آلام وقيامة السيد المسيح  بحسب ما جاء في الأناجيل الأربعة

 

كنيسة السيدة العذراء بالفجالة

 

أولاً: آلام السيد المسيح. 1

ملخص سريع للأعياد اليهودية 2

يوم السبت. 11

يوم الأحد (أحد الشعانين) 27

يوم الإثنين. 39

يوم الثلاثاء 44

يوم الأربعاء 91

يوم الخميس (خميس العهد) 93

فصول الباراقليط. 109

يوم الجمعة (الجمعة العظيمة) 185

المحاكمات. 190

هل صلب المسيح في الساعة الثالثة أم السادسة 214

يوم السبت. 238

ثانياً: أحداث القيامة 239

الصورة التي يظهر بها المسيح. 240

ماذا فعل المسيح خلال الأربعين يوماً؟ 241

لمن ظهر المسيح أولاً؟ 242

ترتيب الأحداث. 242

بعض تأملات لشرح المواقف في إنجيل متى. 247

بعض تأملات لشرح المواقف في إنجيل مرقس.. 248

بعض تأملات في إنجيل لوقا لشرح المواقف.. 249

بعض تأملات لشرح المواقف في إنجيل يوحنا 251

 


 

أولاً: آلام السيد المسيح

ترتيب أسبوع الآلام


 

ملخص سريع للأعياد اليهودية

(لمزيد من التفاصيل يراجع لا23)

تنقسم الأعياد اليهودية إلى مجموعتين (أنظر الخريطة في الصفحة القادمة)

المجموعة الأولى:

1-   عيد الفصح

2-   عيد الفطير ويستمر 7 أيام

3-   عيد الباكورة

4- عيد الخمسين (أو عيد الأسابيع أو البنطقستي)

14 نيسان

15-21 نيسان

16 نيسان

6سيوان (بعد 7 أسابيع من الفصح أو اليوم الخمسون منه

المجموعة الثانية:

1-   عيد رأس السنة (أول الشهر السابع)

2-   يوم الكفارة

3-   عيد المظال (7أيام ثم ثامن يوم العيد)

1 تسرى

10 تسرى

15-21،22 تسري

وبهذا يكون عدد الأعياد الرئيسية 7 أعياد ورقم 7 هو رقم كامل فالله يريد أن تكون حياتنا كلها أفراح وأعياد. الحياة مع الله هي فرح وليست ضيق وحزن.

وكان شهر تسرى هو أول شهور السنة. وأول يوم في هذا الشهر هو عيد رأس السنة وبعد أن أسس الله عيد الفصح وهو يأتي في شهر نيسان، طلب الرب أن يكون شهر نيسان، شهر عيد الفصح هو أول شهور السنة. وبالتالي صار هناك لليهود تقويمين. الأول هو التقويم أو السنة المدنية وأول شهورها تسري/ مول.. .. والثاني هو التقويم أو السنة الدينية وأول شهورها نيسان/ زيو/ سيوان.. .. والرب طلب هذا لكي يذكر اليهود دائماً خروجهم من أرض العبودية. وأن حريتهم التي حصلوا عليها هي بداية جديدة لحياتهم مع الله. وتستخدم السنة المدنية في الأمور السياسية والمدنية والزراعية، ولكن كل ما يخص الأمور الدينية كانوا يستخدمون فيه السنة الدينية.

المجموعة الأولى: من الأعياد تمثل عمل المسيح على الأرض حتى تأسيس الكنيسة يوم الخمسين فالفصح يمثل الصلب والباكورة تمثل القيامة، فقيامة المسيح كانت باكورة الراقدين. والخمسين (وتعني باليونانية البنطقسي) تمثل حلول الروح القدس على الكنيسة يوم الخمسين وتأسيس الكنيسة كان يوم حلول الروح القدس. وكون أن عيد الفطير يستمر 7أيام فهذا إشارة لأن كنيسة المسيح التي أسسها هي كنيسة طاهرة فالخمير يشير للشر ويشرح هذا تماماً الآيات التالية (1كو6:5-8+ 1كو20:15-23).

المجموعة الثانية: من الأعياد تمثل حياة الكنيسة على الأرض وجهادها وغربتها حتى تنعم بالراحة في السماء. وهي تبدأ بعيد الهتاف وهو إنذار لكل فرد في الكنيسة أن يقدم توبة ويجاهد في حياته ويوم الكفارة هو يوم الصوم والتذلل، اليوم الذي يشير للصليب وهكذا ينبغي أن نحيا في جهاد ونصلب أهوائنا مع شهواتنا (غل20:2+ 24:5). أما عيد المظال الذي يقضون فيه 7أيام في مظال فهو يشير لغربتنا في رحلة هذه الحياة على الأرض. ثم في اليوم الثامن أفراح عظيمة إشارة لأبديتنا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1-    عيد الفصح

كلمة فصح= بيسح بالعبرية أو بسخة وتعني عبور فهو تذكار عبور الملاك المهلك في أرض مصر ونجاة أبكار اليهود ثم عبورهم من أرض العبودية إلى الحرية. وكانوا يأخذون الخروف يوم 10نيسان ويوجد تحت الحفظ حتى 14نيسان ويذبحونه في اليوم الرابع عشر بين العشاءين (بين الساعة 3 والساعة 5 ظهراً.. أو بين الساعة 3 ووقت حلول الظلمة). وكان كثيرون من اليهود يأتون من الشتات وينصبون خيامهم على جبل الزيتون، ومن هنا ندرك إحتفال الناس الهائل عند دخول المسيح إلى أورشليم. وصار شهر نيسان أول شهور السنة لأن آدم الثاني أي المسيح بصليبه قد بدأ كل شئ جديداً (2كو17:5). (وواضح أن الفصح يشير للصليب).

 

2-    عيد الفطير:

المسيح بصليبه أسس كنيسته لتكون طاهرة لا عيب فيها ولا غضن (أف25:5،27) وعلينا كمؤمنين مات المسيح عنا أن نقضي أيام غربتنا وقد إعتزلنا الشر (1كو13:5+ خر15:12). وكان رمزاً لهذا يأتي كل رجل يهودي ليلة الفصح ويفتش في منزله ويبحث عن أي قطعة خبز مختمر ليعزلها بعيداً عن منزله. ومعنى هذا أنه بعد أن ذُبِحَ المسيح لأجلي فكيف أرضى وأسمح بوجود خطية في حياتي. وهذا لمدة العمر كله (7أيام رمز للكمال، كل الحياة) واليهود كانوا يفهمونها أنهم خرجوا من مصر وحملوا عجينهم الذي لم يختمر (خر34:12). وهكذا نحن إذا أردنا أن نعبر من العبودية للحرية علينا أن لا نضع أي شر في قلوبنا أو أن نعزله لو وُجِدَ ونتخلى عنه.

 

3-    عيد الباكورة

راجع خريطة الأعياد لتجد أن هذا العيد يوافق حصاد الشعير. وقد إرتبط عيد الباكورة مع عيدي الفصح والفطير وعيد الخمسين. فعيد الباكورة يحتفل به خلال أيام عيد الفطير ويأتي عيد الخمسين بعده بخمسين يوماً. ويعتبر أول الأعياد الزراعية. وطقس العيد كان لتقديم الشكر لله واهب الخيرات. وكان ثلاث شيوخ من مجمع السنهدريم يخرجون للحقول المجاورة ليأتوا بأول حزمة من المحصول ويقدمونها للهيكل، وبتقديمها للهيكل يتقدس كل الحصاد. فبتقديم الباكورة يكون الله أولاً. وهذه الحزمة تمثل شخص السيد المسيح الذي قدَّم حياته تقدمة سرور للآب لكي يبارك كل الحصاد أي الكنيسة. كان هو حبة الحنطة التي سقطت في الأرض لتأتي بثمار كثيرة (يو24:12). ونلاحظ أن الباكورة كانت تقدم من الشعير أكل الفقراء والمساكين فالمسيح جاء ليرفع المسكين.

وكما سنرى فإن المسيح صُلِبَ فعلاً يوم الجمعة وتوافق هذا مع تقديم خروف الفصح بل هو صلبوه وتركوه في حراسة الجنود الرومان، وذهبوا ليأكلوا الفصح (14 نيسان) وفي اليوم الثالث (16 نيسان) بينما كان اليهود يتبادلون التهنئة بعيد الباكورة. كان التلاميذ يتبادلون التهنئة بقيامة المسيح باكورة الراقدين أو باكورة القائمين من الموت. فالمسيح بقيامته أظهر أنه هو الباكورة الحقيقية فهو قام يوم عيد الباكورة. ونلاحظ أن الشعب إحتفل بعيدي الفصح والفطير في البرية ولكن عيد الباكورة إحتفلوا به لأول مرة بعد أن دخلوا الأرض. فعيد الباكورة أي القيامة لابد وأن تكون في الأرض الجديدة والسماء الجديدة.

موت الموت كان رمزه الفصح فهو فصحنا الذي مات ليخلصنا من إنساننا العتيق أو من خميرة الفساد التي تسللت إلينا ويحولنا إلى فطير، وقام من الأموات ليهبنا نحن أيضاً فيه القيامة (كو15:1+ 1كو20:15) ورفعنا لحضن أبيه لنحيا في السماويات (أف6:2) ونلاحظ أن هذا العيد أيضاً هو الثالث في الأعياد. وهو ثالث يوم الفصح فرقم 3 يشير للقيامة.

 

4-    عيد الخمسين:

هذه المجموعة من الأعياد هي وحدة واحدة (فصح/ فطير/ باكورة/ خمسين) رمزاً لوحدة أخرى هي (الصلب/ القيامة/ تقديس الكنيسة/ حلول الروح القدس) وقد سمى هذا العيد بعيد الأسابيع لأنه يأتي بعد 7أسابيع من الباكورة (خر22:34+ تث10:16). كما دُعِىَ عيد الخمسين وباليونانية البنطقسي (أع1:2) وقد حلّ الروح القدس على التلاميذ يوم الخمسين فعلاً (راجع أيضاً أع16:20). وهذا العيد هو أيضاً عيد زراعي كالباكورة ويسمى عيد الحصاد (خر16:23) إذ يأتي في ختام موسم الحصاد بعد نضج القمح. ونسميه عيد تأسيس الكنيسة ففي هذا اليوم حلّ الروح القدس على الكنيسة ليؤسسها وبعظة بطرس آمن 3000نفس وبدأ الحصاد. لقد ماتت حبة الحنطة وقامت وبدأت تأتي بالثمر الكثير (يو24:12) وكان بالنسبة لليهود غاية هذا العيد هو تقديم الشكر لله بمناسبة حصاد القمح.

 

5-    عيد الهتاف:

هو عيد بداية السنة المدنية، وبداية الشهر السابع من السنة الدينية وكانوا يحتفلون به بالهتاف في الأبواق من الصباح للغروب. والبوق يستعمل في الإنذار أو الدعوة للحرب. والكنيسة تستخدم كلمة الله في الإنذار وللدعوة للجهاد ضد الخطية. ومن يسمع ويتوب يبدأ حياة جديدة (رمزها السنة الجديدة) فالتوبة معمودية ثانية.

 

6-    عيد الكفارة (يوم الكفارة):

رمز ليوم الصليب. وتأتي تفاصليه في (لا16) هو يوم تذلل ودموع.

 

7-    عيد المظال:

هو عيد مفرح بهيج. فمن يزرع بالدموع (يوم الكفارة) يحصد بالإبتهاج. ومن يتذلل أمام الله ويحيا في غربة في هذا العالم (7 أيام المظال). يحيا في فرح هو عربون أفراح الأبدية (اليوم الثامن ورقم 8 يشير للأبدية).

 

Text Box:  
مساء اليوم
صباح اليوم
 
 

 

مساء اليوم

صباح اليوم

 

 

  

 


 

 التوقيت بحسب ما اعتدنا عليه الآن

Text Box: يوم الفصحText Box: يوم الباكورةText Box: أول أيام الفطير فاليوم يبدأ بالصباح وينتهي بالمساء

 

 

 

الأحد

الاثنين

الثلاثاء

الأربعاء

الخميس

الجمعة

السبت

الأحد

 

9

10

11

12

13

14

15

16

 

 

9/10

10/11

11/12

12/13

13/14

14/15

15/16

16/17

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Text Box: أيام شهر نيسان في أسبوع آلام السيد المسيح

الأحد

الاثنين

الثلاثاء

الأربعاء

الخميس

الجمعة

السبت

الأحد

Text Box: دخول أورشليم 
أحد الشعانين
Text Box: يوم الصليب

10

11

12

13

14

15

16

17

Text Box: يوم القيامةText Box: المسيح يؤسس 
سر الإفخارستيا

 

 

 

 

 

 

التوقيت بالطريقة اليهودية. وفيها اليوم يبدأ من مساء اليوم الذي يسبقه (نفس طريقة كنيستنا فاليوم يبدأ من عشية اليوم السابق)


 

تحديد يوم الفصح في أسبوع آلام السيد المسيح (كتاب الأسرار السبعة. حبيب جرجس)

هناك رأيين في تحديد يوم الفصح في أسبوع آلام السيد المسيح:-

الأول: أنه كان يوم الخميس. وأن يوم الخميس في ذلك الأسبوع كان يوم 14 نيسان في تلك السنة. وأصحاب هذا الرأي هم الكنيسة الكاثوليكية وبحسب هذا الرأي يقولون أن السيد المسيح إحتفل بالفصح مع تلاميذه يوم الخميس مساءً ثم أسس سر الإفخارستيا. ولما كان بحسب الطقس اليهودي أنه يمنع إستخدام الفطير إبتداء من هذه الليلة ولمدة أسبوع، فهم يستخدمون الفطير في سر الإفخارستيا إستناداً على أن المسيح استخدم الفطير. وهم يستندون في ذلك على ما جاء في أناجيل متى ومرقس ولوقا. "وفي أول أيام الفطير" تقدم التلاميذ إلى يسوع قائلين له أين تريد أن نعد لك لتأكل الفصح (مت17:26-19+ مر12:14+ لو7:22،8). ويستندون على قول متى ومرقس وفي أول أيام الفطير. وعلى قول لوقا وجاء يوم الفطير.

الثاني: أن يوم الفصح كان يوم الجمعة 14 نيسان أي أن اليهود صلبوا المسيح وذهبوا ليأكلوا الفصح. وبالتالي كان يوم الخميس هو 13 نيسان قبل الفصح، ويكون ما قدّمه المسيح في سر الإفخارستيا هو خبز مختمر وليس فطيراً. وهذا الرأي هو رأي كنيستنا الأرثوذكسية والدليل على ذلك.

1- (يو1:13-27) أما يسوع قبل عيد الفصح.. ثم يذكر حادثة غسل الأرجل فهنا يصرح يوحنا بأن العشاء الرباني وغسل الأرجل كانا قبل الفصح.

2- (يو1:12-13) ثم قبل الفصح بستة أيام أتى يسوع.. عشاء بيت عنيا فهذا العشاء كان قبل الفصح بستة أيام. وهذا العشاء كان يوم السبت لأن في آية (12) يقول وفي الغد (أي الأحد) دخل يسوع أورشليم يوم أحد الشعانين. وبالتالي يكون الفصح قد تحدد أنه يوم الجمعة.

3- (يو28:18) ثم جاءوا بيسوع من عند قيافا إلى دار الولاية.. ولم يدخلوا هم لئلا يتنجسوا فيأكلون الفصح. إذاً اليهود لم يدخلوا دار الولاية صباح الجمعة لئلا يتنجسوا لأن الذي يأكل الفصح يجب أن يكون طاهراً (عد6:9-11). وهذا يدل أن فصح اليهود لم يكن قد بدأ في يوم الجمعة صباحاً وكانوا سيأكلونه مساءً.

4-   (مت62:27-64) وفي الغد الذي بعد الاستعداد..

 (مر42:15،43) ولما كان المساء إذ كان الاستعداد

 (لو54:23) وكان يوم الاستعداد والسبت يلوح.

 فما هو هذا الاستعداد؟ هو الاستعداد للفصح كما أوضحه (يو13:19،14،42).

5- أحداث شراء اليهود ورؤساء الكهنة لحقل الفخاري (مت2:27-7). وشراء يوسف الكتان لتكفين المسيح (مر46:15+ لو53:23) وتسخير سمعان القيرواني ليحمل صليب المسيح (مر21:15+ لو26:23) لا يمكن أن تتم ويكون الفصح قد دخل ففي الفصح يمتنع البيع والشراء والتسخير. وكذلك نسمع أن سمعان القيرواني كان آتياً من الحقل وهذا لا يجوز في الفصح.

6- (يو31:19).. لأن يوم ذلك السبت كان عظيماً.. فالسبت كان عظيماً بسبب وقوع الفصح فيه. وفي هذه الآية أيضاً نرى أن عصر الجمعة حين موت المسيح على الصليب كان الاستعداد الفصح لا يوم الفصح.

7- (مت15:27-26+ مر6:15،15+ لو17:23) نرى فيها أن بيلاطس كان يطلق لليهود أسيراً في العيد وأنه أطلق باراباس لهم يوم الجمعة ومن هذا نفهم أن الفصح لم يكن قد حل بعد. فالعادة أن يطلق الأسير قبل أن يحل يوم الفصح.

8- (يو27:13-29). بعد اللقمة دخله الشيطان.. يسوع قال له اشتر ما نحتاج إليه للعيد. فواضح أن وقت تأسيس سر العشاء الرباني لم يكن الفصح قد حل بعد.

9- (مت3:26-5+ مر1:14،2) نرى هنا أن رؤساء الكهنة اهتموا بأن يتم صلب المسيح قبل العيد لئلا يقع شغب في الشعب المجتمع من كل ناحية.

10-         الكلمة المستخدمة في الأناجيل عن الخبز هي آراطوس وتشير للخبز المختمر (مر22:14).

11-         إن سر الإفخارستيا لم يتمم منذ الأزمنة الرسولية إلاّ بخبز مختمر.

 

الرد على الرأي الأول:

من يقول أن الفصح كان يوم الخميس يستند على قول متى ومرقس "وفي أول أيام الفطير. وقول لوقا وجاء يوم الفطير. وقول لوقا يسهل الرد عليه فهو لا يعني سوى ولما إقترب يوم الفطير فالأمور المقرر وقوعها في وقت معين يقال عنها جاءت أو بلغت إذا كان الوقت قريباً جداً. ويكون ما قصده لوقا أن الفصح صار قريباً على الأبواب.

أما قول متى ومرقس وفي أول أيام الفطير. نجد أن كلمة أول باليونانية هي "بروتي" وتعريبها أول ولكنها تعني أيضاً قبل. ويحدث هذا في لغتنا العربية أن كلمة أول تعني قبل (مثال أول من أمس= قبل أمس) وبهذا يصبح قول متى ومرقس بحسب هذا المفهوم "وقبل الفطير.. " والفصح الذي أراده مخلصنا هو ليس الفصح اليهودي بل هو الفصح الجديد. الذي قال عنه شهوة إشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم (لو15:22) والذي قال عنه "هذا هو دمي الذي للعهد الجديد" (مت28:26). فهل كان السيد يشتهي أن يأكل الفصح اليهودي، وهو قد أكله معهم مرات من قبل؟! بل هو كان يشتهي أن يعطيهم جسده ودمه فصحاً جديداً بعهد جديد ليوحدهم به ويكون لهم حياة. بالقطع فالمسيح كان لا يشتهي أن يذكر الخروج من مصر أو يأكل لحم خراف، بل هو يريد أن يعطي تلاميذه سر الحياة جسده ودمه مأكل حق ومشرب حق (يو55:6). هو إشتهى أن يكشف لتلاميذه سر الفصح الكبير الحقيقي.

·        مما سبق نرى تطابق رائع بين الأعياد اليهودية وما حدث في هذا الأسبوع:-

فالمسيح دخل أورشليم مع إختيارهم لخروف الفصح وصُلِبَ مع ذبحهم لخروف الفصح وقام يوم الباكورة فهو باكورتنا. والروح القدس حلّ يوم الخمسين يوم عيد الحصاد، يوم تأسست الكنيسة وآمن 3000 بعظة واحدة لبطرس.


 

ترتيب أحداث أسبوع الآلام

يوم السبت

إقامة لعازر                             (يو1:11-46)

ذهاب يسوع إلى مدينة إفرايم           (يو47:11-54)

مريم تدهن يسوع بالطيب في بيت عنيا         (مت6:26-13+ مر3:14-9+ يو55:11-11:12)

ملحوظة: تحتفل الكنيسة الأرثوذكسية بإقامة لعازر في يوم السبت وتسميه سبت لعازر، بينما أن المعتقد أن المسيح أقام لعازر قبل يوم السبت بعدة أيام. وهذا يتضح من (يو47:11-54). ولكن الكنيسة تفضل الاحتفال به قبل أسبوع الآلام ويوم أحد الشعانين مباشرة. فإقامة لعازر كانت السبب المباشر لاستقبال الجماهير الحافل للمسيح يوم الأحد (يو17:12،18). وكانت السبب المباشر لهياج رؤساء الكهنة وإصرارهم على الإسراع بقتل المسيح بل وقتل لعازر أيضاً حتى لا يذهب الناس وراءه ويؤمنون به.

يوم الأحد أحد الشعانين

دخول المسيح أورشليم في موكب عظيم (مت1:21-11+ مر1:11-11+ لو29:19-44+ يو12:12-19)

طلب اليونانيين أن يروا يسوع          (يو20:12-36)

يوم الاثنين

شجرة التين غير المثمرة                (مت18:21،19، [20-22]+ مر12:11-14، [20-26)

تطهير يسوع للهيكل للمرة الثانية (مت12:21-17+ مر15:11-19،11+ لو45:19-48+ لو37:21،38)

كانت المرة الأولى في بداية خدمة المسيح (يو14:2-17)

يوم الثلاثاء

 

متى

مرقس

لوقا

يوحنا

شجرة التين اليابسة

سؤال الرؤساء عن سلطان يسوع

ثلاثة أمثال إنذار

ثلاثة أسئلة يسألها رؤساء اليهود

سؤال المسيح الذي لا يرد عليه

نطق يسوع بالويلات للكتبة والفريسيين

فلسا الأرملة الفقيرة

رفض اليهود للمسيح

خطابه عن خراب أورشليم وإنقضاء الدهر

20:21-22

23:21-27

28:21-14:22

15:22-40

41:22-46

23

-

-

24،25

1:26،2

20:11-26

27:11-33

1:12-12

13:12-34

35:12-37

38:12-40

41:12-44

-

13

-

-

1:20-8

9:20-19

20:20-40

41:20-44

45:20-47

1:21-4

-

5:21-38

-

-

-

-

-

-

-

-

37:12-50

-

-

يوم الأربعاء

 

3:26-5

14:26-16

1:14،2

10:14،11

1:22-6

-

-

-

·   بحسب تقليد كنيستنا فهو يوم المشورة الرديئة لرؤساء اليهود مع يهوذا وهو يوم إعتزال يرجح أن السيد مكث فيه في بيت عنيا.

يوم الخميس خميس العهد

 

متى

مرقس

لوقا

يوحنا

العشاء الأخير

خطب المسيح الوداعية

صلاته الشفاعية

يسوع في جثسيماني

17:26-30

31:26-35

-

30:26

36:26-46

12:14-26

27:14-31

-

26:14

32:14-42

7:22-30

31:22-38

-

39:22-46

-

1:13-30

31:13-33:16

17

1:18

-

يوم الجمعة الجمعة العظيمة

 

متى

مرقس

لوقا

يوحنا

تسليم يسوع والقبض عليه*

محاكمته أمام رؤساء اليهود*

 

محاكمته أمام بيلاطس

صلب يسوع

دفنه

47:26-56

57:26-10:27

-

2:27،11-31

32:27-56

57:27-61

43:14-52

53:14-72

1:15

1:15-20

21:15-41

42:15-47

47:22-53

54:22-71

-

1:23-25

26:23-49

50:23-56

1:18-11،(12)

12:18-27

-

28:18-16:19

16:19-37

38:19-42

·   هذه الأحداث لا يمكن تحديد ميعادها تماماً، هل هو قبل منتصف الليل أو بعده. وبعض الكتب تنسبها ليوم الخميس وبعض الكتب تنسبها ليوم الجمعة. وبحسب كتاب ترتيب قراءات أسبوع الآلام للكنيسة القبطية الأرثوذكسية تقع معظم هذه الأحداث يوم الخميس أي قبل منتصف ليلة الجمعة.

يوم السبت

الحراس على القبر (مت62:27-66)

 

يوم الأحد يوم القيامة المجيدة


 

يوم السبت

إقامة لعازر (يو1:11-46)

قدَّم إنجيل مرقس معجزة إقامة إبنة يايرس وقدّم إنجيل لوقا معجزة إقامة إبن أرملة نايين. أمّا إنجيل يوحنا الذي كتب بعدهم بحوالي نصف قرن أورد وحده هذه المعجزة التي تدل على لاهوت المسيح، فهي معجزة خارقة لحدود الطبيعة والعقل. وبسبب هذه المعجزة هاج السنهدريم وقرروا قتل المسيح. وهذا ما إهتم إنجيل يوحنا أن يظهره، فهو الذي أورد شفاء مريض بيت حسدا المشلول من 38سنة وشفاء المولود أعمى. والمسيح هنا ليس صانع معجزات فقط بل هو عنده الحياة الأبدية، القيامة في سلطانه، فهو ترك لعازر في القبر حتى أنتن ثم أقامه وهذه صورة مصغرة لقيامة الأجساد في اليوم الأخير. فالمسيح هو القيامة وهو الحياة فيوحنا يورد المعجزات التي تثبت لاهوت المسيح. وإنجيل يوحنا يقدم لنا هذه الحياة الآن بشرط الإيمان (يو24:5،25). وهو الذي سيعطي القيامة في اليوم الأخير (يو28:5،29). وهناك شرط آخر لنوال الحياة يقدمه إنجيل يوحنا وهو التناول من جسد الرب ودمه (يو54:6). ونرى في معجزة لعازر شخص المسيح الإنسان في بكائه والمسيح الإله في قوته التي أقامت لعازر فهو حقق ما هو للإنسان وما هو لله في آن واحد فهو الله ظهر في الجسد (1تي16:3). ألم يقال "في كل ضيقهم تضايق وملاك حضرته خلصهم" (أش9:63) وتضع الكنيسة هذه المعجزة في بداية أسبوع الآلام الذي سينتهي بالقيامة فهي تظهر أن القيامة في سلطان المسيح (يو17:10،18). تذكر القيامة قبل أن تذكر موته. فهو الحي الذي وإن مات سيقوم ويقيمنا معه. والمسيح صنع 3 معجزات إقامة من الأموات وهي تظهر مستويات الخطية في حياتنا فالخطية هي موت.

1-   بنت يايرس.. لم تكفن= من دخلته الخطية حديثاً.. هذا يحتاج كلمة.

2-   إبن أرملة نايين.. كُفِّن ولم يُدفن بل شُيِّعَ= من ظهر خطيته وسط الناس.. يحتاج لمسة.

3-   لعازر.. كفن ودفن وأنتن= من أنتنت الخطية فيه.. يحتاج لصراخ الرب بصوت عظيم.

أو قد تكون:

1-   بنت يايرس: الخطية مازالت في طور التفكير والتخطيط لها.

2-   إبن أرملة نايين: الخطية تم تنفيذها.

3-   لعازر: الخطية صارت عادة.

ولعاز المربوط هو أنا المربوط برباطات الخطايا، وأنا في إنتظار سماع صوت الله ليعطيني حياة بدلاً من موت الخطية. ومرض لعازر هو مرضي أنا الروحي والذي ينتهي بالموت. ولكن هناك قيامة كما قام لعازر. ولعاز بعد إقامته تعرض لمضايقات كثيرة من اليهود. ولقد صار أسقفاً.

 

آية (1): "وكان إنسان مريضاً وهو لعازر من بيت عنيا من قرية مريم ومرثا أختها."

واضح أن هناك صداقة شخصية بين المسيح ولعازر وبيته (مريم ومرثا) (لو38:10،39). وكان المسيح يرتاح في بيتهما (فهل يرتاح المسيح في قلبي وهل له معي صداقة). وقرية بيت عنيا على بعد 2كم من أورشليم ويحجبها عن أورشليم جبل الزيتون. وبيت عنيا تعنى بين العناء والألم عند سفح جبل الزيتون على بعد 3/4 ساعة من أورشليم. وكلنا الآن شركاء في الألم والموت. واليعازر= اليآزار= الله معيني. وبهذا تصبح قصة لعازر هي قصة كل البشرية التي كانت في معاناة من الألم، والموت مسيطر عليها فأتى لها المسيح في صداقة وحب ليهبها القيامة من الموت.

 

آية (2): "وكانت مريم التي كان لعازر أخوها مريضاً هي التي دهنت الرب بطيب ومسحت رجليه بشعرها."

هنا يحدد أن مريم هي التي دهنت الرب بالطيب (2:12،3+ مر3:14-9) ولكن متى ومرقس لم يذكرا إسمها (مت6:26-13) يوحنا إذ كتب بعد خراب الهيكل كتب إسم مريم وذكر معجزة لعازر، أما متى ومرقس ولوقا فأخفوا المعجزة وأسماء لعازر ومريم خوفاً من أن يقتلهم اليهود الحاقدين إذ كتبوا أناجيلهم قبل خراب الهيكل.

 

آية (3): "فأرسلت الأختان إليه قائلتين يا سيد هوذا الذي تحبه مريض."

الأختان تلتجئان إلى المسيح فهو الطبيب الشافي. وكلمة الذي تحبه= تدل على قوة العلاقات ومودتها بينهم وبين السيد المسيح. ولاحظ أنهما لم يطلبا الشفاء بل تركا الأمر في تسليم رائع. وعلينا أن نذكر المشكلة لله دون ذكر الحل الذي نراه. وجميل أنهما قالا "الذي تحبه" ولم يقولا "الذي يحبك" فنحن لا ينبغي أن نطالب المسيح بشئ نظير محبتنا له. فمحبة المسيح لنا لا نهائية ولا تقارن بمحبتنا نحن له.وقد تكون الأختان إذ علمتا بمؤامرة الفريسيين ضده لم يطلبا منه أن يأتي بل في إيمان طلبتا منه أن يصنع شيئاً.

 

آية (4): "فلما سمع يسوع قال هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله ليتمجد ابن الله به."

ليس للموت= أي ليس للموت العام المستمر أو ليس نهايته الموت فهو سيقوم كما حدث. هذه تناظر (يو3:9). فالله يقصد إعلان مجده بواسطة المسيح ليتمجد المسيح. وهم طلبوه أن يأتي ليشفي لعازر وهو تأخر لأنه قصد أن يصنع معجزة أكبر بكثير من الشفاء. لكن هناك من يتصور أن الله لا يسمعه إذا تأخر في الإستجابة. فإذا تأخر الله علينا في إستجابته لطلبتنا، فذلك حتى يعطينا أكثر ممّا نطلب أو نفتكر، أي يعطي بركة أعظم فكل نقص في حياتنا ليس صدفة بل هو لمجد الله. ولاحظ حيرة التلاميذ وعتاب الأختين لتأخر المسيح في الذهاب إلى لعازر.. وهكذا نفعل نحن كثيراً. ولكن علينا في ضيقاتنا أن نؤمن أن المسيح سيتمجد وعلينا أن ننتظر. ولنلاحظ أن الموت وهو أشد أعدائنا ما هو إلاّ رقاد في نظر المسيح.

لأجل مجد الله ليتمجد إبن الله به= واضح هنا أن المسيح يربط بين الله وبينه وما يمجد الله يمجده هو فهما واحد.

 

الآيات (5،6): "وكان يسوع يحب مرثا وأختها ولعازر. فلما سمع أنه مريض مكث حينئذ في الموضع الذي كان فيه يومين."

وكان يسوع يحب.. الصداقة مع يسوع لا تعنى إعفائنا من الألم والمرض والموت. ونلاحظ أن المسافة من عبر الأردن إلى بيت عنيا حوالي يوم. ومعنى هذا أن الرسول حين وصل للمسيح كان لعازر قد مات. فلعازر كان له 4 أيام في القبر حين عاد المسيح(يوم لسفر الرسول من عند لعازر في بيت عنيا إلى عبر الأردن+ يومين مكث فيهم المسيح في إقليم بيريه+ يوم سفر الرجوع إلى بيت عنيا). ولنلاحظ أن كل صمت للرب يخفي غرضاً أسمى.

 

الآيات (7،8): "ثم بعد ذلك قال لتلاميذه لنذهب إلى اليهودية أيضاً. قال له التلاميذ يا معلم الآن كان اليهود يطلبون أن يرجموك وتذهب أيضاً إلى هناك ."

نلاحظ أن الرب لم يقول لنذهب إلى بيت عنيا بل قال لنذهب إلى اليهودية= فعينيه قد تثبتتا على أورشليم وعلى الصليب (لو51:9) وهو يعلم أن ذهابه هو للصليب. ولقب معلم= وبالعبرانية رابي يكني به عن أعلى مراتب العلم والأستاذية ويعني العالم أو العلامة ويقابل الآن الأستاذ الدكتور.

 

الآيات (9،10): "أجاب يسوع أليست ساعات النهار اثنتي عشرة إن كان أحد يمشي في النهار لا يعثر لأنه ينظر نور هذا العالم. ولكن إن كان أحد يمشي في الليل يعثر لأن النور ليس فيه."

المعنى المباشر أنه على الإنسان أن يعمل طالما كان هناك نهار، فالنهار هو وقت العمل والحركة. فطالما هنالك نور لن يعثر. والمسيح يقصد أن ينبه تلاميذه بأن تخويفهم له غير لائق، فهو الذي يحدد ميعاد موته، فهو كانوا يحذرونه أن هناك خطورة على حياته، وكان رده عليهم أن نهار حياته على الأرض مازال قائماً، أي أن المسيح له مهمة ينجزها فإن أتمها يأتي ليل آلامه ثم موته وأنه أي المسيح هو النور، وطالما أنتم معي فلا تخافوا فأنتم بمنأى عن الظلمة وأعمالها. ساعات النهار إثنتى عشر= أي زمان خدمتى على الأرض محدد، كساعات النهار. الليل= هو ساعة مؤامرة اليهود ليصلبوه. فلن يكون للأعداء سلطان عليه قبل أن ينهي مهمته ولن يمكنهم قتله قبل ذلك والمعنى لم يأتي وقت الصليب بعد فلأتمم أعمالي. لا تخافوا. والله خلقنا لأعمال صالحة .. (أف10:2) والحياة كافية لأن نتمم العمل الذي خلقنا لأجله. والله هو نور حياتنا ينير لنا كل خطواتنا (يو35:12 + 4:9،5) ولذلك علينا أن لا نخاف من العثرات طالما هو فينا أي النور فينا. ولكن ستأتي ساعة على المسيح قال عنها "هذه ساعتكم وسلطان الظلمة" (لو53:22). هي الساعة التي أنهى فيها عمله فسمح للأعداء أن يلقوا عليه الأيادي (قارن مع يو58:8،59+ يو11:19). والمسيح يقصد أن يقول لتلاميذه هذه الساعة لم تأتي بعد وأنا الذي أحدد متى تأتي. وبالنسبة لكل إنسان ستأتي عليه ساعة ينهي أعماله فلماذا نطمع في زيادة أعمارنا، بل ولماذا نخاف من المخاطر ونهرب منها، من يهرب من المخاطر لينقذ حياته من الموت (مثل من ينكر المسيح خوفاً من الموت) فهو يمشى في الليل لا يشرق حوله نور الله وعناية الله لا تحيطه وتحميه، هو حَرَم نفسه من نور الله ورضاه، بل هو يعرض نفسه لخطر حقيقي. فالموت في سبيل الله وأن نتمم الرسالة التي خلقنا الله لأجلها هو خيرٌ من حياة نهرب فيها من الله (مثال لذلك يونان). بل أن كل عاصي أو خاطئ لا يريد أن يتوب هو يتعثر في ظلمة عصيانه لأنه فقد نور المسيح في داخله. إن كان أحد يمشي في النهار لا يعثر= من يسلك في طريق القداسة تصير له العثرات والضيقات كلا شئ بل تكون أكاليل له. من يمشي في الليل= من لا يشرق حوله نور الله وعناية الله لا تحيطه، بسبب خطيته أو بسبب خوفه على حياته من المخاطر، وتصوره أنه بهروبه منها يطيل حياته فيهرب من المخاطر ولا يتمم واجبه.. يعثر= من يفعل الشر يعثر أي هو الذي يخاف أما من لا يفعل شراً فلماذا الخوف. وهل يليق هذا بالمسيح أن لا يذهب لأورشليم لينقذ حياته ولا يتمم واجبه ولماذا يخاف وهو بلا خطية (أي المسيح) .

النور ليس فيه= النور هو المسيح وهو ينير بصيرتنا الداخلية فلا نعثر. ومن يسير في الليل أي ليس بحسب مشيئة الله يعثر.

 

الآيات (11-13): "قال هذا وبعد ذلك قال لهم لعازر حبيبنا قد نام لكني اذهب لأوقظه. فقال تلاميذه يا سيد إن كان قد نام فهو يشفى. وكان يسوع يقول عن موته وهم ظنوا انه يقول عن رقاد النوم."

حبيبنا= تشير للصداقة بين المسيح ولعازر. ونلاحظ أن لعازر قد مات الآن ومع هذا فعلاقة المحبة مازالت قائمة بينه وبين المسيح وبين التلاميذ أيضاً. فالكنيسة كلها في شركة حب، وتبقى المحبة قائمة حتى بعد الموت. فهنا لعازر قد مات. قد نام= لقد غير المسيح مفهوم الموت إلى أنه رقاد. وطالما هو في الرب فسيكون هناك قيامة. "ليس موت لعبيدك يا رب بل هو إنتقال" (أوشية الراقدين). ولكن من هو الذي له نصيب في هذه القيامة؟ الإجابة هو من قام من رقاد الخطيئة فالموت الحقيقي ناتج عن الخطية (رؤ6:20 + أف14:5+ لو24:15+رؤ1:3) وراجع (مت24:9) "الصبية نائمة" وكلمة نام التى إستخدمها المسيح تعني [1] إمّا رقاد الراحة أو [2] فقدان الوعي أو الشعور. لذلك إلتبس الأمر على التلاميذ. ورقاد الراحة قد يفيد أنه رقد نتيجة حمى وقد تفيد معنى الموت وقد فهمها التلاميذ على أنها مرض.

 

الآيات (14-16): "فقال لهم يسوع حينئذ علانية لعازر مات. وأنا افرح لأجلكم أني لم اكن هناك لتؤمنوا ولكن لنذهب إليه. فقال توما الذي يقال له التوأم للتلاميذ رفقائه لنذهب نحن أيضاً لكي نموت معه."

هنا تكلم المسيح بوضوح وبدون تورية، تاركاً المعنى الروحي للموت أي أنه نوم، إلى المعنى الواضح المباشر وأن لعازر قد مات. وهذا ليكشف لتلاميذه أنه عالم بكل شئ. ثم ليزداد إيمانهم بعد المعجزة وإيمانهم هو ما يفرح الرب= أنا أفرح لأجلكم= فالمسيح لم يفرح لأن لعازر قد مات، لكن لأن التلاميذ سيرون سلطانه على الموت فلا يتشككوا من أحداث الصليب. لنذهب إليه= هذه تعني أن لعازر ظل حياً أمام الرب (وهذا معنى أنه نام). لكي نموت معه= المعنى أن التلاميذ كانوا يعلمون أن الذهاب إلى أورشليم فيه خطورة على حياة المسيح وتلاميذه ومعنى كلام توما لو ذهبنا مع المسيح سنموت معه، أي مع المسيح الذي لابد وأن اليهود سيقتلوه، أو مع لعازر الذي هو الآن ميت وهم سيلحقوا به. فتوما إستصعب فكرة القيامة وإستسهل فكرة أن يموت مع المسيح لمحبته له. فكر توما كان تعبيراً عن الحزن الشديد الذي يفقد صاحبه كل رجاء. ونلاحظ أن اليهود حاولوا رجم المسيح في الزيارة السابقة ولكن هذه المخاطر لم تثنى توما ولا التلاميذ أن يظلوا مرافقين لمعلمهم الذي أحبوه. توما قدم المحبة ولكنه لم يستطع أن يقدم الإيمان. ولأنه بطبعه شكاك لم يقل "نذهب لنحيا معه" ولأن يوحنا يكتب للأمم فقد ترجم إسم توما لليونانية.

 

الآيات (17-19): "فلما آتى يسوع وجد انه قد صار له أربعة أيام في القبر. وكانت بيت عنيا قريبة من أورشليم نحو خمس عشرة غلوة. وكان كثيرون من اليهود قد جاءوا إلى مرثا ومريم ليعزوهما عن أخيهما."

لماذا سكت المسيح على لعازر مدة 4 أيام أي حتى أنتن؟ كان اليهود يؤمنون ولهم تقليد أن الروح تظل تحوم حول الميت 3أيام وتحاول دخول الجسد، ثم بعد إنحلاله تشمئز الروح وتذهب لتنضم إلى بقية أرواح الموتى. وكون أن السيد يقيم لعازر في اليوم الرابع فهذا يظهر لليهود أن له سلطان على الهاوية التي تضم أرواح المنتقلين، والتي ذهب إليها لعازر بعد اليوم الثالث. ولذلك يكرر القديس يوحنا موضوع الأربعة أيام مرتين في آيات (17،39). الغلوة= ميل = 145خطوة وهي مقياس يوناني. ونلاحظ أن قرب بيت عنيا من أورشليم جعل كثيرين من يهود أورشليم يأتون للتعزية فيشاهدوا المعجزة وينشروا الخبر في أورشليم. وكان هذا هو السبب في إستقبال المسيح الحافل يوم أحد الشعانين.

 

آية (20): "فلما سمعت مرثا إن يسوع آت لاقته وأما مريم فاستمرت جالسة في البيت."

مرثا بطبيعتها نشطة فهي تذهب لإستقبال السيد، ومريم هي الهادئة في البيت. مريم استمرت مع المعزين في البيت حتى لا يخرجوا معهم. وهي لم تعلم بقدوم الرب. وربما أخبر أحداً مرثا بقدوم الرب فأسرعت تجري إليه دون أن تخبر مريم ليعطيها تعزية في وفاة أخيها.

 

الآيات (21-24): "فقالت مرثا ليسوع يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخي. لكني الآن أيضاً اعلم أن كل ما تطلب من الله يعطيك الله إياه. قال لها يسوع سيقوم أخوك."

ربما حملت كلمات مرثا نوع من الإيمان المحمل بالشك، وربما هي تقصد أنك أنت يا رب مازلت في نظري قادر على الشفاء بالرغم من أنك لم تأتي لتشفي أخي. وربما كان لها أمل يشوبه الشك في أن يقيم السيد أخيها ولكنه أمل بعيد إذ قد إنتن، لذلك قالت. لو كنت ههنا= ولكن نرى هنا أن إيمان قائد المئة أقوى من إيمان مرثا.. "قل كلمة فقط فيبرأ الغلام" فهو آمن أن قدرة المسيح على الشفاء تتحدى المكان (مت8:8). وهنا نسمع إيمان مرثا بالقيامة. وغالباً دخلت فكرة القيامة لليهود من (دا 2:12+ 2مك9:7،14) كلام مرثا لو كنت ها ههنا فيه ثقة في يسوع أنه قادر على الشفاء لو كان موجوداً. لكنه يعني أن يسوع قادر أن يمنع الموت ولكنه لا يقدر أن يعطي حياة. ولكن كلامها لا تذمر فيه.

 

الآيات (25-27): "قالت له مرثا أنا اعلم انه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير. قال لها يسوع أنا هو القيامة والحياة من آمن بي ولو مات فسيحيا. وكل من كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد أتؤمنين بهذا. قالت له نعم يا سيد أنا قد آمنت انك أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم"

المسيح هو القيامة الآن للخاطئ وهو القيامة للميت (يو24:5-29) القيامة هي طبيعته. هو يعطي للخاطئ قيامة فيبدأ حياته من الآن. وتكون حياته هي المسيح.. (غل20:2). ولاحظ أن السيد لم يقل سأُدَبّرْ له قيامة أو أعد له أو أطلب له، بل قال أنا القيامة أي القيامة كائنة فيه. فكلا من يتحد بالمسيح (إيمان/ معمودية/ توبة) تكون له قيامة. والقيامة ثمرة الحياة وهو الحياة فلابد أنه سينتصر على الموت والإنتصار على الموت هو القيامة. والإيمان بالمسيح يعطي حياة وهذه معجزة أكبر من إقامة لعازر. فلعازر قام وظل حياً لعدة سنين ثم مات. أمّا من يؤمن بالمسيح فله حياة أبدية ويقوم في اليوم الأخير. فمعجزة المسيح الأعظم هي الإقامة من موت الخطية. هذه هي الحياة الأبدية (يو57:6) لكن مرثا ظنت أن المسيح هو إنسان له دالة عند الله كل ما يطلبه يعطيه الله له، لكنه لا يقدر من نفسه أن يقيم ميت. لذلك بدأ المسيح يتقدم بإيمان مرثا عمن هو وماذا يستطيع وأنه هو الحياة ذاتها وهو القيامة وهذا هو الفرق بين يسوع وإليشع مثلاً. وقول المسيح لمرثا يشمل الحياة لها، فهي قد آمنت، والحياة للعازر أيضاً. لذلك فالذي قام من الأموات الآن سيكون موته عبور للحياة الأبدية.. "هو حياتنا كلنا وقيامتنا.. " (أوشية الإنجيل). أتؤمنين بهذا= هنا المسيح يسأل مرثا ليحرك إيمانها قبل المعجزة. أنت المسيح إبن الله هو إيمان ناقص فهي لا تؤمن أن المسيح سيقيم لعازر. لكن هذا إيمانها المحفوظ في قلبها كما نطقه بطرس والأعمى ونثنائيل من قبل. وهذا هو غرض كتابة إنجيل يوحنا (30:20،31). هذا الإيمان هو الصخرة التي بنيت عليها الكنيسة (مت16:16+ 33:14+ 3:4+ مر1:1). من كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد= الحياة الأبدية التي يقصدها الرب هنا هي حياة المجد والفرح. أما الخطاة ستكون لهم حياة دينونة بلا مجد ولا فرح. فالشيطان موجود والآن وإلى الأبد لكن هو ليس حي، بل مصيره بحيرة متقدة بنار.

 

الآيات (28-32): "ولما قالت هذا مضت ودعت مريم أختها سراً قائلة المعلم قد حضر وهو يدعوك. أما تلك فلما سمعت قامت سريعا وجاءت إليه. ولم يكن يسوع قد جاء إلى القرية بل كان في المكان الذي لاقته فيه مرثا. ثم أن اليهود الذين كانوا معها في البيت يعزونها لما رأوا مريم قامت عاجلاً وخرجت تبعوها قائلين أنها تذهب إلى القبر لتبكي هناك. فمريم لما أتت إلى حيث كان يسوع ورأته خرت عند رجليه قائلة له يا سيد لو كنت ههنا لم يمت آخي."

إذن سبب أن مريم لم تذهب مع مرثا أنها لم تكن تعلم أن الرب قد أتى. سريعاً= دليل محبتها الشديدة ليسوع. يا سيد لو كنت ها هنا= نفس كلمة مرثا (هما إتفقتا في هذا). سراً= هي دعت أختها لتنال من مراحم الرب. وتتعزى بعيداً عن صياح المعزين. فكل من يتعزى من المسيح يدعو الآخرين. وما فعلته مريم ينبغي أن يفعله كل متألم.. أن يجري للمسيح فيعزيه المسيح.

 

الآيات (33-35): "فلما رآها يسوع تبكي واليهود الذين جاءوا معها يبكون انزعج بالروح واضطرب. وقال أين وضعتموه قالوا له يا سيد تعال وانظر. بكى يسوع."

تبكي.. واليهود يبكون.. بكى يسوع= الكلمات اليونانية تختلف فبكاء مريم واليهود هو بكاء بصوت مسموع للتعبير الظاهري عن الحزن. أمّا بكاء يسوع فهو كلمة أخرى تفيد "أدمعت عيناه بدون صوت" فهو تأثر من حزن مريم واليهود، نحن أمام يسوع الذي له إنسانية كاملة وله أرفع وأرق المشاعر التي يمكن أن تصدر عن إنسان أمام فاجعة موت حبيب له. وأمام تفجع ذويه عليه، بل هو حزن على ما أصاب الخليقة من موت. نحن أمام المسيح بناسوته وعواطفه البشرية يبكي متأثراً أمام موقف الموت الذي هو أعظم ألم للبشر. وهكذا بكى يسوع على مدينة أورشليم (لو41:19) لأنها ستهلك، فهو هنا أيضاً بكى حزناً على مصير الإنسان. وبكاء المسيح هو شهادة عن كمال ناسوته وعن كمال مشاعر قلب الله ومحبته للإنسان "في كل ضيقهم تضايق". إنزعج بالروح= هنا نحن أمام لاهوت المسيح المقتدر. ولكننا نحن أيضاً أمام ناسوت كامل فكلمة إنزعج هو تعبير لا نفهمه يعبر عن حزنه مما حدث للإنسان الذي خلقه على صورته. وحزنه من بكاء الناس. وإرادته أن يفعل شيئاً لإنقاذ المتألمين. كما يعبر عن ما سيخرج منه، أي قوة الحياة المحيية، قوة تنتصر على الموت والفساد الذي لحق بجسد لعازر وعلى الشيطان وعلى الهاوية ليخرج لعازر من قبره بل ومن الهاوية. فإن كان شفاء نازفة الدم إحتاج لقوة تخرج منه (لو46:8) فكم وكم القوة التي تُخْرِجْ من الهاوية، هي قوة روحية هائلة والروح هو الجزء من إنسانية المسيح الذي به هو في شركة مباشرة مع الآب. وإضطرب= نتيجة ما تحمله جسده من أحزان واضطراب الآخرين فهو يشاركنا أحزاننا ويحملها عنا (أش4:53) وهذا التعب ظهر عليه أمام الناس. وكلمة إضطرب ذكرت عن المسيح 3 مرات [1] هنا [2] (يو21:13) فهو يضطرب ويحزن للخيانة [3] (يو27:12) كما ذكرت كلمة بكي مرتين [1] هنا [2] (لو41:19). والبكاء هنا كان بصوت مسموع فهو يبكي على ما أصاب البشر. فناسوت المسيح كان ناسوتاً كاملاً وإنفعالاته حقيقية.

أين وضعتموه= يعلن عن نيته في عمل المعجزة، وينبه الجمهور للمعجزة الآتية فيتحول الجمهور لشهود عيان وهي لا تعني قطعاً عدم معرفته بالمكان ولكن تعني خذوني إلى هناك.

 

الآيات (36،37): "فقال اليهود انظروا كيف كان يحبه. وقال بعض منهم ألم يقدر هذا الذي فتح عيني الأعمى أن يجعل هذا أيضاً لا يموت."

لم يكن لديهم أي إيمان بالمعجزة. إذا كانت دموعه أعلنت حبه فكم وكم دمه الذي سال. لكنهم ظنوا دموعه علامة ضعف.

 

الآيات (38،39): "فانزعج يسوع أيضاً في نفسه وجاء إلى القبر وكان مغارة وقد وضع عليه حجر. قال يسوع ارفعوا الحجر قالت له مرثا أخت الميت يا سيد قد انتن لأن له أربعة أيام."

فإنزعج= هو مازال تحت تأثير هذه القوة الجبارة التي ستقيم ميت قد أنتن. ولكن إنزعج الأولى كانت بسبب بكاء مريم والآخرين. وإنزعج هنا بسبب شك الناس. إرفعوا الحجر= هنا نرى أن على الإنسان أن يجاهد ويشترك بجهده والله يسكب نعمته. ولكن على الإنسان أن يفعل ما يستطيعه. وتحريكهم للحجر يجعلهم شهود عيان إذ يروا الجسد الملفوف ويشتموا رائحة العفونة. وخدام الكنيسة كل ما عليهم أنهم بالتعليم يرفعون الحجر لتدخل قوة الرب المحيية بالروح القدس ليوقظ النفوس من موت الخطية. قول مرثا قد أنتن= يشير لتصورها أن السيد يريد أن يراه كصديق يحبه ولم تتصور حدوث معجزة.

 

آية (40): "قال لها يسوع ألم أقل لك إن آمنت ترين مجد الله."

بالإيمان تستعلن القيامة ويشرق النور. وكل من آمن بالمسيح سيرى مجده وكل من آمن وإحتمل الآلام ناظراً للمجد المعد سيراه بالتأكيد. إن آمنت ترين مجد الله= وهذا عكس ما يريده الإنسان فالإنسان يريد أن يرى ليؤمن، وهذا ليس إيمان.

 

الآيات (41،42): "فرفعوا الحجر حيث كان الميت موضوعاً ورفع يسوع عينيه إلى فوق وقال أيها الآب أشكرك لأنك سمعت لي. وأنا علمت انك في كل حين تسمع لي ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت ليؤمنوا انك أرسلتني."

هنا نرى الإبن الوحيد المحبوب يتكلم مع أبيه جهاراً بخصوص المشيئة الواحدة والعمل الواحد والمجد الواحد. وصلاة المسيح غرضها:-

1- أن القيامة ستتم بأمر المسيح وهي أيضاً عمل الآب لكي يؤمن الجمع أن ما يحدث ليس بقوة سحرية ولا بقوة سحرية ولا بقوة الشيطان. بل بقوة الله. فالمعجزة ستثبت الوحدة الإلهية الكائنة بين الآب والإبن خصوصاً بعد صلاة الإبن لله الآب. والمسيح أعلن هدف الصلاة. لأجل هذا الجمع. ليؤمنوا. فهو لا يصلي ليأخذ قوة بل ليرى الجمع العلاقة التي بينه وبين الله.

2- ظهر فيها توافق المشيئة فالمسيح لم يطلب بل شكر الآب على ما إتفقا عليه. إنك في كل حين تسمع لي= ونحن كل صلاة نصليها بإسم المسيح فهي مستجابة. لذلك ننهي صلواتنا قائلين "بالمسيح يسوع ربنا" (يو23:16،24،26).

3-   ظهر أن هناك تمايز بين الأقانيم فالإبن ليس هو الآب والآب ليس هو الإبن.

4- المسيح يصلي بالنيابة عن البشر. فهو كإنسان كامل يمثل البشر يصلي ليبطل سلطان الموت الذي يسود علينا (يو7:15). والمسيح لم يسأل الآب بل شكر لثقته في إستجابة الآب له. ونحن علينا أن نطلب بثقة في المسيح. وفي الإستجابة إعلان لحب الله لنا.

 

آية (43): "ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم لعازر هلم خارجاً."

صرخ بصوت عظيم= لتُفتح الهاوية وتُخْلِي قوات الجحيم أسيرها. فهو يصرخ لأنه يتعامل مع قوات عنيدة ويأمرها بإقتدار عظيم وقوة وجلال (مز4:29،7،8) هو كان كمن يصرخ في نائم ليوقظه. هنا خرجت قوة هائلة من الرب. لقد خرجت قوة جبارة من جسده لتحيي الميت. لعازر هلم خارجاً= لم يخرجه بإسم أحد بل بسلطانه. وهو ينادي لعازر بإسمه فتعود روحه لجسده.

 

آية (44): "فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطات بأقمطة ووجهه ملفوف بمنديل فقال لهم يسوع حلوه ودعوه يذهب."

هنا المسيح يريد أن يحتوي رعبهم وذهولهم وليتأكدوا أنه ليس شبحاً، أو شخص آخر غير لعازر، كان مختبئاً في الداخل. وكان اليهود يلفون كل يد وحدها وكل رجل وحدها، لذلك إستطاع لعازر أن يخرج. حلوه= [1] هذا هم قادرين عليه [2] ليسير في القرية.

 

الآيات (45،46): "فكثيرون من اليهود الذين جاءوا إلى مريم ونظروا ما فعل يسوع آمنوا به. وأما قوم منهم فمضوا إلى الفريسيين وقالوا لهم عما فعل يسوع."

هنا يهود آمنوا وهؤلاء سمعوا صوت المسيح وآمنوا فصارت لهم حياة. وهناك من ليس له أذن روحية ولا حواس روحية (لو31:16). هؤلاء تصوروا أن قيامة لعازر معناها ضياع هيبة السنهدريم. وهؤلاء كانوا جواسيس الفريسيين وقالوا لهم عمّا فعل يسوع. أعمال المسيح صارت رائحة حياة لحياة (للذين آمنوا) ورائحة موت لموت (للذين ذهبوا للفريسيين).

 

هياج اليهود وذهاب يسوع إلى مدينة إفرايم

الآيات (47،48): "فجمع رؤساء الكهنة والفريسيون مجمعاً وقالوا ماذا نصنع فإن هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة. إن تركناه هكذا يؤمن الجميع به فيأتي الرومانيون ويأخذون موضعنا وامتنا."

إجتمع أعداء المسيح معاً فمعجزة إقامة لعازر ضد إيمان الصدوقيين وضد مراكز رؤساء الكهنة والكتبة وضد مصالحهم المادية لذلك فمن هذه اللحظة تنحى الفريسيون وتولى رؤساء الكهنة التخطيط لقتل المسيح. فهو يصنع معجزات وهم بلا أي قوة. والعجيب إعترافهم أن يسوع يصنع آيات كثيرة ومع هذا لم يؤمنوا. وكان رأيهم أن عدم حفظ السبت الذي كان المسيح في نظرهم الضيق يكسره بمعجزاته بالإضافة للحياة السماوية التي يطلبها (وكل همهم هو الماديات)، ستخلخل التمسك بالأرض والغيرة على الميراث الأرضي والآبائي والناموسي، فيسهل هذا للمستعمر الروماني الإستيلاء على الأرض والحكم معاً، أو أنه بسبب هذه الثورة الروحية (تجمهر الناس وراء المسيح) يستولى الرومان على ما بقى من سلطة رئيس الكهنة والسنهدريم. هم خافوا أن الرومان يعتبروا أن جمهرة الناس حول المسيح هي ثورة وطنية فيحرموا الكهنة من إمتيازاتهم لأنهم لم يخمدوها. وتتلاشى عناصر الأمة اليهودية التي تقوم على الأرض والناموس. خصوصاً حينما رأوا كثرة المؤمنين بالمسيح وأن الجماهير تريده ملكاً فخافوا على مراكزهم أن يخمد الرومان هذه الثورة ويهدموا الهيكل، فحولوا الموضوع لقضية وطنية يأخذون موضعنا= الموضع هنا المقصود به الهيكل. أمتنا= فقدان حريتهم السياسية والدينية ويتضح من هنا نفاقهم فالرومان كانوا يحتلونهم فعلاً ومسيطرين على بلادهم ولكن كان الخوف على مراكزهم وأموالهم ومن أن يسلبهم المسيح من نفوذهم وسلطانهم على الشعب. وأكثرهم خوفاً كان قيافا رئيس الكهنة. وبحكم مركزه كان رئيساً لمجمع السنهدريم (مجلس الشيوخ اليهودي) والذي كان له السلطان الأعلى على اليهود في أمور دينهم ودنياهم. وله تجارته في الهيكل وله منها مكاسب مادية ضخمة خاف من ضياعها. ونلاحظ أنه إذا إنطلق الفكر من زاوية المصالح الشخصية يضل الإنسان. ولقد هدم الهيكل فعلاً ولكن بسبب ثورات اليهود ضد الرومان ولأن الله كان قد تخلى عنهم. إذ قتلوا يسوع.

 

آية (49): "فقال لهم واحد منهم وهو قيافا كان رئيساً للكهنة في تلك السنة انتم لستم تعرفون شيئاً."

راجع أيضاً (يو12:18،13+ 49:11+ لو2:3+ أع5:4،6) فمن هو رئيس الكهنة؟ هل هو حنان أم قيافا أو كلاهما؟! يشرح يوسيفوس هذا الأمر بأن الوالي الروماني فاليروس جراتوس أسقط حنان رئيس الكهنة من رتبته سنة 14م. بعد أن كان قد شغلها 7سنوات. ولكن ظل تأثيره قوياً بسبب قوة شخصيته. حتى أن الشعب إستمر يعترف به كرئيس للكهنة رغماً عن إقالته. وتوّلى بعده رئاسة الكهنة عدة أفراد من عائلته كان آخرهم قيافا، الذي شغل رياسة الكهنوت في الفترة من سنة 25- سنة 36م أي طوال فترة خدمة الرب يسوع. وكان قيافا معروفاً بالجهل والقسوة. وأسقطه الوالي فيتلوس الذي أتى بعد بيلاطس. لذلك فحينما ذهبوا بالسيد إلى حنان كان هذا من قبيل المجاملة ولقوة شخصيته ولكن رسمياً كان قيافا هو الذي سيصدر الأمر. وقول الكتاب في هذه السنة= لا تعني أن رئيس الكهنة يعين كل سنة بل تعني هذه السنة المقبولة التي تم فيها خلاص البشرية بصليب المسيح (لو19:4+ أش2:61). أنتم لستم تعرفون شيئاً= لماذا أنتم مترددون في إتخاذ قرار بقتل المسيح. عموماً كان الرومان يخلعون ويعينون رؤساء الكهنة بكثرة، حتى أنهم عينوا 28شخصاً في هذا المنصب في نحو 107سنة (يوسيفوس).

 

الآيات (50-53): "ولا تفكرون انه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها.ولم يقل هذا من نفسه بل إذ كان رئيساً للكهنة في تلك السنة تنبأ أن يسوع مزمع أن يموت عن الأمة. وليس عن الأمة فقط بل ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد. فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه."

كان رأي قيافا هو موت المسيح لأنه مضِّل يُضِّلْ الشعب وموته خيرٌ من هلاك أمة بأسرها إذا أخذها الرومان. ولكن يوحنا رأى في كلمات قيافا نبوة عن عمل المسيح الفدائي فالمسيح مات فعلاً حتى لا يموت كل الناس. ورأي يوحنا أن رئيس الكهنة له هذه القدرة على التنبؤ بحكم منصبه كرئيس كهنة. فمواهب الرب لا تنقطع عن رجال الله بسبب فسادهم لأن هذه المواهب هي للخدمة. كانت نبوة قيافا صحيحة بالرغم من أنه كان له قصد مختلف لكن ما تفوه به كان حقاً. وبلعام فعل نفس الشئ بل هو كان كحمار بلعام.

 

آية (54): "فلم يكن يسوع أيضاً يمشي بين اليهود علانية بل مضى من هناك إلى الكورة القريبة من البرية إلى مدينة يقال لها أفرايم ومكث هناك مع تلاميذه."

ذهب يسوع إلى أفرايم على بعد 20كم من أورشليم لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد. وليس خوفاً من الموت بل ليكمل رسالته.

 

آية (55): "وكان فصح اليهود قريباً فصعد كثيرون من الكور إلى أورشليم قبل الفصح ليطهروا أنفسهم."

هذا ثالث فصح يُذكر في إنجيل يوحنا (13:2 + 4:6). قريباً= لقد إقترب عيد الفصح اليهودي وإقترب أيضاً يوم الصليب يوم يُذبح فصحنا الحقيقي يسوع. فصعد كثيرون= يحدد يوسيفوس العدد الصاعد للفصح بحوالي

 2مليون نسمة. ليطهروا أنفسهم= كان يمتنع على المنجسين أن يقدموا الفصح. ولكن كان التطهير الحقيقي آتياً بدم المسيح لذلك كانت الآية التالية مباشرة فكانوا يطلبون يسوع.

 

الآيات (56،57): "فكانوا يطلبون يسوع ويقولون فيما بينهم وهم واقفون في الهيكل ماذا تظنون هل هو لا يأتي إلى العيد. وكان أيضاً رؤساء الكهنة والفريسيون قد اصدروا أمراً انه إن عرف أحد أين هو فليدل عليه لكي يمسكوه."

كان قرار السنهدريم ورؤساء اليهود أن من يعرف طريق يسوع يسلمه لهم أو يخبرهم بمكانه ليقتلوه، كان هذا القرار قد إنتشر وذاع خبره بين الشعب فتساءلوا هل يأتي المسيح إلى الفصح وهو عالم بهذا القرار أم يخشى الموت!! وهل يخشى الموت من له سلطان على الموت وقد أقام لعازر. وكان الشعب متلهفاً على رؤية من أقام لعازر من الأموات بعد أن أنتن. وهم واقفون في الهيكل= حيث كان يسوع يعلمهم (يو7،8).

 

مريم تدهن يسوع بالطيب في بيت عنيا

وردت هذه القصة في (مت6:26-13 + مر3:14-9 + يو1:12-11)

وزمنياً فهي حدثت كما يوردها إنجيل يوحنا يوم السبت مساءً عشية أحد الشعانين ولكننا نجد أن متى ومرقس يوردان القصة بعد مشاورة اليهود وإتفاقهم على قتل المسيح. وذلك لأن متى ومرقس لم يهتما بالترتيب الزمني لكنهما أرادا تصوير محبة مريم للمسيح في مقابل خيانة يهوذا ومؤامرات اليهود. وكأنهما أرادا أن يقولا يا رب وحتى إن كان اليهود رفضوك فنحن على إستعداد أن نبذل كل غالي في سبيل حبك. نحن نحبك يا رب مثل مريم ومستعدين أن نسفك حياتنا لأجلك.

+ وهناك قصة مشابهة في (لو36:7-50). وهناك من يخلط بينهما ويظنهما قصة واحدة ولكن قصة لوقا حدثت في الجليل في بيت سمعان الفريسي وكانت تلك المرأة الخاطئة ومعروفة بخطيتها وإن كانت قد تابت حديثاً. ولكن القصة التي نحن بصددها فقد حدثت في بيت عنيا في بيت سمعان الأبرص. غالباً كان سمعان الأبرص هو والد هذه الأسرة أي لعازر ومرثا ومريم (مر3:14) وكان المسيح قد شفاه وإلا لما جلس معهم. في قصة لوقا إنسانة خاطئة تسكب الطيب بروح التوبة وفي متى ومرقس إنسانة فاضلة محبة تعلن محبتها وتسكب الطيب بروح النبوة لتكفين يسوع.

 

(يو1:12-11)

آية (1): "ثم قبل الفصح بستة أيام آتى يسوع إلى بيت عنيا حيث كان لعازر الميت الذي أقامه من الأموات."

الفصح يكون 14نيسان والمسيح أتى إلى بيت عنيا يوم السبت 8نيسان ووليمة العشاء كانت بعد غروب السبت لأن مرثا كانت تخدم ولا يحل الخدمة يوم السبت. ويقرأ هذا الفصل مساء سبت لعازر (عشية أحد الشعانين) تطبيقاً لقول الإنجيل "قبل الفصح بستة أيام". وتكرر قراءته يوم الأربعاء من البصخة المقدسة في الساعة السادسة لما جاء فيه عن يهوذا الإسخريوطي. وذلك حسب ما عرضه متى ومرقس وأوردا القصة بعد ذكر مؤامرة اليهود ضد المسيح. هنا نجد أن المسيح يسلم نفسه مثل خروف الفصح بين أيدي أحبائه ليكفنوه.

 

الآيات (2،3): "فصنعوا له هناك عشاء وكانت مرثا تخدم وأما لعازر فكان أحد المتكئين معه. فأخذت مريم منا من طيب ناردين خالص كثير الثمن ودهنت قدمي يسوع ومسحت قدميه بشعرها فامتلأ البيت من رائحة الطيب."

بحسب ما ورد في متى ومرقس فهذه الوليمة كانت في بيت سمعان الأبرص وهناك رأيين [1] أن سمعان الأبرص هو والد لعازر ومريم ومرثا والوليمة كانت في بيتهم. [2] سمعان الأبرص شخص معروف وذو قرابة لعائلة لعازر لذلك أقام وليمة ليسوع الذي أقام لعازر. وأتت الأختان لتخدما في هذه الوليمة بدافع محبتهما ليسوع وكرد لجميله لإقامة أخيهما لعازر من الموت. وغالباً فسمعان الأبرص أخذ إسمه هذا من أنه كان أبرصاً وشفاه المسيح. وسواء كان سمعان الأبرص والد لهم أو قريب فنحن أمام صورة رائعة يحبها المسيح.

1- سمعان الأبرص: شفاه المسيح وهو أتى ليشفينا من مرض الخطية ومعروف أن البرص رمز للخطية. والمسيح جاء لحياتنا ليطهرها.

2-   لعازر: أقامه المسيح من الموت وهو أتى لتكون لنا حياة.

3- مرثا: وكانت مرثا تخدم مرثا تعبر عن حبها بالخدمة. بعد أن يقيم المسيح كنيسته من الأموات ويعطيها حياة عليها أن تقوم وتخدم وتشهد له ولعمله هذه تمثل حياة الخدمة.

4- مريم: تعلن حبها للمسيح وتسكب حياتها ومالها عند قدميه مشتركة في صليبه محتملة كل ألم ويكون هذا رائحة طيبة تنتشر في كل العالم هذه تمثل حياة التأمل.

5-   يسوع وسط كنيسته: يتعشى معها وتتعشى معه (رؤ20:3) فكنيسته فتحت قلبها له.

6-   في بيت عنيا: أي بيت الحزن والألم. والمسيح معنا الآن يشترك في آلامنا على الأرض.

ونلاحظ أن مرثا استمرت في عملها في خدمة البيت. ومريم إستمرت في عملها تحت قدمي يسوع ملازمة المكان الذي إختارته نصيباً لها (لو39:10،40). وهنا مريم إنتهزت فرصة وجودها تحت قدمي يسوع لتعلن حبها، وأنها بآلامها تشترك مع المسيح في آلامه. فمريم سمعت كلام المسيح وأنه سيصلب ويتألم ويموت وآمنت بما قال وهي تصنع هذا لتكفينه.

لعازر كان أحد المتكئين معه= وجود لعازر في الوليمة إعلاناً لقوة الحياة التي في المسيح والتي تتحدى قرار السنهدريم. مناً= المن= 327جم= رطل روماني= لتر.

ناردين خالص= أي عطر خالص دون أي زيوت أو إضافات، أصيل ونقي. ناردين معناه السنبل وهو النبات الذي يستخرج منه هذا الطيب وهو أثمن ما عرف يومئذ من أطياب وهو من شمال الهند. هذا إشارة لمن يقدم حباً خالصاً ولا يطلب ثمناً لهذا الحب.

دهنت قدمي يسوع= يقول متى ومرقس أنها دهنت رأسه. فالعادة كانت أن يسكب المضيف دهناً على رأس ضيفه (لو46:7). ومريم سكبت الطيب على راس السيد ثم قدميه، ومتى ومرقس تكلما عن العادة المتبعة، أن مريم قامت بواجب الضيافة المعتاد. أمّا يوحنا فلاحظ غير المعتاد أنها تدهن قدميه بل مسحت قدميه بشعرها وإذا كان الشعر هو مجد المرأة (1كو15:11)= منتهى الإتضاع والإنسحاق، فيوحنا حبيب المسيح لاحظ بمحبته النارية هذه الملاحظة أنها لم تقم فقط بواجب الضيافة المعتاد بل وضعت مجدها تحت قدمي من تحبه وهذا هو الحب في نظر يوحنا. فإمتلأ البيت من رائحة الطيب= ملاحظة شاهد عيان. بل أن الرائحة مازالت منتشرة لهذا اليوم "يذكر ما فعلته هذه المرأة تذكاراً لها" ونلاحظ أن القصة حدثت عشية أسبوع آلام المسيح وتقرأها الكنيسة في ميعادها أي السبت مساءً. فمحبة مريم التي قدمتها هي نموذج لما يجب أن نقدمه للمسيح في مقابل آلامه، علينا أن نضع كل ما لنا (حتى مالنا من مجد تحت قدميه) فتنتشر الرائحة الطيبة.

 

الآيات (4-6): "فقال واحد من تلاميذه وهو يهوذا سمعان الإسخريوطي المزمع أن يسلمه. لماذا لم يبع هذا الطيب بثلاث مئة دينار ويعط للفقراء. قال هذا ليس لأنه كان يبالي بالفقراء بل لأنه كان سارقاً وكان الصندوق عنده وكان يحمل ما يلقى فيه."

يذكر الإنجيليين متى ومرقس ويوحنا أن الطيب كان كثير الثمن ولكنهم لم يهتموا بكم هو الثمن. ولكن يهوذا وحده إهتم، فكل شئ عنده يمكن أن يباع حتى سيده المسيح. وهو قدَّر ثمنه بثلاثمائة دينار= وهي أجرة العامل في سنة فالعامل أجرته دينار في اليوم. ونلاحظ أن الثمن الذي قدَّره يهوذا للطيب كان أكثر كثيراً جداً من الثمن الذي باع به سيده (يُقَّدَرْ بـ4 مرّات) هنا نرى التناقض صارخاً بين محبة مريم للسيد ومحبة يهوذا للمال وخيانته لسيده فالإنسان العالمي يحب الأخذ ولا يحب العطاء، أمّا إبن الله فهو يسكب نفسه سكيباً. وكان كلام يهوذا فيه تعريض بالمسيح وأنه قبل الطيب بدلاً من الفقراء، وتحريض للتلاميذ والسامعين، وهذا ما حدث فهم إغتاظوا وبدأوا يرددون ما قاله يهوذا (مت8:26+ مر4:14). ويهوذا كان سارقاً= وكونه سارقاً يدل على طبعه الخائن وعدم أمانته ونلاحظ أن المسيح سلًّم يهوذا الصندوق لكفاءته في النواحي المالية. وكان المسيح وتلاميذه يتعيشون مماّ في الصندوق. ولكن يهوذا كان يأخذ أكثر من حقوقه لنفسه. فالله أعطاه موهبة التفوق في الأمور المالية ولكن فنلاحظ أن مواهبنا والنقاط القوية التي نملكها قد تتحول لنقاط ضعف إذا إنخذع الإنسان من شهوته وإنغلب من التجربة التي تَعْرِضْ له من ناحيتها. كما أنها تكون مصدر بركة وقوة له ومنفعة للخدمة لو غلبها، أي غلب شهوته. (يع13:1،14). يحمل= أصلها ينشل.

 

الآيات (7،8): "فقال يسوع اتركوها أنها ليوم تكفيني قد حفظته. لأن الفقراء معكم في كل حين وأما أنا فلست معكم في كل حين."

المسيح هنا يتنبأ بأنه عند موته لن يكون هناك وقت لتكفينه وما فعلته مريم هو كنبوءة (فمريم من شدة محبتها شعرت بما سيحدث له) وواجب تكفين لجسده، وهو بهذا يرد على ما قاله يهوذا من أن هذا كان يجب أن يعطي للفقراء بأن الفقراء معكم كل حين وهناك من قلبه مملوء شراً ويتستر وراء أشياء حلوة. والمسيح بهذا يبرئ مريم من أنها أخطأت بفعلها، بل هي كرمت من له كل الكرامة وهو مستحق لها. بل أن ذكر التكفين كان فيه تقريع ليهوذا الخائن الذي يفكر في خيانة سيده. فيهوذا طعن السيد ومريم تلقفت جسده بعطرها. لقد بدأت مريم ما أكمله بعد ذلك يوسف ونيقوديموس في (مت20:28) يقول "أنا معكم كل الأيام" وهنا يقول "أنا لست معكم في كل حين" هو يقصد أنه سيتركهم بالجسد إذ يموت ويقوم ويصعد للسماء. ولكن المعنى إنتهزوا أي فرصة موجودة، فالفرصة قد لا تتكرر. والمحبة تعرف متى تقدم للمسيح ومتى تعطي الفقراء.

 

الآيات (9-11): "فعلم جمع كثير من اليهود انه هناك فجاءوا ليس لأجل يسوع فقط بل لينظروا أيضاً لعازر الذي أقامه من الأموات. فتشاور رؤساء الكهنة ليقتلوا لعازر أيضاً. لأن كثيرين من اليهود كانوا بسببه يذهبون ويؤمنون بيسوع."

بدأ الناس يتوافدون، على المسيح بسبب معجزة لعازر. ونرى هنا غباء هؤلاء الرؤساء، فهل قتل لعازر سيجعل الناس تنسى المعجزة، وهل من أقامُه مرّة لن يستطيع إقامته ثانية. ولنلاحظ أن هياجهم كان أحد أسبابه أن في إقامة لعازر دليل على عدم صحة عقيدتهم بأن الموتى لا يقومون. وبسبب آخر واضح هو إلتفاف الناس حول المسيح وإنفضاضهم عن رؤساء الكهنة اليهود.

 

(مت6:26-13)

آية (8): "فلما رأى تلاميذه ذلك اغتاظوا قائلين لماذا هذا الإتلاف."

إغتاظوا= لم يكن للتلاميذ هذا الحب الذي لمريم العظيمة في حبها. فحسبوا ما فعلته إتلافاً، أمّا مريم في محبتها للمسيح حسبت أن لا شئ له قيمة أمام حب المسيح لها، وأنها في مقابل حبه تبذل كل غالي ونفيس، وأن حبه أهم من العطاء للفقراء، وكما رأينا فإن يهوذا هو الذي بدأ هذا التذمر. ولاحظ أن من يريد أن يبرر نقص محبته للمسيح يقدم أعذاراً منطقية مثل الفقراء وغيره. ولاحظ رقة المسيح في أنه لم يكشف نية يهوذا أمام الجمع.

 

آية (13): "الحق أقول لكم حيثما يكرز بهذا الإنجيل في كل العالم يخبر أيضاً بما فعلته هذه تذكاراً لها."

لقد إستحسن الرب صنيع هذه المرأة وسمح بتخليد هذا العمل تذكاراً لإيمانها وحبها، تذكار يخبر به في كل العالم الذي ينتشر فيه الإنجيل. وهذه نبوة من الرب يسوع بإنتشار الإنجيل في العالم كله. وما الذي أراد الرب يسوع نشره في العالم بهذه القصة؟ هذه هي قصة الكنيسة التي رأت عريسها يبذل حياته عنها على الصليب وينابيع حبه تتفجر خلال الجنب المطعون، تتقدم هذه الكنيسة في شخص مريم كقارورة طيب تكسره بإرادتها لتفجر رائحة حبها خلال الطيب، وهكذا فعل الشهداء والمتوحدين والرهبان الذي تركوا العالم، بل كل نفس رفضت لذة خطايا العالم. وهكذا يمتزج الحب بالحب والألم بالألم والصليب بالصليب والجنب المطعون بالقارورة المنكسرة والمسكوبة على الجسد المقدس.

 

(مر3:14-9)

آية (3): "وفيما هو في بيت عنيا في بيت سمعان الأبرص وهو متكئ جاءت امرأة معها قارورة طيب ناردين خالص كثير الثمن فكسرت القارورة وسكبته على رأسه."

فكسرت= كل من يقبل كسر جسده ويقدمه ذبيحة حية يكون له رائحة الطيب. فقارورة الطيب تشير للحياة التي طالما كانت مغلقة فلا فائدة منها، وعندما تنفتح بالحب للمسيح، بل عندما يهلكها الإنسان ويحطمها لأجل الرب تفوح منها رائحة مباركة أبدية. متكئ= هذه عادة رومانية وتعني الإستناد على المائدة. فكانوا يجلسون على الأرض ويتكئون بيدهم اليسرى على المائدة ويسندون رأسهم على يدهم اليسرى ويأكلون باليد اليمنى. فيما هو في بيت عنيا= بيت عنيا تعني بيت العناء والألم. فالمسيح أتى إلى بيت عنيا إستعداداً لأسبوع آلامه وللصليب ولكنه الآن في بيت أحبائه يفرح بحبهم له ونحن الآن في العالم في بيت الألم ولكنه مازال وسطنا يفرحنا ويعزينا بوجوده معنا. جاءت امرأة= نلاحظ أن متى ومرقس لم يذكرا إسمها. ولكن يوحنا ذكره وحده. كما نلاحظ أن متى ومرقس لم يوردا القصة في مكانها الزمني، بل في سياق قصة الآلام وبدء المشاورات لقتل المسيح. فهما أرادا أن يظهرا التضاد بين موقف الخيانة لليهود وموقف الحب من مريم (CNOTRAST) ومتى ومرقس لم يذكرا إسمها لأنهم خافوا أن يقتلها اليهود ولأنهم أرادوا أن يجعلوها كرمز لكل نفس أحبت المسيح وعلى إستعداد أن تكسر نفسها وحياتها (2كو10:4،11) + (رو35:8-39) لأجل المسيح الذي أحبها. صارت مريم تشير لكل نفس صادقة في لقائها مع السيد، صادقة في حبها وفي إحتمالها للآلام لأجله، تشير لكل نفس بل وللكنيسة كلها التي تقدم حياتها مبذولة كقارورة منكسرة لتعلن رائحة محبتها. ولاحظنا أن يوحنا قال أن الطيب سُكِبَ على قدميه أما متىومرقس فقالا أنه سُكِبَ على رأسه. وفي هذا إشارة لطيفة هي أن الحب يمكن أن يقدم للمسيح نفسه (في جلسة هادئة في الصلاة.. وهذا تمثله مريم..= سكب الطيب على رأسه) ويمكن أن نقدم الحب لأولاد المسيح.. وهذا تمثله مرثا الخادمة..= سكب الطيب على القدمين). فالمسيح رأس الكنيسة والكنيسة تحت قدميه.

