشباب ما بين 15 و30 عاماً رغم أن نسبة المختونين بينهم تصل إلى 75%. ممّا يعني أن تلك الأمراض لا علاقة لها بالختان. بالإضافة إلى أن جراثيم تلك الأمراض يمكنها أن تمر ليس فقط من خلال العضو التناسلي ولكن أيضاً من خلال الفم والعين والمستقيم أو أي جرح في الجسم. وكان يُظن سابقاً أن جراثيم الأمراض التناسليّة تعيش في مكان خال من الأكسجين، ممّا يعني أن الغلفة تساعد على تفشّيها، ولكن ثبت لاحقاً أنه لا يمكنها أن تعيش دون أكسجين. ثم أن التقرّحات لا تظهر فقط على الغلفة بل على أعضاء مختلفة أخرى من الجسم. والمضاعفات الناتجة عن تلك الأمراض الجنسيّة لا علاقة لها بالختان بل بإهمال تلك الأمراض وعدم مداواتها. فالدواء يشفي من تلك الأمراض إن كان الشخص مختوناً أو غير مختون [381] .

وبعد إستعراض المقالات التي كتبت في هذا المجال منذ عام 1855 حتّى عام 1997، يقول طبيب أمريكي بأنه لا توجد أيّة دراسة لبحث أثر الختان على الأمراض الجنسيّة. وبدلاً من أن يكون وسيلة للوقاية من تلك الأمراض، قد يكون الختان وسيلة لتفشّيها. ويأخذ هذا الطبيب في الإعتبار أن الختان الروتيني في الولايات المتّحدة قد تم تنفيذه بصورة واسعة هناك، ولكن معدّل الأمراض االمنتقلة جنسيّاً في تزايد بدلاً من النقصان [382] .

ويشار هنا إلى أن ما يكتب في الغرب حول علاقة الختان بالأمراض التناسليّة يدور حول ختان الذكور رغم أن تلك الأمراض تصيب الإناث أيضاً. وهي أشد سطوة عندهن ممّا عند الذكور لأنها لا تظهر دائماً للعيان كما عند الذكور، بل تكون داخل أعضائهن التناسليّة، وهن بدورهن قد يُعدن شريكهن. فإن كان الأمر صحيحاً، فكان يجب أيضاً ختان الإناث وإزالة أعضائهن الجنسيّة. والحل للأمراض الجنسيّة هو مداواتها وليس بتر الأعضاء السليمة [383] .

3) ختان الذكور والإناث للوقاية من السرطان

أ) المصادر العربيّة

يرى مؤيّدو ختان الذكور أنه يقي من السرطان. فبعد أن بيّن أن ليس لختان الذكور والإناث دليل منقول من القرآن والسُنّة، رأى الشيخ محمود شلتوت بأن ختان الذكور، خلافاً لختان الإناث، فيه

«مصلحة تربو بكثير عن الألم الذي يلحقهم بسببه. ذلك أن داخل «الغلفة» منبت خصيب لتكوين الإفرازات التي تؤدّي إلى تعفّن تغلب معه جراثيم تهيئ للإصابة بالسرطان أو غيره من الأمراض الفتّاكة. ومن هنا، يكون الختان طريقاً وقائيّاً يحفظ للإنسان حياته. ومثل هذا يأخذ في نظر الشرع حُكم الوجوب والتحتيم» [384] .

هذا وقد توسّع الدكتور حسّان شمسي باشا في نقله عن المصادر الغربيّة المؤيّدة لختان الذكور، وخاصّة من كتابات الطبيبين «شووين» و«وايزويل»، وهما من كبار المؤيّدين لختان الذكور الشامل في الولايات المتّحدة. وقد تجاهل الدكتور باشا وغيره من المسلمين آراء المعارضين في هذا المجال. وممّا نقله باشا نقتبس ما يلي:

- إن للمادّة المرطّبة التي تتجمّع ما بين الحشفة والغلفة فعلاً مسرطناً.

- إن سرطان القضيب نادر جدّاً عند اليهود، وفي البلاد الإسلاميّة حيث يجرى الختان أثناء فترة الطفولة. وأثبتت الإحصائيّات الطبّية أن سرطان القضيب عند اليهود لم يشاهد إلاّ في تسعة مرضى فقط في العالم كلّه.

- يموت سنوياً ما بين 225-559 شخص بسرطان القضيب في الولايات المتّحدة.

- لو كان رجال أمريكا جميعاً غير مختونين فإن عدد حالات سرطان القضيب سوف يزداد إلى أكثر من 3000 حالة سنوياً. وتحدث حاليّاً 750-1000 حالة سرطان القضيب سنوياً في الولايات المتّحدة. ولم تحدث خلال العشرين سنة الماضية في أمريكا سوى ثلاث حالات فقط من سرطان القضيب عند رجال مختونين.

- أجريت ست دراسات كبرى على سرطان القضيب منذ عام 1932 وحتّى عام 1990 شملت أكثر من 1600 حالة، ولم يكن أحد من هؤلاء مختوناً في سن الطفولة.

- سجّلت الإحصائيّات الأمريكيّة أكثر من 60.000 حالة من حالات سرطان القضيب منذ عام 1930 وحتّى الآن. ومن أصل هذا العدد كان هناك أقل من عشر حالات فقط حدثت عند أناس مختونين. ويقدّر الخبراء أن إحتمال حدوث سرطان القضيب عند غير المختونين يبلغ واحداً لكل 600 شخص.

- إن ختان الذكور يقي من سرطان عنق الرحم لدى المرأة. وهذا العامل هو من أهم العوامل في خفض نسبة السرطان لدى اليهوديّات في إسرائيل لأن مستواهن الأخلاقي ليس بأفضل من مستوى المرأة الأوروبيّة أو الأمريكيّة. ويعتبر سرطان عنق الرحم نادر الحدوث جدّاً في الجزيرة العربيّة، وذلك لندرة الأسباب المؤدّية إليه وهو الزنا وتكرّره، وختان الرجال [385] .

ويعلّق الدكتور باشا على هذه المعلومات قائلاً:

«نعم، هذا ما يقرّره علماء الطب اليوم، وهذا ما قرّره الإسلام، وما أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام، إنها فطرة الله: «فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله» (الروم 30:30) [386] .

ويضيف في مكان آخر:

«أليست هذه نعمة من رب العالمين. سُنّة من سُنَن الفطرة التي أوصانا بها رسول الإنسانيّة محمّد (ص) تمنع حدوث سرطان القضيب. أنظروا إلى هذه الحقيقة: 1600 حالة من سرطان القضيب، لم يكن بينهم رجل واحد مختون!!» [387] .

وبعض مؤيّدي ختان الإناث يرون فيه أيضاً وسيلة لحمايتهم من السرطان. وقد رفض هذا الإدّعاء الدكتور محمّد رمضان الذي يقول:

«هناك إدّعاء مغلوط: إن المرأة المختتنة لا يحدث لها سرطان في الأعضاء التناسليّة الخارجيّة تقريباً (البظر والأشفار). وذلك لأننا قطعنا واستأصلنا هذه الأجزاء. فبالتالي يقل أو ينعدم السرطان. وليس هذا أسلوب علمي للوقاية وإلاّ لقطعنا الأعضاء والأطراف المعرّضة لأي نمو سرطاني في المستقبل. ونسبة حدوث سرطان الأعضاء التناسليّة نسبة ضئيلة ولا تزيد على نسبة حدوثه في الجلد في أي عضو آخر من الجسم. بل إن القطع الجزئي لهذه الأعضاء يعرّضها لحدوث السرطان بنسبة أكثر ممّا لو كانت، حيث إنها تلتئم بنسيج متليّف والنسيج المتليّف عرضة للإستثارة والإلتهاب أكثر من النسيج العادي» [388] .

هذا وقد سخر محمّد عفيفي ممّن يدّعي أن ختان الذكور يقي من السرطان. فهو يقول:

«واليوم يعمد بعض الفهلويين من هواة السادزم إلى التمسّح في العلم، قائلين لنا أن ذلك الغلاف الجلدي من عادته أن يحتجز في ثناياه بعض المواد الضارّة التي يمكنها على المدى الطويل أن تصيب عضو الذكر بالسرطان، وهذا نوع من الجدل الذي يثير كلاًّ من الغيظ والرثاء. فلماذا نفترض وجود ذلك الرجل الفذ في قذارته، الذي يرفض الإغتسال ويترك إفرازات جسمه تتراكم يوماً بعد يوم حتّى تصيبه بالسرطان؟! وإذا صح وجود مثل هذا الحلّوف أفلا ترى معي أنه يستحق أن يصاب بالسرطان فعلاً؟! وإن السرطان ليصيب الأنثى بين حين وآخر في ثديها أو رحمها، فهل يدفعنا هذا - وفقاً لنفس المنطق - إلى أن نستأصل لكل أنثى تولد ثدييها ورحمها في اليوم الثامن؟!» [389] .

ب) المصادر الغربيّة

بدأت النظريّة القائلة بأن الختان يقي من السرطان بمقال كتبه الطبيب اليهودي الأمريكي «ابراهام وولبارست» عام 1932 معتمداً على حديث أجراه مع مسؤولين في أربع مستشفيات في الهند حول معدّلات السرطان هناك. وقد إدّعى هذا الطبيب أن السبب في سرطان القضيب هو وجود المادّة المرطّبة تحت الغلفة. وبإزالة الغلفة بالختان، فإنه يتم التخلّص من هذه المادّة. واستنتج أن الختان هو سبب حماية اليهود من هذا الداء [390] .

وقد أضاف الطبيب اليهودي «ابراهام رافيتش» عام 1942 إلى تلك النظريّة أن ختان الذكور يحمي أيضاً من سرطان البروستاتة وعنق الرحم. وهذا الطبيب كان يعمل في مستشفى «إسرائيل صهيون»، أحد أكبر الداعين لإجراء الختان على الأطفال بصورة شاملة [391] . وقد أعاد الطبيب «ايجين هاند» هذه النظريّة في محاضرة ألقاها عام 1947 أمام الجمعيّة الطبّية الأمريكيّة آخذاً بالإعتبار الجنود في الحرب العالميّة الثانية، مدّعياً أن الأمراض التناسليّة والسرطان عند اليهود أقل بكثير من الزنوج والبيض غير المختونين [392] . وكرّر «ابراهام رافيتش» نظريّته في مقال آخر عام 1951 عنونه «الوقاية من سرطان البروستاتة والقضيب وعنق الرحم بواسطة الختان» مدّعياً أن 32000 شخص يتوفّون سنوياً من السرطان الناتج عن الغلفة. ولذا يجب إجراء الختان بصورة عامّة على جميع الأطفال [393] .

ومجمل ما تقوله هذه النظريّة هو أن اليهود أقل من يصاب بسرطان القضيب والرحم لأنهم يختنون في اليوم الثامن. ثم يأتي بعدهم المسلمون، لأنهم يختنون بعد اليوم الثامن. ثم يلحق بهم غير المختونين. وقد تم تكرار هذه النظريّة في مقالات تعتمد على مقالات تسبقها كلّها تعود إلى ما كان قد كتبه «ابراهام وولبارست» عام 1932 [394] . وأصحاب هذه المقالات هم أفراد يهود أو ذوو نزعة يهوديّة وتعتمد على معطيات مغلوطة لأسباب عقائديّة دينيّة وليست علميّة. فهي ترى دون إثبات أن المادّة المرطّبة هي التي تسبّب السرطان، وتعتمد على أرقام مبالغ فيها أو غير موثوق بها، وقد فنّدت الجمعيّات الطبّية تلك النظريّة. والوقاية بالختان أخطر من الداء وليست أخلاقيّة، فهناك وسائل أخرى للوقاية أنجع وأخف من الختان. وهذا ما سوف نراه في النقاط التالية.

المادّة المرطّبة ليست سبباً للسرطان

يتّهم أصحاب هذه النظريّة المادّة المرطّبة بأنها المسؤولة عن تكوين السرطان، وبالختان يتم إزالة الغلفة التي تختبئ داخلها هذه المادّة. وحقيقة الأمر أن لا علاقة بين تلك المادّة والسرطان. فقد قام بعض الباحثين بتجارب على الحيوانات التي تفرز المادّة المرطّبة مثل الإنسان. كما قام البعض بإدخال المادّة المرطّبة البشريّة أسبوعياً لمدّة تتراوح بين سنة وثلاث سنين في رحم إناث القردة والفئران ولم يكتشف أي تأثير لها في تكوين سرطان عنق الرحم. بينما عندما وضعت مادّة مولّدة للسرطان كانت النتيجة أن الحيوانات أصيبت بسرطان عنق الرحم [395] . وتوجد المادّة المرطّبة عند الذكر كما عند الأنثى بين غلفتها وبظرها، كما أنها موجودة عند كل الحيوانات اللبونة، ذكوراً وإناثاً. وإن صح أن المادّة المرطّبة تسبّب السرطان، يعني ذلك ضرورة ختان الإناث بصورة روتينيّة كما تفعل بعض الشعوب مع الذكور، وضرورة ختان جميع تلك الحيوانات لحمايتها من السرطان. ولكن لا يجرؤ أحد على تقديم إقتراح مثل هذا [396] .

ولو كان صحيحاً أن المادّة المرطّبة عند الذكر هي التي تسبّب السرطان فإن نسبة سرطان القضيب يجب أن تكون أعلى عند غير المختونين من نسبة سرطان عنق الرحم لأن المادّة المرطّبة في إتّصال متواصل بالقضيب. ولكن الأرقام تشير إلى عكس ذلك تماماً. ففي عام 1977 سجّلت الولايات المتّحدة 20.000 وفاة بسبب سرطان البروستاتة و7.600 وفاة بسبب سرطان عنق الرحم مقابل 225 وفاة بسبب سرطان القضيب [397] .

الأرقام مبالغ فيها أو غير موثوق بها

يعتمد من يدّعي أن الختان يقي من السرطان على مقارنة عدد المصابين بالسرطان بين المختونين وغير المختونين. ولكن هذه الأرقام مبالغ فيها وغير موثوق بها.

فقد غالى مؤيّدو الختان في التخويف من سرطان الرحم. فسرطان عنق الرحم يمثّل أقل من 5% من حالات الموت بسبب السرطان بجميع أشكاله التي تصيب المرأة. ولكن مؤيّدو الختان يبالغون مدّعين أن سرطان عنق الرحم يمثّل 35%. وعندما يتكلّمون عن مستوى سرطان عنق الرحم عند النساء اليهوديّات ينقصون هذه الأرقام ويجعلونها تساوي ما يقارب الصفر. والواقع يبيّن فعلاً أن مستوى سرطان عنق الرحم عند اليهوديّات منخفض. وهم يرجعون السبب إلى ممارسة الختان عند اليهود. إلاّ أن الأبحاث التي أجريت بين عام 1900-1910 أرجعت السبب إلى الحمّام الطقسي (مكفاه) الذي تفرضه الديانة اليهوديّة على المرأة بعد الحيض. وقد أُهمل هذا السبب لاحقاً حتّى يبرهن أن ختان الذكر هو السبب [398] .

وذكر الدكتور «ديركينيون» ورفاقه عام 1973 أن سرطان القضيب في الولايات المتّحدة يمثّل أقل من 1% من الأمراض التي تصيب الرجل، بينما هذا العدد يصل إلى 12% في الهند. وقد إعتمد على مقال في مجلّة طبّية تصدر في أستراليا ونيوزيلندا. ولكن المقال الأصلي يذكر ليس 12% بل 2%. فأضاف الدكتور المذكور 10% من عنده. وكل ذلك ليبرهن بطبيعة الحال أن الختان في الولايات المتّحدة يحمي من ذلك المرض الخبيث. ويعطي «فالرشتاين» عدّة أمثلة لمثل تلك المبالغات والمغالطات التي لا أساس لها [399] .

وذكر الطبيب «شووين» أن التلقيح ضد الأمراض يقي بنسبة 90 إلى 95% بينما الختان يقي من سرطان القضيب بنسبة 99.9% [400] . ورد عليه الطبيب «فلايس» بأنه لا توجد إثباتات في أيّة كتابات طبّية بأن الختان يقي من سرطان القضيب بنسبة 99.9%. وهذه الأرقام لا يمكن أن تكون صحيحة لأن نسبة سرطان القضيب في الولايات المتّحدة حيث أكثر الكبار مختونين تصل إلى 1 في 100.000، وهذا ضعف أو ثلاثة أضعاف نسبة سرطان القضيب في دول مثل الدانمارك وفنلندا واليابان التي لا تمارس الختان الروتيني. ومن جهة أخرى يعتبر التلقيح الجماعي لكسب المناعة مفيداً لتفادي الأوبئة التي قد تصيب الجماعة، ولذلك يفرض على الجميع لأجل الصالح العام. وهذا غير مبرّر في الختان، فسرطان القضيب لا ينتقل بالعدوى ولا يعتبر وباءاً [401] .

وبخصوص سرطان البروستاتة عند الرجل، إدّعى الدكتور «مارفين أيجير» عام 1972 أن الختان يقي منه، معتمداً في ذلك على قول طبيب سويدي زار إسرائيل بأن عدد الوفيّات من هذا السرطان في السويد أعلى 4.7 مرّات من عدد الوفيّات في إسرائيل. وقد رأى أن السبب في ذلك هو ممارسة الختان في إسرائيل. ولكن الأرقام التي تنشرها الجمعيّة الأمريكيّة لأربعين دولة تبيّن أن هذه النظريّة غير مثبتة. ففي عام 72-1973 كان هناك 12 دولة لا تختن عدد الوفيّات فيها أقل من إسرائيل. وبدلاً من أن تكون نسبة الوفيّات في الولايات المتّحدة منخفضة، هناك 33 دولة لا تختن نسبة الوفيّات فيها أقل ممّا هو الأمر في الولايات المتّحدة [402] .

وقد كتب الطبيب «وايزويل» عام 1992 بأنه توفّى أكثر من سبعة آلاف شخص من سرطان القضيب خلال الخمسين سنة الماضية. [403] . وفي عام 1997، كتب هذا الطبيب أنه توفّى أربعة أطفال بسبب الختان في الخمس وأربعين سنة الماضية، بينما مات 11 ألف شخص غير مختون بسبب سرطان القضيب [404] . ويرد عليه الطبيب «فلايس» بأنه لا يوجد أي إثبات حول الأرقام التي يقدّمها، وليس هناك إحصائيّات تبيّن حالات الوفيّات التي تحصل بسبب ختان الذكور في الولايات المتّحدة. ويضيف بأن سرطان القضيب أمر مرتبط بالتصرّف الفردي وتقدّم العمر وإدمان التدخين والخمر وعدد من الأمراض الجنسيّة وتعدّد في شركاء العلاقة الجنسي وضعف الثقافة الصحّية. فهذا يعني أنه مرض يسبّبه الشخص لنفسه. بينما الختان الذي يفرض على الطفل ليس أمراً يسبّبه الطفل لنفسه. فمقارنة وفاة أطفال أبرياء مع وفاة أشخاص هدموا أنفسهم ليس أخلاقيّاً [405] .

تفنيد الجمعيّات الطبّية لتلك النظريّة

أكّدت الأكاديميّة الأمريكيّة لطب الأطفال منذ قرارها لعام 1975 بأنه لا يوجد سبب طبّي قاطع لإجراء عمليّة الختان بصورة روتينيّة للأطفال حديثي الولادة. وأضافت بأن الختان قد يقي من سرطان القضيب، ولكن نظافة القضيب غير المختون تقي أيضاً من ذلك المرض. وقد أكّدت بأنه لا يوجد إثبات بأن عدم ختان الذكر يؤدّي إلى إرتفاع في الإصابة بسرطان الرحم عند المرأة التي يمارس معها الجنس. ويذكر اليهود المؤيّدون للختان بمرارة بالغة هذا القرار وهم يعوّلون على تقرير آخر من تلك الأكاديميّة تعيد للختان مكانته [406] . وقد تبع هذا القرار قرار مماثل للجمعيّة الأمريكيّة للمسالك البوليّة عند الأطفال. وقد جاء في رسالة بعثت بها الجمعيّة الأمريكيّة للسرطان إلى الأكاديميّة الأمريكيّة لطب الأطفال بتاريخ 16 فبراير 1996:

«كممثّلين عن الجمعيّة الأمريكيّة للسرطان نود أن نصد الأكاديميّة الأمريكيّة لطب الأطفال عن تشجيع ختان الذكور الروتيني كوسيلة للوقاية من سرطان القضيب أو سرطان عنق الرحم. فالجمعيّة الأمريكيّة للسرطان لا تعتبر الختان الروتيني وسيلة ناجعة أو فعّالة للوقاية من مثل هذه السرطانات.

إن الأبحاث التي تدّعي وجود علاقة بين ختان شركاء العلاقة الجنسيّة وسرطان الرحم تعاني من أغلاط منهجيّة ولم يعد لها قيمة اليوم ولم تأخذ على محمل الجد من قِبَل الهيئة الطبّية لعقود عدّة.

