حارة النصارى

ولكن كل المشكلات لها حلول … فاجتمعنا بالمسجد وتشاور الشيوخ فيما بينهم ونحن بينهم ومعهم وتوصلنا الى الاتى :

يقوم شاب بقيادة موتوسيكل بشرط أن يكون من خارج القرية … ويقوم بالتصادم بالدراجة فى محاولة لتحطيمها وإصابة المدرس ومن يقله .

مقابل مبلغ مجز من المال … وفى أول محاولة … كسرت ساق المدرس وتحطمت الدراجة ولم يستطع أحد أن يتعرف على سائق الموتوسيكل … وانقطع المدرس عن المدرسة لمدة شهر كامل … فكان أن قامت إدارة المدرسة بإحضار مدرس آخر لكنه كان يأتى للمدرسة سيرا على الأقدام فكان هدفا سهلا للتعرض له والاعتداء عليه ومنعه نهائيا من الحضور … وبعدها قرر المدرسون رفض تدريس المادة بالمدرسة تلك !! وعندها تحرك المدرسان اللذان نشارك بهما فى المدرسة لاجبار الأطفال المسيحيين على حضور حصة الدين الاسلامى … لكن أهالى التلاميذ النصارى لما علموا بالواقعة اعترضوا بشدة وكادت تحدث مشاجرة بين الأهالي النصارى وبين أهل المدرس صاحب الفكرة … وفى أثناء ذلك قال الاسطى " جورج " :

- احنا معندناش مشكلة من ان الولاد تحضر حصة الدين الاسلامى خالص لكن مش بالعافية … ياجماعة دا احنا مسيحيين أة لكن عندنا المصحف فى بيتنا عشان احنا بنحب كل الناس … لكن مين فيكم انتم يامسلمين عنده إنجيل ولا توراة فى بيته ؟ ( عندها التقطت الحوار معه وبادرته بالإجابة ) :

- انت محتفظ بالمصحف فى بيتك لانك عارف ومتأكد انه كتاب ربنا وان فيه هدى ونور لكن لو كان انجيلك ده فعلا كتاب ربنا احنا كنا شيلناه فوق روسنا من فوق وحطيناه فى بيوتنا كمان .

عندها شعر الاسطى " جورج " بأن الأمر سيتطرق الى مشاجرة كلامية فانصرف .

كان اسم حارتنا مصدر قلق وانزعاج لجميع المسلمين ليس فقط الذين فى الحارة بل جميع القرية ولا يدرى أحد من ذا الذى أطلق عليها هذا الاسم وكانت هناك رغبة ملحة فى تغيير وإزالة هذا الاسم من ذاكرة الناس بالقرية وخارجها … وكنا نرى أن الحل هو إجبار سكان الحارة من المسيحيين على تركها وبرغم النجاح النسبى إلا أن الاسم ما زال قابعا عليها ملتصقا بها بجدرانها وأذهاننا جميعا حتى المعترضين من وكأنه القدر المحتوم .

وبعد فتة من الهدوء المؤقت … ترامى الى مسامع شيوخ الحارة أن النصارى مزمعين على بناء برج للكنيسة المأفونة والمدفونة وسط منازل المسيحيين وتعليق جرس به وعكف جميع شيوخ الحارة على دراسة الظاهرة الجديدة من الناحية الشرعية فوجدوا بعد البحث والتنقيب أنه طبقا لما تعاهد عليه الخليفة الثالث عمر بن الخطاب عند دخول بيت المقدس مع بطريرك النصارى فى البند الحادى عشر بأنه لايدق جرس ولاترمم كنيسة أو دير ولا تقام للنصارى أبراج للكنائس … فخرجت فتوى الحارة وقالت شيوخ " حارة النصارى " كلمتهم على لسان مشايخها بتحريم ارتفاع البرج وترميمه ومقاومة ذلك بكل الطرق وقامت الدنيا فى حملة قومية ثنائية الهدف … هدفها الأول هو إثارة الغيرة والحمية الدينية ضد النصارى ووقف تطوير الكنيسة والثانى هو جمع التبرعات لبناء مسجد عملاق ملاصق للكنيسة لإذاعة القرآن منه ليل نهار للتشويش على الأصوات المنبعثة من الكنيسة أثناء " قداساتهم " وعند بدء التنفيذ ذهب صفوة شيوخ الحارة الى عضو مجلس الشعب شافعين شكواهم بالتبرير الشرعى من تاريخ الدولة الإسلامية والتشريعات التى تحدد تعامل الدولة الإسلامية مع أهل الكتاب وأهل الذمة … ولكنه لم يفعل شئ … !! ثم قاموا بإرسال الشكاوى لوزارة الأوقاف وشئون الأزهر حول نفس الموضوع ولكن كلهم بدون جدوى .