 

آية (8): "عملت ما عندها قد سبقت و دهنت بالطيب جسدي للتكفين."

للتكفين= كان سكب الطيب نبوة عن ألامه فالمريمات لم يقدرن على تكفين الجسد الطاهر مساء الجمعة مماّ دفعهن للذهاب بالأطياب فجر الأحد. المحبة التي في قلب مريم جعلتها تشعر بما سيحدث ليسوع بينما أن التلاميذ لم يصدقوا حتى اللحظة الأخيرة أن يسوع سيسلم للموت مع أنه قال هذا كثيراً لهم.

 

آية (9): "الحق أقول لكم حيثما يكرز بهذا الإنجيل في كل العالم يخبر أيضاً بما فعلته هذه تذكاراً لها."

يخبر أيضاً بما فعلته هذه تذكاراً لها= والكنيسة تتبع نفس ما قاله المسيح وهي تذكر لنا قصص محبة الشهداء والقديسين في السنكسار يومياً. وفي المجمع في القداس الذي نبدأه هكذا "لأن هذا يا رب هو أمر إبنك الوحيد أن نشترك في تذكار قديسيك.. وبهذا فالكنيسة تنفذ ما قاله المسيح هنا في أن تذكر من تشابه مع المسيح، فالمسيح سكب نفسه على الصليب، والشهداء سكبوا أنفسهم حباً في المسيح كما سكبت هذه المرأة طيبها وكسرت زجاجتها رمزاً لموت أجسادهم. ولاحظ رقة المسيح في قوله لماذا تزعجونها (آية6) فالمسيح يهتم بمشاعر أولاده ويطيب خاطرهم. تذكاراً لها= فما فعلته هذه المرأة هم من صميم الإنجيل أي أن يبذل الإنسان نفسه محبة في المسيح.

 


 

يوم الأحد . أحد الشعانين

 

دخول المسيح أورشليم في موكب عظيم

مت1:21-11 + مر1:11-11 + لو29:19-44 + يو12:12-19

هذا اليوم كان في خطة الله هي يوم إعلان ملكه ونوع ملكه. فدخل المسيح أورشليم في موكب ملك كمنتصر غالب في الحرب، لكن بتواضع ومحبة وما حدث من إستقبال الناس له لم يكن بترتيب بشري إنما هو بترتيب إلهي. وكملك دخل بيت أبيه أي الهيكل ليطهره.

 

(مت1:21-11)

بيت عنيا وبيت فاجي هما من ضواحي أورشليم فهما تحسبان أنهما من أورشليم. فهناك طريق واحد منها إلى أورشليم وبيت عنيا توجد على السفح الشرقي، شمال جبل الزيتون، وبيت فاجي على السفح الشرقي، جنوب جبل الزيتون،

أمّا السفح الغربي لجبل الزيتون فيقع عليه بستان جثسيماني.ونلاحظ أن قمة جبل الزيتون تحجب رؤيا أورشليم عمن هو في بيت عنيا. وقد أتى المسيح إلى بيت عنيا لوليمة سمعان الأبرص عشية يوم الأحد.

ودخل المسيح فصحنا إلى أورشليم عشية يوم 10نيسان، وهو اليوم الذي يحفظ فيه خروف الفصح حتى يقدم يوم 14نيسان. فالمسيح دخل أورشليم في نفس اليوم الذي يختارون فيه خروف الفصح. كانت أورشليم تكتظ بالحجاج (أع8:2-11) ويقدرهم يوسيفوس بحوالي 2.700.000حاج.

ونلاحظ أن الأناجيل الأربعة إهتمت بهذا الأسبوع الأخير من حياة السيد المسيح فمثلاً إنجيل متى إشتمل على الإصحاحات 21-28 ليروي فيها ما حدث في هذا الأسبوع، أسبوع آلام السيد والذي قدّم فيه السيد نفسه ليكون فصحنا ويعبر بنا من الظلمة إلى ملكوته الأبدي.

 

الآيات (1-3): "ولما قربوا من أورشليم وجاءوا إلى بيت فاجي عند جبل الزيتون حينئذ أرسل يسوع تلميذين. قائلاً لهما اذهبا إلى القرية التي أمامكما فللوقت تجدان أتاناً مربوطة وجحشاً معها فحلاهما وأتياني بهما. وإن قال لكما أحد شيئاً فقولا الرب محتاج إليهما فللوقت يرسلهما."

جاءوا إلى بيت فاجي= ومرقس يقول بيت فاجي وبيت عنيا.. وأنظر الرسم، ومنه نفهم أن حدود بيت عنيا وبيت فاجي مشتركة ولهم طريق واحد مشترك إلى أورشليم. وقلنا سابقاً أن بيت عنيا تعني بيت الألم والعناء. أمّا بيت فاجي فتعني بيت التين (ربما لكثرة أشجار التين فيها). ولكن التينة تشير للكنيسة التي يجتمع أفرادها في محبة، وهي في العالم في عناء (الحدود مشتركة) لكن المسيح في وسطها. يفرح بالحب الذي فيها ويشترك في ألامها ويرفعها عنها ويعزيها وهي على الأرض. أتاناً مربوطة وجحشاً معها= أمّا باقي الإنجيليين (مرقس ولوقا ويوحنا) فقد ذكروا الجحش فقط وقالوا لم يجلس عليه أحد قط. وقال معظم الأباء أن الأتان المربوطة تشير لليهود الذين كانوا مؤدبين بالناموس مرتبطين به، خضعوا لله منذ زمان. لكنهم في تمردهم وعصيانهم مثل الحمار الذي إنحط في سلوكه ومعرفته الروحية، يحمل أحمالاً ثقيلة من نتائج خطاياه الثقيلة، والحمار حيوان دنس بحسب الشريعة. وهو من أكثر حيوانات الحمل غباءً، هكذا كان البشر قبل المسيح. أمّا الجحش فيمثل الأمم الشعب الجديد الذي لم يكن قد إستخدم للركوب من قبل، ولم يروَّض لا بالناموس ولا عَرِف الله، عاشوا متمردين أغبياء في وثنيتهم، لم يستخدمه الله قبل ذلك ولذلك فهم بلا مران سابق وبلا خبرات روحية. (مز12:49). أتان= أنثى الحمار. جحش= حمار صغير.

ومتى وحده لأنه كتب لليهود أشار للأتان والجحش، أمّا باقي الإنجيليين فلأنهم كتبوا للأمم أشاروا فقط للجحش. ربما ركب المسيح على الأتان فترة من الوقت، وعلى الجحش فترة أخرى ليريح الجحش. لكن الإنجيليين الثلاثة يشيروا لبدء دخول الإيمان للأمم.

ونلاحظ في (رؤ2:6) أن المسيح ظهر راكباً على فرس أبيض يشير لنا نحن المؤمنين. فالمسيح يقودنا في معركة ضد إبليس وخرج غالباً ولكي يغلب فينا. حينئذ أرسل يسوع تلميذين= رمز لمن أرسلهم المسيح من تلاميذه إلى اليهود والأمم. قولا الرب محتاج إليهما= هذه تشير لأن الله يريد أن الجميع يخلصون (يهوداً وأمم). ولاحظ أنه لم يقول ربك محتاج أو ربنا محتاج بل الرب محتاج فهو رب البشرية كلها، وأتى من أجل كل البشرية. وهو هنا يتطلع إلى البشرية ليس في تعالي بل كمن هو محتاج إلى الجميع، يطلب قلوبنا مسكناً له وحياتنا مركبة سماوية تحمله. فحلاّهما= هذه هي فائدة الكرازة التي قام بها التلاميذ في العالم، أن يؤمن العالم فَيُحَّلُ من رباطات خطيته (يو22:20،23) التي كان يحملها كما يحمل الحمار الأثقال على ظهره. الكنيسة تحل أولادها من رباطات الخطية ليملك عليها المسيح ويقودها لكن كفرس في معركة ضد الشيطان.

ونلاحظ أن المسيح لم يدخل أورشليم ولا مرّة، ولا أي مدينة أخرى في موكب مهيب بهذه الصورة سوى هذه المرة لإعلان سروره بالصليب، وهو قبل هذا الموكب فهو حسبه موكبه كملك يملك بالصليب. ويوحنا وحده الذي أشار لهتاف الجماهير بقولهم ملك إسرائيل. ونلاحظ أن المسيح لم يدخل كالقادة العسكريين على حصان فهو مملكته ليست من هذا العالم، ويرفض مظاهر العظمة العالمية والتفاخر العالمي. ويطلب فقط مكاناً في القلوب، يحمل عنها خطاياها التي تئن من ثقلها (كالحمار) فترد لهُ جميله بأن تسكنه في قلبه (مز22:73،32) فيحولها لمركبة سماوية (مز10:18) إن قال لكما أحد شيئاً= غالباً كان صاحب الحمار من تلاميذ المسيح الذين آمنوا به سراً.

 

الآيات (4،5): "فكان هذا كله لكي يتم ما قيل بالنبي القائل. قولوا لإبنة صهيون هوذا ملكك يأتيك وديعاً راكباً على أتان وجحش ابن أتان."

إبنه صهيون= أي سكان أورشليم (أش11:62+ زك9:9) والإقتباس تماماً من السبعينية. يأتيك وديعاً= حتى لا يهابوه بل يحبوه لذلك دخل راكباً أتان ولم يركب حصان في موكب مهيب كقائد عسكري. ولكنه الآن يركب حصان، فرس أبيض الذي هو أنا وأنت ليحارب إبليس ويغلب. ومن الذي يغلب إلاّ الذي دخل المسيح قلبه وملك عليه، فدخول المسيح أورشليم يشير لدخوله قلوبنا.

 

الآيات (6-8): "فذهب التلميذان وفعلا كما أمرهما يسوع. وآتيا بالأتان والجحش ووضعا عليهما ثيابهما فجلس عليهما.والجمع الأكثر فرشوا ثيابهم في الطريق وآخرون قطعوا أغصاناً من الشجر وفرشوها في الطريق."

فرش الثياب هي عادة شرقية دليل إحترام الملوك عند دخولهم للمدن علامة الخضوع وتسليم القلب. ونحن فلنطرح أغلى مالدينا تحت قدميه. فما حدث يعني أنهم يقبلونه ملكاً عليهم، أو يملكونه عليهم. وإستخدامهم لأغصان الأشجار (غالباً شجر الزيتون) مع سعف النخيل يشير للنصرة (نصرة على الخطية) مع السلام. فالنخل يشير بسعفه للنصرة والغلبة (رؤ9:7). والأغصان تشير للسلام (حمامة نوح عادت بغصن زيتون) وهذا ما كان اليهود يفعلونه وهم يحتفلون بعيد المظال، عيد الأفراح الحقيقية وهذا يدل على فرح الشعب بالمسيح الذي يدخل أورشليم. وكل من يملك المسيح على قلبه يغلب ويفرح. وفرش الأرض بالخضرة هو رمز للخير الذي يتوقعونه حين يملك المسيح.

 

آية (9): "والجموع الذين تقدموا والذين تبعوا كانوا يصرخون قائلين أوصنا لابن داود مبارك الآتي باسم الرب أوصنا في الأعالي."

إستعمل البشيرون عبارات مختلفة ولكن هذا يعني أن البعض كان يقول هذا والبعض الآخر كان يقول تلك. أمّا تسابيحهم فتركزت في كلمة أوصنا نطق أرامي معناه خلصنا فهي مأخوذة من هوشعنا بمعنى الخلاص أي يا رب خلص (هو من يهوه)، فالفرح كان بالمسيح المخلص وغالباً هم فهموا الخلاص أن المسيح سيملك عليهم أرضياً ويخلصهم من الرومان. وهذه التسبحة (أوصنا.. ..) مأخوذة من مزمور (118).

الجموع الذين تقدموا والذين تبعوا= طبعاً هذه تشير لأن بعض الجموع تقدموا الموكب وبعض الجموع ساروا وراء الموكب. ولكنها تشير لمن آمن بالله وعاشوا قبل مجيء المسيح من القديسين، ولمن آمن بالمسيح بعد مجيئه. فالكل إستفاد بالخلاص الذي قدّمه المسيح. الكل في موكب النصرة. لذلك فالمسيح نزل إلى الجحيم من قبل الصليب ليفتحه ويخرج القديسين الذين كانوا فيه ويأخذهم إلى الفردوس. فالمسيح هو مخلص كل العالم. أوصنا لإبن داود= إشارة لناسوت المسيح وتجسده. أوصنا في الأعالي= فهو الذي أتى من السماء وسيذهب للسماء .. (يو13:3).

 

الآيات (10-11): "ولما دخل أورشليم ارتجت المدينة كلها قائلة من هذا. فقالت الجموع هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل."

سكان المدينة لم يعرفوه. ولكن من سمع عنه وعمل معه معجزات قد عرفوه. وهؤلاء كان أغلبيتهم من الجليليين الذين هم في وسط الجموع. وكل من دخل المسيح قلبه يرتج قلبه فيطرد من داخله كل خطايا تمنعه من الفرح بالمسيح المخلص ويبدأ في التعرف عليه. لقد خطط المسيح دخوله أورشليم في هذا الموكب المهيب ليعلن أنه ملك ولكن على القلوب وكجزء من تدبير صلبه يوم الفصح (الجمعة). فهو بهذا أثار اليهود ضده فهو دخل كملك ظافر، المسيا الآتي لخلاص شعبه (فهو ملك بصليبه).

 

(مر1:11-11)

إنجيل مرقس كله 16 إصحاح، إستغرق 10إصحاحات منهم 3 سنة من حياة المسيح على الأرض و6 إصحاحات لأسبوع الآلام (11-16). ممّا يشير لأن مركز الثقل في خدمة المسيح كانت آلامه وفداؤه للبشرية أكثر مماّ هي تعاليمه لذلك تصلي الكنيسة "بموتك يا رب نبشر" وكانت كرازة التلاميذ محورها صلب المسيح وموته وقيامته. ونلاحظ أن زيارة المسيح لأورشليم هي إفتقاده الأخير لهذه المدينة حتى تكون بلا عذر.

 

آية (4): "فمضيا ووجدا الجحش مربوطاً عند الباب خارجاً على الطريق فحلاه."

 وجدا الجحش مربوطاً عند الباب خارجاً على الطريق= هذا أحسن وصف لحال الأمم. فهم مشبهون بالجحشن لم يتمرن ولم يخضع لناموس الله وشريعته من قبل، يعيشون في وثنيتهم وخطاياهم في غباوة كالجحش، خطيتهم أفقدتهم حكمتهم. مربوطين برباطات خطاياهم وشهواتهم. خارجاً عن رعوية الله كالإبن الضال الذي ترك بيت أبيه فصار على الطريق بلا حماية من أبيه ليس من يضمه ولا من يهتم به. ولكن المسيح إهتم بهذا الإبن الضال وأتى ليحله من رباطاته وأرسل تلاميذه ليحلوه.

 

الآيات (7،8): "فآتيا بالجحش إلى يسوع وألقيا عليه ثيابهما فجلس عليه. وكثيرون فرشوا ثيابهم في الطريق وآخرون قطعوا أغصاناً من الشجر وفرشوها في الطريق."

إلقاء الثياب رمز للخضوع، فهل نخضع أجسادنا للمسيح عوضاً عن الشهوات الدنسة. ونلاحظ أن الشهداء فرشوا أجسادهم خلال قبولهم سفك دمائهم من أجل الإيمان كطريق يسلك عليه الرب ليدخل قلوب الوثنيين. والنساك فرشوا أجسادهم بنسكهم فصارت حياتهم طريقاً يسير عليه الرب لقلوب الناس. وهكذا كل خادم يخدم الله ويتألم ويتعب. وعلى كل منّا أن يطرح عند قدمي المسيح إنسانه العتيق فيدخل المسيح لقلوبنا منتصراً. ويعطي لنا الرب مسكناً في السماء، مسكن أبدي (2كو1:5+ مز24:118-26).

 

آية (10): "مباركة مملكة أبينا داود الآتية باسم الرب أوصنا في الأعالي."

أوصنا في الأعالي= هنا نرى موكب المسيا الموعود، كلنا فيه وهو رأس هذا الجسد المنطلق للسماء.

 

(لو28:19-44)

آية (30): "قائلاً اذهبا إلى القرية التي أمامكما وحين تدخلانها تجدان جحشاً مربوطاً لم يجلس عليه أحد من الناس قط فحلاه وآتيا به."

المسيح أتى ليقوم هو بكل العمل الفدائي ولكنه في محبته أراد أن يكون لكل واحد دور وخدمة. فالتلميذين يذهبان ويحضران الجحش، وصاحب الجحش يعطيه للسيد. ونلاحظ أن من يرسله المسيح لخدمة فهو يهيئ له النجاح فيها. ونلاحظ هنا عدم إعتراض صاحب الجحش.

 

الآيات (37-39): "ولما قرب عند منحدر جبل الزيتون أبتدأ كل جمهور التلاميذ يفرحون ويسبحون الله بصوت عظيم لأجل جميع القوات التي نظروا. قائلين مبارك الملك الآتي باسم الرب سلام في السماء ومجدٌ في الأعالي. وأما بعض الفريسيين من الجمع فقالوا له يا معلم انتهر تلاميذك."

سلام في السماء ومجدٌ في الأعالي= قارن هذه التسبحة بتسبحة الملائكة يوم ميلاد المسيح "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام" فهما مشتركتان في المجد في الأعالي ومفترقتان في السلام على الأرض هذا ما يقوله الملائكة. بينما يقول البشر سلام في السماء. فالملائكة فرحت بالسلام الذي صنعه المسيح على الأرض، أمّا البشر فيفرحون بالسلام الذي على الأرض ويتطلعون بفرح للسلام الذي سيحصلون عليه في الأعالي، فرحين بهذا السلام المعد لهم في السماء. وهكذا نتبادل شركتنا مع السمائيين. بينما نلاحظ أن أعداء ملكوت الله لا يفرحهم التسبيح ولهذا طلب الفريسيين من المسيح أن يسكتهم. ولنلاحظ أن المسيح إذ يقترب من قلوبنا (أورشليمنا الداخلية) فيتحول كل كياننا الداخلي إلى قيثارة يعزف عليها الروح القدس تسابيح فرحة. هذه التسابيح الفرحة هي بمناسبة نزع العداء بين السماء والأرض الذي أتى المسيح ليصنعه بصليبه، فصار سلام في السماء مع الأرض إذ لم يعد الله عدواً لنا ولا السمائيين أيضاً. أمّا المجد الذي في الأعالي فيعني إنفتاح السماء بأمجادها على الإنسان ليتمجد في الأعالي. حقاً كان الروح القدس ينطق على أفواه هؤلاء بهذه النبوات والتسابيح. القوات التي نظروا= المعجزات التي صنعها السيد المسيح خصوصاً إقامة لعازر.

 

آية (40): "فأجاب وقال لهم أقول لكم انه إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ."

من عبد الأوثان من الأمم صارت قلوبهم حجرية كأوثانهم، حتى هؤلاء آمنوا بالمسيح وسبحوه. بل يوم الصليب تحركت الحجارة وتزلزلت الأرض فعلاً.

 

الآيات (41-44): "وفيما هو يقترب نظر إلى المدينة وبكى عليها. قائلاً انك لو علمت أنت أيضاً حتى في يومك هذا ما هو لسلامك ولكن الآن قد اخفي عن عينيك. فانه ستأتي أيام ويحيط بك أعداؤك بمترسة ويحدقون بك ويحاصرونك من كل جهة. ويهدمونك وبنيك فيك ولا يتركون فيك حجراً على حجر لأنك لم تعرفي زمان افتقادك."

لقد خربت أورشليم سنة 70م فعلاً بسبب شرورها. ونحن سنهلك كهؤلاء أيضاً مثلها إن لم نستجيب لصوت الروح القدس ونتوب فنفرح ونسبح كهؤلاء وكان بكاء المسيح كما بكى على قبر لعازر إعلاناً لحزنه عمّا حدث للبشر من موت وفساد "في كل ضيقهم تضايق" والمسيح هنا يشير إلى ما تم بواسطة الرومان بقيادة تيطس وتدميره لأورشليم. ويهدمونك وبنيك فيك= قيل أن المجتمعين في أورشليم يوم أهلكها تيطس حوالي 2مليون بسبب عيد الفصح في تلك السنة. أحرق منهم تيطس حوالي 120.00على صلبان وقتل 1.2مليون وباع آلاف كعبيد والباقون ماتوا في مجاعة رهيبة حتى أن الأمهات أكلن أبناءهن. فمن يرفض المسيح يخرب ومن يقبله يفرح ويسبح. راجع (مت37:23،38+ أش7:1) هذه أجرة العصيان.

حتى في يومك هذا= لو كنت يا أورشليم قد قبلتيني كمخلص ما كان سيحدث لك ما سيحدث. ما هو لسلامك= الإيمان بالمسيح طريق سلام لها. أخفى عن عينيك= عدم الإيمان هو عمي بسبب خطاياها.

 

(يو12 :12-19)

الآيات (12،13): "وفي الغد سمع الجمع الكثير الذي جاء إلى العيد أن يسوع آت إلى أورشليم. فاخذوا سعوف النخل وخرجوا للقائه وكانوا يصرخون أوصنا مبارك الآتي باسم الرب ملك إسرائيل."

وفي الغد= أي يوم الأحد. إذاً الوليمة كانت يوم السبت. الذين حضروا حفل العشاء أذاعوا النبأ السار أن يسوع الذي يريدونه كملك سيأتي إلى أورشليم. والجمع الذي إحتشد كان أغلبهم من الجليليين ومن الذين سمعوا بمعجزة إقامة لعازر فتحمسوا للقائه. وأمام هذا الإستقبال الحافل تأكدت مخاوف الفريسيين ورؤساء الكهنة ووقفوا ينظرون خائفين وحاقدين. وسعف النخيل هو رمز للنصرة والبهجة (لا40:23+ رؤ9:7). وهم رأوا أن يسوع هو المسيح المسيا الذي تنبأ عنه الأنبياء وأنه سيأتي من نسل داود ليعيد لهم الملك (صف15:3-17+ لو32:1،33) فهم كانوا يحلمون بإستعادة كرسي داود بل وأن يحكموا العالم كله. ونرى من (1مك51:13+ 2مك4:14) أنهم كانوا يستقبلون الملوك بسعف النخيل. ووجدت عملات مسكوكة من أيام سمعان المكابي عليها سعف النخيل. والنخيل شجرة محبوبة لأنها ترتفع شامخة نحو السماء فارشة أغصانها مثل التاج كأذرع تتوسل دائماً. خضراء على الدوام تزهر وتثمر لمئات السنين (مز12:92،13+ نش6:7-8) وفيه نرى النفس المحبوبة للمسيح تشبه بنخلة.

 

الآيات (14،15): "ووجد يسوع جحشاً فجلس عليه كما هو مكتوب. لا تخافي يا ابنة صهيون هوذا ملكك يأتي جالساً على جحش أتان."

لا تخافي= فدخول المسيح لأورشليم كان للسلام ولم يأتي ليحارب الرومان وتسيل الدماء في أورشليم لكن ليملأ القلوب سلاماً. بل ليصنع سلاماً بين السماء والأرض. وكان دخوله وديعاً هادئاً وليس كالملوك الأرضيين يصنعون حرباً ويطلبون جزية. والجحش يستعمله الفقراء وفي هذا درس لليهود المتكبرين الذين يحلمون بملك أرضي. وفي تواضع المسيح هذا إشارة لأن أحلام اليهود في مملكة عالمية هي أوهام خاطئة. ودرس لكل من يحلم بمجد أرضي أنه يجري وراء باطل.

 

آية (16): "وهذه الأمور لم يفهمها تلاميذه أولاً ولكن لما تمجد يسوع حينئذ تذكروا إن هذه كانت مكتوبة عنه وانهم صنعوا هذه له."

لم يفهمها تلاميذه أولاً= كثيراً ما لا نفهم أعمال المسيح أولاً ولكننا من المؤكد سنفهم فيما بعد. وأنهم صنعوا هذه له= أي أنهم إشتركوا في تكريم المسيح كملك، وإشتركوا في تنفيذ النبوات، فهذه عائدة على النبوات. لم يكن التلاميذ فاهمين ولا الشعب ولا الفريسيين وكم من أمور تجري في حياتنا ونحن لا نفهمها. علينا أن لا نطالب بالفهم فسيأتي يوم ونفهم. لكن علينا بالإيمان.

 

آية (19): "فقال الفريسيون بعضهم لبعض انظروا أنكم لا تنفعون شيئا هوذا العالم قد ذهب وراءه."

هذه نبوة من فم الأعداء بإيمان العالم وذهابه وراؤه، ونرى غيظهم من ضياع سلطانهم. لا تنفعون شيئاً= هذه مثل "راحت عليكم". فالناس تركتهم وهذا هو ما أغاظهم.

 

طلب اليونانيين أن يروا يسوع (يو20:12-36)

الآيات (20-22): "وكان أناس يونانيون من الذين صعدوا ليسجدوا في العيد. فتقدم هؤلاء إلى فيلبس الذي من بيت صيدا الجليل وسألوه قائلين يا سيد نريد أن نرى يسوع. فآتى فيلبس وقال لإندراوس ثم قال إندراوس وفيلبس ليسوع."

يقرأ هذا الفصل في الساعة الأولى من ليلة الإثنين من البصخة المقدسة، فهذا هو الوقت الذي دار فيه هذا الحديث بعد دخول الرب لأورشليم. ويقرأ باكر عيد الصليب، فالصليب هو خلاص كل العالم، وهو محور كلام السيد المسيح هنا في ضرورة حمل الصليب. ومن يفعل يرى يسوع. ونرى هنا أن اليونانيين الأمم جاءوا لتحية المصلوب ملك اليهود، كما جاء المجوس الوثنيين لتحية المولود ملك اليهود، لكي يجمع المسيح في حياته ومماته الشرق والغرب، فالكل يسجد له ويعبده، كلاهما (يونانيين ومجوس) هم من الخراف التي ليست من هذه الحظيرة (اليهود)، كلاهما يفتتحان عصر قبول الأمم. ولاحظ أن في ميلاده رفضه اليهود. فولد في مذود ومجده الأمم. والآن يقبله الأمم اليونانيين ويدبر اليهود لقتله. واليونانيين هنا هم أصحاب الجنسية اليونانية وليسوا من يهود الشتات لكنهم تهودوا إذ قيل أتوا ليسجدوا، ولكنهم كانوا يعيشون في الجليل معجبين باليهودية، ولأنهم في نظر اليهود دخلاء فمكانهم في الهيكل في دار الأمم، لذلك جاءوا إلى فيلبس ليدبر لهم مقابلة مع المسيح لأن المسيح كان داخل الهيكل. ونلاحظ أن اليونانيين أتوا لفيلبس لأنهم يعرفونه من الجليل حيث يقيم يونانيين كثيرين. ونلاحظ أن فيلبس إسمه يوناني فربما كان له قرابة معهم. هم سمعوا عن المسيح ومعجزاته وإستقباله وتطهيره للهيكل فأعجبوا به وأرادوا أن يروه.

 

الآيات (23،24): "وأما يسوع فأجابهما قائلاً قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان. الحق الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها ولكن إن ماتت تأتى بثمر كثير."

رأى المسيح في مجيء اليونانيين باكورة الحصاد الذي سيحصد بواسطة موته. فحبة الحنطة تشير للمسيح الذي سيدفن بعد صلبه ليأتي بالأمم واليهود. والمسيح إنتهز الفرصة ليعلن إقتراب ساعة موته والتي بها سيكون الخلاص لكل العالم يهوداً ويونانيين أي يهوداً ووثنيين. يتمجد= بصليبه وموته ثم بقيامته وصعوده وجلوسه عن يمين الآب. وبذلك يكون الموت بداية للحياة المجيدة السمائية للأمم كما لليهود وبهذا يتمجد يسوع. وفي هذا تشابه مع البذرة في دفنها. اليونانيون أتوا ليروا مجد يسوع الذي دخل في إستقبال عظيم وطهر الهيكل. لكن نجد يسوع يتكلم عن موته. فالصليب هو مجده. وهذا عكس الملوك الأرضيون الذين يفتخرون بالمظاهر. وعلى كل مؤمن أن يميت ذاته مثل حبة الحنطة في هذا العالم، وهذا ما سوف يعطيه حياة أبدية. ومن يميت ذاته يكون المسيح بالنسبة له هو الطريق للقيامة والحياة. أمّا من إنغمس في لذات هذا العالم فيكون قد إختار الموت كما أن البذرة لو تركت بدون دفن يأكلها السوس (مت39:10). ولو تُركت البذرة في المخازن دون أن تُدفن في الأرض لأكلها السوس، بل لظلت هكذا بدون جمال، مجرد بذرة يابسة لكنها متى ماتت نبتت وأثمرت وأينعت وأخضرت الحقول وتوجت بالسنابل لذلك فالتضحية هي باب الإثمار والإنتاج، والصليب باب المجد. وأمّا الحبة التي ترفض التضحية وترفض الصليب تظل وحدها بلا منظر، بلا ثمار وبلا مجد. والثمار ستأتي أيضاً بتلاميذه الذين سيبذلون حياتهم. قد أتت الساعة= المسيح يعلن أن ساعة الصليب إقتربت، الذي به سيدخل الأمم (اليونانيون) للإيمان. هم أتوا ليروا مجد أرضي. ولكن أتت الساعة ليعرف الجميع معنى المجد الحقيقي السماوي. والمسيح إذ مات ودفن ثم قام عرفه الكل، وآمن العالم به. هو حبة الحنطة التي إذ تموت في التربة وتتحلل يخرج منها سنابل خضراء مملوءة (المؤمنين في كل العالم). فعمل المسيح الفدائي أعطى حياة لكثيرين جداً في كل العالم. وبالصليب سيرى الأمم واليهود المسيح رؤية قلبية بالروح القدس فيعرفوه ويؤمنوا به فيتمجد إبن الإنسان.

 

آية (25): "من يحب نفسه يهلكها ومن يبغض نفسه في هذا العالم يحفظها إلى حياة أبدية."

نرى هنا التطبيق العملي. من يبغض نفسه= يموت عن شهوات العالم. هنا المسيح يرد على سؤال اليونانيين وعلى كل من يريد أن يرى يسوع. فمن يريد أن يرى يسوع فليصنع ما صنعه يسوع ويموت عن العالم. من يحب نفسه= النفس هنا تشير للحياة الطبيعية الحسية. أمّا الحياة الأبدية فهي الحياة الحقيقية، فمن يترك لذاته الحسية الخاطئة الآن يكون كمن يدفن نفسه وبذلك يرتفع ليستحق الحياة الأبدية والحياة الأبدية هي المسيح والمعنى أن من يصلب الأنا تظهر حياة المسيح فيه. ولنبدأ بحفظ الوصية وإيثار الآخرين على أنفسنا ونقدم توبة حقيقية، فالتوبة هي دفن الجسد العتيق وإيثار الآخر هو دفن للأنا. وأمّا من لا يريد أن يكون كحبة الحنطة المدفونة ويمت فلن يأتي بثمر، من يرفض خدمة الآخرين ويرفض إعطاء الحب للآخرين ويحيا في عزلة وإنفرادية متلذذاً بحسياته الجسدية يكون كبذرة في المخازن بلا جمال ولا مجد معرضة للفساد والسوس محرومة من الحياة الأبدية. فلنحمل صليب يسوع حتى الموت. ومن يتمسك بالمادة لا يمكن أن يرتقي إلى فوق (السماويات). ومن يلتصق بشيء فانٍ يفنى معه (كملذات الدنيا). هذا هو طريق رؤية المسيح.

 

آية (26): "إن كان أحد يخدمني فليتبعني وحيث أكون أنا هناك أيضاً يكون خادمي وإن كان أحد يخدمني يكرمه الآب."

المسيح هنا يقدم مفهوم الخدمة فهي ليست مجرد خدمة للآخرين بل هي أن نسير في طريق المسيح أي الصليب. فليتبعني= كيف نتبعه إن لم نقبل أن نحمل الصليب. ونسير في طريقه بحفظ وصاياه وقبول أي صليب يوضع علينا (مت38:10،39). فالإيمان الصادق بالمسيح هو أن نسير في طريقه ونتحمل في سبيله كل أنواع الجهاد الروحي فمن يشاركه آلامه سيشاركه أمجاده (رو17:8). حيث أكون أنا يكون خادمي= أي يكون له نفس طريق المسيح أي الصليب ثم المجد. إن كان أحد يخدمني= لا يقصد بهذا خدمته في العالم بينما هو في الجسد لأن ساعة موته قد إقتربت. ولكن تعني حفظ وصاياه وخدمة أولاده، ويتشبه به فهو أتى ليَخْدِمْ لا ليُخْدَمْ. يكرمه الآب= من يتبع المسيح ويخدمه حاملاً صليبه سينال كرامة من الله الآب (مت40:10+ 1صم30:2). وهنا المسيح يشرح وحدة الذات الإلهية بينه وبين الآب. فمن يكرمه الإبن يكرمه الآب أيضاً، ولا يعود عبداً بل يصير إبناً للآب. ونحن نكرم القديسين والشهداء فالآب يكرمهم. ولنلاحظ أنه لا صليب بدون تعزيات (2كو3:1-10).

 

آية (27): "الآن نفسي قد اضطربت وماذا أقول أيها الآب نجني من هذه الساعة ولكن لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة."

النفس هي قاعدة المشاعر الإنسانية. أمّا الروح فهي أداة الإتصال بالله بها يتحدث مع الله وينعكس هذا في تعبيراته وتعاليمه. وإضطرابه هنا يشير لأنه إنسان كامل وهو الآن يتصوًّر الثمن الذي عليه أن يدفعه وهو الموت وحمل خطايا كل البشرية حتى يراه اليونانيين ويراه كل من يؤمن. الإضطراب لا يعني الخوف فالمسيح لا يخاف من الموت فما يجعلنا نخاف من الموت هو الخطية والمسيح بلا خطية. ونخاف من الموت فما بعد الموت مجهول لنا، أما المسيح فيعرف المجد السماوي. إذا هو ليس خوف بل هو إنفعال عاطفي شديد داخل النفس. ليس من أجل آلام الصليب ولكن [1] من أجل الخطايا سيحملها وهو القدوس البار. والخطية بالنسبة له شئ مكروه جداً. [2] من أجل الموت الذي سيتذوقه وهو الحي المحيي. القيامة والحياة. والموت ليس من طبيعته. ولكن لإتصاله الروحي بالآب كان له قرار حاسم هو التوجه إلى الصليب مهما كان الثمن= ولكن لأجل هذا أتيت= لأجل [1] محبته للبشر [2] طاعته للآب. كان قراره موجه بكل قوة نحو إتمام المشيئة الربانية وبكل حسم أيضاً. ماذا أقول= المسيح لا يسأل، بل هو يلفت النظر لإضطرابه وإنفعاله نتيجة المعركة مع الموت والتي في نهايتها يموت الموت. وهو كان يصلي ويصرخ (عب7:5) ليخرج منتصراً من هذه المعركة ويضاف إنتصاره لحساب الإنسان ويكون للإنسان حياة عوضاً عن الموت.

نجني من هذه الساعة= أعطني الإنتصار على الموت بالقيامة. وقبول الآب وإستجابة الآب أعلنا بقيامة الإبن.

 

الآيات (28-30): "أيها الآب مجد اسمك فجاء صوت من السماء مجدت وامجد أيضاً. فالجمع الذي كان واقفاً وسمع قال قد حدث رعد وآخرون قالوا قد كلمه ملاك. أجاب يسوع وقال ليس من اجلي صار هذا الصوت بل من أجلكم."

إسمك= إجو إيمي (يونانية)= أنا هو يهوه (عبرية) يهوه صار إسماً للمسيح. مجد إسمك= مجد إبنك. فالمسيح يطلب أن يمجده الآب ويؤيده في هذه المعركة مع الموت لينتصر على الموت. ولكن لنلاحظ أن الآب والإبن واحد فمجد الإبن هو مجد الآب أيضاً. والصوت الشديد كان ليسمعه المجتمعون فيؤمنوا بالمسيح بعد أن ظهرت علاقته بالآب. والله سبق وكلم موسى وإبراهيم وكثير من الأنبياء والآن يكلم إبنه ليظهر العلاقة بينه وبين إبنه، إلاّ أن اليهود لم يفهموا. رعد .. ملاك= الله يتكلم لكن كل واحد يسمع بحسب إستعداده ونقاوة قلبه وإهتمامه فالبعض فهموا أن هذا صوت فقالوا ملاك والبعض لم يفهم أبداً فقالوا رعد. وعموماً فصوت الرعد يصاحب كلام الله كما حدث مع موسى. ونلاحظ أن المجتمعين لم يميزوا صوت الله ولم يفهموا ما قيل، فالناس في بشريتهم وخطيتهم لا يستطيعون أن يسمعوا صوت الله. ونلاحظ أن صلاة المسيح ليست مثل صلاتنا وفيها نرجو ونتذلل وننسحق ليقبلنا الله، ولكن هي نوع من إعلان الصلة بينه وبين أبيه ومن خلال هذه الصلة تنسكب القوة الإلهية لتساند الجسد الضعيف حتى ينتصر في معركة الموت. ويرى الناس هذه الصلة فيؤمنوا بأن المسيح هو من الله. وصلاة المسيح حيث أنه واحد مع الآب ومشيئتهما وإرادتهما واحدة تشير لأنه يعلن مشيئة الآب التي هي مشيئته أيضاً. مجدت= في حياته ومعجزاته وبره وأن كل الإتهامات ضده إرتدت على مقاوميه. كما شهد الآب للإبن في العماد والتجلي وقال "هذا هو إبني الحبيب" وكما شهدت الملائكة له يوم الميلاد قائلة "المجد لله في الأعالي.." هنا الآب يشهد للمجد الذي للإبن منذ الأزل= وأمجد أيضاً= المجد الذي سيصير لناسوته بعد موته إذ يقوم ويصعد للسماء ويجلس عن يمين الآب. وسيؤمن به كل العالم ويسجدون له. بل من أجلكم= إذاً الصوت ليس لتشجيع المسيح لكن ليؤمنوا (هو إعلان للناس).

 

آية (31): "الآن دينونة هذا العالم الآن يطرح رئيس هذا العالم خارجاً."

قال دينونة ولم يقل الدينونة. فالدينونة مُعَرَّفَةْ بالـ هي في نهاية العالم. دينونة= يسقط بعنف نتيجة ضربة قوية ويخرج خارج دائرة المصارعة إذ إنهزم، هذا معنى الكلمة. والإنتصار ليس أن الله إنتصر على إبليس بل المسيح الإنسان إنتصر لحسابنا عليه ليجذبنا بصليبه للسماء والغلبة هي لمن يؤمن (1يو4:5). ولكن هناك دينونات كثيرة كلٌ في ميعادها. فمحاكمة المسيح الظالمة سيقع ذنبها على من حكموا عليه، ولذلك خربت أورشليم. ولأن من حكموا على المسيح ظلماً يحركهم الشيطان فلابد أن يسقط الشيطان بعد أن ساد العالم بظلمته طويلاً (لو18:10،19). ولقد إنكشف إبليس أمام الكل وصارت حيله معروفة مدانة لأولاد الله. المسيح ببره أظهر شر العالم والشيطان الذي يحرك العالم حين صلب العالم المسيح. فلا عذر لإنسان يسير وراء العالم. لقد كان الصليب دليل إدانة العالم على كل شروره، فالعالم عوضاً عن أن يفرح بالمسيح قام عليه وصلبه (يو19:3+ 39:9+ 11:16). ومعروف أن الشيطان رئيس هذا العالم (يو30:14). ولقد تحوَّل الصليب إلى مجد للمسيح وحياة للمؤمنين وقوة يهزمون بها الشيطان، وصار الصليب عار ودينونة وإدانة لمن صلبه ولمن لا يؤمن به. بالصليب سلب الله كل سلطان لإبليس على البشر (مت29:12). وجرده من كل نفوذ له كان يذلهم به ويجعلهم عبيداً له (كو14:2،15). ومن ثم خلعه من عرشه وطرحه خارج العالم ليصير مجرد مخلوق حقير شرير متمرد على الله ينتظر في سجنه ساعة الدينونة (2بط4:2) مقيداً بسلاسل بعد الصليب (رؤ1:20-3). ينتظر أن يلقى في النار الأبدية في نهاية الأيام (مت41:25+ مر24:1). ولكن طرحه بدأ بالصليب= الآن يُطرح لم يعد للشيطان سلطان على أولاد الله. هو خارج دائرة من هم للمسيح. هو يحاربهم لكن لا سلطان له عليهم. وقوله دينونة العالم أي كشف وجه العالم الغادر والمقصود بالعالم هو المادية المعادية لروح الله. ونلاحظ أنه بالمعمودية يخرج الشيطان تماماً من حياة المؤمنين ولكن يظل يحاربهم من خارج (لو22:11،21). والمسيح أعطانا القوة أن نطرده وأعطانا سلطاناً أن ندوس عليه بعد أن حررنا منه. ولكن هناك من يذهب له وبالتالي يفقد حريته لذلك ينبه المسيح أن لا نفعل ذلك (يو36:8). بالصليب أدينت الخطية فينا أي ماتت وأصبحت بلا سلطان علينا (رو3:8).

 

الآيات (32،33): "وأنا إن ارتفعت عن الأرض اجذب إلىّ الجميع. قال هذا مشيراً إلى أية ميتة كان مزمعاً أن يموت."

المسيح إرتفع على مرحلتين الأولى على الصليب (يو14:3+ 28:8) ثم الصعود (مر19:16+ لو51:9+ أع11:1). وكان الصليب هو طريق الصعود لأعلى فهو كان الخطوة الأولى. لذلك صار المؤمنون يشتهون الصليب بسبب الخطوة التالية وهي الإرتفاع للمجد (يو1:14-3) كان كل هذا رداً على طلب اليونانيين أن يروه. فهو سيجذبهم لأعلى وليس فقط سيرونه. بإرتفاع المسيح على الصليب سيجذب المؤمنين إلى الحياة الأبدية. مشيراً= كلمة صليب كانت لعنة وصارت إرتفاع للمجد. لقد صارت كلمة إرتفاع تشير للصليب وتشير للصعود أيضاً، بل صارت قوة جبارة تجذب البشر للسماء وعكس قوى الشر. هو يجذب لكن ليس كل واحد يستجيب، وقوله الجميع= يهود وأمم.

 

آية (34): "فأجابه الجمع نحن سمعنا من الناموس إن المسيح يبقى إلى الأبد فكيف تقول أنت انه ينبغي أن يرتفع ابن الإنسان من هو هذا ابن الإنسان."

تنبأ الأنبياء عن أن ملك المسيح أبدي (دا 13:7،14+ أش7:9+ حز25:37+ مز3:89،4،35،36+ مز4:110) ولكن اليهود فهموا هذه النبوات خطأ لأنهم ظنوا أن ملك المسيح سيكون على الأرض ولم يفهموا أن ملكه سيكون ملك أبدي سماوي. ولذلك حينما قال المسيح إن إرتفعت عن الأرض (32) فهمها اليهود أنه سيموت، ومن هنا حدث اللبس فيكف يموت وهو المسيا الذي سيملك إلى الأبد. وكان خطأ اليهود فهمهم السطحي فكيف يقيم المسيح ملكاً أبدياً على أرض مصيرها الفناء. هو قال عن نفسه أنه إبن الإنسان فبحسب فهمهم أنه لو كان المسيح فإبن الإنسان لن يموت.

 

الآيات (35،36): "فقال لهم يسوع النور معكم زماناً قليلاً بعد فسيروا ما دام لكم النور لئلا يدرككم الظلام والذي يسير في الظلام لا يعلم إلى أين يذهب. ما دام لكم النور آمنوا بالنور لتصيروا أبناء النور تكلم يسوع بهذا ثم مضى واختفى عنهم."

فيها رد على تصورهم أن المسيح سيبقى على الأرض إلى الأبد. ومعنى كلامه لا لن أبقى للأبد على الأرض كما تظنون. وهنا فالسيد يعطيهم نصيحة لأنهم متشككين حتى ينتفعوا بفرصة وجوده معهم فهو النور القادر أن يقودهم. فهو ليس إنسان ذي جسد عادي مثل باقي البشر، بل هو الله نور من نور (يو12:8+ 5:9+ 6:1-10+ 19:3) وطالما قال السيد عن نفسه أنه هو النور. ونفهم من الكتاب المقدس أن النور هو الله ذاته (أي19:38+ دا22:2+ مز2:104+ مز1:27) وواضح أن المسيح يدعوهم لأن يؤمنوا به ليصيروا أبناء النور= أي من يؤمن بالمسيح يتغير كيانياً، يصير خليقة جديدة، يصير نوراني (هذه مثل "يصير نيرِّاً كله" لو36:11). ثم مضى وإختفى عنهم= غالباً كان إختفائه بطريقة عجيبة ملحوظة من أمامهم رمزاً لأن نوره الذي كلمهم عنه سوف يختفي قريباً كتحذير لهم من عدم إيمانهم.. ولكنهم لم يؤمنوا، هم يريدوا أن يسير الله بحسب فكرهم وليس العكس. ولاحظ تسلسل كلام الرب فهو قال أولاً سيروا في النور ثم تقدم خطوة فقال آمنوا بي. فسيروا ما دام لكم النور= في ترجمة أخرى (القطمارس) فسيروا في النور، ومن يسير في النور سيعرف المسيح ويؤمن به، أي من ينفذ الوصية سيلتقي بالمسيح ويعرفه، بل يسكن عنده الآب والإبن (يو23:14). يدرككم الظلام= أي الشيطان والمعنى إن لم تقبلوني سيسيطر عليكم الشيطان. إذاً إنتهزوا الفرصة فمن لا يسير في النور لن يصل للحياة الأبدية.

(مت17:21):- المسيح يبيت في بيت الألم (عنيا) فهو يرفض الملك الزمني الذي أراده له الذين إستقبلوه في أورشليم.

 


 

يوم الإثنين

 

شجرة التين غير المثمرة مت18:21،19،[20-22] + مر12:11-14

هناك عدة تساؤلات في موضوع التينة

1- المسيح هنا جاع وطلب أن يأكل من شجرة تين رأى أوراقها عليها خضراء ولماّ لم يجد ثمراً لعنها فيبست!! والسؤال هل هذا الموقف يمكن تفسيره بطريقة بسيطة؟ وهل المسيح الذي صام من قبل 40يوماً ورفض أن يطلب من الآب أن يُحوِّل له الحجارة خبزاً، حينما لا يجد تيناً على الشجرة يلعنها لأنه جائع.

2-   والأعجب أن الوقت ليس وقت إثمار التين (مر13:11).

من هذين السؤالين نفهم أنه لا يمكن تفسير هذه القصة إلاّ رمزياً. فشجرة التين تشير لإسرائيل (لو6:13-9+ هو10:9+ يؤ7:1+ يه12). فالمسيح لا يشبع من التين بل من الثمار الروحية المباركة التي يراها في المؤمنين (يو31:14-35). ومنها نفهم أن المسيح يفرح بإيمان البشر، هذا ما يشبعه + أش11:53). وكان المسيح يتمنى أن يؤمن به اليهود فيشبع ولكنه كان يعلن أنهم لن يؤمنوا، فهذا ليس وقت إثمار شجرة التين اليهودية. والمسيح لعنها إشارة لهدم القديم لتقوم شجرة التين المسيحية أي الكنيسة، ينتهي عهد قديم ليبدأ عهد جديد. لا يمكن أن تقوم مملكة السيد إلاّ بهدم مملكة الظلمة. ولاحظ أن لعن الأمة اليهودية كان بسبب عدم إيمانهم بالمسيح وصلبهم للسيد. بعد أن قدَّم لهم السيد كل إمكانيات الإثمار من ناموس وشريعة وأنبياء. لكنهم ظل لهم الورق، أي منظراً حلواً فهم لهم طقوسهم وهيكلهم وناموسهم لكنهم للأسف بدون ثمار، والثمار التي يريدها الله هي إيمانهم وأعمالهم الصالحة. والأوراق بدون ثمر تشير للرياء والرياء هو أن يظهر الإنسان غير ما يبطن مثل من له صورة التقوى ولكنه ينكر قوتها وهو بلا ثمر (2تي5:3). وتذكرنا أوراق التين، بما فعله آدم حين غطى نفسه بأوراق تين فلم تستره، لكن الله قدًّم له الحل في ذبيحة تشير لذبيحة المسيح وستره بها. وهذا يعني أن كل من يحاول أن يستر نفسه بأعمال تدين ظاهري دون ثمار إيمان داخلية، إيمان بصليب المسيح وفدائه يكون قد فعل كآدم ولم يستر نفسه. علينا أن نعترف بخطايانا ولا نكابر كآدم فيستر المسيح علينا.

قارن (مت19:21 مع مر20:11) فنرى أن متى قال أنها يبست في الحال بينما أن مرقس يذكر أنهم رأوا هذا في الغد فما تفسير ذلك؟!

هذا يذكرنا بأن الله قال لآدم "يوم تأكل.. تموت" ولكنه عاش أكثر من 900سنة وبهذا نفهم أن وقت أن لعن السيد التينة إنقطع عنها تيار الحياة ولكن بدأ يظهر عليها هذا الإنحلال في غد الثلاثاء. (هذا يشبه من يقول أنه لو تم فصل التيار الكهربي عن مروحة لابد وستقف، ولكنها حين نفصل التيار تظل دائرة لمدة بسيطة ثم تقف) هكذا في موضوع آدم فهو يوم أخطأ بدأ يسرى فيه تيار الموت والإنحلال ومات بعد مدة، ويوم لعن السيد التينة إنقطع عنها تيار الحياة وقوة الحياة في الحال وظهر عليها علامات الموت في اليوم التالي.

وهذا ما حدث مع اليهود فهم يوم صلبوا المسيح لُعِنوا وإنقطع عنهم تيار بركة الله وحمايته وظهر هذا بعد أقل من 40سنة على يد تيطس حين خرّب أورشليم وهكذا كل إنسان يخطئ تسرى فيه عوامل الموت فوراً وإذا لم يقدم توبة ويتناول ليحيا، ستظهر عليه علامات الخراب سريعاً.

والعكس فمن يكون في خطيته محروماً من بركة الله فحينما يقدم توبة ستعود له هذه البركات بالتأكيد حتى وإن تأخرت (حب17:3،18).

 

(مت18:21-22)

آية (21): "فأجاب يسوع وقال لهم الحق أقول لكم إن كان لكم إيمان ولا تشكون فلا تفعلون أمر التينة فقط بل إن قلتم أيضاً لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر فيكون."

لقد جفت تينة اليهود بسبب عدم إيمانهم، ولكن بإيمان الأمم إنطرح الجبل الحقيقي وإنطرح وسط بحر الأمم (أش6:49). ونحن إن كان لنا الإيمان بالسيد المسيح سيجفف تينة إنساننا العتيق، ويدخل إلى داخلنا كما ينطرح الجبل في البحر ليكون خلاص لنا. بالإيمان ننعم بكل شئ في المسيح يسوع مادمنا نناله فينا.

 

آية (22): "وكل ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه."

فمن يطلب وهو متشكك لا يستجاب له.. ولكن إن كان لنا إيمان قدر حبة الخردل ووقفنا نصلي يستجيب الله فيزداد إيماننا، فنصلي بإيمان أكثر وحينما يستجيب يتزايد وينمو إيماننا وينزاح وينطرح جبل الشك في البحر ونصير مؤمنين فالله يداوي ويعالج عدم أو ضعف إيماننا.

ملاحظات على موضوع التينة :

·   إنتشرت وسط اليهود أيام المسيح أفكار وثنية مفادها أن هناك إله للخير وإله للشر، وفي موضوع لعن التينة نرى أن المسيح يلعن التينة وكانت المرة الأولى والوحيدة التي تخرج من فم الرب يسوع كلمات لعنة، وهو بهذا أظهر أن هناك إله واحد يجازي بالخير ويدين أيضاً ويعاقب بالشرور، هو القادر على كل شئ فهو يقيم لعازر من الأموات وهو يعلن الأمة اليهودية التي لها مظهر التدين لكنها بلا ثمر، وسيصل شرهم لأن يصلبوه. وطالما أظهر قدرته على فعل الخير وإلحاق الشر بمن يريد، فهو كان قادراً أن يلحق الشر بصالبيه والجنود الذين أتوا ليلاً ليلقوا القبض عليه لكنه لم يريد وسلَّم نفسه طواعية وهو القادر.

·   التلاميذ رأوا صباح الثلاثاء التينة يابسة وبعد دقائق سألوا المسيح عن علامات الأياّم الأخيرة فقال لهم أن إحدى العلامات "أن شجرة التين يصبح ورقها أخضر، وربما نفهم هذا عن الأمة اليهودية التي ظلت في خراب حوالي 2000سنة وبدأت منذ سنوات تظهر كدولة مرة أخرى. (راجع مت 24).

 

تطهير الهيكل

مت12:21-17 + مر11:11،15-19+ لو45:19-48+ 37:21،38

·   في بداية خدمة السيد المسيح طهَّرَ الهيكل (يو14:2-17). وهنا نسمع أنه يكرر تطهير الهيكل. ولكن نلاحظ فرقاً واضحاً بين متى ومرقس في ترتيب الأحداث فالإنجيلي متى يورد القصة كأنها حدثت بعد دخول المسيح إلى أورشليم مباشرة. أما مرقس فيذكر التفاصيل بصورة دقيقة. ففي يوم الأحد، يوم الشعانين عقب دخول السيد المسيح إلى أورشليم إتجه مباشرة للهيكل (مر11:11). ولم يفعل شيئاً سوى أنه نظر حوله إلى كل شئ. ثم نجد أن المسيح يذهب للهيكل صباحاً وفي طريقه إلى الهيكل لعن شجرة التين ثم ذهب للهيكل لتطهيره (مر15:11-19). ولا يوجد تناقض في هذا فمتى يكتب لليهود ويقدم لهم المسيح على أنه إبن داود الملك الذي دخل أورشليم كملك وإتجه مباشرة إلى هيكله ليطهره، هنا متى لا يهتم بالترتيب الزمني بل بالمعنى أو الهدف من دخول أورشليم أن يذهب المسيح كملك إلى قصره. فكل ملك يدخل إلى قصره ولكن لأن المسيح ملك سماوي، بل هو الله فقصره هو الهيكل بيت الله أبيه. أمّا مرقس فأورد القصة في مكانها الزمني ولكن بطريقة تسترعى الإنتباه فهو دخل للهيكل عقب دخوله أورشليم مباشرة كما قال متى، ولكنه لم يفعل شيئاً سوى أنه نظر كأنه يعاتب، ألم أطهر هذا المكان من قبل، ما الذي حدث إذن؟ وترك الهيكل ومضى. ولكنه في الغد أتى وطهًّره بطريقة شديدة. وهكذا مع كل منّا قبل أن يطهر المسيح حياتنا بعنف يعاتب ويحذر ثم يتدخل بعنف.

 

 (مت12:21-17)

متى يورد القصة مباشرة بعد دخول المسيح أورشليم، فمتى يريد أن يشير لملك المسيح الروحي على قلوبنا، فحين يدخل قلوبنا يطهرها ويملك عليها فهو الملك الإلهي. فإذ يدخل الرب أورشليمنا الداخلية إنما يدخل إلى مقدسه، يقوم بنفسه بتطهيره. والسوط الذي يستخدمه قد يكون صوت الروح القدس الذي يبكت على خطية وقد يكون بعض التجارب والآلام.

آية (12): "ودخل يسوع إلى هيكل الله واخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام."

يبيعون ويشترون= كانت هناك أماكن مخصصة لتغيير العملة ليدفع منها العابدين الجزية (ضريبة نصف الشاقل المقررة على كل يهودي. والشاقل هو العملة اليهودية وهي بدون صور)، ولما كان أناس يهود يأتون من كل العالم ومعهم عملاتهم كان لابد من تغييرها بالعملة المحلية. وكانوا يبيعون الطيور لتقديمها كذبائح ولكن الموضوع تطور ليصير تجارة تدر عائداً ضخماً على حنان وقيافا بل أن المكان الذي كان مخصصاً لصلاة الأتقياء من الأمم خصصوه للتجارة. ويرى البعض أنهم كانوا يقدمون قروض في مقابل هدايا عينية إذ أن الربا ممنوع. بل صاروا يتاجرون في كل شئ في الهيكل.

 

آية (13): "وقال لهم مكتوب بيتي بيت الصلاة يدعى وانتم جعلتموه مغارة لصوص."

(أش7:56+ أر11:7+ 1مل29:8+ نح17:11)

 

آية (14): "وتقدم إليه عمي وعرج في الهيكل فشفاهم."

هذا هو المسيح الذي أتى ليشفي ويطهر ليعدنا للملكوت السماوي.

 

آية (15): "فلما رأى رؤساء الكهنة والكتبة العجائب التي صنع والأولاد يصرخون في الهيكل ويقولون أوصنا لابن داود غضبوا."

عجيب أن يصنع السيد المسيح ما فعله في الهيكل وهو شخص وحيد منبوذ بلا إعتبار، مكروه من رؤساء الكهنة والكهنة، بل هو في قلبه لموائد باعة الحمام والصيارفة يهاجم مصالح رؤساء الكهنة المادية وشاهدوا دمار مكاسبهم. ولكن يبدو أن جلالاً إلهياً كان يبدو على ملامحه ونظراته أرعبتهم فسكتوا، ولم يستطيعوا أن يفعلوا شيئاً سوى أنهم غضبوا. وفي المقابل اكتشف الأطفال في براءتهم حلاوة وجهه ففرحوا به وسبحوا، أمّا من أعمتهم شهوات قلوبهم فرأوا فيه إنساناً مُضِّلاً للشعب. والأطفال لم يفهموا ما يقولونه لكنهم كانوا يرددون ما سمعوه من الكبار بالأمس= أوصنا لإبن داود. الأطفال الذين بلا معرفة إنفتح قلبهم وسبحوا أمّا دارسي النبوات فإنغلق قلبهم وعيونهم فلم يروا. والذي يريد أن يعرف كيف يسبح عليه أن يرجع ويصير مثل الأطفال في بساطتهم وبراءتهم وتصديقهم لما يسمعونه.

 

آية (16): "وقالوا له أتسمع ما يقول هؤلاء فقال لهم يسوع نعم أما قرأتم قط من أفواه الأطفال و لرضع هيأت تسبيحاً."

(مز2:8) أما الحكماء في أعين أنفسهم كالفريسيين فستكون لهم النبوات مجرد معلومات غير مفرحة ولا معزية.

 

 (مر11:11،15-17)

آية (11): "فدخل يسوع أورشليم والهيكل ولما نظر حوله إلى كل شيء إذ كان الوقت قد أمسى خرج إلى بيت عنيا مع الإثني عشر."

نظر كل شئ= هو الإله الغيور الذي لا يطيق في بيته فساداً أو شراً، بل عيناه تجولان وتفحصان كل شئ لتفرز المقدسات عن النجاسات وتطرد الأخيرة. والمسيح ينظر ويحذر ويعاتب وينذر قبل أن يمسك السوط ليؤدب ويطهر. ونلاحظ أن المسيح الوديع نراه حازماً كل الحزم مع من يفسد هيكله (1كو17:3). ونلاحظ أننا هياكل الله والروح القدس يسكن فينا (1كو16:3).

 

آية (15): "وجاءوا إلى أورشليم ولما دخل يسوع الهيكل أبتدأ يخرج الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام."

نلاحظ أن المسيح بعد ذلك بأيام إستسلم لصالبيه بلا مقاومة، بينما نراه هنا يستخدم سلطانه في غضب ضد الذين أفقدوا الهيكل قدسيته. إذاً هو له القدرة أن يفعل هذا مع صالبيه ولكنه بإرادته لم يفعل.

 

آية (16): "ولم يدع أحداً يجتاز الهيكل بمتاع."

تحول رواق الأمم إلى سوق. وصار كل من يريد أن يعبر من المدينة إلى جبل الزيتون، عوضاً عن الدوران حول الهيكل، كان يعبر من داخل دار الأمم أو رواق الأمم، فحُرِم الأمم الأتقياء من وجود مكان لهم للصلاة في الهيكل. والمسيح منع الناس من إستخدام الهيكل كممر أو معبر.

 

آية (18): "وسمع الكتبة ورؤساء الكهنة فطلبوا كيف يهلكونه لأنهم خافوه إذ بهت الجمع كله من تعليمه."

لاحظ أن قوة غربية كانت تخرج منه فخافوه ويقول البعض أن وجهه أنار.

 

 (لو45:19-48): "ولما دخل الهيكل أبتدأ يخرج الذين كانوا يبيعون ويشترون فيه. قائلاً لهم مكتوب أن بيتي بيت الصلاة وأنتم جعلتموه مغارة لصوص. وكان يعلم كل يوم في الهيكل وكان رؤساء الكهنة والكتبة مع وجوه الشعب يطلبون أن يهلكوه. ولم يجدوا ما يفعلون لأن الشعب كله كان متعلقاً به يسمع منه."

لاحظ أن عمل التطهير يشمل عملين [1] عمل سلبي فيه طرد الرب الباعة وطهر الهيكل [2] عمل إيجابي قام فيه الرب بالتعليم.

 

تعليق على الآية (مر17:11)

حين دشن سليمان بيت الله صلى أن يستجيب الله كل صلاة توجه من هذا المكان والرب قال له قد سمعت صلاتك (1مل30:8،35،38،41،42+ 1مل3:9) أما الكهنة ورؤساء الكهنة فكانوا يتاجرون ويسلبون ما استطاعوا سلبه من عطايا الناس.


 

يوم الثلاثاء

 

شجرة التين اليابسة مت20:21-22 + مر20:11-26

(مت20:21-22): "فلما رأى التلاميذ ذلك تعجبوا قائلين كيف يبست التينة في الحال. فأجاب يسوع وقال لهم الحق أقول لكم إن كان لكم إيمان ولا تشكون فلا تفعلون أمر التينة فقط بل إن قلتم أيضاً لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر فيكون. وكل ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه."

(مر20:11-26): "وفي الصباح إذ كانوا مجتازين رأوا التينة قد يبست من الأصول. فتذكر بطرس وقال له يا سيدي انظر التينة التي لعنتها قد يبست. فأجاب يسوع وقال لهم ليكن لكم إيمان بالله. لأني الحق أقول لكم أن من قال لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر ولا يشك في قلبه بل يؤمن أن ما يقوله يكون فمهما قال يكون له. لذلك أقول لكم كل ما تطلبونه حينما تصلون فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم. ومتى وقفتم تصلون فاغفروا إن كان لكم على أحد شيء لكي يغفر لكم أيضاً أبوكم الذي في السماوات زلاتكم. وإن لم تغفروا انتم لا يغفر أبوكم الذي في السماوات أيضاً زلاتكم."

يرى الدارسون أن الجبل المتحرك يشير إلى كل ما هو صعب. وكانت اللغة المألوفة عند حاخامات اليهود وفي مدارسهم أن من يفسر نبوة أو نصاً صعباً من الكتاب أنه محرك الجبال. وكما رأينا سابقاً أن الجبل أيضاً يشير للمسيح (دا 35:2،45) وبالإيمان ينتقل المسيح إلى القلب الذي مثل البحر في إضطرابه فيسوده السلام. وينتقل إلى الأمم الذين كالبحر فيسودهم الإيمان والفرح. ولكن هناك شرطين :

1-   أن نصلي ونطلب بإيمان وليس عن شك. إلى أن تكون طلبتنا وفق مشيئة الله (1يو14:5).

2- أن يملأ القلب الصفح عن خطايا الآخرين ليغفر لنا الله، فالله لن يستجيب لمن يملأ قلبه الكراهية والغضب والحقد وطلب الإنتقام ولا من يملأ قلبه الشهوات النجسة. الله يستجيب لمن يكون قلبه طاهراً فيسكن فيه.

ولاحظنا أن المسيح لعن التينة يوم الإثنين فتوقف عنها تيار الحياة فوراً ولكن علامات الموت ظهرت يوم الثلاثاء صباحاً.

 

سؤال الرؤساء عن سلطان يسوع مت23:21-27 + مر27:11-33 + لو1:20-8

(مت23:21-27): "ولما جاء إلى الهيكل تقدم إليه رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب وهو يعلم قائلين بأي سلطان تفعل هذا ومن أعطاك هذا السلطان. فأجاب يسوع وقال لهم وأنا أيضاً أسألكم كلمة واحدة فان قلتم لي عنها أقول لكم أنا أيضاً بأي سلطان افعل هذا. معمودية يوحنا من أين كانت من السماء أم من الناس ففكروا في أنفسهم قائلين إن قلنا من السماء يقول لنا فلماذا لم تؤمنوا به. وإن قلنا من الناس نخاف من الشعب لأن يوحنا عند الجميع مثل نبي. فأجابوا يسوع وقالوا لا نعلم فقال لهم هو أيضاً ولا أنا أقول لكم بأي سلطان افعل هذا."

 

(مر20:11-33): "وجاءوا أيضاً إلى أورشليم وفيما هو يمشي في الهيكل اقبل إليه رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ. وقالوا له بأي سلطان تفعل هذا ومن أعطاك هذا السلطان حتى تفعل هذا. فأجاب يسوع وقال لهم وأنا أيضاً أسألكم كلمة واحدة أجيبوني فأقول لكم بأي سلطان افعل هذا. معمودية يوحنا من السماء كانت أم من الناس أجيبوني. ففكروا في أنفسهم قائلين إن قلنا من السماء يقول فلماذا لم تؤمنوا به. وإن قلنا من الناس فخافوا الشعب لأن يوحنا كان عند الجميع انه بالحقيقة نبي. فأجابوا وقالوا ليسوع لا نعلم فأجاب يسوع وقال لهم ولا أنا أقول لكم بأي سلطان افعل هذا."

 

(لو1:20-8): "وفي إحدى تلك الأيام إذ كان يعلم الشعب في الهيكل ويبشر وقف رؤساء الكهنة و الكتبة مع الشيوخ. وكلموه قائلين قل لنا بأي سلطان تفعل هذا أو من هو الذي أعطاك هذا السلطان. فأجاب وقال لهم وأنا أيضاً أسألكم كلمة واحدة فقولوا لي. معمودية يوحنا من السماء كانت أم من الناس. فتآمروا فيما بينهم قائلين إن قلنا من السماء يقول فلماذا لم تؤمنوا به. وإن قلنا من الناس فجميع الشعب يرجموننا لأنهم واثقون بان يوحنا نبي. فأجابوا انهم لا يعلمون من أين. فقال لهم يسوع ولا أنا أقول لكم بأي سلطان افعل هذا."

هو كملك دخل وطهر الهيكل وبهذا يعلن أنه إبن الله والسؤال بأي سلطان تفعل هذا. والرد كان بسؤال عن يوحنا فلماذا؟ لأن يوحنا دعاهم للتوبة ولو فعلوا لإنفتحت بصيرتهم وعرفوه من هو. ورؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ الذين يكونون مجمع السنهدريم، إذ شعروا بأن السيد سلب سلطانهم بطرد الباعة وتطهير الهيكل، بل وأنه كان يجلس في الهيكل يعلم سألوه بأي سلطان تفعل هذا (لو قال من الله وهو قالها مراراً ولم يصدقوا، لقالوا إصنع معجزة، ولو صنع قالوا من إبليس) وأنت لست من سبط لاوي ولا أنت مكلف من رؤساء الكهنة، لو أتوا ليتعلموا ويبحثوا عن الحق لأجابهم السيد، ولكنهم أتوا يدافعون عن الظلمة ويقتنصوا منه كلمة. وهم في ظلمتهم لم يدركوا أنه هو واضع الناموس نفسه. وهو طالما علَّم ولم يريدوا أن يفهموا فلماذا يجيب هذه المرة بوضوح وقلبهم متحجر. وكان أن المسيح سألهم هل معمودية يوحنا من السماء أم من الأرض وهنا نلاحظ عدة نقاط:

1.  أن يوحنا علَّم بدون سلطان منكم فلماذا تعترضون علىَّ بأنني لم أخذ منكم سلطاناً. فالمسيح لا يتهرب من الإجابة بل يواجه ضمائرهم.

2.  إن يوحنا قد شهد للمسيح. فإن كانت رسالة يوحنا صحيحة من السماء فلماذا لم يؤمنوا، بالمسيح. بل هم سبقوا وإتهموا السيد أنه يخرج الشياطين بسلطان بعلزبول فهم يريدون التشكيك في المسيح أمام الجموع.

فهم لو أجابوا أن معمودية يوحنا من السماء فيكون السؤال لهم فلماذا لم تؤمنوا بالمسيح بل لماذا لم تعتمدوا من يوحنا، ولو أنكروا أن معمودية أي خدمة ورسالة يوحنا كانت من السماء فهم يستعدون الناس عليهم وهم بهذا ينكرون الحق أيضاً. وبالتالي لا يستحقون أن يجيبهم السيد. ولذلك تهربوا من الإجابة على سؤال المسيح وقالوا لا نعلم فأثبتوا أنهم وهم معلمو إسرائيل أنهم غير مستحقين لهذا المنصب ولا يستطيعون التمييز والحكم الصحيح وبالتالي لا يستحقون أن يجيبهم المسيح (فالحقيقة أنهم رفضوا يوحنا خوفاً على مراكزهم). ولكنه أجابهم بعد ذلك بمثل الكرامين الأردياء.

ونلاحظ أن مكر هؤلاء الرؤساء في سؤالهم أن المسيح لو قال أنا فعلت هذا بسلطان ذاتي لإقتنصوه بتهمة التجديف، ولو قال أنا فعلت هذا بسلطان من آخر يتشكك الناس فيه إذ هو يعمل أعمال إلهية وسطهم. لذلك لم يجيبهم السيد. ولنلاحظ أننا لو تقدمنا للمسيح بقلب بسيط يدخلنا إلى أسراره إذ يفرح بنا ويقودنا بروحه القدوس إلى معرفة أسراره غير المدركة، أمّا من يستخدم مكر العالم فلا يقدر أن يدخل إليه ويبقى خارجاً محروماً من معرفته. وهذا حال كثيرين من دارسي الكتاب المقدس وناقدي الكتاب المقدس. فبينما ينهل البسطاء من كنوز الكتاب المقدس ويشبعون يقف النقاد بكتبهم ومعارفهم يحاولون إصطياد فرق بين كلمة وكلمة وبين فعل وفعل في الكتاب المقدس طالبين مجدهم الذاتي، ولذلك ضاع منهم سر معرفة لذة الكتاب المقدس ولم يعرفوا المسيح بل وجدوا أنفسهم. فالمسيح لا يعلن نفسه لمن يتشامخ عليه.

 

ثلاثة أمثال إنذار

المثل الأول: الإبنان مت28:21-32

(28:21-32): "ماذا تظنون كان لإنسان ابنان فجاء إلى الأول وقال يا ابني اذهب اليوم اعمل في كرمي. فأجاب وقال ما أريد ولكنه ندم أخيراً ومضى. وجاء إلى الثاني وقال كذلك فأجاب وقال ها أنا يا سيد ولم يمض. فأي الاثنين عمل إرادة الآب قالوا له الأول قال لهم يسوع الحق أقول لكم أن العشارين والزواني يسبقونكم إلى ملكوت الله. لأن يوحنا جاءكم في طريق الحق فلم تؤمنوا به وأما العشارون والزواني فآمنوا به وانتم إذ رأيتم لم تندموا أخيراً لتؤمنوا به."

أمام خبث وعناد رؤساء الكهنة والشيوخ ومقاومتهم للمسيح ومن قبله يوحنا المعمدان قال لهم السيد المسيح هذا المثل. في طريق الحق= فيوحنا جاءكم يدعوكم للتوبة. لم تندموا أخيراً= مازلتم مصرين على عدم التوبة وعلى عبادتكم الشكلية بينما قلوبكم شريرة. الإبن الأول يمتدح مرتين [1] على صدقه في عدم إعطائه وعداً قد لا ينفذه [2] لتراجعه عن خطأه بأن رجع لينفذ مشيئة أبيه. والإبن الثاني يذم مرتين [1] لأنه أعطى وعداً ولم ينفذه [2] لعصيانه مشيئة أبيه.

عموماً حين تعرض مشيئة الله ينقسم الناس لقسمين [1] قسم يطيع وينفذ [2] قسم يعاند ويهاجم.

ونلاحظ أن الفريسيين هنا الذين لهم مظهر التدين ولكن قلبهم رديء، هؤلاء من قال عنهم السيد "ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات" (مت21:7).

هنا يظهر أن رب المجد طلب كرب بيت من إبنيه أن يمضيا ليعملا في كرمه أي كنيسته.

الأول: يمثل الأمم الذين بدأوا حياتهم برفض العمل ولكنهم ندموا أخيراً وقاموا للعمل

الثاني: يمثل اليهود الذين قالوا ها أنا يا سيد لكنهم لم يمضوا، قبلوا العمل في الملكوت دون أن يعملوا. لذلك طردوا أنفسهم بأنفسهم من الكرم ليتركوه للأمم.

الأول: يمثل العشارين والخطاة الذين تركوا الرب أولاً لكنهم تابوا ورجعوا للرب أخيراً.

والثاني: يمثل المتدينين تديناً سطحياً شكلياً مثل الشيوخ والكهنة والفريسيين، لهم مظهر الخضوع لكنهم لا يفعلون إرادة الله، لهم صورة التقوى لكنهم ينكرون قوتها (2تي3:5). هؤلاء سيتركون مكانهم للزواني والخطاة التائبين حقاً.

 

المثل الثاني: الكرامين الأشرار مت33:21-46 + مر1:12-12 + لو9:20-19

(مت33:21-46): "اسمعوا مثلا آخر كان إنسان رب بيت غرس كرماً وأحاطه بسياج وحفر فيه معصرة وبنى برجاً وسلمه إلى كرامين وسافر. ولما قرب وقت الأثمار أرسل عبيده إلى الكرامين ليأخذ أثماره. فاخذ الكرامون عبيده وجلدوا بعضاً وقتلوا بعضاً ورجموا بعضا. ثم أرسل أيضاً عبيداً آخرين اكثر من الأولين ففعلوا بهم كذلك. فأخيراً أرسل إليهم ابنه قائلا يهابون ابني. وأما الكرامون فلما رأوا الابن قالوا فيما بينهم هذا هو الوارث هلموا نقتله ونأخذ ميراثه. فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم قتلوه. فمتى جاء صاحب الكرم ماذا يفعل بأولئك الكرامين. قالوا له أولئك الأردياء يهلكهم هلاكاً ردياً ويسلم الكرم إلى كرامين آخرين يعطونه الأثمار في أوقاتها. قال لهم يسوع أما قرأتم قط في الكتب الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا. لذلك أقول لكم أن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره. ومن سقط على هذا الحجر يترضض ومن سقط هو عليه يسحقه. ولما سمع رؤساء الكهنة والفريسيون أمثاله عرفوا انه تكلم عليهم. وإذ كانوا يطلبون أن يمسكوه خافوا من الجموع لأنه كان عندهم مثل نبي."

(مر1:12-12): "وأبتدأ يقول لهم بأمثال إنسان غرس كرماً وأحاطه بسياج وحفر حوض معصرة وبنى برجاً وسلمه إلى كرامين وسافر. ثم أرسل إلى الكرامين في الوقت عبداً ليأخذ من الكرامين من ثمر الكرم. فأخذوه وجلدوه وأرسلوه فارغاً. ثم أرسل إليهم أيضاً عبداً آخر فرجموه وشجوه وأرسلوه مهاناً. ثم أرسل أيضاً آخر فقتلوه ثم آخرين كثيرين فجلدوا منهم بعضاً وقتلوا بعضاً. فإذ كان له أيضاً ابن واحد حبيب إليه أرسله أيضاً إليهم أخيراً قائلاً انهم يهابون ابني. ولكن أولئك الكرامين قالوا فيما بينهم هذا هو الوارث هلموا نقتله فيكون لنا الميراث. فأخذوه وقتلوه وأخرجوه خارج الكرم. فماذا يفعل صاحب الكرم يأتي ويهلك الكرامين ويعطي الكرم إلى آخرين. أما قراتم هذا المكتوب الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية. من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا. فطلبوا أن يمسكوه ولكنهم خافوا من الجمع لأنهم عرفوا انه قال المثل عليهم فتركوه ومضوا."

(لو9:20-19): "وأبتدأ يقول للشعب هذا المثل إنسان غرس كرماً وسلمه إلى كرامين وسافر زماناً طويلاً. وفي الوقت أرسل إلى الكرامين عبداً لكي يعطوه من ثمر الكرم فجلده الكرامون وأرسلوه فارغاً. فعاد و أرسل عبدا آخر فجلدوا ذلك أيضاً وأهانوه وأرسلوه فارغاً. ثم عاد فأرسل ثالثاً فجرحوا هذا أيضا وأخرجوه. فقال صاحب الكرم ماذا افعل أرسل ابني الحبيب لعلهم إذا رأوه يهابون. فلما رآه الكرامون تآمروا فيما بينهم قائلين هذا هو الوارث هلموا نقتله لكي يصير لنا الميراث. فأخرجوه خارج الكرم وقتلوه فماذا يفعل بهم صاحب الكرم. يأتي ويهلك هؤلاء الكرامين ويعطي الكرم لآخرين فلما سمعوا قالوا حاشا. فنظر إليهم وقال إذا ما هو هذا المكتوب الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية. كل من يسقط على ذلك الحجر يترضض ومن سقط هو عليه يسحقه. فطلب رؤساء الكهنة والكتبة أن يلقوا الأيادي عليه في تلك الساعة ولكنهم خافوا الشعب لأنهم عرفوا انه قال هذا المثل عليهم."

راجع (أش1:5-7) فالكرم يشير لإسرائيل. وبالتالي فالكرامين هم رؤساء الكهنة والمعلمين ولكل صاحب سلطان. وصاحب الكرم هو الله الذي أحاطه بسياج من حمايته ومن الشريعة والناموس وبنى برجاً من الأنبياء. أكون لها سور من نار (زك5:2) في المثال السابق ظهر اليهود كأصحاب كلام بلا عمل، ففقدوا مركزهم ليحل محلهم من بالعمل أعلنوا ندمهم على ماضيهم، أما هنا فالسيد يكشف لهم أنهم عبر التاريخ كله لم يكونوا فقط غير عاملين وإنما مضطهدين لرجال الله في أعنف صورة حتى متى جاء إبن الله نفسه الوارث يخرجونه خارج أورشليم ليقتلوه.

ولقد أخذ السيد الحكم عليهم من أفواههم بأن على صاحب الكرم أن يهلكهم. ويسلم الكرم إلى آخرين الذين هم كنيسة الأمم، أو الكنيسة المسيحية عموماً التي هي من الأمم واليهود الذين آمنوا.