وكذلك الأبحاث التي تدّعي وجود علاقة بين الختان وسرطان القضيب لا يعوّل على نتائجها. وسرطان القضيب حالة نادرة تمس واحداً بين 200.000 شخص في الولايات المتّحدة. ومعدّلات سرطان القضيب في الدول التي لا تمارس ختان الذكور أقل من معدّلات سرطان الذكور في الولايات المتّحدة. وقد تقارب مخاطر الوفاة نتيجة للختان مخاطر الوفاة نتيجة لسرطان القضيب.

إن إعتبار الختان الروتيني وسيلة فعّالة للوقاية تشتّت الجموع عن واجب تفادي التصرّفات المثبتة والتي تساعد على نشوء سرطان القضيب وسرطان الرحم خاصّة التدخين والعلاقات الجنسيّة غير المحميّة مع عدد من الشركاء الجنسيين. إن تخليد الإعتقاد المغلوط بأن الختان يقي من السرطان أمر غير مناسب» [407] .

الوقاية بالختان أخطر من الداء وليست أخلاقيّة

على فرض أن الختان يحمي من سرطان القضيب، وهو أمر غير صحيح، فهذا يعني أنه يجب ختان مئات الآلاف من الأطفال لتوقي سرطان قضيب واحد. وبما أن نسبة مخاطر عمليّة الختان أعلى من نسبة حدوث سرطان القضيب، فإن ضرر الختان أكبر بكثير من عدم الختان. ومقارنة مع أنواع السرطانات الأخرى يلاحظ أنه في عام 1977 كان في الولايات المتّحدة 225 وفاة بسبب سرطان القضيب مقابل 300 وفاة بسبب سرطان ثدي الذكر و540 وفاة بسبب سرطان رحم الأنثى. ممّا يعني أن سرطان القضيب هو أقل من غيره من السرطانات. وإن كان علينا أن نختن الذكر وقاية من سرطان القضيب فيجب أيضاً قطع ثدييه وختن المرأة واستئصال رحمها وثدييها [408] .

ويقول الدكتور «دينيستون» بأن نسبة سرطان القضيب هو 1 من بين 100.000 شخص، وليس هناك أي برهان علمي بأن الختان يحمي من السرطان، بينما من المعروف والثابت أن التدخين يسبّب مثل هذا السرطان، كما أن من عوامل العدوى به المداومة على شرب الكحول والعدوى بالأمراض التناسليّة والضعف وكثرة تغيير الشريك الجنسي. وليس معقولاً أو أخلاقيّاً قطع 100.000 طفل بهدف تخليص رجل بالغ واحد من مثل هذا السرطان. وبالمقارنة، فإن خطر الإصابة بسرطان الثدي عند النساء هو مائة مرّة أكبر من الإصابة بسرطان القضيب، وليس هناك شخص واحد يقول ببتر ثدي البنات للوقاية من هذا المرض الفتّاك [409] .

4) ختان الذكور والإناث للوقاية من الإيدز

أ) تجربة شخصيّة

بعد إلقائي محاضرة في مؤتمر حول الختان عام 1994 في الولايات المتّحدة، فوجئت باستلام عدّة رسائل من يهود لم يسبق لي التعرّف عليهم. وتبيّن لي أن إحدى المشاركات اليهوديّات في ذاك المؤتمر قامت بتوزيع محاضرتي عليهم دون إذني. وبين مراسلي كان رئيس التعليم الطبّي في جامعة بن غوريون الإسرائيليّة واسمه «شيمون جليك»، وهو من المؤيّدين لختان الذكور. وقد تبادلت معه عدّة رسائل حول ختان الذكور. وإحدى تلك الرسائل تضمّنت مقالاً يدّعي أن الختان يقي من مرض الإيدز شبكها مع ورقة كتب عليها بالإنكليزيّة عبارة تقول: «إذا أمر الله عمل شيء فلا يمكن لهذا العمل أن يكون مضرّاً».

ويوماً أرسل لي «برنارد لافري»، رئيس للجنة ضد معاداة الساميّة في جنيف، قصاصة من جريدة سويسريّة بتاريخ 23/8/1995 تشير إلى أن ختان الذكور يحمي من مرض الإيدز. وهذا الخبر منقول عن «وكالة الأنباء الفرنسيّة» التي نقلته عن «يوميّة الطبيب» الفرنسيّة، وهذه الأخيرة نقلته عن خبر صادر عن وكالة أنباء أمريكيّة بنفس التاريخ. وقد قمت بإبلاغ هذا الخبر إلى السيّدة «ماريلين مايلوس»، رئيسة منظّمة NOCIRC والسيّد «تيم هاموند»، رئيس منظّمة Noharmm ، وهما منظّمتان أمريكيتان معاديتان لختان الذكور. وقد ردّت السيّدة «مارلين مايلوس» بتاريخ 1/9/1995 ما يلي:

«إن مرض الإيدز ليس سببه الغلفة بل الجراثيم التي تنتقل من خلال علاقة جنسيّة غير سليمة. وقطع الغلفة لم تثبت فائدتها في الوقاية من الإيدز في الولايات المتّحدة حيث أكثر ضحايا هذا الداء هم من المختونين.

إن الحجج الطبّية التي أستُعمِلت لتبرير واستمرار الختان في الغرب كانت دائماً تتماشى مع الأمراض المرعبة في الوقت الذي أستُعمِلت فيه تلك الحجج. وهكذا أستُعمِل الخوف من الإستمناء في أواسط القرن التاسع عشر. ثم أستُعمِلت حجّة النظافة في بداية القرن العشرين عندما وضعت نظريّة الجراثيم. وفي أواسط القرن العشرين، أصبحت الحجّة الخوف من سرطان القضيب والرحم. وأمّا اليوم، فهم يستعملون حجّة مرض الإيدز كوسيلة لتبرير عادة وحشيّة وبربريّة. ونحن الذين نعتبر تعسّفاً ضد الأطفال التشويه الجراحي لأعضائهم دون موافقتهم، يمكننا أن نفهم المقصود من تلك الحجج. فالعار كل العار لمن يستعمل مثل هذه الحج».

وقد رد «تيم هاموند» بتاريخ 30/8/1995 ما يلي: «إن الختان لا يحمي من مرض الإيدز. والإيحاء بأنه يحمي من الإيدز يعتبر رسالة خطيرة للمختونين تعني بأنه في إمكانهم ممارسة الجنس دون إتّخاذ الوسائل الكفيلة لحمايتهم من هذا المرض». وأضاف في رسالته بأنه إذا كان صحيحاً أن الختان يحمي من الإيدز، فيجب في هذه الحالة ختان كل من الذكور والإناث البالغين.

هذه التجربة الشخصيّة توضّح أن مؤيّدي الختان بين اليهود ومن يساندهم قد وجدوا في الإيدز ضالّتهم للدفاع عن ختان الذكور، فحوّلوا الخوف من الإيدز إلى سلاح للتأثير على الرأي العام. وقد سارعت الكتابات العربيّة بتلقّف هذا النبأ كما تلقّفت في الماضي كثيراً من «الإسرائيليّات» دون أي تحقيق حتّى إعتقدوا أنها من صميم تعاليمهم الدينيّة. ونحن نقدّم للقارئ زبدة الجدل الذي يدور حول علاقة الختان بالإيدز. وحتّى يكون فهم الموضوع في متناول الجميع، سوف نحاول الإبتعاد عن التفصيلات الحسابيّة والكيماويّة والطبّية ونعيد القارئ المتخصّص للدراسات التي نذكرها في مراجعنا لمزيد من المعلومات الفنّية.

ب) المصادر العربيّة

لقد إغتنم الكتّاب العرب ظهور نظريّة علاقة الختان بالإيدز فأخذوا يردّدونها في كتاباتهم منتقين الآراء التي تناسبهم وتتّفق مع هدفهم الذي هو إثبات أن المعطيات العلميّة تدعم معتقداتهم الدينيّة.

كتب الدكتور حسّان شمسي باشا:

«الختان يقي من مرض الإيدز». ذلك هو موضوع مقال نشر حديثاً عام 1989 في مجلّة Science الأمريكيّة. فقد أورد الدكتور «ماركس» في مقالته هذه ثلاث دراسات علميّة أجريت في الولايات المتّحدة وإفريقيا. وكانت هذه الدراسات تشير إلى إنخفاض نسبة الإصابة بمرض الإيدز عند المختونين. وخلص الدكتور «ماركس» إلى القول باحتمال وجود علاقة بين عدم الإختتان وبين مرض الإيدز [410] . وقد وجد باحثون آخرون (دكتور سيمونسن وزملاؤه) أن إحتمال الإصابة بمرض الإيدز بعد التعرّض للفيروس عند غير المختونين يبلغ تسعة أضعاف ما هو عليه عند المختونين» [411] .

وقد علّق الدكتور حسّان شمسي باشا على هذه النظريّة قائلاً:

«أليس هذا بالأمر العجيب. حتّى أولئك الذين يجرأون على معصية الله بالشذوذ الجنسي يجدون خصلة من خصال الفطرة يمكن أن تدفع عنهم غيلاء هذا المرض الخبيث. لقد وجدنا الأمر ذاته في الأمراض الجنسيّة كالزهري والسيلان والهربس التناسلي. ووجدناه الآن في داء الإيدز، فكيف يجرؤ أولئك على جحد نعم الله والتمادي في معصيته؟ قال تعالى: «يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون» (النحل 83:16). قال تعالى: «يا أيها الناس أذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله» (فاطر 30:35).

وينبغي أن لا يفهم المرء أنه إن كان مختوناً فهو في مأمن من داء الإيدز. فهذا المرض يحدث عند المختونين وغير المختونين وإن كانت نسبة حدوثه أقل عند غير المختونين» [412] .

وقد نشرت صحيفة «عقيدتي» المصريّة مقالاً في 5/9/1995 تحت عنوان: «وشهد شاهد من أهلها: الختان يمنع الإصابة بالإيدز» بقلم الدكتور أحمد شفيق. يقول المقال: «إعترفت إحدى الدوائر الطبّية في أوروبا بأن الختان يمنع الإصابة بمرض الإيدز، طاعون العصر». وأضاف المقال: «ولعّل هذا الإعتراف من إحدى الدوائر الطبّية يعتبر أبلغ وأقوى رد على الحملة الشرسة التي قامت بها محطة «سي إن إن» التلفزيونيّة كمحاولة منها للهجوم على الإسلام الذي يؤكّد عمليّة الختان». والإشارة هنا هي إلى الفيلم الذي كانت قد عرضته هذه المحطة عن ختان الإناث في 7/9/1994.

ونشرت صحيفة «صوت الأمّة» المصريّة في 9/9/1997 مقالاً تحت عنوان: «الختان يحمي الأنثى من الإيدز». ونقل المقال عن الدكتور عزّت الصاوي، أخصّائي أمراض النساء والتوليد، ما يلي:

«إذا كانت الدوائر الطبّية الغربيّة قد توصّلت إلى أن الختان يحمي من الإصابة بالإيدز وسرطان العضو الذكر، فإن هذا لا يدعو إلى الإستغراب لأن ختان الإناث لا غبار عليه ولا خوف منه على الإطلاق». وينتهي المقال معاتباً مناهضي ختان الإناث، طالباً منهم أن «يكفوا عن الإجتهاد والأفكار ومساندة الموجة ويلتزموا بالكتاب والسُنّة ولا يشكّكوا أو يتشكّكوا ليأتي إنهيار إجتهاداتهم وتأكيد السُنّة والفطرة من علماء لا ينتمون للإسلام ولا يعتنقونه».

وتحت يدي مقال من صحيفة «الهدف» المصريّة دون تاريخ عنوانه: «ختان البنات يمنع الإصابة بالإيدز» وهذا المقال يقول:

«طيّرت وكالات الأنباء العالميّة في الآونة الأخيرة خبراً مفاده إعتراف إحدى الدوائر الطبّية في أوروبا بأن ختان الإناث يمنع الإصابة بمرض الإيدز. وأضاف الخبر أن الفريق الطبّي الذي توصّل إلى هذه النتيجة أجرى عدّة تجارب على عدد من المواطنين في كندا والنرويج والدانمارك».

ومن الواضح أن هذه المقالات تحاول إيهام القارئ المصري بأن ختان الإناث يقي من مرض الإيدز حسب شهادة «الدوائر الطبّية في أوروبا». وهذا تزوير خطير للمعلومات. فما نشر في الغرب - فضلاً عن عدم صحّته - لا يخص ختان الإناث، بل فقط ختان الذكور.

وخلافاً لما يقوله مؤيّدو ختان الإناث، يرى معارضوه في مصر أن ختان الإناث يساعد على إنتشار الإيدز وأمراض أخرى مثل إلتهاب البول والتهاب الكبد الوبائي. ويعلّل ذلك الدكتور أشرف فودة، أستاذ الكلى والمسالك البوليّة بطب القاهرة بأن الآلات التي تستخدم في هذه العمليّة على أيدي أشخاص غير مؤهّلين تكون غير نظيفة وغير معقّمة [413] . وتقول الدكتورة سامية سليمان رزق: «أوضحت بعض البحوث التي أجريت في إفريقيا حديثاً أن الإصابة بمرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) قد يحدث نتيجة لتلوّث جرح الختان في الأنثى» [414] .

ج) المصادر الغربيّة

نظريّة دور الختان في الوقاية من مرض الإيدز

في نهاية الثمانينات إدَّعت بعض الدراسات الإفريقيّة أن هناك علاقة بين فيروس فقد المناعة والذكر غير المختون. وقد إغتنم مؤيّدو الختان هذه النظريّة فقاموا بحملة دعائيّة بدأت برسالة بعثها طبيب يهودي إسمه «ارون فينك» إلى مجلّة طبّية عام 1986 [415] . إلاّ أن هذا الطبيب أوضح لصحفي بعد ذلك بأنه لا يمكنه إثبات هذا الأمر [416] . وهذا الطبيب هو من كبار الداعين لإجراء الختان على جميع الأطفال. وقد دعم فكرة الختان الروتيني للأطفال بحجّة الوقاية من مرض الإيدز عدد من الأطبّاء أكثرهم، أن لم يكن كلّهم، من اليهود [417] .

وقد إعتمد أصحاب هذه النظريّة على ملاحظة التوزيع الجغرافي للختان ومرض الإيدز واستنتجوا أن المناطق التي تمارس الختان أقل عرضة للإصابة بهذا المرض. وقد إرتكزوا على معطيات من نهاية الخمسينات وكأن تلك المعطيات أكيدة ولم تتغيّر. إلاّ أنهم أهملوا عوامل طبّية، مثل وجود أمراض جنسيّة. كما أهملوا عوامل إجتماعيّة، مثل العمر الذي تتم فيه العلاقة الجنسيّة الأولى، ووجود ختان الإناث، ونظام تعدّد الزوجات. وهذه العوامل قد تلعب دوراً في إنتشار مرض الإيدز [418] .

كما أن بعضهم قام بمراقبة مجموعة معيّنة مثل سائقي الشاحنات. إلاّ أنهم لم يتأكّدوا من أن هؤلاء كانوا مختونين أم لا، معتمدين في فرضياتهم على النسبة الوطنيّة، ولم يأخذوا بالحسبان عوامل أخرى. وبعضهم راقب المتردّدين على عيادات الأمراض الجنسيّة مستنتجين أن من كان له غلفة كان أكثر عرضة للإصابة بمرض الإيدز، متجاهلين أن الإصابة بقرحة جنسيّة تلعب دوراً أكبر في إنتشار الإيدز من وجود الغلفة أو عدمه. واعتمدت إحدى تلك الدراسات على مراقبة أشخاص غير مختونين يمارسون الجنس مع مومسات في دولة «كينيا» بإفريقيا. وقد رأت هذه الدراسة أن غير المختون أكثر عرضة للإصابة بمرض الإيدز من المختون. ولكن دراسة أخرى بيّنت أن سبب إرتفاع الإصابة في هذه الحالة هو أن غير المختونين يجدون صعوبة في الزواج بسبب نظرة المجتمع السلبيّة ضدّهم، فيقومون بالبحث عن علاقة جنسيّة مع المومسات، ممّا يجعلهم أكثر عرضة لمرض الإيدز.

ويؤخذ على هذه الدراسات أنها فضّلت الإعتماد على معطيات إفريقيّة بدلاً من المعطيات في الولايات المتّحدة التي تمارس الختان بشكل واسع. والدراسة الوحيدة التي تمّت في هذا البلد حول هذا الموضوع هي تلك التي نشرها «كرايس» عام 1992 [419] . وهذه الدراسة لم تأخذ في حسابها الختان إلاّ بالدرجة 14 بين العوامل الأخرى، ممّا يبيّن التحيّز للختان بين الباحثين وناشري المجلاّت العلميّة. وقد نسوا أن إرتفاع عدد الإصابات بمرض الإيدز عند غير المختونين هنا قد يكون بسبب تدنّي الثقافة والحالة الإجتماعيّة بينهم. فمن المعروف أن أفراد الطبقة المتدنّية لم يكن في إمكانهم ختان أولادهم ولم يكن من السهل لهم اللجوء إلى العناية الصحّية الروتينيّة. وهناك إرتفاع عال لمرض الإيدز بين الطبقات المتدنّية. وهذه الدراسة التي تريد ربط الختان بالوقاية من مرض الإيدز تفشل في القول بأن إنتشار هذا المرض إنّما هو بسبب التصرّف غير السليم في العلاقة الجنسيّة وتدنّي مستوى النظافة وليس في شكل القضيب [420] .

الأرقام تثبت عكس ذلك

أعلى دولة غربيّة في نسبة ختان الذكور هي الولايات المتّحدة. وفي هذا البلد، غالبيّة الرجال في سن النشاط الجنسي مختونين. ولو كانت النظريّة السابقة صحيحة، كان يجب أن تكون بين الدول الأقل إنتشاراً لمرض الإيدز. ولكن الأرقام تبيّن أن الولايات المتّحدة هي سادس أكبر دولة لانتشار الإيدز في العالم وأعلى دولة بين الدول المتقدّمة. ومؤيّدو نظريّة الإيدز بطبيعة الحال يتجاهلون هذه الحقيقة. ونحن نعطي هنا عدد المصابين بين 100000 كما بيّنتها منظّمة الصحّة العالميّة عام 1995:

زيمبابوي 96.7

كونجو 58.4

ملاوي 49.2

كينيا 24.8

تشاد 20.2

الولايات المتّحدة 16

إيطاليا 8.9

سويسرا 6.5

الدانمارك 4.4

فرنسا 3.5

هولندا 2.7

ألمانيا 2.2

النمسا 2

السويد 2

النرويج 1.6

فنلندا 0.9

بولندا 0.2

المجر 0.2

ويشير معارضو الختان بأن الدول الأوروبيّة المتقدّمة التي فيها نسبة الإيدز عالية هي تلك الدول التي تعرف نسب هجرة مسلمة عالية وعمّالاً من الخارج.

وممّا سبق يتّضح إن الولايات المتّحدة تعرف أعلى نسبة للختان وفي نفس الوقت أعلى نسبة بالإصابة بمرض الإيدز بين الدول النامية. وقد قدّرت منظّمة الصحّة العالميّة أن بين 18.5 مليون مصاب بهذه الجرثومة في العالم، يوجد 1.1 مليون رجل أمريكي شمالي، بينما لا يوجد إلاّ 600.000 مصاب من أوروبا الغربيّة. وقد بيّنت دراسة أمريكيّة أنه بين كل 20 مواطن أمريكي شمالي يوجد شخص مصاب بهذا المرض عام 1994. وكل المصابين بهذا المرض في الولايات المتّحدة تقريباً من المختونين [421] .

ويذكر طبيب أمريكي بأن الولايات المتّحدة تكوّن 5% من سكّان العالم ولكنّها تحتوي على 65% من حالات الإصابة بمرض الإيدز في العالم [422] .

الختان قد يكون عامل إنتشار للإيدز

في غياب دراسة جدّية تثبت أن الختان عنصر وقاية من الإيدز، يجب علينا أن نرجع إلى البديهيّات البسيطة التي يمكن أن يتقبّلها العقل، دون الدوخان في أرقام وحسابات معقّدة لا نهاية لها. وهذه البديهيّات هي:

- الختان يجعل جلد القضيب أكثر إنشداداً وخشونة وأقل رطوبة ويترك فيه ندب. وبالتالي فإن المختون يكون أكثر عرضة للتجرّح ودخول فيروس الإيدز في جسمه.

- ترى بعض الدراسات أن المختونين أكثر ميلاً لممارسة الجنس من خلال الشرج والفم، كما إنهم أكثر ميلاً للعلاقات الجنسيّة الشاذّة، كما رأينا سابقاً. وهذا عامل يزيد في إمكانيّة التجرّح ودخول الفيروس.

- المختونون أكثر ميلاً إلى البحث عن عدد أكبر من شريكات العلاقة الجنسيّة، ومن ثم أكثر تعرّضاً للفيروس.