وهنا كان القرار " اللجوء الى القدرات الذاتية " …… " التنفيذ الذاتى " وعقدت مساء يوم الخميس جلسة بالمسجد للتشاور حول ما يجب عمله واستمرت الجلسة حتى الفجر … وقد حضرها لفيف من الشباب الذين يتمتعون بحمية دينية مرتفعة ويحملون فى صدورهم قلوب غيورة وكنت أنا من بينهم … وتضاربت الأقوال والآراء والحلول وطالت المناقشات وفى نهاية الجلسة تقدمت بفكرة :

- أنا ومحمد وإبراهيم وياسين هنط على الكنيسة من فوق سطح بيت عم " أبو اسماعيل " الذى كان حاضرا أيضا معنا ثم الى الكنيسة لاحراقها ليكون بهذا أول انذار … نقول فيه ان احنا مش بنهذر ولا بنهدد … !!

واقترعوا على ذلك وفازت الفكرة بالاستحسان والغالبية العظمى ممن حضروا الجلسة وتم تحديد الموعد … وقمنا بمعاينة مبدأية للمكان الذى سنتسلل منه الى داخل الكنيسة ونفذنا " بروفة كاملة " وفى الموعد المحدد قمنا بتنفيذ العملية تحت هتافات مدوية … وبعد انتهائنا من العملية تعثرنا فى الرجوع مما أوقع بأحد الافراد فى يد النصارى وتم اصطحابه الى مركز الشرطة وهناك أخبر عنا جميعا … فطلبنا للمركز وتم حبسنا مدة ثلاثة أشهر … عوملنا خلالها أفضل معاملة من جميع رجال الشرطة ضباطا وجنودا الذين تعاملوا معنا كما لو كنا أبطالا فاتحين … وبعد مضى المدة … تم تحرير تعهد من أولياء أمورنا بعدم تكرار ذلك … وكانت المفاجأة عند خروجنا من المركز فاذ بحفلة استقبال لا تقل جمالا أو كثرة من احتفالية المولد النبوى … حملنا على الاعناق وطافوا بنا القرية كلها محفوفين بالهتافات التكبيرية ( الله أكبر ) والزغاريد وبعد أن انتهت زفتنا المثالية تم جمع مبلغ كبير من المال لشراء البيت الملاصق للكنيسة وهدمه واقامة مسجد بدلا منه وتم ذلك فى زمن قياسى جدا جدا … وارتفعت المئذنة عالية ووضع عليها أربع مكبرات للصوت إحداها موجه صوب الكنيسة …

كان للحفاوة التى استقبلنا بها عند خروجنا من المركز أكبر الأثر فى شحذ هممنا ودافع قوى لنا للتمادى فى محاربة أعداء الله … ليس فى حارة النصارى فحسب … بل كل أرجاء القرية … المحافظة … الجمهورية بأسرها … !!

كنا نجتهد فى البحث عن كل نص سواء بالقرآن أو السنة يحدد لنا ملامح علاقتنا بالنصارى أو ان شئت الدقة يقنن أو يشرع لنا علاقتنا بهم التى قد بدأت تحدد … وكانت حارة النصارى هى المفرخ الوحيد لقادة محاربة أعداء الله " الاضطهاد الدينى " .

وفى قريتنا كسائر قرى جمهوريتنا المنازل متراصة ومتلاصقة بجوارها بعضها البعض وكان منزلنا الوحيد فى الحارة فى ذاك الوقت الذى يعلو سطحه طبقة عازلة من الأسمنت تمنع تسرب المياه الى داخله وكان به " مزراب " لتسريب هذه المياه وكان يجاور منزل الحاج عبده الجزار منزل رجل مسيحى يدع " صفوت " كان هذا الرجل من المزارعين وفى الصيف بعد جمع محصول الذرة الشامية يقوم بنثره على السطح بعض الوقت حتى يجف ثم " بقرطه " وبعد ذلك " يحمصه " ويذهب به الى المطحنة لتحويله الى دقيق … فكنا أنا وابن المعلم عبده الجزار … نقوم " بحل " الأغنام واصعادها الى سطح المنزل لتأكل الذرة … وعندما يذهب لاحد أو يأتى لنا للشكوى يكون قولنا :

- دى غنم يا سى صفوت … هى دى بنى آدمين … هنعمل لها ايه !؟

ان ماكنش عاجبك … عزل من هنا لبيت مافيهوش غنم هو فى بيت ما فيهوش غنم ياجدعان ؟!

وكنا عندما يحين فصل الشتاء يتفتق ذهننا عن مكيدة جديدة له ولغيره فكنا نسرب المياه المتجمعة على سطحنا الى سطح المسيحى المجاور لنا … فتسقط فى داخل منزله … كنا سعداء جدا بلا شك مع كل صيحة وشكوى لاى كافر منهم وكان كل بيت فى القرية به ( فرن ) يخبز به العيش الفلاحى ومن لا يمتلك الفرن … كان يخبز بالاتفاق مع شخص آخر بالذهاب اليه والخبز عنده … وكان هذا عرفا شائعا فى القرية كلها يتساوى فى ذلك المسلم والمسيحى .

وذات مرة قررت الحارة منع المسيحيين من دخول منازل المسلمين حتى لخبز العيش ولكن التنفيذ تم بصورة مؤلمة … حيث أن القيام بالخبيز عمليات " ستات البيوت " وهن اللاتى يتعاملن سويا فى مثل هذه الامور … !!