الحجر المرفوض= (مز22:118،23). قيل أنه عند بناء هيكل سليمان أن البنائين وجدوا حجراً ضخماً فظنوا أنه لا يصلح لشئ فإحتقروه، ولكن إذ إحتاجوا إلى حجر في رأس الزاوية (ليجمع حائطين كبيرين) لم يجدوا حجراً يصلح إلاّ الحجر الذي سبق وإحتقروه. وكان ذلك رمزاً للسيد المسيح الذي إحتقره رجال الدين اليهودي، ولم يعلموا أنه الحجر الذي سيربط بين اليهود والأمم في الهيكل الجديد ليصير الكل أعضاء في الملكوت الجديد. وفي هذا القول إشارة لموته وقيامته. وسلمه إلى كرامين وسافر= هو حاضر في كل مكان، وعينه على كرمه يرعاه ويهتم بكل صغيرة وكبيرة، ولكن قوله سافر فيه إشارة لأنه ترك للكرامين حرية العمل وأعطاهم المسئولية كاملة علامة حبه للنضوج وتقديره للحرية الإنسانية. وتشير كلمة سافر إلى أنهم رأوا الله على جبل سيناء إذ أعطاهم الوصايا وما عادوا يرونه بعد ذلك، وكأنه بعيداً عنهم وهل نخطئ نحن ونظن أن الله لأننا لا نراه الآن هو غائب، ولن يعود ويظهر للدينونة. حفر معصرة= هو ينتظر الثمار من الكرم ليصنع خمراً. والخمر رمز للفرح. فالله يريد أن يفرح بثمار أولاده. ولكن المعصرة تشير لآلام المسيح (أش1:63-2) لأن أسرار آلام المسيح تبدو كالخمر الجديد، فهو الذي قدّم لنا دمه من عصير الكرمة وينتظر منّا أن نقدم له حياتنا ذبائح حية، ونحتمل الصليب فنملأ معصرته. أرسل عبيده ليأخذ أثماره= الله أرسل للشعب اليهودي أنبياء فقتلوهم وعذبوهم ورفضوهم، ورفضوا تعاليمهم. قالوا فيما بينهم هذا هو الوارث. هلوا نقتله= هم تشاوروا من قبل وسألوه بأي سلطان تفعل هذا وهو هنا يشير لأنه الإبن، فهو صاحب السلطان. ولكنه يتنبأ هنا عن موته على أيديهم. ويتنبأ عن قيامته في موضوع حجر الزاوية. هنا المسيح يظهر لهم أنه هو صاحب السلطان وأنهم هم المقاومين لسلطانه لرفضهم الحق.

في إنجيل (لو10:20-12) يحدد لوقا أن صاحب الكرم أرسل ثلاثة رسل قبل إبنه:-

الأول: يمثل الناموس الطبيعي أي الضمير وكان قايين أول من كسره بقتله لأخيه.

الثاني: يمثل ناموس موسى وموسى نفسه ممثل الناموس هاجوا عليه.

الثالث: هم الأنبياء ونبواتهم وطالما قتل الشعب اليهودي هؤلاء الأنبياء.

والمسيح يتهم اليهود الذين أمامه من القادة والرؤساء بأنهم مازالوا يعملون ضد الناموس الطبيعي، وضد الناموس الموسوي وضد النبوات، في حياتهم وسلوكهم وفي رفضهم له وهو المخلص الذي تكلم عنه الأنبياء.

وتسمية المسيح نفسه بالوارث، فهذا يشير لناسوته، أمّا لاهوته فله كل المجد دائماً. وبناسوته سيحصل على المجد بعد الصليب لحسابنا لنرث نحن فيه.

(لو10:20): وفي الوقت= وقت الحصاد والإثمار= بعد أن أعطى الله كهنة اليهود فرصة لرعاية الشعب، أرسل ليطلب النفوس التقية المؤمنة التي يفرح بها.

في (لو16:20) المسيح هنا هو الذي يقول "يأتي ويهلك" بينما في متى، فهو ينسب هذا القول للكهنة والفريسيين والحل بسيط. أن الفريسيين هم الذين قالوا هذا، والسيد كرر ما قالوه تأميناً على كلامهم أي هو يوافق على ما قالوه.

ونأخذ ميراثه= هنا المسيح يشير لسبب أحقادهم عليه ألا وهو حسدهم له بسبب إلتفاف الشعب حوله وإعجابهم به. وليس بسبب عدم المعرفة لشخصه.

فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم= فهم صلبوه خارج أورشليم (عب13:13) هذا المثل يقدم ملخصاً رمزياً لعمل الله الخلاصي وتدبيره ورعايته للإنسان غير المنقطعة فتحدث عن عطية الناموس الطبيعي وناموس موسى والأنبياء وعن تجسد الإبن وصلبه وطرده للكرامين القدامى وتأسيس الكنيسة بالروح القدس ليكونوا كرامين جدد (التلاميذ ورسل المسيح والكهنوت المسيحي) ولكن لنلاحظ أن كون الكنيسة هي الكرمة الجديدة فهذا لا يعطيها مبرر أن تتشبه باليهود فلا يكون لها ثمر. ففي (رؤ5:2) نجد أن الله على إستعداد أن يزحزح منارة كنيسة أفسس لأن محبتها نقصت. فإن كان الله لم يشفق على الكرمة أو الزيتونة الأصلية فهل يترك الكرمة أو الزيتونة الجديدة إن كانت بلا ثمر. الله مازال يطلب الثمار في كنيسته وفي كل نفس (رو17:11-24). ولنلاحظ أن الله أعطى الجنة لآدم ليعملها. وكانت الجنة في وسطها شجرة الحياة. والله أعطى لنا الكنيسة وفي وسطها المسيح لنخدم، فكل منّا مطالب بأن يعمل في هذه الجنة، فمنَّا من يزرع ومنّا من يسقي والله يطالب بالثمار أي المؤمنين التائبين. ولكن هناك من يتضايق إذا طلب الله الثمار وهو لا يريد أن يقدم شئ.

والحجر هو المسيح. الحجر الذي قطع بغير يدين (دا34:2) إذ وُلِدَ بدون زرع بشر وصار جبلاً يملأ المسكونة. وهو حجر مرذول مرفوض، في تواضع ميلاده في مزود، وفي تواضع حياته وفي عار صليبه وموته والإهانات التي وجهت إليه. لكنه صار رأس الزاوية من سقط على الحجر يترضض= هم من لم يؤمنوا بالمسيح ورفضوه كما رفضه البناؤون، فعدم إيمانهم صار لهم صخرة عثرة. ومن يتعثر في المسيح يضر نفسه، ويكون كمن سقط على الحجر، هذا يقال على كل من يسمع الإنجيل ولا يؤمن. فكل من يرفض المسيح ويقاومه يتعب ويفقد سلامه ويعذب نفسه هنا على الأرض.

ومن سقط هو عليه يسحقه= هؤلاء يمثلون من يقاوم المسيح وإنجيله والإيمان الحقيقي ويبذلون جهدهم لتعطيله، هؤلاء يسحقهم المسيح إمّا هنا على الأرض (آريوس) أو يوم الدينونة. وكل من يظل رافضاً المسيح ويقاومه فنهايته الهلاك حين يظهر المسيح في مجيئه الثاني ليدين العالم.

 

المثل الثالث : عرس إبن الملك مت1:22-14

الآيات (1-3): "وجعل يسوع يكلمهم أيضاً بأمثال قائلاً. يشبه ملكوت السماوات إنساناً ملكاً صنع عرساً لابنه. وأرسل عبيده ليدعوا المدعوين إلى العرس فلم يريدوا أن يأتوا."

العريس هو المسيح والعروس هي الكنيسة ككل أو كل نفس بشرية، فالنفس مدعوة لا أن تكون متفرجة في هذا العرس بل هي العروس التي تتحد بعريسها على مستوى أبدي. وما هو العرس؟ هو دعوة لكل نفس للفرح الدائم من خلال أسرار مقدسة وغفران وسلام يفوق العقل وتعزيات وأفراح روحية. ولكن للأسف فهناك نفوس من أجل بؤسها الداخلي ترفض أن تفتح قلبها لعريسها لتفرح. والمثل قاله المسيح عن اليهود الذين يرفضونه، وقد أرسل لهم رسلهُ بل هو أتى شخصياً ليدعوهم ولكنهم رفضوه ورفضوا تلاميذه. ونلاحظ أن المسيح لا يرغب أن يغتصب قلب عروسته بغير إرادتها فهو يرسل عبيده ليقنعوها أن تقبله بإقتناع كامل، يعلن حبه تاركاً لها الإختيار. والمسيح لا يمل من أن يرسل لنا دائماً رسله لدعوتنا من خلال خدامه وإنجيله وصوت الروح القدس ومن خلال ظروف وأحداث الحياة. وهو واقف على الباب ويقرع .. (رؤ20:3). ونلاحظ أن هناك إرساليتين (آية3) هم أنبياء العهد القديم الذين تنبأوا عن المسيح. ثم (آية4) هم التلاميذ والرسل والكنيسة. يشبه ملكوت السموات= الملكوت السماوي هو الكنيسة وهي في عرس دائم، أقامها الملك= الآب لإبنه ينعم بها، وتنعم هي بحلوله في وسطها. وبإتكائها على صدره، تتقبل منه أسرار أبيه وتتمتع بإمكانياته الإلهية حتى ترتفع به وفيه إلى حضن أبيه تنعم بشركة أمجاده.

·   هذا المثل قدّمه المسيح لقادة اليهود ولليهود الذين رفضوا ملكوت المسيا السماوي وهو مقدم لكل نفس منّا ترفض ملكوته الحقيقي في داخلها.

 

آية (4): "فأرسل أيضاً عبيداً آخرين قائلاً قولوا للمدعوين هوذا غذائي أعددته ثيراني ومسمناتي قد ذبحت وكل شيء معد تعالوا إلى العرس."

تعالوا إلى العرس= هذه دعوة تحمل قوة وسلطاناً تقدر أن تجتذب القلب إلى العريس، لكن دون إلزام أو إجبار. وقد دفع العريس ثمن الدعوة من حياته التي بذلها كذبيحة لمصالحتنا مع الآب= ثيراني ومسمناتي قد ذبحت. بل أعطى لنا جسده مأكلاً ودمه مشرباً= هوذا غذائي قد أعددته. فالآب هو صاحب الدعوة والإبن هو العريس الذي يدفع تكاليف العرس والروح القدس هو الذي يعمل فينا ليهيئنا للعرس. وهذا ما يقدم للإبن الضال حين يعود، أن يأكل من العجل المسمن (لو22:15-24)

 

الآيات (5،6): "ولكنهم تهاونوا ومضوا واحد إلى حقله وآخر إلى تجارته. والباقون امسكوا عبيده وشتموهم وقتلوهم."

هذا ما فعله اليهود إذ رفضوا الدعوة. وهناك حتى الآن من يرفض دعوة المسيح للولائم الروحية فلا وقت لديهم بسبب أعمالهم. تهاونوا= لأنهم إعتمدوا على أنهم أولاد إبراهيم وأن لهم الهيكل والناموس والوعود. (أر1:7-7) وهؤلاء يمثلون من يرفض التوبة والعمق مكتفياً بأنه مسيحي، هذا يُحرم من أفراح العُرس. وهناك من يرفض المسيح لإنشغاله بأموره الزمنية حقله.. تجارته. وهذا يمثل من يدعي أن لا وقت لديه للإنشغال بالروحيات بسبب أعماله وظروفه. أمّا بالنسبة لليهود فإن قادتهم إنصرفوا عن المسيح لإهتمامهم بالتجارة في الدين وتحولت العبادة إلى بيع وشراء. وإنشغل كل واحد بأملاكه أي حقله. ثم قاموا على المسيح وتلاميذه وقتلوهم إذ ظنوا أن المسيح وبالتالي تلاميذه سيحرمونهم من أملاكهم وتجارتهم.

ونلاحظ التسلسل [1] تهاونوا .. [2] مضوا إلى حقله= الاهتمام بنفسه وبأملاكه [3] الاهتمام بتجارته= لقد تحوَلت حياة الشخص لتجارة في كل شئ [4] الهجوم على المسيح إذ يظنوا أنه ينافس إلهتهم التي هي مكاسبهم.

 

الآيات (7-9): "فلما سمع الملك غضب وأرسل جنوده واهلك أولئك القاتلين واحرق مدينتهم. ثم قال لعبيده أما العرس فمستعد وأما المدعوون فلم يكونوا مستحقين. فاذهبوا إلى مفارق الطرق وكل من وجدتموه فادعوه إلى العرس."

هنا نرى الدعوة موجهة للأمم عن طريق الرسل. ولقد أحرق تيطس أورشليم فعلاً وأحرق هيكلها سنة 70م. وإنتهت إسرائيل كأمة من وقتها. وقوله مفارق الطرق= فأمام كل إنسان طريقان يسلك في أحدهما [1] الإيمان بالمسيح فتغفر خطاياه ويحيا في طهارة لائقة به كعروس للمسيح [2] رفض المسيح والإهتمام بلذات العالم. والرسل أرسلهم المسيح لمن يفكر في أي الطريقين يسلك ليساعدوه في القرار علًّه يقرر أن يسلك في طريق الإيمان. أمّا من إتخذ قراراً أن يكون ضد المسيح فهذا لن يقبل الدعوة بل سيعتذر أو سيهاجم المسيح ورسله.

 

آية (10): "فخرج أولئك العبيد إلى الطرق وجمعوا كل الذين وجدوهم أشراراً وصالحين فإمتلأ العرس من المتكئين."

المسيح أتى لأجل العشارين والخطاة ليطهرهم. فهو دعا الجميع حتى السامرية. ولكن بعد أن يدعوهم عليهم أن يعتمدوا فيلبسوا الحلة الأولى. وأمّا الخطاة الذين يأتوا تائبين فالتوبة تلبسهم الحلة الأولى (الإبن الضال). فالمسيح قطعاً لن يدعو الخطاة ويتركهم بخطيتهم!! أو يليق هذا بعرس إبن الملك، بل هو يطهرهم بل يلبسوا المسيح ويكون لهم صورته من المحبة والتواضع، والوداعة والحكمة والطهارة والبساطة (رو14:13) فلابد أن نلبس المسيح فهو برنا وقداستنا وبدون القداسة لن نعاين الرب (عب14:12).

 

آية (11): "فلما دخل الملك لينظر المتكئين رأى هناك إنساناً لم يكن لابساً لباس العرس."

قارن مع (صف7:1،8). إذاً الدعوة للجميع والمعمودية للجميع، ولكن بالمعمودية نحصل على ثياب العرس وبالتوبة نحفظها. ولكن هناك من يأخذ ثياب العرس ثم يختار مرة أخرى طريق الخطية، يعود إلى مفارق الطرق ويختار الطريق الآخر فيفقد لباسه ويرتدي لباساً غريباً ويكون عوضاً أن يلبس المسيح أي أن تكون له صورة المسيح أنه تصبح له صورة العالم. ولنلاحظ أن من يفعل هذا لهو أكثر شراً من اليهود الذين رفضوا الحضور أصلاً. أمّا هذا فَقَبِلَ ثم إرتدَّ وأضاع ثيابه التي حصل عليها بالمعمودية عوضاً عن أن يحفظها نامية بواسطة الروح القدس وجهاده وتوبته.

 

آية (12): "فقال له يا صاحب كيف دخلت إلي هنا وليس عليك لباس العرس فسكت."

لقد إنتهى الوقت الذي كان يمكنه فيه أن ينسج لنفسه ثوب العرس وليس له عذر فلذلك يصمت. هؤلاء هم من إكتفوا من المسيحية بالإسم دون أن يعملوا أعمالاً صالحة.

 

آية (13): "حينئذ قال الملك للخدام اربطوا رجليه ويديه وخذوه واطرحوه في الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان."

الخدام هم الملائكة. اربطوا يديه ورجليه= الإنسان الذي رفض بالحب أن يلبس ثوب العرس، فينال الحل من الخطية مقيداً نفسه بنفسه بخطاياه، فهذا يُربط أي لا يعرف أين يذهب ولا ماذا يفعل، لقد إختار الظلمة الداخلية إذ بخطاياه إنطمست عيناه ولم يكن قادراً أن يرى الرب وهو في العالم (مت8:5) فبخطيته إنغلقت عيناه الداخلية وكان غير قادر أن يرى الرب بالروح. لذلك فعقوبته أن ينال أيضاً الظلمة الخارجية ويُحرم من أن يعاين الله مثل القديسين (1يو2:3) فهذا إمتداد لما صنعه بنفسه على الأرض أمّا البكاء وصرير الأسنان فيشير لأن الجسد سيقوم ليشترك مع النفس في مرارة الظلمة الخارجية. وقوله الخارجية أي هو خارج أورشليم السماوية التي نورها هو المسيح نفسه (رؤ5:22).

 

آية (14): "لأن كثيرين يدعون قليلين ينتخبون."

على كل مؤمن أن لا يتشابه مع الناس بدعوى أن الكل يفعل ذلك فقليلين هم الذين ينتخبون، قلة هي التي تغلب ويكون لها نصيب في العرس السماوي أمّا الكثرة التي نراها تتلذذ بالشر فستفقد نصيبها في هذا العرس.

 

ثلاثة أسئلة يسألها رؤساء اليهود

السؤال الأول : بخصوص الجزية مت15:22-22 + مر13:12-17 + لو20:20-26

(مت15:22-22): "حينئذ ذهب الفريسيون وتشاوروا لكي يصطادوه بكلمة. فأرسلوا إليه تلاميذهم مع الهيرودسيين قائلين يا معلم نعلم انك صادق وتعلم طريق الله بالحق ولا تبالي بأحد لأنك لا تنظر إلى وجوه الناس. فقل لنا ماذا تظن أيجوز أن تعطى جزية لقيصر أم لا. فعلم يسوع خبثهم وقال لماذا تجربونني يا مراؤون. اروني معاملة الجزية فقدموا له ديناراً. فقال لهم لمن هذه الصورة والكتابة. قالوا له لقيصر فقال لهم أعطوا إذا ما لقيصر لقيصر وما لله لله. فلما سمعوا تعجبوا وتركوه ومضوا."

(مر13:12-17): "ثم أرسلوا إليه قوماً من الفريسيين والهيرودسيين لكي يصطادوه بكلمة. فلما جاءوا قالوا له يا معلم نعلم انك صادق ولا تبالي بأحد لأنك لا تنظر إلى وجوه الناس بل بالحق تعلم طريق الله أيجوز أن تعطى جزية لقيصر أم لا نعطي أم لا نعطي. فعلم رياءهم وقال لهم لماذا تجربونني إيتوني بدينار لأنظره. فأتوا به فقال لهم لمن هذه الصورة والكتابة فقالوا له لقيصر. فأجاب يسوع وقال لهم أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله فتعجبوا منه."

(لو20:20-26): "فراقبوه وأرسلوا جواسيس يتراءون أنهم أبرار لكي يمسكوه بكلمة حتى يسلموه إلى حكم الوالي وسلطانه. فسألوه قائلين يا معلم نعلم انك بالاستقامة تتكلم وتعلم ولا تقبل الوجوه بل بالحق تعلم طريق الله. أيجوز لنا أن نعطي جزية لقيصر أم لا. فشعر بمكرهم وقال لهم لماذا تجربونني. أروني ديناراً لمن الصورة والكتابة فأجابوا وقالوا لقيصر. فقال لهم أعطوا إذا ما لقيصر لقيصر وما لله لله. فلم يقدروا أن يمسكوه بكلمة قدام الشعب وتعجبوا من جوابه وسكتوا."

الفريسيين= حزب ديني أو مدرسة يهودية كانت موجودة أيام المسيح. وأطلق عليهم هذا الإسم نسبة لكلمة عبرية معناها منفصل. وكان المسيح يهاجمهم بسبب ريائهم. ويمكن تسمية الفريسيين بالمتزمتين والصدوقيين بالعقلانيين.

الهيرودسيين= هم طائفة سياسية تتبع هيرودس الكبير وكان منهم من الفريسيين وأيضاً من الصدوقيين ويؤمنون أن أمال الأمة اليهودية تتعلق بآل هيرودس كسد منيع في وجه سيطرة الرومان وهم من أطلق علي خبثهم خمير هيرودس في مقابل خمير الفريسيين (مر15:8+ لو1:12) وكان القيصر في ذلك الوقت هو طيباريوس الذي إشتهر بالقسوة. وكانت الجزية مفروضة على كل رأس علامة للخضوع لقيصر. وكانت الجزية مكروهة عند الفريسيين الذين إعتقدوا أنها ضد شريعة موسى، أما الهيرودوسيين الذين يتشيعون لهيرودس الأدومي راغبين أن يكون ملكاً على اليهودية فكانوا يرحبون بالجزية تملقاً للرومان ولقيصر لينالوا مأربهم، لذلك كان همهم الموالاة لروما وحفظ هدوء الشعب من أي مؤامرة ضد روما. وكان هناك تذمر بين اليهود المتعصبين إذ يرفضون دفع الجزية، وبسبب هذا قامت ثورات مثل ثورة ثوداس ويهوذا الجليلي وقد قتلهم الرومان في فترة قريبة وأنهوا ثورتهم (أع36:5،37). والجليليين الذين تسموا بإسم يهوذا الجليلي قتلهم بيلاطس وخلط دمهم بذبائحهم (لو1:13).

والغريب هنا أن يجتمع الفريسيين والهيرودسيين على المسيح مع إختلافهم في المبادئ. فنحن يمكننا أن نتوقع هذا السؤال من الهيرودسيين فهم كان يجمعون الجزية ويعطوا قيصر نصيبه ويختلسون الباقي ولكن الفريسيين ممتنعون عن دفع الجزية متذمرين ضدها، بل يعتبرون الهيرودسيين خونة ضد أمتهم وناموسهم. ولكن لأجل أن يتخلصوا من المسيح فلا مانع أن يتحدوا.

ولو أجاب المسيح بأن نعطي الجزية لقيصر تنفر منه الجموع وتنفض من حوله وتفقد ثقتها فيه كمخلص من المستعمر ولو رفض لأعتُبِرَ مثير فتنة ضد قيصر. إعطوا إذاً ما لقيصر لقيصر= هي رد على الفريسيين الذين رفضوا طاعة السلطات الحكومية وقد أمر الكتاب بطاعتها. ولنلاحظ أن قيصر أعطاهم حكومة مستقرة وحماية وأنشأ لهم طرق فيكون من حقه الجزية. وهكذا فعلى المسيحي أن يطيع حكومته (رو1:13-7). وعلينا أن نخضع لحكومتنا وقوانينها طالما أن ذلك لا يتعارض مع ما لله ووصاياه. والعجيب أنه قدَّم الطاعة لقيصر عن الطاعة لله، ففي طاعة قيصر أي الرؤساء شهادة حق لله نفسه. فليس هناك ثنائية بين عطاء قيصر حقه وعطاء الله حقه فكلاهما ينبعان عن قلب واحد يؤمن بالشهادة لله من خلال الأمانة في التزامه نحو الآخرين ونحو الله والكلمة الأصلية لإعطوا هي سددوا أو إدفعوا. فهذه الجزية واجبة فقيصر يدافع ويحمي ويمهد الطرق.. الخ. إعطوا ما لله لله= هذا رد على الهيرودسيين الذين ينسون واجباتهم نحو الله بجريهم وراء قيصر. والله له القلب والنفس بل الحياة كلها. الإنسان هو العملة المتداولة عند الله. أروني معاملة الجزية= هي الدينار وهو قطعة عملة رومانية. وكانت عادة تدفع كجزية وعليها صورة قيصر. وكون أنهم يقدمون له الدينار فهذا إعتراف منهم أنهم تحت حكم قيصر فالعملة الجارية تظهر نظام الحكم والسلطة القائمة ويدفع منها الجزية. (عملة اليهود الشاقل بلا صورة تماماً فهم يرفضون التماثيل والشعارت الوثنية ويُسَمّى عملة القدس ويستخدم للمعاملات الدينية. وللمعاملات المدنية يستخدم معاملة الجزية).

يا معلم نعلم أنك صادق..= هذا تملق ومديح للخديعة بعد ذلك. والمديح هدفه أن يفقد حذره منهم فيخطئ في كلامه. والله خلقنا على صورته ولما فقدنا هذه الصورة أتى الروح القدس ليعيدنا إليها (غل19:4) ومن لا توجد عليه وفيه هذه الصورة سيرُفض. فكما يحمل الدينار صورة قيصر هكذا ينبغي أن نحمل صورة الله لنقدم للملك السماوي عملته الروحية تحمل صورته وكلمته فنصير عملة متداولة في السماء يمكننا أن ندخلها ويجدوا علينا ثياب العرس، وكما أن أي دولة لا يمكنك أن تتعامل فيها بعملة لا يكون عليها صورة ملك هذه الدولة، فنحن لا يمكننا دخول السماء إلاّ كعملة عليها صورة الله ملك السماء والأرض، ملك الملوك. فكما يطلب قيصر صورته على عملته هكذا يطلب المسيح صورته فينا. ولكن إن وُجِدَ في إنسان صورة الشيطان يستعبده الشيطان (يو44:8+ 1يو7:3-10).

(لو21:20): لا تقبل الوجوه= لا تحابي وجوه العظماء فتغير الحق إرضاء لهم. ومع كل الحكمة في إجابة المسيح هذه، وأنه لم يخطئ في حق قيصر إتهموه بأنه يفسد الأمة ويمنع أن تعطي جزية لقيصر قائلاً أنه ملك (لو2:23). وفي هذا لم يدافع المسيح عن نفسه. لقد قدَّم مبدأ الخضوع للسلطات ليس خوفاً ولا دفاعاً عن نفسه بل كمبدأ على المسيحيين أن يمارسوه وإن إتهم بخلاف ما يمارس.

 

السؤال الثاني : بخصوص القيامة من الأموات مت23:22-33 + مر18:12-27 + لو27:20-39

(مت23:22-33): "في ذلك اليوم جاء إليه صدوقيون الذين يقولون ليس قيامة فسألوه. قائلين يا معلم قال موسى إن مات أحد وليس له أولاد يتزوج أخوه بامرأته ويقيم نسلاً لأخيه. فكان عندنا سبعة اخوة وتزوج الأول ومات وإذ لم يكن له نسل ترك امرأته لأخيه. وكذلك الثاني والثالث إلى السبعة. وآخر الكل ماتت المرأة أيضاً. ففي القيامة لمن من السبعة تكون زوجة فأنها كانت للجميع. فأجاب يسوع وقال لهم تضلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله. لأنهم في القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله في السماء. وأما من جهة قيامة الأموات أفما قرأتم ما قيل لكم من قبل الله القائل. أنا اله إبراهيم واله اسحق واله يعقوب ليس الله اله أموات بل اله أحياء. فلما سمع الجموع بهتوا من تعليمه."

(مر18:12-27): "وجاء إليه قوم من الصدوقيين الذين يقولون ليس قيامة وسألوه قائلين. يا معلم كتب لنا موسى إن مات لأحد أخ وترك امرأة ولم يخلف أولاداً أن يأخذ أخوه امرأته ويقيم نسلاً لأخيه. فكان سبعة اخوة اخذ الأول امرأة ومات ولم يترك نسلاً. فأخذها الثاني ومات ولم يترك هو أيضاً نسلاً وهكذا الثالث. فأخذها السبعة ولم يتركوا نسلاً وآخر الكل ماتت المرأة أيضاً. ففي القيامة متى قاموا لمن منهم تكون زوجة لأنها كانت زوجة للسبعة. فأجاب يسوع وقال لهم أليس لهذا تضلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله. لأنهم متى قاموا من الأموات لا يزوجون ولا يزوجون بل يكونون كملائكة في السماوات. وأما من جهة الأموات انهم يقومون أفما قرأتم في كتاب موسى في أمر العليقة كيف كلمه الله قائلاً أنا اله إبراهيم واله اسحق واله يعقوب. ليس هو اله أموات بل اله أحياء فانتم إذاً تضلون كثيرا."

(لو27:20-39): "وحضر قوم من الصدوقيين الذين يقاومون أمر القيامة وسألوه. قائلين يا معلم كتب لنا موسى أن مات لأحد أخ وله امرأة ومات بغير ولد يأخذ أخوه المرأة ويقيم نسلاً لأخيه. فكان سبعة اخوة واخذ الأول امرأة ومات بغير ولد. فاخذ الثاني المرأة ومات بغير ولد. ثم أخذها الثالث وهكذا السبعة ولم يتركوا ولداً وماتوا. وآخر الكل ماتت المرأة أيضاً. ففي القيامة لمن منهم تكون زوجة لأنها كانت زوجة للسبعة. فأجاب وقال لهم يسوع أبناء هذا الدهر يزوجون ويزوجون. ولكن الذين حسبوا أهلاً للحصول على ذلك الدهر والقيامة من الأموات لا يزوجون ولا يزوجون. إذ لا يستطيعون أن يموتوا أيضاً لأنهم مثل الملائكة وهم أبناء الله إذ هم أبناء القيامة. وأما أن الموتى يقومون فقد دل عليه موسى أيضاً في أمر العليقة كما يقول الرب اله إبراهيم واله اسحق واله يعقوب. وليس هو اله أموات بل اله أحياء لأن الجميع عنده أحياء. فأجاب قوماً من الكتبة وقالوا يا معلم حسناً قلت."

الصدوقيون= هم فرقة يهودية دينية ينتسبون إلى مؤسس فرقتهم صادوق الذي ربما يكون هو صادوق الذي عاش أيام داود وسليمان وفي عائلته حفظت رياسة الكهنوت حتى عصر المكابيين، أو هو صادوق آخر عاش حوالي سنة 300ق.م. حسب رأي البعض وهذه الفرقة كما يقول يوسيفوس كانت مناقضة للفريسيين، لكن مع قلة عددهم كانوا متعلمين وأغنياء وأصحاب مراكز وإحتلوا مركز القيادة في القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد في العصرين الفارسي واليوناني. وأحبوا الثقافة اليونانية وإهتموا بالسياسة أكثر من الدين. فسيطر عليهم الفكر المادي ولم يستطيعوا أن يقبلوا عودة الروح إلى الجسد بعد إنحلاله فأنكروا القيامة، ولذلك إصطدموا بكلمات السيد المسيح في هذا الشأن إذ كان يتحدث عن الملكوت السماوي وأنه ملكوت أبدي. وأنكروا قانونية أسفار العهد القديم ما عدا أسفار موسى الخمسة (لذلك فإن المسيح حين جاوبهم أتى لهم بآية من أسفار موسى الخمسة التي يعترفون بها) وإستخفوا بالتقليد على خلاف الفريسيين الذين حسبوا أنفسهم حراساً لتقليد الشيوخ لذلك كرههم الفريسيين. ولكن كان الفريسيون على إستعداد لوضع يدهم في يد خصومهم الصدوقيون لمقاومة المسيح. وظن الصدوقيون بأن أسفار موسى لا تذكر شيئاً عن القيامة من الأموات. (أع8:23). بل هم ظنوا أنه بخصوص الزواج الناموسي، حينما يموت زوج بدون أطفال فتلتزم زوجته بالزواج من أخيه أو أقرب ولي له (تث5:25،6) ويكون الأطفال بإسم الميت. ظنوا في هذا تأكيداً لعدم القيامة من الأموات. ولأنهم تعلقوا بالحياة السياسية والعالم فحسبوا القيامة حياة زمنية مادية. وهذه القصة التي إستخدمها الصدوقيون هنا، كانت غالباً مستخدمة في الحوار بين الصدوقيين والفريسيين الذين كانوا يعلمون بأن هناك زواج في السماء. وقدّم الصدوقيون القصة للمسيح على أنها لغز يصعب حله. وإشتملت إجابة المسيح على:-

1- أظهر لهم أنهم لا يعرفون حتى الكتب الخمسة التي لموسى والتي يؤمنون بها= تضلون إذ لا تعرفون الكتب. وإستخدم السيد المسيح قول الله لموسى (خر6:3،15) وأنه إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، والله لا يمكن أن يكون إله أموات بل إله أحياء. (هل نعرف الكتاب المقدس وقوته على تغيير حياتنا بل ولادتنا ثانية (1بط23:1).

2- إن الحياة في الأبدية ستكون كحياة الملائكة بلا شهوات ولا جنس، إذ لا موت ولا إنقراض للجنس البشري، أجسادنا ستكون روحية لا مادية، ومن تذوق الفرح الروحي لا يعود يحتاج بعد للفرح المادي. لذلك لن تناسبنا الشهوات بل سيكون المؤمنين في مجد نوراني. وهم تعمدوا أن يقولوا أنها لم تنجب حتى لا يقول المسيح تكون زوجة لمن أنجبت منه.

(لو34:20):- هذا الدهر= الأرض التي نحيا عليها الآن. (لو35:20):- ذلك الدهر= السماء.

 

السؤال الثالث : عن الوصية العظمى مت34:22-39 + مر28:12-34

(مت34:22-39): "أما الفريسيون فلما سمعوا انه ابكم الصدوقيين اجتمعوا معاً. وسأله واحد منهم وهو ناموسي ليجربه قائلاً. يا معلم أية وصية هي العظمى في الناموس. فقال له يسوع تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك. هذه هي الوصية الأولى والعظمى. والثانية مثلها تحب قريبك كنفسك."

(مر28:12-34): "فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون فلما رأى انه أجابهم حسنا سأله أية وصية هي أول الكل. فأجابه يسوع إن أول كل الوصايا هي اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد. وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك هذه هي الوصية الأولى. وثانية مثلها هي تحب قريبك كنفسك ليس وصية أخرى اعظم من هاتين. فقال له الكاتب جيداً يا معلم بالحق قلت لأنه الله واحد وليس آخر سواه. ومحبته من كل القلب ومن كل الفهم ومن كل النفس ومن كل القدرة ومحبة القريب كالنفس هي افضل من جميع المحرقات والذبائح. فلما رآه يسوع انه أجاب بعقل قال له لست بعيداً عن ملكوت الله ولم يجسر أحد بعد ذلك أن يسأله."

ناموسي= أي مفسر قانوني للناموس.

إتفق الفريسيين أن يوقعوا المسيح فأرسلوا له هذا الناموسي ليمتحنه في مسألة حيرتهم وإختلفوا بخصوصها فيما بينهم، على أي الوصايا هي العظمى، وأيها هي الثقيلة وأيها هي الخفيفة وأيها هي المهمة. وكانت لهم منازعاتهم الساخنة. ففي رأيهم أنه لابد أن تكون هناك وصية هي الأعظم فمنهم من قال أنها حفظ السبت ومنهم من قال تقديم الذبائح ومنهم من قال أنها الختان. وهذا الناموسي الذي أرسلهُ الفريسيين ليمتحن السيد يبدو أنه كان في داخله باحثاً عن الحقيقة بصدق فحين أجابه السيد فرِح بالإجابة فمدحه السيد (مر34:12). وفعلاً تتفق إجابة المسيح مع أن الوصايا العشر مقسمين للوحين الأول يختص بالله والثاني يختص فيما للإنسان، وهكذا لخص السيد الوصايا أن تحب الله وتحب قريبك وكان هدف الفريسيين أن المسيح يتكلم عن تعاليمه ويميزها عن تعاليم موسى، أو أن يجيب بان الناموس ناقص فيشتكون عليه. ولكن إجابة السيد كانت مملوءة حكمة فحب إخوتنا مكمل لحبنا لله، ولا يمكننا أن نحب الله غير المنظور ولا نحب إخوتنا المنظورين وأراد السيد بإجابته أن يظهر لهم أن الوصايا ليست موضوع نزاع عقلي وبحث ومناقشات وجدل بل هي حب، حياة حب، يحيا الإنسان لله وللناس.

يتعلق الناموس كله والأنبياء= من يتمم وصية الحب لله وللإخوة يتقبل هبات الله وأولها الحكمة خلال الروح القدس. ومحبة الله تجعلنا نَحْفَظْ وصاياه. بل إن من له الروح القدس الذي يعطي المحبة لا يحتاج للناموس (غل22:5،23).

وكأن الوصية هي تمتع بسمة داخلية، حياة داخلية يعيشها الإنسان في أعماقه وتُعْلَن خلال إيمانه ومحبته لله ومعاملاته مع الناس. ولأنها حياة داخلية قال السيد من كل قلبك وكل نفسك وكل فكرك أي بكل كيانك ومشاعرك وقلبك.

(مر34:12). المسيح يشجعه ليستمر ليصل للمعرفة الحقيقية ويدخل ملكوت الله فليس كافياً أن يكون المرء ليس بعيداً عن ملكوت الله. بل عليه أن يعرف حاجته للمسيح المخلص. هو ليس بعيداً إذ كان باحثاً عن الحقيقة بصدق مبتعداً عن خبث الفريسيين، وهو فهم الناموس فهماً صحيحاً فبالتالي سيسهل عليه أن يعرف المسيح. فالمسيح غاية الناموس بل أن وصية المحبة هذه يستحيل تنفيذها بدون المسيح، فكيف نحب كل الناس حتى أعدائنا إن لم نكن في المسيح. والسبب بسيط أن الله محبة. فبدون معونة منه لا توجد محبة حقيقية. لذلك فأول ثمار الروح القدس "المحبة". والروح القدس هو الذي يسكب محبة الله فينا (غل22:5،23).

 

سؤال المسيح الذي لا يرد عليه مت41:22-46 + مر35:12-37 + لو41:20-44

(مت41:22-46): "وفيما كان الفريسيون مجتمعين سألهم يسوع. قائلاً ماذا تظنون في المسيح ابن من هو قالوا له ابن داود. قال لهم فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلاً. قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك. فان كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه. فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة ومن ذلك اليوم لم يجسر أحد أن يسأله بتة."

(مر35:12-37): "ثم أجاب يسوع وقال وهو يعلم في الهيكل كيف يقول الكتبة أن المسيح ابن داود. لأن داود نفسه قال بالروح القدس قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك. فداود نفسه يدعوه رباً فمن أين هو ابنه وكان الجمع الكثير يسمعه بسرور."

(لو41:20-44): "وقال لهم كيف يقولون إن المسيح ابن داود. وداود نفسه يقول في كتاب المزامير قال الرب لربي اجلس عن يميني. حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك. فإذا داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه."

السيد هنا يفحم اليهود بسؤال تستدعى إجابته إعترافهم بلاهوته كما بناسوته، بهذا السؤال يظهر السيد لاهوته مستخدماً المزمور (110) الذي يعتبره اليهود مزمور خاص بالمسيا. وهم يفهمون أن المسيا لابد أن يكون إبن داود. ونلاحظ أن المسيح قبل هذا اللقب يوم دخوله أورشليم فبالتالي هو يشير لنفسه، ويشير لنفسه أنه إبن داود ورب داود. السيد يسأل ليُعلِّم. والمعنى أن الآب رب داود والإبن أيضاً رب داود وقد رفعه الله الآب وأعطاه إسماً فوق كل إسم في الأعالي وأجلسه عن يمينه ووضع أعداؤه عند موطئ قدميه، بعد أن أكمل الفداء. وكأن السيد يحذرهم من المقاومة، فهو جاء ليخلص لا ليدين، يفتح الباب لقبولهم حتى لا يوجدوا في يوم الرب كأعداء مقاومين. المسيح بهذا السؤال يكشف لهم طريق الخلاص. إجلس عن يميني= أي في ذات مجدي وهذا تم بعد الصعود. أضع أعداءك.. هذا سيتم في المجئ الثاني. لقد إكتفى الفريسيين بأن يعلنوا أن المسيح الآتي سيكون ملكاً يخلصهم من الإستعمار الروماني، أما المسيح هنا فيعلن أنه المسيا، هو الرب السماوي الذي ملكه سماوي. هو أصل وذرية داود (رؤ16:22). ولقد أدرك الكل أن المسيا سيكون إبن داود حتى الأعمى (لو39:18). أمّا ما يثيره المسيح هنا جديداً أنه الرب. الرب= الله الآب. ربي= سيد وإله داود. إذ لا يمكن أن يدعو إنسان إبنه أو حفيده "ربي". المسيح إبن داود بحسب النبوات= (إش6:9،7+ 1:11،2،10+ أر5:23،6+ مز20:89-29)

 

نطق المسيح بالويلات للكتبة والفريسيين مت23 + مر38:12-40 + لو45:20-47

 (مر38:12-40): "وقال لهم في تعليمه تحرزوا من الكتبة الذين يرغبون المشي بالطيالسة والتحيات في الأسواق. والمجالس الأولى في المجامع والمتكآت الأولى في الولائم. الذين يأكلون بيوت الأرامل ولعلة يطيلون الصلوات هؤلاء يأخذون دينونة اعظم."

(لو45:20-47): "وفيما كان جميع الشعب يسمعون قال لتلاميذه. أحذروا من الكتبة الذين يرغبون المشي بالطيالسة ويحبون التحيات في الأسواق والمجالس الأولى في المجامع والمتكآت الأولى في الولائم. الذين يأكلون بيوت الأرامل ولعلة يطيلون الصلوات هؤلاء يأخذون دينونة اعظم."

(مت23)

رأينا كيف قاوم الكتبة والفريسيين مع الهيرودسيين والصدوقيين المسيح. والمسيح سبق وعلَّم، وإذ أصَّروا على مقاومتهم سقطوا تحت الويلات كنتيجة طبيعية لحياتهم الشريرة التي قبلوها بإرادتهم، والسيد هنا يظهر ثمار تصرفاتهم ليعطيهم فرصة يراجعون فيها أنفسهم لعلهم يتوبون، ويحذر تلاميذه من أن يصنعوا نفس الشئ. ونلاحظ أن عدد الويلات (8) في مقابل (8) تطويبات بدأ بها المسيح خدمته (مت5) فمن إستمع للسيد يناله التطويب ومن قاوم ورفض تنصب عليه الويلات. ونلاحظ أن هناك تقابل بين كل تطويب وبين كل ويل من الثمانية.

 

الآيات (1-3): "حينئذ خاطب يسوع الجموع وتلاميذه. قائلاً على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون. فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا لأنهم يقولون ولا يفعلون."

بينما صوب الكتبة والفريسيين سهامهم ضد المسيح نجده في لطف يقول "كل ما قالوا لكم أن تحفظوه فإحفظوه" فهو يحث الشعب على الخضوع لهم، لا من أجل سلوكهم لكن من أجل كرسي موسى الذي جلسوا عليه، ومن أجل ناموس موسى الذي يشرحونه. والمقصود بكرسي موسى الذي جلسوا عليه أنهم تسلموا ناموسه لكي يسجلوه ويقرأوه ويفسروه. وكان من عادتهم أن يقرأوا التوراة من على المنبر كما فعل عزرا. ولكن للأسف كانوا يقدمون تعاليم موسى كوعظ جيد لكنهم لا ينفذونه (وهذا حال بعض الخدام). ونلاحظ أن الله أعطاهم عظات يقدمونها للشعب فكل عطية صالحة هي نازلة من فوق.. (يع17:1) وأن الله أعطاهم هذا كثمرة للكرسي الذي يجلسون عليه. لذلك علينا أن نسمع لمن يجلس على الكرسي فهو يخبرنا بكلام الله، والله يعطيه ليقول لنا. وللأسف فهؤلاء الكتبة والفريسيين لم يستفيدوا حتى مماّ قالوه. لذلك يدعو السيد الشعب أن يسمعوا لهم إذ أن الله أعطاهم ما يقولون، ولكن إذا رأوا في كلامهم ما يناقض الناموس فعليهم أن لا يعملوه فهم بتقليد أبائهم خالفوا الناموس (مت1:15-20+ يو10:5-17). وعلى الشعب أن لا يفعل ما يرونهم يعملونه من شرور. والمسيح أعطانا أن نتمثل ونقتدي بالله لا بإنسان "كونوا كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل". فلا يصح أن نعمل الخطأ مبررين ذلك بأن هذا أو ذاك مهما كان منصبه يفعل هذا الخطأ.

 

آية (4): "فأنهم يحزمون أحمالاً ثقيلة عسرة الحمل ويضعونها على أكتاف الناس وهم لا يريدون أن يحركوها بإصبعهم."

الوصية في حد ذاتها ليست صعبة، وذلك لأن الله يعطي معونة على أن ننفذها ولكن لن يدرك هذا إلاّ من حاول تنفيذ الوصية. لذلك فالسيد يقول إحملوا نيري فهو هين وحملي فهو خفيف، والنير هو ما يربط ثورين يجران معاً والمعنى أن السيد يحمل معنا، بل هو يحمل كل شئ. وإذا وقف الإنسان ليحكم على الوصية يتصور أنها ثقيلة جداً، من يقدر أن ينفذها، والسبب أن الله غير مرئي ولكن الحمل مرئي وثقيل. ولكن من يحاول أن يزحزح هذا الحمل حتى بأطراف أصابعه سيجد أن الحمل خفيف فالله هو الذي يحمل عنه. وهؤلاء المعلمون اليهود لم يختبروا هذا ولذلك فهم يتصورون أن الوصايا ثقيلة عسرة ويعلمون الناس هذا، أمّا المعلم المختبر الذي عَرِف معونة الله ولذة الوصية يكون تعليمه مشوقاً للناس لأنه هو نفسه قد إختبر (تث11:30-14).

 

آية (5): "وكل أعمالهم يعملونها لكي تنظرهم الناس فيعرضون عصائبهم ويعظمون أهداب ثيابهم."

ترك معلمي اليهود الإهتمام بتنفيذ الوصايا إلى الإهتمام بالمظهريات وماذا يقول عنهم الناس. طلبوا الزينة الخارجية التي تخفي حياة داخلية فارغة بلا عمل. وهكذا كل مرائي يهتم بما يجلب له المديح غير مهتم بحقيقة حياته الداخلية وخلاص نفسه. والعصائب= عندما أعطى الله شريعته لموسى أوصى "أربطها علامة على يدك ولتكن عصائب بين عينيك (تث8:6) والمعنى ليكن كل عمل تعمله بيدك هو بحسب وصاياي، وتأملها بعينيك نهاراً وليلاً. ولكن الفريسيين فسروا الوصية حرفياً وكتبوا الوصايا العشر وبعض من كتابات موسى ووضعوها على أربطة صغيرة من الجلد ويطوونها على أياديهم اليمنى وعلى رؤوسهم (يربطونها كما نلبس الساعة الآن) ويربطونها على جباههم، متصورين أنها تعطيهم حماية خاصة، ولم يفهموا أنه يجب حمل الوصية في القلب (هم تعاملوا مع العصائب كما يعمل بعض الجهلة اليوم أحجبة تحميهم) بل صاروا يتنافسون في وضع عصائب أعرض= يعرضون عصائبهم يراهم الناس فيظنوا أنهم متمسكين بالناموس وتنفيذ الوصية أكثر من الجميع. ويعظمون أهداب ثيابهم= الأهداب هي حواشي إسمانجونية في أذيال ثيابهم تنفيذاً لما جاء في (عد38:15،39). وهي تذكرهم بأهمية تنفيذ الوصايا كمن يربط خيطاً على إصبعه ليتذكر شيئاً مهماً. والمقصود بهذا أن يظل لهم الفكر السماوي فاللون الإسمانجوني هو لون أزرق سماوي، وأذيال الثياب تحتك بالأرض عند السير والمقصود أننا في أثناء إحتكاكنا بالعالم يجب أن يكون لنا الفكر السماوي. أمّا هم فطلبوا الكرامة الزمنية. ولنعلم أن كل من يسلك لكي ينظره الناس هو فريسي ينطبق عليه كلام السيد هنا.

الطيالسة (مرقس ولوقا) هي ملابس فضفاضة طويلة تشبه ملابس الملوك ليجذبوا احترام الناس.

 

الآيات (6،7): "ويحبون المتكأ الأول في الولائم والمجالس الأولى في المجامع. والتحيات في الأسواق وأن يدعوهم الناس سيدي سيدي."

هؤلاء عوضاً أن يقدموا للناس خدمة في محبة مهتمين بالضعيف طلبوا الأماكن الأكثر كرامة. وكانوا يطلبون أن الشعب حين يراهم من مسافة يبدأ الشعب في عمل حركات كلها تواضع أمامهم لإعلان كرامتهم. والمسيح فعل عكس هذا إذ غسل أرجل تلاميذه، هو أتى ليَخْدِمْ لا ليُخْدَمْ.

 

الآيات (8-12): "وأما انتم فلا تدعوا سيدي لأن معلمكم واحد المسيح وانتم جميعاً اخوة. ولا تدعوا لكم أباً على الأرض لأن أباكم واحد الذي في السماوات. ولا تدعوا معلمين لأن معلمكم واحد المسيح. وأكبركم يكون خادماً لكم. فمن يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع."

هل يريد السيد أن نكف عن إستخدام الألقاب سيد/ أب/ معلم؟! بالنسبة للأشخاص الروحيين؟ قطعاً لا يمكن أن نفهم هذا بمفهوم حرفي:-

1- بولس دعا نفسه أب (1كو15:4 + فل10،11+ 1يو1:2+ 3يو4). ولكن نفهم من كلام بولس "لإني أنا ولدتكم في المسيح بالإنجيل" معنى الأبوة المطلوبة فخارج المسيح يفقد بولس أبوته، ويفقد الكاهن أبوته، وتصير دعوته أباً إغتصاباً أمّا في المسيح فيحمل أبوة الله لأولاده، يحمل لهم ما هو لله لا ما هو لذاته.

2- بولس دعا نفسه معلم وقال إن الله وضع للكنيسة معلمين (رو7:12+ 2تي11:1) وبنفس المفهوم نقبل المعلم المختفي في الرب. فالمعلم الحقيقي يُعَلِّم لحساب مجد الله.

3- قبل بولس الرسول من سجان فيلبي هو وسيلا قوله يا سيدي (أع30:16) والمهم أنهما لم يهتما باللقب بل بخلاص نفس الرجل وأهل بيته. والله أعطى للقادة الروحيين سلطان بالروح القدس ليدبروا أمور الكنيسة بالمحبة. (فل8،9،19).

4- عندما يكون القائد له حياة روحية لن يهتم باللقب إنما بخلاص النفوس. ولن يكون للألقاب خطورتها على حياته، فشوقه لخلاص كل نفس يملأ قلبه فلا يجد الرياء أو الكبرياء موضعاً فيه، بل تزيده الألقاب إنسحاقاً وإحساساً بالمسئولية. ولا يشعر في نفسه سوى أنه خادم للكل كما قال السيد على نفسه.

5- المسيح لا يقصد إلغاء الألقاب بل أراد أن نلتقي بالقادة الروحيين خلاله شخصياً، ولا نرتبط بهم خلال التملق والمجاملات.

6- إذا فهمنا هذا الكلام حرفياً فهل لا أقول لأبي الجسدي يا أبي وأقول له يا أخي. إعتماداً على قول المسيح هنا "وأنتم جميعاً إخوة". وهل لن يتعارض هذا مع وصية أكرم أباك وأمك.

7-   والمسيح يحذر هنا من أن يرتفع القادة ويسعون للعظمة فيسقطون.

 

آية (13): "لكن ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تغلقون ملكوت السماوات قدام الناس فلا تدخلون انتم ولا تدعون الداخلين يدخلون."

هذا الويل الأول هو في مقابل التطويب الأول "طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السماوات" أمّا هؤلاء المتكبرين فهم يغلقون ملكوت السموات أمام الناس. هم أغلقوا الباب أمام الناس بكبريائهم وبعدم تنفيذ الوصايا التي يعلمونها لهم، أي بسلوكهم الخاطئ. وكانوا يقدمون مفتاح للكتبة عند قبولهم وظيفتهم. والسيد يقصد أن يقول أنه عوضاً عن أن تفتحوا للناس باب ملكوت السموات بأن تفتحوا عقولهم وقلوبهم فيقبلون الله، فأنتم أغلقتم هذا الباب (لو52:11). ولو كنتم متضعين ومساكين بالروح لكان الروح القدس ملأكم وكان تعليمكم قد فتح لهم ملكوت السموات، ولكم أيضاً.

 

آية (14): "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تأكلون بيوت الأرامل ولعلة تطيلون صلواتكم لذلك تأخذون دينونة اعظم."

هم أصبحوا لا يبحثون سوى عن أنفسهم ويجرون وراء الماديات ليس من الأغنياء فقط، بل من بيوت الأرامل (كانوا يصلون ويطيلون صلواتهم في بيت الميت ليأخذوا أجراً كبيراً من أرملته)، هم طلبوا الكرامة أولاً والآن يطلبون الأموال حتى إن صار في هذا ضيق وحزن في بيوت الأرامل والأيتام. ونقارن هذا مع التطويب الثاني "طوبى للحزانى. لأنهم يتعزون". وبينما كان واجب هؤلاء الخدام أن يعزوا الأرامل أكلوا بيوت الأرامل. وبأعمالهم الرديئة هذه اعثروا الناس. في الويل الأول نجدهم متعظمين بمعارفهم وعلمهم فأغلقوا باب المعرفة على الناس. وفي الويل الثاني نجدهم متعظمين بأموالهم فأغلقوا باب التعزية على الناس الحزانى. ونلاحظ أن المسيح لا يهاجم الصلوات الطويلة، بل العلة في إطالة الصلوات.

 

آية (15): "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تطوفون البحر والبر لتكسبوا دخيلاً واحداً ومتى حصل تصنعونه ابناً لجهنم اكثر منكم مضاعفاً."

كانوا يتعبون ليكسبوا دخيلاً يدخل للإيمان اليهودي، ولكن هذا الدخيل حينما يدخل ويرى ريائهم، يتعلم هذا الرياء، وهو إذ لم يرى نموذج طيب يحتذى به يرتد لوثنيته ويصبح أسوأ حالاً فهو تعلم ريائهم وصار مرتداً عن الإيمان وقد عاد لقيئه ووثنيته، وهذا حتى إن جاءه رجل فاضل مبارك يدعوه للإيمان بعد ذلك فمن المؤكد أنه سيرفض إذ صار يشك في الجميع وبهذا يصير حاله أردأ ويصير إبناً لجهنم أكثر. وكان اليهود يحاولون زيادة المؤمنين ويطوفون البر والبحر ليأتوا بمؤمنين ليزداد عددهم ويزداد عدد المقاتلين فيرثوا أرض كنعان بل يمتدوا إلى أكثر. والمسيح في التطويب الثالث المقابل لهذا الويل الثالث يقول أن الودعاء هم الذين يرثون الأرض، وليس هؤلاء المتكبرين المتغطرسين المرائين.

 

الآيات (16-22): "ويل لكم أيها القادة العميان القائلون من حلف بالهيكل فليس بشيء ولكن من حلف بذهب الهيكل يلتزم. أيها الجهال والعميان أيما اعظم الذهب أم الهيكل الذي يقدس الذهب. ومن حلف بالمذبح فليس بشيء ولكن من حلف بالقربان الذي عليه يلتزم. أيها الجهال والعميان أيما أعظم القربان أم المذبح الذي يقدس القربان. فان من حلف بالمذبح فقد حلف به وبكل ما عليه. من حلف بالهيكل فقد حلف به وبالساكن فيه. ومن حلف بالسماء فقد حلف بعرش الله وبالجالس عليه."

يفسد الرياء بصيرة المعلمين فعوض أن يحكموا روحياً في أمور الماديات إذ بهم يحكمون بمنظار مادي حتى في الروحيات. فيرون في ذهب الهيكل أنه أفضل من الهيكل، والقربان أثمن من المذبح. فالذي يحلف بالذهب يلتزم بدفع ذهباً لو حنث في قسمه. هذا ليشجعوا الشعب أن يأتوا للهيكل بذهب يستفيدوا هم به. والهيكل مدشن بالزيت المقدس وهو لله لذلك فهو الذي يقدس الذهب. والمذبح كل ما يسمه يكون مقدساً (خر37:29). ومن أقسم بالقربان يلتزم بدفع قرابين. أمّا من يحلف بالمذبح ويحنث في قسمه فلا يشغل قلبهم في شئ. هؤلاء لا يهتمون بمجد الله بل بشبع بطونهم وإمتلاء خزائنهم. والمفهوم طبعاً ما يقدمه السيد هنا أن من يحلف بالمذبح فهو يحلف بكل ما عليه من قرابين وذبائح ونار مقدسة، وفوق الكل بالله. فالمذبح يخص الله نفسه والمفهوم أن كل الأقسام ملزمة ولا معنى لوضع هذه الفروق، وأن كل قسم من أي شخص هو إلتجاء إلى الله. وفي مقابل هؤلاء الجوعى للأمور المادية من ذهب وأموال وكل ما يشبع بطونهم يقدم المسيح التطويب الرابع "طوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يشبعون". هذا في مقابل الويل الرابع للجياع للمادة والعالم والغنى والطمع.

 

الآيات (23،24): "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تعشرون النعنع والشبث والكمون وتركتم اثقل الناموس الحق والرحمة والإيمان كان ينبغي أن تعملوا هذه ولا تتركوا تلك. أيها القادة العميان الذين يصفون عن البعوضة ويبلعون الجمل."

الويل الخامس لهم إذ هم يظهرون كمدققين للغاية فيعشرون النعناع والشبث والكمون وهي نباتات تزرع بكميات صغيرة في حدائق البيوت. وتدقيقهم هذا هو لصالحهم، فهم يركزون في تعاليمهم على دفع العشور مهما كانت قليلة كالنعنع والشبث والكمون، والمعنى الاهتمام بالعشور كلها لأن هذا سيعود عليهم بالفائدة، فالدقيق هنا في وصية العشور ليس هدفه مجد الله بل مصالحهم الشخصية. وبينما يفعلون هذا أهملوا أهم وصايا الناموس "الحق والرحمة والإيمان" لم يوصوا الشعب بالرحمة تجاه الأرامل والأيتام والفقراء فهذا لن يعود عليهم بمنفعة. ولذلك نجد التطويب الخامس المقابل لهذا الويل الخامس، طوبى للرحماء لأنهم يرحمون.

تعملوا هذه= تدفعون العشور في كل شئ. ولا تتركوا تلك= الرحمة. إذاً ليس معنى كلام المسيح عدم دفع العشور بل الإهتمام بالرحمة. يصفون عن البعوضة= يصفون مشروباتهم لئلا يكون بها بعوضة تنجسها، والبعوضة هي أصغر الحشرات النجسة أي التدقيق في الأمور الصغيرة. ويبلعون الجمل= الجمل هو من الحيوانات النجسة وهو أكبرها والحيوانات النجسة تشير للخطايا. والمقصود أنهم يقبلون أعظم الخطايا إن كان في هذا مصلحة لهم. أيها القادة العميان= هم رأوا البعوضة ولكنهم لم يروا الجمل. وهم كان السيد المسيح أمامهم وبسبب بصيرتهم العمياء وحسدهم وطمعهم لم يروه ولا عرفوه بل صلبوه، لقد أظلم الرياء وحرفية العبادة عيون قلوبهم.

 

الآيات (25،26): "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تنقون خارج الكأس والصحفة وهما من داخل مملوءان اختطافاً ودعارة. أيها الفريسي الأعمى نق أولاً داخل الكأس والصحفة لكي يكون خارجهما أيضاً نقياً."

هنا يلومهم السيد أنهم يتمسكون بمظهر التقوى مثل كأس أو صحفة ينظفانها من الخارج دون الداخل، والمقصود الممارسات الطقسية التي بلا روح وبلا توبة وبلا محاولة لتطهير القلب. هؤلاء يطهرون الجسد ولا يهتمون بقلوبهم. ومن الخطر أن يهتم أحد بشكليات العبادة الخارجية دون أن يلتقي بالسيد المسيح نفسه جوهر عبادتنا وهو الذي يطهرنا حقيقة. وفي مقابل هذا الويل السادس نجد التطويب السادس "طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" أمّا هؤلاء فلم يروا الله ولا عرفوه.

 

الآيات (27،28): "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تشبهون قبوراً مبيضة تظهر من خارج جميلة وهي من داخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة. هكذا أنتم أيضاً من خارج تظهرون للناس أبراراً ولكنكم من داخل مشحونون رياء وإثماً."

كان لليهود عادة أن يغسلوا القبور قبل الفصح أولاً للزينة وثانياً حتى لا يحتك بها المارة فيتنجسون، وكانوا يدهنوها باللون الأبيض لتصير واضحة (راجع عد16:19). هنا يشرح السيد أن هؤلاء المظهريين صاروا أمواتاً. فكل من لا يتطهر من خطاياه تقتله الخطية "لك إسم إنك حي وأنت ميت" (رؤ1:3) والعكس فمن يقدم توبة كالإبن الضال يحيا "إبني هذا كان ميتاً فعاش". من يهتم بالظاهر والداخل ميت يكون كالقبر المبيض من الخارج له إسم أنه حي، والناس يمدحونه. بينما داخله ميتاً والله هو الذي يري الداخل (رؤ18:2،23). وفي مقابل هذا الويل نجد التطويب السابع "طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله". الإبن الضال بتوبته عاد لحضن أبيه فحصل على الحياة وصار إبناً لله.

 

الآيات (29-36): "ويل لكم ايها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تبنون قبور الأنبياء وتزينون مدافن الصديقين. وتقولون لو كنا في أيام آبائنا لما شاركناهم في دم الأنبياء. فانتم تشهدون على أنفسكم أنكم أبناء قتلة الأنبياء. فإملأوا انتم مكيال آبائكم. أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم. لذلك ها أنا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة فمنهم تقتلون وتصلبون ومنهم تجلدون في مجامعكم وتطردون من مدينة إلى مدينة. لكي يأتي عليكم كل دم زكي سفك على الأرض من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا بن برخيا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح. الحق أقول لكم إن هذا كله يأتي على هذا الجيل."

ببنائهم لقبور الأنبياء فهم يشهدون أن أباءهم قتلة الأنبياء، وها هم يكملون مكيال أبائهم بتدبيرهم المؤامرات لقتل المسيح. وكان الأهم من بناء قبور للأنبياء أنهم يحفظون أقوالهم ويفهمونها، ولو كانوا قد فعلوا لعرفوا المسيح إذ هو هدف النبوات (رؤ10:19) "فإن شهادة يسوع هي روح النبوة". ونلاحظ تصاعد الخطايا فأولاً هم تكبروا وتعظموا (الويل الأول) ثم صاروا جشعين يأكلون أموال الأرامل (الويل الثاني) ثم صاروا سبب عثرة بريائهم للدخلاء (الويل الثالث) ثم إهتمامهم الكامل بالماديات حتى أنهم شوهوا التعاليم الروحية (الويل الرابع) ثم في سبيل إمتلاء بطونهم إهتموا بوصية العشور لأنهم يكسبون منها وسكتوا عن الخطايا الكبيرة التي كالجمل (الويل الخامس) ثم ريائهم (الويل السادس) وأخيراً وصلوا لحالة الموت الداخلي (الويل السابع) وماذا بعد ذلك إلاّ أنهم يقاومون الحق ويهدرون ويسفكون دماء الأبرياء وعلى رأسهم السيد المسيح (الويل الثامن) وفي مقابل هذا الويل نجد التطويب الثامن.. طوبى لكم إذا طردوكم وعيرَّوكم .. فإنهم هكذا طرودا الأنبياء الذين قبلكم. وهل نفلت من نار جهنم لو فقدنا التقوى الحقيقية. أيها الحيات= فالحيات تقتل حتى من لا يؤذيها وهي تزحف على الأرض إشارة للأفكار الأرضية فهو صلبوا المسيح وإضطهدوا تلاميذه. أولاد الأفاعي= فأبائهم أيضاً قتلوا الأنبياء.

ولنلاحظ أن كل إنسان مسئول عن نفسه، وهم غير مسئولين عن خطايا أبائهم، لكنهم إذ يعملون نفس الشئ= فإملأوا أنتم مكيال أبائكم، وهم ملأوه بشرورهم ثم بقتلهم للمسيح، هنا تأتي عليهم العقوبة وهي دينونة جهنم. والمسيح يخبرهم بأنه سيرسل لهم تلاميذه= أرسل إليكم أنبياء وحكماء.. ويتنبأ لهم بأنهم سيضطهدونهم= فمنهم تقتلون وتصلبون يا لمحبتك يا رب فقبل أن يعاقب وتخرب أورشليم يعطيهم فرصة أخيرة. وبسبب إستمرارهم في خطايا أبائهم سيعاقبون لأنهم لم يتعظوا بما حدث لأبائهم من مصائب بسبب خطاياهم. لذلك فعقوبة هؤلاء الأبناء أعظم= يأتي عليكم كل دم= أي عقوبة مضاعفة وهذا ما حدث في خراب أورشليم.

 

من هو زكريا بن برخيا: هناك 3 آراء:

1.  هو زكريا النبي فإسمه فعلاً زكريا بن برخيا (زك1:1). ولكن الكتاب لم يذكر شيئاً عن أن دمه سفك بين الهيكل والمذبح.

2.  هو أبو يوحنا المعمدان الذي إذ أتى إليه جنود هيرودس ليأخذوا يوحنا الطفل ليذبحوه، ذهب به للمذبح وقال من حيث أخذته أعيده. فخطفه ملاك الرب إلى البرية فقتل الجند زكريا.

3.  إنه زكريا الذي قتله يوآش ملك يهوذا كما جاء في (2أي21:24). ولكن إسم أبيه يهوياداع. ويرى القديس جيروم أن برخيا تعني بركة ويهوياداع تعني قداسة. وأن الشخص يحمل الإسمين. وهذا هو الرأي الأصوب. فالمسيح ذكر هابيل كأول شهيد يذكر في الكتاب المقدس بسبب بره. وزكريا هو آخر شهيد يذكر في الكتاب المقدس، في العهد القديم (ونلاحظ أن الكتاب المقدس اليهودي ينتهي بسفري أخبار الأيام.) ويكون قصد المسيح أنهم يتحملون دم كل الشهداء الأبرياء الذين إحتواهم الكتاب المقدس، فهم أشر من أبائهم لقتلهم المسيح.

الحق أقول لكم إن هذا كلّه يأتي على هذا الجيل= وفعلاً فخراب أورشليم على يد تيطس الروماني سنة 70م تم بعد كلام السيد المسيح بحوالي 37سنة.

 

الآيات (37-39): "يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن اجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا. هوذا بيتكم يترك لكم خراباً. لأني أقول لكم إنكم لا ترونني من الآن حتى تقولوا مبارك الآتي باسم الرب."

كم مرة أردت .. ولم تريدوا= لنلاحظ أن إرادتي يمكنها أن تعطل إرادة الله في أمر خلاص نفسي. فالله يريد أن الجميع يخلصون.. (1تي4:2). لذلك قال القديس أغسطينوس (الله الذي خلقك بدونك لا يستطيع أن يخلصك بدونك). والمسيح بكى على أورشليم إذ رأى مستقبلها وما سيحدث لها (لو42:19-44) ويبكي على كل نفس ترفضه لأنها ستهلك ويحاصرها الأعداء ويخربونها. هو أتى لأورشليم عارضاً رحمته وحمايته فرفضوه، فَخَرِبوا، وهو عارِضْ حمايته ورحمته لكل نفس ومن يرفض سيخرب. يبدأ بالتعليم والتطويب ومن يرفض تنصب عليه الويلات. هوذا بيتكم يترك لكم خراباً= لقد خرب الهيكل فعلاً وكل أورشليم وسيظل خرباً للنهاية وحتى يؤمنوا بالمسيح ويقولون مبارك الآتي بإسم الرب. النداء الذي رفضه اليهود يوم أحد الشعانين وجن جنونهم بسببه. وسيكون إيمان اليهود علامة نهاية الأيام. والسيد هنا يشبه نفسه بالدجاجة التي تحتضن بيضها حتى يفقس وتخرج الفراخ للحياة، فهو يريد الحياة لهذا الشعب، ولكن بإختيارهم. إنكم لا ترونني من الآن حتى.. تنطبق على كل منّا، فكل من يسبح الله يراه ويعرفه. ولكنها نبوة عن نهاية الأيام ومجيء المسيح الثاني. ولنلاحظ أن البيت تحول خراباً لأن الله تركه بسبب خطاياهم وهكذا كل نفس تخرب إذا إنغمست في الخطية والعكس إن تابت يعود لها الله وتراه.

 

فلسا الأرملة الفقيرة مر41:12-44 + لو1:21-4

(مر41:12-44): "وجلس يسوع تجاه الخزانة ونظر كيف يلقي الجمع نحاساً في الخزانة كان أغنياء كثيرون يلقون كثيراً. فجاءت أرملة فقيرة وألقت فلسين قيمتهما ربع. فدعا تلاميذه وقال لهم الحق أقول لكم أن هذه الأرملة الفقيرة قد ألقت اكثر من جميع الذين القوا في الخزانة. لأن الجميع من فضلتهم القوا وأما هذه فمن أعوازها ألقت كل ما عندها كل معيشتها."

(لو1:21-4): "وتطلع فرأى الأغنياء يلقون قرابينهم في الخزانة. ورأى أيضاً أرملة مسكينة ألقت هناك فلسين. فقال بالحق أقول لكم إن هذه الأرملة الفقيرة ألقت اكثر من الجميع. لأن هؤلاء من فضلتهم القوا في قرابين الله وأما هذه فمن أعوازها ألقت كل المعيشة التي لها."

·   هذه القصة تأتي بعد الويلات للفريسيين والكتبة فهم لهم الويل إذ أن قلبهم مملوء رياء بالرغم من كل معرفتهم بالكتاب والعلوم الدينية، أمّا هذه المرأة فهي غالباً لا تعرف شئ لكن قلبها مملوء حباً. هم أغنياء جشعين يأكلون أموال الأرامل وهي تعطي من أعوازها. هم يطالبون الآخرين بالعطاء ليغتنوا هم. وهي تعطي وهي الفقيرة. هنا مقارنة بين المرأة ومعلمى الشعب.

·   وهذه القصة تأتي كمقدمة للعلامات التي سيعطيها المسيح فوراً لتلاميذه عن الأيام الأخيرة وإنقضاء الدهر، حتى لا ننشغل بحساب الأيام، ومتى ستأتي هذه الساعة بل تنشغل قلوبنا فنقول مع يوحنا "تعال أيها الرب يسوع". فنترقب مجيئه بشوق وليس بخوف.

·   المسيح لا ينظر كم نعطي فهو غني لا يحتاج لأموالنا، ولكنه ينظر إلى كيف نعطي= نظر كيف يلقي= فالله يريد مشاعر الحب والعطف والبذل فهناك من يعطي بتذمر أو إكراه أو بتفاخر. ولاحظ أن ما قدمته المرأة يساوي مليماً فالله يهتم بكيف لا كم أعطينا. وهذا ما وجده في هذه المرأة. الله فاحص القلوب والكلي ينظر لحال القلب والدوافع والطريقة التي نتصرف بها. وبهذا فإن العطاء هو عطاء القلب الداخلي. فالمرأة كان مالها قليل وحبها عظيم.

·        كانت فوهة الخزانة على شكل بوق حتى ترن العملات لدى دخولها ويعلو الصوت كلما ثقلت العملة.

 

رفض اليهود للمسيح يو37:12-50

الآيات (37-41): "ومع انه كان قد صنع أمامهم آيات هذا عددها لم يؤمنوا به. ليتم قول أشعياء النبي الذي قاله يا رب من صدق خبرنا ولمن إستعلنت ذراع الرب. لهذا لم يقدروا أن يؤمنوا لأن أشعياء قال أيضاً. قد أعمى عيونهم واغلظ قلوبهم لئلا يبصروا بعيونهم ويشعروا بقلوبهم ويرجعوا فاشفيهم. قال أشعياء هذا حين رأى مجده وتكلم عنه."

نرى هنا عدم إيمان اليهود بالرغم من كل ما عمله المسيح أمامهم. بل كل ما عمله كان تصديقاً للنبوات، ولو إهتم هؤلاء العلماء الدارسين أن يفهموا، لو إهتموا بالبحث عن الحقيقة لرأوها مجسده أمامهم. من صدق خبرنا= من صدق كلام المسيح (الإنجيل). وللآن فهناك من لا يصدق حتى من المسيحيين، فمن يصدق لابد أن يتوب وتتغير حياته. ولكنهم لأنهم لم يبحثوا عن الحق فقد عميت عيونهم. وحتى هذا تنبأ عنه إشعياء. فهم الذين أعموا عيونهم لأنهم لا يريدون. هم بحثوا عن أنفسهم لا عن الله لذلك لم يجدوا الله بينما كان هو أمامهم. وكون إشعياء يعلن هذا، فهذا يشير إلى أن كل شئ يتم بحسب تدبير الله، ليس بقوتهم ولا مؤامراتهم صلبوا المسيح، بل بسماح من الله. (يو11:19). إشعياء قال هذا حين رأي مجده= ويوحنا يقصد بهذا ما قصده إشعياء.. أبعد ما رأى اليهود كل هذا المجد للمسيح لم يؤمنوا. لمن إستعلنت ذراع الرب= ذراع الرب إشارة للمسيح المتجسد (إش9:51+ 1:53+ أش9:52،10). فالمسيح ظهر في الجسد، وأظهر بأعماله وأقواله محبة الله، ولكن أشعياء يتعجب، لمن حدث هذا؟ لليهود الذين رفضوه وصلبوه، لقد تحققت نبوة إشعياء. ولكن عدم إيمانهم لم يوقف تدبير الخلاص بل صار عثرة لهم وحدهم، وإستعلنت ذراع الرب للأمم. لم يقدروا أن يؤمنوا= ليس لأن الإيمان صعب. لكنهم لم يريدوا. حين رأي مجده= في أش (6) رأى أشعياء مجد الله، وهنا يوحنا ينسب هذا المجد للمسيح. وبهذا نفهم أن المسيح هو رب المجد. أعمى عيونهم= أي سمح بأن يغمضوا عيونهم عن الحق وذلك لشرهم. الله يحاول مع الإنسان لكي يؤمن فإذا عاند الإنسان فالله يترك الإنسان ويكف عن محاولاته معه فيقال أن الله قسى قلب الإنسان أو أن الله أعمى عينيه وهذا ما حدث مع فرعون. إذاً الله تركهم لقساوة قلوبهم ولم تساندهم نعمته ومع قساوة قلوبهم فالله لم يتوقف عن خلاص البشرية.

 

الآيات (42،43): "ولكن مع ذلك آمن به كثيرون من الرؤساء أيضاً غير انهم لسبب الفريسيين لم يعترفوا به لئلا يصيروا خارج المجمع. لأنهم احبوا مجد الناس اكثر من مجد الله."

الإيمان بلا إعتراف يساوي عدمه، فسبب عدم الإعتراف هو الخوف على ضياع مراكزهم كأعضاء في مجمع السنهدريم وهذه لها كرامة عظيمة عند اليهود، وكيف يكون الله في مرتبة أقل من مراكزهم. والكتاب ذكر إثنين من الذين آمنوا من الشيوخ وهم نيقوديموس ويوسف الرامي وهؤلاء كانوا يأتون للسيد ليلاً حتى لا يراهم أحد، لكنهما أظهرا شجاعة ما بعدها شجاعة عند موته وجاهرا بإيمانهما غير مبالين بأي خطر (مت57:27+ لو50:23،51+ يو1:3،2+ يو22:9).

هذه الآيات يذكرها يوحنا هنا لنرى فيها:

مقام المؤمن            44-46

مقام غير المؤمن       47-48

مقام كلام المسيح       48-50

وهذه مبادئ ذكرها المسيح ونادى بها من قبل ويسجلها يوحنا هنا كتعليق على عدم إيمان اليهود بالمسيح بعد أن أنهى المسيح تعليمه للجموع ولليهود. فإبتداء من إصحاح (13) ينفرد المسيح بتلاميذه في أحاديث خاصة وتعليم لهم وحدهم وصلاته الشفاعية يوم الخميس. ولكن لم يَعُدُ المسيح بعد هذه الكلمات يتكلم مع الفريسيين أو الشعب. لذلك يضع يوحنا هذه الآيات كختام بمعنى أن المسيح صنع لهم كل شئ وأراهم كل شئ. وكل إنسان حر أن يقبل أو يرفض. وهذه تشبه ما قيل في (رؤ11:22) من يظلم فليظلم بعد ومن هو نجس فليتنجس بعد ومن هو بار فليتبرر بعد.

 

الآيات (44،45): "فنادى يسوع وقال الذي يؤمن بي ليس يؤمن بي بل بالذي أرسلني. والذي يراني يرى الذي أرسلني."

نادى= أي بصوت عالٍ إظهاراً لغيرته الشديدة على خلاصهم. الذي يؤمن بي= هذا تعليق على من آمن وأعلن إيمانه جهاراً، وعلى من آمن من الرؤساء والشيوخ وأخفى إيمانه، وعلى من رفضوا الإيمان تماماً (آيات 40،42). والذي يراني= يراني بحسب الحقيقة ويعرف مجدي السماوي. العين المفتوحة هنا هي درجة أعلى من الإيمان، وتحتاج لإعلان بالروح القدس. ونرى هنا أن المسيح لا يفصل بين الإيمان بالآب والإيمان به فهما جوهر إلهي واحد. وتأكيد المسيح الدائم أنه مرسل من الآب هو تأكيد على هذه الوحدة مع أبيه السماوي لذلك فمن يراه يرى الآب. من يرى يسوع (ليس بشكله البشري) بل رؤية إيمانية سيرى كل ما يمكن إدراكه عن الآب.

تعليق: 1) الروح ينير قلب الإنسان فيرى ما لا يُرى. يرى بعيني قلبه، بحواسه الداخلية. كما نطق بطرس "أنت هو المسيح إبن الله الحي".

 2) نحن نصل للآب عن طريق الإبن، والآب يصل لنا عن طريق الإبن.

 

آية (46): "أنا قد جئت نوراً إلى العالم حتى كل من يؤمن بي لا يمكث في الظلمة."

نوراً= قبل المسيح كان العالم في ظلمة لا يدرك الله ولا يراه ولا يعرفه. ومجيء المسيح بدد الظلمة بنوره. لكن لا ينتفع بهذا النور سوى من يؤمن بالمسيح.هو الحق المدرك الكامل. والمسيح جاء ليستعلن ذات الله المخفية في شخصه. والخطية أظلمت عيوننا فما عدنا نرى الله. والإيمان بالمسيح يعيدنا إلى الحالة الأولى، لنا عيون تبصر الله وتراه كما كان آدم في الجنة، وهذا عكس ما قيل في آية (40) قد أعمى عيونهم بسبب عدم إيمانهم (آية39). هذه الآية توضيح لما سبق، فمن يقبل المسيح، ينير له المسيح قلبه فيعرف الآب. وبدون المسيح فالإنسان يعيش في ظلام فلا يعرف الله ولا الطريق ولا الحق ولا المستقبل.

 

آية (47): "وإن سمع أحد كلامي ولم يؤمن فأنا لا أدينه لأني لم آت لأدين العالم بل لأخلص العالم."

المسيح في مجيئه الأول أتى ليخلص لا ليدين، أتي ليدعو الجميع للإيمان، ومن يرفض لن يُدان الآن (يو17:3). وهذا ما نراه فكثيرين من الملحدين يهاجمون الله والمسيح، ولا يعاقبهم الله. والدعوة معروضة أمامهم حتى آخر يوم في حياتهم. هذا الزمان هو زمان الرحمة وليس الدينونة. سمع= سمع وينفذ.

 

الآيات (48-50): "من رذلني ولم يقبل كلامي فله من يدينه الكلام الذي تكلمت به هو يدينه في اليوم الأخير. لأني لم أتكلم من نفسي لكن الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية ماذا أقول وبماذا أتكلم. وأنا اعلم أن وصيته هي حياة أبدية فما أتكلم أنا به فكما قال لي الآب هكذا أتكلم."