- المختونون أقل ميلاً لاستعمال العازل. وأحد الأسباب التي تقدّم لذلك هو أنه يضعف من الحساسيّة بسبب تغليف القضيب. والمختون يكون عامّة قد فقد جزءاً من تلك الحساسيّة بسبب الختان واحتكاك الحشفة بالملابس وجفاف القضيب. فإضافة عازل على القضيب يزيد من إضعاف حساسيّته. كما أن الختان يقلّل من مدّة المداعبة قَبل الولوج وهذا يؤدّي إلى تجريح أكبر في الأنسجة [423] .

- حتّى وإن قَبلنا بأن الختان قد يحمي من مرض الإيدز فإنه يجب عمل 23148 ختاناً في الولايات المتّحدة بتكلفة قدرها 9.6 مليون دولار لكي يقي من إصابة واحدة بمرض الإيدز. وهذا يعني أننا سوف نعرّض عدداً كبيراً لمخاطر الختان الأخرى ومن بينها الوفاة لوقاية فرد واحد. ومخاطر الختان في دول العالم الثالث أعلى ممّا هي عليه في الدول المتقدّمة. والدراسات تبيّن أن وجود الغلفة ليس عاملاً مُهمّاً في مدى إنتشار الفيروس. وإن كان عاملاً فالمخاطر الناتجة أكبر من الفوائد المرجوّة [424] .

- القول بأن الختان يقي من الإيدز قد يفهمه البعض بأنه يعطيهم مناعة ضد هذا المرض، فلا يأخذون حرصهم منه ويمارسون الجنس بكل حرّية مع أشخاص مصابين بهذا المرض.

ممّا سبق يتّضح أن ختان الذكور والإناث ليس وسيلة للوقاية من الإيدز، لا بل قد يكون عاملاً مساعداً على إنتشاره. والوقاية من مرض الإيدز تكمن في حماية الفرد من التعرّض للجراثيم الناقلة لهذا المرض وتثقيف الناس عن العلاقة الجنسيّة السليمة، وليس بقطع أجزاء سليمة من جسم الإنسان [425] .

الفرع الرابع: الختان لعلاج ضيق الغلفة والإلتهابات

بالإضافة إلى الأمراض الفتّاكة التي ذكرناها في الفرع الثالث، يرى مؤيّدو ختان الذكور والإناث أنه وسيلة لعالج ضيق الغلفة، والتهاب المسالك البوليّة، والتهاب الحشفة والغلفة.

1) الختان لعلاج ضيق الغلفة وضيق الغلفة الخلفي

يرى مؤيّدو ختان الذكور ضرورة إجراء هذه العمليّة بسبب ضيق الغلفة phimosis وضيق الغلفة الخلفي (أو الجلاع) paraphimosis محاولين رسم صورة مرعبة لهاتين الحالتين. وسوف نعرض هنا آراءهم وآراء معارضي ختان الذكور، بادئين بالمصادر العربيّة.

أ) المصادر العربيّة

نقرأ عند الطبيب العربي الشهير الزهراوي تحت عنوان: «في البثر الذي يعرض في الغلفة والكمرة والسواد والفساد والتصاق الغلفة بالكمرة» ما يلي:

«وأمّا إلتصاق الغلفة بالكمرة وهذا الإلتصاق إنّما يحدث فيمن كانت غلفته صحيحة ولم يجب عليه إختتان وقد يعرض إلتصاقها من قِبَل جرح أو ورم، فينبغي أن تسلخها بمبضع أفطس حتّى ينحل الرباط وتتخلّص الكمرة من كل جهة. فإن عسر تمييزها على الإستقصاء فينبغي أن تسلخ شيئاً من الكمرة ومن الغلفة وذلك أن الغلفة رقيقة فربّما إنثقبت لرقّتها سريعاً. ثم فرّق بين الغلفة والكمرة بخرقة كتّان رقيقة قد بلّت في ماء بارد لئلاّ تلتصق أيضاً، ثم يعالج بشراب قابض حتّى تندمل» [426] .

الظاهرة التي وصفها الزهراوي يطلق عليها اليوم إسم «ضيق الغلفة». وعلى العكس من أطبّاء عصرنا الذين يسارعون باقتراح الختان، فإن الزهراوي يتفادى هذه العمليّة ويقترح بدلاً منها سلخ الغلفة عن الكمرة والتفريق بينهما. وقد أثار تصرّف الزهراوي هذا تعجّب الدكتور «سعيد مستيري» في ترجمته الفرنسيّة لكتابه. فيقول: «نتساءل هنا لماذا في حالات ضيق الغلفة التي تتواجد خاصّة عند غير المختونين لا يقترح الزهراوي فقط الختان الطقسي أو عمليّة مشابهة» [427] . واقتراح الختان للوقاية من ضيق الغلفة وعلاجها نجده في الكتابات الطبّية العربيّة الحديثة.

يقول الدكتور عبد الرحمن القادري: «أصبح ختان الرجل أمراً محتّماً وضروريّاً، وذلك لأن لاستئصال الغمد أو الغلفة فوائد جمّة إذ يتدخّل في إزالة أو وقاية العديد من الأمراض». وأوّل مرض يذكره هذا الدكتور هو «ضيق الغلفة» و«ضيق الغلفة الخلفي» الذي يعرّفه كما يلي: «إعاقة في إنزلاق الغلفة على الحشفة». وهو يفرّق بين:

- ضيق الغلفة الولادي، أي أنه يشاهد منذ الولادة: «يتّصف هذا التضيّق بغلفة طويلة تشبه خرطوم الفيل، غير قابلة للإرتداد [...]. وفي أحوال نادرة يمكن أن تكون الغلفة قصيرة جدّاً، ولها فتحة ضيّقة جدّاً وغير قابلة للإرتداد، كما ويتّصف الأطفال المصابين بهذا التضيّق باستعدادهم للإصابة بالأخماج الناتجة عن إعاقة تدفّق البول [...]. هذا وكثيراً ما يتناول الإلتهاب الصفيحة الداخليّة للغلفة مؤدّياً إلى إنتشارها نحو الخارج من خلال حلقة الغلفة محدثة الشتور. وعلى نقيض ذلك فإنه يحدث من جرّاء مشاركة الصفيحة الخارجيّة تزايد إنتفاخ قمة القضيب بحيث يصبح مشابهاً لرقّاص الجرس. كما تحدث سرطانات القضيب على وجه الحصر تقريباً عند الرجال الذين لديهم تضيّق غلفة ولادي».

- ضيق الغلفة المكتسب، وقد يكون عابراً يبقى فترة محدودة أو مستمرّاً: «ينجم هذا الشكل من التضيّق عن إلتهاب حيث تحدثه التغيّرات المرضيّة التي تحدث أثناء فترة الحياة. (تضيّق إلتهابي) وتتظاهر بوذمة إنتفاخيّة أثناء سيرها وذلك عندما تكون الإلتهابات حادّة».

وفيما يخص «ضيق الغلفة الخلفي»، يقول القادري بأن هذا ينجم «عند رجوع الغلفة الضيّقة إلى ما خلف الحشفة وعدم عودتها ثانية إلى وضعها الأصلي ممّا يؤدّي إلى تورّم الغلفة». ويشير إلى أنه «إذا لم يزل هذا التضيّق فإنه يؤدّي إلى إنحباس في الدم وتقرّحات ومواتات تتوضّع على حشفة القضيب وعلى الصفيحة الداخليّة للغلفة (الموات التناسلي الحاد) كما يؤدّي إلى إلتهابات شديدة».

ويرى القادري ضرورة إجراء الختان في هاتين الحالتين «وذلك لأن تلك التضيّقات قد تؤدّي لحدوث إختلاطات عاجلة أو آجلة إذا لم يجر أو يتم الختان» [428] .

ويقترح أيضاً الدكتور حسّان شمسي باشا والدكتور محمّد علي البار اللجوء إلى الختان كوسيلة لمعالجة ضيق الغلفة لأنها تؤدّي إلى الإلتهابات والمضاعفات [429] .

ب) المصادر الغربيّة

أثار «ضيق الغلفة» جدلاً في الغرب أكبر ممّا قد توحيه المصادر العربيّة. ولذلك لا بد من إلقاء نظرة تاريخيّة على هذا الجدل.

الكلمة الغربيّة phimosis والتي ترجمتها العربيّة «ضيق الغلفة» هي كلمة من أصل يوناني تعني «التكميم». وقد أطلقت أصلاً على تورّم الجفن أو الشرج ممّا يؤدّي إلى انقباضهما وإغلاقهما. وقد أطلق الطبيب الروماني «شيلسوس» في القرن الأوّل الميلادي هذه الكلمة على تجلّد الغلفة غير الطبيعي. ثم قام طبيب يوناني من القرن الثاني باستعمالها للتعبير عن ظاهرة عدم إمكانيّة شد الغلفة إلى الوراء. وقد أرجع هذه الظاهرة إمّا لعدم مطّاطيّة الجلد أو بسبب نموّه. ولعلاجها يقترح شق الجلد لتوسيعه وجعله يعمل بصورة طبيعيّة. وفي القرن الثامن عشر تم التفريق بين ضيق الغلفة الطبيعي، وضيق الغلفة الناتج عن القروح أو الإلتهابات. وفي الحالتين لم يتم إقتراح إجراء الختان كوسيلة علاجيّة [430] .

وقد فرّق الأطبّاء في الولايات المتّحدة في منتصف القرن التاسع عشر بين ظاهرة «ضيق الغلفة الولادي»، وظاهرة «ضيق الغلفة المكتسب» بسبب ممارسة الإستمناء. وقد إعتبروا كلا الظاهرتين حالة مرضيّة ينتج عنها أمراض كثيرة مثل الفتق وصعوبة الهضم والتهابات المثانة وعدم الرشاقة والشلل والصرع. وقد نصح الطبيب اليهودي الأمريكي «لويس سيير» (توفّى عام 1900) بأن يتم فحص كل طفل عند ولادته وبتر غلفته إذا ما تبيّن أنه مصاب بضيق الغلفة.

وقد نشر مئات من الأطبّاء الأمريكيّين دراسات لتؤكّد على صحّة نظريّات هذا الطبيب. وأحد هؤلاء الأطبّاء واسمه «روسويل بارك» قدّم تقريراً للجمعيّة الطبّية في «شيكاغو» عام 1880 يدَّعي فيه أن ضيق الغلفة هو السبب في الإستمناء والتشنّج والشلل والتواء القدم وانتشار البثور وصعوبة الهضم والإسهال المستعصي والتبوّل اللاإرادي وعدم إمكانيّة التحكّم في الأطراف وسرعة الغضب والعصبيّة والبلاهة والفتق والسكّري والصرع والهزال وسقوط المستقيم. وقد أضيفت أمراض أخرى على هذه الأمراض سنة بعد سنة لا مجال هنا لذكرها جميعاً لتفادي الإطالة. وتم ربط ضيق الغلفة بالإستمناء الذي، كما رأينا سابقاً، تم تهويله واعتباره سبباً لأمراض كثيرة وتصرّفات غير مقبولة. وهكذا تمكّن الأطبّاء الأمريكيّون من تشخيص أمراض كثيرة من خلال ظاهرة واحدة يتم «علاجها» جميعها بضربة سكّين سريعة. وإذا ما توفّى المريض من جرّاء عمليّة الختان كان يُرجع الموت إلى ضيق الغلفة وليس لعدم مهارة الطبيب. وكما أنه كان من الصعب للأطبّاء التصدّي لأساتذتهم في الطب أصحاب تلك النظريّات، كذلك لم يكن للأهل أن يتصدّوا لتشخيص الأطبّاء الذين يجرون تلك العمليّات حتّى وإن لم يتم شفاء المريض من العاهات التي يعانون منها بوسيلة الختان. وبطبيعة الحال لم تكن بمصلحة هؤلاء الأطبّاء تقديم تقارير حول فشلهم [431] .

وهناك قصّة طريفة مرتبطة بهذه النظريّة. ففي عام 1881 أغتيل رئيس الولايات المتّحدة «جيمس أبرام جارفيلد» على يد «شارلز جيتو» الذي إدّعى أنه تصرّف بأمر من إلهه «يهوى». وبعد شنقه قامت هيئة مكوّنة من 22 طبيباً بفحص جثّته لمعرفة ما إذا كان سبب تصرّفه الجنوني هو إصابته بمرض ما. وبما أن النظريّات الطبّية حين ذاك كانت تقول إن طول الغلفة يؤدّي إلى الجنون، فقد ركّزت هذه اللجنة على غلفته التي وجدتها طويلة وضيّقة. واقتنع كثير من الأطبّاء الأمريكيّين في حينه أن سبب الإغتيال هو إصابة القاتل بضيق الغلفة. وهكذا أصبح ضيق الغلفة ليس فقط سبباً في أمراض كثيرة، بل أيضاً تهديداً للإستقرار السياسي. وقد جاء في تقرير نشره طبيب عام 1890 يقول فيه أن أكثر من نصف المجرمين القابعين في السجون في الولايات المتّحدة مصابون بتشويه في أعضائهم الجنسيّة. وأضاف أن رئيس أكبر مستشفى للأمراض العقليّة هناك أخبره أن أكثر من نصف المرضى العقليين يعانون من تشوّه في أعضائهم الجنسيّة. وقد إقترح هذا الطبيب أن العلاج في هذه الحالات هو اللجوء إلى الختان [432] .

وفي القرن العشرين ظهرت نظريّة جديدة تدّعي أن ضيق الغلفة يؤدّي إلى السرطان عند الذكور والإناث. فقد أصبح «البعبع» هو السرطان بعد أن كان في القرن التاسع عشر الأمراض الجنسيّة والإستمناء والجنون. وربط ضيق الغلفة بالسرطان كان يتردّد من حين إلى آخر في القرن الماضي، ولكن هذا الربط بينهما طغى على الفكر الطبّي في القرن العشرين. وأحد أكبر الداعين له هو الدكتور اليهودي «ابراهام وولبارست» (توفّى عام 1952) الذي كان طبيب المسالك البوليّة في مستشفى «بيت إسرائيل» في نيويورك وفي غيره من المستشفيات اليهوديّة. وهذا الطبيب إستمر بالقول إن سبب الصرع هو إلتصاق الغلفة بالحشفة وأضاف إلى ذلك الزهري والتقرّح. وفي عام 1932 أخرج للناس نظريّة تقول إن ضيق الغلفة يسبّب السرطان. وقد خرجت أكثر المقالات الطبّية لتردّد هذه المقولة. وكان الأطبّاء البريطانيون والأمريكيّون يرون ضرورة ختان الطفل كلّما وجدوا أن غلفة الطفل لا ترتد إلى الوراء بسحبها، معتبرين أن ذلك ضروري لمنع تراكم المادّة المرطّبة تحتها وخلق مناخ ملائم لتكاثر الجراثيم التي تسبّب الأمراض. وفي الحرب العالميّة الثانية، كان أطبّاء الجيش يفرضون الختان على الجنود تحت طائلة المحاكمة العسكريّة بحجّة وجود وباء ضيق الغلفة [433] .

وما زالت حجّة ضيق الغلفة لإجراء الختان تتردّد حتّى في أيّامنا. وهذا ما يدّعيه طبيب يهودي إسمه «شووين» دون أي إثبات علمي عدا نقل أقوال أطبّاء هم من مؤيّدي إجراء ختان الذكور بصورة شاملة. وما زالت الكتب الطبّية الأمريكيّة تذكر ضيق الغلفة على رأس الأمراض التي تصيب الذكر مبيّنة أن هذه العاهة قد تسبّب أمراضاً كثيرة وتؤدّي إلى الموت. واعتمدوا على هذه الأقوال ليبيّنوا ضرورة إجراء الختان على الأطفال [434] .

وهذه التصرّفات مبنيّة على جهل بتشريح العضو التناسلي للذكور. وقد تصدّى لهذا الجهل مجموعة طبّية أمريكيّة عام 1932 فعرضت الشرايين الموجودة في الغلفة وحساسيّتها وبيّنت تطوّرها في رحم الأم وكيف يتم فصلها عن الغلفة تدريجيّاً، وأن إلتصاق الحشفة بالغلفة عند الوليد لا يعتبر حالة مرضيّة بل تطوّراً طبيعيّاً. وقام أطبّاء بعمل أبحاث مماثلة في أيرلندا. إلاّ أن الأطبّاء الأمريكيّين أهملوا تلك الأبحاث، ربّما لأنها لم تكن بصالح مؤيّدي ختان الذكور الذين لا يرون فائدة في الغلفة [435] .

وقد عاد إلى هذا الموضوع الدكتور البريطاني «دوجلاس جيرتنر» عام 1949 في مقال شهير تحت عنوان «مصير الغلفة» [436] . فقد تبيّن لهذا الطبيب من خلال مراقبة 100 طفل حديثي الولادة و200 طفل تصل أعمارهم حتّى خمس سنين أن ظاهرة عدم رجوع الغلفة إلى الخلف وطولها عند الأطفال أمر طبيعي وليس مرضي. وقد وجد أن 4% من الأطفال يمكن شد غلفتهم عند ولادتهم، وارتفعت هذه النسبة إلى 90% في عمر ثلاث سنين. ويمكن شد كل الغلفات تقريباً إلى الخلف بقوّة ولكن ذلك قد يؤدّي إلى جروح وتقيّحات. وقد إعتبر الدكتور المذكور الأطفال تحت الخامسة طبيعيين في حالة عدم إمكانيّة شد الغلفة إلى الخلف، وأنه يمكن شد الغلفة بسهولة بعد سن الخامسة دون إجراء عمليّة جراحيّة. وهكذا إستطاع هذا الطبيب كسر خرافة فوائد الختان. وعلى أساس هذه الدراسة قرّرت هيئة «الخدمة الصحّية البريطانيّة» عدم تغطية مصاريف ختان الأطفال، ممّا أدّى إلى هبوط كبير في معدّلاته في ذلك البلد [437] .

وقد إنتشرت دراسة الدكتور البريطاني إنتشاراً واسعاً. ولكن الأطبّاء الأمريكيّون إنتقدوها دون أن يعيدوا إجراء البحث الذي إعتمدت عليه. وقد إستمرّت كتب الدراسة الطبّية تقترح إجراء ختان الأطفال كلّما وجدت الغلفة طويلة أو ملتصقة. وقد كتب الطبيبان «ميلير» و«سنيدير» مقالاً عام 1953 يتجاهل تماماً مقال الطبيب البريطاني ويطالب بختان كل طفل حديث الولادة لأن ذلك يحمي تقريباً من كل الأمراض الصحّية والعقليّة ومن الإستمناء ويطيل الحياة، وأن ذلك مفيد لاقتصاد المستشفى والطبيب. وقد أعيد كتابة نصوص الكتب الدراسيّة الطبّية لإدخال هذه الأقوال فيها [438] .

وجاء بعد ذلك الطبيب الدانمركي «جاكوب اوستير» فأجرى عام 1968 بحثاً على 1968 طفلاً من أطفال المدارس تتراوح أعمارهم بين 6 إلى 17 السنة [439] وقد بيّن هذا الطبيب غلط خرافة ضيق الغلفة التي كان على أساسها يجرى ختان الذكور. وقد أوضح أن إلتصاق الغلفة تطوّر طبيعي قد يستغرق عقداً كاملاً من العمر لفصل الغلفة عن الحشفة، وأن كل محاولة لإجبار الغلفة على الإنفصال عن الحشفة يؤدّي إلى مضاعفات طبّية بالنسبة للغلفة التي لم تكتمل بعد. وقد لاحظ أن عدم رجوع الغلفة إلى الخلف موجود في 8% من الأطفال بين عمر 6-7 سنين، و6% من الأطفال بين عمر 8-11 سنة، و3% من الأطفال بين عمر 12-13 سنة. وبيّن أن إلتصاق الغلفة بالحشفة ينتهي تدريجيّاً. وقد رأى أن ثلاث حالات فقط إستوجبت الختان. وهو يعتبر أنه كان من الممكن تفادي الختان في هذه الحالات الثلاث لو أن الغلفة لم تمط بشدّة. أي أن الختان قد تم في هذه الحالات لإصلاح خطأ طبّي. ممّا يعني بأن القول بضرورة الختان لتفادي ضيق الحشفة قول مغلوط.

وهذه الحقائق التي كشف عنها الطبيبان البريطاني والدانمركي لم تلق طريقها إلى الولايات المتّحدة حيث إستمر ختان حديثي الولادة بمعدّل 90% في بعض المناطق. ولكنّها أثّرت على تشخيص ضيق الغلفة من قِبَل الأطبّاء الأوروبيين واليابانيين معتبرين أن ضيق الغلفة يجب أن يكشف عنه من خلال التحاليل البكتيريولوجيّة وليس كما في الولايات المتّحدة من خلال مجرّد النظر إلى القضيب. وقد تم إعادة تعريف ضيق الغلفة بصورة أدق بأنه «حزاز متصلّب وضمور». فضيق الغلفة لم يعد ظاهرة مرضيّة بل طبيعيّة. وقد تبيّن لهم أن أكثر الحالات التي يتم فيها الختان بسبب ضيق الغلفة لا تكشف عن حالة مرضيّة. وقَبل إجراء الختان يجب إجراء فحص طبّي لمعرفة ما إذا هناك فعلاً حاجة لمثل تلك العمليّة. ففرّقوا ما بين ضيق الغلفة المرضي، وضيق الغلفة الطبيعي. وضيق الغلفة المرضي هو ذلك الضيق الناتج عن وجود ندوب وتصلّب في رأس الغلفة وتظهر من خلال التحليل البكتيريولوجي بأنه مصاب بـ«التهاب جاف».