جاءت صباح يوم من أيام حارتنا احدى جاراتنا المسيحيات لامى طالبة منها السماح لها بالقيام بخبز عجينها فوافقت أمى … فذهبت المسيحية الى منزلها تعد عجينها وتجهزه ثم أن جاءت مرة أخرى تستعلم إذ كان الوقت مناسبا الان للمجئ أم لا ؟

فقالت لها أمى :

- معلش يا أم سعد … " العرسة " بتاعة الفرن انكسرت … حتى أنا نفسى ما خبزتش …

( لفت نظر أم سعد أن أمى كانت تقوم بادخال أخر خبزتين كانا قد خرجا لتوهما من الفرن أثناء دخول أم سعد فقالت :

- طب أعمل ايه فى العجين ياحاجة … !!؟

- هو احنا كنا مغسلين وضامنين جنة يامو سعد … ولا كنا بنعلم الغيب يعنى … !؟

وذهبت أم سعد لتلقى بعجينها فى الشارع بعد أن فطنت أن المسألة مسألة اتفاق جماعى من كل أهل الحارة بعدم دخولهم بيوتنا .

وتستمر أحداث حارتي .. ذات الإيقاع السريع .. الذي دائماً ما يكون أسرع من تخيلاتي وتصوراتي .. فاجئني اليوم بوفاة والدي ومعظم شيوخ الحارة أخذوا يرحلون في تظاهرية احتفالية لصالح الموت ولغياب عن الأيام الحاضرة .. وتدخل حارة النصارى فترة من أهدأ الفترات التي مرت عليها لكنها فترة بمثابة الهدوء الذي يسبق لا العاصفة بل الإعصار .. بدأ ذلك الإعصار يوم طلبني والدي قبل حماته بأيام قليلة .. فقد كان يلاحظ حماسي واندفاعي نحو معاداة النصارى الأمر الذي جعله يجادلني على هذا النحو :

ـ دلوقتي يا بني أقدر أموت وأنا مستريح بعدما شفت بعيني ابني ماشي في طريق جهاده في سبيل إعلاء كلمة ربنا ورسوله ..

وحقاً كان قول والدي فقد نجح ليس وحده فقط بل كل الرعيل الأول من الشيوخ قد نجحوا جميعاً في إعداد رجال الصف الثاني الذي سار على نفس النهج بأشد جرأة وحماسة وبصورة أكثر تنظيماً .

وبدأنا نحن شباب حارة النصارى رجال اليوم وكبار رجالات الحارة بل تستطيع أن تطلق علينا رجال البلدة الآن .. نخطط من حين لآخر للتنكيل بهم في محاولة منا لردهم وروعهم عما يقترفونه في حق الله ويتركوا غيهم ويتجهوا إلى الله الواحد … ولشد ما كان هذا اليوم الذي أدعي أنه أسوأ يوم مر على الحارة إذ بدأت عيناي تنفتح على أن الفتيات المسيحيات قد تجرأن ويخرجن من منازلهن سافرات .. متبرجات .. يا لليوم الأسود الذي مر بي .. فما كان باستطاعتهم أن يفعلن هذا وقت كان الرعيل الأول من أسود الإسلام .. شيوخ الحارة على قيد الحياة .. كظمت غيظي لكن أقسمت أمام الله لأنتقمن منهن شر انتقام ولكن يجب علي أولاً أن أعد لذلك جيداً .. وفي حقيقة الأمر لم يكن سلوك الفتيات المسيحيات في الحارة وحده هو الذي كان يشغل تفكيري بل كان هناك أمر أدهى … إذ كان شباب الحارة من المسلمين قد بدأوا ولسابقة هي الأولى من نوعها يتواجهوا بلا أي رادع لمصاحبة شباب الحارة من المسيحيين وها أنا الآن قد اصبح على أن أحارب في جبهتين الأولى ضد النصارى أنفسهم والثانية محاولة إقناع الشباب المسلمين من عدم موالاة النصارى بإبراز ذلك أنه ضد إرادة الله ولكن كيف أقوم بذلك ؟ كيف ؟

بدأت أفكر مع مجموعة من الشباب وهم الذين قاموا معي بعملية تخريب الكنيسة في وضع خطة منظمة ومؤيدة ببراهين من القرآن وسنة الرسول نحو التعامل مع هؤلاء الكفرة لأنه في الحقيقة - كما كنا نسكن أرواحنا - ليس بيننا وبينهم شئ .. إلا حكم الله لأن الرسول أمرنا ألا نحب إلا الله ولا نكره إلا في الله والمسألة التي بيننا وبين النصارى .. هي أنهم كفروا بالله .. فكيف نحب من يكفر بالله .

وبالفعل بدأنا نخطط لذلك ولكن تنقصنا الأموال فقمنا فيما بيننا بالتخطيط لبعض عمليات السطو المسلح على بعض من محلات المسيحية في القرية للحصول على المال الكافي وبالطبع لم تكن هذه سرقة فنحن نقتدي به عملاً بقوله :

( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله .. فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ) . وقوله ( قولوا لا إله إلا الله تعصموا مني دماءكم وأموالكم ) وكان سراج سلوكنا نحو أهل الكتاب عامة والنصارى بخاصة هو ما حدث من النبي محمد مع اليهود في بني قريظة .. حين أخذ أموالهم وأحرق مزارعهم وقتل رجالهم وسبي نساءهم فتلك كانت معالم الطريق نحو سلوكنا في التصدي للكفرة من أهل الكتاب .. كذلك الطريق الإلهي للحصول على التمويل الخاص لأفكارنا .