الكلام الذي تكلمت به هو يدينه= كلام الله هو سيف ذو حدين (عب12:4) الحد الأول يطهر وينقي ويقطع الخطية من داخلنا لنولد من جديد (1بط23:1) ومن يرفض فالحد الثاني يدين به المسيح هذا الشخص، وبه يحاربه (رؤ13:2). من يرفض كلام المسيح وكلام المسيح حياة. إذاً هو يرفض الحياة. إذاً هو وقع تحت الدينونة. هو وضع نفسه بنفسه تحت الدينونة. فكلام المسيح نور وسيميز البار من الشرير (يو19:3،20) إذاً المسيح بسلطان كلمته يحيي ويقدس ويطهر وأيضاً يميت. فالكلمة التي لها قوة الخلاص لها أيضاً قوة الدينونة وهذا يتطابق مع (تث18:18،19)، فمن لا يسمع كلام المسيح ويؤمن به يدينه الآب. فكلمات المسيح ستقف شاهداً ضد من يستهين بها. المسيح الآن لا يدين أحداً، فهو ما جاء ليدين. لكن من يرفضه وضع نفسه خارج دائرة الرحمة. وسيدان في الأبدية إذ تقف كلمات المسيح شاهدة عليه أنه رفض الرحمة= من رذلني= أي رفض أن يؤمن بي. لم يقبل كلامي= لم يقبل تعليمي، فكلام المسيح وتعليمه هو الحق وهو نفسه كلام الآب. وهذا الكلام لا يزول، ومن يقبله يحيا ومن لا يقبله يدان. فالدينونة ليست أن نقف في محاكمة أمام الله، بل أن كلام المسيح حق سيواجه ضمير الإنسان ويحكم عليه. كل واحد سيدان من الحق الذي سمعه في يوم من الأيام "ضمائرهم مشتكية" (رو15:2). وصيته حياة أبدية= هي في ذاتها حياة. أي حين تقبل وصية المسيح تأخذ حياة في داخلك.

ونفهم من كلام المسيح هنا أن كلامه هو نفسه كلام الآب فهما واحد. لذلك فكل من لا يؤمن بالمسيح وبكلامه سيبرهن أنه غير مستحق للغفران والخلاص الذي أتى لأجلهما المسيح. وبالتالي لا يستحق الحياة الأبدية. فهدف وصايا المسيح وتجسد المسيح أن يعطينا حياة أبدية. وخلاصة كلام المسيح هنا أنه هو الله الظاهر في الجسد ومن يؤمن به ينال حياة ابدية، ووصايا الآب التي هي وصاياه من يطيعها تكون له الحياة الأبدية.

فما أتكلم أنا به فكما قال لي الآب هكذا أتكلم= هذا نفس ما قاله موسى (تث18:18،19). وقال لي الآب هذه تعني أنه، لأن الآب والإبن واحد فالمعرفة متطابقة والإرادة واحدة، ولكن ما يريده الآب يعلنه الإبن وينفذه.

 

 

خطاب المسيح عن خراب أورشليم وإنقضاء الدهر مت24 + مر13 + لو5:21-38

(مت24)

الآيات (1،2): "ثم خرج يسوع ومضى من الهيكل فتقدم تلاميذه لكي يروه أبنية الهيكل. فقال لهم يسوع أما تنظرون جميع هذه الحق أقول لكم انه لا يترك ههنا حجر على حجر لا ينقض."

ثم خرج يسوع ومضى من الهيكل= هو خرج من الهيكل ليتركه لهم خراباً إذ هم نجسوه. وبعد أن أصدر حكمه المخيف بالويلات عليهم (ص23). وكان اليهود يفتخرون بجمال الهيكل= فتقدم تلاميذه لكي يروه أبنية الهيكل. ولكن ما قيمة جمال المباني والرب قد خرج. وبنفس المفهوم تكلم حزقيال قبل خراب الهيكل الأول على يد نبوخذ نصًّر (حز18:10،19+ 22:11،23). وهكذا هيكل الجسد إن فارقه روح الرب يباغته روح نجس (1صم14:16) لذلك نصلي "روحك القدوس لا تنزعه مني" (مز11:51) فنحن هيكل الله والروح القدس يسكن فينا (1كو16:3). وكان اليهود يتطلعون للهيكل بكونه علامة ملكهم، وعظمة أبنيته علامة عظمتهم، لهذا أراد التلاميذ بفخر أن يُروا السيد عظمة الهيكل. ولكن السيد تنبأ لهم بأن لا يترك ههنا حجر على حجر لا ينقض. وكان هذا لأن اليهود إهتموا بعظمة الهيكل الخارجية وتركوا تطهير قلوبهم (أر4:7). وكان هدم الهيكل القديم إعلاناً لبدء بناء الهيكل الجديد أي الكنيسة (أر10:1). وهذا ما يعمله الروح القدس في سر المعمودية أنه يحطم الإنسان العتيق ليقيم فينا الإنسان الجديد الذي هو على صورة خالقنا. وكان الهيكل عظيماً بالفعل، فالهيكل نفسه كان صغيراً، أمّا صالاته وأروقته وأبراجه التي كانت تحيط به جعلته من أعظم المباني الفخمة في العالم. إستخدمت فيه حجارة يزيد طولها على 20قدم. وصفوف أعمدته التي قطعت من الرخام المجزع يتكون كل منها من قطعة واحدة طول كل منها أكبر من 37قدم في إرتفاعها. له ثمانية أبواب بعضها مطلي بالذهب والبعض الآخر بالفضة. والتاسع وإسمه باب الجميل مغطى بالنحاس الجميل بصورة مدهشة. وكل هذا الجمال حطَّمه تيطس سنة 70م. ثم أراد يوليانوس الجاحد أن ينقض هذه النبوة فرفع الأساس القديم وأحضر مواد بناء جديدة فخرجت نار وإلتهمت الكل فكان أن يوليانوس تمم النبوة بالأكثر إذ رفع الأساس.

 

آية (3): "وفيما هو جالس على جبل الزيتون تقدم إليه التلاميذ على انفراد قائلين قل لنا متى يكون هذا وما هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر."

من على جبل الزيتون يظهر الهيكل واضحاً. والتلاميذ في إعجاب أشاروا للسيد عليه، فقال لهم أنه سيخرب. أخطأ التلاميذ إذ ظنوا أن خراب الهيكل هو علامة على نهاية العالم. ولم يفهموا أنه لابد ويخرب علامة على إنتهاء العهد اليهودي وأنه يبطل لتبدأ الكنيسة. وكان لابد لقيام الكنيسة أن يقوم المسيح، ولكي يقوم المسيح لابد وأن يموت أي يُهدم هيكله الجسدي (يو18:2-21). ولقد عبر التلاميذ بسؤالهم عما يدور في أذهان كل البشر عن إشتياقهم لمعرفة المستقبل. ولكن السيد لم يحدد أزمنة مكتفياً بتقديم العلامات حتى لا يخدعهم المسحاء الكذبة. وما هي علامة مجيئك وإنقضاء الدهر= التلاميذ كانوا مقتنعين أن يسوع هو المسيا، وكانوا متوقعين مجده المستقبل في نهاية العالم ليُدْخِل العصر المسياني الأبدي.

تصف النبوات عادة حادثاً قريباً وترمز بهذا الوصف إلى أحداث بعيدة وهكذا جاءت نبوات المسيح هنا لتصف خراب أورشليم على يد تيطس وفي نفس الوقت تشير لأحداث بعيدة أي نهاية العالم. والرب تنبأ عن كلاهما فإمتزجت النبوتان. خصوصاً أن سؤال التلاميذ كان خطأ فهم سألوا عن علامات خراب الهيكل ونهاية العالم وكان إعتقادهم الخاطئ أن الحدثين هم حدث واحد ولذلك جاءت نبوات المسيح هنا بطريقة مدهشة لكلا الحدثين فهي متفقة مع خراب أورشليم القريب ومع أحداث نهاية العالم في المستقبل البعيد. لذلك علينا أن نفهم كيف نطبق النبوة في كل حدث.

 

الآيات (4،5): "فأجاب يسوع وقال لهم انظروا لا يضلكم أحد. فإن كثيرين سيأتون باسمي قائلين أنا هو المسيح ويضلون كثيرين."

العلامة الأولى:- وهي قيام المضلين والمسحاء الكذبة. فاليهود رفضوا المسيح الحقيقي، وكانوا في إنتظار مسيح آخر، وهذا دفع البعض أن يدعوا أنهم هم المسيح ويخدعوا الناس بعجائب كاذبة كما فعل سيمون الساحر، وهذا حدث فعلاً قبل خراب الهيكل وسيتكرر في نهاية الأيام.

 

الآيات (6-8): "وسوف تسمعون بحروب وأخبار حروب انظروا لا ترتاعوا لأنه لابد أن تكون هذه كلها ولكن ليس المنتهى بعد. لأنه تقوم أمة على أمة ومملكة على مملكة وتكون مجاعات وأوبئة وزلازل في أماكن. ولكن هذه كلها مبتدأ الأوجاع."

العلامة الثانية والثالثة:- حروب/ مجاعات وأوبئة وزلازل. لا عجب أن يسبق مجيء المسيح كل هذه الآلام فعدو الخير كلما يدرك أن الرب قد إقترب مجيئه تزداد حربه ضد المؤمنين لكي يقتنص منهم بقدر ما يستطيع، ولهذا يطلب المسيح أن نسهر فنزداد قوة على إحتمال هذه الآلام. فهدف الحروب والأوبئة.. الخ هو إثارة رعب المؤمنين فيرتبكون خائفين على حياتهم الزمنية ولكن من يرتبك يخسر أفراحه خاصة الفرح بمجيء المسيح والمجد المنتظر. وهذا ما حدث قبل خراب أورشليم أيضاً أن كانت هناك حروب كثيرة وأخبار حروب.

 

الآيات (9،10): "حينئذ يسلمونكم إلى ضيق ويقتلونكم وتكونون مبغضين من جميع الأمم لأجل اسمي. وحينئذ يعثر كثيرون ويسلمون بعضهم بعضاً ويبغضون بعضهم بعضاً."

العلامة الرابعة:- الحرب التالية التي سيثيرها عدو الخير هي الإضطهاد لأولاد الله، فيرتد كثيرين من الذين كانت علاقتهم بالله علاقة سطحية بلا عمق مثل النباتات التي بلا جذور هذه تحترق من الشمس إذ لا تجد ماءً يرويها فهي بلا جذور عميقة، ومن لهم عمق في حياتهم الروحية يعطيهم الروح القدس التعزية. والمرتدون من المؤمنين يسلمون إخوتهم المؤمنين، ربما من خوفهم وربما غيرة وحسد. وربما لنقص المحبة في تلك الأيام. وربما من كثرة الضيقات مع عدم وجود تعزية (للأشرار) ما عاد أحد يحتمل إخوته.

 

الآيات (11،14): "ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ويضلون كثيرين. ولكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين. ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص. ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم ثم يأتي المنتهى."

العلامة الخامسة والسادسة:- لقد بدأ عدو الخير بخلق جو عام قابض من حروب وزلازل..الخ ليسحب المؤمن من الحياة الداخلية العميقة ثم يصوب إليه حرباً شخصية من إضطهاد لأجل المسيح ثم نجد هنا الهجوم على الإيمان والعقيدة لتنحرف بعيداً عن مسار الملكوت. مثل ظهور أنبياء كذبة كما حدث فعلاً بعد صعود المسيح وحتى خراب أورشليم فقد ظهر مسحاء كذبة كثيرين جمعوا حولهم أتباعاً كثيرين. وفي أيامنا الأخيرة ظهرت مئات البدع والفلسفات الملحدة المضللة التي تشكك في الله، بل وفلسفات تتستر تحت رداء الدين. وثمار هذه الفلسفات والبدع الإرتداد والفتور وتبرد محبة الكثيرين. ولقد تعاظم الشر قبل خراب أورشليم وزادت جاذبية الشر ممّا أضعف إحتمال الكثيرين عن إحتمالهم للإستشهاد. إذاً فالعلامة السادسة هي الإرتداد والفتور أمّا السابعة أن تصل الشهادة للجميع. وقبل خراب أورشليم كان التلاميذ قد وصلوا فعلاً إلى غالبية العالم المعروف.

 

آية (15): "فمتى نظرتم رجسة الخراب التي قال عنها دانيال النبي قائمة في المكان المقدس ليفهم القارئ."

في العبارات السابقة حدثنا السيد عن نهاية الهيكل وخراب أورشليم بطريقة خفية، أما هنا فيتحدث علانية. والمسيح هنا يدعوهم لقراءة سفر دانيال (27:9+ 11:12). ليتأكدوا من توقف الذبيحة وبالتالي من خراب الهيكل. رجسة الخراب= هناك عدة آراء بخصوصها:-

1.  تشير للجيوش الرومانية الجبارة ومعها أصنامها التي أحاطت بأورشليم لتخربها وهذا ما أشار إليه الرب نفسه (لو20:21) في المكان المقابل في إنجيل لوقا. ونلاحظ أن الجيش الروماني حاصر أورشليم فترة ثم رأى تيطس أن أورشليم هذه لا تستحق تعطيل الجيوش الرومانية كل هذه الفترة فقرر أن يقوم بمحاولة أخيرة وإذا فشلت ينسحب. وفي ذات ليلة تسلل بعض الجنود الرومان من على أسوار أورشليم ودخلوا إلى الهيكل الملاصق للسور ووضعوا النسر الروماني على الهيكل فتنبه اليهود وطردوهم فإنسحب تيطس. وإستيقظ المسيحيين صباحاً ليجدوا النسر الروماني على الهيكل فتذكروا هذه الآية ونفذوا ما بعدها إذ هربوا من أورشليم فوراً إلى الجبال المحيطة بأورشليم وإلى لبنان وإلى بلدة إسمها بيلا. أما اليهود فأقاموا الإحتفالات بهروب الرومان. ولكن ما حدث أن تيطس بعد مسيرة ساعات قليلة تقابل مع نجدة رومانية بأوامر من قيصر أن يدمر أورشليم فعاد ثانية لحصارها وكان حصاراً بشعاً وصل أن أكلت الأمهات أطفالهن. ثم قتل تيطس 1.2مليون، أمّا المسيحيين فنجوا. وهكذا حال النبوات لا يمكن فهمها إلاّ حين يكون لها فائدة، ويأتي وقت تنفيذها.

2.  تشير هذه الرجسة إلى ما سيحدث أيام الدجال، والسيد أعطانا علامات كاملة عن هذا الدجال لنكتشفه. ويسميه السيد رجسة لأنه يأتي ضد الله ويدعي أنه الله. وهو سيدمر الأرض بالحروب والقتل. وسيقبله اليهود ويأخذونه إلى الموضع المقدس الذي يصلون فيه (2تس3:2-11). والله يطلب من شعبه أن يهرب إلى الجبال أيضاً في هذه المرة. ولكن كما قلنا فالنبوة لن نفهم كيف ننفذها إلاّ في حينه (رؤ6:12 يشير لموضع مُعَّدٌ في البرية حيث يعول الله الهاربين). ليفهم القارئ= يا من تقرأ إفهم وإهرب. وهذا ما حدث سنة 70م وسيتكرر في نهاية الأيام.

 

الآيات (16-20): "فحينئذ ليهرب الذين في اليهودية إلى الجبال. والذي على السطح فلا ينزل ليأخذ من بيته شيئاً. والذي في الحقل فلا يرجع إلى ورائه ليأخذ ثيابه. وويل للحبالى والمرضعات في تلك الأيام. وصلوا لكي لا يكون هربكم في شتاء ولا في سبت."

عاد الجيش الروماني لحصار أورشليم بعد ساعات يقدرها البعض بحوالي 6ساعات من إنسحابه، فلو حدث أي تباطؤ من أي مسيحي في تنفيذ ما طلبه المسيح بالهروب لكان قد قاسى آلام الحصار ثم هلك مع اليهود. والمسيح طلب من المؤمنين في أورشليم أن يتركوها إلى الجبال فالرومان سيدمروها تماماً. والذي على السطح فلا ينزل ليأخذ من بيته شيئاً= فكانت درجات سُلَّمْ البيوت تعمل من الخارج على جوانب البيت. ولا وقت لدخول البيت ليأخذوا أمتعة تعوقهم. والذي في الحقل فلا يرجع إلى ورائه ليأخذ ثيابه= والثياب المقصود بها الرداء الخارجي. وويلٌ للحبالى= فهن لن يستطعن أن يسرعوا في الهرب. وصلوا لكي لا يكون هربكم في شتاء ولا في سبت ففي الشتاء يكون الجو بارداً والنهار قصير. وفعلاً كان هروبهم في الربيع. واليهود حددوا أقصى مسافة للسير يوم السبت بألفي خطوة أي نحو ميلين. والمعنى أن صلوا حتى لا تكون أمامكم عوائق تمنع هربكم. ممّا سبق نرى أن السيد المسيح يرسم صورة واضحة لكل مؤمن تشير لضرورة هربه في أسرع وقت وبلا إبطاء. وهذا الكلام له مفهوم روحي ينطبق على الأيام الأخيرة التي نبه السيد في آية (12) أن فيها ستبرد محبة الكثيرين. فكيف لا تبرد محبة المؤمنين.

الذين في اليهودية= (المؤمنين في الكنيسة)،
الذي على السطح=(عالياً في الروح، كاملاً في قلبه)،
الذي في الحقل= (يخدم لحساب المسيح)،
الحبالى= (النفس المملوءة بالخطايا)،
الشتاء= (البرودة الروحية)،

 

يهربوا للجبال=(يطلبوا أن يعيشوا في السماويات)
لا ينزل=(لا يشغف بالممتلكات الزمنية)
لا يرجع=(مثل إمرأة لوط، ولا يرتبك بأمور الحياة)

والمرضعات=(من يكونوا سبب عثرة للآخرين)
السبت=(عاطل عن العمل الروحي)

 

 

الآيات (21،22): "لأنه يكون حينئذ ضيق عظيم لم يكن مثله منذ ابتداء العالم إلى الآن ولن يكون. ولو لم تقصر تلك الأيام لم يخلص جسد ولكن لأجل المختارين تقصر تلك الأيام."

هذا يتفق مع (دا 1:12+ يؤ2:2). وفي حصار أورشليم، كانت المجاعة قد وصلت أن أكلت الأمهات أبنائهن وإنتشرت الأوبئة من الجثث المتعفنة. هذا غير الصراعات الداخلية ضد بعضهم. ولقد قُتِلَ نحو 2مليون يهودي ما بين المجاعة وبين سيف تيطس وبيع حوالي مليون كعبيد. ولكن لأجل المختارين تقصر تلك الأيام= لعل بعض اليهود بسبب هذه الضيقات آمنوا بالمسيح، ولأجلهم أنقص الله مدة الحصار الذي كان حوالي 5أشهر. وقيل أن تيطس نسب نجاحه إلى معونة إلهية.

وفي الأيام الأخيرة سيصنع الدجال سمة لأتباعه (رؤ16:13) ولا يقدر أحد أن يشتري أو يبيع إلاّ من له هذه السمة. وستكون ضيقة عظمى، لذلك فستهرب الكنيسة التي رفضت السمة إلى البرية. لم يخلص جسد= كما هلك كثيرين أيام تيطس بسيفه، هكذا في الأيام الأخيرة سيثير الوحش إضطهاداً دموياً ضد الكنيسة. والله سيقصر الأيام= حتى لا ييأس أولاده.

 

الآيات (23-27): "حينئذ إن قال لكم أحد هوذا المسيح هنا أو هناك فلا تصدقوا. لأنه سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلوا لو أمكن المختارين أيضاً. ها أنا قد سبقت وأخبرتكم فان قالوا لكم ها هو في البرية فلا تخرجوا ها هو في المخادع فلا تصدقوا. لأنه كما إن البرق يخرج من المشارق ويظهر إلى المغارب هكذا يكون أيضاً مجيء ابن الإنسان."

إنتشر الأنبياء الكذبة قبل خراب أورشليم سنة 70م. وسوف يوجدون بكثرة في أيام الدجال. والمسيح يحذرنا حتى لا ننخدع بهم، فهم سيفعلون عجائب بواسطة عدو الخير، لذلك علينا أن لا ننخدع بالعجائب ونجري وراءها، فالشيطان قادر على عمل عجائب (رؤ13:13-15). ها هو في البرية= يدعو أتباعه للإجتماع به، ويلتف حوله كثيرون. يدَّعي صورة التقوى. والبرية أي في العلن. ها هو في المخادع= يتسلل للقلب عن طريق نشر أفكاره الخبيثة سراً. إذاً البرية والمخادع= أي لا تصدقوه إن أتى علناً أو سراً. ولكن نفهم أن البرية تشير للحياة القفرة من الإيمان والخروج عن إيمان الكنيسة. أما المخادع فتعني العمل في الظلمة بعيداً عن نور الحق.

والمسيح لن يأتي في مجيئه الثاني هكذا سراً بل كالبرق= [1] هو نور [2] لا يحتاج إلى من يعلن عنه بل يُنظر في لحظة في العالم كله [3] يأتي من السماء [4] يأتي فجأة [5] مجيئه الثاني لن يكون معه آيات أو معجزات بل سيأتي في الأعالي من السماء يشرق على كل المسكونة ليحملنا من أرجاء العالم ويرفعنا للسماء، وليدين كل العالم.

 

آية (28): "لأنه حيثما تكن الجثة فهناك تجتمع النسور."

لأنه حيثما تكن الجثة فهناك تجتمع النسور= هي نبوة عن خراب أورشليم السريع حيث أسرع الجنود الرومان (وكان رمز الدولة الرومانية هو النسر) نحو فريستهم من اليهود، فاليهود صاروا في نظر الله جثة وعليهم أن لا ينتظروا مخلصاً لهم فقد عينهم الله للهلاك، فصاروا كجثة في نظر الله وهذه الجثة سيلتهمها نسور الرومان سريعاً، وهذا ما سيحدث في الأيام الأخيرة حيث يكون الأشرار كجثة تشبع من لحومها الجوارح (رؤ17:19-21). وهذا ما قيل أيضاً عن جيوش الأشرار التي تحارب شعب الله في الأيام الأخيرة (حز17:39-20). فالوحش وكل تابعيه ما هم إلا جثة في نظر الله بسبب شرورهم وبسبب قبولهم لعمل الشيطان فيهم. والنسور هنا هم الملائكة الذين سيأتون مع المسيح (مت31:25). ولاحظ قوله لأنه وسبق قوله أن المسيح سيأتي كالبرق. إذاً المعنى أن المسيح سيأتي لأنه أعطى كل واحد فرصته، فمن بحريته إختار أن يكون جثة تعمل بها الشياطين، يدينه المسيح وتهجم عليه النسور. كأن الله يقول كفى هجوماً على كنيستي.

 

آية (29): "وللوقت بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوءه والنجوم تسقط من السماء وقوات السماوات تتزعزع."

هذه الأمور ستتحقق بلاشك حرفياً قبل مجيء السيد المسيح الأخير، وإننا نسمع اليوم عن بعض الإنفجارات الشمسية وإظلام أجزاء منها (بقع شمسية) وهذا سيتزايد في فترة الدجال. ونحن نعلم أن الأرض وسماء الكواكب التي حولنا ستزول لتأتي الأرض الجديدة والسماء الجديدة التي سيكون رب المجد شمسها (رؤ1:21+ 5:22). وروحياً فالشمس تشير للمسيح، والقمر للكنيسة والنجوم هم جبابرة الكنيسة وقادتها. وفي أيام الدجال حين تبرد محبة الكثيرين فإن نور الإيمان ينطفئ وكثير من القادة والجبابرة يسقطون ويعملون لحساب الدجال، وإذ يرتد كثيرون عن الإيمان فإن نور القمر ينطفئ. وكل خاطئ الآن يقبل أفكار العالم ينطفئ نور الإيمان في قلبه. وفي هذا التفسير الروحي يكون معنى تظلم الشمس= المسيح لم يعد معروفاً فالهرطقات والخطايا شوهت المعرفة.

 

الآيات (30،31): "وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء وحينئذ تنوح جميع قبائل الأرض ويبصرون ابن الإنسان آتياً على سحاب السماء بقوة ومجد كثير. فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون مختاريه من الأربع الرياح من أقصاء السماوات إلى أقصائها."

هذه عن الأيام الأخيرة فبعد ما سبق يأتي المسيح للدينونة وسط موكب ملائكي. والملائكة تجمع القديسين لمكانهم في السماء. وستظهر في السماء علامته قبل مجيئه وهي علامة الصليب. فيفرح المؤمنون الذين كانوا يشتهون هذه اللحظة "كما قال يوحنا آمين تعال أيها الرب يسوع" أما غير المؤمنين فينوحون= حينئذ تنوح جميع قبائل الأرض= وأسماهم قبائل الأرض إذ هم عاشوا يبحثون عن لذات الأرض وهذا في مقابل المؤمنين الذين عاشوا حياتهم على الأرض وكأنهم في السماء (أف6:2) فهم الآن سيكملون أفراحهم السماوية. والسحاب يشير إمّا للقديسين الذين يأتون مع المسيح (عب1:12+ أش1:19) وهذه الأخيرة عن العذراء مريم. وإمّا يشير لإحتجاب مجده عن الأشرار (أع9:1،11).

 

الآيات (32-34): "فمن شجرة التين تعلموا المثل متى صار غصنها رخصا وأخرجت أوراقها تعلمون أن الصيف قريب. هكذا انتم أيضاً متى رأيتم هذا كله فاعلموا انه قريب على الأبواب. الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله."

هذه الأقوال يقولها المسيح يوم الثلاثاء صباحاً.وقد توجه إلى الهيكل صباحاً مع تلاميذه وفي الطريق رأوا التينة اليابسة والتي كانت علامة على نهاية الدولة اليهودية، وحينما رآها التلاميذ تعجبوا. والآن ومازالت هذه القصة في أذهانهم تثير تساؤلاتهم نجد المسيح يشير مرة أخرى إلى شجرة التين أنها لابد وستعود للإخضرار قبل نهاية العالم، إشارة لأن اليهود سيعودون ويكونون ثانية مملكتهم إستعداداً لقبولهم المسيح الدجال وسيكون قبولهم للمسيح الدجال خراباً لهم ولدولتهم ولأورشليم ثانية (إذاً هذه العلامات لخراب أورشليم تنطبق على خرابها لأول مرة سنة 70م على يد تيطس وخرابها نهائياً في أيام نهاية العالم). ولكن تجمع اليهود سيكون له هدف آخر، أن هناك بقية مؤمنة ستدرك مع الأحداث أن المسيح الذي رفضوه وصلبوه هو المسيا المنتظر فيؤمنوا به، وأن هذا المسيح الدجال هو الشر نفسه مجسداً فيرفضوه ويكون إيمان اليهود هو علامة النهاية (رو25:11،26). إلاّ أننا أيضاً يمكن أن نفسر قول المسيح هنا، أنه كما تعرفون أن الصيف قريب إذا لاحظتم أن أوراق شجرة التين تصبح خضراء، فأنتم سيمكنكم أن تميزوا النهاية من العلامات التي أعطيتها لكم. الصيف= الضيقة العظيمة (آية21).

لا يمضي هذا الجيل= الجيل يقدر بحوالي 40-50سنة. وهذه الآية خاصة بخراب أورشليم. ولقد خربت أورشليم فعلاً بعد المسيح بحوالي 37سنة، وربما يشير هذا إلى إنقضاء سنوات قليلة بعد تكوين أورشليم والدولة اليهودية في نهاية الأزمان ليأتي المسيح الدجال إليها كعلامة للنهاية، والجيل الذي رأى تكوين إسرائيل أو عودة إسرائيل للوجود سيرى نهايتها، كما أن الجيل الذي رأي المسيح رأي خراب أورشليم على يد تيطس.

 

الآيات (35،36): "السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول. وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا ملائكة السماوات إلا أبي وحده."

المعنى أنه لا يصح أن نجهد أنفسنا في تحديد السنة أو الشهر الذي يأتي فيه المسيح، فالمسيح لا يريد أن يعلنه. فلنتضع ولا نحاول أن نعلم ما أغلق المسيح معرفته على الإنسان. وما طلبه المسيح منّا بدلاً من تحديد الأزمنة هو أن نسهر وتكون مستعدين (42،44) وأن لا ننخدع بأي ضلالة خارج الكنيسة.

 

الآيات (37-39): "وكما كانت أيام نوح كذلك يكون أيضاً مجيء ابن الإنسان. لأنه كما كانوا في الأيام التي قبل الطوفان يأكلون ويشربون ويتزوجون ويزوجون إلى اليوم الذي دخل فيه نوح الفلك. ولم يعلموا حتى جاء الطوفان واخذ الجميع كذلك يكون أيضا مجيء ابن الإنسان."

الطوفان أتى فهلك الأشرار ونجا نوح وهكذا ستأتي أحداث النهاية فيهلك الأشرار وينجو كل من يوجد في الكنيسة (الفلك) ثابتاً مؤمناً. ونلاحظ أن الأكل والشرب والزواج ليسوا في حد ذاتهم شراً. ولكن المقصود أن من يستغرقه العالم بشهواته وينسى الله يهلك (في19:3+ رو18:16+ تي12:1+ رو17:14).

 

الآيات (40،41): "حينئذ يكون اثنان في الحقل يؤخذ الواحد ويترك الآخر. اثنتان تطحنان على الرحى تؤخذ الواحدة وتترك الأخرى."

والمقصود أن واحد يؤخذ للمجد، وواحد للدينونة. قد يكون إثنان أصدقاء. ولكن أحدهما يحيا في قداسة، في السماويات، والآخر يحيا في الشر تستغرفه هموم الأرض وغناها، فهو من قبائل الأرض (آية30) وحينما تأتي هذه الساعة يفترق كلٌ منهما للأبد. فهما أمام العالم سيان من ناحية المظهر ولكنهم في طبيعتهم الروحية مختلفان. إذاً لنسهر ونهتم بحياتنا الروحية فهي التي تحدد مصيرنا.

 

الآيات (42-51): "اسهروا إذا لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم. واعلموا هذا انه لو عرف رب البيت في أية هزيع يأتي السارق لسهر ولم يدع بيته ينقب. لذلك كونوا انتم أيضا مستعدين لأنه في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان. فمن هو العبد الأمين الحكيم الذي أقامه سيده على خدمه ليعطيهم الطعام في حينه. طوبى لذلك العبد الذي إذا جاء سيده يجده يفعل هكذا. الحق أقول لكم انه يقيمه على جميع أمواله. ولكن إن قال ذلك العبد الرديء في قلبه سيدي يبطئ قدومه. فيبتدئ يضرب العبيد رفقاءه ويأكل ويشرب مع السكارى. يأتي سيد ذلك العبد في يوم لا ينتظره وفي ساعة لا يعرفها. فيقطعه ويجعل نصيبه مع المرائين هناك يكون البكاء وصرير الأسنان."

الرب يدعونا أن نستعد لمجيئه كعبد ينتظر سيده. ويدعو رسله وخدامه إن يكونوا أمناء على ما تسلموه من وزنات. ولنلاحظ أن كل مالنا هو أمانة إستودعها الله لنا وما نحن سوى وكلاء ولابد أن نكون أمناء. وأمّا من يحسب ما عِنَدهُ ملكاً له وإنغمس في ملذاته بدعوى أن من حقه أن يستمتع بما عنده فمثل هذا يُحَسبْ غير أميناً فيما ائتمنه الله عليه. العبد الحكيم= هو من يستعد لأبديته. لا يدع بيته ينقب= كانت حيطان البيوت تبنى من الطين المجفف أي الطوب اللبن، أي تبنى وتترك حتى تجف، ولذلك كان من عادة اللصوص أن ينقبوا الحيطان ويدخلون. المطلوب منّا قبل أن نهتم بزيادة مواردنا المالية والإهتمام بصحتنا ومستقبلنا على هذه الأرض أن نهتم بمستقبلنا السماوي وننمو روحياً وتزداد ثمارنا الروحية وهذا لا يلغي ذاك ولكن الأولوية لحياتنا الأبدية. فيوم مغادرة العالم يأتي فجأة= السارق. السهر= الإنتباه لخلاص النفس بالتوبة. والجهاد بطول العشرة مع الله لتنمو محبتنا لله. هزيع= اليهود يقسمون الليل إلى أربع أقسام، كل قسم= 3 ساعات يسمونه هزيع. ويبدأ الهزيع الأول الساعة 6مساءً.خدمه= كل من أنا مسئول عنهم. بل كل إنسان قد يتعثر بسبب تصرفاتي. يقيمه على جميع أمواله= التمتع بأمجاد السماء. يأكل ويشرب مع السكارى= ينهمك في ملذاته وشهواته. فيقطعه= أي يهلكه أبدياً.

 

(مر13)

آية (3): "وفيما هو جالس على جبل الزيتون تجاه الهيكل سأله بطرس ويعقوب ويوحنا وإندراوس على انفراد."

على إنفراد= العلامات والأسرار لا تكشف للجميع بل لخاصته الأحباء على إنفراد. وهو يريد أن يطمئن تلاميذه، أنها أيام صعبة لكنهم في يده محفوظين، يكشف لهم أنه عالم بكل شئ، وهذا يعطينا إطمئنان فلا شئ خارج عن معرفته ولا عن سلطانه، وهو وحده القادر أن يحفظنا فنحن في يده يحملنا خلال هذه الآلام. وبالنسبة لموضوع الهيكل فهو كان كل شئ في قلوب اليهود وأي مساس به يعتبرونه علامة غضب الله عليهم، لذلك حينما طلب منهم تيطس أن يسلموا المدينة ظنوا أن الله يخلصهم كما كان يفعل في القديم، فرفضوا تسليمه لتيطس إلى أن سقطت المدينة وكان تيطس يقدر الجمال وأراد الإحتفاظ بالهيكل كقطعة فنية ولكن جنوده الذين أرهقهم الحصار أشعلوا فيه النار إنتقاماً من اليهود ولكن كان هذا تنفيذاً لنبوة السيد المسيح مخالفين أوامر تيطس. وهذا الهيكل ليس هو هيكل سليمان، فهيكل سليمان حطمه نبوخذ نصًّر سنة 586ق.م. وأعاد بناءه زربابل ويشوع بعد العودة من السبي سنة 536ق.م. وكان أضخم من هيكل سليمان ولكن هيكل سليمان كان أفخم. وقد بدأ هيرودس ترميم الهيكل سنة 20ق.م. وإستمر هذا الترميم 46سنة (يو20:2) بل يقول التاريخ أن أعمال الترميم إستمرت حتى سنة63م. وموقع الهيكل الآن الحرم الشريف أو قبة الصخرة في القدس الشرقية كما يقول اليهود.

وكان سؤال التلاميذ أو لفت نظر السيد للهيكل وعظمته، هي محاولة منهم لكي يتأكدوا أن السيد حين طهَّر الهيكل كان قصده أن يكون مركز ملكه الأرضي من خلاله يملك على كل العالم، ولكن إجابة المسيح جاءت لتخيب أمالهم الأرضية ولكي تفتح أمام أذهانهم أن الهيكل الأرضي لابد أن يخرب حتى يقوم الهيكل السمائي. بل أن العالم كله سينتهي ليبدأ الإنسان يحيا الحياة الأبدية. كان هدف المسيح رفع أنظارهم من النظرة المادية للأفكار الروحية وأننا غرباء على هذه الأرض. المسيح أراد أن يسحب قلوبهم للهيكل السماوي [1] المسيح يؤسس هيكله الآن الذي هو الكنيسة [2] كل منا هو هيكل للروح القدس ونحن حجارة حية في هذا الهيكل (1كو16:3 + 1بط5:2) [3] ما نحصل عليه هنا هو عربون حياتنا السماوية في الأبدية. [4] حتى يقيم المسيح فينا هيكله السماوي ينبغي أن يهدم هيكل جسدنا العتيق. [5] حتى تقوم الكنيسة كان ينبغي أن ينتهي دور العبادة اليهودية بهدم هيكلها فطالما أتى المرموز إليه بطل الرمز. [6] هذا ما يحدث في المعمودية حيث يحطم الروح القدس إنساننا القديم لكي لا يكون له أثر في حياتنا، فإن سلكنا بروح الله يقوم في داخلنا إنسان جديد روحي على شكل جسد المسيح، وإن عادت قلوبنا تطلب الشر الذي في العالم نكون كإمرأة لوط ونفقد بهاء ملكوت الرب فينا. لذلك علينا أن نحيا كأموات أمام الخطية (رو11:6+ كو5:3).

وفيما هو جالس على جبل الزيتون= الزيتون يشير للزيت وهذا يشير للروح القدس الذي سيؤسس الهيكل الجديد.

 

آية (6): "فإن كثيرين سيأتون باسمي قائلين أني أنا هو ويضلون كثيرين."

قال يوسيفوس المؤرخ اليهودي أن مزورين كثيرين وسحرة جذبوا إليهم كثيرين إلى البرية يخدعونهم، فمنهم من جُنَّ ومنهم من عاقبه فيلكس الوالي. من بينهم ذلك المصري الذي ذكره الأمير (أع38:21). هذا المصري وعد الآلاف أنه يهدم أسوار أورشليم بكلمة، وهذا ما يحدث الآن ونحن نقترب من المجيء الثاني.

 

الآيات (7،8): "فإذا سمعتم بحروب وبأخبار حروب فلا ترتاعوا لأنها لابد أن تكون ولكن ليس المنتهى بعد. لأنه تقوم أمة على أمة ومملكة على مملكة وتكون زلازل في أماكن وتكون مجاعات واضطرابات هذه مبتدأ الأوجاع."

حدث هذا فعلاً قبل خراب أورشليم سنة 70م. فقد إلتهبت المملكة الرومانية بنار الحروب في الفترة ما بين صعود المسيح وخراب الهيكل. منها الحرب التي إشتعلت في الإسكندرية سنة 38م بين المصريين واليهود المقيمين فيها، والحرب التي نشبت في سلوكية ومات فيها 50.000يهودي، كما حدث هياج شديد بين اليهود وبين السامريين. وحدثت مجاعات كالتي تنبأ عنها أغابوس (أع28:11) وحدثت سنة 49م. وتفشى وباء في روما مات بسببه 30.000 سنة 65م. وحدثت زلازل في كريت سنة 46م وفي روما سنة 51م وفي أورشليم سنة 67م. وهكذا فكثير من هذه الأحداث ستتكرر قبل مجيء المسيح الثاني وبصورة أصعب، حتى يلهي الشيطان أولاد الله عن حياتهم الداخلية بإهتماماتهم الزمنية، إمّا باللهو أو بالخوف والقلق. بل أن كل من يحاول أن يقترب من الله يلهيه إبليس إمّا بلذات العالم أو بالمشاكل فيضطرب. والسيد يطالبنا بالصبر "الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص" (آية13) ويطالبنا بأن لا نهتم ولا نخاف (لو9:21) فهو سيعطينا ما نحتاجه (آية11) ويطالبنا بأن نسهر (آية35) وقوله يصبر إلى المنتهى، أي لأقصى حد أي إحتمال كامل. عموماً الله يسمح بالآلام لعلها تخيف الناس فيتوبوا عن شرورهم.

 

آية (9): "فانظروا إلى نفوسكم لأنهم سيسلمونكم إلى مجالس وتجلدون في مجامع وتوقفون أمام ولاة وملوك من اجلي شهادة لهم."

فأنظروا إلى نفوسكم= أي مهما إشتدت الضيقة، وحتى لو كان مصدرها الملوك والولاة، أو من المقربين منّا كالأولاد والأباء، أو من الحروب والزلازل والمجاعات أو الإضطهاد.. فإن سر القوة أو الضعف يتوقف على أعماق النفس الداخلية. فعلينا أن نعلم أن السلام الداخلي لا يتوقف على الظروف الخارجية، بل هو عطية إلهية تملأ القلب (مز1:27-3). فإذا حدث ورأينا في داخل نفوسنا أي إضطراب فالسبب ليس الظروف الخارجية، بل أن الله لا يملك على القلب، فلو كان لنا بصيرة داخلية لرأينا الرب عينه علينا يحيطنا برعايته وعنايته ومحبته فكيف نضطرب، أمّا لو إنغلقت البصيرة الداخلية لن نرى سوى الضيقات الروحية فنرتعب (راجع موضوع إليشع وجحزي 2مل16:6،17). والبصيرة الروحية تنفتح إذا إمتلأ الإنسان من الروح القدس الذي يدرب الحواس (عب14:5) والروح القدس أيضاً هو الذي يعطينا ما نتكلم به.

 

آية (14): "فمتى نظرتم رجسة الخراب التي قال عنها دانيال النبي قائمة حيث لا ينبغي ليفهم القارئ فحينئذ ليهرب الذين في اليهودية إلى الجبال."

ليفهم القارئ= هي عبارة قصيرة من كاتب الإنجيل لتكون علامة للهروب.

 

آية (22): "لأنه سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة ويعطون آيات وعجائب لكي يضلوا لو أمكن المختارين أيضاً."

لو أمكن المختارين أيضاً= قوله لو أمكن معناه أن عدو الخير سيحاول مع القديسين ويحاول خداعهم، وربما يشكوا ولكن إلى حين، فالله لمن يترك مختاريه ومعنى لو أمكن أن عدو الخير لن يمكنه أن يخدعهم.

 

آية (32): "وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلاّ الآب."

ولا الإبن= هذه كمن يسأل أب إعتراف عن خطايا إنسان فسيقول لا أعرف. أو حين تسأل مدرس عن إمتحان وضعه. إذاً هو لا يعرفه معرفة من يبيح بالأمر. وقطعاً هو يعرف فكل ما للآب هو للإبن (يو10:17) والإبن هو حكمة الآب (1كو24:1) والآب رأى أنه ليس في صالحنا أن يخبرنا بهذا الميعاد فمن يعرف سوف يحيا حياة الإستهتار وينسى حياة السهر والجهاد. والقديس يوحنا ذهبي الفم يفسرها بأن المسيح يمنعهم من سؤاله هذا السؤال [(راجع مت12:25). ما أعرفكن= هم يعرفهم قطعاً ولكن عدم المعرفة هنا تعني لن تدخلوا معي..] ولكن نفهم القول أيضاً على أن الآب يريد. وما يريده الآب ينفذه الإبن والروح القدس. فالآب مثلاً يريد أن الجميع يخلصون . فالإبن نفذ الفداء، والروح القدس يقود الكنيسة ويقود كل نفس للخلاص. هذا إتفاق داخل المشورة الثالوثية. ومعنى أن الآب يعرف والإبن لا يعرف. أن الآب لا يريد الإعلان، فالإبن ينفذ ولن يعلن. وهذا قاله المسيح بطريقة أخرى. أن ما يسمعه عند الآب يقوله (يو26:8). وبنفس المفهوم يقال هذا عن الروح القدس (يو13:16).

 

آية (34): "كأنما إنسان مسافر ترك بيته وأعطى عبيده السلطان ولكل واحد عمله وأوصى البواب أن يسهر."

سافر= صعد إلى السماء بعد أن أتم الفداء. ترك بيته= كنيسته. أوصى البواب= متى أسماه العبد الأمين الحكيم، فهم يكلم اليهود ويرسم لهم الصورة التي ينبغي أن يكون عليها رؤساء الكهنة والكهنة واللاويين الذين ائتمنهم الله على تعليم الشعب. ومرقس يكلم الرومان فيرسم لهم صورة البواب الذي يحرس منزل أحد النبلاء الرومان، وكل من التشبيهين يكمل الآخر، فالوكيل الأمين يشير لعمل الخدام في إشباع الناس بأمانة، وسهر الحراس والبوابين يشير لليقظة الأمينة. أمساء أم نصف الليل أم صياح الديك أن صباحاً= هذا هو التقسيم الروماني لليل.

 

(لو5:21-38)

آية (5): "وإذ كان قوم يقولون عن الهيكل انه مزين بحجارة حسنة وتحف قال."

حجارة حسنة= كانت بعضها تصل أحجامه إلى 45×12×18قدم. ومعظمها كانت إرتفاعها 37 قدم. والأثر الباقي منه حائط المبكي. وتحف= أتى بها العابدين من كل أنحاء العالم. وكان الهيكل من الرخام وبعضه مطلي بالذهب فكان كأنه جبل ثلجي ومنظره غاية في الروعة. واليهود كانوا يتصورون أن المسيا حين يأتي سيجعل الهيكل مقرا له وكأن التلاميذ يتصورون هذا، أن هذا سيكون مقر المسيح معلمهم حين يملك.

 

الآيات(12-19): "وقبل هذا كله يلقون أيديهم عليكم ويطردونكم ويسلمونكم إلى مجامع وسجون وتساقون أمام ملوك وولاة لأجل اسمي. فيؤول ذلك لكم شهادة. فضعوا في قلوبكم أن لا تهتموا من قبل لكي تحتجوا. لأني أنا أعطيكم فماً وحكمة لا يقدر جميع معانديكم أن يقاوموها أو يناقضوها. وسوف تسلمون من الوالدين والاخوة والأقرباء والأصدقاء ويقتلون منكم. وتكونون مبغضين من الجميع من اجل اسمي. ولكن شعرة من رؤوسكم لا تهلك. بصبركم اقتنوا أنفسكم."

العالم سيكون في ضيق الحروب والمجاعات والزلازل والأوبئة، أمّا المؤمنين فسيكونون في ضيق بسبب إيمانهم بالمسيح. بل أن الإضطهاد سيكون من الأقرباء. والفرق أن من في العالم سيكونون في خوف وهم، أمّا المؤمنين فسيكونون في فرح (أع41:5)

 

آية (20): "ومتى رأيتم أورشليم محاطة بجيوش فحينئذ اعلموا انه قد اقترب خرابها."

في متى ومرقس قال رجسة الخراب. وهنا يقول أورشليم محاطة بجيوش، وهذا تحديد واضح. حدث أيام تيطس وسيحدث ثانية.

 

آية (22): "لأن هذه أيام انتقام ليتم كل ما هو مكتوب."

لأن هذه أيام انتقام= بسبب دم المسيح الذي صار كفارة للعالم، صار علة دينونتهم. ونلاحظ أن حصار أورشليم كان لإنذارهم لعلهم يتوبون.

 

آية (23): "وويل للحبالى والمرضعات في تلك الأيام لأنه يكون ضيق عظيم على الأرض وسخط على هذا الشعب."

ويلٌ للحبالى والمرضعات= بسبب الحصار والمجاعة أكلت الأمهات أطفالهن.

 

آية (24): "ويقعون بفم السيف ويسبون إلى جميع الأمم وتكون أورشليم مدوسة من الأمم حتى تكمل أزمنة الأمم."

يسبون إلى جميع الأمم= وهذا غير ما حدث أيام سبي بابل، ففي سبي بابل ذهبوا إلى مكان واحد هو بابل. وقد باع تيطس الباقين أحياء كعبيد فتشتتوا في كل مكان.

أورشليم تظل مدوسة من الأمم، يحتلونها ويسكنون فيها. حتى تكمل أزمنة الأمم= أي الحقبة التي أعطيت للأمم التي يتاح فيها أن يقبلوا الإنجيل. ثم يعود بقية شعب اليهود للإيمان (رو25:11،26).

 

آية (25): "وتكون علامات في الشمس والقمر والنجوم وعلى الأرض كرب أمم بحيرة البحر والأمواج تضج."

وعلى الأرض كرب أممٍ بحيرة= في نهاية الأيام إذ تجتمع أمة اليهود ويأتي المسيح الدجال وسيتبعونه وكلهم رجاء كاذب في ملك عالمي، سيخيب رجاءهم فيه وسيعتريهم كرب وحيرة من الأحداث المخيفة، وهم بلا عزاء إلهي كالمؤمنين. والبحر والأمواج يشيرون للعالم المضطرب كالبحر. بل هذا ما حدث في زلزال جنوب شرق آسيا فعلاً. أمواج تسونامي تضرب الناس بإرتفاع 10-30متراً وبسرعات مخيفة.

 

آية (26): "والناس يغشى عليهم من خوف وانتظار ما يأتي على المسكونة لأن قوات السماوات تتزعزع."

قوات السموات تتزعزع= هذه قد تشير إلى:-

1)    المؤمنين الذين هم في حالة سماوية سيضطربون مماّ يحدث من إضطهاد.

2)    السماء تفرح بخاطئ واحد يتوب، فكم يحدث للسماويين من إضطراب ناتج عن إرتداد المؤمنين الذين على الأرض.

3)  ربما تشير فعلاً لإضطرابات في الكواكب وتساقط النجوم (مت29:24) إستعداداً لكي يكون هناك سماء جديدة وأرض جديدة.

 

آية (28): "ومتى ابتدأت هذه تكون فإنتصبوا وارفعوا رؤوسكم لأن نجاتكم تقترب."

فإنتصبوا= بفخر وفرح وإعتزاز فالمسيح سيتمجد وتتمجدون معه. ويوم هلاك الأشرار إقترب. وإنتصبوا أي إثبتوا لأن كلما إقتربت الأيام من نهايتها زادت الشدائد، فتحملوا بثبات فالفجر قريب.إرفعوا رؤوسكم= إلى السماء التي سيأتي منها المسيح وإنتظروه بفرح وبلا تراخٍ.

 

آية (34): "فاحترزوا لأنفسكم لئلا تثقل قلوبكم في خمار وسكر وهموم الحياة فيصادفكم ذلك اليوم بغتة."

فإحترزوا= الإرتداد وارد ولذلك فالتحذير مهم. خُمار= تترجم خلاعة وتترجم شَرَهْ. والإحتراز يكون بالسهر والصلاة فهذا اليوم يأتي فجأة.

 

آية (38): "وكان كل الشعب يبكرون إليه في الهيكل ليسمعوه."

كان جبل الزيتون مفروشاً بخيام الجليليين وغيرهم الذين أتوا للفصح.

 

(مت25 مت1:26،2)

سبق وأعطى المسيح علامات النهاية وعلامة إقتراب الملكوت وهنا يعطينا مفاهيم حية للملكوت. هو إستمر في حديثه السابق ليحدد من الذي يدخل هذا الملكوت.

 (مت 1:25-13)              مثل العذارى الحكيمات

(مت1:25-13): "حينئذ يشبه ملكوت السماوات عشر عذارى أخذن مصابيحهن وخرجن للقاء العريس. وكان خمس منهن حكيمات وخمس جاهلات. أما الجاهلات فأخذن مصابيحهن ولم يأخذن معهن زيتاً. وأما الحكيمات فأخذن زيتا في آنيتهن مع مصابيحهن. وفيما أبطأ العريس نعسن جميعهن ونمن. ففي نصف الليل صار صراخ هوذا العريس مقبل فاخرجن للقائه. فقامت جميع أولئك العذارى واصلحن مصابيحهن. فقالت الجاهلات للحكيمات أعطيننا من زيتكن فان مصابيحنا تنطفئ. فأجابت الحكيمات قائلات لعله لا يكفي لنا ولكن بل اذهبن إلى الباعة وابتعن لكن. وفيما هن ذاهبات ليبتعن جاء العريس والمستعدات دخلن معه إلى العرس واغلق الباب. أخيراً جاءت بقية العذارى أيضاً قائلات يا سيد يا سيد افتح لنا. فأجاب وقال الحق أقول لكن أني ما أعرفكن. فاسهروا إذاً لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة التي يأتي فيها ابن الإنسان."

أخذ المسيح المثل من عادة يهودية، فكان العريس يأتي مع أصدقائه ليأخذ العروس ومعها صديقاتها العذارى اللواتي يضئن الطريق بالمصابيح. وتقرأ الكنيسة فصل هذا الإنجيل في صلاة نصف الليل، ليتذكر كل من يصلي أنه يجب أن يكون مستعداً لإنتظار العريس، مهتماً أن يكون كإحدى العذارى الحكيمات. ويبدأ المثل بقوله حينئذ= أي أن السيد بعد أن أنهى حديثه عن العلامات الخاصة بالمجيء الثاني يريد أن يشير أن هذا المثل لهو إستمرار لحديثه الخطير.. ليميز كل سامع هل هو من الحكيمات أو هو من الجاهلات ليعرف هل نصيبه هو الملكوت أم سيقف خارجاً ومن ملَّك المسيح على قلبه هنا سيملك المسيح عليه في ملكوته، أي يكون نصيبه ملكوت السموات= العُرس. (راجع قطع نصف الليل). وفيما يلي محاولة لشرح رموز هذا المثل.

العريس= هو الرب يسوع.

العذارى= هن جماعة النفوس المؤمنة أي الكنيسة وعمل العذارى أن يستقبلن العريس بنور الإيمان والرجاء والمحبة. ولقب العذراوية لا ينطبق عادة على المتزوجين، ولكن المقصود بهذا التعبير، طهارة النفس الكاملة. وبولس الرسول في (2كو2:11) يقول خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح، وهو يكلم كل أهل كورنثوس، متزوجين وغير متزوجين. المقصود هنا أن النفس لا تعرف لها إلهاً سوى المسيح وغير متعبدة لأي شهوة عالمية، بل متحررة من كل خطية. العذراء تكون مكرسة لعريسها فقط، ونحن صرنا مكرسين للمسيح بواسطة سر الميرون. ولذلك تمثل الكنيسة كلها بعشر عذارى.

عشر= عدد كامل يرمز للكنيسة كلها، التي إجتازت المعمودية ودهنت بزيت الميرون.

الحكيمات= من ملأن آنيتهن أي قلوبهم بزيت النعمة، أي يمتلئ القلب بالروح القدس فتستنير النفس بالرب وتتمسك بحبه. عندما تنشأ علاقة بين المسيح والنفس، تقدم النفس عبادة حارة ولكن هناك من يحزن الروح القدس ويطفئه. فنحن في الميرون نحصل على نعمة محددة، بجهادنا تزيد (لذلك يقول إمتلئوا بالروح) وبإستهتارنا تقل (لذلك يقول لا تطفئوا الروح).

الجاهلات= تركن القلب فارغاَ ونسين حقيقة مجيء الرب ولهون بمحبة العالم. لهم المسيحية الإسمية، أمّا القلب فخالي من المحبة. هؤلاء أطفأن الروح.

نعسن= هل على المؤمن ألاّ ينام؟ قطعاً ليس هذا هو المقصود. ولكن الحكيمات ينعسن وهم ممتلئون سلاماً حقيقياً "فالرب يعطي لأحبائه نوماً" قال عنه سفر النشيد "أنا نائمة وقلبي مستيقظ". أمّا الجاهلات فهن يتمتعن بسلام مزيف قال عنه النبي (أر12:5+ 13:6،14+ 11:8+ حز6:13،10). وراجع أيضاً (مز2:127+ نش2:5). بالنسبة للجاهلات فهن نسين أن الرب سيأتي فلهون في العالم. ولكن علينا أن لا تفارقنا حقيقة أن الرب قادم وفجأة. نعسن ونمن= إذاً إشارة للموت.

المصابيح= هي حياتي. وهناك من حياته مستنيرة وصار نوراً للعالم. وهناك من يسلك في شهوات هذا العالم خاضعاً لسلطان الظلمة.

صراخ=أصوات الملائكة بالبوق الأخير تنادي للأبرار بالخلاص وللأشرار بالدينونة.

الزيت= هو نعمة الروح القدس، وهذه نأخذها في سر الميرون، ولكن من يجاهد يمتلئ لذلك يقول بولس الرسول (إمتلأوا بالروح، إضرم موهبة الله التي فيك بوضع يدي، وهذه الأخيرة قالها لتلميذه تيموثاوس) ويحذرنا من أن نقاوم الروح القدس .. .. .. لا تحزنوا الروح.. لا تطفئوا الروح. فبجهادنا تنسكب النعمة فينا. ومن لا يجاهد تنطفئ النعمة التي فيه. فنحن إذاً من خلال جهادنا إمّا نملأ مصابيحنا أو نطفئها. ولاحظ أن الجاهلات كان لهن رغبة أن يدخلن لكنهن لم يدخلن لأنهن لم يسمعن لصوت إبن الله ولم يجاهدن بل هن نعسن، فالرغبة وحدها لا تكفي. ونلاحظ أنهن أخطأن إذ تصورن أنه يمكنهن الحصول على الزيت في أي وقت والسبب بسيط أن النفس التي تعودت على الإستهتار والتراخي يصعب عليها أن تقوم فجأة وتبدأ الجهاد. لذلك يطلب المسيح منا السهر، أي عدم التراخي حتى تكون آنيتنا مملوءة زيتاً بصفة مستمرة.

الباعة= المسيح هو المصدر الوحيد وهو يبيع مجاناً (يو37:7-39+ رؤ17:3،18+ رؤ17:22+ أش1:55) والمسيح أعطانا وسائط النعمة وهي بلا ثمن. لكن لا فرصة للشراء من هذه العطية المجانية سوى في هذه الحياة. أمّا العذارى الجاهلات فأردن أن يشترين بعد فوات الأوان، بعد مجيء العريس= بعد أن نغادر نحن هذه الحياة، أو يأتي العريس فجأة في مجيئه الثاني.

إنطفأت مصابيح الجاهلات= كان الواجب على كل نفس أن تضرم هذه الموهبة التي أخذتها من الله (2تي6:1). ولكن الجاهلات خدعن أنفسهن معتمدات على أن لهن المواعيد أو هن قادرات على أن يمتلئن في أي وقت. ولكن الرياء سريعاً ما ينكشف وهو لا يدوم. والذين أهملوا نعمة روح الله سينكشفون في نور الرب.

أعطينا من زيتكن= هذا خطأ فلا يوجد إنسان قادر أن يعطيني الإمتلاء، فهذا يعتمد على جهادي الشخصي، ولا وسيلة سوى طلب الإمتلاء من المسيح (يو37:7-39+ 2تي6:1).

لا يكفينا وإياكن= لا يوجد إنسان له قداسة تزيد عن حاجته إذاً لا توجد بدعة زوائد فضائل القديسين.

نصف الليل= ساعة لا ينتظره فيها أحد، ويكون الناس في أضعف درجات الإستعداد.

إني ما أعرفكن= ما يحدث مع العذارى هو إمتداد لما مارسوه على الأرض، فالحكيمات يتمتعن بالحياة الجديدة كحياة شركة وإتحاد مارسنها على الأرض مع العريس، أما الجاهلات فلا خبرة لهن بالعريس، فهن عشن على الأرض خارج أبواب هذه الشركة حتى وإن كان لهن منظر الحياة التعبدية.

مصابيح= من إمتلأ بالروح سيظهر هذا في حياته وأعماله ويكون نوراً للعالم، ويرى الناس أعماله ويمجدوا الآب الذي في السموات (مت16:5+ لو35:12).

أغلق الباب= ثبات القرار، فما عاد الأبرار يخرجون، ولا الأشرار ولا الشيطان يدخلون.

والمستعدات دخلن= وصاروا في أمان، لا يستطيع أحد أن يخطفهن.

رقم 5= يشير للحواس الخمسة وأصابع اليد الخمسة وأصابع القدم الخمسة أي يشير لمسئولية الإنسان، فالحواس هي التي أتعرف بها على العالم، وأنا مسئول عن كل ما يدخل إلى القلب عن طريق حواسي الخمسة، فهناك من يقدس سمعه رافضاً أن يسمع أي شئ يدنسه، وهناك من يفتح أذنه لسماع أي شئ فيتدنس، هذه مسئوليتي، وهناك من يستعمل لسانه في التسبيح فيتقدس قلبه، وهناك من يستعمل لسانه في الذم والنم والشتيمة والكذب.. الخ فيدنس قلبه (يع5:3) وأصابع اليد تشير لأعمالي وأصابع القدم تشير لإتجاهاتي وأنا المسئول عنهما. إلاّ أن رقم 5 يشير للنعمة، فالمسيح أشبع 5000 من 5خبزات. والمعنى أن من يجاهد ليضبط ويقدس حواسه وأعماله وإتجاهاته يمتلئ ويشبع من النعمة ويملأ مصباحه فيكون مستعداً للقاء العريس.

 

(مت 14:25-30)             مثل الوزنات

(مت14:25-30): "وكأنما إنسان مسافر دعا عبيده وسلمهم أمواله. فأعطى واحدا خمس وزنات وآخر وزنتين وآخر وزنة كل واحد على قدر طاقته وسافر للوقت. فمضى الذي اخذ الخمس وزنات وتاجر بها فربح خمس وزنات آخر. وهكذا الذي اخذ الوزنتين ربح أيضاً وزنتين أخريين. وأما الذي اخذ الوزنة فمضى وحفر في الأرض وأخفى فضة سيده. وبعد زمان طويل آتى سيد أولئك العبيد وحاسبهم. فجاء الذي اخذ الخمس وزنات وقدم خمس وزنات آخر قائلاً يا سيد خمس وزنات سلمتني هوذا خمس وزنات آخر ربحتها فوقها. فقال له سيده نعما أيها العبد الصالح والأمين كنت أميناً في القليل فأقيمك على الكثير ادخل إلى فرح سيدك. ثم جاء الذي اخذ الوزنتين وقال يا سيد وزنتين سلمتني هوذا وزنتان أخريان ربحتهما فوقهما. قال له سيده نعما أيها العبد الصالح والأمين كنت أميناً في القليل فأقيمك على الكثير ادخل إلى فرح سيدك. ثم جاء أيضاً الذي اخذ الوزنة الواحدة وقال يا سيد عرفت انك إنسان قاس تحصد حيث لم تزرع وتجمع حيث لم تبذر. فخفت ومضيت وأخفيت وزنتك في الأرض هوذا الذي لك. فأجاب سيده وقال له أيها العبد الشرير والكسلان عرفت أني احصد حيث لم ازرع واجمع من حيث لم ابذر. فكان ينبغي أن تضع فضتي عند الصيارفة فعند مجيئي كنت اخذ الذي لي مع ربا. فخذوا منه الوزنة وأعطوها للذي له العشر وزنات. لأن كل من له يعطى فيزداد ومن ليس له فالذي عنده يؤخذ منه. والعبد البطال اطرحوه إلى الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان."

مثل العذارى يتحدث عن إنتظار الرب والإمتلاء من النعمة ومثل الوزنات يتحدث عن الأعمال. والسيد هنا يوضح أن هناك حساب على أعمالنا والوزنات التي بين أيدينا. والإنسان المسافر هو المسيح الذي صعد للسماء، والمال الذي سلمه لعبيده هو كل ما أعطانا من مواهب روحية وعطايا روحية ومواهب جسدية ونفسية، نجاهد بها في حياتنا لنربح بها لله. فالمسيح أعطانا جسده ودمه، وأرسل لنا الروح القدس، وأسس لنا كنيسة بأسرارها وأعطى كل واحد مواهب وعطايا حسب إحتياجه وعلى قدر طاقته. هناك من أخذ خمسة وهناك من أخذ إثنين وهناك من أخذ واحدة، فهو لا يبخل على أحد بعطاياه، ولا يحابي أحداً على حساب آخر، لكنه يعرف طاقة كل واحد ويوزع بحسب طاقة كل واحد. فما قدمه لنا الله من مواهب لم يقدمها إعتباطاً وإنما هو يعرف ما يناسب كل عضو لخلاص وخدمة الكنيسة. وهذا يدفعنا ألا نتكبر على أصحاب المواهب الأقل ولا نحسد أصحاب المواهب الأكثر، إنما نشكر صاحب المواهب.. يكفي أنها من يديه (1كو4:21-6) لكن الكل يأخذ (1بط10:4).

الوزنات= مالنا/ مواهبنا/ وقتنا/ صحتنا/ نفوذنا/ معرفتنا/ تعليمنا/ محبتنا/ إمكانياتنا العقلية والجسدية العضلية ومشاعرنا/ ذاكرتنا/ قوتنا.

سافر للوقت= ترك كل واحد بحريته.

(آية19): وبعد زمان طويل= أي بعد إنتهاء زمان هذه الحياة.

والله ينتظر من كل منّا أن يعمل بأمانة فيربح نفوس للمسيح ويشهد له ويكون سبباً لمجد الله الآب (مت16:5). ومن يربح هنا دخل إلى فرح سيده، بل نال الوزنة التي أهملها العبد الكسلان. أمّا صاحب الوزنة إذ أهمل وعاش عاطلاً فهو ليس فقط لم يربح وزنة أخرى وإنما هو سقط في خطية أخرى، فالخطية تلد خطية، وهنا نجد أن هذا العبد البطال إتهم سيده بالقسوة والظلم، وهي عادة قديمة، إذ حينما أخطأ آدم نسب لله الخطأ "المرأة التي أعطيتني.." فحياة الكسل والبطالة خطية وهذه سلمته لخطية أخرى وهي إتهام سيده بالقسوة.. وهذه سلمته لخطية الخوف. فكل خطية تبدو بسيطة وغير هامة تقود إلى خطايا أخطر، لذا وجب أن نقاوم كل خطية مهما بدت بسيطة. وهذا ما نبه الله قايين إليه فخطية قايين الأولى الحسد وهذا أسلمه للغضب وهذا أسلمه للتفكير في القتل وهذا أسلمه للتنفيذ وبعد ذلك أيضاً تبجح على الله قائلاً "أحارسٌ أنا لأخي" ثم هرب من الله نهائياً. لذلك ومن بداية الطريق نبه قايين قائلاً "إن لم تحسن فعند الباب خطية رابضة وإليك إشتياقها وأنت تسود عليها" ولو كان قايين قد توقف عند أول خطية بسيطة ما حدث بعد ذلك كل هذا.

تحصد حيث لا تزرع= هذا كذب لأن سيده أعطاه كما أعطى لرفقائه.

إنسان قاسٍ= هنا نرى تمرده وإتهامه الظالم لسيده.

خفت= لو كان يحب سيده ما كان قد خاف، فالمحبة تطرد الخوف. ولو خاف حقيقة لكان قد عمل وإستيقظ من كسله. ولكنه هنا يمثل من يعتذر دائماً أنه غير قادر على حفظ وصايا الله بينما هو لو حاول لوجد أن نعمة الله تسنده، أو من يعتذر عن أي خدمة لله بدعوى أنه غير قادر ولو حاول لوجد أن الله يسنده. خفت هذه ضد ما قاله الرسول بولس "أستطيع كل شئ في المسيح الذي يقويني"

عرفت أنك إنسان قاسٍ= بالعكس فهو لم يعرفه، هو لم يعرف الله، هذه تصورات قلبه لأن عينه مغلقة بسبب خطاياه.

إخفاء الوزنة= مثل من يحافظ على صحته ويرفض الخدمة لئلاّ يُرهق.

من له يعطي ويزاد= فكل من يتاجر بمواهب الروح يعطي له أكثر وتزداد له البركات الروحية بفيض. وداود أخذ وزنات شاول حين ثبت أن شاول غير أمين في وزناته. أما من ليس له محبة الله، ويسلك في شهواته فالله يحرمه من مواهبه فهو لا يستحقها.

إدخل على فرح سيدك= هو دخول العرس الأبدي.

إطرحوه إلى الظلمة الخارجية= هو إختار الظلمة الداخلية بخطاياه وكان أعمى لا يرى الرب فكان نصيبه هو ما إختاره لنفسه على الأرض، فلن يرى نور الله، وتكون له الظلمة الخارجية بعيداً عن نور الله كما إختار لنفسه على الأرض الظلمة الداخلية. الظلمة الخارجية أي خارجاً عن أورشليم السماوية التي ينيرها الرب يسوع (رؤ5:22) = العذاب الأبدي.

التفسير الرمزي:

صاحب الخمس وزنات يشير لمن قدس حواسه وأعماله وإتجاهاته فربح خمس وزنات أخر أي حواسه الداخلية التي يتصل بها بالسماء. وصاحب الوزنتين يشير لمن عاش في محبة فرقم (2) يشير لتجسد المسيح الذي أتى ليجعل الإثنين واحداً وكان عمله بمحبة عجيبة، لذلك قدًّم السامري الصالح درهمين علامة محبته للجريح والأرملة التي قدمت فلسين علامة محبتها لله وللمحتاجين وفي قبر المسيح وُجِدَ ملاكين علامة محبة السمائيين مع الأرضيين إذاً هذا يشير لمن أحب الله والناس فهذا تضاعفت محبته لله وللناس، أمّا صاحب الوزنة التي دفنها في التراب فيشير لإنسان أناني متقوقع حول ذاته محب لذاته فقط، غير مرتبط بحب الله ولا الناس، إنسان أرضي لم يستطع أن يرتفع نحو السماء حيث الحب، بل عاش في الأرضيات ولذات العالم الترابي يشبع لذاته وشهواته من اللذات الترابية ويفسد نفسه ويخنقها إذ يدفنها في شهوات الجسد الترابي فلا ينتفع روحياً وحتى جسده يهلك فيفقد السماء والأرض معاً.

الصيارفة= حيث تستخدم الأموال في التجارة لتربح. وهؤلاء يشيرون للمرشدين الروحيين الذين كانوا سيرشدونه لأن يقدم خدمات بمحبة للآخرين، فيربح نفس لله= ربا.

 

(مت 31:25-46)             مجيء إبن الإنسان

(مت31:25-46): "ومتى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذ يجلس على كرسي مجده. ويجتمع أمامه جميع الشعوب فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي الخراف من الجداء. فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار. ثم يقول الملك للذين عن يمينه تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم. لأني جعت فأطعمتموني عطشت فسقيتموني كنت غريبا فآويتموني. عرياناً فكسيتموني مريضاً فزرتموني محبوساً فأتيتم إلىّ. فيجيبه الأبرار حينئذ قائلين يا رب متى رأيناك جائعاً فأطعمناك أو عطشاناً فسقيناك. ومتى رأيناك غريباً فآويناك أو عرياناً فكسوناك. ومتى رأيناك مريضاً أو محبوساً فأتينا إليك. فيجيب الملك ويقول لهم الحق أقول لكم بما إنكم فعلتموه بأحد اخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم. ثم يقول أيضاً للذين عن اليسار اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته. لأني جعت فلم تطعموني عطشت فلم تسقوني. كنت غريباً فلم تأووني عريانا فلم تكسوني مريضا ومحبوسا فلم تزوروني. حينئذ يجيبونه هم أيضاً قائلين يا رب متى رأيناك جائعاً أو عطشاناً أو غريباً أو عرياناً أو مريضاً أو محبوساً ولم نخدمك. فيجيبهم قائلاً الحق أقول لكم بما أنكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الأصاغر فبي لم تفعلوا. فيمضي هؤلاء إلى عذاب ابدي والأبرار إلى حياة أبدية."

المسيح إبن الإنسان يأتي في مجده للدينونة (يو22:5). ويعطي المجد للإنسان البار ويلقي الأشرار في عذاب أبدي. وهو يهب هذا المجد لمن قدموا حباً للصغار كما لو كانوا يقدمونه للمسيح. فالعذاب هو لغير المؤمنين أو للمؤمنين غير الرحماء.

(آية32): الخراف بيضاء تشير للبر (رؤ14:7+ أش18:1+ مز7:51). أمّا الجداء فلونها أسود وهذا اللون يشير للخطية (أر23:13). ونحن كلنا خطاة تميزنا خطيتنا باللون الأسود ولكن من تطهر بدم المسيح يبيض فيصير على يمين المسيح وهذه تأتي بالمعمودية والتوبة المستمرة والثبات في المسيح وتناول جسده ودمه. الجداء= من سبق وأسماهم عذارى جاهلات. الخراف= العذارى الحكيمات.

(آية 34): نرى هنا أن الملكوت معَّدْ للإنسان منذ تأسيس العالم. رثوا= ولم يقل خذوا فهم أبناء يرثون مجد أبيهم وليسوا غرباء.

(آية41): النار الأبدية هذه معدة لإبليس وملائكته. ولاحظ أنه لم يقل يا ملاعين أبي كما سبق وقال يا مباركي أبي، فهم السبب في لعنتهم وليس الآب. إذاً الله لم يُعِّدْ النار الأبدية للإنسان بل للشيطان، ولكن من يختار بنفسه أن يكون إبناً للشيطان يذهب معه للنار الأبدية (يو44:8+ 1يو10:3)

 

(مت1:26،2): "ولما اكمل يسوع هذه الأقوال كلها قال لتلاميذه. تعلمون انه بعد يومين يكون الفصح وابن الإنسان يسلم ليصلب."

هنا نرى السيد يعين ويتنبأ عن يوم موته.

بعد يومين يكون الفصح وابن الإنسان يسلم ليصلب= لقد صار إبن الإنسان فصحنا الحقيقي وكان الفصح رمزاً له.


 

يوم الأربعاء

مت3:26-5،14-16 + مر1:14،2،10،11+ لو1:22-6

بالنسبة للسيد المسيح فقد إعتزل في هذا اليوم. غالباً في بيت عنيا. وفي هذا اليوم إجتمعت السلطات الدينية معاً ليدبروا قتل المسيح، وتآمر معهم يهوذا. وتهتم الكنيسة بهذا الأمر وتكرس يوم الأربعاء على مدار السنة فيما عدا أيام الخمسين، لكي يصوم المؤمنون تذكاراً لهذا التشاور الرديء.

وفي يوم أربعاء البصخة تقرأ القراءات عاليه مع قصة المرأة التي سكبت الطيب على قدمي المسيح وهي مريم أخت لعازر، ليظهر الفرق بين ما عملته مريم وما عمله يهوذا.

 

(مت3:26-5): "حينئذ اجتمع رؤساء الكهنة والكتبة وشيوخ الشعب إلى دار رئيس الكهنة الذي يدعى قيافا. وتشاوروا لكي يمسكوا يسوع بمكر ويقتلوه. ولكنهم قالوا ليس في العيد لئلا يكون شغب في الشعب."

رؤساء الكهنة أي من يمثلون الكهنة. حنان وقيافا+ رؤساء الفرق (فرق الكهنة الأربعة والعشرين). وشيوخ الشعب هم رؤساء العائلات ومنهم نجد مجمع السنهدريم أي المجمع الأعظم الذي له السلطة العظمى في كلا الأمور الروحية والمدنية. قيافا= هو رئيس الكهنة الفعلي. وكان حنان الذي عزله بيلاطس هو حما قيافا. ولكن غالباً كان حنان له تأثير ونفوذ كبير. ولذلك في محاكمة المسيح فحصه حنان أولاً أي سأله عن تلاميذه وخدمته، ثم أرسله إلى قيافا. وقيافا هذا كان صدوقياً. قالوا ليس في العيد= ولكن الله دبَّر أن يكون صلبه أمام يهود العالم كله لينتقل الخبر للعالم كله. ولماذا لم يكتشف رؤساء الكهنة شخص المسيح ويفرحوا به كرئيس الكهنة الأعظم؟!

كان هذا بسبب إهتمامهم بالكرامات الزمنية وخوفهم على مصالحهم الشخصية وشكلية عبادتهم. وهذا قد فهمه بيلاطس أنهم "أسلموه حسداً" (مر10:15). فالحسد أعمى عيونهم.

 

(مت14:26-16): "حينئذ ذهب واحد من الاثني عشر الذي يدعى يهوذا الاسخريوطي إلى رؤساء الكهنة. وقال ماذا تريدون أن تعطوني وأنا أسلمه إليكم فجعلوا له ثلاثين من الفضة. ومن ذلك الوقت كان يطلب فرصة ليسلمه."

ثلاثين من الفضة= ثمن شراء العبد حسب الناموس (خر32:21) المسيح بيع كعبد لكي يحررنا من العبودية. وتحققت بهذا نبوة زكريا (13:11). وكان الهدف من خيانة يهوذا أن يسلمه منفرداً بعيداً عن الجموع (لو6:22)، إذ هو يعرف الأماكن التي ينفرد فيها مع تلاميذه سراً. لقد أعمى الطمع أعين التلميذ، أمّا مريم فقد فتح الحب قلبها. وغالباً فقد كان رؤساء الكهنة قد دبروا أنهم يلقون القبض على المسيح بعد الفصح ولكن عرض يهوذا سهل عليهم الأمر وعدلوا خطتهم لتصير قبل الفصح. وربما هم إهتموا بأن يتعجلوا القضاء عليه، حتى لا تثور الجماهير ويملكوه فيثير هذا الرومان ويسلبوا الرؤساء اليهود ما تبقى لهم من سلطة.

 

(مر1:14،2) : "وكان الفصح وأيام الفطير بعد يومين وكان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يمسكونه بمكر ويقتلونه. ولكنهم قالوا ليس في العيد لئلا يكون شغب في الشعب."

الفصح وأيام الفطير= إرتبط العيدان في أذهان اليهود وكأنهما صارا عيداً واحداً. وكان يستخدم تعبير عيد الفطير ليشمل الفصح أيضاً، كما يطلق إسم الفصح على عيد الفطير.

 

 (مر10:14،11): "ثم أن يهوذا الاسخريوطي واحداً من الاثني عشر مضى إلى رؤساء الكهنة ليسلمه إليهم. ولما سمعوا فرحوا ووعدوه أن يعطوه فضة وكان يطلب كيف يسلمه في فرصة موافقة."

كان يهوذا محباً للمال وطامعاً في مركز كبير حين يصير المسيح ملكاً. ولكن حديث المسيح عن صليبه خَيَّبَ أماله، وربما فهم أن ملكوت المسيح سيكون روحياً وهذا لن يفيد أطماعه بشئ، بل هو سمع أن تلاميذه عليهم أن يحتملوا الإهانات وهذا لا يتفق مع أماله في العظمة والغنى. فباع المسيح.

 

(لو1:22-6): "وقرب عيد الفطير الذي يقال له الفصح. وكان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يقتلونه لأنهم خافوا الشعب. فدخل الشيطان في يهوذا الذي يدعى الاسخريوطي وهو من جملة الاثني عشر. فمضى وتكلم مع رؤساء الكهنة وقواد الجند كيف يسلمه إليهم. ففرحوا وعاهدوه أن يعطوه فضة. فواعدهم وكان يطلب فرصة ليسلمه إليهم خلوا من جمع."

دخل الشيطان في يهوذا ليس إكراهاً بل لأنه وجد الباب مفتوحاً لديه، وجد فيه الطمع ومحبة المال باباً للخيانة. ثم بعد اللقمة دخله الشيطان (يو27:13). كان يهوذا قد سلّم نفسه للشيطان، صار إناءً له، ومع كل فرصة ينفتح الباب بالأكثر للتجاوب مع إبليس كسيد له يملك قلبه ويوجه فكره ويدير كل تصرفاته. أي أن يهوذا كان كل يوم ينمو في تجاوبه مع الشيطان فيملك عليه بالأكثر. لذلك علينا أن لا نفتح للشيطان أي باب يدخل منه، حتى لا يسود علينا. لذلك قال السيد المسيح "رئيس هذا العالم آتٍ وليس لهُ فيَّ شئ" إذ لم يقبل منه شئ خاطئ (راجع التجربة على الجبل) والعكس فمن يتجاوب مع الروح القدس يملأه (رؤ10:1+ 2:4). فروح الله يشتاق أن يحل في قلوب أولاده بلا توقف ليملأهم من عمله الإلهي. وأيضاً إبليس يحاول أن يملأ ويسود على من يتجاوب معهُ ويُصَيِّرَهُ أداة خاضعة له. وكل إنسان حر أن يختار ممن يمتلئ. يهوذا بدأ سارقاً وإنتهى خائناً للمسيح.


 

يوم الخميس (خميس العهد)

العشاء الأخير

(مت17:26-30): "وفي أول أيام الفطير تقدم التلاميذ إلى يسوع قائلين له أين تريد أن نعد لك لتأكل الفصح. فقال اذهبوا إلى المدينة إلى فلان وقولوا له المعلم يقول أن وقتي قريب عندك اصنع الفصح مع تلاميذي. ففعل التلاميذ كما أمرهم يسوع واعدوا الفصح. ولما كان المساء اتكأ مع الاثني عشر. وفيما هم يأكلون قال الحق أقول لكم أن واحد منكم يسلمني. فحزنوا جداً وأبتدأ كل واحد منهم يقول له هل أنا هو يا رب. فأجاب وقال الذي يغمس يده معي في الصحفة هو يسلمني. أن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان كان خيراً لذلك الرجل لو لم يولد. فأجاب يهوذا مسلمه وقال هل أنا هو يا سيدي قال له أنت قلت. وفيما هم يأكلون اخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى التلاميذ وقال خذوا كلوا هذا هو جسدي. واخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً اشربوا منها كلكم. لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من اجل كثيرين لمغفرة الخطايا. وأقول لكم أني من الآن لا اشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما اشربه معكم جديداً في ملكوت أبي. ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون."