وقد رأى الأطبّاء الأوروبيون واليابانيون بأن لا حاجة لإجراء الختان في حالة ضيق الغلفة الطبيعي، لا بل حتّى في حالة حصول إلتهاب. فيكفي النصح بالنظافة وفصل الإلتصاقات لعلاج هذه الظاهرة. وقد أوجد الأطبّاء علاجاً بديلاً عن الختان لمثل هذه الحالات يدعى «جراحة تعويضيّة» للغلفة في حالة عدم وجود ندوب أو إصابات مرضيّة. وقد حاولوا علاج حالات ضيق الغلفة المرضيّة باستعمال مرهم ستيرويد يدعى clobetasol propionate . فقد ثبت نجاح مثل هذا العلاج في حالات كثيرة (بمعدّل 88%). ويشار هنا أن الأطبّاء البريطانيين، أكثر من غيرهم من الأوروبيين، ما زالوا يميلون لإجراء الختان لمعالجة ضيق الغلفة حتّى على الأطفال الذين لا يمكن أن يصابوا بضيق الغلفة المرضي في مثل سنّهم. وهذا نابع من تأثير المجلاّت الطبّية الأمريكيّة بسبب وحدة اللغة الإنكليزيّة بين البلدين [440] . فما زال 53% من حالات ختان الأطفال في بريطانيا التي تتم تحت رعاية خدمات الصحّة الوطنيّة تجرى بحجّة ضيق الغلفة. ويقدّر عدد الأطفال تحت سن السادسة عشر الذين تم الختان عليهم في بريطانيا عام 1996 بنسبة 5.1% بسبب ضيق الغلفة [441] .

وتشير دراسة من كوريا الجنوبيّة بأن أكثريّة الأطبّاء هناك لا يعرفون ما معنى كلمة ضيق الغلفة phimosis ويعتبرونها الغلفة التي تغطّي الحشفة. حتّى أن عملية الختان ذاتها يطلقون عليها عملية ضيق الغلفة phimosis operation [442] .

ويبقى السؤال: ما العمل إذا كانت غلفة الطفل لا ترجع إلى الخلف؟ والجواب بسيط: يجب إبقاؤها على حالها إلى أن يكبر الطفل فيسحبها هو ذاته بيده دون ألم لأن تلك هي الحالة الطبيعيّة عند غالبيّة الأطفال. فيجب الإكتفاء بغسل العضو التناسلي كاملاً وتفادي شد الغلفة بالقوّة. فشد الغلفة بالقوّة عند الطفل يؤدّي إلى تمزّق بالإضافة إلى إلتهاب الحشفة، وينتج عنه ندب وضيق الغلفة الخلفي. ولذلك من الغلط تعليم الأم إرجاع الغلفة عن الحشفة بشدّها. وفي الحالات الصعبة، يمكن تدليك الغلفة بماء ساخن ومرهم (وليس بالصابون الذي قد يخلق إلتهابات). وفي الحالات القصوى، وهي نادرة، يمكن إجراء شق جراحي للغلفة. ولكن في كل الأحوال يجب تفادي بترها بالكلّية لأنها عضو له وظيفة مُهمّة في حماية الحشفة وفي العلاقة الجنسيّة. وهذا يوضّح غباء من يجري عمليّة الختان في الأيّام الأولى من ولادة الطفل لأن مثل هذه العمليّة تؤدّي إلى شد الغلفة وتمزيق الحشفة ومزيد من النزيف.

وفيما يخص «ضيق الغلفة الخلفي» يرى طبيب معارض لختان الذكور أن هذه الحالة النادرة جدّاً تنتج في حقيقة الأمر بسبب جهل الطبيب أو الممرّضة أو الأم الذين يحاولوا شد غلفة الطفل لإرجاعها بالقوّة خلف الحشفة. فهذا التصرّف بحد ذاته مغلوط ويؤدّي إلى تورّم الحشفة. واللجوء إلى الختان في هذه الحالة هو غلطة إضافيّة لأن قطع الغلفة يؤدّي إلى فقدان الحماية للحشفة. لذا بدلاً من قطع الغلفة، يجب كبس الحشفة بين الإبهام والسبّابة وإرجاع الغلفة عليها [443] . ويذكر طبيب آخر بأن ضيق الغلفة الخلفي ليس مرض ولكن ناتج عن التصرّف المتعسّف بغلفة الطفل من قِبَل أطفال تم تعليمهم بأنه عليهم شد الغلفة إلى الخلف دون إرجاعها إلى الأمام بعد ذلك. ويحدث ذلك عند الأولاد الأكبر سنّاً في حالة المراهنة أو الجرأة. ويمكن حل هذه المشكلة من خلال شق الغلفة. والختان ليس ضروريّاً عمله إلاّ في الحالات التي يتكرّر فيها هذا الوضع [444] .

2) الختان لعلاج إلتهاب المسالك البوليّة

يرى مؤيّدو ختان الذكور ضرورة إجراء هذه العمليّة للوقاية من إلتهاب المسالك البوليّة [445] ، وأن هذه الإلتهابات أكثر إنتشاراً عند غير المختونين. وسوف نعرض هنا آراءهم وآراء معارضي ختان الذكور، بادئين بالمصادر العربيّة.

أ) المصادر العربيّة

نقل الدكتور حسّان شمسي باشا في كتابه «أسرار الختان تتجلّى في الطب الحديث» فقرات مطوّلة عن أبحاث جرت خاصّة في الولايات المتّحدة نقتبس منها ما يلي [446] :

«أكّدت العديد من الدراسات الحديثة المنشورة عام 1989 أن إحتمال حدوث إلتهاب المسالك البوليّة عند الأطفال غير المختونين يبلغ 39 ضعف ما هو عليه عند المختونين. ففي دراسة أجريت على أكثر من 400.000 طفل وطفلة خلال عشر سنوات وجد الدكتور «وايزويل» وزملاؤه إرتفاع نسبة إلتهاب المسالك البوليّة عند الأطفال الذكور وذلك نتيجة لحدوث الإلتهاب عند الأطفال غير المختونين [447] .

وقد قدّر الباحثون أنه لو لم يجر الختان في الولايات المتّحدة فإنه ستكون هناك عشرون ألف حالة أخرى من إلتهاب البويضة والكلية سنوياً [448] .

والتهاب المسالك البوليّة عند الوليدين قد لا يكون أمراً بسيطاً. فقد وجد الباحثون أن 36% من الوليدين (وعمرهم أقل من شهر واحد) الذين أصيبوا بالتهاب في المسالك البوليّة قد أصيبوا في الوقت ذاته بتسمّم في الدم بالجرثوم نفسه. كما أنه حدثت بعض حالات إلتهاب السحايا وقصور في الكليتين. ولا يقتصر الأمر على هذا فحسب. فإن الإختلاطات الطويلة الأمد لالتهابات المسالك البوليّة عند الأطفال قد تكون خطيرة. فقد يحدث تندّب في الكلية عند 10-15% من هؤلاء الأطفال. وقد يحصل إرتفاع في ضغط الدم أو قصور في الكليتين» [449] .

ونجد أقوالاً مشابهة عند الدكتور محمّد علي البار [450] . وكلا الطبيبين يعتمدان على كتابات مؤيّدي ختان الذكور، وخاصّة الدكتور «وايزويل»، أحد كبار الداعين للختان على جميع الأطفال. ولم يذكرا أي مصدر معارض لتلك الآراء.

ب) المصادر الغربيّة

لقد تم صياغة النظريّة القائلة بأن ختان الذكور يقي من إلتهاب المسالك البوليّة في أواسط الثمانينات من القرن العشرين. فقد تزايدت الدراسات حول هذا الموضوع بصورة مذهلة ما بين أعوام 1966 و1989 بمعدّل 8650% رغم عدم إرتفاع معدّل الإلتهابات في تلك الفترة. وأهم دراسة في هذا الموضوع هي تلك التي قام بها الطبيب «وايزويل» على 5261 طفل في المستشفيات الأمريكيّة. وقد إستنتج أن إلتهابات المسالك البوليّة تصيب1.4% من الأطفال غير المختونين، بينما لا تصيب إلاّ 0.14% من الأطفال المختونين. وهذا يعني أن الأطفال غير المختونين أكثر عرضة بعشر مرّات لتلك الإلتهابات من الأطفال غير المختونين في السنة الأولى من حياتهم. وقد أثّرت هذه النظريّة على إنتشار ختان الذكور في الولايات المتّحدة لأن التوقيع بالموافقة على إجراء الختان تقوم به الأمّهات، وليس الآباء. والنساء، كما هو معروف، أكثر عرضة لالتهاب المسالك البوليّة. وهكذا تم تخويف الأمّهات وإجبارهن على قبول ختان الذكور [451] .

ويرى معارضو الختان أن الدراسات التي بنيت عليها هذه النظريّة مشبوهة بسبب تحيّز أصحابها الواضح لصالح الختان بالإضافة إلى عدم وجود برهان علمي لهذه النظريّة.

فقد قام طبيب بدراسة على 25.000 طفل وتبيّن له بأن الختان لا يؤثّر بدرجة ملحوظة على عدم الإصابة بمثل تلك الإلتهابات. وهذا يعني أن الإختلاف بين إستنتاج «وايزويل» واستنتاج غيره يعود إلى إختلاف في طريقة البحث. فالمستشفيات العسكريّة التي قام فيها «وايزويل» ببحثه لا تعطي معلومات مطمئنة حول أسلوب تعامله مع غلفة الطفل. فهو مثلاً يشد الغلفة لإرجاعها بقوّة إلى الخلف، ممّا يؤدّي إلى إنتقال الجراثيم عبر فتحة البول. كما أنه يغسل القضيب بالصابون ممّا يقتل البكتيريا الضعيفة ويترك البكتيريا القويّة في مكانها. وهذه التصرّفات غير الصحيحة تضعف مناعة الطفل. فإذا كانت أرقام «وايزويل» صحيحة، فهي تعني أن الإلتهابات هي نتيجة الغسيل بالصابون وشد الغلفة وليس نتيجة بقاء الغلفة [452] .

وتقول دراسة قدّمت في المؤتمر السنوي لطب الأطفال عام 1997: «سواء كان الطفل مختوناً أو غير مختون فإن وجود الإصابة بمثل هذه الإلتهابات حتّى الشهر السادس تحدث في حالات الإصابة بتشوّه خلقي في الجهاز البولي. وأمّا عند غير المصابين بمثل هذا التشوّه، فإن الإلتهاب يوجد في كل من المختونين وغير المختونين بنفس النسبة». ويتساءل الدكتور «فلايس» عن السبب وراء عدم نشر هذه الدراسة كاملة. ومن وراء تساءله شك بأن السبب هو التحيّز للنظريّات المؤيّدة للختان في الولايات المتّحدة [453] .

ويضيف معارضو الختان بأن نظريّة الدكتور «وايزويل» تشوبها أخطاء منطقيّة:

- على فرض أن هذه النظريّة صحيحة، فإنها لا تصلح إلاّ لمن ختن في السنة الأولى، أمّا بعد السنة الأولى فإن الطفل يتعدّى مرحلة الخطر.

- لا تأخذ هذه النظريّة بالإعتبار مخاطر عمليّة الختان والتي تتراوح بين0.2% و38%. فللختان مضاعفات لا يقل عددها عن العشرين ذكرناها سابقاً بالإضافة إلى فقدان الغلفة وإبطال دورها الوظيفي. وهذه المخاطر أكبر من مخاطر إلتهاب المسالك البوليّة.

- هناك وسائل أنجع لعلاج مثل هذه الإلتهابات بالتلقيح ضد الأعراض المرضيّة التي تصيب المسالك البوليّة، واستعمال المضادّات الحيويّة. فهذه وسائل أكثر فائدة من قطع عضو سليم بالختان [454] .

- الختان هو بتر عضو سليم له وظيفة. والختان يتم للوقاية من أمراض غير مؤكّدة. فإذا كنّا نريد أن نطبّق مبدأ الوقاية بالجراحة لكان يجب أيضاً أن نخلع كل الأسنان لكي نتفادى تسوس الأسنان، وهو أمر مؤكّد 100% ولكنّه مبدأ غير منطقي.

- إن النساء يصبن أكثر من الذكور بالتهاب المسالك البوليّة. وليس هناك أي طبيب ينصح بإجراء ختان النساء لتفادي إلتهاب المسالك البوليّة عندهن. فهذه الإلتهابات يتم علاجها بالمضادّات الحيويّة [455] .

- هذه النظريّة في أحسن الأحوال تساعد على تفادي حدوث هذا الإلتهاب في 1.1% من الأطفال. وقد إستعملت لتبرير بتر أعضاء سليمة لـ 99% من الأطفال الذين لا يتعرّضون لمثل هذه الإلتهابات [456] .

- بإزالة الغلفة تصبح الحشفة وفتحة البول معرّضتان للبراز والملابس الملوّثة. ممّا يعني أن الختان هو عامل مساعد لحدوث مثل هذه الإلتهابات بدلاً من أن يكون عامل حماية منها [457] .

ويقول طبيب بريطاني بأنه إذا ما قُبلت أرقام «وايزويل» وغيره فإن هذا يعني بأنه يجب ختن 100 طفل حتّى نتمكّن من التقليل من خطر إصابة طفل واحد من إلتهاب المسالك البوليّة، دون إلغاء هذا الخطر تماماً. وإذا ما قارنّا التكلفة بالفائدة، فإن ذلك لن يغيّر طريقة تصرّف الأطبّاء في أوروبا. والحالات الوحيدة التي يمكن فيها إجراء الختان هو عندما يكون الطفل مصاباً بعاهة بوليّة تؤدّي إلى إلتهاب المسالك البوليّة دون حصول فائدة من المضادّات الحيويّة [458] .

3) الختان وعلاج إلتهاب الحشفة والغلفة

تحدث أحياناً إلتهابات شادّة بالحشفة أو بالغلفة أو بهما معاً. ويرى مؤيّدو ختان الذكور أنه وسيلة للوقاية من هذه إلتهابات. وسوف نعرض هنا آراءهم وآراء معارضي ختان الذكور، بادئين بالمصادر العربيّة.

أ) المصادر العربيّة

نقرأ عند الطبيب العربي الشهير الزهراوي تحت عنوان: «في البثر الذي يعرض في الغلفة والكمرة والسواد والفساد والتصاق الغلفة بالكمرة» ما يلي:

«كثيراً ما يعرض هذا البثر في الإحليل وهو نتو لحمي سمج ويكون منه خبيث وغير خبيث. فالغير خبيث ينبغي أن تعلّقه بصنّارة لطيفة وتقطعه حتّى تُنَقِّه كلّه ثم تحمل عليه قطنة مغموسة في المرهم المصري ثم تعالجه بعد ذلك بالمرهم النخلي حتّى يبرأ. وأمّا إن كان البثر خبيثاً سمج اللون فينبغي أن تستعمل فيه الكي بعد قطعه وجرده. فإن كان البثر في غلفة علج [أي غير المسلم] لم يختن وكان بعض البثر من داخل الغلفة وبعضه من خارج فينبغي أن تنتزع البثر الذي من داخل أوّلاً حتّى إذا إندمل فحينئذ فعالجه من خارج لأنك متى عالجتهما معاً لم تأمن الغلفة أن تنثقب. وقد يعرض أيضاً في الأنثيين وفي الغلفة سواد وفساد فينبغي أن تقوّر جميع ما قد إسود وهمّ أن يفسد أو قد فسد ثمّ ألطخ عليه بعد ذلك العسل مع قشور الرمّان المدقوق المنخول والكرسنّة ثم تعالجه بسائر العلاج حتّى يبرأ. فإن عرض نزف دم فاستُعمِل الكي بمكواة هلاليّة على هذه الصورة [يتبعه رسم للآلة]. فإن الكي نافع للحالتين جميعاً، أعني نزف الدم والجرح إذا فسد. فإن تآكلت الكمرة وذهبت بأسرها في وقت ما فينبغي أن تدخل في مجرى الذكر أنبوباً من رصاص ليبول العليل عليه» [459] .

يلاحظ هنا أن الزهراوي لم يقترح الختان لعلاج مثل هذه العاهات. فالزهراوي يلتزم هنا في علاجه بالمبدأ الطبّي الأخلاقي القائل بعدم إجراء جرح أكثر ممّا تستلزمه الحالة المرضيّة، على عكس كثير من الأطبّاء الحاليين الذين يسارعون باقتراح الختان كما هو الأمر مع الأطبّاء العرب الحاليين.

يقول الدكتور عبد الرحمن القادري في تعريف إلتهاب الحشفة والغلفة: «هو إلتهاب حاد أو مزمن يصيب الحشفة والوجه الباطن للحشفة [...] وبجانب التغييرات السطحيّة التي يحدثها هذا الإلتهاب هناك ثم تقرّحات وانكماشات قد تحدث أثناء سيره». ثم يستعرض القادري أسباب ظهور هذا المرض وهي كثيرة منها: «تخريش اللخن [المادّة المرطّبة]، وتخريش كل من القلويّات الناجمة عن بقايا الصوابين والمنظّفات المحتبسة، البول، [...] والغلفة الطويلة بخاصّة التي أهمل العناية بها من الناحية الصحّية. لكنّه ربّما كان أكبر منبع شائع محدث لهذا الإلتهاب هو الرطوبة التي تنجم عن عدم القيام بتجفيف الغلفة والحشفة بعد الإستحمام عند غير المختونين». فهذا في نظره ينشّط الجراثيم المختبئة داخل الغلفة. ويختتم كلامه قائلاً: «يبدو أن كثرة نكس هذا الإلتهاب الناجم عن أسباب غير نوعيّة إنّما يرجع لتعدّد الآليات الأمراضيّة السابقة، وبسبب ذلك يمكن الإستنتاج بأن القيام بإجراء الختان له تأثيرات هامّة في طلب الشفاء» [460] .

ب) المصادر الغربيّة

يرى معارضو ختان الذكور أن إلتهاب الحشفة والغلفة هو مرض نادر الحصول إذا ما تم المحافظة على النظافة الإعتياديّة كما هو الأمر لباقي الجسم. وقد بيّنت دراسة أن هذا المرض أقل إنتشاراً بين المختونين، ولكن ذلك ليس ثابت علميّاً [461] . ولذلك لا يمكن إجراء الختان لجميع الأطفال للوقاية منه لأن مخاطر عمليّة الختان أكبر من مخاطر هذا الداء الذي يمكن أن يشفى بمرهم ستيرويد الشبيه بالكولستول أو بتعريضه لأشعة الليزر. وإذا ما كان هناك ضرورة لبتر الغلفة، فيجب الإبقاء على أكبر قدر ممكن من جلد القضيب وأن يتم القطع فقط على منطقة الإلتهاب وأن لا يمس اللجام الحشفي [462] . وتقول ممرّضة أن الطبيب الذي ينصح العائلة بالختان لتفادي مثل هذه العاهة هو كمن ينصح الأم عدم إرضاع أبنها بثدييها واستبدال ذلك بقنّينة الحليب لأن الإرضاع بالثدي قد يسبّب تورّم الحلمة أو الثدي. والغلفة في هذه الحالة عامّة تحمي من مثل هذا الإلتهاب إذا ما لعبت دورها كعامل وقائي للحشفة ضد تجمّع البول المتراكم في ملابس الطفل [463] .

ويقول طبيب بأنه في حالة إلتهاب الحشفة والغلفة الشديد، فإن الختان غير ضروري حتماً ويجب أن لا يتم إلاّ إذا كان هناك تكرار لمثل هذا الإلتهاب. فهذا تدخّل جراحي يؤدّي إلى نتيجة أكثر خطراً من المرض ذاته. ويمكن هنا إقتراح عمليّة بديلة للختان من خلال رأب الغلفة وليس قطعها. والنتيجة هو أن الغلفة يمكن إرجاعها تماماً إلى الخلف [464] .

كما أصدرت الأكاديميّة الأمريكيّة لطب الأطفال كتيّباً بخصوص العناية بالقضيب غير المختون يقول:

«وظيفة الغلفة: إن الحشفة في الولادة حسّاسة وتتهيّج بسهولة بالبول والبراز. والغلفة تحمي الحشفة، وبالختان تفقد هذه الحماية. وفي هذه الحالة فإن الحشفة وخاصّة فتحة البول قد تصبح متهيّجة وتصاب بالمكروبات مسبّبة تقرّحات وضيقاً في فتحة البول. ومثل هذه المشاكل لا وجود لها في القضيب غير المختون. إن الغلفة تحمي الحشفة مدى الحياة» [465] .