وبالفعل توفر لدينا مبلغ لا بأس به .. قمنا على أثره بشراء مجموعات من الكتب لمن كنا نعتقد فيهم الإخلاص والأمانة أمثال " الإمام أبو محمد بن حزم الظاهري " فقد كانت كتاباته سيفاً بتاراً على النصارى والمشركين وقد فتح أمامنا الطريق أمامنا هذا في معرفة كلمات الرسول المنيرة بإباحته الكذب على العدو وإباحته التخفي بإظهار عكس ما نبطن وأخذت من هنا الحالة بيننا وبين المسيحيين تدخلاً مدخلاً جديداً وتتخذ لنفسها محيطاً وشكلاً مخالفاً فكنا في السابق تظهر لهم العداء علانية لكنا اليوم بدأنا نعتبر نفسنا في حرب مقدسة معهم مباح فيها ما أباحه الرسول .. فكنا نظهر للمسيحي المحبة والسلام ولكن قلوبنا مليئة بالعداوة والكراهية والانتقام .. واعتقد أن تلك المرحلة هي التي أنهت الهدوء النفسي لدى المسيحيين .. فقد كانت أقسى وأعنف من أي فترة سابقة فكنا نتعمد مصاحبتهم حتى يثقوا فينا جيداً .. ثم ننفذ ما أراده الله ؟ ما يسلب أموالهم أو سبي نساءهم وعلى الصعيد الآخر من الأحداث ازدادت شكاوي النصارى لدى أقسام البوليس بشكل ملحوظ التي تحكي عن قصص تعرض فتياتهن للاعتداء من شباب مسلمين .. والحقيقة أن بلاغاً كهذا كفيل بأن يحرق بلده ريفية كبلدتنا ونسف حارة بسيطة كحارتنا والحقيقة الأخرى أنه كان يصعب على أي مسيحي أن يدرك من هو الشخص الذي كنا ندفعه للقيام بهذه المهمة إذ كانوا جميعهم من خارج القرية والحارة وكان يرتدون الثياب اللائقة بشباب هذا العصر … فلا يخطر على بال أحد أنه من يلبس الجينز ويربي شعره هذا منا نحن من نلبس الجلباب الواحد .. خشن الملمس .. زاهدي الحياة ..

وكانت تمر كل تلك الوقائع ولم تتمكن الشرطة من الإيقاع بأي منهم أبداً … وبهذا فقد بدأت أحقق بالفعل إنجازات على صعيد جبهة المسيحيين بقيت الآن الجبهة الأخرى .. شباب المسلمين الذين يخالون ويصاحبون شباب الحارة الكفرة المسيحيين .

" يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولاهم فلكم فهو منهم".

إن هذه الموالاة في هذا النص هي كل أشكال المحبة والود والعطف والصحيح هو إظهار عكس ذلك نحوهم مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم ( لا تسلموا على أهل الكتاب ولا تبدءوهم بسلام وإن قابلوكم في طريق فاضطروهم لأضيقه ) وفي رواية أخرى ( ضيقوا عليهم الطرقات ) وكذلك قال النبي في تفسير الآية 81 من سورة البقرة في قوله ( وقولوا للناس حسناً ) أن سبب نزول هذه الآية أن ابن عباس وجد أسد بن وداعة كلما خرج من منزله لا يلقى يهودياً ولا نصرانياً إلا سلم عليه .. فقال له بن عباس : ما بالك تسلم على اليهود والنصارى ؟ فقال أسد : إن الله يقول ( وقولوا للناس حسناً ) فقال له : ليس كما تقول .. كيف ذلك ورسول الله نهي عن السلام عليهم .. إنما معنى ( قولوا حسناً ) أي أخبروهم بالإسلام " ابن كثير .

وجاء في القرطبي كذلك وزاد بأن ابن عباس لما رأي أسد يفعل ذلك قال له : كان ذلك في الابتداء

( في أول الإسلام ) لكن الله نسخ ذلك بآية السيف … كانت هذه هي مقدمة الملزمة أو المذكرة التي كنت بدأت في إعدادها لتوزيعها على شباب حارتي من المسلمين وبالفعل فقد جاءت الملزمة بجزء .. هو بالفعل قليل إلى حد ما ولكنها نتيجة إيجابية على أي حال ..