كان طقس الفصح اليهودي يشمل أكل خروف الفصح على مستوى عائلي. فرب الأسرة يجتمع مع أسرته ويشتركون في أكل الخروف، وإن لم تكن الأسرة قادرة على شراء خروف تجتمع معها عائلة أخرى. ويأكلون خبز مع أعشاب مرة. وكان رب البيت يمسك الخبز في يده ويقول هذا هو خبز الغم والمحنة الذي أكله أباؤنا في مصر. ثم يقدم ثلاث كئوس خمر للحاضرين وكانت الكأس الثالثة تسمى كأس البركة. وكانوا بعد الكأس الأولى يغسلون أيديهم وأرجلهم. وفي الفصح يستخدمون خبزاً غير مختمر أي فطير. ومنذ هذه الليلة ولمدة 7أيام لا يأكلون سوى الفطير. ومساء الخميس أي عشية يوم الجمعة أسس السيد المسيح سر العشاء الرباني، قدًّم نفسه لكنيسته فصحاً حقيقياً، قدّم جسده ودمه مأكلاً حق ومشرباً حق. كان اليهود سيقدمون الفصح يوم الجمعة، أمّا المسيح فسبق وأسس هذا السر لأنه كان يعلم أنه وقت الفصح اليهودي سيكون معلقاً على الصليب فالتلاميذ في العشاء السري لم يأكلوا خروف الفصح بل أكلوا جسد المسيح فصحنا الحقيقي. والمسيح بكلماته هنا غيًّر مفهوم العيد تماماً:-

1.  كانوا في عيد الفصح يذكرون ما حدث لهم في مصر من غم ومشقة. فصرنا لا ننظر للوراء أي للفداء الرمزي بل صرنا نذكر موته وجسده الذي أعطاه لنا.

2.    عوضاً عن كأس الخمر صرنا نشرب دمه غفراناً للخطايا ولننال حياة أبدية.

3.  لم يَعُدْ الفصح على مستوى عائلي كما كان عند اليهود، بل تغير مفهوم العائلة، وصارت العائلة هي كل المؤمنين والمسيح رأس هذه العائلة. فالمسيح أكل الفصح مع تلاميذه دون النظر لأن يجتمع كل منهم مع عائلته. قدّس المسيح العلاقات الروحية على العلاقة الجسدية.

4.    لاحظ أنهم كانوا كغرباء يبحثون عن مكان يأكلون فيه الفصح.

(الآيات 17-19): إعداد الفصح يستغرق وقتاً كبيراً في تنظيف وإعداد البيت لئلا يكون فيه كسرة خبز مختمر+ شراء ما يحتاجونه، لذلك كان التلاميذ يحتاجون لوقت كبير ليعدوا الفصح يوم الجمعة. والمسيح تركهم يعدوا كيفما شاءوا دون أن يخبرهم صراحة عن أنه سيصلب غداً ولن يأكل معهم هذا الفصح، بل إستخدم الخبز والخمر في تأسيس الفصح الجديد، سر الإفخارستيا. وقتي قريب= لن يتمكن من اللحاق بالفصح فهو سيصلب. إلى فلان= السيد لم يحدد الإسم حتى لا يعرفه يهوذا فيتم تسليمه قبل أن يؤسس سر الفصح. والسيد لم يحدد الإسم لكنه حدَّد لهم علامة أنه شخص حامل جرة ماء (لو10:22) وكان هذا العمل تقوم به السيدات، وكان غريباً أن يحمل رجل جرة. وغالباً كان الشخص هو معلمنا مرقس كاروز ديارنا المصرية. وكان العشاء الرباني في منزله (أع13:12،14). وفي هذه العلية قضى التلاميذ العشرة أيام بعد صعود السيد وحتى حلول الروح القدس.

(الآيات 20-25): المسيح هنا يعطي يهوذا فرصة أخيرة ويحدثه برقة ويعلن له أنه يعلم بنيته الشريرة، كان مهتما بخلاص نفسه، ولذلك تكلم وسطهم دون أن يشير إليه حتى لا يجرح مشاعره. وإذ رأي السيد أن تلاميذه حزنوا وتشككوا في أنفسهم خاف عليهم وأعطى إشارة أن من يفعل هذا هو يهوذا يغمس يده في الصحفة= هو طعام عادي. ومع كل هذا لم يتب ولقد خرج دون أن يتناول الجسد والدم. ولقد أعلن السيد بؤسه المنتظر، ومع أن ما حدث كان بتدبير إلهي إلاّ أن يهوذا فعل كل شئ بإرادته. أنت قلت= تعبير يهودي يعني الموافقة، ومع هذا فكانت الخيانة قد أعمت عيني يهوذا. كان يهوذا شريراً وقد إستخدم الله شره لتحقيق الأمور الإلهية. سؤال: ما ذنب يهوذا والخلاص الذي تم هو كل الخير للبشر؟ والرد أن نيته كانت شراً وليست خيراً.

(الآيات 26-28): أخذ يسوع الخبز= الكلمة تشير للخبز المختمر. والإخوة الكاثوليك يستخدمون الفطير بدعوى أن السيد المسيح بلا خطية والخمير يشير للخطية. وكنيستنا تستخدم الخبز المختمر ولها رأي آخر أن المسيح حامل لخطيتنا ولكنه كما أن نار الفرن أفسدت الخميرة وقتلتها، فإن المسيح بنيران ألامه وصليبه وموته قتل خطيئتي. وشكر= لذلك يسمى السر سر الشكر. للعهد الجديد= هو تعاقد إلهي بدم الرب والسيد حول الخبز والخمر إلى جسده ودمه بطريقة سرية. ونحن عندما نأكل جسد الرب ونشرب دمه. ننال الحياة فينا، إذ نكون كما لو أننا واحد معه، نسكن فيه وهو يملك أيضاً فينا. مغفرة الخطايا= مع التوبة والإعتراف فسر الشكر يغفر الخطايا.

(آية29): ما هو هذا الجديد الذي نشربه معه في ملكوت الآب، إلاّ تمتعنا بشركة الإتحاد مع الله في إبنه في السموات على مستوى جديد. إنه إمتداد لليتورجية الحالية (أي ما يحدث في القداس الإلهي من صلاة وتناول) ولكن بطريقة لا ينطق بها. وقوله جديد أن يكون جديداً كل يوم، نستمر في فرحة هذا الإتحاد كأنها جديدة دائماً. بالمقارنة بما نحصل عليه على الأرض فنحن نشتهي الشئ وبمجرد حصولنا عليه يفقد لذته، أمّا الإتحاد بالله في السماء فيظل جديداً مفرحاً منعشاً وللأبد.

(آية30): هكذا تسبح الكنيسة المزمور 150 بعد نهاية القداس وأثناء التناول (عب12:2) فماذا نقدم لله على عطية جسده ودمه سوى التسبيح والشكر. وكان اليهود يسبحون المزامير 115-118 بعد أكل الفصح والتلاميذ سبحوا بعد أن أكلوا الفصح الجديد.

 

 (مر12:14-26): "وفي اليوم الأول من الفطير حين كانوا يذبحون الفصح قال له تلاميذه أين تريد أن نمضي ونعد لتأكل الفصح. فأرسل اثنين من تلاميذه وقال لهما اذهبا إلى المدينة فيلاقيكما إنسان حامل جرة ماء اتبعاه. وحيثما يدخل فقولا لرب البيت أن المعلم يقول أين المنزل حيث آكل الفصح مع تلاميذي. فهو يريكما علية كبيرة مفروشة معدة هناك أعدا لنا. فخرج تلميذاه وآتيا إلى المدينة ووجدا كما قال لهما فأعدا الفصح. ولما كان المساء جاء مع الاثني عشر. وفيما هم متكئون يأكلون قال يسوع الحق أقول لكم إن واحداً منكم يسلمني الآكل معي. فابتدأوا يحزنون ويقولون له واحدا فواحداً هل أنا وآخر هل أنا. فأجاب وقال لهم هو واحد من الاثني عشر الذي يغمس معي في الصحفة. إن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان كان خيراً لذلك الرجل لو لم يولد. وفيما هم يأكلون اخذ يسوع خبزاً وبارك وكسر وأعطاهم وقال خذوا كلوا هذا هو جسدي. ثم اخذ الكأس وشكر وأعطاهم فشربوا منها كلهم. وقال لهم هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من اجل كثيرين. الحق أقول لكم أني لا اشرب بعد من نتاج الكرمة إلى ذلك اليوم حينما اشربه جديداً في ملكوت الله. ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون."

لقد سبق السيد وهيأ أذهان تلاميذه في (يو51:6-58) بأنه سيقدم لهم جسده ودمه. وهو قدَّم لكنيسته عبر الأجيال جسده المصلوب القائم من الأموات ودمه المبذول غفراناً للخطايا. قدًّم لكنيسته ذبيحة الصليب الواحدة غير المتكررة خلال سر الشكر. لقد صار لنا كلنا كأس واحد نشرب منه هو ينبوع واحد للحياة ألا وهو الجنب المطعون. وكلمة للعهد الجديد (24) مأخوذة من (أر31:31) فهو عهد الغفران بالدم. وختم أي عهد يكون بالدم (الذبائح في العهد القديم) ودم المسيح في العهد الجديد. أشربه جديداً في ملكوت الله= هذا يشير لفرح الله بأن كنيسته معه في الملكوت، وفرح الكنيسة بوجودها مع الله في ملكوته. هو الفرح الذي يكتمل حين يكمل المختارون في ملكوت الله. والفرح الذي نحصل عليه الآن هو العربون.

 

(لو7:22-23): "وجاء يوم الفطير الذي كان ينبغي أن يذبح فيه الفصح. فأرسل بطرس ويوحنا قائلاً اذهبا وأعدا لنا الفصح لنأكل. فقالا له أين تريد أن نعد. فقال لهما إذا دخلتما المدينة يستقبلكما إنسان حامل جرة ماء اتبعاه إلى البيت حيث يدخل. وقولا لرب البيت يقول لك المعلم أين المنزل حيث آكل الفصح مع تلاميذي. فذاك يريكما علية كبيرة مفروشة هناك أعدا. فانطلقا ووجدا كما قال لهما فأعدا الفصح. ولما كانت الساعة اتكأ والاثني عشر رسولاً معه. وقال لهم شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم. لأني أقول لكم أني لا آكل منه بعد حتى يكمل في ملكوت الله. ثم تناول كأساً وشكر وقال خذوا هذه واقتسموها بينكم. لأني أقول لكم أني لا اشرب من نتاج الكرمة حتى يأتي ملكوت الله. واخذ خبزاً وشكر وكسر وأعطاهم قائلاً هذا هو جسدي الذي يبذل عنكم اصنعوا هذا لذكري. وكذلك الكأس أيضاً بعد العشاء قائلاً هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يسفك عنكم. ولكن هوذا يد الذي يسلمني هي معي على المائدة. وإبن الإنسان ماض كما هو محتوم ولكن ويل لذلك الإنسان الذي يسلمه. فإبتدأوا يتساءلون فيما بينهم من ترى منهم هو المزمع أن يفعل هذا."

(آية15): شهوة إشتهيت= المسيح لا يشتهي أكل اللحوم والخبز، بل أن يعطيهم جسده ودمه. هو كان يرحب بتقديم جسده ليعطينا حياته.

(آية17): هذه الكأس هي كأس العشاء العادي، قبل أن يؤسس سر الإفخارستيا. كانت هذه أخر طقوس يتممها المسيح بحسب طقوس العهد القديم قبل أن يؤسس سر الإفخارستيا.

(آية18): لا أشرب من نتاج الكرمة= لا أعود أشرب معكم على الأرض ثانية فإني سأترك الأرض. فالخمر رمز للفرح وهو يشير لفرح على مستوى جديد في السماء.

(آية19): أخذ خبزاً وشكر وكسر= هنا السيد المسيح يؤسس سر الإفخارستيا. إصنعوا هذا لذكري= الذكرى هنا ليست معناها أن نتذكر ما حدث في هذه الليلة كما لأمرٍ غائب عنا، بل تحمل إعادة دعوته أو تمثيله في معنى فعال. الكلمة اليونانية المستخدمة تشير لهذا وتعني تذكر المسيح المصلوب والقائم من الأموات وتذكر ذبيحته لا كحدث ماضي بل تقديم ذبيحة حقة حاضرة وعاملة أي ذكرى فعالة.

(آية20): هذه الكأس هي دمه الذي للعهد الجديد. القديس لوقا لا يهتم بالترتيب الزمني ويورد قصة يهوذا بعد تأسيس السر. لكن هذه القصة حدثت قبل تأسيس السر (راجع إنجيل متى ومرقس).

 

(لو24:22-30): "وكانت بينهم أيضاً مشاجرة من منهم يظن انه يكون اكبر. فقال لهم ملوك الأمم يسودونهم والمتسلطون عليهم يدعون محسنين. وأما انتم فليس هكذا بل الكبير فيكم ليكن كالأصغر والمتقدم كالخادم. لأن من هو اكبر الذي يتكئ أم الذي يخدم أليس الذي يتكئ ولكني أنا بينكم كالذي يخدم. انتم الذين ثبتوا معي في تجاربي. وأنا اجعل لكم كما جعل لي أبي ملكوتاً. لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي وتجلسوا على كراسي تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر."

نرى هنا الضعف البشري للتلاميذ إذ يتشاحنون على المراكز الأولى بينما المسيح يستعد لتقديم نفسه على الصليب، واليهود يتشاورون على قتله في الخارج. هم مازالوا يظنون أن ملك المسيح سيكون ملكاً مادياً.

سبب الخلاف هنا كان في أماكن جلوسهم على المائدة قرباً أو بعداً عن السيد. والتقليد اليهودي أن الإبن الأكبر يجلس عن اليمين والأصغر عن اليسار رمزاً للحب. لكن التلاميذ ظنوا أن الذي يجلس أقرب للسيد سيكون له مركزاً أكبر حين يملك السيد.

(آية25): محسنين= هم يسمونهم هكذا تملقاً. وهم يسمون أنفسهم هكذا إذا قدموا خدمات لبلادهم بل هم يعطون عطايا وخدمات ليسميهم الشعب هكذا. ولكن الأمم الوثنيين يفهمون أن المحسنين يجب أن يتسلطوا. وهنا المسيح يشرح لهم أن الأفضل أن يخدموا الآخرين من أن يسودوا ويترأسوا عليهم. والمسيح هنا ينسب التسلط للأمم.

(آية27): المسيح يعطيهم نفسه مثلاً لهم في إتضاعه وخدمته.

(آية28): المسيح يمدح أمانتهم وثباتهم رغماً عن مضايقات اليهود وأنهم تركوا كل شئ وتبعوه، مع أنهم لم يثبتوا إلاّ بمساندة نعمته. ولاحظ أنه في محبته لم يوبخهم على ضعفاتهم. ونلاحظ أن طلب العظمة الزمنية يسبب إنشقاقاً بين الإخوة والعكس فروح الإتضاع والخدمة تولد الحب.

(آية29): هنا المسيح يشرح لهم أنه طلب منهم الخدمة والتخلي عن التسلط والرئاسة وعدم إشتهاء العظمة ليس حرماناً بل طريقاً للملكوت والمجد الأبدي، وهذا لا نبلغه إلاّ في الصليب وقبول الألم، وهذا ما حدث مع المسيح شخصياً= كما جعل لي أبي أجعل لكم.. ملكوتاً= أعطيكم الملكوت السماوي مكافأة لما إحتملتموه

(آية30): لتأكلوا وتشربوا= من شجرة الحياة والمقصود ليس الأكل والشرب الماديين بل الشبع بالله (رو17:14+ مت6:5). تدينون أسباط إسرائيل= يكونون بقبولهم للمسيح وحياتهم المتضعة وقداستهم علة تبكيت ودينونة لليهود ويفضحوا جحود اليهود وإثمهم على كراسي= يظهر بهذا علو درجة التلاميذ.

 

(يو1:13-30) غسل الأرجل

لك يتحدث معلمنا يوحنا عن سر الإفخارستيا فقد سبقه البشيرون وشرحوه وكان الطقس قد أصبح الجميع يمارسونه فلا حاجة لأن يعيد شرحه. وعوضاً عن شرح طقس سر الإفخارستيا نجده يحدثنا عن غسيل الأرجل، أي تطهير تلاميذه قبل أن يناولهم جسده ودمه، وكلمنا أيضاً عن الحب في قلب المسيح والخيانة في يهوذا ولكن يوحنا أيضاً أشار لهذا السر في (يو48:6-59). وغسل الأرجل هو بذل محبة إختياري. إذاً هو مرتبط بالصليب. ولقد سبق السيد وعاتب سمعان الفريسي أن "ماء لرجلي لم تعط (لو44:7) لنقص محبة سمعان. أما المسيح فلأجل محبته الكثيرة غسل أرجل تلاميذه. ليطهرهم قبل أن يؤسس الإفخارستيا.

 

آية (1): "أما يسوع قبل عيد الفصح وهو عالم إن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب إذ كان قد احب خاصته الذين في العالم احبهم إلى المنتهى."

لقد تم الفصح اليهودي وأُكمِل الرمز في تقديم المسيح نفسه، جسده ودمه للكنيسة في هذا العشاء الأخير ثم بذبح المسيح فعلاً على الصليب عوضاً عن خروف الفصح بل وفي نفس توقيت تقديم خروف الفصح. ونرى أن سفر الرؤيا قدّم المسيح كحمل الله المذبوح ما يقرب من 15مرّة. وهو عالمٌ= هو يعلم كل شئ بعلمه المطلق. ساعته قد جاءت= هو سيسلم نفسه بإرادته وبسلطانه، فلقد سبق وإجتاز في وسطهم دون أن يمسوه بأذى (يو59:8). فهو ليس فقط عالمٌ بساعته بل هو يريدها، لأن حُبَّه لخاصته غطى كل مرارة= إلى المنتهى= غاية المحبة والمحبة كانت هي السبب في كل ما يصنع حتى غسل الأرجل. خاصته= هم هنا التلاميذ. لينتقل= من هنا أطلقت الكنيسة إسم إنتقال على الموت.

 

آية (2): "فحين كان العشاء وقد ألقى الشيطان في قلب يهوذا سمعان الاسخريوطي أن يسلمه."

راجع تفسير (لو1:22-6) (يوم الأربعاء)

ألقى الشيطان= الشيطان لا يقدر أن يأخذ منك إلاّ بقدر ما تريد أنت أن تعطيه إياه. لقد تجاوب يهوذا مع الشيطان وذهب وإتفق مع رؤساء الكهنة من قبل، والشيطان لن يكف عن محاولاته مع يهوذا طالما هو يقبل منه. وهذا يعني أنه يظل يقترح عليه الأسوأ دائماً.

 

الآيات (3،4): "يسوع وهو عالم أن الآب قد دفع كل شيء إلى يديه وأنه من عند الله خرج وإلى الله يمضي. قام عن العشاء وخلع ثيابه وأخذ منشفة وإتزر بها."

العظمة الحقيقية ليست عائقاً في سبيل الإتضاع، إنما هي خير باعث له. فهذه الصورة التي أمامنا نرى فيها مقدار التنازل الذي تنازله المسيح. الآب دفع كل شئ إلى يديه= فهاتان اليدان اللتان تمسكان بكل السماء والأرض يغسل بهما السيد أرجل تلاميذه بكل وسخهما، إشارة لأن المسيح أتى ليغسل قذارة الإنسان، ثم يوحدنا به في سر الإفخارستيا ليعود بنا إلى حضن الله أبيه. إذاً وهو عالم بكل ما له من سلطان يتصرف كخادم يغسل الأرجل. فهو من عند الله خرج وإلى الله يمضي، ومادام هو الطريق فسيأخذنا إلى حضن الله. وعادة غسل الأرجل كانت عمل العبيد لسادتهم بعد رجوعهم للبيت لغسل أرجلهم من الأتربة العالقة بها. خلع ثيابه= خلع ثيابه الخارجية وهذا لا يفعله سوى العبيد (وغالباً فقد كانت هذه الثياب الخارجية فاخرة فقد ألقى الجند قرعة عليها) وهو قد تراءى لتلاميذه بهذه الصورة. وأخذ منشفة وإتزر بها= أيضاً فهذا عمل العبيد. ما صنعه المسيح هنا يشير لأنه أخلى ذاته آخذاً صورة عبد، فهو خرج من عند الله= أي تجسد وصار في صورة عبد، ثم يمضي إلى الله= ليأخذنا فيه إلى الله. فالمسيح نزل لصورة العبد ليرفع الإنسان للكرامة والمجد، وهذا بأن يطهره (غسل الأرجل) ويوحده فيه (التناول). فغسل الأرجل هنا هو من صميم عمل الفداء أي التطهير والتقديس. والعجيب أن المسيح غسل رجلي يهوذا وهو عالم أنه سيسلمه.

 

آية (5): "ثم صب ماء في مغسل وأبتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان متزراً بها."

غسل الأرجل له مفهوم يهودي ومفهوم روماني. والمفهوم اليهودي أن الكاهن يغتسل ويستحم في المرحضة في الهيكل عند بدء تكريسه وخدمته ككاهن عندما يبلغ من العمر 30سنة. ثم يغسل يديه ورجليه فقط في المرحضة كلما دخل للخدمة. والمفهوم الروماني، فقد كانت هناك حمامات عامة يستحم فيها الشخص ولكنه يغسل قدميه من الأتربة فقط بعد عودته للمنزل. وهذا فيه إشارة لسرى المعمودية (الغسل الكلي) والتوبة والإعتراف (غسل القدمين). وبالنسبة إلى التلاميذ فهم كانوا قد آمنوا وتطهروا بإيمانهم ومعمودية المسيح لهم (الغسل الكلي)، لذلك قال المسيح في (آية10) وأنتم طاهرون. والآن وهم قادمون إلى سر التناول لا يحتاجون سوى لغسل الأرجل فقط. ونلاحظ أن من إغتسل لا يحتاج لأن يغتسل ثانية وفي هذا إشارة لعدم تكرار المعمودية. أمّا التوبة فتتكرر مع كل إحتكاك بالعالم وهذا مثل كل إنسان يخرج فتتسخ قدميه ويحتاج لغسلها. فالتراب اللاصق بالأرجل إشارة للخطية التي تأتي من الإحتكاك بالعالم.

 

آية (6): "فجاء إلى سمعان بطرس فقال له ذاك يا سيد أنت تغسل رجلي."

كان التلاميذ لهم فكر عالمي ويريدون أن يكونوا على يسار وعلى يمين المسيح في ملكه الذي تصوروه ملكاً أرضياً، ولذلك تشاجروا على من هو الأعظم. وبغسيل الأرجل أعطاهم الله درساً عملياً في الإتضاع (مت20:20-28+ لو24:22-27+ لو46:9-48). وكان هذا الفكر المتضع بعيداً عن بطرس.

 

آية (7): "أجاب يسوع وقال له لست تعلم أنت الآن ما أنا اصنع ولكنك ستفهم فيما بعد."

كان الفداء يتطلب الإتضاع الكامل ويأخذ المسيح صورة العبد، وهذا لن يفهمه بطرس الآن، لذلك أخذ المسيح على عاتقه أن يقوم بدور العبيد ويغسل أقدام تلاميذه إعلاناً لإتضاعه الكامل، وهذا سيفهمه التلاميذ فيما بعد، حين يدركون ألوهيته فيدركوا كم كان إتضاعه. وهم قد

تعلموا بذلك أن الإتضاع هو سر الإرتفاع. وهكذا فكثير من أعمال المسيح وما يسمح به في حياتنا لن ندركه الآن ولكننا سنفهمه فيما بعد، لذلك علينا فقط أن نحبه ونطيعه ونثق فيه وبكل ما يسمح به.

 

آية (8): "قال له بطرس لن تغسل رجلي أبداً أجابه يسوع إن كنت لا أغسلك فليس لك معي نصيب."

إن كنت لا أغسلك= فالذي يغسل حقيقة هو السيد المسيح وبدمه الذي يغفر ويطهر. وهو ليس غسيل عادي بل تطهير للقلب. إذاً غسل الأرجل هو عمل تأهيلي لنوال نصيب مع الرب. فهو عمل يتعلق بقضية الخلاص، فهو يشير لتطهير النفوس. وهذا هو عمل الخدام أيضاً، دفع النفوس للتوبة والإعتراف ثم التناول الذي يعطي لمغفرة الخطايا. والكنيسة تحث أولادها على الجهاد ليحيوا في طهارة. معنى كلام السيد لبطرس، إن كنت لا تتطهر من خطاياك فلن يكون لك معي نصيب. لا تغسل رجليَّ= كثيراً ما نعمل مثل بطرس، إذ نصر على أن آرائنا أفضل مما يفعله الله فنتذمر عليه.

 

آية (9): "قال له سمعان بطرس يا سيد ليس رجلي فقط بل أيضاً يدي ورأسي."

بطرس ظن الموضوع تطهيراً بحسب العقلية اليهودية التي تفهم أن التطهير يكون بالماء. فطلب غسل جسمه كله وهنا أيضاً نجد بطرس يريد تغيير فكر المسيح ولكن التطهير في المفهوم المسيحي هو بدم المسيح وهنا نحصل على مفاعيله في سري المعمودية والتوبة وكلاهما غسيل.

 

آية (10): "قال له يسوع الذي قد اغتسل ليس له حاجة إلا إلى غسل رجليه بل هو طاهر كله وانتم طاهرون ولكن ليس كلكم."

هناك كلمتين في اليونانية بمعنى يغسل وكلاهما إستخدما في هذه الآية.

الذي قد إغتسل                              .. غسل رجليه

تشير للإستحمام الكلي                                تشير لغسل اليدين والقدمين

المعمودية                                                        التوبة والإعتراف

ولكن ليس كلكم= هذا تحذير أخير ليهوذا فهو يقصد يهوذا، الذي لم يجدى معه كل ما صنع المسيح. وعجيب مع كل محبة المسيح هذه ليهوذا أن تستمر الخيانة في قلب يهوذا.. ومع هذا غسل المسيح رجلي يهوذا.

 

الآيات (12-15): "فلما كان قد غسل أرجلهم واخذ ثيابه واتكأ أيضاً قال لهم أتفهمون ما قد صنعت بكم. انتم تدعونني معلماً وسيداً وحسناً تقولون لأني أنا كذلك. فان كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم فانتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض. لأني أعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون انتم أيضاً."

المسيح يشرح لهم أن قوة الخدمة في أن نتشبه به في إتضاعه ومحبته وبذل نفسه وخدمة الأكبر للأصغر (راجع أية 1 أحب خاصته) والفهم هنا يكون بإستنارة من الروح القدس. وإذا فهمنا أن غسل الأرجل إشارة للتطهير فهذا عمل سر الكهنوت وسر الإعتراف الذي أعطاه السيد لتلاميذه (يو21:20-23). فعمل سر الكهنوت هنا هو غسل وتطهير الخطاة = تصنعون أنتم أيضاً أي مساعدة الناس ودفعهم للتوبة ليتقدسوا أي يحيوا في قداسة، ويكون هذا العمل بإتضاع.

 

الآيات (16-17): "الحق الحق أقول لكم انه ليس عبد اعظم من سيده ولا رسول اعظم من مرسله. إن علمتم هذا فطوباكم أن عملتموه."

المسيح يضع نفسه كمثال. وعلى التلاميذ أن يصنعوا نفس الشئ. لذلك تصلي الكنيسة طقس اللقان يوم خميس العهد (يوم صنعه المسيح) ويوم عيد الرسل فهذا عمل الرسل أن يكملوا ما عمله المسيح. وفي (17) حسنٌ أن نعلم والأفضل أن ننفذ (ويوجد طقس اللقان أيضاً يوم عيد الغطاس ولكن هذا إشارة للمعمودية ولا علاقة له بغسل الأرجل). والسيد يطوبهم هنا لو عملوا نفس الشئ ليشجعهم في طريق خدمتهم. أي من يفعل سيكافأ في السماء. إن عملتم= هو إحساس داخلي بالحقيقة وإستيعاب داخلي للدرس (البذل والإتضاع) ومن يتضع كالسيد يكون تلميذاً حقيقياً له ورسولاً حقيقياً له.

 

آية (18): "لست أقول عن جميعكم أنا اعلم الذين اخترتهم لكن ليتم الكتاب الذي يأكل معي الخبز رفع علي عقبه."

يهوذا لن يتقبل ولن يفهم ما أقوله فليست له محبة في داخله. الله يختار خدامه بحسب اللياقة الفردية للعمل المطلوب أداؤه ويزود خدامه بالمعونة والتأييد، ويكمل نقائصهم إن كانوا خائفين إسمه القدوس (2كو9:12). ولكن كل إنسان حر، ولو إختار الله القديسين فقط لخدمته ينعدم مفهوم الحرية والإرادة، وينعدم مفهوم الجزاء والإجتهاد. والله إختار يهوذا كشخص متميز في الشئون المالية وظل يعلمه ويفيض عليه من محبته ثلاث سنوات وأكثر وجعله من خاصته ولكنه كان ناكراً للجميل. وبنفس الطريقة فالله إختارني فماذا أنا فاعل,. وإستشهد المسيح بمزمور (9:41)، وما فيه قد قيل عن أخيتوفل الذي يرمز ليهوذا. وهو كان قريباً جداً لداود كما كان يهوذا. ورفع العقب بعد الأكل هو من عمل الحيوان الناكر للجميل الذي بعد أن يأكل العلف يرفس صاحبه (أش3:1) أكل الخبز تعني من يحيا مع الشخص ويلتصق به. العقب= وهو القدم. إخترتهم= لا يعني إختيارهم للخلاص بل كتلاميذ.

 

آية (19): "أقول لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون أني أنا هو."

قبل أن يكون= قبل تسليم يهوذا وقبل الصلب، حتى متى كان تؤمنون= بعد القيامة تنفتح عيونهم ويزداد إيمانهم بالمسيح الذي سيدركون وقتها أنه كان عالماً بكل شئ حتى خيانة تلميذه، وبالتالي سيفهمون أنه سلَّم نفسه بإرادته. إني أنا هو= يهوه العالم كل شئ وأنه سلم نفسه بإرادته.

 

آية (20): "الحق الحق أقول لكم الذي يقبل من أرسله يقبلني والذي يقبلني يقبل الذي أرسلني."

هنا يكلمهم المسيح عن إرساليتهم للعالم ليكونوا خداماً لتطهير العالم. وهذا تشجيع لهم ليتحملوا مشاق الكرازة.

 

آية (21): "لما قال يسوع هذا اضطرب بالروح وشهد وقال الحق الحق أقول لكم إن واحداً منكم سيسلمني."

المسيح هنا ينظر إلى داخل الضمائر. وإضطرابه يشير لطبيعته الإنسانية التي تعرف المعركة التي ستحدث، وصراع النور والظلمة، والتي سيكون مركزها أي مركز هذه المعركة جسده هو. وهو إضطرب أيضاً لأنه رأي أن الشيطان قد ملأ قلب تلميذه، بل تقمصه فخانه هذا التلميذ. ولقد سبق المسيح وإضطرب أمام قبر لعازر وها هو يضطرب أمام يهوذا الميت، فهو لا يرضى عن الشر. هو إضطراب التنافر بين الحب والخبث، بين النور والظلمة.

 

 

الآيات (22-24): "فكان التلاميذ ينظرون بعضهم إلى بعض وهم محتارون في من قال عنه. وكان متكئاً في حضن يسوع واحد من تلاميذه كان يسوع يحبه. فأومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون الذي قال عنه."

كان نظام الجلوس على المائدة بحسب الرسم. ويجلس المسيح في الوسط (هذا مكان رب البيت بالنسبة للأسرة) ويجلس عن يمينه أكبرهم سناً ثم الأصغر منه وهكذا إلى أن يجلس عن يساره أصغرهم وهو يوحنا. ويبدو أن مشاجرتهم كانت بخصوص الجلوس عن يمين المسيح. فمنهم من إعتبرها بحسب سنه ومنهم من إعتبرها بحسب مقامه. وهم حين سمعوا الرب يقول "واحداً منكم يسلمني" (آية21) ومن تأكيد المسيح لهذه الحقيقة بدأوا يتساءلون. ولما أُغِلقَ عليهم فهم كلام المسيح،

أومأ بطرس ليوحنا ليسأل المسيح، إذ كان يوحنا عن يسار المسيح وهم كانوا متكئين على يدهم اليسرى (هذه كانت العادة عندما يجلسون ليأكلوا متكئين) ونتصور أن يوحنا لو مال برأسه ليكلم المسيح لصار في حضنه. وربما كان يهوذا هو أكبرهم سناً وهو الذي جلس عن اليمين (لذلك لم يسمع أحد الحديث بين السيد ويهوذا) لذلك كان أقرب المحبوبين للمسيح هو الجالس عن يساره أي يوحنا.

 

الآيات (25-26): "فإتكأ ذاك على صدر يسوع وقال له يا سيد من هو. أجاب يسوع هو ذاك الذي اغمس أنا اللقمة وأعطيه فغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا سمعان الاسخريوطي."

نلاحظ هنا رقة المسيح، فهو للآن لا يريد أن يجرح مشاعر يهوذا. ونلاحظ أن غمس اللقمة في صحن به مزيج من عصير الفواكه (را 13:2،14) الممزوج بالنبيذ هو تقليد فصحي. كان رب البيت يُكِّرِم الإبن الأكبر بغمس لقمة فيه ويعطيها له. فالمسيح حتى الآن يُكِّرِم يهوذا ولم يجرحه بكلمة، ويعطيه آخر فرصة. ولكن في (مت23:26) نرى أن يهوذا هو الذي مدّ يده في الصحفة. وتفسير هذا إمّا أن المسيح وجده يمد يده في الصحفة، فبادره هو بتقديم لقمة مغموسة إليه، ربما لأن الصحفة أقرب للمسيح أو بعد أن كرّمه المسيح وأعطاه لقمة مغموسة من الصحفة تجرأ هو ومدّ يده ورآه التلاميذ يمد يده. لاحظ رقة السيد المسيح فهو لم يرد أن يفضح يهوذا بالإسم، فإستخدم علامة الغمس في الصحفة حتى لا يجرح مشاعره. وهي علامة تدل على إكرام الشخص (الإبن الأكبر أو الضيف العزيز) وربما لو أدرك شخص مندفع كبطرس ما يحدث، ربما كان سيقتل يهوذا.

 

الآيات (27-29): "فبعد اللقمة دخله الشيطان فقال له يسوع ما أنت تعمله فاعمله بأكثر سرعة. وأما هذا فلم يفهم أحد من المتكئين لماذا كلمه به. لأن قوماً إذ كان الصندوق مع يهوذا ظنوا أن يسوع قال له اشتر ما نحتاج إليه للعيد أو أن يعطي شيئاً للفقراء."

كان الأكل من اللقمة هو آخر شعاع من نور الحب وجهه المسيح ليهوذا الخائن. ولماّ رفضه دخله الشيطان ودخل هو للظلمة.

هل كان ما أعطاه المسيح ليهوذا هو سر الإفخارستيا، أي هل أعطاه جسده؟

الإجابة بلا. فاللقمة كانت لقمة عادية والسر تأسس بعدما خرج يهوذا لأن:-

1-   التناول ليس فيه غمس.

2-   كيف يسمح السيد لهذا التلميذ الذي دخله الشيطان أن يتناول وهو الذي قال لا تلقوا درركم قدام الخنازير (مت6:7).

3- الكنيسة لا تناول إلاّ من كان مستعداً تائباً، وقد تعلمت هذا من معلمها المسيح، والرسل الذين قالوا في الدسقولية أن الكنيسة يجب أن تمنع المصر على خطاياه.

4- يقول معلنا بولس الرسول في (1كو27:11) إن الذي يتناول بدون إستحقاق يصبح مجرماً في جسد الرب ودمه فهل كان يهوذا يعلم أن ما يعطيه له المسيح يجعله مجرماً، وهل طلب يهوذا التناول أم أن المسيح هو الذي أعطاه، لو كان يهوذا يعلم وتقدم للتناول بإرادته بإستهتار إذ كان مصراً على خطيته ومصراً على تسليم المسيح، في هذه الحالة يصبح مجرماً في جسد الرب ودمه ويدخله الشيطان بسبب هذا الإستهتار. ولكن هذا لم يحدث، بل المسيح هو الذي عرض عليه وأعطاه اللقمة، فهل يعطي المسيح جسده لمن لا يستحق!

وبالرجوع إلى (مت20:26-25) نجد أن السيد يكشف للتلاميذ من الذي يسلمه بعلامة الأكل من الصحفة، ونرى يهوذا في جرأة يسأل السيد هل أنا هو يا سيدي والسيد يرد عليه سراً حتى لا يجرحه قائلاً أنت قلت. وفي إنجيل يوحنا الذي نحن بصدده نرى أن يهوذا خرج فوراً بعد قصة اللقمة. ثم في (مت26:26) نجد أن السيد يؤسس سر الإفخارستيا بدون وجود يهوذا الذي كان قد خرج. ونفس الترتيب نجده في إنجيل مرقس فيهوذا حضر العشاء العادي وأعطاه السيد من الصحفة وأعلن أن يهوذا يسلمه ثم يؤسس السر بعد أن خرج يهوذا بحسب ما قال يوحنا أمّا إنجيل لوقا فالغالب أنه لم يتتبع نفس التسلسل الزمني كما فعل متى ومرقس ثم يوحنا لكنه عرض أولاً العشاء العادي وأن المسيح شرب آخر كأس من كئوس الرمز اليهودي والحق هذا بتأسيس السر ليعلن أن الطقوس اليهودية قد بطلت وإنتهت بتأسيس هذا السر (لو14:22-23) وبعد أن إنتهى من سرد الرمز والمرموز إليه أورد نبوة المسيح عن تسليم يهوذا له. ولكن يهوذا كان قد خرج، فيكون قول المسيح "ولكن هوذا يد الذي يسلمني هي معي على المائدة" (لو21:22) قد قصد به أنه سوف يسلم للموت بواسطة من كان معه على المائدة. وتأكيداً لهذا نجد أن لوقا لم يورد قصة إعطاء اللقمة ليهوذا إذ كان قد خرج. ويكون لوقا بهذا لم يهتم بقصة اللقمة التي أعطاها السيد ليهوذا ليركز على إنتهاء رموز العهد القديم.

ملحوظة: الصورة الطقسية للعشاء الرباني يكون فيها السيد المسيح مع (11) تلميذ إذ أن يهوذا كان قد خرج.

(آية27) يبدو أن يهوذا بدأ يفكر في الخروج وقبل أن يستأذن سمح له المسيح بذلك، هو أعطاه سؤل قلبه. (مز4:20). وموافقة المسيح على ذلك هي موافقة على الصليب فهو له سلطان أن يضعها (يو18:10). ما أنت تعمله= أي تكميل خيانته. هذه العبارة ربما بها يراجع يهوذا ضميره. ولكن هذه العبارة تشير أن ما يحدث من يهوذا هو بموافقة السيد المسيح. وقوله هنا دخله الشيطان= أي أحكم القبضة على إرادته. فهو جلس مع الرب للأكل وقبل اللقمة بشكل ودي والقلب مملوء خبثاً وهذا فتح الباب للشيطان ليدخل ويمتلك القلب. ولاحظ أن المسيح وتلاميذه بالرغم من فقرهم كانوا يعطون الفقراء.

(آية28): أما هذا= لم يذكره يوحنا بإسمه فقد سقط من عداد التلاميذ إذ خرج. وقد تعني هذا الكلام الذي قاله يسوع ليهوذا. وهذا الكلام لم يفهمه أحد.

(آية29): إشتر ما نحتاج إليه للعيد= هذا يؤكد أن الفصح كان يوم الجمعة وأن عشاء الخميس لم يكن هو عشاء الفصح.

 

آية (30): "فذاك لما اخذ اللقمة خرج للوقت وكان ليلاً."

وكان ليلاً= هذا ليس إشارة للتوقيت الزمني فقط بل لحالة الظلمة الروحية التي كان فيها يهوذا (يو35:12) هو خرج من دائرة النور للظلمة الخارجية. إذ خرج وترك يسوع. أخذ اللقمة= اللقمة ليست من سر الإفخارستيا بل طعام عادي.

 

الآيات (31-32): "فلما خرج قال يسوع الآن تمجد إبن الإنسان وتمجد الله فيه. إن كان الله قد تمجد فيه فغن الله سيمجده في ذاته ويمجده سريعاً."

فلما خرج= قول الكتاب فلما، فيه إشارة لأن المسيح فتح قلبه لأحبائه بعد خروج يهوذا الخائن.. وأعلن إعلانات لم يعلنها من قبل (أناجيل الباراقليط) ففيها المسيح يعزي أولاده وأنه لن يتركهم وحدهم بل يرسل لهم الروح المعزي ويقول لهم يا أولادي. الآن تمجد= فبخروج يهوذا بدأت حقيقة أحداث الصلب التي تمجد بها المسيح. لذلك ففي بداية القداس يمسك الكاهن الحمل ويقول "مجداً وإكراماً.." فالمجد هنا بدأ بالصليب. ويقول تمجد (في الماضي) كأن الأحداث قد وقعت وهذه عادة الكتاب المقدس حينما يتكلم عن أحداث ستحدث يقيناً.

تمجد= أي إنتصر على أعدائه وهم الشيطان والخطية والموت. وتمجد الله فيه= الله يتمجد حين يسلم إنسان نفسه للموت لأجله. هنا يوحنا يظهر أن المسيح قدًّم نفسه ذبيحة على الصليب للآب ليتمجد الآب (آية32) بطاعة الإبن له، وبرجوع الناس إليه. لقد فشل البشر في طاعة الآب وهذا عمله المسيح الذي أتىبنا طائعين الآب فيه. والمسيح كرر كلمة المجد في الآيات (31،32) خمس مرات ليعلن قبول الآب لذبيحته، وبهذه الذبيحة تمجد الله فيه وبسببه. والمجد يعلنه المسيح هنا لإبن الإنسان الذي سريعاً ما سيتمجد أيضاً بجلوسه عن يمين الآب. فبخروج يهوذا تبدأ أولى خطوات الصليب الذي يذبح المسيح عليه لتتم إرادة الآب وإرادة الإبن في خلاص الإنسان وينجح الإبن في تحقيق الهدف، والنجاح إنتصار والإنتصار مجد. وإذ تمجد إبن الإنسان تمجد الله الآب أيضاً فبه ظهرت محبة الله الآب للبشر (يو16:3). وإن كان الآب قد تمجد في إبنه فإن الآب سيمجد إبنه في ذاته= فهو متحد به إتحاداً كاملاً وبالتالي فمجد الآب هو مجد الإبن ومجد الإبن هو مجد الآب، وقوله في ذاته أي في ذات الله (تفسير هذا نجده في 4:17،5) أي دخوله لعرس الآب وسيكون له نفس مجد الآب فهو في الآب والآب فيه. وهذا يقال عن الناسوت. ونلاحظ أنه في (31) تمجد= هذه تشير للتمجيد العلني للمسيح أمام الناس، فإن الله سيمجده= بقيامته وصعوده وجلوسه عن يمين الآب وخضوع البشر له، ويوم يأتي للدينونة مع ملائكته.هذا تمجيد سري خاص، فيه يرفع إبن الإنسان ويقبل إلى المجد الذي يتمتع به الآب ذاته فيكون الجو المحيط به مجداً في مجد. وقوله يمجده في ذاته هو إصطلاح لاهوتي يفيد وحدة الآب والإبن لذلك يقول خرجت من عند الآب فهما كيان واحد، يخرج منه ليتجسد ويعود إليه ليتمجد دون إنقسام، فهما لا يتجزأن.

 

خطب المسيح الوداعية مت31:26-35 + مر27:14-31 + لو31:22-38

(مت31:26-35)

آية (31): "حينئذ قال لهم يسوع كلكم تشكون فيّ في هذه الليلة لأنه مكتوب أني اضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية."

في آية (30) رأينا السيد وقد أخذ تلاميذه وذهب إلى جبل الزيتون، رأيناه ذاهباً للموت بإرادته، وفي الطريق يحدثهم عن صلبه، ونرى في حديث السيد أن الشيطان أراد بضرب المسيح أن يضرب تلاميذه ويشتتهم، والسيد يخبرهم حتى لا ينهاروا ويفاجئوا بما سيحدث، ويشجعهم حتى لا يتبددوا. تشكون= لأنهم مازالوا يتصورونه ملكاً أرضياً ويشكون إذ يرونه مصلوباً.

 

آية (32): "ولكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل."

أسبقكم إلى الجليل= قضى السيد معظم وقت خدمته مع تلاميذه في الجليل، وعرفوه كمعلم مقتدر، صانع معجزات، عرفوه بحسب ما أبصرته عيونهم الجسدية، وكأن المسيح يريد أن يقول سنتقابل في الجليل مرة أخرى لتعرفونني كإله ظهر في الجسد وإنتصر على الموت فتكمل رؤيتكم (مت7:28) وهذا ما قاله الملاك.. هناك ترونه. أي هناك تعرفونه برؤية صحيحة تكمل فيها معلوماتكم عنه والتي سبق وعرفتموها في الجليل سابقاً.

 

آية (33): "فأجاب بطرس وقال له وإن شك فيك الجميع فأنا لا اشك أبداً."

من يثقون في ذواتهم هم أسرع ناس للسقوط، ولذلك نرى بطرس وقد أنكر المسيح بعد هذا القول بساعات قليلة. لقد كان بطرس واثقاً في ذاته بغير أساس. والعجيب أن بطرس يجادل المسيح، فهل بعد ما رأى من المسيح 3سنوات وأنه يعلم كل شئ، هل يتصور بطرس أنه يعلم أكثر من المسيح خالقه. ما أحوجنا أن نرتمي في حضن الله العارف بضعفنا فلا نثق بذواتنا بل في نعمة الله القادرة أن تقيمنا من الضعف.

 

(مر27:14-31)

آية (27): "وقال لهم يسوع أن كلكم تشكون فيّ في هذه الليلة لأنه مكتوب أني اضرب الراعي فتتبدد الخراف."

الشك سيكون بسبب نقص الشجاعة وهذه نالوها يوم الخمسين. والسيد حينما يقول مكتوب يذكرهم بنبوة زكريا (7:13). وكأنه يؤكد أن كل شئ بتدبير إلهي، خاضع لسيطرة الله إذ قد سبق وأخبر عنه قديماً.

 

آية (28): "ولكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل."

زكريا سبق وتنبأ عن ضرب المسيح، والمسيح هنا يتنبأ بأنه سيقوم ويذهب للجليل.

 

آية (29): "فقال له بطرس وان شك الجميع فأنا لا اشك."

لاشك في محبة بطرس وغيرته، ولكن ما لا يعرفه بطرس عن نفسه يعرفه الرب عنه، والرب يعرف أنه ضعيف إذ هو بشر، فكان كلام بطرس هذا فيه كبرياء وكان الأجدر به أن يعترف بضعفه أمام الرب ويصدقه ويطلب معونته.

 

آية (30): "فقال له يسوع الحق أقول لك انك اليوم في هذه الليلة قبل أن يصيح الديك مرتين تنكرني ثلاث مرات."

لم يذكر متى عدد مرات صياح الديك ولكن مرقس يذكر أنه يصيح مرتين ويقول كثير من الدارسين أن بطرس أنكر مرة ثم صاح الديك (هذه كانت كإنذار لتذكره ولم يتذكر) ثم أنكر بطرس مرتين ثم صاح الديك للمرة الثانية.

 

 

(لو31:22-38)

الآيات (31-33): "وقال الرب سمعان سمعان هوذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة. ولكني طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك وأنت متى رجعت ثبت اخوتك. فقال له يا رب أني مستعد أن امضي معك حتى إلى السجن وإلى الموت."

سمعان سمعان= المسيح يناديه بإسمه القديم (وليس بطرس الصخرة) ليظهر ضعفه بدون المسيح. إبليس ليس له سلطان أن يجرب أحد إلاّ بسماح من الله، وإبليس كانت إرادته أن يتفرقوا ويتبددوا كما حذرهم السيد المسيح بنبوة زكريا، ولكن الله سمح لإبليس بتجربتهم ليظهر الحنطة من الزوان، وفعلاً لقد إنفصل الزوان الذي كان يهوذا، وبقيت الحنطة. ولنلاحظ أن الله لم يجبر أحد على شئ، بل كان هناك فائدة لما حدث، وهي أن باقي التلاميذ أدركوا ضعفهم، مثل بطرس الذي أنكر وباقي التلاميذ الذين هربوا، ولمّا أدركوا ضعفهم صرخوا طالبين المعونة من الله، وما عادوا يثقوا في أنفسهم، وأدركوا أن سر قوتهم هو الله. وبهذا نرى أن الله حين يسمح بأن يجرب إبليس أولاده فيكون هذا لصالحهم. إبليس يقصد من تجاربه أن يجعلنا نترك يسوع والسيد يسمح بالتجارب إذ نكتشف بها ضعفاتنا فنلجأ إليه للمعونة. ولكن قوله يغربلكم، فمن الغربلة يسقط القش أي من كان غير ثابت. والسيد وجه حديثه لبطرس بالذات بسبب إندفاعه وشعوره بأنه قوي، والرب أراد أن يكشف فيه ضعف الطبيعة البشرية بوجه عام. فيرى كل منا فيه ضعفه الشخصي. فإن كان يهوذا يمثل الخيانة، لكن بطرس يمثل الضعف الذي يحتاج إلى عون إلهي فيقوم ليثبت ويثبت الآخرين معه خلال النعمة الفياضة التي ينالها. طلبت من أجلك= المسيح يتكلم كإنسان مع أنه الله، لنتعلم الصلاة لأجل الضعفاء. وليظهر إحتياجنا لعمله فينا أثناء التجارب حتى لا نضعف. لا يفنى إيمانك= تيأس من أن تقوم ثانية. ونفس هذه الخبرة إكتسبها داود النبي بعد سقطته الشهيرة إذ صلّى المزمور الخمسون قائلاً.. إرحمني يا الله كعظيم رحمتك.. فأعلم الأثمة طرقك (آية13 مز51). فالتائب يشعر بالخطاة الذين مثله فيحنو عليهم ويشجعهم.

 

الآيات (35-38): "ثم قال لهم حين أرسلتكم بلا كيس ولا مزود ولا أحذية هل أعوزكم شيء فقالوا لا. فقال لهم لكن الآن من له كيس فليأخذه ومزود كذلك ومن ليس له فليبع ثوبه ويشتر سيفاً. لأني أقول لكم انه ينبغي ان يتم في أيضاً هذا المكتوب وأحصي مع آثمة لأن ما هو من جهتي له انقضاء. فقالوا يا رب هوذا هنا سيفان فقال لهم يكفي."

حين كان المسيح معهم طيلة مدة خدمته كان يعزيهم ولم يدعهم معوزين لأي شئ. ولكن ستأتي ساعة حين يفارقهم، عليهم فيها أن يواجهوا بعض الشدائد وعليهم أن يتعلموا كيف يواجهونها. هنا السيد أشبه بمدرب السباحة الذي يضع يديه تحت جسم من يدربهم وهم في المياه فيشعروا بثقة وراحة، ثم يسحب يديه قليلاً قليلاً فيجاهدوا ويتعلموا، وسيصيرون كمن في عوز، لكي ينعموا بخبرات جديدة. ولكن في (مت20:28) قال لهم ها أنا معكم كل الأيام إلى إنقضاء الدهر. وكأن المسيح هنا يريد أن يقول حين تأتي أيام الضيق وهي ستأتي تذكروا أنني حينما كنت معكم لم يعوزكم شئ، وأنا مازلت معكم، ولكن ربما تنقضي فترة حتى أتدخل لرفع الضيق. ويقول الأنبا أنطونيوس أن الله غالباً ما يعطي للتائبين في بداية توبتهم تعزيات كثيرة ليرفعهم ويسندهم لكنه يسمح فينزع هذه التعزيات إلى حين لكي يجاهدوا وسط الآلام فيتزكون وينالون أعظم من الأولى.

الكيس والمزود= أي سيكونوا في إحتياج لتدبير أمورهم، وستمر عليهم ضيقات يحتاجون فيها للزاد الروحي والإستعداد الروحي. وهذا يحتاج للجهاد المستمر بصلوات وأصوام بينما كان المسيح فترة وجوده معهم على الأرض هو الذي يسندهم.

السيف= هو كلمة الله (عب12:4) التي نتسلح بها ضد مكائد إبليس (أف11:6) والآلام التي يسمح بها المسيح لتلاميذه بها يشتركون في صليبه وبالتالي في مجده. الكيس والمزود والسيف تفهم بمعانيها الروحية وليست المادية، للإمتلاء الروحي حتى يستطيعوا الحرب ضد إبليس.

هوذا هنا سيفان= غالباً هما سكينتان كبيرتان يستخدمان لذبح خروف الفصح.

يكفي= هي ترجمة للكلمة العبرية (دَيّير) التي كان معلمو اليهود يستخدمونها ليسكتوا بها جهالة بعض تلاميذهم. وكأن السيد المسيح أراد أن يسكت تلاميذه الذين إنصرفت أفكارهم إلى السيف المادي لا سيف الروح. ولا تعني يكفي بالمعنى المباشر فماذا يعمل سيفان في مقابل جماهير اليهود وجنود الرومان الآتين للقبض عليه.

(آية 35): ما هو من جهتي له إنقضاء= أي سوف لا أبقى في وسطكم بعد، فسأتمم الفداء وأصعد للسماء.

(آية37): المكتوب= (أش12:53).

 


 

فصول الباراقليط

وهي تتضمن الآيات الأخيرة من (ص13) وحتى نهاية (ص17) وتنقسم بحسب كتاب ترتيب وقراءات أسبوع الآلام إلى أربعة فصول:-

الفصل الأول
الفصل الثاني
الفصل الثالث
الفصل الرابع

 

(يو33:13)

(يو26:14)

(يو26:15)

(يو17) كله

-         (يو25:14)

-         (يو25:15)

-         (يو33:16)

 }

أحاديث الوداع، الخطاب الأخير العظيم.

 

صلاة الرب.

وهي تتضمن أحاديث ما بعد العشاء ثم الصلاة الشفاعية (يو17) وتسمى فصول الباراقليط لما فيها من كلام معزٍ ووعود بإرسال الروح القدس الباراقليط. وفي صلاة المسيح الشفاعية يسكب فيها تضرعاته الحارة للآب من أجل تلاميذه ومن أجل الكنيسة كلها. وكل هذا من حديث المسيح لأحبائه حديثاً خاصاً وداعياً. وصلاة للآب عنهم أرادهم أن يسمعوها، كانت بعد خروج يهوذا فهو لا يستحق أن يكون صديقاً للمسيح يسمع كل هذا.

ونرى في هذه الإصحاحات أعمق العلاقات بين الآب والإبن وعلاقة الآب والإبن مع الروح القدس وعلاقة المسيح مع كنيسته. وعلاقة الكنيسة مع العالم. ونرى فيها فعاليات المحبة الفائضة من قلب الله نحو الإنسان وملخصها:

·        أنا في الآب والآب فيَّ.

·        أنا في المؤمنين. والمؤمنين يشاركونني أمجادي.

·        جئت من الآب من السماء لأتمم مشيئة الآب على الأرض وسأعود للآب.

·        أرسل الروح القدس ليحفظ ويقدس ويبني الكنيسة.

·        نرى هنا القصد الأساسي من تَجسد الرب وموته عن الكنيسة.

 

الإصحاح الثالث عشر:

آية (33): "يا أولادي أنا معكم زماناً قليلاً بعد ستطلبونني وكما قلت لليهود حيث اذهب أنا لا تقدرون انتم أن تأتوا أقول لكم انتم الآن."

في الآيبات السابقة تكلم المسيح عن مجده العتيد، وهنا نجده ينتقل سريعاً إلى التفكير في تلاميذه بكل حنو وعطف قائلاً يا أولادي= أصلها أولادي الصغار أو المحبوبون وتشير لعنايته بهم ورعايته لهم ومعرفته بآلامهم. ولم نسمع المسيح يقول هذه الكلمة سوى هنا لأنه شعر أن التلاميذ سيكونون مثل اليتامى حين يفارقهم وهذه لم يسمعها يهوذا فهو لا يستحقها. أنا معكم زمناً قليلاً بعد= فبعد ساعات سيصلبه اليهود ويموت وكما قلت لليهود..= سبق المسيح وقال نفس الشئ لليهود (34:7 + 21:8) لأن المسيح حين يترك العالم لن يعود أحد يراه بالجسد سواء من اليهود أو من التلاميذ. ولكن هناك فارق فاليهود لن يروا المسيح بسبب عدم إيمانهم، أمّا التلاميذ فسوف يروه بالروح. وحين يذهب للصلب فسيذهب وحده فهذا عمله وحده لا يقدر عليه سواه (أش3:63) فالصليب معركة مع إبليس والخطية والموت لا يقدر عليها أحد سوى المسيح. وحين يصعد إلى مجده لن يستطيع الآن سواء اليهود أو التلاميذ أن يذهبوا. ستطلبونني= كان المسيح هو المحامي عنهم وكان كأب لهم. وبعد أن يصعد وتبدأ الإضطهادات والضيق سيطلبونه في آلامهم ولكنهم لن يستطيعوا الذهاب إليه في مجده، هم تعودوا أن يذهبوا إليه في ضيقاتهم وهو معهم في الجسد ولكن الوضع سيتغير بعد القيامة. ولكن المسيح لن يتركهم يتامى بل سيرسل لهم الروح المعزي بل سيكون معهم كل حين (مت20:28) يرونه بالإيمان وفي الإفخارستيا.

 

الآيات (34-35): "وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم أنا تحبون انتم أيضاً بعضكم بعضاً. بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حب بعض لبعض."

سمعنا عن وصية المحبة في (لا18:19) فلماذا يسميها المسيح جديدة؟ هي جديدة لأنها على نفس نمط محبة المسيح، محبة باذلة حتى الموت. وكان اليهود يعلمون أن يحب الإنسان قريبه ولكن المسيح علمنا أن نحب أعداءنا، بل نحب الآخرين أكثر من ذواتنا، وهذا ما عمله المسيح على الصليب. وصية المحبة وصية قديمة، لكن الصليب قدمها لنا بأعماق جديدة.

وهي وصية جديدة لأن المسيح الذي فينا هو الذي يعطينا هذه المحبة حتى لأعدائنا فجوهر المسيح الذي فينا هو المحبة، فالله محبة. صارت وصية المحبة ليست فرضاً يفرض على الإنسان من خارج ، بل هي حياة وهي قوة محبة باذلة تعمل فيه بإمكانيات المسيح الذي فيه. وصارت هذه المحبة دليل وجوده فينا. وصارت هذه المحبة التي فينا كرازة بها يستعلن المسيح نفسه للعالم فعلينا أن لا نندهش إذ لا نجد المحبة في الآخرين، فهم لا يسكن الروح القدس فيهم، والروح القدس يسكب فينا محبة الله (رو5:5). ومن ثمار الروح القدس، بل أولها، المحبة (غل22:15،23). لذلك ظل يوحنا الحبيب يكرز بهذه الوصية عمره كله، فهذه الكلمات ظلت ترن في أذنيه العمر كله. وبعد أن أصبح شيخاً كانوا يحملونه للكنيسة فيقول يا أولادي أحبوا بعضكم بعضاً، ولما سألوه لماذا تكرر هذا الكلام قال "أليست هذه تعاليم السيد المسيح وفيها كل الكفاية لو نفذتموها. تلاميذي= هي تسمية تشير للعلاقة الخاصة بين المسيح وتلاميذه. هي علاقة سامية عاشروا المسيح فيها فترة طويلة.

 

آية (36): "قال له سمعان بطرس يا سيد إلى أين تذهب أجابه يسوع حيث اذهب لا تقدر الآن أن تتبعني ولكنك ستتبعني أخيراً."

فهم بطرس من كلام الرب أنه سيغادرهم وأنه أي بطرس لا يقدر أن يتبعه ولماذا لا يستطيع بطرس أن يتبعه؟

1.  لأن بطرس لم يتمم بعد عمله الذي إختاره له الله، فهو له رسالة عليه أن يتممها. نحن مخلوقين لنتمم أعمال صالحة سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها (أف10:2) ولن نموت قبل أن نتممها.

2.    هو الآن غير مستعد للصليب والدليل أنه أنكر بعد دقائق بل إن الصليب والفداء هو عمل المسيح وحده.

3.  كان الفداء لم يتم. لذلك فإن مكان بطرس في المجد غير معد، كما أن بطرس كان غير معد لهذا المجد. بل إن بطرس لم يدرك من كلام السيد أنه ذاهب للصلب والمسيح سبق وأنبأ تلاميذه بأنه سيسلم للموت ويهان ويموت ويقوم في اليوم الثالث إلاّ أنهم لم يفهموا هذا تماماً (راجع مت21:16-28 + 18:20،19 + مر31:8 + 31:9+ لو44:9 + 25:17 + 31:18-33) وربما كان سؤال بطرس هنا للرب كيف تذهب بعيداً وأنت سوف تملك على أورشليم.

 

آية (37): "قال له بطرس يا سيد لماذا لا اقدر أن اتبعك الآن أني أضع نفسي عنك."

نرى هنا بطرس في غرور يتصوًّر نفسه فادياً للفادي. ولكن ليس بالحماس وحده فقط نضع أنفسنا عن المسيح بل بالنضج الروحي ونمو المحبة.

 

آية (38): "أجابه يسوع أتضع نفسك عني الحق الحق أقول لك لا يصيح الديك حتى تنكرني ثلاث مرات."

عتاب مسبق من المسيح لبطرس. وبطرس وضع نفسه في هذا الموقف المحرج لأنه لم يقبل كلمات السيد المسيح "لا تقدر الآن أن تتبعني" إذاً الأليق بنا أن نقبل كلمات السيد المسيح ووصاياه دون مناقشة.

نرى في الإصحاح الثالث عشر غسل الأرجل الذي سبق التناول ثم نرى وصية المحبة الباذلة. وهكذا بعد كل قداس نتناول وتغفر خطايانا ونخرج من الكنيسة لنعيش وسط الناس نخدمهم بمحبة باذلة في حياة خدمة متواضعة.

ملحوظة:

كلام السيد المسيح للتلاميذ هنا مشابه لكلامه لليهود.

قارن آيات (33،36) هنا مع (يو34:7) ولكن هناك فروق:-

1)  "ستطلبونني ولا تجدونني" هذه قيلت لليهود فهم لن يروه بسبب عدم إيمانهم. أما للتلاميذ، "ستطلبونني ولا تقدرون أنتم أن تأتوا أقول لكم أنتم الآن" فهذا وضع مؤقت.

2)    كان وضع مؤقت وسينتهي ويذهب التلاميذ للمجد " ولكنك ستتبعني أخيراً" وهذا لم يقوله الرب لليهود.

3)  يعطي الرب وصية المحبة لتلاميذه بعد قوله "لا تقدرون أنتم أن تأتوا أقول لكم أنتم الآن" (آية33) مباشرة في (آية34) والسبب أنه بدون محبة لن يدخل أحد إلى المجد.

 

الإصحاح الرابع عشر:

آية (1): "لا تضطرب قلوبكم انتم تؤمنون بالله فآمنوا بي."

لا تضطرب= الإضطراب ينشأ من الخوف من المجهول أو بسبب شدة الحزن. وهنا التلاميذ نجدهم فعلاً في حالة إضطراب بسبب ما سمعوه من أن أحد التلاميذ ينكره وآخر يسلمه وأنه سيفارقهم، بل سمعوا أنه سيموت، بل إحساسهم بخيبة أمل في مملكة توقعوا قيامها وها هي أمالهم تنهار. والمسيح هنا يطمئن تلاميذه بأنه هو القائد الذي سيحميهم وسط الضيقات الرهيبة القادمة المجهولة، فالضيقات ينبغي أن تأتي على كل مؤمن. والمسيح يطمئنهم حتى لا يتزعزع إيمانهم (راجع مت16:10-22). والمسيح يطلب أن يضعوا رجاءهم في الله وفيه. قلوبكم= القلب هو مصدر الشعور والعواطف، ومصدر الخوف هو فقدان الصلة بالله، والصلة تأتي بالتمسك بالله بالإيمان، فالإضطراب والخوف هو الداء والإيمان بالله هو الدواء. فإذا ركز الإنسان فكره في الواقع المفزع أمامه يغرق في الحال، وهذا ما حدث مع بطرس إذ رأى الريح شديدة ولم يضع ثقته في الرب بل ركز رؤيته في الريح. فآمنوا بي= ثقوا بي. هنا نرى أن علاج الإضطراب هو الإيمان بشخصه المبارك ومعنى الآية، أنتم تؤمنون بالله وهذا حسن، ولكنكم حتى الآن لا تفهمون أنني واحد مع الآب. ولكنكم ستفهمون فيما بعد. وأنا أفعل ما أفعله حتى إذا جاءكم الموت وهو حتماً سيجيء فأنا سآتي وآخذكم إلىّ، فلماذا الخوف آمنوا أنني لن أترككم. وآمنوا أن كل ما أفعله يفتح لكم طريق الخلاص. ونلاحظ أن الثقة في المسيح تلاشي من النفس أي إضطراب.

 

آية (2): "في بيت أبى منازل كثيرة وإلاّ فإني كنت قد قلت لكم أنا امضي لأعد لكم مكاناً."

منازل= تناظر أروقة وغرف الهيكل. وكلمة منازل تعني إقامة دائمة. ونحن سننال مكاناً في السماء بحسب وعده هذا. منازل كثيرة= إذاً الملكوت لن يضيق بمن هو أهل له. وكلمة منازل لا تشير لدرجات مجد.. لكن هناك درجات مجد (هي درجات إضاءة مت43:13) وهكذا قال بولس الرسول أن نجماً يمتاز عن نجم في المجد (1كو22:15،23،41).

منازل= أصلها بيوت نسكن فيها بصفة دائمة، هي مساكن دائمة وإقامة مستمرة (في اليونانية)، أماكن راحة. ونحن نقيم في الأرض هنا في خيمة (إقامة مؤقتة) نخلعها بالموت، إستعداداً لكي نحصل على بناء (جسد ممجد) في السماء لنقيم فيه نهائياً بعد طول تغرب (2كو1:5). المسيح قال هنا على الأرض ضيق لكن هناك لنا مكان مجد في السماء. هذا هو الحق الذي ليس فيه خداع. هنا سيخرجوننا من المجامع (2:16) لكن هناك راحة للجميع وأبدية.

وإلاّ فإني قد قلت لكم= هذه تعني "إذا لم يكن في بيت أبي منازل كثيرة لكم جميعاً هل كنت قلت لكم إني أمضي لأعد لكم مكاناً= توطين الإنسان عند الله مرة أخرى، فبعد أن دخل المسيح بجسد بشريته للسماء صار الحضن الأبوي يسع الإنسان الجديد المتبنى. المسيح هنا يطمئنهم بأن لهم كلهم أماكن في السماء، وأنهم لن ينفصلوا عنه، فهذا الإنفصال هو ما كانوا يخشونه.

 

آية (3): "وإن مضيت وأعددت لكم مكانا آتى أيضاً وأخذكم إلىّ حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً."

المسيح هنا يلطف من صدمة الفراق بل يجعلها ضرورة حتمية لنرث الملكوت ولا نظل في غربة هذا العالم فهي فرقة وقتية الآن لحساب إتحاد أبدي آتٍ. الآية تشير للسحابة التي كانت تتقدم الشعب فهو يتقدمهم إلى السماء. وفي هذه الآية إشارة للمجيء الثاني فهو جزئياً عاد لهم بعد قيامته وظل معهم 40 يوماً وهو الآن وسط كنيسته (رؤ13:1،1:2) نراه بالإيمان. آخذكم إلىّ= المسيح هنا يستقبل أولاده ويضمهم إلى حضنه، وهو الذي يحدد ميعاد إنتقالهم ليستقروا عنده بل هو يجذبهم إليه بحسب شدة قوة حبه الفائق. لذلك كانت شهوة القديسين أن ينطلقوا ويتخلصوا من سجن الجسد (في23:1،24). أتى أيضاً= كل مرة أتقابل مع المسيح في صلاة أو قداس نتقابل معه ثم أخيراً يأتي ليجذبنا للسماء معه. والملكوت هو حيث يكون المسيح سنكون نحن، بعد مجيئه الثاني.

 

آية (4): "وتعلمون حيث أنا اذهب وتعلمون الطريق."

المسيح يفترض أن تلاميذه قد فهموا الطريق الذي سيسلك فيه من خلال تعاليمه السابقة أي أنه سيصلب ويموت ويقوم ويصعد للسماء ليفتح الطريق للإنسان.

 

آية (5): "قال له توما يا سيد لسنا نعلم أين تذهب فكيف نقدر أن نعرف الطريق."

هنا نرى العجز البشري عن الفهم. هم ربما تصوروا أنه يصعد للسماء كإيليا فلا يروه. فهم لم يفهموا موضوع الجسد المكسور والدم المسفوك الذي قدَّمه لهم منذ دقائق. ولم يفهموا قصة تسليمه بواسطة يهوذا. وحتى إن فهموا إن المسيح سيسلم ويموت فكيف يكون هذا الموت طريقاً لحياتهم هم ورجاءً في القيامة. ولم يفهموا أن بتمسكنا بالمسيح وبثباتنا فيه نسلك نفس الطريق. وليس من الخطأ أن نسأل. فالإعلان القادم أعلنه المسيح لمن تساءل بأمانة لأنه يريد أن يعرف.

 

آية (6): "قال له يسوع أنا هو الطريق والحق والحياة ليس أحد يأتي إلى الآب إلاّ بي."

أنا هو الطريق= هذا جواب المسيح على من يتساءل أين الطريق. فهو كإبن حمل جسد بشريتنا ثم صعد للآب من حيث جاء وذلك من خلال قوة قيامته وبواسطة روح الحياة الأبدية التي فيه ليرفع البشرية التي فيه للآب السماوي ويصير هو الطريق الوحيد (وليس سواه فهو لم يقل طرق) الموصِّل للآب بإستعلان شخص الآب في نفسه وبالوصول إلى الآب وهو حامل جسد بشريتنا وبذلك لا يستطيع أحد أن يأتي إلى الآب إلاّ به. هو طريقنا في حياتنا اليومية وآلامنا وبدونه نضل ونهلك، فهو سبق وإختبر نفس الآلام بل وأكثر منها بما لا يوصف وعَرِف كيف يواجهها، وإختبر الموت وقام وصعد للأقداس السماوية إلى الآب السماوي فمن يثبت فيه يقدر أن يواجه آلام العالم مهما كانت صعوبتها ويواجه الموت ويكون المسيح طريقه للأقداس السماوية.

مثال: إنسان تائه في جو مطير ورعد ورياح وظلمة وهو خائف. ظهرت له سيارة حملته لمكان آمن. هذا الإنسان هو أنا وسط آلام هذا العالم وتجاربه. والسيارة رمز للمسيح الذي يحملني فيه لأعبر آلام هذا العالم في سلام وإطمئنان إلى السماء.. إلى أحضان الآب، بعد أن كان الإنسان قد فقد علاقته بالآب بسبب الخطية. هو صالحنا مع الآب. الله نزل لنا ليحملنا فيه ويرفعنا لله" "لا أحد يأتي للآب إلاّ بي". فكرد على توما لسنا نعلم أين تذهب= يرد السيد أنا ذاهب للآب لآخذكم فيّ للآب. فلا أحد يصل لله إلاّ بالمسيح. المسيح لم يعطنا طريقة ووصفة ووصايا نصل بها للآب. بل قدم نفسه طريقاً إلى الآب، ندخل به للآب دون أن نخرج من الإبن لأن الإبن في الآب. هكذا بإتحادنا به نتحد بالآب. لذلك يقول المسيح إثبتوا فيّ (يو4:15). إذاً كل ما على المؤمن أن يثبت في المسيح وبهذا يكون في طريقه للأقداس السماوية دائساً آلام هذا العالم.

والحق= الكلمة تعني الشئ الثابت، الذي لا يتغير، وتعني ذات الله. ورسالة المسيح كانت أنه يستعلن الآب (يو18:1) فالإنسان بسبب الخطية فقد معرفة الله أما المسيح فهو الوحيد الذي يعرفه ويدُركه ونحن لا ندركه (وإذ لم يدرك الإنسان الله عبد الشمس..الخ). [الآب كلمة سريانية تعني المصدر فَضَلّت اللغة العربية إستخدامها تمييزاً للآب عن أي أب آخر]. والمسيح لا يُعَلِّمْ الحق عن الله، بل هو الحق الإلهي نفسه، الحق الكامل المطلق ليس فيه ذرة بطلان ولاشك بل هو يبدد كل ما هو باطل وما هو خطأ. فالمسيح هو الذي أعلن الحق، أعلن الله وأدخله إلى العالم في شخصه فهو "بهاء مجده" إذ هو حامل لملء اللاهوت (كو9:2،10). هو الله الإبن وهو إستعلان الآب. هو الوحيد الذي يشهد للحق (يو37:18) وبه نعرف الحق (1يو20:5 + يو14:1). فالذي يدرك المسيح يدرك الله الآب. المسيح هو الحق لأنه كلمة الله، وهو يعلن لنا كل ما يلزمنا معرفته عن الله وعن أنفسنا. والمسيح هو الحق معلناً في قداسته ومحبته. المسيح هو الحق والعالم هو الباطل. المسيح هو الحق الذي ينبغي أن نؤمن به ونشهد له حتى الموت. هو أظهر الحق بأقواله وأعماله. المسيح هو الدائم للأبد والذي يعطي فرحاً حقيقياً لكن العالم عاش وخادع بلذاته وزائل (سراب) ويبلى وينتهي فهو ليس حق بل كذب. فالحق الوحيد الذي لا يتغير هو الله.

والحياة= المسيح كانت فيه الحياة (يو4:1 +24:5 +57:6،63 + 10:10+31:20). إذاً المسيح لا يمنح حياة غير حياته بل حياته هو ذاته. وهو مات ليفتدينا ويعطينا حياته فهو إشترى لنا الحياة بموته ووهبنا إياها بروحه بعد أن فقدناها بالخطية. "أنا إختطفت لي قضية الموت" لكن المسيح الحي المحيي، بل الحياة ذاتها أتى ليعطيني حياة فلا أظل ميتاً للأبد. الموت هو إنفصال عن الله. والمسيح أتى ليتمجد بي فتعود لي الحياة "لي الحياة هي المسيح" (في23:1) وهو حياة أبدية "من يأكلني يحيا بي". إذاً المسيح هو الطريق الذي نثبت فيه لنصل به إلى الحياة ويكون معنا كحق نشهد له في جهادنا. كل طريق غيره ضلال وكل حق سواه باطل وكل حياة عداه موت. بدون الطريق لا تقدم ولا مسير وبدون الحق فلا معرفة وبدون الحياة فهناك موت. هو الطريق الذي علينا أن نتبعه والحق الذي علينا أن نؤمن به والحياة التي نسعى لنوالها. هو الطريق الوحيد للحياة الأبدية. هو حياة الله المعطاة للإنسان. وهو الطريق الذي به نشعر بأبوة الله لنا.

أنا هو= تشير للكيان الحي الإلهي. وأنا هو هي ترجمة يهوه العبرية.

ليس أحد يأتي للآب إلاّ بي= هدف التجسد هو وصول الله للإنسان ووصول الإنسان إلى الله الآب. وهذا تم بالتجسد (الطريق) ثم إستعلان الآب في الإبن (الحق) ثم موت المسيح لنقبل حياته المنسكبة بالموت (الحياة).

في الآيات السابقة نجد المسيح يعزي تلاميذه ويرسم لهم طريق السلام. [1] الإيمان والثقة به [2] هم لهم مكان في بيت أبيه وسيأتي ويأخذهم إليه [3] هو الطريق والحق والحياة.

 

آية (7): "لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه."

هنا مراجعة وعتاب فالمسيح معهم كل هذه السنين ولم يعرفوه. فهو قال لهم أنه "أنا هو" وأنه النور والخبز والقيامة.. ورأوا أعماله وإستمعوا أقواله. فالآب غير مدرك ولا منظور ولكن المسيح أعلنه في نفسه وعًرَّف به العالم (لو22:10) [في (لو21:10-24) نرى أن فرحة الإبن هي بأن نعرف الآب. وما أخفى عن الحكماء هو معرفة الآب التي أعلنها للأطفال (المتضعين البسطاء) وما ينظرونه ولهم الطوبى عليه هو شخص الآب في صورة المسيح]. لذلك كل من رفض المسيح فهو قد رفض الله فكيف يرفض المسيح الذي هو صورة الله (يو23:15-25). من الآن تعرفونه= من ساعة بدء المحنة التي ستأتي بعد دقائق والتي تُكَمَّلْ فيها مشيئة الآب وطاعة الإبن. ولكن التلاميذ لم يدركوا كل هذه الأسرار الخاصة بالإبن إلاّ بعد حلول الروح القدس الذي أعطاهم فهماً لسر الآب والإبن. ونلاحظ أن من ساعة الصليب سيبدأ الإعلان عن محبة الآب والإبن لنا. ونحن نبدأ نعرف الله ونتذوقه خلال قبولنا للألم وللصليب. ومن (1يو13:2،15) نفهم أن الطريق لمعرفة الآب هو عدم محبة العالم وأن نغلب الشرير. وقد رأيتموه= رأوا المسيح الذي هو صورة الآب. فداء المسيح أدى لإرسال الروح القدس الذي يعطينا رؤية حقيقية بها نعرف الآب والإبن.

 

آية (8): "قال له فيلبس يا سيد أرنا الآب وكفانا."

المشكلة هنا أن فيلبس يريد أن يرى شيئاً محسوساً بعينيه كما حدث أيام موسى ورأوا الله على الجبل، كان فيلبس يظن أن المسيح يريه ما هو أعظم. وكيف يرى اللامحدود بعينيه. هذه الطلبة تشبه طلبة موسى "أرني مجدك". هو تصوَّر أنه كما يرى المسيح بالجسد يمكنه أن يرى الآب. ولكنه لم يُدرك أن تجسد المسيح هو الذي مكنه من رؤية الجسد، أما اللاهوت فلا يُرى بالعين قط (يو18:1) ولكن داخل المسيح يسكن كل ملء اللاهوت. ومن يسمع كلام المسيح يدرك أبعاد لا يمكن إدراكها بالحواس الجسدية (يو43:8) فإذا تكلم الإبن أو عمل، يظهر فيه الله الآب غير المنظور، فالمسيح يستعلن الآب بأعماله وأقواله. وفيلبس أخفق في أن يرى الآب المتكلم في الإبن. هم لم يفهموا في ذلك الوقت أن الآب في الإبن والإبن في الآب.

 

آية (9): "قال له يسوع أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس الذي رآني فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب."

المسيح هنا يعاتب فيلبس على إخفاقه هذا. وسبب هذا الإخفاق أن فيلبس كان مرتبطاً بالعالم ويخاف الموت وهذا ما ظهر عند هروبه ساعة الصليب فمحبة العالم تطفئ بصيرة الإنسان الروحية (يع4:4). فكيف تقول أنت أرنا الآب= هنا المسيح يواجه فيلبس بحقيقة صعبة وهو أنه لم ير المسيح بعد وهذا ثبت من أنه لم ير الآب بينما أن المسيح كان يستعلن الآب. وأنا معكم= ولم يقل وأنت معي، لأن المسيح هو الذي أتى لفيلبس وللبشرية كلها وليس العكس.

 

آية (10): "ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب في الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن الآب الحال في هو يعمل الأعمال."