الفصل السابع: المعالجة الطبّية لآثار الختان الضارّة

الختان وباء طبّي له آثاره الضارّة كما رأينا في الفصول السابقة. وقد قام البعض باقتراح وسائل لمعالجة تلك الآثار الضارّة على كل من الإناث والذكور. ونكتفي هنا بذكر الوسائل الطبّية ونحيل القارئ إلى الفصل الأخير من القسم القادم فيما يخص الوسائل الوقائيّة والعلاجيّة النفسيّة والإجتماعيّة.

الفرع الأوّل: المعالجة الطبّية لآثار ختان الذكور

يجد القارئ في الكتب والمقالات الطبّية ذكر لعمليّات مختلفة يقصد منها إستعادة وظيفة القضيب ولو جزئيّاً أو لإزالة التشويه الخارجي الحادث له. وفي بعض الأحيان يقوم الطبيب بإزالة ما تبقّى من الأعضاء التناسليّة للذكر وعمل ثقب له وتحويله إلى أنثى [466] . والذي يهمّنا هنا هو عمليّة إسترجاع الغلفة التي تتم بالوسائل الجراحيّة أو غير الجراحيّة، مركّزين على هذه الأخيرة التي عرفت في الماضي وبدأت تمتد من الولايات المتّحدة إلى عدد من الدول الغربيّة. ويشار هنا إلى أن عمليّة ختان الذكور قد تكون العمليّة الجراحيّة الوحيدة التي يحاول من تعرّضوا لها إلغاء آثارها باذلين لذلك المال والوقت والجهد. وهذا يعني بحد ذاته أن عمليّة الختان هي عمليّة فاشلة من بدايتها وبدلاً من أن تحل مشاكل فإنها تتطلّب حلاً لها.

1) عمليّة إسترجاع الغلفة في التاريخ

تقول الروايات اليهوديّة أن عيسو إبن إسحاق هو أوّل من قام بشد غلفته لإطالتها وإلغاء علامة الختان، وأن هذا هو سبب لعنه من الله [467] . وفي العصر اليوناني (323-30 ق.م) خضع كل اليهود تحت سيطرة اليونان بعد فتح الاسكندر الكبير لمنطقة الشرق الأوسط. وتذكر التوراة أن بعض اليهود قد قَبلوا الإندماج في المجتمع الجديد. فبنوا ملعباً رياضيّاً في القدس. وقام بعضهم بترك الختان وإلغاء علامة الختان بمط جلد القضيب لاسترجاع الغلفة (1 المكابيين 15:1 48). وقد ساند موجة الإندماج هذه إصدار الملك أنطيوخس قوانين عام 168 قَبل المسيح تمنع الختان باعتباره علامة تمييز بين الشعوب ورفضاً للإندماج. وكان مراقبو الملك، بمقتضى هذه القوانين، «يقتلون النساء اللواتي ختن أولادهن، ويعلّقون أطفالهن في أعناقهن، ويقتلون أيضاً أقاربهن والذين ختنوهم» (1 المكابيين: 1: 60-61). وقد حدث من جرّاء ذلك ثورة من اليهود المتزمّتين بين عام 167-160 قَبل المسيح ختن خلالها رجال الدين «بالقوّة كل من وجدوه في بلاد إسرائيل من الأولاد الغلف» (1 المكابيين: 2: 46). ولنا عودة إلى هذا الحدث في القسم القانوني.

وقد جاء في رسالة للقدّيس بولس ذكر لعمليّة إسترجاع الغلفة. فهو يقول:

«فليسر كل واحد في حياته على ما قسم له الرب كما كان عليه إذ دعاه الله. وهذا ما أفرضه في الكنائس كلّها. أدعي أحد وهو مختون؟ فلا يحاولن إزالة ختانه. أدعي أحد وهو أغلف؟ فلا يطلبن الختان. ليس الختان بشيء ولا الغلف بشيء. بل الشيء هو حفظ وصايا الله. فليبق كل واحد على الحال التي كان فيها حين دعي» (1 قورنتس 17:7-20).

وقد تكون ظاهرة إستعادة الغلفة التي يتكلّم عنها القدّيس بولس مرتبطة برغبة بعض اليهود في قطع الصلة مع دينهم القديم عند تحوّلهم إلى المسيحيّة. ولكن بولس إعترض على هذا الفعل. وهناك ذكر لعمليّة إسترجاع الغلفة في التلمود [468] .

ولفهم ظاهرة إسترجاع الغلفة يجب أن نعرف أن ظهور الحشفة وانتصاب القضيب في أماكن اللعب والحمّام والمسارح، حيث المشاركون عراة، كان مخالفاً للموازين الأخلاقيّة والجماليّة عند اليونانيين والرومان، ومن تظهر حشفته كان محل سخرية الجمهور. ولتفادي ذلك كانت العادة أن يشد الرجل غلفته ويشبكها بخيط أو بملقط فوق الحشفة حتّى يغطّيها، أو كان يمرّر القضيب عبر أنبوب معدني ثقيل على شكل قمع يدعى «الثقل اليهودي» تكون حافّته الضيّقة خلف الحشفة بعد شد الغلفة عليها، فيمنع هذا الثقل رجوع الغلفة إلى الوراء. ذكر هذا الثقل «مارسيال» (توافي حوالي عام 104) [469] .

وقد وصف الطبيب الروماني «شيلسوس» (توفّى قرابة عام 50) [470] عمليّتين جراحيّتين الغاية منهما تغطية الحشفة لمن كان عنده نقص في جلد القضيب وذلك «لأجل الزينة» decoris causa . تجرى إحدى هاتين العمليّتين بقص جلد القضيب فوق العانة ومط الجلد وربطه فوق الحشفة مع إبقاء ثقب للبول حتّى يشفى الجرح. وأمّا العمليّة الثانية والتي يقترحها «لمن ختن حسب عادات بعض الأجناس»، فتتم بمط الجلد فوق الحشفة وإبقائه ممطوطاً من خلال ضمّادة على طول القضيب من قاعدته. وحتّى يتم الحد من إنتصاب القضيب خلال تلك العمليّتين، ينصح هذا الطبيب بغذاء خاص [471] . وبين المؤرّخ اليهودي «يوسيفوس» أن أساليب إسترجاع الغلفة كانت ناجحة لدرجة عدم إمكانيّة التفريق بين مختون وغير مختون [472] .

ويشار هنا إلى أن الإمبراطوريّة الرومانيّة أعفت اليهود من الإنخراط في الجيش والمشاركة في القرابين التي تقدّم للآلهة. وقد فرض الإمبراطور «دوميسيانوس» (توفّى عام 96) ضرائب بديلة عليهم تدعى «الضريبة اليهوديّة». وقد كان الختان علامة للتحرّي عن هويّتهم، ممّا دفع بعض اليهود المتهرّبين من الضريبة إلى مط غلفتهم حتّى يظهروا غير مختونين. وعلى العكس من اليهود، كان بعض المسيحيّين يلجأون للختان ليستفيدوا من الإعفاء المذكور ويتخلّصوا من إضطهاد اليهود لهم. وقد ألغى الإمبراطور «نيرفا» عام 96 أسلوب التحرّي هذا دون إلغاء الضريبة ذاتها.

وحتّى يعقِّدوا عمليّة إسترجاع الغلفة، تشدّد رجال الدين اليهود في الختان فأدخلوا عمليّة السلخ (بيريا). وكانوا يطالبون من إستعاد غلفته بأن يختن من جديد. وقد يتم ختانه أربع أو خمس مرّات متتالية حتّى تظهر الحشفة عارية. ورغم هذا التشدّد بالختان، فإننا نجد إستعمال عبارة «الثقل اليهودي» عدّة قرون بعد ذلك في إسبانيا. وقد تعرّض الأطبّاء خلال العصور لعمليّات إلغاء الختان وشد الغلفة مشابهة لتلك التي وصفها الطبيب الروماني «شيلسوس» [473] .

وقد عاد ظهور إستعادة الغلفة بين اليهود في زمن إضطهادهم في الحرب العالميّة الثانية تحت الحُكم النازي 1930-1945. فقد كان الختان علامة للتعرّف عليهم لأنهم كانوا المجموعة الوحيدة التي تختن إذا ما إستثنينا بعض الأفراد. حتّى أن المسيحي المختون كان عليه أن يحمل شهادة العمّاد لإثبات كونه غير يهودي. فحاول بعض اليهود إبقاء أطفالهم غير مختونين للهرب من الإضطهاد، وأمّا المختونون فقد حاولوا إستعادة غلفتهم بالأساليب الجراحيّة مقابل مبالغ طائلة لدى أطبّاء بولنديين كانوا يستغلّون ضيقتهم. ولا يعرف مدى نجاح تلك العمليّات [474] .

وقد ترعرعت ظاهرة إسترجاع الغلفة ضمن حركة مكافحة الختان التي شهدتها الولايات المتّحدة في العقدين الأخيرين حيث تم تطوير أسلوب غير جراحي لهذا الغرض. وقد بدأ ذلك من قِبَل أفراد بالخفية. وفي عام 1982 تأسّست مجموعة تدعى «الإخوة المتّحدون لغلفة المستقبل» [475] كان لها الفضل في إنتشار هذا الأسلوب. ثم قام «جيم بيجلو» في عام 1991 بتأسيس مركز [476] هدفه تقديم معلومات لاستعادة الغلفة بالأسلوب الجراحي وغير الجراحي. وقد نشر كتاباً في هذا الموضوع هو الآن في طبعته الثالثة يحتوي على معلومات قيّمة عن ختان الذكور في التاريخ وخاصّة في الولايات المتّحدة. وقد بيع منه أكثر من عشرة آلاف نسخة. وقد تبنّت فكرة إستعادة الغلفة المجموعات المختلفة التي تناهض الختان داخل وخارج الولايات المتّحدة.

ويقدّر «وين جريفيتس»، أحد مؤسّسي «الجمعيّة الوطنيّة للرجال الذين يستعيدون غلفهم» عدد الذي إستعادوا الغلفة بهذه الطريقة بقرابة 7000 شخص [477] . وهذه الجمعيّة لها 20 فرعاً في دول مختلفة، منها جمعيّة تأسّست عام 1994 في بريطانيا. وقد إستلم مؤسّس الجمعيّة الأم أكثر من خمسة آلاف رسالة تستفسر عن الموضوع [478] . وهذه الأعداد هي دليل على وجود تمرّد فعلي ضد ختان الذكور وإحساس بعدم الرضى عند ضحاياه [479] .

2) كيفيّة إسترجاع الغلفة بأسلوب غير جراحي

يجد القارئ في كتاب «جيم بيجيلو» [480] وعلى شبكة الانترنيت [481] معلومات كثيرة عن طرق إستعادة الغلفة بطريقة غير جراحيّة. وهذه المصادر تنبّه بأنه يجب عدم إعتبارها إرشاداً طبّياً وأن على من يرغب في إسترجاع غلفته أن يقرأ هذه المعلومات بدقّة قبل أن يبدأ عمله، وأن يعمل تحت إشراف طبيب. وهذا التنبيه، بالإضافة إلى حرصه على سلامة الشخص، يُقصد منه تفادي الملاحقات القضائيّة لأن القانون يحمي المهن الطبّية ولا يسمح لأحد بإعطاء نصائح ذات طابع طبّي دون ترخيص خاص من الجهات المسؤولة. وإرسال الشخص إلى الطبيب يقصد منه إطلاع هذا الأخير على وجود تيّار معادي للختان وتثقيفه في سبل إسترجاع الغلفة وحثّه لعدم المشاركة في عمليّات ختان أخرى لاحقاً.

وعمليّة إسترجاع الغلفة بأسلوب غير جراحي تعتمد على مبدأ أن الجلد له خواص مطّاطيّة. فإذا مورس ضغط على الجلد بمدّه، فإن الجلد يكوّن خليّات جديدة. ولتعويض ما قطع بالختان، يتم مط جلد القضيب حتّى يغطّي الحشفة لاعتبارات سنراها لاحقاً. وإذا كان جزءاً كبيراً من جلد القضيب قد قطع، يجب البدء بالمرحلة الأولى. وأمّا إذا كان القطع قليلاً، فيمكن البدء بالمرحلة الثانية أو الثالثة:

المرحلة الأولى:

يمط جلد القضيب فوق الحشفة ويلصق بشريط لإبقائه فوقها. ويمكن هنا

- إمّا لصق الشريط وإزالته كلّما دعت الحاجة للتبوّل مثلاً.

- أو ترك الشريط لمدّة ثلاثة أو أربعة أيّام حتّى يرتخي الشريط. وفي هذه الحالة يجب إيجاد طريقة للتبوّل دون إزالة الشريط.

- أو لصق شريط حول القضيب ولصق شريط آخر فوق الشريط الأوّل. وفي هذه الحالة يمكن إزالة الشريط الثاني دون إيذاء الجلد مع الإبقاء على الشريط الأوّل.

وحتّى تضيف قوّة لعمليّة مط الجلد، يمكن تثبيت ثقل رصاص بالشريط يتدلّى من القضيب يشبه الثقل الذي يستعمل لإبقاء صنّارة صيد السمك تحت الماء. ويجب هنا تغطية الثقل بشريط قماش حتّى لا يؤذي القضيب. ووزن الثقل هنا يمكن أن يكون 60 غراما أو أكثر. ويجب تفادي إستعمال مثل هذا الثقل خلال النوم. وتنتهي المرحلة الأولى عندما لا يحس المرء بضغط على الجلد فوق الحشفة. وهنا يمكن إمّا إيقاف عمليّة إسترجاع الغلفة أو المرور إلى المرحلة الثانية.

المرحلة الثانية: الحلقة اللاصقة

في هذه المرحلة، يمط جلد القضيب فوق الحشفة ويلصق حوله الشريط بحيث يكوِّن حلقة تمنع الحشفة من الإنزلاق خارجه ولكن تسمح بمرور البول. ويمكن إزالة الحلقة عند التبوّل إذا كان هناك إحراجاً ما. كما تزال عند العلاقة الجنسيّة أو عندما ترتخي. ويمكن الإحتفاظ بالحلقة لعدّة أيّام متوالية. كما أنه بالإمكان إضافة وزن لهذه الحلقة كما في المرحلة الأولى. وهنا يعمل جرس مثقوب للتبوّل يحبس داخل الحلقة فوق الحشفة تتدلّى منه سلسلة تنتهي بثقل. ويجب إزالة الثقل خلال النوم. وتنتهي المرحلة الثانية عندما لا يحس المرء بضغط على الجلد. وهنا يمكن إمّا إيقاف عمليّة إسترجاع الغلفة أو المرور إلى المرحلة الثالثة

المرحلة الثالثة: إستعمال آلات لمط الجلد

هناك عدّة وسائل إستعملها البعض لمط جلد القضيب منها ربط طرف شريط مطّاط بجلد القضيب وربط الطرف الآخر بالركبة. وهنا يستعمل لربط جلد القضيب نفس أسلوب الثقل الذي ذكرناه في المرحلتين السابقتين. فيوضع مخروط مطّاطي فوق الحشفة ثم يمط الجلد من فوقه ويربط بصورة حلقة كما ذكرنا في المرحلة الثانية. ويمكن إستعمال كرتين من معدن الفولاذ الذي لا يصدأ متّصلتين ببعضهما. واحدة تحشر فوق الحشفة ويربط فوقها الجلد بصورة حلقة، والأخرى تتدلّى لتشد جلد القضيب.

ويمكن الإستمرار بعمليّة إسترجاع الغلفة إلى أن تطول. ولكن يجب أن يؤخذ بالحسبان الطول الطبيعي للغلفة. وهو ما لا يعرفه الذين فقدوا غلفتهم صغاراً. والمهم هو أن تغطّى الغلفة الحشفة ولا يبان من هذه الأخيرة إلاّ أعلاها عندما يكون القضيب في حالة إسترخاء [482] .

هذه الأساليب في إسترجاع الغلفة هي الأساليب الأكثر إستعمالاً. ولكنّها ليست الوحيدة التي يمكن إستعمالها. فهناك من إسترجع غلفته بعد ثلاث سنين من مط جلد القضيب مراراً يوماً بعد يوم باليد لمدّة بضع دقائق كل مرّة. وهناك من يستعمل جزءاً من قرن وعل كحلقة لمط جلد القضيب وإبقائه ممدوداً فوق الحشفة. وهناك أيضاً من ربط جلد القضيب فوق الحشفة بخيط من الجلد. ومهما تكن الوسائل المستعملة، فإنه من الضروري عدم حصر الدم لأن في ذلك أذى للجلد والقضيب.

ولكن إسترجاع الغلفة لا يعني بالضرورة الرجوع إلى وضع كأن الختان لم يكن. فـ«ما أعطبه الدهر لا يصلحه العطّارون». فالختان يقطع الجزء العلوي من جلد القضيب. وهذا الجزء ذو طبيعة خاصّة تنكمش حول الحشفة. ومن يريد إنكماش جلده فوق الحشفة عليه بالإضافة إلى مط الجلد إجراء عمليّة لتضييق الفتحة التي تلامس الحشفة. من جهة أخرى، اللجام الذي يربط جلد القضيب بالحشفة يتأذى بالختان وقد يقطع. وللجام دور في العلاقة الجنسيّة إذ يعيد الغلفة فوق الحشفة عند الإرتخاء. وفي حالة قطع اللجام واسترجاع الغلفة بمط الجلد، فإنه يجب إعادة الغلفة باليد فوق الحشفة عند الإرتخاء. وقد يؤدّي مط جلد القضيب إلى تغطيته بشعر العانة الذي يمكن تنحيته بعمليّة تدعى التحلّل الكهربائي.

واستعادة الغلفة دون عمليّة جراحيّة أفضل من إستعادتها بعمليّة جراحيّة لعدّة أسباب. فهي أوّلاً طريقة رخيصة، وليس فيها مخاطر كما في العمليّة الجراحيّة. كما أنه من السهل اللجوء إليها. فالأدوات التي تحتاجها يمكن أن تجدها في كل صيدليّة، بينما الأطبّاء المتخصّصون في إستعادة الغلفة جراحيّاً قليلون. ولكن إستعادة الغلفة دون جراحة تتطلّب صبراً ووقتاً وممارسة. وكلّما كان الجلد المقطوع أكبر، كان الوقت المطلوب لاسترجاعه أطول. وأقصر مدّة تم فيها إسترجاع الغلفة هي أربعة أشهر. وبعدها أحس ذاك الشخص بأنه راض عن النتيجة. بينما هناك من قام بعمليّة إسترجاع الغلفة لأكثر من أربع سنين حتّى إستطاع أن يكسب جلداً يغطّي الحشفة. ولكن قد يحس المرء بفائدة قبل أن يرى النتيجة بعينيه. وهذه العمليّة ليست لكل شخص. فإذا كان الختان قد إستأصل القسم الأكبر من جلد القضيب، فليس هناك طريقة إلاّ العمليّة الجراحيّة. وفي كلا الحالتين، على المرء أن يقنع طبيبه أو زوجته برغبته في إستعادة الغلفة. وأحياناً قد يجد من يتفهّمه. ونشير هنا إلى أن المختونين لا يلجأون إلى عمليّة جراحيّة لاستعادة الغلفة عند طبيب ينتمي إلى تلك الفئة التي قطعتها لأنهم فقدوا الثقة فيهم [483] . وقد أخبرني أحدهم أنه بعد أشهر طويلة من مط غلفته ذهب إلى طبيب لكي يضيّق له فتحة الغلفة، فقام هذا الأخير بقطعها عندما كان تحت البنج. وتجدر الإشارة إلى أن عمليّة شد الجلد في حد ذاتها معروفة في الطب ومعترف بها. ورغم ذلك فالأطبّاء لا يشيرون إليها لمن فقد غلفته، إمّا لأنهم لا يكسبوا منها مالاً، أو لأنهم يعتبرون الهدف تافهاً، أو لأن الذي يسيطر على العمليّة ليس الطبيب بل المريض ذاته [484] .

وإن كان إسترجاع الغلفة كما ذكرناه يتم ضمن مجموعات لا تتقاضى أموالاً، إلاّ أنه لا يمكن تفادي إستغلال حاجة الإنسان للحصول على الربح من خلال تلبيتها. فهناك عشرات من الدعايات في المجلاّت الأمريكيّة الخلاعيّة تتكلّم عن عمليّات تكبير القضيب [485] الهدف منها جذب من عندهم مشاكل ناتجة عن الختان لإجراء عمليّة إطالة القضيب الذي حرم من إمتداده الطبيعي بسبب نقصان غلافه. وتتفادى هذه المجلاّت التكلّم عن الختان بحد ذاته لأنه من المحرّمات وتلجأ إلى أسلوب الإضحاك كوسيلة ملتوية للحديث عن إضطراب الشخص بسبب قصر قضيبه [486] .