وبالفعل السحري لمرور الزمن بدا تفكيرنا بتطور اكثر فأكثر وكانت تجربتنا في حارة النصارى قد صقلتنا جيداً وأكسبتنا خبرة ومهارة ومقدرة فائقة على المناورة في التعامل التحرشي مع المسيحية … وفي النصف الأخير من سبعينيات القرض المنقضي بدأت حملتنا ضد نصارى الحارة تؤتي ثمارها .. فها هي عائلات غفيرة بدأت ترحل عن الحارة بل عن القرية بأسرها تاركين خلفهم الكثير .. ولكنهم كانوا يجرون أذيال الألم والحسرة والشروخ الغائرة في الكرامة المفقودة وسط غابة من الذئاب الضارية … هكذا كانوا يرددون .. ولكن مرارة هذه الجملة في أذني كانت تذوب عندما كنت أشاهد السيارات تحمل منقولات الأسر الراحلة . كانت في كل مرة تغمرني سعادة عارمة ونشوة خاصة بالنصر حتى سالت دموعي من عيني فرحاً وأنا أهتف بصوت عال لم اقدر على كتمانه - بالرغم من انتقاد الناس لي - ( الله أكبر ، قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ) . وممن وقتها لم تعد فرحتي هذه تخفي نشوة الانتصار في حارة النصارى بل امتد الحلم لتغيير كل حارات وشوارع ومدن مصر كلها … في الشارع .. في المدرسة .. في الجامعة .. في العمل .. لإخضاعهم في كل مكان ولكن يتطلب الأمر الآن بعد التحاقي بالجامعة أن أتحور بأسلوب متطور وفكر متحضر .. فمثلاً لم يكن من السهل على الفرد منا أن يحتفظ بمظهره الإسلامي الخارجي مثل اللحية .. الجلابية .. عند التقرب من الأشخاص المسيحية لإقامة علاقات معهم .. فكنا نغير أشكالنا حسب مقتضيات عملياتنا وأهدافنا .. بدأنا نضع خططاً أوسع وأكثر تنظيماً لأماكن تجمع المسيحية سواء في القاهرة أو الصعيد وكان سلاحنا دائماً هو إذكاء روح الحمية الدينية لدى المسلمين ضد المسيحيين وأذكر الآن واحدة من هذه الحوادث في منطقة " شبرا " عندما خططنا لاقتحام محل أحد التجار المسلمين والاسميين وترك سلسلة ذهبية بها صليب في أرضية المحل حتى يعتقد البوليس أو صاحب المحل أن الجاني مسيحي إذ هنا سيحتدم الصراع ويشتعل لأن ذلك نصراً لله حين يتقاتل الفريقان فالمسلم الاسمي كافر والمسيحي يشاركه الصفة ذاتها وتقاتلهم هو نصر لله كما حدث بين الفرس والروم ( غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ) وتعددت مثل هذه الحوادث في محافظات الصعيد .. وفي هذه الأثناء قد بدأت تبذر على ساحة الأحداث عدة جماعات إسلامية .. كل منها يدعى أنه على حق والآخرون على باطل تصديقاً للحديث الصحيح الذي يقول ( افترقت اليهود على إحدى وسبعون فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعون فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعون فرقة كلهم في النار إلا واحدة .. قيل : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : التي هي على ما أنا عليه ) .

لذلك كان كل منهم يعتمد في فكرة على الكتاب والسنة .. ولكن الاختلاف كان في مرجعية كل فرقة .. فمنهم من يأخذ من ابن تيميه مرجعاً له .. ومنهم من يتخذ من ابن قيم الجوزية مرجعاً آخر .. وأخرى لابن حزم تنتمي وبالفعل أتيحت لنا الفرصة للاطلاع على فكر كل جماعة من الجماعات .. حتى أن حارة النصارى بشبابها المسلم كانت مزرعة على هذه الجماعات فيما عدا جماعة واحدة كانت تدعى ( التكفير والهجرة ) .. فلم يجرأ أحد على الانخراط فيها لتشددها والتزامها الصارم كما تعلمنا ‍‍

وخلال دراستي بالجامعة التي لم تكتمل لم أقدر على أن أحيد عن كراهيتي للنصارى .. رغم الفارق الثقافي والحضري الذي كنت قد بلغته لأن كراهية النصارى كانت تلازمني .. تطاردني في كل ما أقرأ ..

( كان رسول الله إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ثم يقول " اغزوا باسم الله ، في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال : الإسلام ، الجزية ، القتال . وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة بنيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة بنيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك ، وإن أرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك … ) مسلم حـ 2 462 .

وقد قال عمر بن الخطاب ( لا أكرهم ، إذا أهانهم الله ، ولا أعزهم إذا أذلهم الله ، ولا أدينهم إذ أقصاهم الله ) أحكام أهل الذمة حـ1 صـ211

والنص القرآني يصدمني " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " ( التوبة 29 )

وظلت بغضة المسيحيين في قلبي تتسع وتفسح لنفسها مكاناً في قلبي أكبر من أي مكانة أخرى حتى شعرت بنفسي في وقت من الأوقات أن هذا العداء هو الآن عملي الذي أكلف به في الدنيا وذات يوم ذهبت إلى مسجد الكلية لأصلي صلاة الظهر .. وها أن انتهيت من الصلاة حتى برز لي بجواري شاباً يدرس معي في الجامعة .. ذا ملامح إسلامية أصولية .. فهيئته الخارجية يحتفظ فيها بلحية كثيفة .. الأمر الذي كان مدعاة للمضايقات الأمنية المتعددة والكثيرة بالحرم الجامعي في ذات الفترة .. تعارفنا في المسجد وأخبرني أنه من أعضاء جماعة التكفير والهجرة وطلب مني أن نتقابل خارج أسوار الجامعة وحدث هذا بالفعل عدة مرات وتناقشنا في فكر جماعته . أخبرني أن هناك شخص ما بحارتي - حارة النصارى - من أعضاء الجماعة وأنه هو الذي ألح عليهم بالتقاطي ومحاولة ضمي .. وأنه كان يتابع تصرفاتي وأنه قد شعر بإخلاصي نحو الله لذا كان القرار وهو إقناعي بفكر الجماعة " جماعة التكفير والهجرة " أو جماعة " شكري أحمد مصطفى " للاستفادة من حماسي وإخلاصي لله كما قالوا لي … وبعد طول محادثات اقتنعت تماماً بفكر الجماعة بل وملأني إحساس أكيد بأن كل مسلم لا يدين لهذه الجماعة هو كافر حقاً ..