المسيح الإبن والآب هما كيان واحد بلا إنفصال (يو30:10). والجسد الذي أخذه الإبن لذاته ووحده بلاهوته قد دخل في هذا الكيان دخولاً أبدياً متميزاً (يو13:3). وهذه حقائق ندركها بالإيمان (يو36:3). والمسيح يقدم برهان وحدته مع الآب على مستويين [1] كلامه= الكلام الذي أكلمكم به.. هو يعلن الآب لنا بكلماته وأعماله. [2] أعماله= هو يعمل الأعمال فالإبن هو قوة الآب. وهذا هو مفهوم بولس الرسول في (عب1:1،2) فأعمال المسيح هي إستعلان الآب ومشيئته من نحو الإنسان وذلك بتجديد طبيعة الإنسان، الآب يعمل بالإبن فهو ذراع الآب (أش9:51،10 + 10:52) لذلك يقول "جئت لأصنع مشيئة الذي أرسلني". وكان المسيح يقدم نفسه دائماً كمثل أعلى للإنسان الجديد الذي يسمع للآب ويطيعه. فالمسيح كان يطبع فينا صورته فنطيع الآب. وكلام المسيح هنا نفهم منه أننا عدنا للحالة الفردوسية الأولى حين كان الله يكلم أبوينا آدم وحواء. ألست تؤمن= فهناك إرتباط الإيمان والرؤية، فلا رؤية إلاّ بالإيمان. لست أتكلم به من نفسي= أي ليس كلام إنسان عادي كما ترونني أمامكم الآن. بل هو كلام الله الآب يعلنه فيَّ.

 

آية (11): "صدقوني أني في الآب والآب في وإلاّ فصدقوني لسبب الأعمال نفسها."

المسيح هنا يطلب أن يصدقوه وإن لم يصدقوا فإن أعماله تشهد له. إني في الآب والآب فيّ= هذه تعني أن الآب والإبن هم واحد وتعلن التساوي المطلق. لكن التمايز بينهما يعني أن لكل أقنوم عمله فالآب يريد والإبن ينفذ هذه الإرادة ويعلنها وهذا معنى الآية السابقة. وهذه الحقيقة نستنتجها من كلام المسيح عن إرسال الروح القدس فمرة يشير لأن الآب سيرسل لهم الروح القدس ومرة أخرى يقول أنه هو الذي سيرسل الروح القدس (يو26:14 + يو26:15) والآن إن لم يصدقوا المسيح فليصدقوه بسبب أن الأعمال التي يعملها تشهد بأن الآب فيه وهو العامل فيه. إن هدف المسيح هو أن يظهر محبة الآب لهم وأن الآب يشتاق أن يُسعِد البشرية، وأن هذه هي مشيئته أن يعود البشر للحياة مع الله وأن سعادة المسيح تتركز في توصيلنا للآب لنشترك في نفس الحب الذي به يحب الآب الإبن (يو25:17،26) وأعمال المسيح تنطق بحب الآب فهو يشفي المقعد ليعلن أن مشيئة الآب هي تصحيح ما فسد في طبيعتنا العتيقة. ويفتح أعين الأعمى ليعلن أن مشيئة الآب هي أن النور الإلهي يعمل في الطبيعة العتيقة. وهو يقيم من الأموات ليعلن أن إرادة الآب هي أن يعطينا حياة أبدية. صدقوني إني في الآب والآب فيّ= هذه طبيعتي أنني غير منفصل عن الآب. وهذه تحتاج لإيمان. وإن لم تفهموا هذا فصدقوني بسبب الأعمال= وهذه تحتاج لتصديق بالعقل.

 

آية (12): "الحق الحق أقول لكم من يؤمن بي فالأعمال التي أنا اعملها يعملها هو أيضاً ويعمل اعظم منها لأني ماض إلى أبي."

في الآيات (8-11) كان المسيح يركز على العلاقة بينه وبين الآب والآن ينتقل ليوضح هذه العلاقة بالنسبة للتلاميذ. فمن يؤمن بالمسيح (ومن يؤمن بالمسيح يؤمن بالآب حتماً) سيستطيع أن يعمل نفس الأعمال التي عملها الآب بالإبن (أف17:3-20) وذلك لتكمل الخدمة وتستمر الكنيسة في مواجهة إضطهاد العالم.

الحق الحق= إذاً الرب سيعلن حقيقة جديدة. وهي أن مفارقته لتلاميذه ستكون سبب قوة عظيمة لهم. والسبب أنه سيكون فيهم. وهو سيكون في مجد الآب. فسبب القوة التي ستكون فيهم هو المجد الذي سيكون المسيح فيه. المسيح رفع البشرية فيه. ومن يعطينا حياة المسيح فينا هو الروح القدس. ماضٍ إلى أبي= رفع للبشرية وإكمال الفداء وإرسال الروح القدس. ويعمل أعظم منها= فنازفة الدم شفيت بلمسها للمسيح أمّا بطرس فكان ظله يشفي المرضى (أع15:5) وبولس كانوا يأخذون المآزر من على جسده فتشفي الأمراض وتخرج الأرواح الشريرة (أع12:19). وأيضاً نحن لنا فكر المسيح (1كو16:2) فنحن نعمل أعماله ويكون لنا فكره، فهو زرع حياته فينا. وما نعمله هو بإسمه ولكن كان التلاميذ يصنعون هذه المعجزات بإسم المسيح أي بقوته (أع6:3) (فهم كطفل يمسك أبوه بيده فيرسم لوحة رائعة) لذلك فكل عمل نعمله هو بإسم المسيح. حتى صومنا وصلاتنا. وكان الناس يؤمنون بالتلاميذ وبالتالي يؤمنون بالمسيح لأني ماضٍ إلى أبي= أي لن يستطيع التلاميذ أن يفعلوا شيئاً إلاّ بعد أن يتم الفداء ويذهب المسيح إلى الآب ويرسل الروح القدس يعمل فيهم ويتم إتحاد المسيح بتلاميذه ويشفع فيهم أمام الآب فيواصلون عمله الذي بدأه على الأرض (أع1:1 + يو39:7). فأغصان الكرمة لا تأتي بثمر إلاّ إذا إتحدت بالكرمة إتحاداً قوياً. وأهم معجزة سيقوم بها التلاميذ هي إقامة الموتي بالخطايا، فيأتون بهم إلى حياة أبدية ولذلك آمن بعظمة بطرس 3000نفس. أعمال التلاميذ كانت أعظم لكن كان المسيح هو العامل فيهم. عموماً العمل هدفه مجد الله. والتلاميذ ليغيروا شعوب وثنية إحتاجوا لأعمال أعظم. فما تحتاجه الكرازة يعمله المسيح في رسله. فكانت أكبر معجزة تغيير الأمم الوثنيين إلى المسيحية.

 

آية (13): "ومهما سألتم باسمي فذلك افعله ليتمجد الآب بالابن."

مهما سألتم= أي صليتم. وهنا نرى أننا نطلب من الآب بإسم المسيح، والمسيح يعمل والروح القدس يعلمنا ماذا نطلب (يو5:15+ أف18:2+ رو26:8). والروح يعلمنا أن نطلب بحسب مشيئة الله ليستجيب لنا الله (1يو14:5). وحينما يستجيب لنا الآب حينما يعمل الإبن يتمجد الآب بالإبن= لأننا سنمجد الآب وهذا هو هدف الإبن. بإسمي= وليس لإرضاء الذات وشهواتها. ولكن يتمجد الله. لذلك يمكن أن تعملوا أعمال أعظم من أعمالي إذا طلبتم بإسمي لمجد الآب. والإسم ليس هو إسم الشخص، لكن هو قدراته وقوته، والمسيح بفدائه صار لنا قبول عند الآب. ولهذا يستجيب الآب لصلواتنا بإمكانيات دم المسيح.

 

آية (14): "إن سألتم شيئاً باسمي فإني افعله."

هذه يبدو أنها تكرار للآية السابقة ولكن هناك فرق. ففي آية (13) يشرح أن الآب يسر ويتمجد بسؤالنا وتنفيذ طلباتنا. أما في هذه الآية نرى أن المسيح يضع كل إمكانياته رهن سؤالنا. بإسمي= الإسم يعبر عن الشخص بكل قوته وكرامته. لذلك فهذه الآية تظهر إمكانيات المسيح الفائقة وتشير لمجد المسيح أيضاً. والدعاء بالإسم يصير هو إستدعاء ودخول للحضرة الإلهية. ولذلك ففي بدء القداس يقول الكاهن.. خين إفران إم إفيوت.. أي بإسم الآب والإبن والروح القدس. وهذا إستدعاء للثالوث ليحل ويقدس القرابين وينقل الموجودين إلى الحضرة الإلهية التي للثالوث الأقدس وبهذا فإن المسيح أبقى على حضوره السري مع كنيسته في كل حين كلما إحتاجوه كمصدر قوة وعمل وعزاء. نحن نطلب الآن من الآب ليس فقط عن طريق علاقة الله بكل البشر صالحين وأشرار، بل بطريق جديد طهره المسيح بدمه. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية وما يعطينا ثقة للسؤال.

 

الآيات (15-16): "إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي. وأنا اطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد."

في الآيات (12-14) يكلمنا المسيح عن الإيمان الذي به نسأل فيستجيب لنا. وهنا نسمع عن الحب. فالإيمان يُخْتَبَرْ بأن نسأل أسئلة، ومحبتنا تختبر بأن نحفظ الوصايا أي نطيع الوصايا. والسيد يعد بإرسال الروح القدس الذي يعيننا على حفظ الوصايا (رو26:8). الإيمان يأتي أولاً ثم الحب ومن يحب يطيع الوصايا والروح القدس هو الذي يعطينا الحب فنحفظ الوصايا. ومن يحفظ الوصايا يكرهه العالم، لذلك يعد المسيح بأن يُرْسِلً الروح المعزي ليعزينا إن أساء العالم لنا وليعلمنا الوصايا، ويشرحها لنا، ويكتبها في قلوبنا. هنا نجد معزٍ ماضٍ ومعزٍ آتٍ فقوله إحفظوا وصاياي هي وصية وداعية. معزٍ ماضٍ تعني أن المسيح بوجوده بصورة جسدية على الأرض، هذا سينتهي بصعوده لكنه موجود في الكنيسة دائماً بحسب وعده (مت20:28) والروح القدس يسميه المسيح هنا المعزي والكلمة تعني المحامي الذي يساند المتهم ويشفع فيه ويدافع ويحامي عنه حتى يحصل على البراءة، فيفرح الإنسان بالبراءة. والروح يظل يبكت ويعين حتى نتوب فيشهد لنا بقبول الله لنا وأننا أبناء ويعطينا الفرح فنصرخ يا آبا الآب (غل5:4-7). هذه هي الراحة التي يعطيها لنا الروح. والمعزي جاءت "المحامي الأعظم" باراكليتوس ولاحظ في آية (16) ظهور الثالوث (الآب) واإلإبن (آخر) والروح (معزياً) وأنا أطلب= هذه شفاعة المسيح عنا. فبشفاعته يرسل الآب الروح القدس ليلازمنا.

 

آية (17): "روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه وأما انتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم."

كما أن المسيح هو الحق كذلك الروح القدس هو حق. ولأن المسيح ماضٍ فهو يرسل الروح القدس لهم. وهو الحق الذي سينطق على أفواههم وفي قلوبهم ليسمعهم العالم كله. وهو روح الحق لأنه يرشد للحق، وهذا في مقابل روح الضلال الذي في العالم. الإبن كان يعلن الآب.. هذا هو الحق الذي يقوله المسيح ويعمله. والحق الذي يقوله ويعمله الروح القدس فيهم وبهم هو الإعلان عن الإبن وإستعلان الآب الذي في الإبن (1يو13:4-15). والحق= غير المتغير بل ثابت. وإذا كان المسيح هو الحق. فروح الحق هو روح المسيح. فمن هو مملوء بالروح لا يتقلب ولا يتغير. لا تجده يوماً في فرح ويوماً آخر في حزن وهكذا لا يتغير بتغير الظروف. لا يستطيع العالم أن يقبله= فالروح القدس هو روح الحق، أما روح العالم فهو روح التزييف والضلال. وكما رفضوا المسيح وصلبوه وهو الحق (يو24:15،25 + لو25:17) هكذا رفضوا الروح القدس الذي ينطق على فم التلاميذ برفضهم للتلاميذ ورفضهم للروح القدس لأنهم يرفضون المسيح والروح يشهد للمسيح (يو21:15). والعكس فمن يقبل المسيح يرفض العالم (1يو15:2). يقصد بالعالم الذين أحبوا العالم فحملوا إسمه. لا يراه ولا يعرفه= الروح القدس لا يُرى بالعين المجردة، ولكن يُرى بالعقل الروحي. والعالم ليس لديه هذه الإمكانية، فهو حق لا يُدركه من إنشغل بالعالم بل يُدركه من أعطاه الله وإنشغل بالحقائق الروحية والممارسات الروحية (عب14:5) لتصير له الحواس مدربة. وكل من يتوقف من المؤمنين عن الممارسات الروحية يتوقف فيهم مركز الإتصال بالله ويفقدوا حساسيتهم وتصبح معرفة الله غير واضحة لهم، وهذا يحدث لمن ينشغل بالمحسوسات. مثل هذا يصير إنساناً طبيعياً وهي الصفة الدنيا أي إنسان العالم (راجع 1كو11:2-16). فمن ينشغل بالروحيات ويقارن الروحيات بالروحيات يصلي ويقرأ كتابه المقدس ويتأمل فيه تصير له الحساسية الروحية وحواسه الروحية مفتوحة، يرى الحق ويمتلئ سلاماً وفرحاً وراحة. أمّا من ينشغل بالعالم لن يجد الراحة فالإنسان مخلوق على صورة الله ولن ترتاح الصورة إلاّ على أصلها. الحق عكس العالم الباطل، فالعالم متغير متبدل تافه، لا أمان له ومن يلصق نفسه به يصير مثله، أمّا الحق فلا يتغير ولا يتبدل. من يعيش وراء العالم سيعلو وينخفض معه كموج البحر ولا يهدأ إلى أن ييأس، أما من يعيش مع المسيح فسيجد الفرح (يو27:14+ 22:16). لا يستطيع أن يقبله= أي لا يستطيع أن يستقبله فليس له جهاز إستقبال الذي به يدرك الحق، فمراكز الوعي الروحي عنده معطلة، حواسه التي تعمل هي حواس الجسد الذي يدرك الملموسات، الشيطان أعمى العالم عن كل ما هو سماوي بأن فتح أعين العالم على كل ما هو أرضي ومادي وجسداني. إذاً مثل هذا لن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه. بل إن من إنفتحت حواسه على العالم صارت ملذاته في العالم بل أصبح لا يحتاج لله وهذا يغلق جهاز الإستقبال تماماً. فالعالم لا يدرك سوى المحسوسات (2كو3:4،4 + أف1:2-5 + 1يو19:5،20). فالعالم مملوء شراً وأباطيل فكيف يعرف الحق والروح القدس هو روح الحق. هذا العالم لا يفهم الأمور الروحية. فالروح القدس لا يُعرف من الخارج بل من الداخل نشعر به وبعمله. وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم= ماكث معهم الآن بمكوثهم مع المسيح. ويكون فيكم= لما يرفع المسيح سيأتي الروح القدس ليقيم فيهم ويشترك معهم بل يعمل الأعمال التي سيعملونها. الروح القدس يقيم فينا ويدرب حواسنا فيفتحها ونكون هياكل له ويغير طبيعتنا ويقدسها ويجددها كأنه يخلقها من جديد. ماكث= لن يفارقكم كما سأفارقكم أنا الآن بالجسد. الحق= هو وصف لله. فالآب حق (يو3:17) والمسيح حق (6:14). والروح القدس حق (هذه الآية) وهو يعلن حق الله ومجد الله وصدق ومحبة الله وشخص إبن الله ويرشد للحق.

 

آية (18): "لا أتترككم يتامى أني آتى إليكم."

لا يزال المسيح يعزي تلاميذه على الفراق بعد موته وقيامته ولكنه يعطيهم وعد بأنه سيظل حاضراً في كنيسته فهو رأس الكنيسة (مت20:28) ولكن ذهابه للآب ضروري لصالحهم. والروح القدس يكشف لنا عن عمل المسيح ووجوده في كنيسته وعمله لي شخصياً (غل20:2) لا أترككم يتامى= إشارة لموته. فهم سيشعرون باليتم إذ يفارقهم السيد، لكن الروح القدس عمله التعزية. إني آتي إليكم= إشارة لقيامته.

 

آية (19): "بعد قليل لا يراني العالم أيضاً وأما انتم فترونني أني أنا حي فانتم ستحيون."

لا يراني العالم= يقصد بالجسد. فالعالم لم يكن يدركه إلاّ كإنسان وبموته لن يعودوا يرونه. أمّا أنتم فترونني= ترونني هنا تفيد الرؤيا اليقينية. أي يرونه بالرؤيا الروحية أي يعطيها الروح القدس بالإيمان. وبالإضافة لذلك فهم رأوه فعلاً بعد القيامة. إني أنا حي= المسيح يشير لقوة القيامة التي فيه وكأن الموت سيعبر به عبوراً وكأنه لم يكن. هو حي وبعد القيامة والصعود سيظل مع الآب في المجد. وكل من يؤمن بالمسيح تكون له حياة= فأنتم ستحيون= حياة المحبة والإيمان والرجاء على الأرض وحياة المجد في الأبدية. أنا حي فأنتم ستحيون= فالمسيح يعطينا حياته (في23:1+ غل20:2). الحياة التي فيه ستنتقل لنا.

 

آية (20): "في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي وانتم في وأنا فيكم."

هو سبق وقال في الآية السابقة "ترونني" أي الروح القدس يستعلن المسيح، بل سنعرف طبيعة المسيح وأنه في أبيه وأننا فيه وهو فينا سر حياتنا. هنا نرى كيفية إمتداد حياته إلى تلاميذه وأن ذلك يكون بالروح. في ذلك اليوم= يوم الخمسين، يوم حلّ الروح القدس روح المعرفة والفهم= تعلمون. والروح القدس يشهد للمسيح أنه إبن الله (يو30:20،31) وهو يستعلن علاقتنا بالمسيح وبأننا صرنا ورثة (رو14:8-17). إني أنا في أبي= يشير للوحدة القائمة بين الآب والإبن، وحدة الطبيعة أو الجوهر، وجوهر الله ألوهيته. هذه الحقيقة لا يفهمها التلاميذ الآن، لأنهم يروا المسيح كإنسان. فالآب والإبن هما بالطبيعة متحدان ليكونا الذات الإلهية الواحدة- الله. لهما المشيئة الواحدة. الروح القدس يشهد لنا بهذه الحقيقة. ما لستم تدركونه من علاقتي بالآب سيشرحها لكم الروح القدس. فالروح يعطي إنفتاح للذهن. أنتم فيّ وأنا فيكم= المتكلم هنا هو المسيح إبن الله المتجسد، الذي إتحد بالطبيعة البشرية، وصارت الكنيسة جسده. وقوله أنا فيكم أي في طبيعتكم وأنتم فيّ أي طبيعتكم صارت فيّ. وهذا هو ما فتح لنا المجال لنطالب بحق هذا التجسد. وهذا الحق هو الشركة معه أو فيه أو في حياته، ويكون له هو الشركة في حياتنا. هي حالة إتحاد. ولكن هناك فرق شاسع بين قوله أنا في أبي.. فهنا إتحاد على أساس وحدة الطبيعة أي الجوهر الإلهي، وبين قوله أنا فيكم.. الأولى أنا في أبي تعني أنهما ذات واحدة ولكن أنا فيكم لا يوحد الذات ولا يرفع الفوارق بل يعطي حقوقاً مجاناً ويُعبَّر عنه بمفهوم الشركة في حياة المسيح (في9:3) أوجد فيه + (غل20:2 + يو56:6،57) وأنا فيكم= هذه مثل "يحل المسيح بالإيمان في قلوبكم" (أف17:3). هذه الشركة معه لن تبلغ مداها إلاّ في الحياة الأخرى، ولكنها تبدأ تتحقق منذ الآن جزئياً على مستوى الإستعلان بواسطة الروح القدس وبتقديس الروح أيضاً وبالتغيير والتجديد المتواصل. بخلع الإنسان العتيق ولبس الإنسان الجديد الذي يتجدد بحسب صورة خالقه. وعلى أساس الإتفاق الكامل في العمل والمشيئة مع الروح القدس لتكميل الحياة المسيحية. ومن له شركة مع المسيح بالروح سيدرك حقيقة المسيح المنيرة وصورته تصبح لا تفارق النفس الواعية بوجوده، وهذا يملأ النفس فرحاً وسلاماً حقيقياً.

 

آية (21): "الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني والذي يحبني يحبه أبي وأنا احبه واظهر له ذاتي."

الذي عنده= الذي قد سطرها في قلبه وأطاعها فالطاعة علامة المحبة. ووصايا المسيح هي محبة الكل وخدمة الكل وغسل أرجلهم وحمل الصليب وترك محبة العالم والصلاة بدون ملل لينسكب الروح. وتكريم المسيح يكون بحفظ وطاعة وإحترام كلمته وكل وصية قالها أبي= هو أب خاص لي. يحبه أبي= "أكرم الذين يكرمونني.." (1صم30:2). ومن يُكرِمْ المسيح بحفظ وصيته يُكرِمْ الآب. ومن يحب المسيح يؤهل ليكون محبوباً من الآب. فبالحب الذي يحبني أبي به يحب به الآب من يحبني. فالمسيح هو الحامل لإسمه والآب في الإبن. وأنا أحبه= حب الآب هو حب أبوي يدخلنا لميراث البنين وحب الإبن هو حب العريس لعروسه. وأظهر له ذاتي هو ظهور فائق لمظاهر المادة والعالم، هو ظهور لا تدركه سوى الحواس الروحية. هي معرفة داخلية للمسيح يعرفها من يحفظ الوصايا أي يحب المسيح. هذه إنارة خاصة من المسيح. هي حالة روحية متقدمة نرى فيها مجد الدهر الآتي. والمسيح يظهر ذاته بحسب إحتياج كل واحد (وهذا يتضح من رسائل سفر الرؤيا السبع) فالمسيح كان يظهر لكل كنيسة بصورة تتناسب مع إحتياجتها). إذاً لن يدرك المسيح ويراه بعينه الروحية ويستمتع بنوره سوى من يطيع الوصية ويوحنا كرر هذه الآية في رسالته (1يو21:4) لنا هذه الوصية منه أن من يحب الله يحب أخاه أيضاً".

 

آية (22): "قال له يهوذا ليس الاسخريوطي يا سيد ماذا حدث حتى انك مزمع أن تظهر ذاتك لنا وليس للعالم."

لم يفهم يهوذا أن الظهور الذي يقصده الرب هو ظهور روحي. فيهوذا كان يتوقع أن يملك المسيح على أورشليم ملكاً مادياً. فالمسيح يتكلم عن السموات ويهوذا يفكر في الأرض. الرب يعلن ألوهيته ويهوذا ينظر للجسد. يهوذا هو لباوس أو تداوس كاتب رسالة يهوذا وهو أخو يعقوب كاتب الرسالة.

 

آية (23): "أجاب يسوع وقال له إن احبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً."

المسيح يشرح ليهوذا أنه سيظهر لتلاميذه وسيرونه ولكن ليس بالجسد كما يفهم هو، ولن يراه سوى من يحبه ويحفظ وصاياه. هنا المسيح يرفع فكر يهوذا للاهوته فقوله إليه نأتي= أي أنا والآب فنحن واحد، وهذه إشارة لوحدانيته مع الآب. ولاحظ أنه سبق وقال إن الروح ماكث معكم ويكون فيكم. فلا إنفصال بين الأقانيم. ومعنى كلام الرب إن أردتني أن أظهر لك فأعمل ما يحبه الآب.

عنده نصنع منزلاً= (هذه مثل رؤ20:3+ لو21:17). وكلمة عنده تفيد إقامة المعيَّة وليس إقامة الحلول. فالآب يكون معنا يسكب حبه الأبوي فنستمتع بالنبوة لله. نصنع منزلاً= الله هو الذي يصنع منزلاً عند من يطيع الوصية، فيسمح لله بأن يصنع المنزل. وعدم طاعة الوصية يعطل الله عن إقامة المنزل فالخطية تمنع عمل الله والخطية تنشأ من عدم المحبة. والمسيح يكون كقائد ومخلص والروح القدس للتعليم والشهادة والدفاع عن الإيمان. وهذا تنازل من الله أن يسكن عندنا الآن هنا على الأرض ويشترك معنا في ضيق الحياة وتنازل منه أيضاً أن نسكن نحن معه في منازل في السماء (2كو16:6). وفي الحالتين لنا مجد معد على الأرض أو في السماء. من يستضيف الله على الأرض يستضيفه الله في السماء. والإنسان يعجز عن أن يصنع منزلاً لله، ولكن من يطيع الله تاركاً الخطية يصنع الله عنده منزلاً يرتاح فيه هنا على الأرض، ويعطيه منزل في السماء.

 

آية (24): "الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي والكلام الذي تسمعونه ليس لي بل للآب الذي أرسلني."

الذي لا يحبني= من إنجرف في تيار محبة العالم يتنكر لله وكلماته= لا يحفظ كلامي (يع4:4) الحب يترجم إلى طاعة للوصية. فأي موافقة لهيكل الله مع الأوثان (2كو16:6). هذه إجابة على سؤال يهوذا "لماذا لن يظهر نفسه للعالم" فالعالم لا يحبه. ليس لي بل للآب= فالمسيح يستعلن الآب ويستعلن الوحدة الذاتية مع الآب. ورفع مستوى الكلام الذي يتكلم به إلى مستوى الرسالة الإلهية. فمن لا يحفظ أقواله فهو لا يحب الله الآب. يهوذا سأل السيد لماذا يراك البعض ولا يراك البعض الآخر. وكانت الإجابة أن من يسمع كلامي يراني، وهذه أهمية دراسة الكتاب المقدس.

 

آية (25): "بهذا كلمتكم وأنا عندكم."

هنا المسيح يشرح أنه في الوقت الحاضر طالما هو موجود بالجسد فهو يعلم ويتكلم بشخصه، وعلى قدر فهمهم الآن. ويودع كلامه أمانة عندهم إلى أن يأتي الروح القدس فيعلمهم كل شئ ويذكرهم بكل ما قاله السيد المسيح.

 

آية (26): "وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم."

هنا المسيح يشرح أنه بعد إنطلاقه يكون الروح القدس هو العامل في هذه المعلنات، وهو الذي يعلم ويذكر بكل ما قاله المسيح. وما كتبه يوحنا بالذات في هذه الإصحاحات يشير فعلاً أن الروح القدس هو الذي ذكره بكل كلمة، فكيف يذكر يوحنا تفاصيل هذا الكلام بكل دقة لمدة 60سنة بل هذا الكلام سمعه يوحنا وهو في قمة التعب والألم (2بط21:1). وهذا معنى قول بولس الرسول "أما نحن فلنا فكر المسيح (1كو16:2) فالروح القدس يرفع فكرنا ويعلمنا ويذكرنا. فالروح الذي يفحص كل شئ حتى أعماق الله (1كو10:2) قادر أن يكشف لنا حتى أعماق الله. ولكن هل نجلس في هدوء لنتعلم. ونلاحظ أنه حين أخطأ الإنسان فارقه روح الرب (تك3:6) وبالفداء يعود الروح القدس للإنسان ليعطيه قوة القداسة مرة أخرى. ولم يكن هذا ممكناً أي أن يأتي الروح القدس قبل أن يتم الفداء لذلك قال المسيح خيرٌ لكم أن أنطلق (7:16-14). يذكركم= إذ يخطئ الإنسان أو يفكر في أن يخطئ يذكره الروح القدس بأنه سيخالف وصية المسيح ويذكره بالوصية. وفي كل موقف حرج يذكرنا بكلمات المسيح لنرد على ملوك وولاة. المعزي= أصل الكلمة الباراقليط وأتت هذه الكلمة 5مرات في العهد الجديد. ترجمت 4مرات بالمعزي (16:14،26 + 26:15 + 7:16) وكلها في إنجيل يوحنا. وجاءت مرة واحدة في (1يو1:2) عن المسيح وترجمت شفيع. ونلاحظ أنها في المرات الأربعة الأولى جاءت عن الروح القدس. ولكن المعنى واحد. وتشير الكلمة إلى من يدافع عنا في المحاكم أمام القضاء ولها معاني الشفيع والمعين والمشجع الذي يقف بجوار الضعيف ليسانده فيكون بمساندته له معزياً مشعراً إياه بالأمان وتعنى الحاضر للمعونة (بارا وملازم ومجاور ومنها parallel). وفي آية (16) سمعنا ان المسيح سيرسل الروح القدس معزياً آخر لأنه كان في حالة تجسده هو المعزي لهم والمدافع عنهم وفي السماء شفيعنا بفدائه والروح القدس شفيعنا في هذا العالم بعمله الخفي فينا بل هو يعلمنا ماذا نقول في الصلاة (رو26:8،27). والروح يعلمنا كل شئ يخص المسيح (مجده وعظمته ومحبته وطبيعته).وراجع (يو14:16) وإلاّ كيف دافعت الكنيسة عن الإيمان الصحيح ضد الهراطقة. بإسمي= أي بسبب يسوع وعمله وبحضوره وبواسطته. هو سيغيب جسدياً لكن هو حاضر بشخصه. والإسم يعلن كل قوة الإبن وطبيعته وقوته وعمله ومشيئته فكل هذا متضمن في الإسم. والآب سيرسله بشفاعة المسيح وفداء الإبن حتى صعوده للسماء. يرسله= جاءت في صيغة المستقبل الدائم فالروح القدس سيرسله الآب للكنيسة كل الأيام. وهو الروح القدس= لأنه يقدس الكنيسة ويهيأها كعروس للمسيح.

 

آية (27): "سلاماً اترك لكم سلامي أعطيكم ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب."

سلاماً= هذا عهد بين المسيح وكنيسته. سلامي= هي عطية المسيح، هبة من المسيح ووعد منه وهو يودع تلاميذه. سلام= إذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله (رو1:5) والله يعطي سلاماً يفوق كل عقل (في7:4) ولكن شرطه البر أي يدخله في الهدوء والسكينة الإلهية وطمأنينة وراحة وسط ضيقات العالم، راحة تتفوق على الإضطراب (2كو8:4). وهو سلام يرفعنا فوق ذواتنا ويسكن في قلوبنا ويملك عليها (كو15:3) فيوقف إضطرابها. إذاً مجال سلام الله في القلب والعقل. القلب منبع والعقل مصب. أترك لكم= هو الآن منطلق ويترك لهم السلام كميراث. أعطيكم= هو أيضاً هبة. ويتلازم السلام والفرح في وعود المسيح للمؤمنين كعربون لما سنتذوقه في الحياة الأبدية، وهما علامة الثبات في المسيح. لذلك فجهادنا الآن أن نثبت في المسيح (يو4:15) وعلامة الثبات السلام والفرح. فسلام المسيح مرتبط بالثبات في شخصه. ليس كما يعطي العالم= ماذا يعطي العالم؟ مال/ مناصب/ جاه/ مباهج زائفة وزائلة. وهذه كان تلاميذه ينتظرونها إذ كانوا يتصورون أنه سيملك ملكاً زمنياً ويكونون هم حاشيته. ولكن عطايا العالم إن أعطى فهي تدوم إلى زمن وسريعاً ما يذهب كل شئ ولكن عطية المسيح تملأ القلب وتمتد للأبدية وهي ثابتة. الإنسان العالمي إذ تقابله مشكلة [1] يهرب منها مثلاً بالنوم أو التليفزيون أو الإدمان [2] يؤجل الإنسان مشكلته ويظل يؤجل بلا نهاية [3] تنازل مقابل شئ أحصل عليه. وكل هذا لا يعطي سلام. أما سلام المسيح فهو باقي غير متغير وينمو. لا تضطرب قلوبكم= سيقابلكم الآن وبعد ذلك ضيقات كثيرة ولكن لا تخافوا فسأعطيكم سلاماً يملأ قلوبكم كعطية فائقة. بل أعطى المسيح تلاميذه أن يهبوا السلام للآخرين، وهذه قوَّة فعالة روحية تخرج مع النطق لتسكن الفكر والقلب وإذا لم تجد لها مكاناً في الآخرين تعود مرة أخرى إلى ناطقها (لو5:10،6). وهذا ما يصنعه الكاهن حينما يصلي قائلاً "السلام لكم" إيريني باسي. وفي نهاية كل إجتماع أو صلاة يقول "إذهبوا بسلام سلام الرب مع جميعكم" فهو بداية ونهاية كل صلاة (والشعب يرد على الكاهن ومع روحك أيضاً). نبدأ الصلاة بالسلام لنشترك في الصلاة بأذهان صاحية، وننهي به الصلاة كأننا نستودع السلام كعطية في قلوب الشعب قبل أن ينصرفوا. لكن من هو منفصل عن الله يحيا بلا سلام في حياته. لا تضطرب قلوبكم= هي نفس العبارة التي بدأ بها الإصحاح. لكن هي تعني هنا أن بالسلام الذي أعطيه لكم لن تضطرب قلوبكم.

 

آية (28): "سمعتم أني قلت لكم أنا اذهب ثم آتى إليكم لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون لأني قلت امضي إلى الآب لأن أبي اعظم مني."

سمعتم أني قلت لكم أنا أذهب= فلا تضطرب قلوبكم لهذا السماع. هنا المسيح يعزي تلاميذه عن فراقه لهم بالموت ويشرح لهم أن الموت هو الطريق الوحيد للخلود حاملاً معه كنيسته، وهو سيذهب لكنه سيأتي ليأخذهم معه. فالنتائج التي سيحصلون عليها هي أعظم مماّ لو بقى معهم، بل هو سيرسل لهم الروح القدس الذي يشرح لهم ويعلمهم ويذكرهم بكل شئ ويكشف لهم حقيقة المسيح، فكيف لا يفرحون بذهابه، فهو سيتمجد لحساب الكنيسة (لو26:24) وهم يكسبون مكاسب عظيمة (عب12:9،24 + عب24:7،25 + 1يو1:2 + يو2:14،3،16-18،26 + رو16:8،27). إذاً هم سيفرحون بأن المسيح بجسده سيكون له نفس مجد الآب. وهذا سيعود بالبركة على تلاميذه. أبي أعظم مني= يقولها المسيح وقد أخلى ذاته وصار إنساناً تحت الآلام. فالآب والإبن واحد في الطبيعة وفي الجوهر ومقامهما واحد. وحين يأخذ الإبن صورة المجد لا يقال هذا. فإن الآب في مجده فهو أعظم من حالة الإبن حال تجسده، والعبيد يهينونه بل هو قادم على موت شنيع وملعون. ويكون المقصود أن الصورة السماوية هي أعظم من الصورة الأرضية المتواضعة.

 

آية (29): "وقلت لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون."

المسيح يخبر تلاميذه بكل ما سيحدث من موت وقيامة وصعود وإرسال للروح القدس، حتى حينما يتم ذلك يزداد إيمانهم به. الآن= وأنا على وشك الرحيل.

 

آية (30): "لا أتكلم أيضاً معكم كثيراً لأن رئيس هذا العالم يأتي وليس له في شيء."

كثيراً= المسيح يعرف أن الساعة أتت ولا وقت للكلام الكثير، لقد إنتهى وقت التعليم بالكرازة وأتى وقت العمل بالفداء. أتى وقت الصراع مع رئيس هذا العالم الذي سيأتي بعد دقائق مع كل من حركهم ضده ليهجم عليه بأكبر وأشرس هجمة. رئيس هذا العالم= (لو5:4،6) نجد فيه نفس المفهوم، وأسماه بولس الرسول إله هذا الدهر (2كو3:4،4) أي إله هذا الزمان أو العالم (راجع أيضاً أف12:6) والشيطان قوي وقوته في القتل، أما مسيحنا فقوته في الحياة. الشيطان قوته في الكذب والغش والمسيح قوته في الحق (يو31:12 + مت29:12 + أع18:26 + أف12:6). ليس له فيّ شئ= كل إنسان خاطئ، للشيطان فيه شئ هو الخطايا التي أعطى له أن يعملها، لذلك يطالب بموته ثمناً للخطية. ولكن المسيح يقدم نفسه بإرادته ثمناً لخطايا غيره (يو46:8) "من منكم يبكتني على خطية" وكل من هو ثابت في المسيح يستطيع أن يقول "الشيطان ليس له فيّ شئ"

 

آية (31): "ولكن ليفهم العالم أني احب الآب وكما أوصاني الآب هكذا افعل قوموا ننطلق من ههنا."

مع أنني لست من العالم والشيطان ليس له فيّ شئ لكنني لأجل محبتي للآب وطاعتي له ومحبتي لكم أسلم نفسي للموت، وسمحت للشيطان أن يأتي عليّ. ويرى الناس طاعتي هذه فيعرفون محبتي للآب، فالطاعة علامة المحبة. لذلك فمن أجل أن إرادة الآب هي خلاص البشر من سلطان إبليس، فمن أجل تحقيق خطة الآب سمح السيد المسيح لإبليس أن يدخل معه في معركة كأنه إنسان عادي، يأتي إبليس ليقبض على روحه. لكن المسيح الذي بلا خطية لم يستطع إبليس معه شيئاً بل قبض هو على إبليس وقيده وأشهره جهاراً. ولاحظ أن المسيح قدم نفسه للموت بإرادته وليس للموت سلطان عليه. هو لم يمت مغلوباً من ضعف، فهو له سلطان الحياة.

قوموا ننطلق من ههنا= هو كان يعلم أن أعداؤه إستعدوا له، فلم ينتظر أن يأتي إليه الموت، بل قام هو ذاهباً إليه في شجاعة وبمحض إرادته. قوله هذا يعني هيا نواجه الصليب. أليس عمله أن يعلن حب الآب وينفذ وصيته فهو يخرج طواعية وبمحض إرادته ليواجه الصليب والموت. بل قولهُ هذا لتلاميذه يعني أنكم ستتبعونني يوماً إلى الصليب فلا تهابوا. هذا القول هو تعليق على أنه ينفذ وصية الآب= كما أوصاني الآب. وهذه العبارة تعني غالباً أنهم خرجوا من العلية حيث غسل أقدامهم وقدّم لهم جسده ودمه في العشاء السري. وغالباً إنطلقوا إلى الهيكل حيث فاه السيد بتعاليمه الواردة في (ص15،16) وبعد ذلك صلّى صلاته الشفاعية (ص17) وبعد ذلك نسمع أنه خرج مع تلاميذه إلى عبر وادي قدرون (1:18) ووادي قدرون هذا هو وادي يفصل بين الهيكل وجبل الزيتون حيث بستان جثسيماني. وهناك من يقول أن تعاليم (ص15،16) كانت في الطريق. والصلاة (ص17) في الهيكل. والآية الأولى في (ص15) يحدثهم فيها المسيح أنه هو الكرمة الحقيقية ويقول المفسرون أن المسيح رأى كرمة في الطريق فأشار لها وقال أنا هو الكرمة الحقيقية. أمّا أصحاب الرأي الأول الذين يقولون أن تعاليم (ص15،16) كانت في الهيكل فيقولون أن الكرمة المقصودة هي كرمة ذهبية مجسمة على أبواب الهيكل (فالكرمة كانت ترمز لإسرائيل). عموماً فالمقصود إستعارة من واقع ما يرونه بعيونهم. والمسيح يستعمل ما نراه بعيوننا ليحدثنا عن طريقه (مثل الزارع والصياد والحقول..) والمسيح إختار الكرمة لأنهم منذ دقائق شربوا من عصير الكرمة أي دم المسيح الذي يعطيهم حياة فيكونوا أعضاء حية في كرمة المسيح. والكرمة قيلت أولاً عن إسرائيل ولكن قيل أنها أعطت ثمراً رديئاً (أر21:2،22+ أش1:5،2+ مز8:80-19+ مت23:21-46). وكل تطهيرات الناموس لن تفيد في تطهيرها ثانية فكان لابد أن تقطع ويغرس الله كرمة أخرى جديدة هي جسد المسيح السري فنحن أعضاؤه من لحمه ومن عظامه. ونحن نولد بالمعمودية لنكون أغصان في الكرمة وعصيرها أي دمه يسري فينا وحينما نحفظ الوصايا نثبت في الكرمة.

 

الإصحاح الخامس عشر:

آية (1): "أنا الكرمة الحقيقية وأبي الكرام."

إبتداء من هذا الإصحاح يتكلم المسيح وحده والتلاميذ يسمعون. الكرمة الحقيقية= هذه في مقابل الكرمة التي لم تثبت وهي إسرائيل (مز8:80-13+ أش1:5-7). والكرمة هي تعبير عن الكنيسة جسد المسيح (أش2:27-5). وحقيقية أي لا تفسد ولا تزول. لكن إسرائيل ليست حقيقية لأنها فسدت وإنتهت وتشبيه الكنيسة بالكرمة فالكرمة تعطي الخمر رمز الفرح والكنيسة بثمرها تفرح الله.

المسيح هنا يتحدث عن إتحاده بتلاميذه وكنيسته وأنه كإتحاد الكرمة بالأغصان. فهو إتحاد وثيق، فالإبن صار يحمل المؤمنين الذين ثبتوا فيه يعطيهم جسده ودمه طعاماً وشراباً كعصارة تجعل الكرمة حية. ورفع عنهم خطاياهم ليقدمهم لله الآب الكرام. هذه الكرمة قال عنها داود.. (مز14:80-19) (نبوة ربطت بين الكرمة وإصلاحها والإبن) وقال عنها بولس الرسول .. (أف17:1-23) فالله الآب هو الذي يدعونا لمعرفته وإلى ميراثه وقدرته وقوته وهو الذي أقام المسيح رأساً لهذه الكرمة وهو يثبت الأعضاء حسب عمل شدة قوته في المسيح (يو12:17+ يو37:6،44). والعمل قطعاً هو عمل مشترك بين الآب والإبن (يو4:17). فهنا الإنسان يتحد بالمسيح بسر إلهي ليصير عضواً حياً في المسيح على مستوى الغصن في الكرمة. والآب هو الذي أرسل إبنه ليكون سبب حياة للمؤمنين= أبي الكرام= المسيح بسبب إنسانيته إتحد بالكرمة أما الآب فهو متميز عنها. الآب هو حارس هذا الإتحاد والثبوت. وهذه الكرمة حقيقية لها صفة البقاء والخلود وعدم التغيير والفساد كما حدث للكرمة اليهودية. هذه الكرمة الجديدة (الكنيسة) بدأت بغصن (المسيح) (أش1:11) ويتفرع منه أغصان كثيرة (المؤمنين المعمدين) ليكونوا الكرمة.

 

آية (2): "كل غصن في لا يأتي بثمر ينزعه وكل ما يأتي بثمر ينقيه ليأتي بثمر أكثر."

الثمار هي الإيمان والرجاء والمحبة والشهادة للمسيح وثمار الروح القدس فينا (غل22:5،23) وأعمال حسنة تمجد الله وتنفع الآخرين. والآب ينزع الغصن عديم الثمر (أش1:5-6). فالآب يطلب الثمر وعلى أساس الثمر يتعامل مع الأغصان. وهو ينزع الغصن عديم الثمر لأنه يعطل نمو الكرمة فهو يأخذ من عصير الكرمة دون فائدة بل يحرم الغصن المثمر. وما يأتي بثمر ينقيه على المستوى الروحي من كل نجاسة وشهوة بالتجارب. فالتنقية تأديب. أو ينقيه بالكلمة فهي سيف ذو حدين. وهذا ما نراه في شوكة بولس الرسول. إذاً فالله لا يريد ثمراً وكفى بل يريد ثمر كثير. كل غضن فيّ= فلا يمكن فصل المؤمنين عن المسيح (أف30:5). بل إن شرط حياتنا هو إتحادنا بالمسيح.

 

آية (3): "أنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذي كلمتكم به."

حتى لا يتساءل التلاميذ هل نحن من الأغصان التي تقطع أو التي تنقى قال لهم الرب= أنتم الآن أنقياء= أي أن المسيح يراهم مثمرين، فهو أتم عمله معهم بتعاليمه وكلمته الحية الفاحصة والبانية والمبكتة والمعزية والتي تستعلن الحق الإلهي. وهذا الكلام قيل بعد خروج يهوذا. ونلاحظ أن المسيح بكلامه ينقي وفي الآية السابقة نجد الآب ينقي بالتجارب النافعة. وكلمة المسيح سيف ذو حدين، بحدها الأول تنقي وتقدس فتحيي وكأنها تَلِدْ الإنسان من جديد (1بط23:1) وبحدها الثاني تدين (يو22:5+ 48:12) فإن لم تأتي كلمة الله بثمر تكون هذه الكلمة للدينونة (رؤ12:2،16+ عب12:4) وكلما نهتم بكلمة الله في حياتنا نزداد نقاوة. فكلمة الله حية وفعالة ولها قوة على التنقية. لذلك فالكنيسة تنصح الشعب بعدم التناول لمن لم يسمع الإنجيل. فكلمات الإنجيل تعطي نقاوة يحتاجها المتناول. بسبب الكلام= كل تعاليم الرب لهم لكن إستمرار النقاوة متوقف على شركتهم معه أي إستمرار ثباتهم في المسيح.

 

آية (4): "اثبتوا في وأنا فيكم كما أن الغصن لا يقدر أن يأتي بثمر من ذاته أن لم يثبت في الكرمة كذلك أنتم أيضاً أن لم تثبتوا في."

اثبتوا فيّ وأنا فيكم

اثبتوا فيّ= الله خلق آدم. ومن جنب آدم خلقت حواء. والأولاد هم جزء من آدم وجزء من حواء. لذلك فالخليقة كلها الآن هي أجزاء من آدم ولكنها خليقة ميتة فآدم رأسها ميت.

جاء المسيح ليكون جسد ثانٍ حي هو رأسه وكلنا ينتمي لهذا الجسد بالمعمودية. ويكون في المسيح.

وأنا فيكم= المسيح مات وقام. وأنا أموت مع المسيح وأقوم متحداً به في المعمودية (رو3:6-5) وحين أتحد به تكون لي حياته "لي الحياة هي المسيح" (في23:1) "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ" (غل20:2) وحين تكون لي الحياة هي المسيح فهو يستخدم أعضائي كآلات بر (رو13:6) وإذا كنت ثابتاً في المسيح. ولي حياة المسيح فأنا غصن مثمر.

 

وحياة المسيح فيّ تعطيني قوة لأثبت في المسيح وأثمر وهذا ينطبق على مثال الكرمة فكل غصن هو في الكرمة = إثبتوا فيّ.

والعصارة الحياة تسرى في كل غصن= وأنا فيكم.

المسيح أعطانا جسده ودمه لنثبت فيه، ومن يتناول بإستحقاق (في حالة توبة صادقة) يثبت فيه. ومن يثبت فيه يقدسه ويعطيه حياة ويكون له ثمر. فالغصن لا يمكن أن يأتي بثمر إن لم يكن ثابتاًَ في الكرمة. إذاً فلنلتصق بالله كل حياتنا. والمسيح هو منبع الثمر والروح القدس هو الذي يوصِّل ثمر بر المسيح (1يو27:2) أي أن الروح القدس (المسحة) يعلمنا أن نثبت في المسيح. اثبتوا فيّ= وصية من المسيح لنا وهو يعطي مع وصاياه قوة للتنفيذ. وأنا فيكم= هذه تعني إقبلوا ثبوتي فيكم، أي علينا أن نفتح قلوبنا ليدخلها المسيح ليعمل (أف14:3-17). وثبوت المؤمن في المسيح شرط لازم لثبوت المسيح في المؤمن. وثبوت المسيح في المؤمن هو نتيجة طبيعية لثبوت المؤمن في المسيح من يثبت في المسيح بأعماله وتوبته ومحبته يثبت فيه المسيح بأن يمنحه نعمته ويملأه من روحه. ومعنى الآية أن المسيح يقول إعطوني الفرصة لأثبت فيكم. فالثبات في المسيح يستلزم [1] عمل المسيح [2] إرادة الإنسان.

 

آية (5): "أنا الكرمة وأنتم الأغصان الذي يثبت في وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً."

الرب يشير أنه مصدر الحياة الحقيقية، نستمدها منه بصفة ثابتة ونستمد منه كياننا، وبذلك نحقق تدبير الله فيكون لنا ثمار. ولنلاحظ أننا لا يمكن بدونه أن نفعل شئ فالثمر هو من سخاء الكرمة وليس من صنع الغصن= بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً وأيضاً علينا ألاّ نظن أننا ضعفاء غير قادرين فمن يثبت فيه لا يعود ضعيفاً "أستطيع كل شئ في المسيح الذي يقويني" وكل عمل خارج الثبات فيه لا قيمه له. كيف نثبت في المسيح [1] النقاوة (فبدون القداسة لا يرى أحد الرب عب14:12) [2] ممارسة الأسرار [3] دراسة كلمة الله بإستمرار [4] جهادي (أ) سلبي (نموت عن الخطية رو11:6) (ب) إيجابي (صلاة / صيام..) [5] قبول الصليب.

 

آية (6): "إن كان أحد لا يثبت في يطرح خارجاً كالغصن فيجف ويجمعونه ويطرحونه في النار فيحترق."

هنا إنذار مخيف لمن هو غير ثابت في الكرمة، فهذا سينفصل عنها فيجف. من ليس له ثمار سيقطع ويحرق (ربما أشار المسيح إلى بعض الأغصان التي قطعوها إستعداداً لحرقها) (الغصن الذي يقطع من الكرمة لا فائدة له إطلاقاً لذلك يحرقونه، فغصن الكرمة ضعيف جداً لا يصلح لشئ. والغصن مهما كان جمال أوراقه، إن لم يكن له ثمار يقطعونه (الأوراق هنا إشارة للبر الذاتي مثل شجرة التين التي لعنها المسيح). ولكن متى يجف الغصن؟ هذا يحدث إن وُجِدَ حاجز فليني يمنع وصول العصارة، وهذا الحاجز هو الخطية التي تعيش فينا أو من حوّل نعمة الله التي فيه إلى مجد دنيوي. والملائكة هم الذين يجمعون ويطرحون في النار.

 

آية (7): "إن ثبتم في وثبت كلامي فيكم تطلبون ما تريدون فيكون لكم."

هذه عكس الآية السابقة، هنا نرى بركات الثبات في المسيح أي إستجابة الصلاة. هنا نرى الوعد الثمين لمن يثبت في الكرمة. وثبت كلامي فيكم= هنا نرى المسيح يضع كلامه مكان شخصه. وهذا يعني تصديق وعد المسيح بكل ما أوتينا من إرادة وفكر وقلب فالله يستجيب لنا مهما طلبنا والله يستجيب بثلاث طرق [1] فوراً [2] في ملء الزمان (بعد مدة) [3] لا يستجيب لو طلبي ليس لمصلحتي فهو لم يستجيب لبولس ورفض شفاءه ولكنه لابد وأن يستجيب. وأن يكون لنا الحاسة السمعية الروحية فنستطيع أن نميز صوته. والمسيح يخاطبنا وسط كل أحداث اليوم من خلال كل ما نسمع ونرى. تطلبون= إذا كنا نستطيع أن نميز صوته فحينئذ لن نطلب إلاّ ما هو حسب إرادته ومشيئته (1يو14:5) "أطلبوا أولاً ملكوت الله" (لو31:12). ما تريدون= من ثبت في المسيح تصبح إرادته الحرة حسب حرية البنين لا العبيد والإبن لا يطلب سوى ما يَسُّرْ أباه. بل سيكون لمن يثبت في المسيح تماثل في الإرادة والمسرة معه (أف20:3). ولنلاحظ أن خلاصة المسيحية هي الحياة مع المسيح.

 

آية (8): "بهذا يتمجد أبي أن تأتوا بثمر كثير فتكونون تلاميذي."

بهذا= بثبوتي فيكم وثبوتكم فيّ وثبوتكم في كلامي، هذا ينشئ إستجابة لصلواتكم كونها تتفق مع إرادة الآب السماوي. أن تأتوا بثمر كثير فتكونون تلاميذي= لقد صلب المسيح ليأتي بثمر هو إيمان البشر (يو24:12) وعمل التلاميذ أن يكملوا عمل المسيح (مت19:28). والثمار الكثيرة تمجد الآب (1بط9:1 + مت16:5) وكل هذا يحدث إن ثبتنا في كلام المسيح أي صدقناه وعشنا به كلمة كلمة.

 

آية (9): "كما احبني الآب كذلك أحببتكم أنا اثبتوا في محبتي."

المسيح حين أراد أن يشرح مقدار محبته للبشر شبهها بمحبته للآب وهذه محبة لا نهائية لأن الله محبة والله غير متناهي فالأصل في المحبة هو محبة الآب للإبن. والمسيح أوصل لنا بمجيئه في الجسد محبة الآب. هنا يشرح المسيح سر ثبات الغصن (المؤمن) في الكرمة (المسيح) وهذا السر هو الحب. فالآب يحب الإبن، حب يتوحد فيه المحب بالمحبوب فيكونان ذاتاً واحدة وكياناً واحداً، الحب هو سر الوحدة القائمة بين الآب والإبن. وهكذا أحبنا المسيح حباً بلغ من قوته أن يجعلنا معه في إتحاد كامل يحيا فينا ونحيا فيه ومعه وبه وله. فحب المسيح لنا هو سر الإلتحام أو الوحدة التي جاء إبن الإنسان ليؤسسها مع بني الإنسان لحساب الله (يو23:17) ومحبته لنا قائمة على أن هذا هو طبعه فهو يحب الآب والآب يحبه فالله محبة. وتظهر فاعلية هذه المحبة في محبتنا له وفي محبتنا لبعضنا البعض (آية12) لكن السؤال الموجه لنا هو هل نقبل هذه المحبة ونبادله حباً بحب وهل نثبت في هذه المحبة. وفي (15:15) "لكني قد سميتكم أحباء لأني أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي. هنا أعلمتكم لا تعني المعرفة والفلسفة بل هي توصيل أسرار الآب ومحبته لنا. فالإبن الضال حين عاد لم يتعرف على إبيه على مستوى الفكر إنما على مستوى الأحضان والقبلات (يو26:17). محبة المسيح للآب هي محبة فائقة للطبيعة ولأفكارنا ولكن المسيح يعطينا أن نتذوقها فنفرح بأبوة الآب لنا. كذلك أحببتكم أنا= المسيح ظهرت محبته لنا في بذله نفسه على الصليب. ولولا هذه المحبة ما كنا قد فهمنا محبة الآب للإبن ولا محبة الإبن لنا. والمسيح بمحبته لنا ضمنا في بنوته الرفيعة القدر والمجد (1يو1:3،2) وهنا نرى ما سنحصل عليه لذلك يشجعنا أن إثبتوا في محبتي بأن نصدق دعوته ونقبلها ونستمر فيها ونقيم في محبة له ولكل أحد. ونبادله حباً بحب ويكون هذا بأن نحفظ وصاياه وكلما نكتشف محبته نحبه. ومن يحفظ وصاياه يكتشف أعماقها. الوصية لا تشرح ولا تفلسف بل تنفذ بلا فحص ومن ينفذها يكتشف معناها.

 

آية (10): "أن حفظتم وصاياي تثبتون في محبتي كما أني أنا قد حفظت وصايا أبي واثبت في محبته."

هنا نرى كيف نثبت في محبته (آية9) حفظتم= سهرتهم على تنفيذها متشبثين بالوعد. حفظت وصايا أبي= بالتجسد والفداء (في5:2-8). وبولس هنا يطلب عن نتعلم الطاعة كما أطاع المسيح نفسه. وهكذا أطاع بولس نفسه وإحتمل الآلام (2كو23:11-26). بل إحتمل شوكة الجسد التي كان الله ينقيه بها ليأتي بثمر أكثر. إن حفظتم وصاياي تثبتون في محبتي هذه خبرة عملية يختبرها من يحفظ الوصية. فمن أحب الإبن بحفظ وصاياه يشعر بمحبة الآب وهذه المحبة لا توصف (27:16) وأهم وصية للمسيح هي المحبة (آية12). عموماً من يحفظ وصايا المسيح حتى ولو بالتغصب (فهذا هو الجهاد) يبدأ في الحب. وبالإصرار على حفظ الوصايا يشتعل الحب في داخل القلب فيثبت الإنسان في المحبة لدرجة أن يضحي ويبذل. وهذه هي المحبة الكاملة التي تطرح الخوف إلى خارج. ومن يحب محبة كاملة يكون مستعداً لقبول أي ألم من أجل الذي مات لأجلنا.

 

آية (11): "كلمتكم بهذا لكي يثبت فرحي فيكم ويكمل فرحكم."

كلمتكم بهذا= بهذا= هو سر الكرمة الذي شرحه، وثباتنا فيه بالمحبة وطاعة وصاياه يجعله يفرح ويعطينا أن نفرح بان يدخل فرحه هو فينا. حتى لا نتصور أن حفظنا للوصايا حتى تثبت فينا محبة الله فيه إرهاق وتضحية منا وتثقيلاً علينا يشرح الرب هنا أن الثبوت في المحبة هو سر الفرح الكامل. والطريق للفرح الكامل إذن هو أن نثبت في الإيمان وفي كلام الرب بأن نصدقه وننفذه فنثبت في محبته أي نكتشفه هو ونحبه وهنا يكون الفرح (1يو3:2-6). يثبت فرحي فيكم= فرح المسيح كامل. ويكمل فرحكم= فرح التلاميذ والمؤمنين يحتاج إلى تكميل. فالمسيح يسكب فرحه في القلب ونحن نأخذ ليكمل فرحنا. فرحه وجد موضعاً فينا. وهذا هو طلب المسيح أن نفرح فهو يطلب أن نثبت فيه ونطيع وصاياه لنفرح. (ولاحظ أنه سبق وأعطاهم السلام والآن الفرح) وأهم فرح يفرح به الإنسان الخلاص الذي قدمه المسيح، هو حياة جديدة نرى فيها الرب من هنا على الأرض.

 

آية (12): "هذه هي وصيتي أن تحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم."

ما سبق كان عن محبتنا لله وهذه تناظر وصايا اللوح الأول. وابتداء من هنا نجد المحبة للإنسان وهذه تناظر وصايا اللوح الثاني. ووصية المسيح أن نحب بعضنا كما أحبنا هو فالمحبة هي التي تجعل فرحنا كاملاً. ومحبته هي:-

1-   كما أحبه الآب= أي محبة إلهية وليست محبة جسدانية أو عاطفية.

2-   أحبنا ونحن خطاة= هكذا ينبغي أن نحب من هم أضعف منا.

3-   أحبنا ونحن أعداء= هكذا ينبغي أن نحب أعدائنا.

4-   أحبنا حتى الصليب= هكذا ينبغي أن نحب حتى الموت.

5- محبة باذلة= هكذا ينبغي أن نحب بلا أنانية، لا نطلب شيئاً في مقابل محبتنا لإخوتنا، محبة الله أنه يعطي بسخاء ولا يعير، هكذا علينا أن نعمل فالمحبة روح كل الوصايا فأنا لا أسرق ولا أقتل.. الخ لأنني أحب. هي محبة من نوع غير محبة الأرضيين النفعية.

ومن يحب فقد وُلِدَ من الله (1يو7:4). ومن يحب فقد إنفتح قلبه على عمل ذبيحة الصليب وهذا هو أساس ميلاد الخليقة الجديدة. والمسيح إحتمل كل الآلام ليستعلن لنا محبة الآب (يو16:3). ومحبة الآب هذه لا تسكن في قلوب، ولا تعمل في قلوب ليس لها صفة المحبة. فالمحبة الإلهية لا تعمل إلاّ في مجال المحبة. هذه المحبة تحمي الكنيسة من الشر والفساد. وصيتي= هي وصية المسيح في حديث الوداع الأخير قبل الفراق (مت44:5) ووصية المسيح أن نحب أعدائنا لا مثيل لها في أي مكان في الدنيا ولا في أي دين، هي وصية مستمدة من صليب المسيح (رو10:5). والمسيح حين يعطي أمراً أو وصية يعطي معها الإمكانية على التنفيذ فهو يبني أوامره بناءً على ما عمله هو وما سيعمله فينا وما هو مستعد أن يفعله في كل من يؤمن به فبدونه لا نقدر أن نفعل شيئاً (آية5).

 

آية (13): "ليس لأحد حب اعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه."

هنا نرى غاية المحبة أن يضع الإنسان نفسه عن الآخرين. هي محبة مضحية، وهذا ما عمله المسيح هذه الليلة (1يو16:3). لأجل أحبائه= لم يقل لأجل من يحبونه فهو لا يقصد القديسين. فالمسيح وضع نفسه لأجل كل الناس لأنه هو الذي يحبهم. فهو أتى لأجل الخطاة الذين كانوا أعدائه (رو10:5 + غل20:2) فالمسيح مات عن شاول الطرسوسي الذي كان عدواً له وحوَّله إلى إنسان يحبه حقاً. وهكذا ينبغي أن نفعل مع كل إنسان حتى لو لم نكن نحبه أو لم يكن يحبنا.

 

آية (14): "أنتم أحبائي إن فعلتم ما أوصيكم به."

هنا المسيح يرفع درجة المؤمن الذي يحفظ الوصايا لدرجة إبراهيم (يع23:2 + إش8:41) أحبائي= هنا جاءت في اليونانية "خلاني" "من خل" وهذه قيلت عن إبراهيم. والخل كل شئ مكشوف أمامه.

 

آية (15): "لا أعود اسميكم عبيداً لأن العبد لا يعلم ما يعمل سيده لكني قد سميتكم أحباء لأني أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي."

السيد يكشف أسراره لأحبائه لا لعبيده. والمسيح كشف لنا تدابير الآب التي هي أيضاً تدابيره ولا أحد يعرف قلب الآب سوى الإبن. ولذلك لم يخفي الله عن إبراهيم ما هو فاعله (تك17:18) وما الذي أعلنه المسيح لأحبائه؟ هو أعلن لهم محبة الآب وأعلن لهم الآب فهو وحده الذي يعرف الآب (يو18:1). والذي رأي المسيح فقد رأى الآب، هو يعلن ما يمكن أن ندركه والعبد يطيع إما عن خوف أو طلباً في أجرة أو فائدة. أما الإبن فيطيع عن حب.

 

آية (16): "ليس انتم اخترتموني بل أنا اخترتكم وأقمتكم لتذهبوا وتأتوا بثمر ويدوم ثمركم لكي يعطيكم الآب كل ما طلبتم باسمي."

ليس أنتم إخترتموني= دعوتهم هي دعوة إلهية لأجل محبته لهم. وهذا ما يعطيهم الحافز لإحتمال الآلام في خدمتهم أن الله يحبهم ويثق فيهم (هذه الآية موجهة للخدام). ولنلاحظ أن الله دائماً هو صاحب المبادرة في كل ما يمت إلى الإنسان من الخيرات السماوية. فهو الذي بادر وأتى ليجعلهم أبناءً بدلاً من عبيد ويعطيهم المجد الذي له (22:17) ويعطيهم الفرح هنا. والله يختارني وأنا أقبل هذا الإختيار وأختار الله تاركا العالم. ولكن لنلاحظ أن قول الرب إخترتكم= هذه لا تخص الخلاص بل إخترتكم للرسولية= لتأتوا بثمر. إذاً ليس لهم فضل في أن يكونوا رسلاً بل الفضل للمسيح في إختيارهم، فهو صاحب المبادرة. هو الذي يعرف ظروفهم ومواهبهم وضعفاتهم. ولكن هذا لا يمنع أنهم هم لابد أن يقبلوا الدعوة.

لتذهبوا= الله إختارهم كتلاميذ لا كشرف لهم فقط بل ليدعوا العالم بكرازتهم. ويكونوا سفراء له. فالكنيسة ستبنى على أساس الإيمان الذي سيكرزوا به. فالثمر المطلوب هو إيمان كل العالم بالمسيح فيكون لهم حياة. يدوم ثمركم= الإثمار مستمر في الكنيسة وخدامها وخدمتها للعالم كله حتى نهاية الدهر. يعطيكم الآب كل ما طلبتم بإسمي= المسيح هو المتكفل بأن يعطيهم الآب كل ما يطلبونه ويحميهم من مخاطر الكرازة ويضمن لهم الثمر الكثير. ولنلاحظ أن الثمر الكثير وإستجابة الصلاة نتيجتان لثباتنا في المسيح. ولاحظ أنهم حينما يجاهدون ويكرزون بالمسيح يستجيب الله لصلواتهم إذ هم أمناء. فيعطيهم ما يطلبونه فيزداد ثمرهم. فلا ثمر بدون صلاة ولا ثبات بدون صلاة وبدون محبة (آية17).

 

الآيات (17،18): "بهذا أوصيكم حتى تحبوا بعضكم بعضاً. أن كان العالم يبغضكم فاعلموا انه قد ابغضني قبلكم."

في الآيات (18-27) نرى المواجهة مع العالم الذي يجهل الآب والإبن وعداوة العالم لكنيسة المسيح والمسيح نفسه وعلى التلاميذ أن يكملوا الصراع الذي بدأه العالم مع المسيح. أبغضني قبلكم= أي سيبغضكم العالم، بسبب إيمانكم بي. والمقصود بالعالم، روح الشر الذي في العالم. أما العالم الذي خلقه الله فقيل عنه "هكذا أحب الله العالم". ولكن الروح القدس سوف يؤازرهم ويقدم المعونة في وقتها (1يو3:1 + 1بط12:4-19). ولكن المسيح يؤكد ويكرر على ضرورة المحبة بيننا لنستطيع أن نواجه العالم. والعالم يكره المسيح لأن قداسته تفضح شرورهم. وهكذا الكنيسة التي فيها الحب يكرهها العالم. محبتنا لبعضنا البعض درع نواجه به كراهية العالم لنا. فمن خلال محبتنا يعمل الله فينا ويعطينا قوة ومعونة وتعزية. ولو كرهنا العالم فنحن لا نكره أحد ولا نعادي أحد. بل نصلي لأجل الجميع ونحب الجميع. ومحبتنا تجعل المسيح يسكن فينا وهذا هو الدرع الذي يجعلنا نحتمل إضطهاد العالم. لكن لنعلم أن الشيطان الذي يسود العالم سيجعل العالم يكرهنا.

 

آية (19): "لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته ولكن لأنكم لستم من العالم بل أنا اخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم."

(قارن مع 2تي12:3). الشيطان رئيس العالم لا يحتمل أن يهرب أحد من تحت سلطانه ويتركه. وحينما يحدث هذا ويدخل أي مؤمن في الكرمة سواء بالإيمان أو بالتوبة يهيج الشيطان العالم ضده. وهذا ما حدث في بدء الكنيسة وما يحدث لكل تائب حتى الآن. ولكن هذا الهيجان وهذه البغضة ضد المؤمنين هي علامة ثبات في المسيح ورجاء لنا أننا على الطريق الصحيح. على شرط أن لا نكون نحن سبباً في هذه البغضة. العالم يحب خاصته= الذين أصبحوا عبيداً له يعلمون لحسابه (44:8). فلا أحد يحارب الذين له وهذا غير محبة المسيح الباذلة. فمحبة العالم لخاصته هي محبة أنانية فيها يستعبد العالم خاصته كما يستعبد المال الناس. ولاحظ أن المسيح يكرر كلمة العالم في هذه الآية 5مرات للتنبيه على خطورة هذا العدو. فالعالم يرفضنا لكن هذا لا يهم فنحن لسنا من العالم بل من فوق بعد أن إختارنا المسيح.

 

آية (20): "اذكروا الكلام الذي قلته لكم ليس عبد اعظم من سيده إن كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم وأن كانوا قد حفظوا كلامي فسيحفظون كلامكم."

حفظوا كلامي= إحترموا كلامي. وهذا لم يحدث. وسفر الأعمال شاهد كيف قاوم اليهود كرازة الرسل وكلام المسيح. هذا النص وارد في (يو16:13). والمسيح أسمانا بنين وأحباء فلماذا يعود ويسمينا عبيد؟! المسيح يسمينا أبناء ولكن علينا أن نسمى أنفسنا عبيد، علينا أن ندرك في أنفسنا أننا عبيد.. "متى فعلتم كل ما أمرتم به فقولوا إننا عبيد بطالون" (لو10:17). ولذلك كان التلاميذ يفتخرون بأنهم عبيد ومنهم من كان قريباً للمسيح بالجسد وحتى بهذا لم يفتخر بل إفتخر بأنه عبد للمسيح (رو1:1 + 2بط1:1 + يع1:1 + يه1). فالمسيح وهو الله فعل هذا وغسل أرجل تلاميذه وقبل الشتائم والإهانات فهل نطلب نحن الأكاليل، هو تواضع فهل نرتفع. هو وضع نفسه في المقدمة كنموذج لنا. ومن يظن في نفسه أنه عبد لن ينتفخ ويتكبر بل وسيشعر في نفسه أنه لا شئ ولا يستحق شئ ولن يختلف مع الله إذا لم يعطه شئ، لسان حاله يقول "اللهم إرحمني أنا الخاطئ" "وخطيتي أمامي في كل حين" وكل ما تعطيه لي يا رب أنا لا أستحقه بل هو من رحمتك وحنانك. ومن يحب الله محبة حقيقية يشتهي أن يكون له عبدا أي أن يسود الله علي حياته ويكون هو وكل ما يملك ملكاً له (خر5:21،6) وهذا ما قيل عن المسيح نفسه (مز6:40 + عب5:10) ومعنى كلام السيد أننا سنتألم لأجله، وهذا جزء من معركة النور مع الظلمة. آلامنا هي شركة في آلام المسيح ونحن لسنا أفضل منه حتى لا نتألم. بل أن آلامنا حقيقة هي موجهة ضده. فالإضطهاد الواقع علينا هو بسببه. وإن كان هو قد تألم فهذا سيحدث لنا.

 

آية (21): "لكنهم إنما يفعلون بكم هذا كله من اجل اسمي لأنهم لا يعرفون الذي أرسلني."

سلا الإضطهاد ضد الكنيسة هو إرتباطها بالمسيح (أع40:5،41 + 1بط14:4). لأجل إسمي= طوبى لمن يضطهد لأجل إسم المسيح، فالآلام مع المسيح هي شركة مجد. هي يضطهدونكم لأن إسمي فيكم. فالمسيح فتح الباب لكل إنسان ليعود إلى أحضان الآب ويخرج من سلطان الشيطان والظلمة. لذلك يكره العالم إسم المسيح أمّا أبناء الله فيدركون أنه سر قوتهم. لأنهم لا يعرفون الذي أرسلني= هم يتصورون أنهم يعرفون الله ولكنهم حقيقة لا يعرفوه ولا يعرفون أن الآب هو الذي أرسل الإبن ليجمع فيه أبناء الله. ومعرفة الله الآب مقصورة على من يقبل الإبن وفدائه فتكون له حياة. والذي لا يعرف الإبن يستحيل عليه معرفة الآب ومن لا يعرف الآب حقيقة لا يعرف الإبن فهو إبنه. وبالتالي فهو يجدف على الآب والإبن دون أن يدري. ودون أن يدري يسئ إلى نفسه (لو34:23). هذا كله= الإضطهاد حتى القتل والتعيير والإحتقار.

 

آية (22): "لو لم اكن قد جئت وكلمتهم لم تكن لهم خطية وأما الآن فليس لهم عذر في خطيتهم."

العالم ليس له عذر في إضطهاده للمسيح ولكنيسته، فهو قد جاء وجعل معرفة الآب ظاهرة لكل إنسان. هو جعل معرفة الآب ظاهرة بأقواله وأعماله. واليهود كان يجب أن يدركوا قبل غيرهم أن المسيح فيه تحقيق كل النبوات، ولذلك آمن الكثيرون وسيكونون سبب دينونة لمن لم يؤمن، فمن لم يؤمن أثبت أنه قد أسلم نفسه للشيطان وقد إنحاز لشهواته. لم تكن لهم خطية= لذلك برفضهم المسيح وصلبهم له بدون وجه حق كانوا بلا عذر بل صلبوه بحقد مجنون. فهو جاء بنفسه وأظهر حبه فلماذا الرفض؟ والإنسان مسئول على قدر ما يعرف، وهم رأوه وعرفوه فصارت لهم خطية إذ رفضوه وهي = أبغضوني أنا وأبي.

 

آية (23): "الذي يبغضني يبغض أبي أيضاً."

قارن مع (1يو23:2) هنا نرى ببساطة أن الآب والإبن هم واحد. فما يصيب الإبن يصيب الآب، ومن أبغض الإبن فقد أبغض الآب.

 

آية (24): "لو لم اكن قد عملت بينهم أعمالاً لم يعملها أحد غيري لم تكن لهم خطية وأما الآن فقد رأوا وابغضوني أنا وأبي."

أعمال المسيح المملوءة حباً وقوة إعجازية كانت تنطق بأن الآب الحال فيه هو يعمل الأعمال (يو10:14). فالآب عن طريق أعمال المسيح يقترب للإنسان لذلك فلا عذر لمن لا يؤمن وقارن مع (1يو1:1-4). فأعمال المسيح كان فيها خلقة وبسلطانه الشخصي.

 

آية (25): "لكن لكي تتم الكلمة المكتوبة في ناموسهم أنهم أبغضوني بلا سبب."

أبغضوني بلا سبب= فالمسيح لم يؤذ أحد ولا أساء لأحد. (مز19:35 + 4:69). وكون أن الناموس يتنبأ عماّ حدث للمسيح بالتفصيل فهذا فيه إعلان بأن خطة الفداء أزلية. (لاحظ أن بيلاطس لم يجد فيه علة تستوجب الموت).

 

الآيات (26،27): "ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي. وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معي من الابتداء."

إزاء أضطهاد العالم للكنيسة نجد الله يُرسل الروح القدس للكنيسة كقوة إلهية جبارة تشهد وتدعو سراً القلوب الأمينة التي تقبل الله (1كو3:12) وهو يقنع ويشجع ويعزي ويعطي كلمة للإقناع بقوة وسط هذه الضيقات. وبدونه لا نقدر على مواجهتها. أرسلهُ أنا= أي حينما أتمم عملي بالصليب ثم بالإنطلاق إلى الآب لأتمجد أُرْسِلْ الروح القدس للكنيسة. وكون المسيح يُرسل الروح القدس ليعطينا الولادة الجديدة ويعيد تشكيلنا فهذا العمل هو تكميل نهائي لعمل الخلقة الأولى التي إضطلع بها الكلمة سابقاً. وكون أن المسيح يُرسل الروح القدس فهذا يثبت ألوهية المسيح (يو7:16) فقد قال سابقاً "الذي سيرسله الآب بإسمي" (يو26:14) فكما يرسل الآب الروح القدس يرسله الإبن أيضاً. روح الحق= الذي يشهد فينا للمسيح الحق (عكس الباطل الذي في العالم). الروح يشهد للناس بالحقيقة الغائبة عنهم. والعكس نجده في (1يو3:4). من عند الآب ينبثق= الإنبثاق يعني أن الروح القدس يخرج من الآب بالطبيعة. كذلك المسيح يخرج من عند الآب (27:16،28) فالآب هو المنبع. وتعبير الإنبثاق هو تعبير خاص بالروح القدس. والفرق بين الولادة (للمسيح) والإنبثاق (للروح القدس) هو الفرق بين خروج النور من الشمس وإنبعاث الحرارة منها. ونلاحظ أنه لا توجد فوارق زمنية بين الآب المصدر والإبن المولود والروح المنبثق. فالحرارة والضوء كائنين مع الشمس منذ وجودها. والآية صريحة أن الروح القدس ينبثق من الآب وليس من الآب والإبن. ولكن نقول أن الإبن يرسل الروح لنا بعد أن أتم فدائه. هو يرسله من عند الآب بإسمه. يشهد لي= من خلال التلاميذ وكرازتهم وفي قلوب من يسمعهم وبتوجيه المؤمنين للقيام بأعمال هي بحد ذاتها تصير شهادة للمسيح. فالروح القدس هو روح مناداة وإعلان ينطق بالكلمة في الأفواه وفي القلوب، أفواه الكارزين وقلوب المستمعين. والروح القدس أوحي للتلاميذ ليكتبوا الكتاب المقدس ليكون شاهداً للمسيح. يشهد لي= فالآب يشهد للمسيح والمسيح يشهد للآب والروح يشهد للمسيح. وتشهدون= أي أن الروح القدس يعطينا قوة لنشهد للمسيح الذي شهد له الروح داخلنا. ويعطينا قوة أن نحيا بحسب الحق. (ولاحظ التغيير الذي حدث لبطرس والتلاميذ يوم الخمسين). وتشهدون أنتم أيضاً= كثمر لحلول الروح القدس فيهم يشهدوا لعمل المسيح فيهم. ويشهدوا أنهم مسيحيين حتى سفك الدم. والشهادة تكون بسيرتنا فيظهر المسيح الذي يحيا فينا. لأنكم معي من الأبتداء= فالتلاميذ عاشوا مع المسيح منذ بداية عمله وخدمته وتعليمه وكانوا شهوداً على كل كلمة وكل عمل. والمسيح هنا يتكلم عن رحلة الكرازة منذ يومها الأول. والقديس متى والقديس لوقا تتبعا الأمور منذ بدايتها. والروح القدس علمهم ما يكتبونه عن كل القصة منذ ولادة المسيح بل والبشارة به. ومرقس شهد بالروح القدس عن كل القصة من بدء عمل الروح القدس في المعمدان. أمّا يوحنا فكشف له الروح القدس سر البدء الأزلي، بل وكشف ليوحنا عن تفاصيل سرية جداً (راجع أع32:5، 21:1،22) + (1يو1:1). ولنلاحظ أن الخادم الذي لم يعش مع المسيح ويختبره ويراه لا يستطيع أن يشهد له وعنه. والروح القدس يعمل في الخادم المتكلم ليشهد للمسيح ويعمل في السامع ليقبل الكلام.

ملحوظة: هناك من غَيَّرَ في قانون الإيمان وقال عن الروح القدس أنه منبثق من الآب والإبن بزعم الوحدة والتساوي بين الآب والإبن. ولكن الوحدة لا تمنع الأقنومية والتميز في الفعل. فالإبن مولود من الآب والروح القدس منبثق من الآب. ولو كانت الوحدة تلغي الأقنومية لكنا نقول أن الإبن مولود من الآب ومن الروح القدس. ولكن علينا أن لا نرتئي فوق ما ينبغي أن نرتئي!! فالله أعلن في هذه الآية أن الروح القدس ينبثق من الآب فهل نترك لعقولنا المحدودة فحص طبيعة الله بل وتغيير الآيات!!

المعزي= باراكليتوس

بارا= بجوار أي ملازم لشخص/ حاضر معه/ قريب منه (ومنها PARALLEL)

كليتوس= المدعو

فهو يطلب ليساعد، هو حاضر بالقرب من الإنسان ليعينه ويعزيه ويسنده ويشهد للمسيح.

 

الإصحاح السادس عشر:

آية (1): "قد كلمتكم بهذا لكي لا تعثروا."

قد كلمتكم بهذا = [1] أنه سيكون هناك ضيقات [2] لكنه سيرسل لهم الروح القدس [3] يسلكوا بمحبة فالمسيح لم يخدع أحد، فطريق المسيح فيه ضيق، ولكن تعزيات الروح القدس تساند. هذا الكلام ليس موجهاً للتلاميذ فقط بل لكل الكنيسة عبر كل العصور. المسيح في هذه الآية والآيات التالية يكمل حديثه عن إضطهاد العالم لتلاميذه ولكنيسته والذي سيبدأ بأن يخرج اليهود التلاميذ من المجمع، ثم يصل الأمر للقتل، بل سيأخذ هذا الإضطهاد شكل الغيرة الدينية وبعد هذا سيأتي الإضطهاد الروماني ولن ينتهي إضطهاد العالم للكنيسة، والإضطهاد هو كل مقاومة من العالم ضد الإيمان. وهناك إضطهادات من نوع حديث كأن يجتمع الأشرار ليدينوا إنساناً طاهراً بحجة أنه منغلق ومقفول عن المجتمع ولا يساير روح العصر.