3) أسباب إستعادة الغلفة في أيّامنا

عندما قرأت لأوّل مرّة عن ظاهرة شد جلد القضيب ضحكت وتذكّرت المثل القائل: «الجنون فنون». ولكني حاولت أيضاً فهمها عملاً بالمثل القائل «تعلّم السحر ولا تعمل به».

وقد إلتقيت في المؤتمر العالمي الثالث حول الختان الذي عقد في الولايات المتّحدة عام 1994 بالقس وعالم النفس «جيم بيجيلو» السابق الذكر، وهو من أهم ممثّلي ظاهرة إستعادة الغلفة في عصرنا. وكان أوّل سؤال طرحته عليه هو: «يا عزيزي، ألا يوجد في الدنيا مشاكل إلاّ هذه المشكلة تنشغل وتشغلنا فيها؟ هل من الممكن أن تفهمني ما هي قصّتك؟». فأجابني بروح مرحة ومؤدّبة: «إذا أحس شخص بالألم، أليس من واجب الغير مساعدته؟» فأجبت: «هذا هو الصواب». وأضاف قائلاً: «ومن يقرّر بأن شخصاً ما يتألّم: أأنت أم هو؟» فأجبت: «لا بل هو». فأضاف: «أنا رجل دين مسيحي. تألّمت كثيراً من الختان الذي أجري لي عندما كنت طفلاً، فجرّبت أن أتخلّص من ألمي بمط جلد قضيبي. وبعد أن نجحت بحل مشكلتي، حاولت أن أساعد الغير بروح المحبّة للتخلّص من آلامهم. هل ترى في ذلك عيباً أو مكروها؟». فسألته: «هل هناك فرق بين وضعك قَبل إستعادة الغلفة ووضعك بعد إستعادتها؟» أجاب: «إن الفرق بين الماضي والحاضر هو كالفرق بين الأرض والسماء. كنت سابقاً أتألّم من كل علاقة جنسيّة، والآن أحس بلذّة في تلك العلاقة». وسألته: «من يلجأ لك لطلب الإستشارة وكم تكلّف هذه الإستشارة؟» أجاب: «يلجأ إلي كثير من المسيحيّين واليهود، ممّا جعل الحاخامات يغتاظون جدّاً منّي. واستشاراتي مجانيّة تماماً، والقصد منها عمل الخير، لا غير».

وبطبيعة الحال لم يكن لي ما أجيبه به. فهو صاحب الألم. وكما يقول المثل العامّي: «صاحب الهم أدرى فيه». فلا يحق لي التهكّم عليه، فأنا غير مختون ولا أعاني ممّا يعانيه. وبعدها إشتريت كتابه الذي أعتمد عليه في هذا الفصل، وحضرت له محاضرة إستغرقت ساعتين مدعومة بالصور. وكل مرّة أتكلّم فيها عن هذا الموضوع، يتحيّر السامعون من كلامي ويضحكون كما ضحكت سابقاً ويتهكّمون كما تهكّمت قَبل مقابلتي بالسيّد «جيم بيجيلو». إلاّ أن هناك أيضاً من يستشيرني لحل مشاكله الشخصيّة. ولعدم خبرتي في هذا المجال، أرسل لهم ما أملك من معلومات وأرشدهم إلى الجمعيّات المتخصّصة.

هذا ونجد في كتاب «جيم بيجيلو» وفي مقالات أخرى صادرة عن دعاة هذه الحملة عرضاً للأسباب التي من أجلها يقوم المختونون باستعادة غلفهم في أيّامنا نستعرضها فيما يلي [487] :

- الأسباب الجماليّة والكماليّة: في الستّينات من القرن العشرين بدأت في الولايات المتّحدة بعض العائلات الخنفسيّة في ترك أطفالها دون ختان لأنها كانت تعتبره عمليّة غير طبيعيّة. وقد أعطت عمليّة إسترجاع الغلفة الفرصة للمختونين منهم لكي يعودوا للطبيعة. فهم يحسّون بأنهم فقدوا جزءاً من جسمهم وأن في إسترجاع الغلفة إستعادة لما ينقصهم. ويذكر «جيم بيجيلو» في كتابه قصّة أحد المختونين الذي تزوّج من فتاة عذراء وأحس بالنقص أمامها لأنه لم يكن بإمكانه أن يقدّم لها جسده كاملاً [488] . وفي بريطانيا، حيث عدد المختونين قليل، يخلق الختان حرجاً للرجال، خاصّة إذا ما ظهروا عراة كما هو الأمر في غرف الحمّام الرياضيّة الجماعيّة. فإنهم يحسّون بالخجل ويشعرون بأنه تم بتر أعضائهم الجنسيّة والتعدّي عليهم وأن الغير يهزأ منهم.

- الأسباب الوظيفيّة: يعتبر معارضو الختان من المختونين أن كشف الحشفة تقلّل من حساسيّتها، وأن إستعادتها تزيد من هذه الحساسيّة وتزيد من نشاطهم الجنسي ومن لذّتهم ولذّة الشريك الجنسي. كما أن الختان يجعل جلد القضيب مشدوداً جدّاً عند الإنتصاب، ممّا يخلق لهم مشاكل مع الشريك الجنسي.

- الأسباب النفسيّة: يتساءل بعض المختونين ما هو الخطأ الذي من أجله قطعت غلفتهم. وهذا الشعور يستمر في داخلهم. ونفس الشعور ينتج عن قطع أي عضو آخر من الجسم. وقد يكون أحد الأسباب وراء إستعادة الغلفة الرغبة في تصحيح شعور مؤلم داخلي.

- الرغبة في إستعادة القوّة الذاتيّة: عدد من الذين إسترجعوا غلفتهم هم من المختونين قَبل عمر 19 سنة. ويشعر هؤلاء بالنقمة تجاه أهلهم لأنهم بدلاً من حماية سلامة جسدهم قرّروا قطعه. وهم يلجأون لاستعادة الغلفة كوسيلة لاستعادة القوّة الذاتيّة. واستعادة القوّة الذاتيّة تستعمل في كل حالة يقع فيها الفرد فريسة الظلم كالإغتصاب مثلاً. وتعتبر الضحيّة نفسها منتصرة عندما تستطيع أن تقول: «إنني الآن لست ضحيّة؛ إنني أحس بالقوّة من جديد». وهذا هو ما يشعر به من يقوم باسترجاع الغلفة. ونشير هنا إلى أن العمليّات التجميليّة تدخل ضمن وسائل إعطاء الثقة للشخص ولها معنى جنسي. فالمرأة التي بتر ثديها بسبب سرطان الثدي تطالب بعمليّة تجميليّة لإرجاع أنوثتها، ومن قلع أسنانه يطالب بوضع أسنان صناعيّة. ومساعدة الشخص في التغلّب على عاهته هو نوع من المحبّة الإنسانيّة نحو الضعيف واعتراف بدين المجتمع نحو الضحايا مثلما يحدث مع مشوّهي الحروب.

- إدارة الغضب: يوجد في مجتمعنا عدد من الناس يشعرون بالغضب في داخلهم فيصبّونه على غيرهم. ومن المهم أن يتعرّف هؤلاء الناس على سبب غضبهم وإيجاد وسيلة لكي يتخلّصوا منه. وإذا ما أوجدنا لهم طريقة للسيطرة على الوضع، يمكن الحد من غضبهم. وهذا الشعور نجده في المختونين الذين ختنوا دون أن يختاروا ذلك. فإذا ما تمكّنوا من إعادة غلفتهم، أمكن الحد من غضبهم بعدما كانوا يظنّون أنه لا إمكانيّة لمحو ختانهم. ولا يكفي في حد ذاته إستعادة الغلفة إذا لم يصاحبها تعرّف على سبب الغضب وشفائه.

4) موقف مؤيّدي الختان من إستعادة الغلفة

يعتبر مؤيّدو ختان الذكور من يقومون باستعادة غلفهم مصابين «بمرض عقلي خطير جدّاً»، كما جاء في رسالة بعثها لي «شيمون جليك»، رئيس التعليم الطبّي في جامعة بن غوريون. وقد كتب طبيب يهودي فرنسي أن هناك تزايد في طلب إستعادة الغلفة لدى أمريكيّين شاذّين جنسيّاً غير يهود وغير مصابين بأمراض عقليّة ختنوا عند ولادتهم [489] . وهذا الطبيب يجهل أو يتجاهل أن اليهود أيضاً يلجأون لمثل تلك العمليّة. وتهجّم هذين الطبيبين اليهوديين له صلة واضحة باعتقادهم الديني. ويرد «جيم بيجيلو» على هؤلاء بأنه أمر مقلق أن لا يرى البعض أهمّية الشعور بكمال الجسم. فهؤلاء المتهكّمين لا يرون مانعاً من أن تقوم إمرأة بعمليّة تجميليّة بعد فقدها ثدييها، بينما يعترضون على أن يقوم الرجل بعمليّة مماثلة لاستعادة غلفته. وهذا التهكّم سببه هو عدم تفكيرنا بأنه يمكن أن يحس الإنسان بنقص جسدي عندما يكون مختوناً.

5) آراء ومواقف من إستعادوا غلفهم

في إستطلاع للرأي تم بين 240 شخص إسترجعوا غلفهم سُئلوا عمّا إذا كانوا يشعرون باختلاف بسبب إستعادة غلفهم. وقد أجاب 83% منهم إيجابيّاً. وقد إحتوت الإجابات تعليقات لشرح سبب شعورهم نذكر منها:

«طلباً للسيطرة على جسدي»؛ «تحدّياً للمجتمع»؛ «حساسيّة أكبر في الحشفة»؛ «أكثر ذكورة»؛ «واثق في نفسي»؛ «قوّة جنسيّة وراحة جسديّة أكبر»؛ «أقرب إلى ما أرادني الله»؛ «أكثر كمالاً»؛ «أكثر رجولة»؛ «إستعادة القوّة»؛ «أكثر سيطرة على نفسي»؛ «بدأت اشعر بأنني أفضل جنسيّاً»؛ «أصبحت كاملاً»؛ «أشعر بسعادة أكبر»؛ «أشعر بأني شفيت»؛ «مظهر طبيعي»؛ «إسترجعت ما أخذ منّي»؛ «أكثر إحساساً»؛ «لقد وضعت حملاً عن كاهلي»؛ «يمكنني أن أعمل شيئاً ضد الختان»؛ «أشعر بأني أكثر جاذبيّة جنسيّاً»؛ «أصلحت غلطاً»؛ «إسترجعت جزءاً من نفسي»؛ «إسترجعت كرامتي»؛ «إنني أكثر سعادة» [490] .

وقد بيّن إستطلاع آخر للرأي تم بين 313 شخص أن إستعادة الغلفة قد أدّى إلى حل مشكلة جفاف القضيب الذي كان يؤدّي إلى تجرّحات وألم وإدماء، وأن إستعادة الغلفة أعطتهم لذّة فريدة زادت في الإلفة الجنسيّة مع شريكاتهم [491] .

هذا ويختتم مقال حول إسترجاع الغلفة بجملة:

«إن «الجمعيّة الوطنيّة للرجال الذين يستعيدون غلفهم» واثقة بأن برنامجها التثقيفي المستمر والواسع الإنتشار لن يؤدّي فقط إلى حماية الأطفال من بتر أعضائهم الجنسيّة، بل سوف يعطي أملاً جديداً لرجال في أعمار مختلفة تأذّوا من الختان. وسوف يصبح الرجال أكثر وعياً بأنهم يستطيعون أن يستعيدوا سلامة جسدهم ويكسبوا إحساساً بالكمال من جديد» [492] .

الفرع الثاني: المعالجة الطبّية لآثار ختان الإناث

رأينا سباقاً بأن رجال الدين اليهود تصدّوا لمحاولة إلغاء علامة الختان عبر التاريخ، وما زال ينظر لتلك المحاولة نظرة سلبيّة. وقيام أفراد في إلغاء آثار عادة يفرضها مجتمعهم يتطلّب شجاعة خاصّة منهم ومحيطاً يعطي بعض الحرّية للأفراد. وليس من العجب إن ترعرعت حملة إستعادة الغلفة في الولايات المتّحدة والدول الغربيّة.

وبما أن ختان الإناث يمارس عادة في الدول الإسلاميّة ودول العالم الثالث التي لا تعترف بالحرّية الفرديّة، وربّما لاختلاف طبيعة القطع، فإنه من الصعب القيام بحملة مماثلة لحملة إستعادة الغلفة بهدف إلغاء آثار ختان الإناث. وهناك قليل من الأدبيّات التي كتبت في هذا الموضوع، خلافاً لما هو عليه الأمر فيما يخص ختان الذكور. وهذه الأسطر ما هي إلاّ محاولة أوّليّة لتجميع ما وجدناه في هذا الخصوص.

يجب أوّلاً التذكير بأن ختان الإناث يجرى على درجات، ولكل درجة آثارها الخاصّة التي تحتاج إلى تدخّل يناسبها. فإذا ما أخذنا عمليّات بتر الغلفة والبظر والشفرين الصغيرين، فإنه من الممكن شد ما تبقّى منهما أو إبرازهما جراحيّاً بهدف إستعادة المظهر الطبيعي لتلك الأعضاء. وهذا يعطي راحة نفسيّة، وقد يزيد من اللذّة الجنسيّة. وقد ذكرنا أن بعض القبائل الإفريقيّة تعلّم فتياتها بشدّهما لإطالتهما بهدف زيادة اللذّة ولأسباب جماليّة.

وفيما يخص الختان الفرعوني، تلجأ بعض السيّدات، خاصّة في الغرب، إلى فتح الفرج لأسباب صحّية: التخلّص من الأورام التي قد تتكوّن تحت الجلد الملتصق، تسهيل إخراج البول ودم الحيض، وتفادي تعسّر الولادة. وهذا يصعب تحقيقه في المجتمعات التي تمارس هذا النوع من الختان، لأن فك الفرج هو تعدّي على عاداتها. وقد أشارت منظّمة للنساء الإفريقيّات في لندن أن كثير من الفتيات ما بين عمر 9 و13 سنة يطالبن بفك فرجهن. وقد إتّجهت تلك الفتيات إلى السلطات المحلّية لكي تؤمّن لهن مسكن خارج عائلاتهن حتّى يحقّقن هدفهن. وقد تناست هذه الفتيات بأن الأهل يمارسون المسؤوليّة عليهن وأن موافقتهم ضروريّة لهذا الأمر. وتقول ممثّلة هذه المنظّمة بأنها تؤمن ببقاء الفتيات مع عائلاتهن على قدر الإمكان وأن يتم التثقيف داخل تلك العائلات للوصول إلى توافق بين حقوق الفتيات وحقوق واعتقادات عائلاتهن. وهذا خلاف لما يحدث في الخدمات الإجتماعيّة التي تهتم إمّا بالفتاة أو بالعائلة [493] .

وقد عرضت السيّدة الصوماليّة «ديري واريس» كيف أنها قامت بإعادة فك فرجها عند طبيب في لندن بسبب المشاكل التي عانتها في عادتها الشهريّة. وقد أخبرها الطبيب أنه يقوم بعمليّات مشابهة مع كثير من نساء مصر والسودان والصومال [494] .

وهناك خبر يقول إن الحكومة البريطانيّة خصّصت أقسام في ثلاث من أكبر مستشفيات العاصمة لندن لوضع حد لمعاناة النساء اللاتي يواجهن متاعب صحّية نتيجة تعرّضهن للختان قَبل الزواج ممّا يسفر عن مضاعفات أثناء الولادة وفقدان للنشوة الجنسيّة بسبب إجتثاث البظر أثناء الختان [495] .

هذا وقد ذكرنا سابقاً أن المجتمعات التي تمارس الختان الفرعوني تلجأ إلى إعادة شبك الفرج بعد الطلاق لمنع العلاقة الجنسيّة، أو بعد الولادة لتضييق فتحة الفرج المتهدّل بظن أن هذا يزيد لذّة كل من الرجل والمرأة. وهنا تطرح مشكلة إلى أي مدى يمكن للطبيب الغربي إجراء مثل هذه العمليّة. ويشير بحث أن بعض الشابّات الإفريقيّات في إيطاليا يقمن بفتح الفرج لكي يتمكّن من ممارسة الجنس، ولكن مثل هذه الشابّات تعود إلى شبك الفرج من جديد قَبل الزواج [496] . وهذا يذكرنا بخياطة غشاء البكارة التي تقوم بها كثير من الشابّات العربيات اللاتي فقدن بكارتهن قَبل الزواج.

هذا وقد إتّصلت بي موظّفة إجتماعيّة أستراليّة في شهر فبراير 2000 بخصوص شابّة إغتصبها عمها. فقامت والدتها بخياطة فرجها. إلاّ أن عمّها عاد واغتصبها ممزّقاً أعضاءها. وبعد كل إغتصاب، عاودت الأم خياطة فرج بنتها. وفي بعض الأحيان، كانت الأم تشارك العم في إجرامه وتمزّق فرج بنتها لمساعدته في إغتصابها. وتعتقد تلك الشابّة أنها قد فقدت بظرها من جرّاء ذلك التصرّف الوحشي. ولكنّها ترفض عرض نفسها على طبيب خجلاً من وضعها. كما إنها ترفض عرض نفسها على عالم نفس متخصّص في الصدمات النفسيّة لأنها فقدت الثقة في الرجال. وهذه الشابّة تخاف من أيّة علاقة جنسيّة ولا تحس بأي لذّة في ممارستها العادة السرّية. وقد سألتني الموظّفة الإجتماعيّة عمّا إذا كان هناك وسيلة لكي تستعيد هذه الشابّة ما فقدته كما هو الأمر مع المختونين الذين يستعيدون غلفتهم.

وقد أرسلت لها بعض الوثائق التي تبيّن أنه يمكن تحويل اللذّة من عضو إلى عضو آخر إذا ما تم تثقيف الشخص في البحث عن مواضع التهيّج في جسمه. وقد ذكرنا سابقاً هذا الموضوع عند تكلّمنا عن ختان الإناث واللذّة الجنسيّة. كما أرسلت طلبها إلى السيّد «وين جريفيتس»، أحد مؤسّسي «الجمعيّة الوطنيّة للرجال الذين يستعيدون غلفهم» لاستشارته في هذا المجال. وقد وصلني ردّه بتاريخ 5 فبراير 2000، وها نحن ننقله للقارئ لعّل فيه فائدة لمن تعرّضن للختان ولأنه قد يفتح مجالاً للبحث العلمي والتجريبي.

«لم يُبحث موضوع إصلاح ختان الإناث كما تم مع ختان الذكور. وقد يكون السبب لأن الأمر يظهر مستحيلاً. ولكن ألا يمكن قول نفس الأمر فيما يخص ختان الذكور؟ فقَبل أن يحدث ذلك، كان حلماً صعب المنال. لقد إستعدت غلفتي قَبل عقود من الزمن ولذلك أنا أعرف بأن تحسّناً ما يمكن تحقيقه. فهل أعتبر نفسي كاملاً؟ لا. ولكن هل أنا في حالة أفضل؟ نعم [...].

ولكن بما إننا نعرف أن الجلد (والعقل) يمكنهما أن ينميان، فلماذا لا نفترض أن الأعضاء الأنثويّة يمكنها أن تنموا تحت الضغط؟ إلاّ أنه يجب القول بأن الختان الفرعوني يجب بداية علاجه جراحيّاً لفك الإلتصاقات وعرض الأجزاء الداخليّة للتمكّن من مدّها. والمشكلة الثانية التي تطرح هي مشكلة المواد اللاصقة. فالرجال يجدون صعوبات كبيرة للحصول على مواد لازقة فعّالة. وعند النساء قد يكون ذلك أصعب بسبب الرطوبة في فرج المرأة، ولكن ليس ذلك بالمستحيل. وأنا أعتقد بأن شد بقايا الشفرين الصغيرين قد يؤدّي إلى نتائج على مستوى التجميل والحركة تماماً كما يحدث عند إستعادة الغلفة عند الرجال.

أمّا فيما يخص إسترجاع الأعصاب، فذلك يُعتقد بأنه من المستحيل عند الذكر كما عند الأنثى. ولكن هذا لا يعني أنه لا يمكن فعل شيء في هذا المجال. إني أعتقد بأن التركيز الفكري قد يفعل العجائب. وقد حاولت ذلك مع نتائج كبيرة. وهذا ليس إصلاحاً، بل ما نسمّيه في صناعة الكمبيوترات «العمل الدائري». وهذا يعني بأنه إذا لم نتمكّن من حل مشكلة، فيجب أن نعمل في محيطها. والأسلوب هو كما يلي:

من المعروف أنه بإمكان العقل التعويض عن الأنسجة المهيّجة (وإلاّ لكان ختان الذكور قد قضى على الجنس البشري منذ آلاف السنين، ولكانت النساء المختونات جميعهن قد أصبحن دون إحساس بالإرتواء). والحيلة هي في زيادة ما بقي عن طريق حث المخ على التعرّف عليه. ولعمل ذلك نحتاج إلى تمارين تركِّز على الإحساس. وهذا يعني تحديد ما تبقّى من الأجزاء القابلة للذّة، وعمل جهد عليها لعدّة ساعات خلال أيّام متعدّدة، ولكن دون إنتظار نتيجة فوريّة. وهذا تمرين للعقل حتّى يتعلّم ويحاول الإرتباط مع ما يعطى له. ويجب إعادة التمرين عدّة مرّات حتّى يصبح العقل متهيّجاً. وبعد ذلك يجب أن لا تبقى على ما حصلت عليه، بل إنتقل إلى جزء آخر حسّاس مع الإستلذاذ من وقت لآخر بالجزء الذي تم إصلاحه، دون الإعتماد عليه. وهكذا دواليك.