لا أنكر أنه بانضمامي للجماعة بعد أن تقابلت مع الأمير " شكري " وأعطيته " بيعتي " قد طرأ تحول جذري في تفكيري نحو كل القضايا الدينية فلم أعد هذا الشخص الذي يتخذ قراره بنفسه .. لم يعد لي حرية التصرف بعيداً عن إطار رؤية الجماعة والأمير فبدأت أنضبط بالتقنين السلوكي والفكري وهكذا ارتسمت في داخلي ملامحي الجديدة التي أبرزها لي انضمامي لهذه الجماعة التي يتطابق فيها فكر الجماعة إلى حد كبير مع اسمها .. إذ كانت نظرتها للدين الإسلامي قائمة على تكفير مرتكب المعصية .. المصر عليها مهما كان نوعها - المعصية - حتى لو كان تقليم الأظافر ‍‍‍!!!

وبدأت الدنيا تضيق جداً جداً في عيني .. فالدنيا الآن ليست هي الأشخاص الذين نقابلهم في الشارع أو في الجامعة .. لا .. ليسوا من نحيا بينهم .. ليسوا جيراننا وزملائنا بل هم هؤلاء الأشخاص حتى الذين يمثلون الدين القديم .. من يرفعون صحيح الدين فوق كل المصالح والعلاقات .. ومن هذا المنطق أصبحت حارة النصارى ليست هي قراري الأول ولكن أصبحت عائلتي هي الهم الأول .. هذا المنزل الذي أصبح بالنسبة لي حارة أخرى اقصر وأضيق لكنها أصعب .. عنق الزجاجة البداية الجهاد .. فأصبحت مطالب الآن بيني وبين نفسي - انطلاقاً من إخلاص لله وللجماعة وللأمير - بأن أتخذ قراراً ستبنى عليه كثيراً من الأمور .. لا مفر من الحكم على عائلتي بأسرها " بالكفر " !! جميعهم أمي واخوتي وأخواتي .. عمي .. خالي .. جدي .. أبناء عمومتي .. أبناء أخوالي !!!

إن لم يقبلوا الإسلام بصحيحه .. الإسلام الذي نفهمه .. الإسلام الذي ندين به ويعطون البيعة لأميرنا فهم لا مفر " كفار " ( لا إسلام بلا جماعة ولا جماعة بلا أمير ) هكذا أخبرنا رسولنا كما أخبرنا أيضاً بأنه ( من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " أي على الكفر " )

ولماذا أفكر على عكس هذا وصحيح الأحاديث تفاجئني بالبخاري ومسلم كل لحظة بماذا أؤمن او أقتنع أمام قول رسول الله ( من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ) … لابد لى من أن أتخذ هذا القرار … لابد لى من تحديد علاقتى بأهلى … أقاربى … لابد من الانصياع لقوله تعالى ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو أزواجهم أو عشيرتهم ) المجادلة 22

ماذا أستطيع أن أفعل أمام هذا التصريح القرآنى ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبائكم وإخوانكم أولياء إن استحيوا الكفر على الإيمان … ) التوبة 23 بالتأكيد إنني أمام هذه النصوص والتصريحات الإلهية التى تضعنى كل لحظة لم يكن لدى أي مساحة أو مجال للاختيار … ( وما كان لمؤمن ولا لمؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) الأحزاب 36 . كنت كل يوم أطلب من الله أن يسامحنى فى تأجيل هذا القرار الذي أود اتخاذه مع عائلتى إذ لم يكن من السهل على … لا أخفى أنني على الرغم من حبي لله ودينه وغيرتى كذلك على دينى بكيت كثيرا قبل أن أحاول إقناعهم حتى لا يقعوا فى دينونة الله التى تلزمنى بمعاداتهم شأنهم شأن أى كافر بل إن حالهم سيكون أسوأ من حال النصارى … ولقد تمزقت إربا حينما فشلت محاولاتي لاقناعهم وعندها جففت دموعي واستجمعت قواي وأنا أردد : إني أحب الله ورسوله أكثر من أهلي وعائلتى …… هنا صدقونى تحولت يداى التى جففت دموعى الى محراث فتت المتبقى من أحاسيس بقلبى وتحول عندها قلبى بالفعل الى مجرد حجر أصم ولكن ما كان يهون على هذه الصورة أن الرسول