ولكن السيد المسيح يخبر تلاميذه ليطمئنهم أن الروح القدس الذي سيرسله لهم سيشهد في داخلهم بمجد المسيح الذي ينتظرهم وسيعطيهم ما يقولونه إذا وقفوا أمام مجامع أو ولاة. بل سيعزيهم ويشددهم. قد كلمتكم بهذا= كلمهم عن مفارقته لهم وثباتهم فيه وإضطهاد العالم وإرسال الروح وإلتزامهم بقانون المحبة. لكي لا تعثروا= العثرة تعني الإرتداد عن المسيح أو يتوقفوا عن الكرازة إذا واجههم إضطهاد ورفض من العالم وبالذات من إخوتهم اليهود. والمسيح أخبرهم بالإضطهاد الذي سيواجهونه حتى لا يفاجأوا به فيتشككوا في حماية الله لهم وأن الله قد يكون تخلى عنهم أو يرتدوا، خاصة أن لهم مواعيد إرسال الروح وإستجابة الآب لصلواتهم إن حفظوا الوصايا وبالتالي تعزيات ومساندة الروح لهم إذا ثبتوا. والعكس فإن الإنكار سيؤدي لفقدان التعزية وفقدان السلام على الأرض وخسارة حياتهم الأبدية (مت33:10). تعثروا= العثرة هي أن يتوقف إنسان عن السير حين يصطدم بحجر في طريقه.

 

آية (2): "سيخرجونكم من المجامع بل تأتى ساعة فيها يظن كل من يقتلكم انه يقدم خدمة لله."

قارن مع (يو22:9 + 42:12،43). ومن يخرجونه من المجمع يُحرم من الصلاة وكل الحقوق الدينية والسياسية والإحتفالات وعقوبة مدنية فلا أحد يشتري أو يبيع منه. بل أن الموضوع سيتطور إلى القتل= كل من يقتلكم= تشير لكثرة المضطهدين الذين يريدون قتلهم. وقطعاً سيكون مصاحباً لهذا إضطهاد على كافة المستويات. بل يظنون أنهم يقدمونهم كذبائح لإرضاء الله. يقدم خدمة لله= فكلمة خدمة تشير للعبادة الطقسية العبادية. وهكذا صنعوا بإسطفانوس بل قيل في كتاب المدراش اليهودي "أن من قتل إنسان شرير مثل المسيحيين فكأنه قدَّم ذبيحة لله وإستندوا في هذا إلى (عد1:25-11) حينما قتل فينحاس الرجل الزاني فرد سخط الله عن الجماعة" ولنرى ماذا صنع بولس قبل إيمانه بالمسيحيين (أع9:26-11).

 

آية (3): "وسيفعلون هذا بكم لأنهم لم يعرفوا الآب ولا عرفوني."

راجع (1تي13:1) فمن يفعل هذا يجهل حقيقة الآب والإبن. هؤلاء لا يعرفون سوى أنفسهم، ولا يعرفون الله، يحبون ما عندهم سواء ذواتهم أو عقيدتهم التي يدافعون عنها عن جهل. ولو عرفوا الله لأحبوا أعدائهم وليس ذواتهم فالله محبة. ومن يعرف الآب سيعرف إبنه.

 

آية (4): "لكني قد كلمتكم بهذا حتى إذا جاءت الساعة تذكرون أني أنا قلته لكم ولم اقل لكم من البداية  لأني كنت معكم."

لكني= لم أكن أريد أن أحزنكم بهذه الأخبار الآن، ولكن أنا مضطر حتى إذا جاءت الساعة= وإضطهدوكم لا تفاجأوا. وإذا فهمتم أني عالم من البداية ستفهمون أنني مسيطر على الأمور فلا تخافوا. ولم أقل لكم من البداية= لم يقل لهم عن هذا الإضطهاد لأنه كان معهم يحفظهم من الذئاب ويشجعهم حين يخافون ويقويهم حين يضعفون ويخفف عنهم كل ضيق ويتلقي هو الهجمات بدلاً منهم ليحفظهم منها. المسيح أراهم قوته وسلطانه وهو معهم حتى يثقوا فيه حتى وسط الإضطهادات الآتية بعد صعوده. والمسيح إستمر في هذا إلى أن قبل الصليب عنهم. ولكن الآن هو ماضٍ إلى الآب ولن يروه. ولكنه لن يتركهم يتامى فسيرسل لهم الروح القدس الذي سيعطيهم القوة ويشجعهم ويعزيهم. وعليهم [1] أن يتعلموا الإستجابة لصوته [2] أن يجاهدوا. ونلاحظ أن في (مت17:10،21،28) سبق المسيح وأخبرهم عن إضطهاد العالم فلماذا يقول المسيح لم أقل لكم من البداية؟ هنا يوجد إحتمال من إثنين:-

أ‌-    الأهوال التي كلمهم عنها في (مت17:10،21،28) ذكرها المسيح في ذلك الوقت بطريقة مخففة حتى لا يصدمهم في بداية الطريق، ولكن متى حين كتب في (ص10) عن الأهوال دمج كل أقوال المسيح عن الأهوال سواء ما قاله في بداية الخدمة أو نهايتها.

ب‌-       أو أن الجديد هو عمل الروح القدس معهم بدلاً من عمل المسيح الذي سيفارقهم.

 

آية (5): "وأما الآن فأنا ماض إلىّ الذي أرسلني وليس أحد منكم يسألني أين تمضي."

ليس أحد منكم يسألني= هذه لها عدة إحتمالات:-

1.  المسيح يعاتبهم لأنهم إنشغلوا بما سيحدث لهم من آلام ولم يسألوه أين يمضي، هم سألوه بمفهوم خاطئ كان سؤالهم عن مركزهم الأرضي حين يملك بينما هو ذاهب ليعد لهم مكاناً سمائياً. فلنتعلم ألاّ ننشغل بآلام أو أمجاد هذا العالم عن المجد المعد لنا. فالمجد السمائي هو التعزية الحقيقية وسط الألم.

2.  أو يكون المعنى لا تسألونني إلى أين أنا ذاهب فأنا لا أريد الكشف عما سيحدث وأنكم لن تفهموا الآن. ولكن الروح القدس سيعلمكم كل شئ ويشرح كل غموض. وهم سبق وسألوه (يو36:13 + 5:14) ولكن بأسلوب مختلف عما يقصده المسيح هنا، بل هم كانوا يسألونه ليثنوه عن طريق الصليب.

3.  التلاميذ إذ شعروا أن المسيح سيفارقهم حزنوا بشدة، ولم يفكروا في الحال التي سيكون فيها المسيح. هم سألوا عن المكان الذي سيذهب إليه لكن لمن يسألوا عن معنى الذهاب للآب. ولو فهموا لفرحوا كما قال لهم من قبل.

 

آية (6): "لكن لأني قلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم."

لقد تعودوا أن يفرحوا في وجودهم معه ووجوده وسطهم. والآن يحزنون بسبب فراقه لهم. ولكنهم لم يفهموا أن ذهابه للآب يعني أفراحاً وأمجاداً مضاعفة.

 

آية (7): "لكني أقول لكم الحق انه خير لكم أن انطلق لأنه إن لم انطلق لا يأتيكم المعزي ولكن أن ذهبت أرسله إليكم."

هم عرفوا المسيح حسب الجسد ولكن بالروح القدس سيعرفون حقيقة المسيح وعمله. ومن يعرف المسيح حسب الجسد لن يعرفه ولن يقبله (2كو16:5). وجود المسيح على الأرض يجعلنا نراه في صورة جسد ضعيف وصعوده يجعلنا بالروح القدس نراه في مجده وقدرته. وهم الآن حزانى لأن المسيح سيفارقهم بالجسد ولكن الأفضل لهم أن يأتي الروح القدس ليشهد لهم عن حقيقة المسيح. والروح القدس لن يأتي إن لم تكمل آلام المسيح وفدائه بالصلب والموت ثم بالقيامة والصعود، وبالصعود يتم الفداء فيرسل الروح القدس ليعمل فيهم وبهم. فبدخول المسيح بدم نفسه للأقداس السماوية يتم الصلح بين الله والإنسان (عب12:9) فيأتي الروح ليسكن في الإنسان فالروح لا يسكن عند أعداء. وهذه الآية نجد لها شرحاً في (يو39:7). وحينما نقارن بين (مت11:7) ، (لو13:11) نفهم أن الروح القدس هو الخيرات بل هو الخير الأعظم الذي يعطيه الآب لنا. لذلك يقول المسيح خيرٌ لكم فهو بإنطلاقه سيرسل الخير الأعظم. ولنفهم أننا حتى وإن لم نفهم مشيئة الله فما يريده الله هو دائماً الخير لنا. والروح القدس هو الذي يسكب محبة الله في قلوبنا فنفرح. أقول لكم الحق= الحق هو أن صلب المسيح هو لحساب التلاميذ والكنيسة. لأن بعد الصلب قيامة وصعود. وإنطلاق المسيح فيه كمال الفداء وعمل الفداء وفيه وبه التبني لنا. ودخول المسيح إلى المجد يحقق لنا الحب الأبوي والروح يأخذ مماّ للمسيح ويخبرنا، فهو سيخبرنا عن مجده الذي سيصير لنا ويشهد لنا بأننا أبناء، لنا حق الوراثة (يو21:17 + رو16:8،17) فحزن التلاميذ كان بسبب تعلقهم الجسدي بالمسيح ولكن إنطلاق المسيح هو المستقبل المجيد للكنيسة. ويكفينا أن نراه الآن بالإيمان وبما يعلنه الروح القدس في قلوبنا (أف17:3 + 1كو9:2-12) الفداء يكمل بتمجيد جسد المسيح أي صعوده وجلوسه عن يمين الآب. والمسيح بذهابه مجد الطبيعة البشرية في جسده، فطبيعة البشر صارت في عرش الله. ولكي ندخل نفس المكان يرسل لنا الروح القدس ليعيننا. وكيف يعيننا؟ هذا موضوع الآيات التالية.. بأنه يبكت على خطية وبر ودينونة. والروح يعطي رؤية حقيقية للمسيح غير التي رآها التلاميذ بالجسد وهذا أفضل. وهو يمكث للأبد والسيد طوب من آمن ولم يرى. وهذا الإيمان يعمله الروح القدس.

 

الآيات (8-11): "ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة. أما على خطية فلأنهم   لا يؤمنون بي. وأما على بر فلاني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضاً. وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين."

بعض الترجمات الإنجليزية ترجمت كلمة يبكت كالآتي [1] يوبخ     [2] يدين     [3] يقنع . (REPROVE  /   CONVICT  / CONVINCE)

يبكت= هذه الكلمة ترجمتها تعني التوضيح للشخص بشأن خطيئته ودعوته للتوبة وقد يكون هذا التوبيخ سراً (كما جاءت الكلمة في مت15:18) لمن لا يقاوم بعناد وقد يكون هذا التوبيخ علناً (كما جاءت الكلمة في تي9:1) والروح القدس يستخدم الكتاب المقدس والوعظ والتعليم والإرشاد والإعتراف والعمل الداخلي، كل هذا سراً. فإذا لم يأتي كل هذا بنتيجة يلجأ الروح القدس لمن نسمع منه أخطاءنا علانية لعلنا نندم ونتوب. إذاً عمل الروح القدس أن يوضح الخطية للإنسان بهدف إقناعه ببشاعة نهاية طريقها "اقنعتني يا رب فإقتنعت" (أر7:20). وبأن يتركها. والروح يقنع بأن طريق الله كله فرح لا يقارن بلذة الخطية. فهي نوع من التلمذة التعليمية للتهذيب وهذا المعنى نجده في (2تي16:3). فكلمة يبكت تشير أيضاً لمن يغلب بالحجة حتى يسكت. وهذا التبكيت يؤدي لحياة لمن لا يقاوم ويؤدي إلى دينونة لمن يقاوم "فهو رائحة حياة لحياة ورائحة (دينونة) وموت لموت (2كو16:2) والروح القدس أعظم من الضمير. فالضمير يوبخ الإنسان لو أخطأ لكنه قد يقوده لليأس، أمّا الروح القدس فيوبخ فاتحاً باب الرجاء (هذا هو الفارق بين يهوذا وبطرس). فالروح القدس الذي يعزي هو الذي يبكت فتبكيته لا يؤدي إلى اليأس بل للتوبة والبر والسلام والتعزية لمن يطيعه والعكس يكون رائحة موت لموت. وهذا ما حدث يوم الخمسين فهناك من آمن بفرح وهناك من إستهزأوا (أع13:2،14)

على خطية.. .. فلأنهم لا يؤمنون بي

الروح القدس يبكت الإنسان على خطاياه، فقصد الرب أن يعطي الإنسان شركة مع المسيح، وكل من يؤمن بالمسيح وتكون له هذه الشركة يرفع المسيح عنه خطاياه ويعطيه معونة ليتخلص منها. نحن متنا مع المسيح في المعمودية وكل من يؤمن يكون له قوة للموت عن شهواته وأهوائه. وكل من يؤمن حتى لو أخطأ فدم المسيح يطهره من كل خطية. لذلك فكل من لا يؤمن يرفض هذا القصد وبذلك يقع تحت غضب الآب ويحرم نفسه من النعمة الوحيدة القادرة أن تحفظه من السقوط في الخطية ويحرم نفسه من نعمة الدم الغافر. فتبكيت الروح القدس يشعر الإنسان بجرم خطيته وقساوتها وكيف أنها رهيبة في نظر السماء ومن يستجيب ويقدم توبة بإخلاص ويرجع سيجد المعونة ويجد الغفران. ومن يرفض ويقاوم الروح سيجلب على نفسه اللعنة والدينونة. وطبعاً المقصود بالإيمان هو الإيمان الحي الذي له ثمار واضحة في حياة الإنسان، الإيمان العامل بمحبة. والروح القدس يبكت العالم على الخطية ليس بحسب مفهوم العالم أو بحسب مفهوم اليهود. فاليهود ظنوا أن الخطية قاصرة على تعدي الناموس وكسر السبت لذلك حكموا على المسيح أنه خاطئ (24:9) وأما العالم فكل له تصوره عن الخطأ والصواب. لذلك جاءت كلمة خطية غير معرفة لأن العالم لم يكن يعرف تماماً ما هي الخطية. والآن يشرحها المسيح بأنها عدم الإيمان به فهو وحده الذي يرفع الخطية (رؤ14:7) ويعطي معونة لنتخلص منها. بل أن كل خطية هي نوع مع عدم الإيمان بالمسيح. فالسارق لا يؤمن بأن المسيح قادر أن يسدد إحتياجاته والذي يشتهي لا يؤمن أن المسيح قادر أن يشبع شهواته. والذي يخطئ عموماً لا يؤمن أن المسيح يراه وسيعاقب (تك9:39). ومن يؤمن بالحياة الأبدية كيف يتصارع على المادة. ومن يؤمن بصلاح الله كيف يتهم الله بالقسوة إن حدثت له تجربة.. الخ. أما من يؤمن بالمسيح، فالمسيح يملك على قلبه عوضاً عن الخطية (رو14:6). ومن لا يؤمن بالمسيح فهو لا يؤمن بالله ولا يعرفه فالمسيح هو إبن الله (يو19:8). إذاً خطية عدم الإيمان بالمسيح هي أصلاً خطية عدم إيمان بالله أو عدم معرفة بالله. لو استخدمت يدي في السرقة يبكتني الروح القدس حتى أكف عن إستخدامها في السرقة (تبكيت على خطية) ثم يبدأ يبكتني على بر، أي لماذا لا أستخدمها في عمل الخير.

وعلى بر.. .. فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضاً

ماذا كان مفهوم البر قبل المسيح؟ بحسب المفهوم اليهودي كان البر في الإلتزام بالناموس. لكننا نجد شاول الطرسوسي يحكم بقتل إسطفانوس ظلماً وهو برئ بالرغم أن شاول كان ضليعاً في الناموس. وأمّا العالم فكان غارقاً في عباداته الوثنية وفجوره وزناه. فالمسيح فضح بر اليهود الكاذب إذ صلبوه، وفضح فساد القانون الروماني، إذ حكم عيه بالموت. وبعد المسيح فقد تغير مفهوم البر. فالمسيح وحده هو البار والذي ظهر بره في ذهابه إلى أبيه وجلوسه عن يمينه وقبول الآب له وأنه لن يعود يظهر على الأرض فهو جالس عن يمين الآب لذلك لن نراه، فهو في مجد السماء. ولكن المسيح لم يكن محتاجاً أن يظهر بره، بل هو يظهره ليبررني، المسيح يعطيني حياته فأعمل البر، فأخلص بحياته (رو10:5 + غل20:2 + في21:1). والروح أظهر أن بر المسيح الذي ظهر بصعوده للسماء صار لنا. الروح يبكتني إن لم أعمل أعمال بر وتتحول أعضائي إلى آلات بر (رو13:6). وهذا البر لا أصنعه بقدرتي، بل بحياة المسيح فيًّ. فبدونه لا أقدر أن أعمل شئ (يو5:15). ولأنني ما عدت أراه إذ هو صعد إلى السماء وذهب إلى أبيه، فما عدت أرى بره لأتمثل به، فالروح القدس الذي يأخذ مما له ويخبرني (يو14:16) يرسم لي صورة للمسيح فأتمثل به. والروح يقنعني أنني قادر أن أسلك في بر المسيح ليس بقدرتي بل بحياة المسيح فيّ، الذي وإن لم أراه بالجسد، لكنه يعطيني حياته وبره.

ولهذا رأينا أن إسطفانوس في ساعة موته يردد ما قاله المسيح على الصليب"إغفر لهم + في يديك أستودع روحي". ويبكتني إن لم أفعل البر. والروح يبكتني إذا شابهت اليهود وعشت متصوراً أنني أتبرر بأعمالي (بر ذاتي) ويبكتني لو شابهت اليونانيين الوثنيين الذين يعيشون في خطاياهم غير شاعرين بإحتياجهم للمسيح والإيمان به ليبررهم أي يعملون أعمال بر، معجبين بأنفسهم وفلسفاتهم وطرقهم. أمّا المسيحي الحقيقي فهو يقف أمام المسيح شاعراً بخطيته كالمرأة الخاطئة، باكياً عند قدميه شاعراً بعدم إستحقاقه لشئ، شاكراً المسيح في نفس الوقت أنه أنعم عليه ببره فالمسيح هو الذي يبرر الخاطئ. ولاحظ أن الروح القدس يبكت على خطية أولاً، فإذا ما رجع المؤمن بتوبته الصادقة لله وبدموعه حينئذ نتكلم عن التبكيت على البر. (راجع 1تي16:3) أي أعمال البر التي لا نعملها. والروح أيضاً يبكتني لو نسبت أعمال البر لنفسي وتصورت أنني أنا الذي أعملها.

ذاهب إلى أبي= ما كان يمكن أن أذهب إلى أبي إن لم أكن باراً وسيكون لكم بري.

ولا ترونني أيضاً= لكن الروح القدس سيشهد ببري ويشهد بالمجد الذي لي في السماء.

يبكت على بر= يبكت المؤمن على عدم وجود بر في حياته أو بشعوره بالبر الذاتي. فمن إعتمد قام مع المسيح في حياة جديدة يجب أن يمارس فيها أعمال بر إيجابية، إيمان عامل بمحبة. الروح يرسم لنا صورة لبر المسيح ويبكتنا إن لم نشتاق أن يكون لنا نفس البر الذي للمسيح. هذا التبكيت يعطي حالة عطش وإشتياق لهذا البر. ومن لا يقبل تبكيت الروح على الخطية وعلى البر يسقط تحت الدينونة، لأنه إنحاز لرئيس هذا العالم الذي قد دين، وكما صار المسيح رأساً للأبرار الذين يسلكون في بره صار إبليس المدان رأساً للأشرار الذين يسلكون في شره.

وعلى دينونة.. .. فلأن رئيس هذا العالم قد دين

الروح يبكت الإنسان المؤمن لأن رئيس هذا العالم قد دين أي أن الشيطان قد هزم وبطل سلطانه. وبذا يكون التبكيت للناس أنهم رفضوا الخلاص وأطاعوا الشيطان ومن يرفض الخلاص يظل عبداً للشيطان، أمّا الذين تبعوا الرب فقد رفعت عنهم خطاياهم من أجل إسمه (1يو12:2). فهو حمل الله الذي يحمل خطايا العالم. والمؤمنين صاروا متبررين مجاناً بنعمة الفداء (رو24:3 + 1:8). والمسيح دان الخطية (رو3:8") فما عاد لها سلطان علينا (رو14:6). والروح يدين من يزال يعتذر بأن الخطية أقوى منه. والدينونة على إبليس كانت نتيجة طبيعية لظهور بر المسيح. فإبليس إشتكى عليه ظلماً. وبعد ظهور بر المسيح دين إبليس وقيده المسيح بسلسلة (رؤ1:20-3)، فتبرئة المتهم ظلماً هي إدانة للمشتكي بهتاناً. والمبلغ بلاغاً كاذباً يقع عليه عقاب من يقترف جريمة.

والشيطان كان مسيطراً على نفوس الناس متحكماً فيها حاكماً لها. له سلطان أن يذل البشر. ولكنه الآن قد أدين وسقط وفقد بإنتصار المسيح عليه كل ما كان له من رياسة وسيطرة وسلطان. ومع ذلك ظل الناس على شرهم ومكرهم وظلمهم وظلام عقولهم. مع أنهم وقد جاءهم المسيح الذي عمل على إقتلاع كل ما غرسه الشيطان فيهم لم يَعُدْ لهم عذر ولا مبرر في مفاسدهم ومعاصيهم والعالم له مقاييسه الخاصة في الدينونة ولكنها مقاييس باطلة، فمثلاً اليهود لهم محكمتهم التي بحسب الناموس. والرومان لهم قانونهم الروماني أساس كل دساتير العالم وكلاهما حكم ظلماً بقتل المسيح بعد أن أدانوه. والمسيح قام ناقضاً حكم الموت ليعلن بطلان أحكام العالم (يهود ورومان) وأنهما ليسا بحسب الحق بل بحسب إبليس، الذي دانه وأظهر غشه وكذبه وأنه قتال للناس منذ البدء. أمّا الروح القدس الذي دخل إلى العالم فجاء ليصحح هذه المقاييس، وصارت الدينونة الآن بحسب مفهوم الروح القدس هي في رفض المؤمن للخلاص والبر والمجد الأبدي. وإصراره على عدم التوبة. الدينونة الآن تقف على طرف نقيض مع حياة الخلاص. وهي تقع من الآن على من يرفض الخلاص وتَكْمُل في اليوم الأخير. الروح القدس يدخل إلى العالم الشرير ليبكته ويستذنبه على ما فعل وعلى دينونته الغاشة الباطلة الكاذبة القائمة بتحريض من رئيس عالم الكذب والضلال الذي أدانه المسيح بالصليب وعلى الصليب وفضح غشه (لو18:10 + يو31:12) إذ ضبطه متلبساً بالحكم بقتل إنسان برئ بعد أن لفق له إتهامات باطلة، فالمسيح أظهر بره بقيامته وصعوده. والمسيح دان إبليس ورفع يد رئيس هذا العالم عن أن تتدخل بعد اليوم ولا أن يكون له صوت في الدينونة التي سيتولاها إبن الله (رؤ9:12-11). فالمسيح غلب وصار دياناً للأحياء والأموات. بل أننا نلاحظ أن المسيح بدأ هزيمة إبليس في تجربته له في البرية حين رفض إغراءات هذا العالم ثم وصل في رفضه لهذا العالم لأنه قبل الموت. والخلاصة أن الروح القدس يبكت المؤمن الذي مازال يدّعي أن إبليس له سلطان عليه لذلك فهو يخطئ، ويبكت من لازال خائفاً من أحكام ودينونة العالم الذي رئيسه إبليس بعد أن ظهر أن أحكامه باطلة كلها غش (مثل من يخطئ ويدّعي لنفسه العذر بأنه يساير المجتمع، وأن هذه هي القوانين السائدة) ويبكت من زال سائراً وراء هذا العالم ورئيسه قائلاً كيف تسيرون وراء الشيطان الذي غلبه المسيح وحكم عليه.

يبكت على خطية وعلى بر وعلى دينونة

يبكت على خطية.. هذه تخص الإنسان الساقط. وهي تصف داء البشرية وهو الخطية.

يبكت على بر.. .. هذه تخص الرب يسوع المسيح المقام. وهي تصف الدواء أي بر المسيح.

يبكت على دينونة..هذه تخص الشيطان الرئيس المخلوع المدان. وهي تصف من يرفض الدواء ويقبل الداء.. إذاً فهو سيدان مع إبليس المدان (رؤ20:19 + رؤ21:19 + رؤ8:21)

ولنلاحظ أن العاملون في قضية خلاص الإنسان هم الإنسان نفسه والرب يسوع والشيطان. فالله يسعى لخلاص الإنسان والشيطان يسعى لهلاكه والإنسان حر في أن يختار طريق البر أو طريق الشر. والروح القدس أتى ليجذب ويوجه البشر نحو الفداء وذلك بأن يبكتهم على خطاياهم وعلى رفضهم للمسيح البار الحقيقي مصدر برهم وعلى تبعيتهم للشيطان الذي تمت هزيمته.

والروح القدس يبكت ويعطي قوة ومعونة على طاعة الله. ولذا كان رفضه إغلاقاً لباب التوبة. ولذا قال الرب "من قال كلمة على إبن الإنسان يغفر له وأمّا من قال على الروح القدس فلن يغفر له" (مت32:12) لأن من يجدف على الإبن فهو قد يستمع لصوت الروح الذي في قلبه فيتوب عن خطيته فتغفر له. وأمّا من أنكر الروح أي رفضه وقاومه وأحزنه فأطفأه، والروح هو الذي يبكت ويقود إلى التوبة، فبإطفائه للروح القدس فهو يفقد التوبة والغفران لذلك يوصينا الرسول (لا تحزنوا الروح/ لا تطفئوا الروح) ونصلي في المزمور الخمسين "روحك القدوس لا تنزعه مني" (مز11:51)

فالروح القدس يبكت الإنسان على خطايا عدم إيمانه فإمّا يتجاوب مع الروح ولا يقاوم فيكون له بر المسيح وإمّا ينحاز إلى جانب إبليس فيدان معه.

ونلاحظ أن كلمات خطية وبر ودينونة أتت بدون أداة التعريف للتعميم والإطلاق. يبكت العالم= العالم بشقيه [1] اليهود المنغلقين في عالمهم الحرفي وبرهم الذاتي. [2] الأمم التائهين وراء شهواتهم وفلسفاتهم ووثنيتهم.

 

آية (12): "أن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن."

وهذه تشبهها آية (25). فالمسيح أخبر تلاميذه عن أمور كثيرة ولكنهم لم يستوعبوا كل ما قاله. وهو أخفى عنهم أموراً أخرى كثيرة عن طبيعته الإلهية وعن أمور صلبه، أو ما سيحدث لهم من آلام وإضطهاد، وما سيحدث بعد قيامته. ولكن الروح القدس الذي سيرسله سوف يشرح لهم ما غمض عليهم فهمه وما لم يذكره المسيح لهم إذ كانوا غير مؤهلين بعد بل سيعطيهم إحتمال الآلام. وقوله الآن يعني قبل أن يحل الروح القدس عليهم ويشهد للمسيح ويشرح أسراره (أف3:3-10). فالروح هو الذي يعلم ويذكر ويعزي ويقوي..

الآيات (13-15) يعرفنا المسيح بعمل الروح القدس مع الكنيسة في إصحاحات (14-16) لذلك يسمون هذه الإصحاحات إصحاحات الباراقليط فهو المعزي (16:14) وهو روح الحق الذي يكون فينا (17:14) وهو يعلم ويذكر (26:14) وهو يشهد للمسيح في التلاميذ وهم يشهدون بواسطته للعالم (26:15،27) فهو روح الشهادة للمسيح. ويضيف في هذه الآيات أنه يرشد لجميع الحق (13:16) ويخبر بأمور آتية كسفر الرؤيا مثلاً. بل هو يخبر أحباؤه بكثير من الأمور المستقبلية وعن المجد المعد والملكوت الآتي. وهو يأخذ مماّ لي ويخبركم (14:16). وبذلك يمجد المسيح. فهو يستعلن الآب والإبن للمؤمنين. وكان من نتائج عمل الروح القدس في التلاميذ [1] بشروا العالم [2] كتبوا الإنجيل.

 

آية (13): "وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية."

متى جاء ذاك= أي الروح القدس الذي سيعطيهم إنفتاح الذهن فيقبلوا ما هم غير قادرين على إحتماله. الحق= هو المسيح لذلك هو معرّف بأل. فهوي يرشدنا لكل الحق الذي في المسيح ويستعلن لنا المسيح (يو21:14) فعمل الروح القدس هو الإنارة والإرشاد لجميع الحق كما كان عمود النار يهدي ويرشد الشعب في البرية. هكذا الروح القدس يهدينا في طريق الحق وسط ضلال العالم. ونلاحظ أن المسيح بتعاليمه وضع بذور الحق والروح القدس ينميها فينا وينير كل جوانب الحق فيما علمه المسيح. وكلمة الحق عند اليونانيين الفلاسفة تعني تحرير الفكر من الجهل وعند اليهود تعني السلوك بحسب الناموس حرفياً. ولكن بهذا المفهوم فإن الحق الذي يعلمنا إياه الروح القدس هو إعلان المسيح لنا وإعلان عمله، وتذكيرنا بأقواله. فإذا آمنا به وإستجبنا له نتحرر من الشيطان والخطية والعالم. لذلك فالروح القدس هو روح الحق هو يأخذ من الحق الذي ليسوع ويعطي لنا. فهو يعرفنا بالمسيح وعلاقة الإبن بالآب. يأخذ مما لي ويخبركم. لأنه لا يتكلم من نفسه= أي لن يضيف تعاليم جديدة، بل يرشد إلى كل تعاليم المسيح، هو ينقل كلام المسيح إلى قلوبنا.

بل كل ما يسمع يتكلم به= سبق المسيح وقال أنه يشهد بما سمعه (يو32:3 + 26:8). هناك إتفاق تام بين الأقانيم. وما يريده الآب يريده الإبن ويريده الروح القدس. لكن هناك توزيع للأدوار بين الأقانيم. فمثلاً الآب يريد أن الجميع يخلصون. فالإبن ينفذ الفداء. والروح القدس يقود الكنيسة كلها للسماء. فالآب يريد والإبن والروح ينفذان. وكيف يتم التعبير عن هذا. نسمع الرد في هذه الآية. فالآب حينما يريد شيئاً ينفذه الروح، وتم التعبير عن ذلك بأن الروح سمع إرادة الآب وأخبرنا بها. والإبن لأنه يعرف إرادة الآب يقال أنه حين يسمع يقول الأقوال (يو26:8) وحين يرى يعمل الأعمال. ولأنهم واحد يقول الآب يعمل (يو19:5،20).

يرشدكم إلى جميع الحق= كل ما لم يقله المسيح وكل ما لم يفهموه من المسيح إذ كان يتكلم بأمثال، فالروح سيكشف الحق بطريقة كاملة. والروح القدس يلقي النور ليكشف عن الأعماق التي في كل آية، وكل يوم نرى فيها معنى جديد نفرح به. فالروح يشرحها مرات ومرات. والروح يشهد عن طريق الرسل أو الخدام أو مباشرة داخل القلب. يأخذ مما لي ويخبركم= يعرض ويكشف أمامكم كل ما يخصني. كل ما للآب هو لي= الحق الخاص بي هو نفسه خاص بالآب. والمسيح جاء ليمجد الآب. والروح جاء ليمجد المسيح. والروح الآن مستتر وكل ما يعمله يظهر المسيح. يخبركم= بالبشارة والإعلان. بأمور آتية= فالروح يرشدني إلى ماذا أفعل في المستقبل لأحصل على الخلاص، وسيخبر التلاميذ بما حدث للمسيح بعد صعوده ويخبرنا بما لنا من مجد معد في السماء (1كو9:2-12). وكشف ليوحنا ما رآه وسجله في سفر الرؤيا. وليس معنى هذه الآية بالضرورة النبوات كما كان يفعل مع الأنبياء (أغابوس مثلاً). وسيكشف لكم عن الضيقات التي تحل بالكنيسة.

 

آية (14): "ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم."

المجد هنا هو إستعلان حقيقة المسيح الإلهية وأنه مساوٍ للآب في الجوهر، جوهر الألوهية. وأن له كل المجد. وأيضاً فالروح القدس يأخذ ممّا للمسيح وينقل صورة للمسيح داخل قلوبنا فنحبه ونمجده إذ نراه بالقلب ويسكب بغني النعمة على قلوب وحياة المؤمنين وهو ينقل لي بر المسيح وخلاص المسيح.. فالآب يمجد الإبن والإبن يمجد الآب والروح يمجد الإبن. كل إقنوم يمجد الآخر. وكل إقنوم ينكر نفسه ويشهد للآخر.

 

آية (15): "كل ما للآب هو لي لهذا قلت أنه يأخذ مما لي ويخبركم."

المسيح ينبه أذهاننا أن مجده هو مجد الآب. وهذا ما سيعمله الروح القدس الذي سيشهد في قلوبنا أن المسيح الذي رأيناه بالجسد له كل المجد الذي للآب شخصياً. هذا الكلام موجه للتلاميذ الذين لم يكونوا يدركون وهم يرون المسيح وسطهم بالجسد أن له كل مجد الآب. وكل ما يخبرنا به الروح القدس عن مجد المسيح هو عن الآب أيضاً. والروح القدس يعرفنا بإستمرار عن الآب والإبن وعلاقة الآب بالإبن التي هي موضوع خلاصنا. فحب الآب للإبن صار من نصيبنا أن نشترك فيه وطاعة الإبن للآب علينا الآن أن نتشبه بها ونشترك فيها حتى إن وصلت للصليب والروح القدس يعطي القوة على طاعة الله، وهو يعلمنا ويذكرنا بما قاله المسيح. كل ما للآب هو لي= إشارة واضحة جداً للوحدة. والحق الخاص بي هو خاص بالآب.

 

آية (16): "بعد قليل لا تبصرونني ثم بعد قليل أيضاً ترونني لأني ذاهب إلى الآب."

بعد قليل= المسيح أتى ليقضي أياماً قليلة على الأرض ينهي فيها رسالته وها هي قد قاربت على الإنتهاء. ولابد من الفراق بالجسد. والمسيح بعد ساعات سيصلب ويموت ولن يراه التلاميذ بالجسد ثانية. ولكن المسيح هنا يعزي تلاميذه على حزنهم بسبب الفراق أنهم بعد قليل سيرونه ثانية لأنه سيقوم. إلاّ أنه بعد قليل يصعد للآب فلا يعودوا يرونه، ثم بعد قليل يحل عليهم الروح القدس فيرونه في قلوبهم= لأني ذاهب إلى الآب فلن ترونني بالجسد لكن الروح القدس يعطيكم رؤيا حقيقية أقوى بكثير من رؤية الجسد. لا تبصرونني.. ترونني= الفعل يبصر في اليونانية يشير إلى رؤية شبه صحيحة، رؤية فكرية، لا رؤية حق، هي رؤية تصوُّر وليس رؤية واقع وأستخدمت هنا بخصوص رؤية التلاميذ للمسيح بالجسد المادي. أمّا الفعل يرى في اليونانية يعبر عن الرؤية الصحيحة، رؤية الحق كما هو، بلا أي خيال فكري أو أي تصور عقلي بشري. وإستخدمت هنا للتعبير عن رؤية المسيح القائم من الأموات بالجسد الروحاني الممجد. والمعنى أن رؤية التلاميذ للمسيح قبل أن يقوم وقبل أن يتمجد هي رؤية ليست تامة أو صحيحة. فهم يرونه كإنسان ضعيف. فالمسيح لم يكن مستعلناً إستعلاناً كاملاً. أمّا بعد القيامة وبعد أن عرفوا من هو فكانت رؤية صحيحة لذلك صرخ توما ربي وإلهي (28:20). فهم رأوه غالباً الموت، رأوه بالعين الروحية التي تستعلن الحق، وكأن المسيح يريد أن يقول "إنكم لا ترونني على حقيقتي، بالرؤية الصحيحة ولكن بعد قليل حينما أكمل إستعلاني وأظهر في مجدي حينئذ ترونني حقاً سواء بعد القيامة أو أثناء صعوده أو بعد صعوده "كما رآه شاول في الطريق لدمشق" وبالأكثر حين يحل عليهم الروح القدس ويعطيهم الرؤيا الروحية الحقيقية للمسيح في مجده الذي صار فيه فعلاً. وهنا نرى أن الروح القدس يعطي الرؤية الصحيحة وهذه الرؤية الصحيحة التي يعطيها الروح تسبب فرح حقيقي (آية22) ونرى أيضاً في (لو39:23-43) أن اللص اليمين بعد أن إعترف بخطيته وشعر

بحقيقة حاله إنفتحت عيناه وعرف أن المسيح هو الرب والذي سيأتي في ملكوته. فمن يشعر بخطيته وينسحق أمام الله يفتح الروح القدس عينيه ليرى المسيح. أما في السماء فسنراه كما هو (1يو2:3)

 

الآيات (17-19): "فقال قوم من تلاميذه بعضهم لبعض ما هو هذا الذي يقوله لنا بعد قليل لا تبصرونني ثم بعد قليل أيضاً ترونني ولأني ذاهب إلى الآب. فقالوا ما هو هذا القليل الذي يقول عنه لسنا نعلم بماذا يتكلم. فعلم يسوع انهم كانوا يريدون أن يسألوه فقال لهم اعن هذا تتساءلون فيما بينكم لأني قلت بعد قليل لا تبصرونني ثم بعد قليل أيضاً ترونني."

واضح أن حالة من الإرتباك سادت التلاميذ ولم يفهموا ما قصده الرب من كلماته هذه. ويوحنا كشاهد عيان يصوِّر المشهد بدقة.

 

الآيات (20-22): "الحق الحق أقول لكم أنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح انتم ستحزنون ولكن حزنكم يتحول إلى فرح. المرأة وهي تلد تحزن لأن ساعتها قد جاءت ولكن متى ولدت الطفل لا تعود تذكر الشدة لسبب الفرح لأنه قد ولد إنسان في العالم. فانتم كذلك عندكم الآن حزن ولكني سأراكم أيضاً فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم."

المسيح لم يتركهم في حيرتهم بل بدأ يشرح لهم أن العالم يحزن ويفرح بطريقة مختلفة عن حزن وفرح أولاد الله. فالعالم يحزن بسبب الخسائر المادية ويفرح للمكاسب المادية. أمّا المسيحي فحينما تصيبه التجارب والأحزان بل قد تصل أن البعض يتصور أن المسيح تركه، ولكن الله لا يترك أولاده، وسرعان ما يشرق نور المسيح مبدداً ظلمات الحزن والكآبة مالئاً قلوب أولاده تعزية وفرح. لكن ما يسبب الحزن الحقيقي لأولاد الله هو الخسائر الروحية حينما لا يحقق مشيئة الله في حياته أي الخطية. والمسيحي يفرح إذا ما شعر برضى الله ولكن هذه الأشياء الروحية لا تفرح أهل العالم. ولكن ما علاقة موضوع الحزن والفرح بما سبق عن رؤية المسيح؟! الإجابة في أن من يرى المسيح وتكون له هذه الرؤية الروحية سيفرح فرحاً حقيقياً والمسيح هنا يخبر تلاميذه بأنهم يبكون وينوحون ومثلها أنتم كذلك عندكم الآن حزن بسبب صلبه وبسبب مفارقته لهم ولكل مسيحي الآن. نحن عندنا حزن بسبب خطية أو ضيقة أو تجربة أو خسارة. فالمسيح بدمه يغفر وبقوته يحول الخسارة لمكاسب روحية. والعالم يفرح= لأنهم تخلصوا من المسيح وبسبب أنهم يتصورون أنفسهم أقوياء ويتمتعون بملذات العالم. وهم سيبكون ويحزنون بسبب إضطهاد العالم لهم. وبالنسبة لنا تشير لكل آلام العالم وإضطهاده بل بسبب التجارب والخسائر التي نلاقيها في العالم. ولكن حزنكم يتحول إلى فرح= بالنسبة للتلاميذ فهم سيفرحون قريباً بقيامة المسيح، ويوم حلول الروح القدس وبدء ظهور ثمار فداء المسيح. وبحلول الروح القدس رأى التلاميذ المسيح رؤية روحية حقيقية فإمتلأت قلوبهم فرحاً والفرح من ثمار الروح القدس. وبالنسبة لنا فكل تجربة مادية فيها حزن، نلجأ لله والروح القدس يكشف لنا وسط أحزاننا عن وجه المسيح المحب فيتحول حزننا إلى فرح. وأيضاً أحزان التوبة المقدسة هكذا تتحول إلى فرح. بل كل ما نخسره (والعالم يحزن بسبب هذه الخسارة) (مرض/ ألم/ خسارة/ تجربة..) سيكون سبب فرح فالمسيحي يعلم أن كل الأمور تعمل معاً للخير. وأن التجربة التي سمح بها الله هي الطريق للتنقية وبالتالي طريق السماء. فالحزن تحول إلى الفرح بالنسبة للمسيحي. والمسيح ضرب مثالاً بالمرأة التي تحزن حينما تأتي ساعتها لتلد بسبب الخوف من آلام الولادة ولكن حزنها يشوبه رجاء وفرح وأمل وسريعاً ما يتحول الحزن إلى فرح. وهكذا المسيحي يخاف من الآلام ومن تنفيذ الوصايا الصعبة أو أن تسلب أمواله أو يتألم في مرض أو إضطهاد أو يُهان إسمه، بل هناك من يخافون ويحزنون إذا آتى الصوم وهو ألم إختياري. ولكن عمل الروح القدس أنه يعطي عزاء هنا على الأرض وفي السماء مجد أبدي. (رو18:8 + أع40:5،41 + عب34:10،35). ولكن لماذا إختار المسيح التشبيه بآلام المرأة التي تلد؟

1.    أن المرأة تقبل على هذه الآلام إختيارياً وبإرادتها وهي تعلم قسوة آلامها.

2.    فترة الحزن والألم قليلة جداً لا تزيد عن ساعات في حالة الولادة.

3.    يعقبها فرح بولادة طفل.

4.  الولادة بآلامها الصعبة يخرج منها فرح. وهكذا الصليب سيخرج منه قيامة، وأي حزن يسمح به الله لنا سيخرج منه حياة.

وهكذا إختار المسيح آلام الصليب بإرادته (وهي كانت لفترة ساعات) ولكن أعقبها فرح المسيح بولادة كنيسته. ومهما زادت فترة آلامنا في طريق القداسة الذي إخترناه فهي لن تزيد عن أيام عمرنا وهي قليلة ولكن يعقبها فرح أبدي. آلامنا وتجاربنا هي كآلام الأم إن إحتملناها يولد فينا إنسان جديد فالألم يطهر (1بط1:4) عموماً طريق المسيح يبدأ دائماً بالألم وينتهي بالفرح هنا على الأرض ومن المؤكد في السماء. سأراكم= كما يقال نظر الملك بعين العطف على فلان. لم يقل المسيح  سترونني بل سأراكم. وجميل جداً أن ننظر نحن للمسيح لنحصل منه على الفرح. والأروع أن يتكرم هو علينا بنظرة تعطينا الفرح الحقيقي. هو الذي سيفتش علينا في حزننا كما فتش على الأعمى الذي شفاه حين طردوه ليعلن له نفسه فيفرح (يو35:9-37) ولاحظ قول الكتاب "فوجده" . وقصد المسيح أنه سيفيض من فرحه وتعزياته بل من مجده الأسنى بعد قيامته علينا. فنحن لو حاولنا أن ندرك المسيح لنراه سنفشل ولكنه هو في محبته وفرحته يبحث عنا ليفيض علينا من فرحه، هو يتطلع إلى تلاميذه من مجده، ومع رؤيته لهم يُرى ذاته لهم. هو يأتي ليظهر نفسه ويسكب حينئذ فيهم فرحته فهم سيفرحون إذ يروه بالروح القدس. ولأن الفرح هو فرح الله فلا يستطيع أحد أن ينزعه منا لا أشخاص ولا أحداث ولا حتى آلام. وهذه ميزة الفرح الذي يعطيه الله بالمقارنة بأفراح العالم فأفراح العالم مؤقتة ولفترات بسيطة. هو فرح روحي سماوي يبدأ هنا ولكنه أبدي، هذا الفرح سيغطي كل أحزان وأوجاع التلاميذ وآلامنا. التي هي مؤقتة أرضية لا تلبث أن تنتهي ويبقي الفرح الأبدي. ولنقارن الآن بين الحزن القليل الذي عبروه والفرح الذي هم مقيمون فيه الآن. حياة النصرة في المسيحية ليست في إنتهاء الألم بل الفرح وسط الألم.. نلاحظ أن بولس الرسول إستخدم نفس التشبيه، مخاض الأم الوالدة للتعبير عن ميلاد الإنسان الجديد (غل19:4) فالكنيسة كمسيحها (عريسها) تألَّم لتلد إبناً لله.. هذه هي آلام الخدام.

 

الآيات (23،24): "وفي ذلك اليوم لا تسألونني شيئا الحق الحق أقول لكم أن كل ما طلبتم من الآب   باسمي يعطيكم. إلى الآن لم تطلبوا شيئا باسمي اطلبوا تأخذوا ليكون فرحكم كاملاً."

في ذلك اليوم= يوم حلول الروح القدس، يوم ينفتح عهد جديد من العلاقات فوق الطبيعة. حينما يَسْتَعْلِن الروح القدس مجد المسيح المقام لتلاميذه. يوم الحصول على فرح القيامة ورؤية المسيح بالروح بعد حلول الروح وهي خبرة روحية فيها إستنارة داخلية. يوم يفهم التلاميذ معنى أن الآب في الإبن والإبن في الآب وأن الإبن فينا. هنا يمتنع السؤال. والفعل يسأل مختلف عن الفعل يطلب في اليونانية. فيسأل تعني يسأل أسئلة. أما يطلب تأتي بمعنى يقدم طلب. لا تسألونني شيئاً= كما حدث في الآيات (17-19) وكما حدث يحدث دائماً أن التلاميذ حينما لا يفهمون يسألون أسئلة عدم فهم سواء في أمثال المسيح أو كلامه، مثل أرنا الآب وكفانا، أو إلى أين يذهب. ولكن بعد أن حدثت الإستنارة بالروح لا يعودون لهذه الأسئلة. أو كانوا يطلبون أشياء مادية كما طلب يعقوب ويوحنا الجلوس عن يمينه وعن يساره أي يملكا معه زمنياً. وإذا حلّ الروح القدس فيهم سيكفون عن هذه الأسئلة فالروح القدس سوف يشرح لهم كل ما يجول بخاطرهم فلا يعودون بحاجة إلى السؤال فهو يعلمهم ويذكرهم بكل شئ (26:14) وسيفتح عيونهم الروحية فيروا ما لم تره عين ويدركوا أن لهم الميراث السماوي كأبناء لله (رو17:8) فيصبح لسان حالهم "ومعك لا أريد شيئاً في الأرض" (مز25:73) ولن يطلبوا أي أشياء مادية أمّا فعل أطلبوا الذي تكرر هنا فيشير لشعور الإنسان أنه في المسيح يتمتع بحب الآب وهنا يطلب بدالة البنوة وسيستجاب له فيكون فرحه كاملاً. وماذا يطلب الإبن إلاّ ما يمجد أبيه. فمن إكتشف بنوته للآب السماوي لن يطلب سوى ما يمجده بل أنه بعد حلول الروح القدس وإرتفاع المستوى الروحي للتلاميذ ستتفق إرادتهم مع إرادة الله وتكون طلباتهم متفقة مع رأيه. ومن يراه المسيح أي يسكب فرحه فيه سيكون مكتفياً تماماً بالمسيح ولا يطلب سوى مزيد من الحب والفرح ومجد الله. أمّا فرح العالم فدائماً ناقص ومعه يشعر الإنسان بالإحتياج. وقد ينزع في أي لحظة. أمّا فرح المسيح فلا يوجد سبب يمكن أن يبطله.

من الآب بإسمي= الإسم يدل على الشخص وقدراته وإمكانياته والمسيح كان عمله وفداءه جباراً، أعطانا دالة أن نطلب من الآب. المسيح بذهابه للآب أتم الصلح بين الآب والبشر فإستعاد المسيح للإنسان صلته الأولى بالله (رو1:5،2) لذلك ننهي صلواتنا بقولنا "بالمسيح يسوع ربنا" والآب يستجيب لنا بشفاعة المسيح أي عمل دمه القوي لكن يجب أن تكون أسئلتنا متفقة مع مشيئة المسيح (1يو14:5). هو قرَّبنا للآب بعمله القوي فصار الآب يستجيب لنا إذا صلينا بحسب مشيئته (1يو14:5 + مت7:7). وماذا نطلب حسب مشيئته إلاّ أعظم عطية أعطاها لنا وهي الروح القدس (لو13:11) الذي بواسطته يعطي الله عطاياه.

إلى الآن لم تطلبوا= أي أن التلاميذ لم يدركوا بعد من هو المسيح وما هو عمله. لكن متى جاء الروح القدس سيعرفهم من هو المسيح. بل سيعرفهم كيف يصلوا وماذا يطلبون (العبادة بالروح يو24:4) والتلاميذ لم يدركوا بعد أن المسيح بفدائه أعطاهم دالة كبيرة عند الآب بها يطلبون منه. حتى الآن لم يستعلن إسم المسيح بالكامل ولم يُكَّمَلْ بالآلام ولم يدخل إلى المجد. وإلى الآن لم تنفتح قلوب التلاميذ ليطلبوا فهم ما لم يفهموا. ثم نجد تعليم المسيح اطلبوا هو طلب بدالة بعد أن يتم الفهم ومثل هذه الطلبات تقبل. وهو تصريح دائم بأن طلباتنا ستقبل أمام الآب بإسم المسيح (عب19:10-23). وحينما يستجيب الآب يكون .. فرحكم كاملاً.  الفرح الكامل هو عطية الروح القدس لذلك فأهم ما نطلبه هو الإمتلاء من الروح القدس. وهو كامل لأن الفرح الزمني يطفئه الحزن وهذا سريعاً ما يحدث. أمّا الفرح الذي سيسكبه المسيح عليهم حينما يشرق بوجهه من السماء ويطلع عليهم.. "سأراكم أيضاً فتفرح قلوبكم" فهو فرحه الخاص الذي فيه نتذوق بهجة الحياة الأبدية مسبقاً (ونقارن بين 13:17 + 11:15 + 1يو3:1،4) لنرى أن الفرح الكامل هو في الشركة مع  الآب والإبن). والفرح الحقيقي هو أن المسيح قام ونحن قمنا معه. هل نطلب من الله أن يفرح هو بنا،  الحقيقة أن فرح الله سينعكس علينا فنفرح فرح حقيقي.

 

آية (25): "قد كلمتكم بهذا بأمثال ولكن تأتى ساعة حين لا أكلمكم أيضاً بأمثال بل أخبركم عن          الآب علانية."

الأمثال= كان المسيح يعلمهم عن السماويات والحقائق الإلهية بأمثال ورموز كمثل الكرمة والأغصان والمرأة التي تلد .. الخ وهذه الرموز والأمثال تحتاج إلى إستفسار وشرح. والمسيح إستخدم هذا الأسلوب لأنه لو تكلم بكلام مباشر فلن يفهموا أو يسيئون الفهم، أمّا حين يحل الروح القدس عليهم يعطيهم إستنارة بها سيدركون كل الحقائق وما غمض منها كعلاقة الآب مع الإبن= تأتي ساعة حين أخبركم= هذه الساعة هي وقت حلول الروح القدس لذلك لم يقل تأتي ساعة وهي الآن. فالفهم بدون الروح القدس صعب على مستوى الفكر البشري. أمّا بعد حلول الروح القدس فسيصير الكلام واضحاً على مستوى الوعي الروحي (راجع يو36:13 + 5:14 + 28:13 + 27:8 + 7:13 + 8: 28 + مر18:7،21 + 32:9 + لو45:9 + 34:18). فكيف نفهم أسرار السماوات بعقل جسداني، أمّا الروح القدس فهو يرشد لجميع الحق ويكشف كل يوم عن معاني جديدة وأعماق جديدة لكلمة الله التي يعلمها لنا ويذكرنا بها حينما نقف أمام الله بروح الصلاة والطلبة.

علانية= كان كلام المسيح علانية ولذلك نفهم أن العلانية هنا المقصود بها ليس أنه أمام الناس. لكن العلانية هي أن يكون الكلام واضحاً أمام قلوب التلاميذ بدون أمثال توضيحية إذ صار هناك إمكانية للفهم في وجود الروح القدس داخلنا، الذي يعلن لنا حتى أعماق الله. (1كو10:2) فالمسيح سبق وتكلم لكنهم لم يفهموا بسبب أذانهم المغلقة. أمّا حينما يحل الروح القدس ويفتح أذانهم وبصائرهم يصير الكلام علانية أي يصل لقلوبهم. فعدم معرفتهم بالمسيح معرفة واضحة جعلهم لا يعرفون الآب بوضوح. أما الروح القدس سيعطي الشعور بالبنوة فنصرخ "يا آبا الآب" فندخل في علاقة خاصة مع الآب والإبن وهذه هي العلانية. وللآن هناك من يقول يا ليت المسيح يظهر لنا والحل سهل أن نصلي والروح يفتح قلوبنا فنرى ونسمع علانية والخطوة الأولى هي الإيمان (يو24:5).

 

آية (26): "في ذلك اليوم تطلبون باسمي ولست أقول لكم أني أنا اسأل الآب من أجلكم."

في ذلك اليوم= الموضوع ليس هو نطق إسم يسوع، بل هو حالة الوحدة بيننا وبين المسيح بالروح القدس. فاليوم هو إذاً يوم حلّ الروح القدس فأضرم الحب والمعرفة. والحب يولد الطلبة. والطلبة تقبل بسبب المسيح الحاضر داخلنا متحداً بنا. لست أقول لكم إني أنا أسأل الآب من أجلكم= المسيح لم يقل لن أسأل ولم يقل لن أشفع فيكم. فالمسيح سبق وأخبرهم في آية (23) أن كل ما يطلبونه بإسمه سيقبله الآب. ولكن المسيح هنا يقول لهم أنه أزال كل حاجز بينهم وبين الآب بعد أن تم الصلح (أف16:2-19). أزال المسيح كل حاجز يفصل بيننا وبين الآب بعد أن كان إله محتجب (أش15:45 + مز24:44) والمسيح رفع هذا الحجاب وجعلنا بنين ولنا دالة البنين نشعر بمحبة الآب. ليس معنى كلام المسيح أنه ليس هناك داعٍ لشفاعته بل هو يشجع التلاميذ أن يتكلموا مع الآب لأن الآب يحبهم. هذه الآية هي منتهى ما كان المسيح يريده من عمله. أي أن يظهر الآب ويستعلن الآب. وهو هنا يعلنها صراحة أن الآب يحبنا. خصوصاً أن الإبن إتحد بنا فصرنا أبناء لنا صورة الإبن.

 

آية (27): "لأن الآب نفسه يحبكم لأنكم قد أحببتموني وآمنتم أني من عند الله خرجت."

هنا المسيح يوضح لماذا أصبح من غير الضروري أن يسأل المسيح الآب من أجلنا والسبب أنه يحبنا. ولماذا يحبنا الآب؟ هذا لأننا أحببنا إبنه وآمنا به (21:14 + 1يو10:4،19). ونحن نحب المسيح كإستجابة لمحبته هو لنا. فالله بادر بإعلان محبته إذ كان البشر في خطاياهم كالعميان لا يدركون محبة الله. لاحظ أن محبة الآب هنا للمؤمنين بالمسيح هي محبة خاصة غير محبته لكل العالم. محبته للمؤمنين فيها صداقة لهم وهم قريبين لقلبه جداً وأعزاء عنده. المسيح بهذا يفتح إدراكهم لمحبة الآب لهم. خرجت= خروج لا يعني الإنفصال بل الإتصال كما شرحها قانون الإيمان نور من نور وهم آمنوا بهذا بأنه خرج من عند الآب لذلك أحبهم الآب بسبب إيمانهم بإبنه. وكلمة خرجت تشير للتجسد. فالإبن بلاهوته لم يفارق الآب ولكن لأنه ظهر بالجسد على الأرض فقد ظهر كأنه ترك مجده لأنه أخلى ذاته. وقوله خرجت تشير أيضاً للوحدة بين الآب والإبن التي شرحها المسيح في (13:3)، وتشير لأن رسالة المسيح هي من عند الآب.

 

آية (28): "خرجت من عند الآب وقد آتيت إلى العالم وأيضاً اترك العالم واذهب إلى الآب."

هذه الآية فيها خلاصة عمل المسيح وفيها إرسال الآب للإبن وميلاد الإبن بالجسد ثم آلامه وقيامته وصعوده للآب. خرجت من عند الآب= من هنا تعني من داخله فهو من ذات طبيعة الآب وتشير لأزلية الإبن الذي هو نور من نور ومن نفس جوهر الله. وأنه في مجد أزلي. وتشير للتجسد لأن الإبن في تجسده ظهر للعالم في جسده، وحده مع أنه قائم دائم في أبيه. أتيت إلى العالم= تشير لتجسد الإبن وأنه أخذ صورة عبد. أترك العالم= تشير لأن الإبن أتم رسالته التي أتى لأجلها. وهو تركه بحسب الظاهر حينما صعد أمام تلاميذه ولكنه باقٍ في كنيسته دائماً (مت20:28). أذهب إلى الآب= تشير لأبدية الإبن ومجده الأبدي. هذا الذهاب كان سبباً في أن يجيء الروح القدس للكنيسة. والإبن حينما يذهب لحضن أبيه سيأخذنا لحضن الآب. وذهابه للآب هو بجسده فلاهوت الإبن لم يفارق الآب أبداً.

 

آية (29): "قال له تلاميذه هوذا الآن تتكلم علانية ولست تقول مثلاً واحداً."

علانية= ظن التلاميذ أن هذا الكلام هو العلانية لأنه لا يقول أمثال ولم يفهموا أن العلانية الحقيقية لن تحدث إلاّ بحلول الروح القدس.

 

آية (30): "الآن نعلم انك عالم بكل شيء ولست تحتاج أن يسألك أحد لهذا نؤمن انك من الله خرجت."

حقيقة هم لم يكونوا فاهمين لكل شئ لكن التلاميذ يظهرون هنا إندهاشهم من أن المسيح كان يعرف أفكارهم، وهذا رد على آية (19). ولكن فهم التلاميذ كان ناقصاً. فهم بدون حلول الروح القدس عليهم ما كانوا يفهمون سوى الواقع الزمني. هم لم يفهموا مثلاً من هو المسيح ولا علاقته بالآب ولا أهمية الصلب وأنه ليس عن ضعف. وهذا ما تأكد في إنكار البعض وهروب البعض منهم بعد ساعات قليلة من هذا الحديث.

 

آية (31): "أجابهم يسوع الآن تؤمنون."

الآن= المسيح يقارن بين قولهم الآن أنهم يؤمنون وبين ما سيحدث بعد قليل من عدم إيمان وهروب. كأن المسيح يريد أن يشرح لهم أن إيمانهم الآن على مستوى قدرتهم وإحتمالهم، لذلك سيهربون في خوف، أمّا حينما يحل عليهم الروح القدس سيتخذ إيمانهم أبعاداً وأعماقاً جديدة تعطيهم شجاعة لإحتمال الآلام. ولفظ الآن يساوي قول المسيح لبطرس في (يو37:3،38) "أتضع نفسك عني" حينما إندفع بطرس في شجاعة ناقصة يعرض أن يضع نفسه عن المسيح. إذاً قول المسيح الآن= هو تساؤل فيه شك في مستوى إيمانهم ولذلك أخبرهم بما سوف يحدث "هوذا تأتي ساعة.. تتفرقون.. وتتركونني وحدي" (آية32). فأين هذا الإيمان إذاً. كل ما حدث أنهم دهشوا أن المسيح عرف أفكارهم وتساؤلاتهم عن معنى كلمة "القليل" التي قالها آيات (16-19) وأنهم أرادوا أن يسألوه عنها.

 

آية (32): "هوذا تأتى ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركونني وحدي وأنا  لست وحدي لأن الآب معي."

لأن الآب معي= قارن مع "إلهي إلهي لماذا تركتني" فنفهم أن الآب لا يترك الإبن أبداً. إذاً المعنى لماذا تركتني لهذا الصليب؟ والإجابة.. حباً وخلاصاً للبشر. والتلاميذ أعلنوا أنهم آمنوا بالمسيح والمسيح يقول لا بل هي لحظة ضعف ستنكرون فيها وتهربون. إن قوتكم الآن مستمدة من وجودي وحين أغيب سيغيب إيمانكم. المسيح هنا لا يعاتب بل يقرر واقع سيحدث وتنبأ عنه أشعياء (1:63-6) وهو يخبرهم ليتأكدوا منه إذ يحدث ما قاله لهم، وليتأكدوا أنه يحبهم حتى إذا أنكروه وهربوا وكلمة خاصته قد تعني بيته (كما جاءت في يو27:19) أو تعني مهنته (كما جاءت في هذه الآية). والشيطان ضرب تلاميذه بالخوف ليتركوه فلا يقف أحد بجانبه أما الآب فكان معه (مز16:22-20) "أمّا أنت يا رب فلا تبعد" الإنسان العادي يلجأ لخاصته عند الضيق ولكن الإنسان المؤمن فيلجأ لله، بل أن المؤمن يسند الآخرين ولا يطلب من إنسان أن يسنده بل يطلب من الله. تتركونني وحدي= هل يوجد منا الآن من يتركه وحده ويرفض أن يجلس معه أو يخدمه..الخ. الآب معي= إبن الله يشعر بإستمرار أن الله معه ولا يحتاج، ولا يشعر بالإحتياج لأحد.

 

آية (33): "قد كلمتكم بهذا ليكون لكم في سلام في العالم سيكون لكم ضيق ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم."

حينما يرى التلاميذ أن كلام المسيح هنا قد تحقق يزداد إيمانهم به فيكون لهم سلام. لكم فيّ سلام= ولم يقل لكم سلام فقط (السلام ليس في حل مشكلتي بل في وجود المسيح في حياتي) فلا سلام حقيقي سوى في المسيح إذا آمنا به (لا تبحث عن السلام في العالم وملذاته بل إطلبه في الإتحاد بالمسيح وفي شخص المسيح). هذا الذي غلب على الصليب مستعد أن يغلب فينا عدونا المهزوم إن نحن أعطيناه قلباً مفتوحاً وإرادة خاضعة، إذاً جهادنا نتيجته مضمونة. المسيح غلب الموت وغلب الخطية والشيطان فلماذا الخوف. وهذا المسيح الغالب يحل في قلوبنا بالإيمان (أف17:3) فلا بد وسنغلب + (1يو4:5،5) فنحن نخطئ لو تذمرنا في الضيق ونخطئ إذا لم نجد سلاماً في الداخل. فالمسيح الذي يهب السلام وهو مقبل على الصليب هو قادر أن يعطيه دائماً للمؤمنين الثابتين فيه. المسيح غلب العالم والشيطان بناسوته وكان هذا لحسابنا، لكي يغلب بنا وفينا.

 

ملخص الإصحاحات السابقة (14،15،16)         مقدمة لإصحاح (17)

تكلم المسيح عن الإيمان به وبأنه يجب على المؤمن أن يقبل شركة صليبه فيتحمل الآلام والإضطهاد والرفض. وأن هذا سيعطي للنفس فرح حقيقي كأنها جازت الموت والقيامة وغلبت العالم. وهذا يحمل معنى إتحاد النفس بالمسيح فتجوز في نفس الطريق لأن المسيح هو الطريق. فهو يأخذنا فيه. ولذلك بدأ المسيح بغسل الأرجل لينقي تلاميذه إستعداداً لهذا الإتحاد فلا شركة للنور مع الظلمة. ودعا تلاميذه للمحبة ليتحدوا فبدون محبتهم له ومحبتهم لبعضهم البعض فلا إتحاد معه. لذلك فالوصية الجديدة للعالم هي المحبة (34:13) وهي على شكل محبة المسيح الباذلة. والمسيح صوَّر هذه الوحدة بمثل الكرمة والأغصان وأن على الأغصان (المؤمنين) أن يكون لهم ثمار وبهذه الثمار يتمجد الآب (8:15). وهنا نرى أن وحدة المسيح مع تلاميذه هي التي أنشأت هذا الثمر. وهذه الوحدة هي فعل لمحبة الآب التي إستعلنت في المسيح. فأن يكون هناك ثمر فهذا هو الرد المباشر لمحبة الآب. وحتى الإضطهاد الذي سيجوزه التلاميذ في العالم فهو ثمرة الوحدة مع المسيح (أع4:9 + يو20:15،21) والمسيح يتألم أيضاً لآلامنا (أش9:63). وإرسال الروح القدس سيكون لتعميق هذه الوحدة والحفاظ عليها ومن خلال هذه الوحدة يعلن المسيح أسراره لأحبائه (15:15). وهذا الإتحاد كان من نتائجه أن المسيح بموته إفتدى البشر وأعطاهم حياته (غل20:2). والمسيح أعطى تلاميذه جسده ودمه لتثبيت هذه الوحدة. وكأن الحب الذي يربط المسيح بكنيسته وتلاميذه وبالتالي الوحدة بين المسيح وكنيسته هو من نفس نوع وعلى شكل محبة الآب للإبن والوحدة بينهما (9:15).

 

مقارنة بين صلاة المسيح في (يو17) وبين صلاة بستان جثسيماني

 صلاة المسيح في (يو17) طابعها المجد وإستعلان ملء لاهوته، أمّا صلاة بستان جثسيماني حينما عرق دماً وطلب إعفائه من شرب الكأس (عب7:5 + مر36:14 + لو44:22) فطابعها ملء ناسوته والذي فيه أخلى المسيح ذاته (في7:2،8) وفي كلا الصلاتين نرى الكلمة صار جسداً (يو14:1). والله ظهر في الجسد (1تي16:3). أي نرى الإله المتجسد الذي قبل أن يحمل ضعف الإنسان ليرفعه ليحيا في السماويات.

أين صلى المسيح هذه الصلاة؟

 في (يو1:18) قيل أنه خرج مع تلاميذه إلى عبر وادي قدرون. وهذا قيل بعد أن أنهى المسيح صلاته الشفاعية في (ص17). ووادي قدرون هذا يفصل بين الهيكل وبين جبل الزيتون حيث بستان جثسيماني. فيكون غالباً أن المسيح قال هذه الصلاة في الهيكل، في بيت الله يقدم هذه الصلاة للآب أبيه فبيت أبيه بيت الصلاة يُدعى. وهي صلاة فيها مجد للإبن وللآب، وللإنسان، فقد كان عمل المسيح الذي تممه هو أن يعطي للإنسان مجداً.

صلاة المسيح الشفاعية الأخيرة للآب

وهي موضوع الإصحاح (17). وهي طلبات مباركة رفعها الرب يسوع من أجل التلاميذ ومن أجل المؤمنين أعضاء كنيسته. وفيها نرى علاقة إبن الله بأبيه. وكيف أنهما واحد، جوهر واحد متحد في كيان واحد يتسامى على فهم البشر، إلاّ للذين يُعطِى لهم الله أن يدركوا وأن يفهموا، وهؤلاء هم من الأنقياء القديسين المؤمنين الذين يفتح الله بصيرتهم ليروا بعين الروح لا الجسد.

هي صلاة تكريس

فالمسيح أنهى تعاليمه للتلاميذ بقوله "ثقوا أنا قد غلبت العالم" (33:16). وهذه كانت المدخل لصلاة التكريس التي كرَّس فيها نفسه للموت كآخر مرحلة من مراحل خطة الخلاص التي جاء بها من عند الآب. وقوله أنا قد غلبت العالم تعني أنه بلا خطية، وأنه قدوس لا تمنعه خطية واحدة من أن يقدم ذاته ذبيحة لأجل الآخرين. وبقداسته الكاملة تأهل أن تكون ذبيحته شاملة لكل العالم، فهو غلب في معركة العالم وبناء عليه إستحق أن تقبل ذبيحته ويُعْلَنْ مجده فَتُفْهَمْ ذبيحته أنها ذبيحة إلهية. وكل من يشترك في هذه الذبيحة يشترك في إنتصارها فهي ذبيحة إنتصار لحسابنا (1يو4:5،5) ونحن نشترك في الذبيحة بالإيمان والتناول من الذبيحة وعدم التعلق بالخطية والعالم ومن يغلب سيجلس مع المسيح في عرشه (رؤ1:3). ولأن المسيح غلب العالم فهو إستطاع أن يغلب الموت (يو30:14 + رؤ2:6)

هي صلاة شفاعية

فيها يطلب المسيح من أجل خاصته وأحباءه والمؤمنين به. نرى فيها محبة فياضة يفيض بها قلبه نحوهم. في هذه الصلاة نرى صورة لشفاعته عنا في السماء. ونلاحظ أن شفاعة المسيح هذه ليست لكل العالم بل لمن قال عنهم "الذين أعطيتني" وهذه العبارة تكررت في هذا الإصحاح (7مرات) ويعني بها المؤمنين الذين آمنوا به وإتحدوا به في المعمودية وظلوا حياتهم في حياة توبة. أي صاروا جسده من لحمه ومن عظامه (أف30:5).

في (يو31:13) حينما خرج يهوذا لتدبير مؤامرته قال المسيح الآن تمجد إبن الإنسان وفي (يو1:17) يبدأ صلاته بقوله أيها الآب قد أتت الساعة مجد إبنك. ففي بداية حديثه مع تلاميذه والذي بدأ بالآية (يو31:13) وإنتهى بنهاية (ص16) وفي بداية حديثه مع الآب يشير لمجده الذي سيظهر في الصليب، يشير للصليب الذي يكلله المجد. المجد الذي كان بطاعته الكاملة للآب، طاعة حتى الصليب. ومحبة كاملة للآب وللبشر الذين سيصلب من أجلهم. الصليب بداية لأن يجلس بجسده عن يمين الآب في مجد، هو أراد أن يعطيه للإنسان فبالصليب كانت النصرة على قوات الظلمة والجحيم. وبه تم تقييد إبليس. وهو العلامة المرعبة لإبليس دائماً.

أقسام الصلاة الشفاعية

(الآيات 1-5): تدور حول مجد الإبن الذي هو مشترك مع مجد الآب. والإبن يطلبه لحساب الإنسان عموماً.

(الآيات6-19): تدور حول حفظ وتقديس تلاميذه.

(الآيات20-26): تختص بوحدة الكنيسة على طول المدى.

 

الإصحاح السابع عشر:

آية (1): "تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه نحو السماء وقال أيها الآب قد أتت الساعة مجد ابنك ليمجدك    ابنك أيضاً."

رفع عينيه نحو السماء وقال= نحو السماء= إشارة لأنه بدأ يتحدث مع الآب، بدلاً من كلامه مع التلاميذ. المسيح هنا يدخل في حديث إلهي. فالسماء رمز الحضرة الإلهية. هو حديث إلهي بين الآب والإبن. ولكنه على مستوى الإنسان لنسمع ونفهم ونرتقي للمستوى الروحي فالإنسان مدعو للدخول في شركة الآب والإبن (1يو3:1). لذلك قصد السيد المسيح أن تكون هذه الصلاة مسموعة لنسمعها ونفهمها لندخل في هذه الشركة مع الله. أيها الآب= لم يقل يا أبانا كأننا صرنا مثله وصار هو إنساناً واحداً من البشر لا يفترق عنهم، بل هو الإبن الوحيد الجنس للآب، إبن الآب بالطبيعة. ولكن المؤمنين هم أبناء بالتبني (يو17:20). ولم يقل يا أبي فهو بفدائه الذي سيتم بعد قليل سيعطي للإنسان البنوة فيه. فهو هنا يتكلم لا كواحد من البشر بل كرأس للخليقة الجديدة المدعوة للتبني، هو هنا يمثل هذه الخليقة (رو15:8 + غل6:4). قد أتت الساعة= هي ساعة متفق عليها بين الآب والإبن. إذاً المسيح يعرف تماماً هذه الساعة التي ستبدأ بالصلب والمهانة ثم المجد. مجد إبنك ليمجدك إبنك أيضاً= بداية مجد الإبن كانت بطاعته للآب وقبوله للصليب فبالصليب النصرة (في6:2-11 + يو13:12-16 + 19:21 + 23:12). والمسيح يتمجد أيضاً بإستعلان طبيعته الإلهية أمام العالم بقيامته وإنتصاره على الموت (وهذا يعني قبول الآب لذبيحة إبنه وعمله) وإنتصاره بالموت على الموت وكسره لشوكة الموت وفتح بفدائه باب السماء للناس ليعطيهم حياة أبدية. والآب يمجد الإبن بتعضيده وتأييده ليكسر شوكة الموت ثم برفعه وأن يعطيه إسماً فوق كل إسم. وحينما يتمجد الإبن يتمجد الآب أيضاً حينما يعلم البشر أن خطة الخلاص بدأت بإرسال الآب لإبنه (في9:2-11). وسيتمجد الآب حين يستعلن الإبن الآب ومحبته للبشر. ونرى هنا العلاقة الواضحة بين مجد الإبن ومجد الآب فهي علاقة متبادلة على المستوى الواحد (يو27:12-30). فالآب يتمجد بالإبن كما تمجد الإبن بالآب (يو31:13). وقول المسيح "إبنك" ولم يقول الإبن فيه إشارة أن تمجيد الإبن شرط ليتمجد الآب فالإبن هنا منسوب للآب. مجد الإبن ظهر أولاً في أنه فعل ما فشل البشر أن يقوموا به. وما فشل فيه الإنسان هو طاعة الله وهذا ما قام به المسيح. وقمة طاعة الإبن كانت في الصليب، قمة الطاعة. والمؤمنين سيكون لهم هم أيضاً مجد ولكنه إنعكاس لمجد الله عليهم "لأننا سنراه كما هو" (1يو2:3) ولكن نجماً يمتاز عن نجم في المجد بحسب القرب أو البعد من الله يصدر كل مجد (رو30:8 + 1كو41:15).

مجد إبنك ليمجدك إبنك= هل الآب محتاج لأن يتمجد أو هل الإبن محتاج لأن يتمجد؟ الآب في الإبن والإبن في الآب منذ الأزل في مجد. ولكن الإبن أخلى ذاته وأخذ صورة عبد وأتى للصليب لكي يمجد الإنسان، ليعطي مجداً للإنسان (22:17). فالمجد الذي يطلبه المسيح هو للإنسان، يتمجد ليعطينا هذا المجد (رو17:8).

مجد إبنك= أنا ذاهب للصليب وأطلب القيامة والصعود وإظهار المجد الخاص بي كإبن فكل هذا سيكون للإنسان. فالآب مجد إبنه المسيح في قبول عمله ونصرته على قوات الجحيم والموت.

ليمجدك إبنك= لكي أظهر محبتك للبشر فيحبوك ولكي أعلن لهم أبوتك. فالمسيح أتى ليستعلن محبة الآب والمجد الذي يريد الآب أن يعطيه للبشر.

وفي (ص12) حين طلب اليونانيون أن يروا يسوع. قال المسيح "مجد إبنك" فجاء صوت من السماء "مجدت وأمجد أيضاً" فقال المسيح "هذا الصوت كان لأجلكم" أي لتعرفوا أن المجد الذي أطلبه هو لكم.

هل لو فهم كل إنسان أن هذا المجد السماوي معد له يرجع إلى خطيته أو إهتمامه بشهوات العالم الباطلة.

إن هدف المسيح من تجسده ليس فقط غفران الخطية. بل بعد غفران الخطية نصير طاهرين فنثبت في المسيح فيأخذنا للحياة الأبدية في مجد. والمسيح صلي هذه الصلاة بصوت مسموع لنعرف إرادة الله من نحونا فتتغير شكل عبادتنا:-

1.    لا نعود نعبد إله مرعب مخيف منتقم، بل إله، أب، محب نقول له "أبانا الذي.."

2.    نحتقر شهوات هذا العالم في مقابل هذا المجد.

3.    أمام هذا الحب الإلهي نقدم كل شئ حتى حياتنا لمن أحبنا كل هذا الحب.

4.    لا تعود عبادتنا عبادة نفعية، كل ما نريده منها الماديات، بل تكون أعيننا نحو هذا المجد.

والمجد الذي كان للمسيح ويطلبه هنا هو مستحق لأنه غلب كإنسان فكان بلا خطية على الأرض ثم غلب الموت بصليبه (يو33:16). وبهذه الغلبة دخل لقدس الأقداس عند الآب ليحملنا فيه. هو رئيس كهنتنا الذي يدخل لقدس الأقداس وحده، لكن رئيس الكهنة اليهودي كان يدخل وحده، ومسيحنا دخل وحده ليتمجد الآن. ولكن ذلك لحساب الكنيسة التي يطلب المسيح لها المجد (22:17). وهذا العمل الذي عمله المسيح كان ليستعلن لنا الله، فنعرفه فتكون لنا حياة (آية3) ولذلك يقول يوحنا "والحياة أظهرت" (1يو2:1)

 

آية (2): "إذ أعطيته سلطاناً على كل جسد ليعطي حياة أبدية لكل من أعطيته."

المسيح سبق وطلب أن يتمجد في الآية السابقة. وهنا نرى لماذا طلب المسيح أن يتمجد بل وأن يتجسد ويصلب ويقوم ويصعد فيتمجد؟ فهو فعل كل هذا ليعطي حياة أبدية للبشر، جلس عن يمين الآب ليرسل الروح القدس المحيي ليقدس ويعطي حياة أبدية. وكل من له حياة أبدية يظل يمجد الآب والإبن هنا على الأرض وفي السماء وإلى الأبد فما يطلبه المسيح كغالب للموت وجالس عن يمين الآب هو لصالح البشر ليكون لهم حياة أبدية. إذ= تأتي بمعنى كما (كما جاء في يو21:17،22). والمعنى أن الآب كما أعطى للإبن أن يتمجد بفدائه للبشر أعطاه أيضاً سلطاناً أن يهب كل جسد الحياة الأبدية.

سلطاناً على كل جسد= هذا القول يفيد ألوهية المسيح. فمن هو الذي له سلطان على كل البشر سوى الله (قارن مز2:65 مع يو35:3 + 22:5 + 3:13) كل بشر في (مزمور 2:65) أي كل جسد، فالله وحده له السلطان على كل جسد وهذا السلطان هو للمسيح. ولكن ما معنى أن الآب يعطي سلطاناً للإبن؟ أليس الآب والإبن واحداً؟ هذه الآية وردت بنفس المفهوم في (يو26:5) "لأنه كما أن الآب له حياة في ذاته كذلك أعطى الإبن أيضاً أن تكون له حياة في ذاته"

والمعنى أنه طالما أن للإبن له حياة في ذاته فهو له السلطان أن يعطي هذه الحياة لمن يريد. ومن له سلطان أن يعطي حياة فهو الله.

ولكن لنفهم معنى الآية. فالآب يريد والإبن والروح القدس ينفذان إرادة الآب، يترجمان إرادة الآب إلى فعل. هنا نعود للآية الأولى في الإنجيل (يو1:1) فنجد الإنجيل الفرنسي يترجم "الكلمة"  (VERBE) أي فعل. فالإبن يترجم إرادة الآب إلى فعل. ويكون المعنى أنه في توزيع الأدوار أو توزيع العمل داخل الثالوث، صار للإبن حياة في ذاته ويعطيها لمن يشاء وبهذا يترجم إرادة الآب في أن يحيا الإنسان. الآب هو طاقة الحياة والإبن ينفذ ويفعل ويترجم إرادة الآب في أنه يعطي حياة لمن يريد، فهذا في سلطانه.