بفعلنا هذا نحاول أن ننقل تركيز اللذّة من موضع إلى موضع آخر أقل لذّة حتّى نجتذبه ونجنّده في إنتاج اللذّة. وهذا ما يعني التركيز. فالتركيز هو كل شيء. ومن دون التركيز لا يمكن لمشلولي اليدين والرجلين الإحساس باللذّة الجنسيّة من خلال شحمة الأذن.

ونستنتج ممّا سبق بأنه لاستعادة الأنثى المختونة [فرعونيّاً] وضعها السابق يجب البدء بعمليّة جراحيّة لفصل الأنسجة، ثم بعد ذلك إجراء شد على تلك الأنسجة كما عند الذكور. ومن ثم يتم إسترجاع الإحساس بنفس الطريقة التي تتم على الذكور. وبما أن التركيز على الإحساس لم يُعلم للذكور، فإن الإناث قد يكن سبَّاقات في هذا المجال

ويجب التأكيد على أن التركيز الفكري يمكن أن يزيد في تقوية الخلايا العصبيّة المساعدة بالحبل الشوكي بعض الشيء، ولكن ذلك قد لا يدوم ولا يمكنه في أي حال التعويض كاملاً عن الأعضاء الطبيعيّة.

مع كل المحبّة للنساء المتألّمات»

بهذه الرسالة ننهي هذا القسم المتعلّق بالجدل الطبّي مشيرين إلى أن كل هذا الجهد والألم في إصلاح ما إقترفه المرء في حق أخيه أو أخته كان يمكن تفاديه لو أن الإنسان كان أكثر عقلانيّة في تصرّفاته. وإن كان الرجال والنساء الذين لجأوا إلى هذه الوسائل لمعالجة آثار ختان الذكور والإناث يعبّرون عن بعض الرضى إلاّ أنه من الصعب، لا من المستحيل الرجوع إلى حالة ما قَبل الختان. فما قطع فقد قطع. وهذا يذكرنا بالمثل العامّي القائل: «مجنون رمى حجر في بير هات عشر عُقَّال يِطلعوه».

خاتمة الجدل الطبّي

رأينا في الفصول السابقة بأن عمليّة ختان الذكور والإناث بصورة روتينيّة ضارّة صحّياً وجنسيّاً وأن الأسباب الطبّية التي يقدّمها مؤيّدو هذه الممارسة الضارّة غير مقبولة. وهذا ما يدفع البعض للقول بأنها في حقيقتها ليس علاجاً طبّياً بل «وباءاً طبّياً» [497] . وهذا التعبير يطلق على الأوبئة التي تنتج بسبب فعل الطب. فقد تدخّل المستشفى لعلاج مرض معيّن، ثم تخرج مع ميكروبات معدية تسرّبت إليك من الطبيب المعالج. وقد يكون مرضك تافهاً، فتخرج من المستشفى إلى المقبرة نتيجة خطأ من الطبيب. وقد أعطيت النساء الحوامل أدوية لعلاج عوارض مرضيّة ولكن أكتشف بعد ذلك أن تلك الأدوية كانت السبب في ولادة أطفال بأطراف مشوّهة. وقد تحس بوجع في البطن فيقترح الطبيب عليك إجراء عمليّة الزائدة، ولكن يتبيّن لك بعد ذلك أنك وقعت ضحيّة إيحاء الطبيب إمّا بسبب جهله أو بسبب جشعه المادّي، وأن تلك العمليّة لم تكن ضروريّة، وكان يكفي أن يعطيك الطبيب دواءاً ضد المغص [498] .

وتعبير «الوباء الطبّي» ينطبق تماماً على الختان. فالطفل يولد بصحّة جيّدة في المستشفى ثم يخرج منه مبتور الأعضاء الجنسيّة مشوّه بفعل الأطبّاء دون سبب طبّي يبرّر تصرّفهم هذا، يخضع في حقيقته لاعتبارات دينيّة واجتماعيّة، ليس أقلّها الإعتبارات السياسيّة والإقتصاديّة كما سنرى لاحقاً. وإذا ما تذكّرنا أن قرابة 60% من أطفال الولايات المتّحدة مختونون دون سبب طبّي، فليس من المبالغة إعتبار هذه الظاهرة وباءاً حقيقياً لا يقل عن الأوبئة الأخرى التي تعاني منها البشريّة وتحاول التخلّص منها بعد جهد مرير.

وأمام هذا الوباء الطبّي، قامت منظّمات عدّة لمكافحته. وقد إستحوذت الحملة ضد ختان الإناث حيّزاً كبيراً من هذا الكفاح على المستوى الإعلامي والقانوني والطبي. وقد أصبح الآن ختان الإناث يشار إليه كجريمة في حق النساء يجب القضاء عليها رغم معارضة التيّارات الدينيّة والتقليديّة في البلاد التي تمارس هذه العادة. أمّا الكفاح ضد ختان الذكور فما زال في أوّل مراحله. فكما أن رجال الدين المسيحيّين بدأوا بإلغاء «وجوب» الختان على المستوى الروحي، بدأت الهيئات الطبّية الكبرى بإلغاء «ضرورة» الختان على المستوى الصحّي وأصبحت تدريجيّاً تحث أعضاءها بالتخلّي عنه. وهذه خطوة أوّلّية لا بد منها قَبل الإنتقال إلى مرحلة الإدانة والتجريم. وفي تصرّفها هذا، إنّما تحاول هذه المنظّمات نقل المجتمع تدريجيّاً من فكر مؤيّد للختان إلى فكر مناهض له. فهناك إعتبارات دينيّة واجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة لا يمكن تخطّيها وإلغاءها بجرّة قلم.

هذا وسوف نعود في الجدل القانوني لموقف المنظّمات الطبّية من ختان الإناث الذي يتّسم بالإدانة القطعيّة، ونكتفي هنا بذكر بعض القرارات الصادرة فيما يخص ختان الذكور.

نشرت «الجمعيّة الطبّية البريطانيّة» عام 1996 تعليمات بخصوص ختان الأطفال تقول فيها أن «ختان الأطفال نادراً ما يكون ضروريّاً لسبب طبّي» وأن «الدافع الرئيسي للختان هو ثقافي وديني وليس طبّي أو علمي».

وأصدرت الكلّية الأستراليّة لجراحي طب الأطفال الذكور عام 1996 قراراً يقول:

«إن الكلّية الأستراليّة لجراحي طب الأطفال لا تدعم الختان الروتيني للذكور حديثي الولادة. فليس من الملائم ولا من الضروري إزالة الغلفة بصورة روتينيّة [...]. نحن لا ندعم إزالة جزء طبيعي من الجسم إلاّ إذا كان هناك معطيات تبرّر المضاعفات والمخاطر التي يحتمل أن تنتج عن ذلك. ونحن نعارض بصورة خاصّة أن يخضع الأطفال لعمليّة لو تركت لاختيارهم في عمر كاف للمقارنة بين الفوائد والمضار لكانوا قد إختاروا رفض العمليّة والإبقاء على غلفتهم [...]. إن إجراء الختان على أطفال حديثي الولادة لا مبرّر طبّي له وهو عمليّة تحدث صدمة لديهم».

وقد نشرت «الجمعيّة الطبّية الأستراليّة» تصريحاً عام 1997 تقول فيه: «إن الجمعيّة الطبّية الأستراليّة سوف تعيق ممارسة ختان الأطفال تمشّياً مع قرار الكلّية الأستراليّة لجرّاحي طب الأطفال» وتضيف بأن «بعض الأهل قد يقرّرون إجراء الختان لاعتبارات طبّية أو إجتماعيّة أو دينيّة أو عائليّة. وفي هذه الحالة، على الطبيب أن يوصيهم بأن يتم الختان في عمر وتحت ظروف تقلّل من مخاطره إلى أدنى درجة».

وأخيراً جاء في تقرير الأكاديميّة الأمريكيّة لطب الأطفال الذي صدر في مارس 1999:

«إن المعطيات العلميّة توحي بوجود فوائد طبّية محتملة لختان الذكور حديثي الولادة، ولكن هذه المعطيات لا تكفي للتوصية بإجراء الختان على الأطفال حديثي الولادة بصورة روتينيّة. ففيما يخص الختان هناك فوائد محتملة ومخاطر، ولكن تلك العمليّة ليست ضروريّة لرفاهيته الحاليّة، وعلى الأهل التقرير ما هو في صالح الطفل. وحتّى يتمكّن الأهل من بلوغ قرار مستنير، يجب أن يعطي للأهل معلومات دقيقة وغير منحازة وإمكانيّة مناقشة القرار. وللأهل الحق في الإعتماد على العادات الثقافيّة والدينيّة والعرفيّة بالإضافة إلى العوامل الطبّية في إتّخاذ قرارهم».

ومن الواضح من هذا القرار الأخير بأنه لا يرى في الختان ضرورة طبّية. ولكنّه في نفس الوقت يترك للأهل الحق في إتّخاذ القرار في إجرائه لاعتبارات غير طبّية. وهذا بحد ذاته مخالف للأخلاق الطبّية التي لا تسمح بالتعدّي على سلامة الجسد إلاّ في حالة الضرورة الطبّية وموافقة مستنيرة من قِبَل المريض أو وليّه، وهما شرطان لا يتواجدان في ختان الذكور [499] . هذا ما سوف نراه في الجزء الخامس من هذا الكتاب.


[1] الأهرام 1/6/1976، ص 6.

[2] إبن رشد: فصل المقال، ص 7، 8-9.

[3] أنظر حول قضيّة جاليليو Allègre, p. 11-52 ؛ نص الخطاب البابوي في Le cas Galilée, p. 1071-1074

[4] أنظر حول نظريّة إبن باز مجلّة الكفاح العربي، 27/11/1995.

[5] أنظر الجزء الثاني، القسم الأوّل، الفصل الثاني، الفرع الأوّل، الرقم 2).

[6] محاكمة طه حسين، ص 32 و37.

[7] محاكمة طه حسين، ص 52-53.

[8] محاكمة طه حسين، ص 69-70.

[9] Maïmonide: Le livre de la connaissance, p. 97-98

[10] الشعراوي، ص 28-29.

[11] Glass, p. 17

[12] Glass, p. 21

[13] أنظر الجزء الثاني، القسم الأوّل، الفصل الثالث.

[14] Goodman: Jewish circumcision, p. 22-27

[15] طه، ص 72-73.

[16] إسماعيل، ص 216.

[17] طه، ص 72-73. أنظر أيضاً ص 86.

[18] البنّا، ص 86.

[19] باشا، ص 7.

[20] عبد الهادي؛ عبد السلام: موقف الأطبّاء، ص 12 و55.

[21] عبد الهادي؛ عبد السلام: موقف الأطبّاء، ص 14 و79 و81.

[22] أسعد: الخلفيّة التاريخيّة، ص 73.

[23] السعداوي: المرأة والصراع النفسي، ص 73-47.

[24] Tangwa, p. 190

[25] Hosken: The Hosken Report, p. 32

[26] Nous protégeons nos petites filles

[27] أنظر أيضاً على سبيل المثال Sanderson, p. 17 والمقدّمة التي كتبتها Benoîte Groult لكتاب Thiam, p. IV والمقدّمة لكتاب ألماني حديث صادر عن حركة «أرض النساء» Schnüll: Einleitung, p. 14-15

[28] Dorkenoo, p. 52

[29] أنظر نقد لأقوال هذه الكاتبة في تقرير فرع برمودا لمنظّمة العفو الدوليّة Bodily integrity for both, p. 7-8, 22-23

[30] طوبيا، ص 13

[31] Female genital mutilation, an overview

[32] السرجاني، ص 82.

[33] رمضان، ص 76.

[34] الفنجري، ص 15-16. أنظر أيضاً فيّاض، ص 27؛ عويس، ص 9.

[35] السكّري ص 40-41؛ أنظر أيضاً ص 35.

[36] Toubia: Evolutionary cultural ethics, p. 4-5

[37] Zwang: Les mutilations sexuelles féminines, p. 24; Zwang: Functional and erotic consequences, p. 71

[38] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 52-54

[39] Goldman: Circumcision the hidden trauma, p. 34

[40] Scott, p. 9

[41] Taylor (et al.): The prepuce

[42] Ritter, p. 11-2/11-4

[43] Cold; Taylor: The prepuce, p. 34

[44] Ritter, p. 9-1/9-10-3

[45] السعداوي: حقائق الطب الجديدة، ص 70.

[46] أنظر الملحق 1 في آخر الكتاب.

[47] أنظر الملحق 7 في آخر الكتاب.

[48] أنظر الملحق 13 في آخر الكتاب.

[49] Wallerstein: Circumcision: an american health fallacy, p. 170

[50] السعداوي: حول رسالة الطبيبة الشابّة.

[51] El-Saadawi: The hidden face of Eve, p. 35

[52] عبد السلام؛ حلمي: مفاهيم جديدة، ص 60-61.

[53] Llewellyn, p. 473-474

[54] Ritter, p. 28-1

[55] Boyd, p. 136

[56] Boyd, p. 135-137

[57] Ritter, p. 3-1

[58] عبد السلام؛ حلمي: مفاهيم جديدة، ص 59.

[59] أنظر الملحق 25 في آخر الكتاب.

[60] Romberg: Circumcision, p. 66-67

[61] Goldman: The psychological impact, p. 98

[62] Goldman: Circumcision the hidden trauma, p. 7

[63] American Academy of Pediatrics, Task Force on Circumcision: Circumcision Policy Statement (RE9850) .

[64] Fleiss: An analysis, p. 392-393

[65] Weiss;Weiss

[66] مذكور في محمود: حكم الإسلام، ص 25.

[67] Goldman: Circumcision the hidden trauma, p. 10-13

[68] Goldman: Circumcision the hidden trauma, p. 13-16

[69] Goldman: Circumcision the hidden trauma, p. 16-17

[70] Goldman: Circumcision the hidden trauma, p. 18-19

[71] Goldman: Circumcision the hidden trauma, p. 20-24

[72] Goodman: Jewish circumcision, p. 22-23

[73] Goldman: Circumcision the hidden trauma, p. 8

[74] Goldman: Circumcision the hidden trauma, p. 33

[75] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 135-138

[76] Goldman: Circumcision the hidden trauma, p. 188-189

[77] Goldman: Circumcision the hidden trauma, p. 191-192

[78] Fletcher, p. 267-268

[79] النص الكامل في الملحق 25 في آخر الكتاب.

[80] Romberg: Circumcision, p. 127

[81] Goodman: Jewish circumcision, p. 25

[82] Romberg: Circumcision, p. 125

[83] Dirie, p. 64-77

[84] غبّاش، ص 190.

[85] Lightfoot-Klein: Prisoners, p. 140-141

[86] Van Howe: Anaesthesia, p. 67, 86-88

[87] أنظر: أسعد: الخلفيّة التاريخيّة، ص 89؛ رزق، ص 77-78؛ عبد السلام: التشويه، ص 15.

[88] Hoffman, p. 217

[89] Barth (editor): Berit Mila, p. 202

[90] Romberg: Bris Milah, p. 61-63

[91] Romberg: Circumcision, p. 99-100

[92] Boyd, p. 116

[93] Conant and Katz Sperlich: Nurses, p. 187

[94] Van Howe: Anaesthesia, p. 88-90

[95] سليم: دليل الحيران، ص 56.

[96] Lightfoot-Klein: Prisoners, p. 36

[97] Van Howe: Anaesthesia, p. 73-85

[98] Boyd, p. 115

[99] Kenyatta, p. 104, 106

[100] It's a boy, film by Victor Schonfeld, 1995, Broadcast Channel 4 TV, 21 Sept 1995; Price: Male non-therapeutic circumcision, p. 432

[101] Romberg: Bris Milah, p. 94-95

[102] Romberg: Bris Milah, p. 57-58

[103] Female genital mutilation: report, p. 9

[104] Kilanowski, p. 166

[105] Lightfoot-Klein: Prisoners, p. 22-23, 59

[106] Tangwa, p. 187

[107] Bulletin (du Comité inter-africain), no 14, juillet 1993, p. 11-12 أنظر في نفس المعنى Hosken: The Hosken Report, p. 326, 327

[108] Gallo: La circoncisione femminile in Somalia, p. 158

[109] Favazza, p. IX-X

[110] Barth (editor): Berit Mila, p. 164

[111] Le Talmud de Jérusalem, tome VII, p. 9

[112] لويس، ص 81-82.

[113] النزوي: المصنّف، جزء 2، ص 44.

[114] أنظر الجزء الثاني، القسم الثالث، الفصل السابع، الرقم 7).

[115] الجاحظ: الحيوان، جزء 7، ص 25-27.

[116] أنظر نصّه في الجزء الأوّل، الفصل الأوّل، الرقم 4).

[117] النص العربي في Albucasis, p. 401

[118] النص العربي في Albucasis, p. 9

[119] النص العربي في Albucasis, p. 167-169

[120] أنظر الجزء الثاني، القسم الأوّل، الفصل الثالث.

[121] باشا، ص 64-65. ونفس التتفيه لمخاطر الختان نجده عند القادري، ص 100 وعند البار: الختان، ص 107-109

[122] Wiswell: Routine neonatal circumcision; Warner; Strashin: Benefits and risks of circumcision

[123] Wiswell.: Routine neonatal circumcision

[124] American Academy of Pediatrics, report of the Task force on circumcision, Pediatrics, 1989

[125] Wiswell (et al.): Risks from circumcision

[126] Romberg: Circumcision, p. 198

[127] Denniston: Circumcision: an iatrogenic epidemic, p. 106

[128] Denniston; Milos (editors): Sexual mutilations, preface, p. V-VI

[129] Denniston: Circumcision: an iatrogenic epidemic, p. 106

[130] Bodily integrity for both, p. 42

[131] NOCIRC Newsletter, Fall/Winter 1995

[132] Denniston; Milos (editors): Sexual mutilations, preface, p. V-VI. See also أنظر أيضاً بخصوص مضاعفات ختان الذكور في هذه القبيلة مقال Crowley; Kesner, p. 318-319 ;. وأنظر أيضاً مقالات جرائد حول هذه المضاعفات في تلك القبيلة في نهاية كتاب Bodily integrity for both

[133] Crowley; Kesner, p. 320

[134] ما عدا ما سنذكره ضمن نصّنا، نعتمد هنا على المصادر التالية: Romberg: Circumcision, p. 199-231; Ritter, p. 5-2/5-6; Warren: NORM UK, p. 93; Zwang: Functional and erotic consequences, p. 73-74; Cold; Taylor: The prepuce, p. 41

[135] Romberg: Circumcision, p. 171

[136] عمّار، ص 50.

[137] Denniston: Circumcision: an iatrogenic epidemic, p. 106

[138] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 158-160; Romberg: Circumcision, p. 225; Zoossmann-Diskin; Blustein: p. 344

[139] Glass, p. 20- 21

[140] Zoossmann-Diskin; Blustein, p. 344

[141] Goodman: Jewish circumcision, p. 23

[142] Cold; Taylor: The prepuce, p. 42

[143] إبن حزم: المحلّى، جزء 10، ص 458.

[144] نقلاً عن الترجمة الإيطاليّة Nefzaoui, p. 302 . يلاحظ أن هذا التفصيل غير موجود في الطبعة العربيّة: النفزاوي، ص 110.

[145] إبراهيم: الختان، ص 7-8. أنظر أيضاً ص 11.

[146] إبراهيم: الختان، ص 17.

[147] Sanderson, p. 21

[148] Cook, p. 54

[149] El-Dareer, p. 28

[150] Koso-Thomas: The circumcision, p. 29

[151] ما عدا ما سنذكره ضمن نصّنا، نعتمد هنا على المصادر التالية: الممارسات التقليديّة الضارّة: ص 18-21؛ عبد السلام؛ حلمي: مفاهيم جديدة، ص 74-78؛ رزق، ص 26-31؛ عبد السلام: التشويه الجنسي، ص 14-18؛ مهران، ص 58-64؛ Sanderson, p. 40; Lightfoot-Klein: Prisoners, p. 57-60; Zwang: Functional and erotic consequences, p. 67-68; Female genital mutilation, an overview, p. 25-36; Kalthegener; Ruby: Zara Yacoub, p. 85

[152] Lightfoot- Klein: Prisoners, p. 56

[153] Thiam, p. 102-103

[154] Dirie, p. 76-77

[155] Odent, p. 121-124

[156] Philon: De specialibus legibus, I-II, p. 17

[157] Philon: Questiones et solutiones in Genesim, III-VI, p. 107

[158] الملحق 25 في آخر الكتاب.