يقول : "ستكون فتن كقطع الليل المظلم يبات الحليم فيها حيران ويمسى الرجل مؤمنا ويصبح كافرا ويصبح مؤمنا ويمسى كافرا " فاليوم أنا أحب فلان وغدا سأكرهه ولقد كنت بالأمس القريب أحب أبى وأمى وأسرتى بأسرها واليوم تبدلت مشاعرى نحوهم لا لشئ إلا إنني أحب الله ورسوله وتبدلت صورة الحب الصادق المثالى الذى يدعيه مدعون ليس لهم صلة بالله مطلقا فالحب الصادق الحقيقى هو إنني أفرط فى الحب لمن يبايعني بيعتي وإذا نقض البيعة لا حل وسط فعلاجه واتجاه قلبى من نحوه هو القتل … لا محالة ولا مفر … كل أنواع الولاء تختصر الآن فى لحظة أو ربما لحظتين فارقتهما الحياة … فارقتهما الحياة التى لا دين لها … ولائى اليوم لمن تبع دينى … من يؤمنون بفكرى … لم يعد لى وطن انتمى إليه … فديارى أصبحت ديار كفر على أن أهاجر منها ولكن قبل ذلك كان على أن أفارق أسرتي حتى لا أقع فى الكفر والشرك … فالرسول يقول : ( من أكل مع مشرك أو سكن معه فهو مثله ) والأعم من هذا أنه يقول : " أنا برئ من كل من أقام بين ظهرانى المشركين " من هنا قررت ترك منزلى الذى أطلقت عليه " زقاق الكافرين " وحارتى حارة النصارى واتخذت لى مسكنا خاصا وسط أسوأ الأحياء وأشدها انحطاطا اجتماعيا … !!

لم تعد عينى ترى كما كانت ترى فى السابق بيوتا معدودة فى حارة النصارى يجب على مقاومتها بل أصبحت عيناي ترى الآن آلاف بل ملايين من المنازل والحارات التى على أن أهجرها أو أقاتلها حتى يكون الدين كله لله ورغم ذلك فقد كانت كراهيتى للنصارى على ما هى عليه لأنها لم تكن مرتبطة بالحارة … بقدر ارتباطها بعقيدتى التى هى طاعة الله فكنت لا أطيق أن أرى أنسانا مسيحى ولا أعترض طريقه مثلا … بالإيذاء العلني تارة وبطريقة غير مباشرة تارة أخرى … ولا يمكن لشخص مجتهد محب لله وللإسلام مثلى أن لا يلقى الاهتمام والتقدير من شخص يقود آلاف الأفراد فى قالب دينى أخلاقى إلهي " الأمير " فبدأ

" شكرى مصطفى " يطلب مقابلتى على فترات متقطعة ومتباعدة وفى آخر لقاء جمع بيننا قال لى :

_ أعرف أن لديك غيرة شديدة على طاعة الله والتى تمثلت فى عدائك الشديد للنصارى .

_ نعم يا أمير … وهل فى هذا خطأ ؟

_ لا بالطبع … ولكننى أريد تغيير سلاحنا معهم من الآن فصاعدا … فسأعطيك مجموعة من الكتب التى تتناول أفكارهم بالنقد وعليك أن تدرسها جيدا وعندما تنتهى من دراستها سأخبرك بالخطوة التالية .

" كان حوارنا كما استمعتم إليه باللغة العربية الفصحى " فما عدت منذ التحاقى بالجماعة أتحدث العامية مطلقا … والسبب بالطبع معروفا !!

كانت الكتب التى أعطانى إياها " شكرى مصطفى " هى الآتي 1- كتاب الملل والنحل " لابن حزم " 2- الرد على النصرانية ط لابن تيميه " 3- إظهار الحق للإمام "رحمة الله الهندى " ومكثت على كتبى تلك بالدراسة طيلة ستة أشهر كاملة أدرس وأنقب وأفحص ما فيها من نصوص إنجيلية وتوراتية تحفل بالتناقض والاختلاف … وبمجرد ابلاغى ط شكرى " بانتهائي من الدراسة بالكتب تلك حدد لى موعدا وذهبت الى ملاقاته وأخذ يقص على شيئا غريبا انه سيتخذ دور الرجل المسيحي وأنا أتخذ دور الرجل المسلم الذى يحاوره وعليه أخذ المشهد فى المسير من هذه النقطة البادية واستمر الحوار لاكثر من أربع ساعات على هذا النحو وفى نهاية الحوار قد ظهرت نتيجة الاختبار العملى الأول بينى وبين صاحب مقاليد الأمور فى جماعتى … لقد نجحت … وبتفوق شهد به لى أميرى … وأمام هذا التفوق العجيب الذى بهره … ما كان منه إلا أن يخبرنى بضرورة التفرغ التام للدعوة … وبدأت المرحلة الحقيقية لى فى وسط هذه الجماعة .