[159] Barth (editor): Berit Mila, p. 124-125

[160] إبن العسّال، جزء 2، ص 418-421.

[161] Thomas d'Aquin, vol. 4, p. 524 et 525

[162] أنظر الملحق 1 في آخر الكتاب.

[163] المنّاوي: فيض القدير، جزء 3، ص 503.

[164] Sorrells, p. 336

[165] Fleiss: Where is my foreskin?, p. 41; Cold; Taylor: The prepuce, p.1 and 37-38; Laumann, p. 1052-1057

[166] Ritter, p. 12-4, 15-1; Romberg: Circumcision, p. 173; Warren: Norm UK, p. 89; Zwang: Functional and erotic consequences, p. 71; O'Hara; O'Hara, p. 79-84; Hammond: A preliminary poll, p. 87

[167] Ritter, p. 15-1

[168] Hammond: A preliminary poll, p. 85, 88; Ritter, p. 17-1

[169] Romberg: Circumcision, p. 171

[170] Ritter, p. 27-1

[171] Hammond: A preliminary poll, p. 86, 88

[172] Money; Davison, p. 291

[173] Goldman: Circumcision the hidden trauma, p. 39-40; Boyd, p. 111-112; Romberg: Circumcision, p. 172-173

[174] Zoossmann-Diskin; Blustein : p. 344 ; أنظر أيضاً Hecht: The cutting edge, p. 14-15

[175] رمضان، ص 67.

[176] مقدّمة كتاب إبن عساكر: تبيين الإمتنان، ص 12.

[177] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 115-116

[178] Vatsyayana: Kamasutra, p. 37

[179] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 116-118; Ritter, p. 30-1

[180] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 118-121

[181] Zwang: Functional and erotic consequences, p. 74

[182] O'Hara; O' Hara, p. 79-84

[183] intact-l@cirp.org Message from lbisque@atlantic.net, 16. June 1999, sent to

[184] أنظر الجزء الثاني، القسم الثالث، الفصل السابع، الرقم 5).

[185] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 59-60

[186] Romberg: Circumcision, p. 174-175

[187] Kenyatta, p. 127

[188] أنظر الجزء الثاني، القسم الثالث، الفصل الثاني، الرقم 2)، حرف ط).

[189] الجاحظ: كتاب الحيوان، جزء 7، ص 27-29.

[190] أنظر مثلاً النزوي: المصنّف، مجلّد 1، ص 40.

[191] إبن تيمية: فقه الطهارة، ص 69.

[192] إبن تيمية: فتاوى النساء، ص 17.

[193] أنظر الملحق 1 في آخر الكتاب. ويعيد علينا مؤلّف حديث هذا الكلام. الجمل، ص 15.

[194] الباجي: كتاب المنتقى، جـ 7، ص 232.

[195] السعداوي: المرأة والجنس، ص 29-30.

[196] مهران، ص 63.

[197] الحديدي، ص 68. أنظر أيضاً عمّار، ص 51-52.

[198] Zwang: Functional and erotic consequences, p. 70-71

[199] Zwang: Les mutilations sexuelles féminines, p. 25

[200] أنظر الملحق 7 في آخر الكتاب.

[201] السكّري ص 36. أنظر أيضاً السيّد، مقدّمة كتاب إبن عساكر: تبيين الإمتنان، ص 31؛ السيّد: حكم ختان النساء، ص 34-35.

[202] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 186-187

[203] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 177-178

[204] Rathmann: Female circumcision, p. 115-120

[205] Wollman: Female Circumcision

[206] Burt: Surgery of Love

[207] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 188-190; Hodges: A short history, p. 32

[208] Kellison: Circumcision for women

[209] Kellison: 100$ Surgery

[210] Walden: Letter to the Editor

[211] Isenberg; Elting: A guide to sexual surgery أنظر للتفاصيل Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 183-184

[212] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 183-185

[213] www.circlist.org/canatomyfemale.html

[214] www.circlist.org/canatomyfemale.html

[215] Kamara

[216] Assaad: Female circumcision in Egypt, p. 24 ; أنظر أيضاً Giorgis, p. 31-33

[217] Lightfoot-Klein: Prisoners, p. 80-81

[218] El-Dareer, p. 48

[219] Lightfoot-Klein: Prisoners, p. 83-87

[220] Couchard, p. 147-148

[221] Kamara

[222] Couchard, p. 145

[223] Lightfoot-Klein: Prisoners, p. 91-93

[224] Lightfoot-Klein: Prisoners, p. 23, 87-90 . أنظر كذلك في الصومال Gallo; Viviani: Il ruolo dell'olfatto

[225] Lightfoot-Klein: Prisoners, p. 8, 78, 119-121

[226] Female genital mutilation: an overview, p. 35

[227] الغوّابي، ص 55.

[228] النفزاوي، ص 167.

[229] Sanderson, p. 52

[230] Rapport du séminaire régional sur les pratiques traditionnelles, Addis Abeba, 1987, p. 101

[231] الممارسات التقليديّة، ص 23.

[232] Koso-Thomas: The circumcision, p. 8-9, 11

[233] Ombolo, p. 101-102

[234] Lightfoot-Klein: Prisoners, p. 58-59

[235] Lightfoot-Klein: Prisoners, p. 60, 98

[236] Lightfoot-Klein: Prisoners, p. 104-105, 125

[237] Goldman: Circumcision the hidden trauma, p. 142

[238] أنظر الملحق 24 في آخر الكتاب.

[239] أمين: قاموس العادات، ص 188.

[240] الحديدي، ص 69-70.

[241] عمّار، ص 52. أنظر أيضاً مهران، ص 63؛ الفنجري، ص 16 و21-22؛ El-Masry, p. 56-59

[242] El-Masry, p. 31

[243] الغوّابي، ص 56-57.

[244] السيّد: حكم ختان النساء، ص 48 و68 و70.

[245] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 33

[246] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 195-196

[247] Romberg: Circumcision, p. 175-177

[248] Goldman: Circumcision the hidden trauma, p. 144

[249] Goldman: Circumcision the hidden trauma, p. 39

[250] Cold; Taylor: The prepuce, p. 1 ; Laumann, p. 1052-1057; O'Hara; O'Hara, p. 79-84

[251] Favazza, p. 219

[252] Bigelow, p. 52-53

[253] Boyd, p. 90

[254] Boyd, p. 141

[255] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 190

[256] Abd-el-Salam: Female sexuality, p. 75

[257] المنتخب من السُنّة، مجلّد 3، ص 97، هامش 1.

[258] رمضان، ص 53.

[259] Goldman: Circumcision the hidden trauma, p. 144-148

[260] O'Hara; O'Hara, p. 82

[261] Immerman; Mackey: A proposed relationship, p. 369-373

[262] Immerman; Mackey: A proposed relationship, p. 371-372

[263] Immerman; Mackey: A proposed relationship, p. 374; see also Immerman; Mackey: A biocultural analysis, p. 265-275

[264] Aldeeb Abu-Sahlieh: To mutilate, p. 593

[265] الغوّابي، ص 56-57.

[266] مهران، ص 63.

[267] عبد السلام: التشويه، ص 17-18؛ عبد السلام؛ حلمي: مفاهيم جديدة، ص 79. أنظر أيضاً رزق، ص 34؛ الفنجري، ص 15-16 و23-24.

[268] Koso-Thomas: Aperçu, p. 120

[269] Koso-Thomas: The circumcision, p. 11

[270] Lightfoot-Klein: Prisoners, p. 95-96, 101

[271] Rapport du séminaire régional sur les pratiques traditionnelles, Addis Abeba, 1987, p. 108; Female genital mutilation: an overview, p. 8

[272] Lightfoot-Klein: Prisoners, p. 7

[273] الحديدي، ص 68-69.

[274] Ombolo, p. 153

[275] Denniston: Circumcision: an iatrogenic epidemic, p. 104

[276] أنظر الجزء الثاني، القسم الأوّل، الفصل الرابع، الفرع الأوّل، الرقم 1) حرف هـ)، والجزء الثاني، القسم الثالث، الفصل الثامن، الرقم 1) حرف هـ).

[277] Erodoto: Le storie, vol. 1, p. 179-180

[278] Philon: De specialibus legibus, I-II, p. 15

[279] إبن العربي: أحكام القرآن، القسم الأول، ص 37.

[280] أنظر الملحق 1 في آخر الكتاب.

[281] الجزء الثاني، القسم الثالث، الفصل السادس، الرقم 1).

[282] البار: الختان ص 80.

[283] الجزء الثاني، القسم الثالث، الفصل الثاني، الرقم 2) حرف ج).

[284] القادري: الختان، ص 99.

[285] أنظر الملحق 7 في آخر الكتاب. أنظر أيضاً في هذا المعنى السكّري، ص 63.

[286] أنظر الملحق 13 في آخر الكتاب.

[287] رمضان، ص 55-56.

[288] Koso-Thomas: The circumcision, p. 7, 10

[289] Lightfoot-Klein: Prisoners, p. 9

[290] Lightfoot-Klein: Prisoners, p. 60

[291] DeMeo: The geography, p. 3

[292] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 68; Romberg: Circumcision, p. 2-3

[293] Goldman: Circumcision the hidden trauma, p. 59-60

[294] مذكور في Romberg: Circumcision, p. 23

[295] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 67-68

[296] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 75

[297] Ritter, p. 7-1/8-2

[298] Ritter, p. 3-1

[299] القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، جزء 12، ص 105-106.

[300] إطفيش، مجلّد 14، ص 559.

[301] أنظر هذه الفتوى في الريامي، ص 68-71.

[302] الجزيري، جزء 5، ص 152.

[303] إبن حزم: المحلّى، جزء 11، ص 392-393.

[304] أنظر حول موقف الفقه من الإستمناء موسوعة الفقه الإسلامي، تحت كلمة «الإستمناء»، مجلّد 8.

[305] علوان، جزء 1، ص 229-230.

[306] الريامي، ص 42-43.

[307] Serhane, p. 153-155 .

[308] رواه مسلم، حديث رقم 3398.

[309] علوان، جزء 1، ص 232-237. أنظر كذلك الريامي، ص 72-82.

[310] كشك، ص 77.

[311] القبّاني، ص 178.

[312] القبّاني، ص 179 أنظر أيضاً الحسيني، ص 41-42.

[313] Dingwall: Male infibulation, p. 33

[314] Dingwall: Male infibulation, p. 49

[315] السكّري، ص 64. أنظر أيضاً السيّد: مقدّمة كتاب إبن عساكر: تبيين الإمتنان، ص 12-13.

[316] أنظر الملحق 13 في آخر الكتاب.

[317] أنظر الملحق 13 في آخر الكتاب.

[318] الغوّابي، ص 62. أنظر أيضاً عمّار، ص 47؛ الجمل، ص 52.

[319] رمضان، ص 60.

[320] Erlich: La mutilation, p. 61

[321] Lightfoot-Klein: Prisoners, p. 23, 87-90 . أنظر كذلك في الصومال Gallo; Viviani: Il ruolo dell'olfatto

[322] Rosner, p. 104-105

[323] Stengers; Van Neck, p. 41-48

[324] أنظر حول هذا الكتاب Stengers; Van Neck, p. 49-64

[325] Stengers; Van Neck, p. 65-72

[326] Stengers; Van Neck, p. 72-89

[327] Stengers; Van Neck, p. 70-72

[328] Stengers; Van Neck, p. 105

[329] Stengers; Van Neck, p. 12-13

[330] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 32-37

[331] Goldman: Circumcision the hidden trauma, p. 58-59

[332] Stengers; Van Neck, p. 135-151

[333] Stengers; Van Neck, p. 180-188

[334] Stengers; Van Neck, p. 49-64

[335] Lorenzoni, p. 15-16

[336] Stengers; Van Neck, p. 19-28

[337] Goldman: Circumcision the hidden trauma, p. 59

[338] Stengers; Van Neck, p. 124-128; Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 32-37

[339] Dingwall: Male infibulation, p. 51-52

[340] Favazza, p. 190; Dingwall: Male infibulation, p. 54-56

[341] Erlich: Les mutilations sexuelles, p. 73

[342] Hodges: A short history, p. 19

[343] Hodges: A short history, p. 23

[344] Hodges: A short history, p. 25

[345] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 122-124; Romberg: Circumcision, p. 97-98

[346] Editor: Routine circumcision at birth?, p. 201

[347] Sorrells, p. 332

[348] Spock: Letter to Editor

[349] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 125-126

[350] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 13-14, 170-172

[351] Platon: Timée, p. 467-468

[352] Stengers; Van Neck, p. 124-128; Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 32-37

[353] Favazza, p. 195

[354] أنظر حول هذا الطبيب Kaziz; Fleming

[355] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 122-124; 170-172; Romberg: Circumcision, p. 98-99

[356] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 125, 172-175

[357] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 174-175

[358] Philon: De specialibus legibus, I-II, p. 15

[359] Philon: Questiones et solutiones in Genesim, III-VI, p. 109-111

[360] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 174-175

[361] Hodges: A short history, p. 23-24

[362] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 2, 30-40

[363] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 37-39

[364] Hodges: A short history, p. 25

[365] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 127-134; Ritter, p. 34-1

[366] Soubhy, p. 128-129

[367] Lightfoot-Klein: Prisoners, p. 39-39

[368] Koso-Thomas: The circumcision, p. 9, 11-12

[369] Favazza, p. 152

[370] باشا، ص 54. والمصدر الذي يشير إليه هو Fink: Circumcision: a parent's decision for life

[371] البار: الختان، ص 98. والمصدر الذي يشير إليه هو Schoen: The status of circumcision of newborns

[372] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 37

[373] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 12-13

[374] Hodges: A short history, p. 21; Hirshfeld: The Jewish circumcision

[375] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 37

[376] Middle East International, 22 November 1985, p. 15

[377] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 37

[378] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 20-21

[379] Hodges: A short history, p. 27

[380] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 20-21, 85

[381] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 81-87

[382] Van Howe: Does circumcision influence, p. 58

[383] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 87

[384] أنظر الملحق 8 في آخر الكتاب. أنظر أيضاً رأي الشيخ نصّار علاّم في الملحق 4 في آخر الكتاب؛ السيّد، مقدّمة كتاب إبن عساكر: تبيين الإمتنان، ص 12 و13؛ السكّري، ص 43 و64؛ القادري، ص 95-96.

[385] باشا، ص 41-45 و50-51.

[386] باشا، ص 43.

[387] باشا، ص 44.

[388] رمضان، ص 61.

[389] أنظر الملحق 21 في آخر الكتاب.

[390] Hodges: A short history, p. 26

[391] Hodges: A short history, p. 27

[392] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 37

[393] Hodges: A short history, p. 29

[394] Fleiss.: An analysis, p. 396-397

[395] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 96

[396] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 88-91

[397] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 105-108

[398] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 91-92

[399] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 110-112

[400] Schoen: The relationship between circumcision and cancer of the penis

[401] Fleiss: An analysis, p. 385

[402] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 100-101

[403] Wiswell: Circumcision circumspection

[404] Wiswell: Circumcision - an update

[405] Fleiss: An analysis, p. 386-387

[406] Barth (editor): Berit Mila, p. 196

[407] أنظر النص الإنكليزي في Bodily integrity for both, p. 27

[408] Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 109

[409] Denniston: Circumcision: an iatrogenic epidemic, p. 106

[410] Marx: Circumcision may protect against the AIDS virus

[411] Simonsen (et al.): Human immunodeficiency

[412] باشا، 57-58.

[413] سليم: دليل الحيران، ص 50.

[414] رزق، ص 29.

[415] Fink: A possible explanation for heterosexual male infrection with AIDS

[416] United Press International, release date: october 29, 1986

[417] Hodges: A short history, p. 35

[418] Van Howe: Neonatal circumcision, p. 99-100

[419] Kreiss; Hopkins

[420] Fleiss: An analysis, p. 393-396

[421] Fleiss: An analysis, p. 393-394

[422] Ritter, p. 33-2

[423] Ritter, p. 35-1; Van Howe: Does circumcision influence, p. 59

[424] Van Howe: Neonatal circumcision, p. 100-120

[425] Ritter, p. 33-2

[426] النص العربي في Albucasis, p. 395

[427] Mestiri: Abulcassis, p. 135, note 2

[428] القادري، ص 67-70.

[429] باشا، ص 33؛ البار: الختان، ص 81-82.

[430] Hodges: The history of phimosis, p. 37-40

[431] Hodges: The history of phimosis, p. 40-44

[432] Hodges: The history of phimosis, p. 44-46

[433] Hodges: A short history, p. 27

[434] Hodges: The history of phimosis, p. 46-51

[435] Hodges: A short history, p. 27

[436] Gairdner: The fate of the foreskin

[437] Hodges: A short history, p. 28

[438] Hodges: A short history, p. 28

[439] ?ster: Further fate of the foreskin

[440] Hodges: The history of phimosis, p. 51-54

[441] Donnell, p. 63-64

[442] Pang; Kim; Kim: Male circumcision in South Korea, p. 74-75

[443] Warren: Norm UK, p. 91

[444] Rickwood, p. 49

[445] Urinary tract infection

[446] باشا، ص 37-39.

[447] Wiswell: Declining frequency of circumcision

[448] Wiswell: Routine neonatal circumcision

[449] Wiswell: Routine neonatal circumcision

[450] البار: الختان، ص 77.

[451] Hodges: A short history, p. 33

[452] Denniston: Circumcision: an iatrogenic epidemic, p. 105-106

[453] Fleiss: An analysis, p. 397

[454] Warren: NORM UK, p. 97

[455] Goldman: Circumcision the hidden trauma, p. 30-31

[456] Prescott: Genital Pain, p. 14

[457] Ritter, p. 32-1

[458] Rickwood, p. 49

[459] النص العربي في Albucasis, p. 393-395

[460] القادري، ص 76-77.

[461] Warren: Norm UK, p. 91-92

[462] Lander: The human prepuce, p. 83

[463] Romberg: Circumcision, p. 341-342

[464] Rickwood: Medical indications for circumcision, p. 48

[465] AAP: Care of the uncircumcised penis, 1984; Ritter, p. 36-2

[466] أنظر مثلاً مقال Crowley; Kesner, p. 320-321

[467] كما يظهر في سفر التكوين، فصل 25 و27 و28. أنظر بخصوص تلك الروايات اليهوديّة Ginzberg, vol. V, p. 273

[468] The Talmud of the Land of Israel, vol. 11, Shabbat, p. 459; Babylonian Talmud, vol. XIII.C: Tractate Yebamot, chap. 7-9, p. 49

[469] Martial: Epigrammes, 7:35:1-4 . أنظر الرسم في Brandes; McAninch, p. 109

[470] Celsus: De medicina, book VII, 25, p. 421-425

[471] أنظر رسم العمليّتين في Brandes; McAninch, p. 110

[472] Josephus: Jewish antiquities, VII, 241, p. 123

[473] Schultheiss, p. 288-290 ;. بخصوص الجزء التاريخي، أنظر Bigelow, p. 61-68

[474] Schultheiss, p. 290; Brandes; McAninch, p. 111

[475] Brothers United for Future Foreskin - BUFF

[476] Uncircumcising information and resources center - UNCIRC

[477] Burrington

[478] Griffiths, p. 297, 301

[479] بخصوص تاريخ إسترجاع الغلفة في العصر الحديث، أنظر Bigelow, p. 121-130; Schultheiss

[480] Bigelow ومقال «جون وارين» Warren: Foreskin restoration

[481] إبحث تحت عبارة Foreskin restoration

[482] أنظ صور إستعادة الغلفة في http://www.eskimo.com/~gburlin/restore/restdis.html

[483] Boyd, p. 144

[484] Boyd, p. 123

[485] Penile enlargement

[486] Goldman: Letter to the author

[487] Bigelow, p.113-117 . أنظر أيضاً مقال Warren: Foreskin restoration ومقال Griffiths ومقال Lander: The man behind restoration

[488] أنظر في هذا المعنى أيضاً Boyd, p. 112

[489] Erlich: Les mutilations sexuelles, p. 92. See also Mohl (et al.): Prepuce restortion seekers; Brandes; McAninch, p. 112

[490] Griffiths, p. 300

[491] Hammond: A preliminary poll, p. 87 . أنظر شهادات رجال إستعادوا غلفتهم في كتاب Ritter, p. 20-1/20-3

[492] Griffiths, p. 302

[493] Third regional conference on traditional practices, Addis Ababa, 1994, p. 162

[494] Dirie, p. 208-221

[495] القدس العربي، 16/10/1998.

[496] Iaria: Several accounts, p. 29

[497] Denniston: Circumcision: an iatrogenic epidemic, p. 104

[498] أنظر حول تعبير «الوباء الطبّي» Erlich: La mutilation, p. 108-110

[499] أنظر نقد هذا القرار Boyle: Ending the forced genital cutting of children, p. 6-7

عودة