طلب منى كذلك ترك الدراسة بالجامعة … وبالتأكيد لم يكن لدى تلك الذى يسمى بالاختيار فأنا أمام إرادة الله وأمره ولا يوجد سوى السمع والطاعة وتركت الدراسة الجامعية لانتقل الى دراسة من نوع جديد دراسة كانت بمثابة المدافع الآلية التى يحملها أفرادا أخرى من جماعتى لمقاتلة أعداء الدين والنصارى المشركين … فزعزعت الإيمان من عن طريق البحث والدراسة هو أقوى أسلحة الدمار لأى عقيدة بل وأصحها … وبدأت دراستى ليست على هذا النحو ولكنها بدأت بدراسة علوم الحديث ، علوم الكلام ، كيفية الدفاع عن فكر الجماعة ، إثبات صحته ، واستغرقت الدراسة عاما كاملا لم أدرس فيها أية كلمة عن الإنجيل أو التوراة ـ إذ كنت قد قطعت أكبر هذا الشوط بأكبر مجموعة كتب إسلامية ترمى العقيدة المسيحية فى صلبها بالسابق ـ وبعد إتمام الدراسة مباشرة طلب منى استخراج جواز سفر وبعد استخراج جواز السفر بدأت المرحلة الأخرى من دراسة الأديان المسيحية واليهودية مستكملة في سلسلة الكتب التى بدأ يساعدنى في التقاطها وتعريفى بها أفراد الجماعة . ثم بعدها أرسلوا لا حد الأشخاص لاستخراج جواز سفر لي باسم مستعار ويحمل في الوقت نفسه صورتى وطلب منى التوجه الى " الأردن دافعين أمامي بهدفين الأول : دعوة المسلمين الاسميين لفكر الجماعة . والثانى : دعوة المسيحيين الى الإسلام من خلال عرض بعض النصوص التى حفظتها عن ظهر قلب وتوضيح بعض التناقضات فيها إضافة الى إثبات حقيقة رسالة نبى الإسلام … في الحقيقة لم تكن هذه المهمة … ذات أى طابع خاص … فالمسيحيون هناك مثلا يجهلون تماما أشياء عديدة من دينهم ولا يعرفون سوى القليل الذي يمكنهم بجدارة من احتلال موقع قريب جدا من المسلمين فكانوا مثلا يطلقون على المسيح " سيدنا عيسى عليه السلام " ورغم عدم نجاحى في إقناع معظمهم إلى الإسلام إلا إنني حسبت ذلك نصرا إذ كانوا يرفضون التحول للإسلام لاسباب إما عاطفية أو أسرية ولكن خلال زيارتين للأردن نجحت في إقناع ثلاث من الشباب من مدينة نابلس والخليل للإسلام وكانوا ممن هاجروا من فلسطين واستقروا بالأردن .

ومن بعدها أخذت رحلاتى الخارجية في التعدد والتنوع متمثلة في زياراتى لبعض البلدان ذات الكثافة السكانية المسيحية المرتفعة ـ عربية كانت أم أجنبية ـ ولاشك في أن هذه الرحلات قد أصقلتنى … وأعطتني خبرة جديدة وقوية في التعامل مع مع المسيحيين بل وتغيرت معها كذلك أيدلوجيات التطاحن وأساليب الاحتكاك الاضطهادى … وبالفعل كان هناك نتيجة أخرى لهذا التطور والتغيير … ألا وهو تغيير أسلوب تعاملى مع أهلى وأسرتى … فلقد كانت تعتمل في فكرى خطة جديدة ولكن قبل الشروع فيها ينبغى لي أن أقابل الامير ومناقشته في فكرتى التى أبغيها وأخطط لها … وبالحقيقة أنه ترك لي الباب مفتوحا أمام ما أعلنته له من الافكار التى تدور برأسى … بمعنى أنه لم يعارض خطتى تلك التى كانت تهدف الى اعادة الصلة بأواصر الود المفقود وترميم آثار الهجر في علاقتى بأخواتى الفتيات ـ وكذا علاقتى بباقى أفراد الاسرة ـ … وبدأت من هنا بالفعل مرحلة جديدة في علاقتى بهن بعد طول هجر وغياب ووحشة انقطاع .

فقمت باقناعهن وتشجيعهن على اقامة علاقات مع الفتيات المسيحيات … !! وبعد توطيد العلاقة معهن يكون دورى في الظهور على ساحتهن وتنفيذ الخطة باحداث بلبلة بداخل أفكارهن … وبالفعل ما بين عدة محاولات نجحت واحدة منها واستطعت بفعل ما درسته أنا ودينها الذي تجهله باختراقها وتحويل مسارها الدينى من المسيحية الى الاسلام .

كانت فتاة تدرس بالمرحلة الثانوية فقمت بتدبير خطة لهروبها من منزلها الى لا يعلم عنها شيئا حتى لحظتنا تلك … وهناك وفى وسط الجماعة وأمام أميرها أعلنت الافتاة اسلامها … ثم تزوجت من أحد الاخوة … !! كنت سعيدا جدا بحياتى وسط الجماعة وخصوصا بعد هذا النجاح المروع والمتمثل في حالة تلك الفتاة وعلى الرغم من كل ما كان يشاع عن جماعتى من تشدد وتزمت والتزام صارم … لكننى بحق لم أندم في حياتى كلها وأعلن أننى أيضا لن أندم على أية لحظة عشت فيها في كنف هذه الجماعة .

حمل هذا الكتاب

الصفحة الرئيسية

 الاولى
الثانية
الثالثة
الرابعة
الخامسة
السادسة
السابعة
الثامنة
التاسعة
العاشرة
الاخيرة

الصفحة الرئيسية