ولكن الإبن لأنه مولود من الآب فهو ينسب السلطان للآب المولود منه. ولكن إذا وضعنا أمامنا الآيات الأخرى "أنا في الآب والآب فيّ" (يو38:10). "أنا والآب واحد" (يو30:10) "كل ما هو لي فهو لك وما هو لك فهو لي" (يو10:17). نفهم أن الإبن له نفس السلطان. فالسلطان ليس من مصدر خارجي لأن الإبن واحد مع الآب في الطبيعة الإلهية. ولكنه يقول هذا لأنه قبل في طاعة أن ينفذ إرادة الآب ليتمم خلاصنا ومصالحتنا معه. فهو هنا يتكلم كمنفذ لإرادة الآب. هذه العبارة تماثل "كل ما أراني الآب أفعله" (يو19:5-21). وتماثل أيضاً "وأعطاه سلطاناً أن يدين" (يو27:5). هذه عن الأفعال. وأما عن الأقوال فيقول "كما أسمع أدين. أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً (يو30:5). فهنا تعني تطابق الإرادة، فهو لا يقدر أن يفعل إلاّ ما يريده الآب فإرادتهما واحدة متطابقة لكن الآب يريد والإبن يفعل. وأيضاً "وأنا ما سمعته منه فهذا أقوله للعالم" (يو26:8). وقيل هذا عن الروح القدس "لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية" (يو13:16). وحين لا يريد الآب إعلان الساعة فالإبن لا يعلنها ويقول وحتى الإبن لا يعرف. ويكون المقصود أنه لن يفعل فهو لا يفعل (أي لن يعلن) إلاّ ما يريده الآب. فالآب له الإرادة والإبن له الفعل.

لكل من أعطيته= سبق ورأينا أن المسيح له سلطان أن يعطي حياة أبدية ولكننا هنا نراها مقصورة على من أعطاهم الآب للإبن فقط.. فهل هناك تضاد في المعنى؟ أو هل الآب قَيَّدَ حرية المسيح مرة أخرى في سلطانه المطلق على البشر في أن يعطيهم حياة أبدية؟ العالم كله للآب. ومن أعطاهم الآب للإبن هم من آمنوا وإعتمدوا فصاروا جزءاً من جسده.

لنفهم الإجابة عن هذه التساؤلات نراجع الآيات (يو21:5-30). وفيها نرى أن المسيح إمّا يهب حياة أبدية لمن يؤمن أو يُدين من لم يؤمنوا. فمن الذي سيعطي له الآب حياة أبدية؟ .. هو من يقبل المسيح ويؤمن به. وأمّا من يرفض الحياة الأبدية التي يقدمها الآب برفضه للمسيح يكون سلطان المسيح عليه هنا للدينونة. فالمسيح له سلطان على كل جسد إمّا بإعطائه حياة أبدية أو بدينونته. المسيح يعطي بالفعل والآب يعطي بالمشيئة والإختيار ويستحيل فصل الفعل عن المشيئة المتممة له ولا المشيئة عن الفعل. ونرى هنا أن كلمة كل ترددت مرتين الأولى تشير لسلطان المسيح على كل البشر والثانية تشير للمؤمنين الذين هم خاصة المسيح (14:10).

 

آية (3): "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته."

هنا يُعرِّف المسيح الحياة الأبدية.. وهي أن نعرف الله الآب والمسيح يسوع. والمسيح هو القيامة والحياة (يو25:11). والمسيح له الحياة في ذاته مثل الآب وهو يحيي من يشاء (21:5،26) ولأنه تجسد فهو أعطى العالم هذه الحياة بتجسده (37:6) وبالذات لأخصائه (28:10) وللذين يسمعونه ويدخل صوته إلى أعماق قلوبهم (24:5). فالمسيح هو الحياة أي قوة فعّالة محيية. وهو يعطينا هذا ليقدمنا لله أبيه (6:14) والوسائل التي إستودعها سر الحياة هي في المعمودية (5:3) وفيها نموت ونقوم لنحيا معه إذ نتحد به (رو3:6-5) والإفخارستيا (35:6،48) وفي كلامه المحيي (63:6،68). وفي الإيمان (37:7) وفي (63:6،68). نرى أن كلام الله محيي (قارن مع مت 4:4). وهنا نرى الرابطة بين الحياة والمعرفة. فكلام الله الذي أوحى به الروح القدس (لكل من كتب الكتاب المقدس) له القدرة أن يحيي ويلدنا من جديد (1بط23:1). وهذه أهمية دراسة الكتاب المقدس لذلك يقول أحد الآباء أن الكتاب المقدس هو كلمة الله والمسيح هو كلمة الله.. لذلك فحينما نتأمل في الكتاب المقدس نرى صورة المسيح فنعرفه ونحبه ويتحول الحب إلى فرح.

الحياة والنور

المسيح هو الحياة. وهو قال "أنا هو النور" (12:8). وفي (4:1) نسمع أن الحياة كانت نور الناس. فمن يعطيه المسيح حياته يدخل نوره إلى قلبه فيفتح وعيه فيدرك الله ويعرفه ويعيش في حضرته (1يو1:1-5). والعقل لا يمكنه إدراك هذه الحياة الأبدية، فالعقل لا يُدْرِكْ سوى الملموسات بالحواس الخارجية. ولكن الروح القدس المعطي لنا يعيننا على أن ندركها هنا إدراكاً جزئياً بإستعلان يأتي من فوق، من خارج الكيان الإنساني (1كو9:2-12). هنا نرى أن الروح القدس يقود عقل الإنسان فيدرك ما لا يمكنه إدراكه وحدهُ. بل الروح القدس يقود الحياة كلها، فكر الإنسان وعمله ليكون بحسب مشيئة الله سواء بالفكر أو بالعمل ليكون الله غاية كل شئ. ولأن الحياة هي حياة المسيح والمسيح لن يموت ثانية فنحن صارت لنا حياة أبدية (رو9:6). وسمات هذه الحياة الأبدية أن يتذوق فيها الإنسان لذة الفرح الروحي والسلام الذي يعطيه المسيح الذي يفوق كل عقل (لذلك أطلق أباء اليهود على مجد الله الذي يظهر من بين كاروبي تابوت العهد لفظ شكينة وهي من السكينة والسلام الذي يملأ القلب حين يرى مجد الله) ولكن مهما كان السلام والفرح الذي نتذوقه هنا فهو كسبق مذاق، كعربون مما سنحصل عليه من فرح أبدي، هو عربون الملء الذي سنحصل عليه. ونلاحظ أنه كلما عرفنا شيئاً عن الله نفرح. فهل يمكن للإنسان أن يعرف الله بالكمال والتمام حتى في الأبدية؟ الله غير متناهي والإنسان حتى في الأبدية سيظل محدوداً غير قادر أن يدرك الله ويعرفه تماماً. لكن الله سيكشف له كل يوم جديداً فيفرح إلى درجة أنه لا يستطيع أن يفرح أكثر لمحدوديته، فيعطيه الله إتساعاً أكثر.. فيدرك ويعرف أكثر.. وهكذا. وهذا لن ينتهي فالله غير متناهي وهكذا نستمر للأبد نعرف شيئاً جديداً عن الله فنفرح ويزداد فرحنا للأبد.

 

 

 

 

 

 

 

والمؤمن يبدأ طريق الحياة الأبدية أي معرفة الله التي تعطي هذا الفرح هنا على الأرض حينما يقدم توبة حقيقية ويعطي للروح القدس أن يقود حياته ولا يقاومه أو يحزنه. ويكون هذا بالنسبة للمؤمن كأنه يولد من جديد فالتوبة يسميها الآباء معمودية ثانية. والروح يقود المؤمن التائب ويرتقي بأفكاره وأعماله كأنه وُلِدَ من جديد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وفي مقابل الحياة الأبدية التي يحياها المؤمن التائب يحيا الآخرين في حياة وهمية في لذات مؤقتة مخادعة للحظات تنتهي ويعودوا لكآبتهم وأحزانهم. أمّا حياة المؤمن الأبدية التي يبدأها من هنا في عشرة المسيح فهي حياة الفرح الحقيقي والسلام الحقيقي. بل أن كل من تذوق لذة الفرح الروحي والسلام الذي يعطيه المسيح عاش هذه الأبدية. هو ربما يتذوقها في دراسته للكتاب المقدس أو في قداس أو في الصلاة. وهذه اللحظات التي يتذوق فيها الإنسان لذة الفرح الروحي تعطيه قوة للصمود في وجه الضيقات وآلام هذا العالم. بل يحيا مشتاقاً لحياة ملء الفرح في الأبدية (في23:1).

أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح= المسيح يعطي الحياة بالفعل والآب يعطي الحياة بالمشيئة. فالآب والإبن يشتركان في إعطاء الحياة الأبدية. وعلى ذلك يتحتم أن تكون الحياة الأبدية هي معرفة الآب والإبن معاً. وإدراك سر الله والخلاص وإدراك محبة الله الآب الذي بذل إبنه وإدراك محبة الإبن الذي قدَّم ذاته في حب يسمو عن التعبير. وهذه العبارة تشير للمساواة بين الآب والإبن. فهي إذاً برهان على لاهوت المسيح فمعرفة الآب موازية لمعرفة يسوع المسيح. ونلاحظ قوله يسوع (أي المخلص) المسيح وهذه وظيفته بإعتباره الممسوح من الله بالروح القدس ليكون رئيساً وملكاً على كنيسته ورئيس كهنة يقدم ذبيحة نفسه ليقربنا لله أبيه. وحدك= أي دون الآلهة الوثنية وإبليس أو كل ما يؤلهه الإنسان في حياته كالذات والشهوات. ومعلمنا يوحنا يصف هذه الحياة الأبدية بأنها عشرة مع الآب والإبن (1يو1:1-4) وفي هذه الآيات نرى معلمنا يوحنا يكلمنا عن المسيح الذي رآه وعرفه ولمسه. فيكف نرى المسيح ونلمسه ونعرفه؟ هذا يناله من يحبه ويؤمن به.. وكيف نصل لدرجة الحب؟ .. هذا يأتي من العشرة مع المسيح في صلواتنا ودراستنا للكتاب المقدس وحضور القداسات والتناول. ومن أحب المسيح وقال مع عروس النشيد "أنا لحبيبي وحبيبي لي" يُعلِنْ له المسيح ذاته. والتعرف على المسيح هو هو التعرف على الآب لأن رسالة المسيح هي إستعلان الآب الذي فيه (يو9:14). ومعرفة الآب والإبن هي بعينها شركة مع الآب والإبن. وقول يوحنا "فإن الحياة أظهرت" فهذا إشارة للتجسد الذي به عرفنا الآب والإبن.

 

هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك

كلمة يعرف في الكتاب المقدس تشير للإتحاد

"وعرف آدم حواء امرأته فحبلت وولدت قايين" (تك1:4) وهذا لأنهما صارا جسداً واحداً "يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بإمرأته ويكونان جسداً واحداً" (تك24:2) وأيضاً يقال "ليس أحد يعرف من هو الإبن إلاّ الآب ولا من هو الآب إلاّ الإبن ومن أراد الإبن أن يعلن له" (لو22:10). ففي هذه نرى الآب يعرف الإبن والإبن يعرف الآب. لأن الآب والإبن واحد (يو30:10) والآب في الإبن والإبن في الآب (يو38:10). وبهذا نفهم أن المعرفة إتحاد. ولأن المسيح يقول "ومن أراد الإبن أن يعلن له" أي من أراد الإبن أن يعلن له الآب ويعلن له الإبن، أي يعطيه أن يعرف الآب والإبن، وفي هذه المعرفة إتحاد والإتحاد يعني حياة. فالإتحاد مع المسيح يعني أن المسيح يعطيني حياته (في21:1 + غل20:2) وهذه الحياة حياة أبدية، فالمسيح إذ قام "لا يسود عليه الموت بعد" (رو9:6).

وهذا الثبات في المسيح أو الإتحاد ينمو وكلما حدث النمو تحدث معرفة المسيح، ولكنها ليست معرفة من خارج، كما يعرف إنساناً إنسان آخر، بل معرفة من خلال الإتحاد "وأوجد فيه.. لأعرفه" (في9:3،10). فكلما زاد الإتحاد تنمو المعرفة ويزداد الوضوح، وضوح الرؤية والإستعلان. فالمعرفة هي معرفة إتحاد وحب، وإدراك لمحبة الله العجيبة لنا، وبالتالي مبادلته حباً بحب. فالمعرفة هي حالة حب حقيقي مع الله، وتذوق وإختبار لمحبة الله. فالله محبة والله حياة فمن أدرك وتذوق المحبة صارت له حياة.

والرؤية هنا على الأرض محدودة. فالقداس الغريغوري وصف الله هكذا "غير الزمني، غير المحدود.." لكن ما هو الله بالضبط فهذا لا يعبر عنه بالضبط على الأرض.

والسماء فيها إتحاد على مستوى أكبر بكثير من الأرض تم التعبير عنه بالعرس (رؤ7:19) وهناك على هذا المستوى نعرف الله (2كو18:3 + 1كو12:13) هذا الإتحاد هو ما عبر عنه المسيح بقوله "أشربه معكم جديداً في ملكوت أبي" (مت29:26) فهو إتحاد على مستوى جديد، ومعرفة على مستوى "وجهاً لوجه" على مستوى زيجي والمعرفة إتحاد، والإتحاد حياة أبدية. والحياة الأبدية مجد وفرح أبدي بمعرفة هذا الذي أحبنا كل هذا الحب وأعد لنا كل هذا المجد، ويحملنا فيه إليه.

أنت الإله الحقيقي وحدك= هنا المسيح يوجه كلامه للآب. وكلمة وحدك عائدة على الله مثلث الأقانيم. ونحن حين نوجه كلامنا للمسيح نقول له أيضاً أنت الإله الحقيقي، لأن صفة الألوهة هي للآب كما للإبن. والله واحد غير منقسم ولا منفصل. الله هو الحق والعالم وما فيه باطل ومن يعرف الحق يختاره فيحيا ومن يختار الباطل يموت ويستعبد فكلمة حقيقي تعني الثابت غير المتغير، أما العالم فسيفنى وهو متغير ومخادع. وقوله وحدك= فالوثنيين يعبدون آلهة أخرى. وهناك من يعبد المال مثلاً أو الشهوات أو ذاته .. الخ.

ويسوع المسيح الذي أرسلته= هذه إشارة لأن الآب لم يُعْرَفْ إلاّ بتجسد المسيح الذي أعلن الآب. وكما أن الآب يمجد الإبن والإبن يمجد الآب كذلك الإبن يستعلن الآب والآب يستعلن الإبن بالروح القدس الذي أرسله. لذلك يستحيل معرفة أحدهما بدون الآخر. ولا يمكن فصل الإرادة (الآب) عن الفعل (الإبن). محبة الآب لا يمكن أن تصل إلينا إلاّ بيسوع المسيح.

 

الآيات (4،5): "أنا مجدتك على الأرض العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته. والآن مجدني أنت أيها  الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم."

هنا نرى معنى أن يعرفوك (آية3). فحينما أكمل المسيح عمله الذي أعطاه له الآب، إستعلنت حقيقة المسيح الإلهية وكونه واحد مع الآب. وأن عمله أتمه بالفداء والقيامة ومازال يكمله بشفاعته الكفارية عنا في السماء. والآن= بعد أن أكملت العمل. والمسيح في آية (1) يقول "مجد إبنك" وهنا يقول مجدني أنت. فما الفرق بينهما؟ في آية (1) كان المسيح يطلب تدخل الآب لتكميل باقي المهمة العظمى بكل ما تشمله من صلب وإهانة ثم بقيامة ومجد. يطلب المسيح أن يسانده الآب، يساند ناسوته ليكمل عمل الصليب الذي به يتمجد الإبن إذ يكمل إنتصاره على قوات الظلمة والموت. أمّا هنا فهو يطلب المجد المستحق عن العمل الذي سيكمله. والآب سيمجده بإعلان بنوته له وإستعلان لاهوته وأنهما واحد. ونلاحظ أن المسيح لا يطلب المجد للاهوته بل لناسوته أي الجسد الذي أخذه من الإنسان. فلاهوته لم يفارقه مجده أبداً، لكنه يطلب المجد للطبيعة البشرية. وهذا الطلب هو عمل عظيم من المسيح لحساب البشر. هذه هي شفاعته وإستحقاق ذبيحة طاعته. هذا هو جوهر الفداء والخلاص للإنسان الذي ينتهي بالمجد (راجع أف5:2،6 + 19:3 + في21:3 + كو12:1،13 + كو4:3 + 2تس14:2 + 1بط10:5 + عب10:2 + رو17:8 + يو24:17) هذه شركة في المجد البنوي لله. وقوله الذي أعطيتني يشير للمجد الذي جازه المسيح كإبن الإنسان لحساب الإنسان (يو36:13) ففدائه أعطى للإنسان مجداً وحياة أبدية وهذه إرادة الآب "الذي يريد أن الجميع يخلصون" (1تي4:2). فالإبن هو الفعل، يفعل ما يريده الآب.

أنا مجدتك على الأرض= باستعلانه للآب ومحبته للبشر وأبوته لهم (يو18:1) وكان ذلك بأن تمم وأكمل عمل الفداء. قد أكملته= تفيد الكمال فهو تمم العمل بكمال في طاعته للآب. وكان طعام المسيح أن يتمم ويصنع مشيئة الآب (يو34:4). عند ذاتك= "عند" يمكن ترجمتها أيضاً "مع" وتفيد معنى المجد الواحد للذات الإلهية، مجد الآب ومجد الإبن فالإبن كائن مع الآب، وتفيد معنى الوحدة القائمة بالمجد في الله بين الآب والإبن. وتفسير هذه العبارة نجده في (يو1:1،18) فالكلمة كان عند الله وهو الإبن الوحيد الذي في حضن الآب. وبعد أن أخلى الإبن ذاته من مجده آن الآوان أن يعود الإبن بالجسد إلى أحضان الآب كعودة الذات لذاتها بكل المجد الذي كان له وعنده ومعه قبل كون العالم. وعند ذاتك تفهم أيضاً "في ذاتك" فالمسيح له نفس المجد الذي للآب باللاهوت. وقد صار نفس المجد للناسوت عندما "جلس عن يمين أبيه" الإبن هنا يرى ما بعد الصليب، هو يرى الصليب كأنه حدث ويرى ما سيحدث بعده من قيامة وجلوس في العرش.

بالمجد الذي كان لي= المسيح كان له المجد دائماً منذ الأزل أي أن مجد الآب هو نفس مجد الإبن ولو أنه أخلى ذاته منه في أيام تجسده. وكان إخلاء المسيح لذاته يعني أنه ظهر في صورة لا تُقْبَلْ (أش2:53) ولا يمكن أن يظهر في مجد، فهي ستكون مهمة عار وذل ومهانة وقبول للموت. والمسيح الآن يطلب ما بعد ذلك من إستعلان لاهوته ووحدته مع الآب. وهذا المجد الذي يطلبه هو ليس في إحتياج إليه بل هو مجده. لكنه يطلبه لجسده أي الكنيسة. فالإخلاء يعني الإخفاء عن أعين الناس ومدارك الشيطان والآن المسيح يطلب إستعلان ما هو له عند ذات الآب. قبل كون العالم= قبل كون العالم والخليقة لم يكن هناك سوى الله. وهذه العبارة تصريح واضح بلاهوته.

 

آية (6): "أنا أظهرت اسمك للناس الذين أعطيتني من العالم كانوا لك وأعطيتهم لي وقد حفظوا كلامك."

أنا أظهرت إسمك= توازي أنا مجدتك (آية4). وهي تعني أظهرت كل صفاتك ومحبتك الأبوية للمؤمنين وكل إمكانياتك وقدرتك. وهذه المعرفة حياة آية (3). وهذا هو العمل الذي أكمله المسيح بطاعته للآب حتى الصليب وبأعماله العجيبة وتعاليمه التي أظهرت أن الآب يعمل فيه. فإسم الله يشير للحضور الإلهي ذاته. وهذا معنى ترديد صلاة يسوع للشعور بحضرته. فالإسم هو إشارة للكيان كله. وهذا ما تعنيه الكنيسة إذ تبدأ كل صلاة أو اجتماع "بإسم الآب والإبن.." ليحل الله وسطنا ونسمع صوته.

الذين أعطيتني= ليس كل الناس قد قبلوا هذا الإستعلان. والذين أعطيتني تشير لمن إنفتحت أعينهم وقبلوا رسالة المسيح، هؤلاء الذين إجتذبهم الآب (يو44:6،65) وهذا الإختيار يُنسب أيضاً للمسيح (يو32:12 + 16:15). وواضح أن هناك من يرفض هذا الإختيار كيهوذا. فحرية القبول مكفولة للجميع. الذين أعطيتني= التلاميذ وكل المؤمنين عبر العصور. كانوا لك= [1] هؤلاء التلاميذ كانوا يعرفونك ويؤمنون بك مثل كل اليهود ومثل شاول الطرسوسي وكان لهم علاقة معك لا يعرفها سواك. [2] وقد تفهم أن الله خلق العالم كله، وأن العالم كله كان لله بحسب الخلق الأول، والله له سلطان على العالم كله وهو الذي يعتني بكل خليقته. الكل خاصة الآب. وأعطيتهم لي= الله حينما رأى إستقامة قلب التلاميذ وأنهم أرضاً خصبة وأنهم سرعان ما آمنوا به سلمهم للمسيح ليكمل خلاصهم وفداءهم. وتفهم عن الخلق الثاني الذي فيه تجددت بنويتنا "إذ ليس بغيره الخلاص". كانوا تحت سلطان عدل الله فصاروا تحت رحمته فإنتقلوا بذلك من الموت إلى الحياة. فالخليقة كانت كلها لله ولكنها ضلت وأتى الإبن ليعيد الخليقة لله. وذلك بأن وحدنا فيه فصرنا "أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه" (أف30:5).

حفظوا كلامك= كلمة حفظ هنا تعني العناية مع السهر والواسطة الوحيدة لحفظ كلمة الله هي في إطاعتها والعمل بها. وعلينا أن نحفظ كلمة الله ككنز في قلوبنا ونسهر عليها ونقبلها ونهتم بتنفيذها. وحفظ كلمة الله هو التلمذة الحقيقية لله، ومن يتأمل فيها يكتشف المسيح كلمة الله. ولكن قول السيد المسيح هنا حفظوا كلامك تعنى حفظوا كلامك بأن آمنوا بي وصدقوني. وهذا يفهم من الآيات (7،8). وبهذا نفهم أن المسيح أظهر الآب (إسم الآب):-

1.    للذين يحفظون الوصايا.

2.    آمنوا بالمسيح "علموا أن كل ما أعطيتني هو من عندك"

3.    علموا "أني خرجت من عندك" (فهموا سر التجسد)= المسيح هو الله المتجسد.

آية (7): "والآن علموا أن كل ما أعطيتني هو من عندك."

المسيح هنا يشرح ثمرة حفظهم لأقوال الله، كلمة الآب. فهم أدركوا أن المسيح جاء ليستعلن الآب قولاً وفعلاً، وصدقوا أن المسيح جاء من عند الآب. وأن كل أقواله وأعماله هي من عند الآب، بل أن كل أعمال التلاميذ هي هبات من عند الآب. وأن كل ما للمسيح هو من الآب. إذاً من يحفظ كلام الله، يدرك من هو المسيح ويقبله ويؤمن إذ يعرفه فتكون له حياة.

الآن= وهو مقبل إلى الموت. فبينما يفصل الموت بين إنسان وإنسان إلاّ أنه بموت المسيح ستزداد الرابطة بينه وبين تلاميذه وسيعرفونه تماماً كمخلص وإله فادي.

 

آية (8): "لأن الكلام الذي أعطيتني قد أعطيتهم وهم قبلوا وعلموا يقينا أني خرجت من عندك وآمنوا    انك أنت أرسلتني."

نلاحظ هنا درجات الإيمان:

1-    قبلوا= رحبوا بالمسيح قلبياً، تشير لفرحهم ومشاعرهم تجاهه، مثل هذا يطيع بدون معرفة كثيرة ثم تبدأ المعرفة.

2-  علموا= هنا بدأوا التمييز والحكم بالعقل فحكموا على كلام المسيح أنه سماوي. هنا بدأت المعرفة. قبول المسيح أعطاهم إستنارة بها عرفوا المسيح وأنه من عند الله. كما قال المسيح لبطرس "أبي أعلن لك"

3-  آمنوا= هنا كان القرار والإرادة بعزيمة ثابتة ملتهبة بنار القلب وملهمة بنور العقل. هنا إيمان بالعمل الذي جاء من أجله المسيح من عند الآب. ومن هو المسيح. هذا إيمان بوعي.

وهنا نرى التلاميذ وقد وصلوا لدرجة اليقين في معرفتهم للمسيح. فالمسيح أعطاهم ما إستلمه من الآب وكان قبولهم للكلمة هو سر إنفتاح بصيرتهم على المسيح ومعرفتهم له إلى درجة اليقين= علموا يقيناً= والكلمة الأصلية تفيد معنى أنهم علموا حقاً وبالحقيقة. فالإنسان قد يكون على يقين من أمر ما ولكنه ليس الحق بالضرورة. والحق هو الله. وقبول الحق لا يأتي بالفهم والمناقشة بل بالطاعة. لذلك كل ما سمع وصايا الله وأطاعها ونفذها سيكتشف سهولتها وجمالها مهما بلغت في مظهرها الخارجي من صعوبة ظاهرية في التنفيذ.

خرجت= تفيد التجسد. أرسلتني= تفيد العمل الذي أرسل من أجله وهو الفداء والمسيح سيبني على هذه الكلمات ما سيأتي فهو ليس من العالم لذلك رفضه العالم وصلبه. ولذلك كل من يقبله ويؤمن به ويتحد به وينضم إليه سيصير هو أيضاً ليس من العالم وسيضطهده العالم وهذا ما حدث مع المسيح وما سيحدث للتلاميذ (يو18:15-21 + 1يو13:3 + 1يو5:4،6).

 

آية (9): "من أجلهم أنا اسأل لست اسأل من اجل العالم بل من اجل الذين أعطيتني لأنهم لك."

أنا أسأل= في صلاتي الشفاعية هذه. في هذه الآية يسأل عن التلاميذ، ثم في آية (20) يسأل عن كل المؤمنين. لست أسأل من أجل العالم= المسيح يسأل ويشفع عن الذين كانوا للآب وأعطاهم الآب له ليكمل خلاصهم (يو24:10-26 + أر16:7 + يو42:8-44). وليس من أجل من لازال يحيا في شره غير مؤمن بالمسيح. هؤلاء يسميهم العالم. فالمسيح حقاً مات من أجل كل العالم ولكن ليس كل العالم قد تمتع بالغفران وأنهم أصبحوا من جسد المسيح. والمسيح صلي على الصليب "يا أبتاه إغفر لهم" لكن من تاب وآمن هو من غفر له. فكيف يصلي المسيح عن من لا يزال في شره لكي يحفظه الآب، فهو يطلب أولاً إيمانه ثم يطلب أن يحفظه الآب. لذلك أرسل تلاميذه ليكرزوا به ومن يؤمن سيترك العالم فتكون هذه الصلاة من أجله. وصلاة المسيح المسموعة هذه وأنه يطلب لأجل تلاميذه الذين آمنوا به هي من أجل أن يعرفوا محبته لهم.

 

آية (10): "وكل ما هو لي فهو لك وما هو لك فهو لي وأنا ممجد فيهم."

كل ما هو لك فهو لي وكل ما هو لي فهو لك= نرى هنا الآب والإبن على مستوى واحد فالمؤمنون هم تابعين للآب بقدر ما هم تابعون للإبن، أو أن الإيمان بالمسيح يعتبر تأكيداً لتبعية المؤمن لله الآب. المسيح يقول هذا حتى لا يفهموا أنه أخذ شيئاً حديثاً لم يكن له من قبل لأنه قال "الذين أعطيتني" بل هم له كما للآب. ولكن هم صاروا جسده، صاروا من لحمه ومن عظامه. وكونهم صاروا جسده فهذا لا ينهي علاقتهم بالآب. فهو والآب واحد. وكل ما للآب هو للإبن وكل ما للإبن هو للآب. ولماذا يسأل المسيح عنهم؟

1)    لأنهم لك= هم أولادك وخاصتك وأنت مهتم بهم.

2)    كل ما هو لي فهو لك= هم أيضاً للمسيح، سعي المسيح لأجل خلاصهم.

3)    وأنا ممجد فيهم= المسيح من هو وعلاقته بالآب هم سيعلنوها للعالم كله.

4)    ولست أنا بعد في العالم= (آية11) المسيح لا يريد أن تركه للعالم يسبب لهم أي ضرر.

ونلاحظ أن في إمكان أي مؤمن أن يقول لله كل ما هو لي فهو لك ونشترك مع المسيح في هذه العبارة. أمّا الشق الثاني.. كل ما هو لك فهو لي= فهو قول لا يجرؤ ملاك أو إنسان، بل ولا أي مخلوق أن يقوله. هذا الكلام لا يقوله سوى الإبن الواحد مع الآب ولهم نفس الطبيعة والجوهر. وفيه تأكيد واضح للاهوته. ألأأن

 

وأنا ممجد فيهم= مجد الطبيب الماهر يظهر في شفاء مرضاه. ومجد المسيح ظهر في تجديد خليقة المؤمنين وفي ثمارهم. وتشير لأن صفات المسيح قد إنطبعت في تلاميذه "هم لبسوا المسيح" (رو14:13). فصار الناس يرون في تلاميذ المسيح صورة المسيح. فإيمانهم إذاً أبرز للناس مجده الإلهي. ولاحظ أن المسيح في محبته لهم لم يرى إنكارهم وضعفهم فهو قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة مدخنة لا يطفئ، بل أقام منهم أعمدة الكنيسة. ونلاحظ أيضاً في هذه الآية أن الآب ممجد في التلاميذ فكل ما هو للإبن هو للآب أيضاً، وهذا ما يشير إليه قول السيد المسيح "لكي يرى الناس أعمالكم الحسنة فيمجدوا أباكم.."

 

آية (11): "ولست أنا بعد في العالم وأما هؤلاء فهم في العالم وأنا أتي إليك أيها الآب القدوس احفظهم  في اسمك الذين أعطيتني ليكونوا واحدا كما نحن."

أتى الوقت الذي سيفارق المسيح تلاميذه ليذهب للسماء ويمارس عمله الشفاعي عنهم. وهنا نرى نموذج لهذا العمل الشفاعي. والمسيح يعرف أن للعالم قوة وإمكانية أن يبتلع تلاميذه بالشر المحيط والجذب العنيف والإغراء الذي له قوة شيطانية. والشيطان له وسيلتين يهاجم بها المؤمنين [1] الإغراء بملذات العالم [2] الآلام والإضطهاد. وهذا الأسلوب إتبعه مع الرب يسوع نفسه. ففي التجربة على الجبل بدأ بإغوائه بملذات العالم، فلما رفض هيج عليه اليهود ورؤساء كهنتهم والرومان. ولكن هل حقاً سيترك المسيح العالم بعد صعوده؟ قطعاً لا. فوعده أنه معنا للأبد (مت20:28). فلماذا يقول هذا؟ التلاميذ الآن في حالة حزن إذ أنهم يشعرون أنه سيفارقهم، وهم حتى الآن لا يدركون من هو المسيح بالضبط. فهذه الصلاة لتعطيهم شعوراً بأن هناك حماية إلهية ستحيطهم حتى ولو فارقهم المسيح بالجسد، وهذا يتضح من آية (13).

أيها الآب القدوس= هذه الكلمات لم ترد في الكتاب المقدس سوى هنا، فالحل الوحيد أمام التجارب الشريرة هو الإلتجاء إلى قداسة الآب. فقداسة الآب هي حصن الذين في العاصفة معرضين للتهديد والإغراء من دنس العالم أو معرضين للإرتداد أمام ضغوط إضطهاد العالم. القداسة هي الإرتفاع والسمو عن الأرضيات بكل ما فيها. وقداسة الله هي قوة قادرة أن تحفظ أولاده من إغراءات وإضطهاد العالم. فقداسة الآب هي الضمان الأوحد لقداسة المؤمنين. وهنا يربط المسيح بين القداسة والوحدة. حيثما توجد القداسة يوجد الحب والوحدة، وحيثما توجد الخطية يوجد الشقاق والحسد. لذلك علمنا السيد أن نصلي هكذا "ليتقدس إسمك" فالإلتجاء إلى اسم الله القدوس ليتقدس في حياتنا وأفكارنا وعيوننا وقلوبنا وضمائرنا، هو قوة غالبة وحصن منيع "إسم الرب برج حصين يركض إليه الصديق ويتمنع" (أم10:18).

إحفظهم في إسمك= الكتاب يستخدم إسم الله ليقول الله. ويكون المعنى إحفظهم فيك. وإسم الآب يحمل معنى قوته وحكمته وقدراته ومحبته وقداسته وصفاته كلها ورحمته (وهذه قد أعلنها المسيح). وحفظهم في الإسم يراد به حفظهم ثابتين في دائرة هذا الحق المعلن متحصنين في ذات الله وفي شخصه. فالإسم هنا هو طاقة وقوة حفظ. إذاً هي قوة محبة الله التي تبطل الأنانية والغرور والذات ليكونوا واحداً، والحفظ يعني أن يشمل الآب التلاميذ بهذه الطاقة والقوة، فله قوة يجذب بها بعد أن يستعلن نفسه لهم ثم يحفظهم حتى لا يخرجوا خارجاً. ولذلك فمجرد النطق بالإسم (إسم الله) يدخلنا في مجال قوة عمله وكأنه هتاف بالدخول إلى حضرته. لذلك تفتتح كل صلاة باسم الآب والإبن والروح القدس. ومن هنا تأتي قوة صلاة يسوع. هنا نرى أن إسم   الله هو بيئة مقدسة محصنة يريد المسيح أن يحفظ تلاميذه داخلها فترتد عنهم سهام إبليس. إسم الله قوة تحيط بالإنسان وتحرره. فإذا شعرنا بروح يأس أو شهوة فلنردد إسم يسوع فهو قوة تعطي النصرة.

ليكونوا واحداً= (أف1:4-6) واحداً في المحبة والإرادة والغاية والفكر والإهتمامات والتسليم لله، وفي هذا فالآب والإبن واحد= الكنيسة هي الوجه الظاهر للملكوت، وملكوت الله منظم جداً وكل ما فيه مترابط بمحبة في وحدة وإنسجام مقدسين. ولذا فالمسيح يطلب أن تبعد الإنقسامات عن الكنيسة. فالإنقسامات هي حروب شيطانية تقسم جسد المسيح وكل مملكة تنقسم على ذاتها تخرب. والمسيح يريد أن تكون كنيسته صفاً واحداً وإرادة واحدة. وإذا تقدس الجميع بالقوة التي لإسم الآب، سيحفظهم الآب ويوحدهم كأعضاء لجسد المسيح. وهذه هي الكنيسة الواحدة الوحيدة المقدسة الجامعة الرسولية (أع42:2-47). وهذه الوحدة هي في جسد المسيح وكل مؤمن هو عضو في جسد المسيح له دوره ووظيفته وموهبته الخاصة بحيث يتكامل الجميع كجسد واحد (1كو1:12-30). وهذه الوحدة هي وحدة تقديس وطهارة فخارج القداسة والتقديس يوجد العالم. والقداسة في مفهومها هي إنفصال عن العالم. والوحدة التي ستجمع التلاميذ هي في إنفصالهم عن العالم بإنجذابهم المشترك نحو الآب وهذه هي القداسة. وهذه لا تأتي إلاّ بالإلتصاق بالله في صلاة بلا إنقطاع ودراسة وتأمل في الكتاب المقدس. وهذه الوحدة قوتها من المسيح وفيه. وليست علاقات إجتماعية أو ما شابه بل هي مؤسسة على إتحاد بالمسيح. ولاحظ أن الشيطان يحارب هذه الوحدة ولا يطيقها. لكن إسم الآب قوة حفظ من تجارب العدو. كما نحن= المسيح في وحدة مع الآب وهو يطلب أن قوة الوحدة التي بينه وبين الآب تعمل في المؤمنين وتوحدهم. ويكون إتحادهم إنعكاس للوحدة والحب الكائنة بين الآب والإبن. وقوله كما نحن هو مشابهة في الصورة وليس في المقدار طبعاً. وقوله نحن يشير للتمايز بين الأقانيم فالآب غير الإبن.

 

آية (12): "حين كنت معهم في العالم كنت احفظهم في اسمك الذين أعطيتني حفظتهم ولم يهلك منهم    أحد إلا ابن الهلاك ليتم الكتاب."

بينما كان المسيح مع تلاميذه كانت القداسة والمحبة التي كانت في المسيح وتشع منه كانت تؤثر فيهم وكان يسهر عليهم بالتعليم فحماهم من جذب العالم وذلك بأن حصر قلوبهم في دائرة معرفة الآب. وكان ثمرة عمل المسيح أنه لم يهلك أحد منهم بل ظلوا محفوظين ومحروسين في إسم الآب وقوته. ما عدا يهوذا (يو70:6،71) الذي إختار طريق الخيانة في مقابل كل ما أعطاه المسيح من إختيار وحب وتعليم. فالمسيح قدم لهم كل حماية مطلوبة حتى ليهوذا. لكن من يصر على الإنفصال عن المسيح لن يجبره المسيح على البقاء.

إبن الهلاك= غالباً هي تسمية عبرية لمن إختار طريق الشر فيكون الهلاك مصيره ومثلها "إبن الموت" (1صم16:26) "وإبناً لجهنم" (مت15:23) "وأبناء المعصية" (أش4:57) "وأبناء الغضب" (أف3:2). وعكسهم "أولاد النور" (أف8:5) وكلمة إبن الهلاك إستخدمت مرتين هنا في هذه الآية وعن المسيح الكاذب إنسان الخطية في (2تس3:2)، أو ما يسمى ضد المسيح. والهلاك يبدأ من وقت الإنفصال عن المسيح. إسمك الذين أعطيتني= المعنى أن المسيح كان يحفظهم بحماية إلهية يشير لها كلمة إسمك ولكن الآية في أصلها يمكن ترجمتها "إسمك الذي أعطيتني" والإسم الذي أخذه المسيح هو "يهوه" = أنا هو. والمعني أنني بإسمي وقدراتي الإلهية كنت أحفظهم.

ليتم الكتاب= أي أن هلاك يهوذا جاء متفقاً مع النبوات أي بسابق العلم الإلهي ولكن الله كان قد وهبه حرية كاملة للإختيار (مز8:109 + مز9:41). وهناك سؤال فالآب أعطى التلاميذ للمسيح ليخلقهم خليقة جديدة فهل لم يكن الآب يدري أن منهم من سيخون والإجابة كامنة هنا في قوله ليتم الكتاب= فالله قطعاً كان يعلم والنبوات تشهد بذلك.

 

آية (13): "أما الآن فأني آتى إليك وأتكلم بهذا في العالم ليكون لهم فرحي كاملاً فيهم."

المسيح يتكلم وهو هنا على الأرض وهو متأهب أن يترك العالم. أتكلم بهذا في العالم ليسمعني التلاميذ الذين أنا معهم الآن في العالم. والمسيح يتكلم إلى الآب ليشعر تلاميذه أنهم في حضرة الآب محفوظون في إسمه وأن المسيح بدأ بالفداء ويحفظهم والآب سيكمل. وهو نفسه أي الإبن يشفع فيهم ليحفظهم الآب ومن هو محفوظ في إسم الآب فهو كأنه إنتقل من الموت إلى الحياة. وهذا ما يفرح المسيح أن الموت لم يعد له سلطان على تلاميذه، وأن العالم لم يعد له سلطان عليهم. وهذا ما يصلي المسيح لأجله أن يحفظهم الآب فيكون لهم حياة. وأن فرح المسيح بإنهاء عمله الذي سيعطيهم حياة ورجوعه للآب، فرح المسيح هذا هو فرح كامل وهذا الفرح سيكون لتلاميذه، سيسكب عليهم من فرحه هو فنحن لا فرح حقيقي لنا إلاّ بأن يضع المسيح فينا فرحه. وهذا الفرح الذي يضعه المسيح فينا لا يستطيع أحد أن ينزعه منا، ولا أي ظروف (22:16) ونلاحظ أن فرح المسيح كان كاملاً بالرغم من إنطلاقه للصليب مع كل الآلام التي وقعت عليه. ولم يزل المسيح يتكلم بهذا للعالم أجمع، لكل إنسان في العالم، ومن يستجيب ويؤمن ويترك العالم ويتحد بالمسيح سيكون له فرح المسيح كاملاً= وأتكلم بهذا في العالم.

 

آية (14): "أنا قد أعطيتهم كلامك والعالم ابغضهم لأنهم ليسوا من العالم كما أني أنا لست من العالم."

أنا قد أعطيتهم كلامك= وواضح أن المسيح هو كلمة الله، فهو الذي إستعلن الآب وكلام المسيح هو هو نفسه كلام الآب فكل ما للآب هو للإبن وما للإبن هو للآب. والمقصود بكلامك هو كل ما أعلنه المسيح للتلاميذ عن ذاته وعن الآب. ولما قبل التلاميذ كلام المسيح صارت لهم شخصية جديدة وتحرروا من سلطان رئيس هذا العالم. لذلك أبغضهم العالم، إذ لم يَعُدْ لهم شكل العالم، بل صار لهم شكل أخروي جديد (أع40:5،41 + 2كو21:11-27) صار لهم شكل المسيح. فهم والمسيح "ليسوا من العالم" فهم يعيشوا في العالم لكن بلا شر العالم. لقد وُهِبَ للكنيسة أن تتألَّم ويكون لها شركة سرية مع المسيح في آلامه، هذه الآلام هي إكليل المجد الذي سيوضع على رؤوس الذين يصبرون إلى المنتهي، وبهذه الآلام يطهرنا المسيح من قذر هذا العالم. إذاً لابد أن يكون تلاميذ المسيح لهم تعليم المسيح ويكونون مبغضين من العالم لماذا؟ لأنهم ليسوا من العالم.. كما أنا لست من العالم= فهم تبعوني وإتحدوا بي. فكل من يصير شكل المسيح يبغضه العالم.

 

آية (15): "لست اسأل أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير."

تأخذهم من العالم= أي يموتوا. المسيحية ليست سلبية وإنسحاب من الحياة، بل هي التقدم لحل مشاكل الناس وليست هي عدم المبالاة بهم (1كو9:5،10). والمسيح يرسل تلاميذه نوراً للعالم وملحاً للأرض، وما نفع الطعام بدون ملح، وما قيمة المدينة بدون نور. المسيح هنا يُعَلِّمْ تلاميذه أن لا يكلوا من الضيقات فيسألون أن يتركوا العالم ويخطئوا كما أخطأ إيليا وطلب الموت لنفسه (1مل4:19). بل يكملوا رسالتهم في العالم ويشهدوا للحق ويتقبلوا الإضطهاد بفرح. فالنصرة والمجد في المسيحية في الخروج من الضيقة بل بإحتمالها بعدم تذمر. ولاحظ فهم بولس الرسول لهذه النقطة (في23:1،24 + 1تس3:3،4) المسيح لا يريد أن ينهي العالم، بل أولاده بوجودهم في العالم لهم رسالة في العالم ليتقدس العالم، وتصل رسالة المسيح لكل العالم. ما يطلبه المسيح أن يخرج منا العالم وليس أن نخرج نحن من العالم.

فترة وجودنا في العالم:-

1.    نكمل العمل الذي خلقنا من أجله (أف10:2)

2.    نكون نوراً للعالم وملحاً للأرض لنشر معرفة المسيح. لذلك يجب أن نعيش وسط العالم.

3.    نحتمل بعض الآلام فنشترك في صليب المسيح، وكما إشتركنا في آلامه نشترك في مجده (رو17:8)

4.  الله يستغل هذه الآلام معنا حتى تزداد قداستنا "فمن تألم في الجسد كف عن الخطية" (1بط1:4) فالألم يجعلنا نزهد في محبة العالم "التي هي عداوة لله" (يع4:4) ونتجه للسماويات وهذه هي القداسة.

الشرير= هو الشيطان رئيس هذا العالم. فالشر الذي في العالم نابع من سيطرته على نفوس الناس (1يو19:5). والمسيح هنا يسأل الآب أن يحفظ أولاده من سلطان وتأثير الشرير المخادع. وما يعمله الله هو أنه يسمعنا صوته بالروح القدس الذي له قوة جذب. فإن لم نقاوم وإستجبنا وصلبنا أهوائنا مع شهواتنا نكتشف أن قوة جذب الله التي يجذبنا بها للقداسة أقوى بكثير من إغراءات العالم. وهذه الآية مرادفة لما علمنا المسيح أن نصلي به قائلين "لكن نجنا من الشرير" والمسيح سبق وقال "إحفظهم في إسمك" فالإسم القدوس يحيط النفس بجو القداسة ويخفي عن عينها الشر ويبطل قوة العدو وخداعه وتزييفه فالشيطان هو الكذاب الذي يزيف كل شئ كما فعل مع حواء. بل ويعطي قوة وشجاعة إن وصل الأمر للتهديد بالموت (عب4:12).

ملحوظة: الذهاب للدير والرهبنة ليس هروب من العالم. فالراهب يتعرض لحروب من الشيطان أكثر ممن في العالم.

 

آية (16): "ليسوا من العالم كما أني أنا لست من العالم."

هذه الآية تكرار يقصد به التعقيب على الآية السالفة والتمهيد للآية القادمة. أي لأنهم ليسوا من العالم (كما أنا) فهم داخل تبعية المسيح. المسيح رأسهم وملكهم، يعيشوا له ويخدموه لذلك يحاربهم إبليس. قدسهم في الحق حتى يحفظوا من الشرير ويغلبوا كما غلبت.

 

آية (17): "قدسهم في حقك كلامك هو حق."

قدسهم في حقك= قدسهم أي خصصهم لك بمسحة الروح القدس للخدمة وكملهم في طريق القداسة وإعطهم الإمكانيات التي بها يحيوا لك. وأهلهم روحياً وذهنياً وقلبياً لذلك. والسيد سبق في آية (15) وطلب من الآب أن يحفظهم من الشرير أي من إغراءات العالم. والحفظ هو عمل سلبي أي حفظهم من الشرير، أمّا التقديس فهو عمل إيجابي لذلك فكان لابد للآية (15) أن تأتي قبل آية (17). فالحفظ يسبق التقديس. هنا نجد التلاميذ وقد نقلهم الآب من منطقة الشرير الموبوءة إلى منطقة الحق النقية. الطلبة الأولى في (آية15) أساسها أن التلاميذ يحيون وسط العالم ولكنهم يحيون منعزلين عن خطيته وأساس الطلبة الثانية في (آية17) أن يتقدموا للخدمة في العالم ليشهدوا للحق الذي فيهم. فالتقديس هو إنتزاع كل ميل نفساني جسداني مادي من قلوبهم ونزع كل ما هو مغاير لروح الله وإرادته ثم تكريسهم وتخصيصهم نهائياً لخدمة الله لتكون حياتهم ذبيحة حية مقدسة مرضية أمام الله" (رو1:12) كما أن المسيح نفسه قدسه الآب وأرسله ليكون ذبيحة فداء عن البشرية. قدسهم في الحق نرى فيها الله وقد نقلهم تماماً من تبعية العالم لتبعيته هو بل وينقل حياتهم وأفكارهم ورغباتهم وتعلقاتهم من عالم الشهوات والماديات التي سبق وتعلقوا بها إلى حياة الحق فتكون كل رغباتهم وأفكارهم وتعلقاتهم هي لخدمة الله. ومن تقدس في الحق تتحرر نفسه من التعلق بالعالم والماديات. وهذا ما طلبه بولس الرسول "إن كنتم قد قمتم مع المسيح فأطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس" (كو1:3) فالقداسة هي الإهتمام بالسماويات وهذه هي الحق، أما العالم فباطل. وهكذا تعيش الكنيسة في الحق والآب يقدسها في إسمه ويُرِسِلْ لها الروح القدس ليقدس والمسيح يقدسها بدمه وبهذا تعيش وسط العالم محفوظة من الشرور وإغراءات العالم، وقد إكتشفت أنها تعيش مخصصة لله وللحياة الأبدية. والكنيسة إكتشفت أن أعدائها هم العالم والجسد والخطية وعلى رأسهم الشيطان فقاومتهم وعاشت في حرية أولاد الله، غير مخدوعة بأفراح العالم المزيفة التي سريعاً ما تزول بل هي مزيفة ومخادعة، أما أفراح الله فلا ينزعها أحد وسلامه ليس من هذا العالم (يو22:16 + 27:14). بل أن ما في العالم يتسبب في الضيق والقلق والإضطراب، بل هو باطل وفاني، لذلك فمن ينخدع به لا يجد راحة. وعين الإنسان الذي تقدس بالحق الذي هو خلاصة ما أعلنه المسيح، تكتشف خداع العالم فمثل هذه النفس لها النور الذي يكشف الحقيقة. وهذا معنى كلام المسيح في (يو31:12،32) الآن دينونة هذا العالم.. أي الحكم على العالم بالتزييف والخداع بعد أن ظهر الحق الإلهي فعزل قوة التزييف التي قتل بها إبليس البشر من قبل (يو44:8). ومن يتقدس في الحق يكون نور يفضح أكاذيب العالم. قدسهم= القداسة هي أن نحيا في السماويات. وبهذا فكلمة قدسهم تعني نزع كل ما هو أرضي من القلب ليتفرغ القلب لحب الله وخدمته وفي العبرية تعني كلمة مقدس "مخصص لله".

إذاً تقديس الحق هو إنفتاح الوعي الداخلي للإنسان بقوة الروح الذي يسكبه الرب على التلاميذ فيرفع رؤية الإنسان وإدراكه فيكشف خداع العالم والشيطان (2كو11:2) فيصير الإنسان قادراً أن يتعامل مع أفكار الظلمة ويطاردها ويكتشف زيفها (يع7:4) لذلك فهناك علاقة وثيقة بين النور والحق، فمن إنفتحت بصيرته  لا يستهويه سوى الحق. أما الذين يستهويهم الزيف فلا يرون النور نوراً بل حرماناً من ملذات وهمية فانية مائتة. فالإنسان الأعمى لا يرى إلاّ ما هو تحت رجليه (يو20:3).

وحينما يملك الحق بالكامل يملك سلام الله الكامل. ويكون الإتضاع الحقيقي. وحينما يتقدس الإنسان فعلاً تتغير طبيعته فلا يصبح قابلاً للخداع والتزييف بل تكون له طبيعة محصنة بالحق وقوته فلا يعود الإنسان يُحْمَل بكل ريح بل يثبت في الله (1يو16:4) والحق والنور إستعلنا للعالم في شخص المسيح (يو12:8 + 6:14). وبإتحاده بنا جمعنا في جسده وكشف لنا زيف العالم ووحدنا وقدمنا لله أبيه فتبنانا (في 1يو19:5 نرى الحق في مقابل الخداع). ونلاحظ ن عبد الخطية المتعبد لأصنام الجسد والشهوات الجسدية يشعر بنفسه شعوراً محدوداً ضيقاً لأنه محصور في دنيا الأطماع الجسدية. أمّا الذي تقدس بالروح لله وعبادته وإستعلن له الحق فيشعر أنه تحرر من ضيق الجسد وإنحسرت أطماعه ورغباته ولا يعود للملذات جمالها المخادع بل تصير تحت قدميه. ومن هنا يبدأ الخلود والحياة الحقيقية لذلك قال القديس أغسطينوس "جلست فوق قمة العالم حينما أصبحت لا أشتهي شيئاً" وحينما يعيش من تقدس في الحق وسط العالم، يعمل وسط العالم بروح الله ولا يخدعه العالم، لا يكون من داعٍ بعد ليأخذه الله من العالم (آية15) ولاحظ أن بولس الرسول حين قال أنه يشتهي أن ينطلق ويكون مع المسيح، قال أنه محصور بين هذه الشهوة وشهوة أخرى هي أن يعيش ويكرز ليخدم المسيح (في22:1-24).

كلامك هو حق= أي كل التعليم الذي يخص الآب والذي أعلنه يسوع. هذا الكلام فليتقدسوا فيه. كلام الحق أو الكلام الذي هو حق هو إستعلان الله للوعي الداخلي للإنسان. وتصير الكلمة هي المرشد والقائد للنفس الأمينة، لتُدْخِلها إلى حضرة الله الآب فترتسم على النفس صورة الله وتحترق منها كل شوائب الخداع وتنطبع فيها ملامح الله في القداسة والحق (أف21:4-24) فكلام الله هو واسطة الدخول إلى الله، على أن نأتي إلى كلمة الله بنية التغيير (عب1:2). كلام الله هو وسيلة تقديس. "وأنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذي كلمتكم به" (يو3:15) وهذه أهمية دراسة كلمة الله.

 

آية (18): "كما أرسلتني إلى العالم أرسلتهم أنا إلى العالم."

إذاً تقديس التلاميذ الذي يطلبه المسيح ليس ليرتفعوا به عن العالم بل أن يقتحموا العالم وظلمته فيحطموا أوثانه، كما حدث مع الإمبراطورية الرومانية. وكما أرسل الله الآب بنه وقدّسه ليشهد للحق (يو36:10) فرفضه العالم وصلبه، هكذا أرسل الإبن تلاميذه وقدّسهم ورفضهم العالم. ولكن لنلاحظ أن المسيح أُرسل من السماء إلى العالم أمّا التلاميذ فأرسلوا من العالم إلى العالم. ورسالة المسيح كانت للفداء أمّا رسالة التلاميذ فهي للتبشير. إلاّ أنه بنوع ما فإن رسالة التلاميذ هي إمتداد لرسالة المسيح وبآلامهم يكملون نقائص شدائد المسيح (كو24:1).

 

آية (19): "ولأجلهم اقدس أنا ذاتي ليكونوا هم أيضاً مقدسين في الحق."

أقدس أنا ذاتي= سبق المسيح وقال أن الآب قدَّسه (يو36:10). ومن هنا نفهم أن الآب والإبن متساويان في الألوهية. فبمقدار ما إختار الآب أن يخصص الإبن المتجسد لعمل الفداء بقدر ما إستجاب الإبن لدرجة الموت. فالمشيئة واحدة فهم ذات واحدة. وهذا التطابق في المشيئة أزلي نفذه الإبن في ملء الزمان.

والتقديس هو عمل الله وحده، ولا يوجد إنسان يمكنه أن يقول أقدس أنا ذاتي. فالتقديس هو أن يصير الإنسان من خاصة الله، والله وحده يعين خاصته وللإنسان فقط أن يطلب التقديس ولكنه لا يعطيه قط. لذلك قوله أقدس أنا ذاتي دليل ألوهيته.

أقدس= أي قبلت تخصيص الآب لي للقيام بعمل الفداء (مز8:40). مشيئة الآب والإبن واحدة لكن ما يريده الآب ينفذه الإبن. فالآب يريد فداء البشر والإبن يقبل بسرور إتمام الفداء فهذه إرادته أيضاً وسلطانه (يو18:10).

لأجلهم أقدس أنا ذاتي= هنا المسيح يتكلم كرئيس كهنتنا، أقدم ذاتي وأكرسها لأكون ذبيحة من أجل البشر (يو17:10،18) ولاحظ أنه يقول أقدس ولم يقل قدست. فنحن محتاجون لهذا التقديس بإستمرار. وبنفس المفهوم قال السيد المسيح عند تأسيس سر الإفخارستيا "هذا هو جسدي الذي يبذل عنكم.. دمي الذي يسفك عنكم" (لو19:22،20) فهو دم مسفوك دائماً، لذلك فذبيحة الإفخارستيا هي هي نفسها ذبيحة الصليب.

وحان الوقت ليكمل المسيح عمله وبمشيئته. وفي (عب10:10) نرى أنه بهذه المشيئة الأزلية وبتطبيقها وتنفيذها في ملء الزمان نحن مقدسون (أف4:1،5 + 2تي9:1). فالآب أرسل إبنه ليفتدي البشر ويقدسهم وبطاعته قدسهم= لأجلهم وتلاميذه بطاعتهم له وإتباعهم وصاياه حتى الموت كما فعل هو يتقدسوا.

ليكونوا هم أيضاً مقدسين في الحق= تقديس التلاميذ يكون بتطهيرهم داخلياً ثم تكريسهم خارجياً. ولكن تقديس المسيح هو عمل خارجي عبارة عن تكريسه لذاته وتقديمها لله ذبيحة حية مقدسة. ولاحظ أن التلاميذ عاجزين أن يقدسوا ذواتهم بل هم محتاجين أن الله يقدسهم (عب10:10). فتقديس التلاميذ هو عمل إلهي من عمل الله نفسه، وبذبيحة المسيح غير المحدودة في التقديس من ناحية الزمان والمكان. ولنلاحظ إرتباط هذه الصلاة مع ما قدَّمه لهم المسيح منذ دقائق، ذبيحة جسده ودمه المسفوك لتقديسهم. فتقديس المسيح سلًّمه لنا في ذبيحته تسليماً أكلاً وشرباً. فلنطلب لنصير مقدسين في الحق، حق المسيح، في ذبيحته وقيامته وحياته ولنجحد العالم ونلتصق بالله فنتقدس.

الآيات (20-26): فيها يطلب المسيح من أجل وحدة الكنيسة كلها عبر الدهور. والمسيح هنا ينتقل من الوحدة بين التلاميذ إلى وحدة الكنيسة كلها. ومن المعرفة المعلنة للتلاميذ بحضوره إلى المعرفة المستعلنة بالروح والممتدة عبر العالم كله. وهذا هو عمل الروح القدس أن يوحد المؤمنون في شخص المسيح كأعضاء في جسد واحد (أف16:4 + كو19:2). وكأغصان في كرمة واحدة (يو1:15،2). والأعضاء ترتبط بالمسيح الرأس لتكون واحداً في المسيح. والوحدة التي بين المؤمنين تفترق عن أي وحدة أخرى في العالم. فالحق هو محور هذه الوحدة، والحب هو عصبها. ومن (أف1:4-6) نفهم أن مصادر الوحدة هي الإيمان بالله الواحد والمعمودية الواحدة والتناول من جسد المسيح الواحد والمحبة ووحدانية القلب. في آية (11) "إحفظهم في إسمك" وفي آية (17) "قدسهم في حقك" ومن حفظهم الله وقدسهم لابد وسيكونون في وحدة وبلا إنشقاق وهذا موضوع الآيات التالية.

 

آية (20): "ولست اسأل من أجل هؤلاء فقط بل أيضاً من اجل الذين يؤمنون بي بكلامهم."

الذين يؤمنون= في كل زمان وكل مكان. بكلامهم= هذه قد تفهم أنه بكلام التلاميذ وبكرازتهم وبأقوالهم التي سجلوها في الأناجيل والرسائل وسفر الرؤيا يؤمن الناس بكلامهم. والمسيح يطلب الوحدة لكل من يؤمن في كل مكان وكل زمان. وقد يفهم هذا أن من يؤمن سيجاهر بإيمانه وكلامه علناً وصراحة. والرأي الأول هو الأرجح. الذين يؤمنون= إذاً الذين لا يؤمنون لا شفاعة لهم في هذه الصلاة، والسبب بسيط أن المسيح لا يجبر أحد أن يؤمن به. لكن علينا نحن أن نصلي لكل الناس. فشفاعة المسيح هي شفاعة كفارية بدمه. فمن لا يؤمن لا يستفيد من دم المسيح.

أسأل= وماذا يطلب المسيح عن المؤمنين؟ في الآيات الآتية يطلب أن يكونوا واحداً. هي وحدة في الفكر والهدف والمشاعر بلا إنقسامات أو تحزبات، فنحن جسد واحد ونحن من لحمه ومن عظامه (أف3:4-6 + أف30:5) وإذا فهمنا أن المسيح وحدنا في جسده وجعلنا جسد واحد، فهذا المفهوم هو أقوى من موضوع المشاعر فهذه وحدة كيان.

 

الآيات (21-23): "ليكون الجميع واحداً كما انك أنت أيها الآب في وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحداً     فينا ليؤمن العالم انك أرسلتني. وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحداً كما أننا  نحن واحد. أنا فيهم وأنت في ليكونوا مكملين إلى واحد وليعلم العالم انك أرسلتني وأحببتهم كما أحببتني."

المسيح يطلب الوحدة بعد أن سبق وأعلن أنهم آمنوا به ثم طلب أن يحفظهم الآب في إسمه القدوس في العالم. وطلب بعد ذلك أن يقدسهم في الحق. والآن يطلب أن يبلغوا الوحدة. فمن يؤمن تكون الخطوة التالية له أن يحفظه الآب في إسمه القدوس. ومن يُحْفَظْ في إسم الآب يؤهل للتقديس في الحق. ومن يتقدس في الحق يؤهل للوحدة. ونلاحظ أنه بالخطية تفتتت الوحدة بين الإنسان، وفقد وحدانيته التي كان يتراءى بها في حضرة الله. والآن المسيح يطلب لتعود لكنيسته صورة الوحدة (أف11:4-13). الله خلق الإنسان في وحدة. فحواء مأخوذة من جسد آدم. إذاً هما جسد واحد. والأولاد من كليهما. إذاً البشرية كلها جسد واحد. وكان المفروض أن تكون في وحدة؟ وحدة محبة الجسد الواحد. ولكن بالخطية تبددت الوحدة وقام قايين وقتل أخاه هابيل. وجاء المسيح ليعيد هذه الوحدة. ولاحظ أن آيات الوحدة هذه هي آخر كلمات يقولها المسيح قبل صلبه، والمعنى.. أنا أتيت لأجل هذا، لأعيد الوحدة المفقودة. الوحدانية التي هي هدف الخلقة. وهذا ما تحقق في الكنيسة الأولى (أع44:2 ++ 32:4). وهذا يكون بسبب الروح القدس الذي يسكب المحبة في قلوبنا (رو5:5). أما كل حب خارج المسيح فهو نفعي أو شهواني. ولكن الحب في المسيح فهو بذل على شكل حب المسيح لنا. وهذه الوحدة درجة أعلى من الإيمان. فالمسيح يطلب عن التلاميذ الذي سبق وأعلن يقينية إيمانهم، وهي وحدة على صورة وحدة الآب والإبن، وحدة كيان واحد. وبالتأمل في (أف11:4-13) نرى أن الرسول بولس يتكلم عن الإنسان الكامل، وهذا هو الإنسان الذي إنطبعت فيه صورة الله. والتسلسل الذي إتبعه بولس  بدأ بوحدانية الإيمان وهذه توصل لمعرفة إبن الله أي إستعلان سر الله، سر علاقة الآب بالإبن والحياة الأبدية (يو38:10 + 20:14). وإستعلان سر الله بالمعرفة الروحية يوصل إلى الإنسان الكامل. ولكل واحد من أعضاء الكنيسة الواحدة مواهبه فيتكامل الجميع وتبلغ الكنيسة في النهاية إلى صورة المسيح الكاملة التي يُعَبِّر عنها بولس الرسول هكذا "إلى قياس قامة ملء المسيح" (أف13:4) ولكن علينا أن نجتهد في سبيل ذلك (أف3:4-5).

ولمن يعلن الله أسراره؟ لعبيده الأنبياء (عا7:3) ولخائفيه (مز14:25) ولأحبائه (تك17:18) وإبراهيم هو خليل الله. فَسِرْ الله، سر الآب والإبن، سر بنوة البشر لله بإتحادهم بالإبن وحصولهم على الحياة الأبدية، هذا السر يُعلن لمن يحب الله وأحبه الله. فنفهم أن من إِسْتُعْلِنَ له هذا السر يصير شريكاً في ميراث البنوة والحياة الأبدية وقد دخل في شركة مع الآب والإبن بالروح القدس (1يو2:1،3).

وإتحادنا بالمسيح هو الطريق للوحدة بيننا وبين بعضنا ثم هو الطريق للوحدة مع الآب. ولاحظ أن الطريق لنكون واحداً في الله أن يسبق هذا وحدتنا. والطريق لوحدتنا أن نثبت في المسيح= ليكونوا واحداً فينا= فلا يصلح أن نكون واحداً فقط، بل المهم أن نكون واحداً في المسيح وفي الآب. فهناك من إتحدوا في الشر. ولكن من الذي يتحد بالمسيح سوى من أحب إخوته بل وأعدائه، فمن يجاهد ليحب إخوته يثبت في المسيح وهذا يبدأ بالمعمودية. وبلوغ الكنيسة حالة الوحدة في ذاتها يؤهلها للإتحاد بالمسيح وبالآب، لذلك بدأت طلبة المسيح بأن يكون الجميع واحداً كعطية من عند الآب يهبها للكنيسة بسكب مواهب الروح في أعضائها. وهذا لن يجاهد أن يحب إخوته. وبعد هذا يؤهلوا أن يكونوا واحداً في الإبن والآب. فالمسيح وحدنا فيه بالروح القدس بالمعمودية. ولكن من يجاهد ليحيا في محبة مع الآخرين يثبت في المسيح. وكل من يفعل هذا يحيا في وحدة. وعن طريق وحدتنا مع المسيح أيضاً نتحد مع الآب. والمسيح بروحه القدوس يوحد مثل هؤلاء ويجعلهم واحداً. فالجماعة لا تتحد إلاّ بالوجود في الآب والإبن. وهذه الوحدة هي التي تؤثر في العالم=  ليؤمن العالم أنك أرسلتني.

كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك.. المقصود هو المشابهة وليس المساواة. فالمسيح يضع الوحدة بينه وبين الآب كنموذج ليكون لنا الوحدة في الإرادة والفكر والقصد والتدبير والشعور. وهذه العبارة "أنت فيّ وأنا فيك" تشير لكيان واحد ذاتي، فالآب كله للإبن والإبن كله للآب. وكل ما لأحدهم هو للآخر "كل ما هو لي فهو لك وما هو لك فهو لي" ومن الآيتين نفهم طبيعة الوحدة بين الآب والإبن.

وكيف ينطبق هذا علينا؟ .. من سألك فأعطه (مت42:5 + أع44:2-46 ، 32:4) وإتحادنا معاً لا يلغي شخصياتنا بل كما الفرقة الموسيقية تصدر لحناً واحداً. وهكذا للأقانيم الثلاثة فلكل أقنوم عمله. ونحن لكل منّا دوره في الكنيسة ونتكامل معاً.

وإذا فهمنا أن المطلوب أن يكون كل واحد لا لنفسه بل للآخرين نأتي لمفهوم المحبة التي يجب أن تكون بيننا والتي هي صورة للمحبة الكائنة بين الآب والإبن والتي هي صفة جوهرية من صميم طبيعة الله فالله محبة. وهذه المحبة من الإبن للآب ظهرت في طاعته حتى الصليب وراجع (يو31:14 + 35:3 + 9:15 + 24:17،26) لنرى حب الآب للإبن والإبن للآب. وهذا الحب الذي بين الآب والإبن إنسكب كعطية على البشر (رو5:5). وهذه المحبة فائقة للطبيعة البشرية وبها يمكننا أن نحب أعدائنا، بل نقدم أنفسنا ذبائح عن المسيح وعن الآخرين (يو12:15 + 1يو16:3 + 1يو7:4،8). وهذه المحبة دليل وحدتنا مع الله وحضور الله في روح الإنسان وقلبه وهي إعلان عن الإيمان القوي الفعال. ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه (1يو16:4). والمحبة هي هبة عظمة مجانية ولكننا نأخذها لنعطيها وعطاؤها هو بذل النفس وإنكارها حتى الموت. ومن لا يتشجع ويعطي تسحب منه ويصبح بلا محبة غريباً عن صليب المسيح (1يو14:3). إذاً فالوحدة التي وهب لنا الله أن نبلغها في المسيح في الله يجب أن تكون ضحيتها الأنا وإذا ماتت الأنا فسأحب أعدائي (غل20:2 + أع24:20). لكن لنفهم أن وحدانية الآب والإبن هي وحدانية تساوي في الجوهر. فلهما وحدة كيان وجوهر وذات وكرامة وطبيعة. أنا وحدانيتي مع الله فهي شئ مكتسب برحمة الله ونعمته. وليس للتساوي. هو يكمل عجزي ونقصي. وفي هذه الوحدة يعطيني حياته فأقول "لي الحياة هي المسيح" (في21:1 + غل20:2) ويعطيني إمكانياته فأقول "أستطيع كل شئ في المسيح الذي يقويني" (في13:4) وأعطيه حياتي وكل ما لي قائلاً "أنا لحبيبي وحبيبي لي" (نش3:6).

أنا فيهم وأنت فيّ= لم يقل المسيح أنت فيّ وأنت فيهم لأن حلول الآب في المسيح يختلف عن حلوله في المؤمنين. ولم يقل المسيح هم فيك وأنا فيك لأن ثبوت المسيح في الآب غير ثبوت المؤمنين فيه (بنفس المفهوم نفهم قول المسيح أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" 17:20) وبنفس الطريقة نفهم أنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني فهذه لا تعني المساواة بيننا وبينه فهو إبن للآب بطبيعته وله كل المجد الذي للآب، أمّا نحن فصرنا أبناء بالتبني وتنعكس صورة مجده علينا. والوحدة بين الآب والإبن قائمة على أساس التساوي بينهما فهم واحد في الجوهر. أمّا الإنسان، فكل واحد مختلف عن الآخر، وكل البشر هم لا شئ أمام الله. ولكن وحدتنا مع الله تعني إنسكاب قوته فينا ليعيد تشكيلنا لنصير على صورته، ونبدأ نتحد مع هذه القوة فتلغي عداواتنا وإنقساماتنا ونتقدس، ويبدأ نور معرفة المسيح ينساب داخلنا فتستعلن لنا الوحدة الكائنة في المسيح والآب بقوة تدخلنا في الإحساس والوجود الفعلي في حضرة الآب والإبن. وهكذا نتحد بسبب الروح الواحد الذي نستقي منه (1كو13:12) والجسد الواحد الذي نغتذي عليه (1كو16:10،17).

والإتحاد مع الله هو إتحاد كل القوة والقداسة والحق باللاشئ، بالإنسان الميت، ليقدس ويحيي هذا المائت. كما تقول ثيؤطوكية الجمعة "أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له.. " هو إتحاد لتغطية النقص والعجز بملئه وكماله (كو9:2،10) وحلول كل ملء اللاهوت في المسيح جسدياً تعني أن المسيح قبل التجسد كان له ملء اللاهوت وهذه تساوي الآب فيّ. وملء اللاهوت جسدياً يعني أن المسيح صار جسداً منظوراً ملموساً لنعرف الله (1يو1:1-3) فملء اللاهوت جسدياً هو ملء الله الذي جعله في متناول أخذنا (يو16:1). نأخذ من ملئه قداسة وحياة أبدية ووداعة ونور وحق وخبز حقيقي وماء حياة.. وهذا ما عناه المسيح بقوله "أنا فيهم.. وأنت فيّ". فهذا إتحاد غير منفصم. بل صار لنا فكر المسيح (1كو30:1 + 16:2).

Text Box: الوحدة بين المسيح وبين الإنسان

لقد وضع المسيح بصليبه أسس الإتحاد المقدس. وراجع (رؤ30:3) كتصوير لهذه الوحدة فالمسيح يتعشي معنا. هويتعشى من صحن هموم الإنسان وأوجاعه "في كل ضيقهم تضايق" ويأكل من لقمة الشقاء والتغرب. والإنسان يتعشى معه بالنعمة من صحن أفراحه وبهجة خلاصه ويتناول من يده خبز حبه. إن وحدة الآب مع المسيح تقوم على التساوي كلياً وفي 

كل شئ فهي وحدة ذات وكرامة ومجد وكمال مطلق، وحدة طبيعة جوهرية، أمّا الوحدة التي لنا في المسيح فهي وحدة نعمة ورحمة وتفضل وهبة يأخذها من يؤمن ويحفظ كلامه.

ليكونوا واحداً= بعمل المسيح والآب والروح القدس يصير المؤمنين واحداً. لكن المؤمنين وحدهم لا يمكنهم أن يتحدوا. ليكونوا مكملين إلى واحد= هنا إرتقاء وسمو بالوحدة التي يطلبها لنا المسيح، فهي وحدة أولاً بيننا ثم هي بيننا وبينه وبين الآب وأخيراً تكميلها إلى الكمال أي نصير مملوئين فيه (يو14:1،16 + كو10:2 + أف14:3-20). وسبق هذه الآية أن المسيح أعطانا المجد الذي له ويكون المعنى أن عطية المجد الذي يعطيه الآب للمسيح لحسابنا والتي سلمها لنا المسيح، تكون سر الملء لبلوغ كمال الوحدة في المسيح والآب. حينما تصير الكنيسة في وحدة تصير أيقونة للثالوث.

أنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحداً= هو مجد الحلول الإلهي.. المسيح فيكم رجاء المجد (عب10:2 + كو27:1). وهذا ما يعطينا البنوة لله بالمسيح ونصير كلنا واحداً. وهو مجد حلول الروح القدس فينا يوزع على كل واحد مواهبه. والمجد الذي نأخذه الآن هو عربون المجد العتيد أن يستعلن فينا (رو18:8). حلول الله فينا هو المجد ولكنه الآن غير مرئي. أما في السماء فسيكون مرئياً. هذا المجد أعطاه الآب للإبن في الجسد. ومن فيض هذه النعمة التي إنكسبت على الإبن من الآب أعطى المسيح للمؤمنين به. وهذه النعمة أو هذا المجد يكون بإتحادنا به. وهذا يؤدي لوحدتنا. أنا في السماء فسيكون هذا المجد ظاهراً فنكون مثله (1يو2:3). عموماً من يصير على صورة المسيح على الأرض (غل19:4) يصير مثله في السماء (1يو2:3). المجد الذي أعطاه المسيح لنا هو سبب وحدة الكنيسة. وذلك لأن الشقاق والإنقسامات بين الناس سببها صراعهم على أمجاد هذا العالم الباطل أي الأمجاد الوهمية. لكن من يصدق أن المسيح أعطاه كل هذا المجد سيبيع اللآلئ العادية (أمجاد العالم) أي تصير عنده بلا قيمة، إذ قد حصل على اللؤلؤة كثيرة الثمن (أمجاد السماء) التي سيحصل عليها بل حصل عليها بإتحاده بالمسيح. ومن حصل على هذا المجد الذي نحن فيه الآن وسوف يستعلن فينا (رو18:8) لن يتصارع على أمجاد هذا العالم. والروح القدس الذي فيه سيعطيه محبة لكل الناس حتى أعدائه. وبالمحبة نتحد معاً بل نتحد مع الله فالله طبيعته المحبة، ومن هو مملوء محبة يستطيع أن يتحد بالله فالله محبة. وإتحاد الآب والإبن هو بالمحبة وقد تم التعبير عن هذا الإتحاد بتسمية الآب بالمحب وتسمية الإبن بالمحبوب (أف6:1) والروح القدس هو روح المحبة فالروح القدس ينقل حب الله الآب المحب إلى الإبن المحبوب. وبإتحادنا بالإبن بالمحبة تنتقل محبة الآب أيضاً إلينا أي نثبت فيه.

المجد الذي أعطيتني= المسيح بلاهوته لا يقول هذا فهو له المجد منذ الأزل. ولكن هذه تعني المجد الذي ناله بجسده لحساب الإنسان، ليبلغ به الإنسان إلى كمال الشركة في المسيح والآب. والمجد الذي صار للمسيح بجلوسه عن يمين الآب بدأ بالصليب (يو39:7 + 31:13،32) وهذا المجد يتحول للإنسان إذا قبل الصليب مع المسيح (لو28:22-30 + رو17:8،18 + 1بط14:4) والمجد أيضاً يشير للنعمة التي أعطيت للمسيح في جسده وهذه تكون للكنيسة الآن، كما يكون لها نفس مجده في السماء. وكما أن الخطية شتتت الوحدة التي للإنسان، فالمسيح بجسده الممزق على الصليب أعاد وحدة الكنيسة وبجسده المكسور في الإفخارستيا يوحدنا به. هكذا صار الصليب هو المجد وروح المجد وإكليل المجد الذي وُهِبَ للإنسان أن يتقلده مثل المسيح. وهدف المسيح من إعطائه هذا المجد هو أن تكون كنيسته واحدة بلا أي شقاقات. فهي عروسه الواحدة الوحيدة هنا وفي السماء. ونلاحظ في (عب10:2 + 9:5) أن المسيح تَكَمَّلَ بالآلام. وهنا نسمع ليكونوا مكملين إلى واحد ومن هذا نفهم أن كمال الوحدة يكون في إحتمال الكنيسة للآلام والصليب، وأن من يحتمل الألم يكون له مجد. فنحن بإحتمالنا للألم يكون لنا شركة آلام وحب مع المسيح وبالتالي نتمجد كما تمجد إذاً نحن نتوحد مع المسيح بشركة آلامه وقبل هذا الإيمان والحفظ في إسمه والتقديس في الحق. ليعلم العالم أنك أرسلتني= حينما يرانا العالم في محبة ووحدة يؤمن بالمسيح إذ يرى التغيير الكبير في حياة أولاد الله. وبعد صعود المسيح ما عاد الناس يرونه، لكنهم يرون كنيسته، فإن كانوا واحداً في محبة سيؤمنوا بأن المسيح كان من عند الله. وهذه المحبة ستشهد أيضاً أننا محبوبين من الله= وأحببتهم كما أحببتني= فنحن محبوبين كما أن الإبن محبوب عند الآب. لأننا في المسيح. والعالم سيدرك هذا. وحينما يرانا العالم نحتمل الآلام في فرح محبة في الله ويرى وحدتنا يكون هذا شاهداً لصدق رسالة المسيح فأكبر عثرة تعطل الإيمان هي عدم المحبة بين المؤمنين. وهذا ما كان سبب الإيمان في الكنيسة الأولى، أن غير المؤمنين كانوا يرون إحتمال الشهداء للموت والآلام بفرح. ومحبتهم لله ولبعضهم البعض. وقبول الموت بفرح نابع من إنسكاب محبة الله فيهم= أحببتهم كما أحببتني الآب يحبنا بنفس قدر محبته للإبن. وهذه محبة لا نهائية ولا توصف. والمسيح يعلن هذا لندرك مدى هذا الحب. وللأسف فمن يهتم وسط هذا العالم المادي.. !! ونلاحظ أننا موضع سرور الآب بالإبن فهو يحبنا في إبنه المتحد بنا.

 

آية (24): "أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا لينظروا مجدي الذي أعطيتني لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم."

أريد= هنا المسيح لا يطلب بل يُريد، المسيح هنا يتكلم بحسب المجد الذي سيأخذه من الآب بعد جلوسه عن يمينه. هنا نرى دالة البنوة عند الآب بعد أن أكمل الإبن مشيئته. ولأن الآب والإبن واحد فإرادة الإبن هي إعلان عن إرادة الآب. المسيح هنا يقول أريد وهي أعمق بكثير من أسأل (آية9). وماذا يريد؟ أن نكون معه لنرى مجده ونفرح. هل هناك حب أعظم من هذا!

يكونون معي= هذا هو مجد الوحدة وإكليلها الفاخر (يو26:12). فمن يتبع المسيح في الصليب سيتبعه في المجد (رؤ4:14،5 + يو3:14 + 36:13 + رؤ21:3). ويوحنا في (يو14:1) يقول رأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب. فهذا المجد الذي إستطاع أن يراه هو كل ما أمكنه إدراكه من خلال حجاب الجسد والمسيح في حالة إخلاء. كما من خلال مرآة أو لغز (1كو12:13). ولكن المسيح هنا يتكلم عن رؤية مجده وهو في كامل إستعلان لاهوته في السماء مع الآب ولا يحجز الجسد منها شيئاً "لأننا سنراه كما هو" (1يو2:3). وقوله أنا فيكم وأنتم فيّ فهذا عن وجودنا في العالم فنحن نكون فيه الآن بالإيمان فقط (أف17:3). فالوحدة بالحلول وبسر الإفخارستيا (يو56:6) يُعوِّقها الجسد ويُحِّدْ من فاعليتها وإستعلانها وينقص من بهجتها بسبب عجز الجسد وقصوره ورغباته العاكسة. ولكن حين نتخلص من هذا الجسد الفاسد سنتواجد مع المسيح في حالة رؤية كاملة وإستعلان كامل ولكن المسيح لم يخبرنا عمّا سنراه فنحن لا يمكن أن نتخيله الآن (يو12:3 + 2كو4:12 + 1كو9:2) وقارن مع (1يو2:3 + كو4:3 + في21:3 + 2كو18:3) لنرى جسد المجد الذي سنأخذه ولاحظ عمق محبة المسيح لنا، فبينما هو مقبل على الصليب نجده مشغولاً بأن نكون معه في المجد.

لينظروا مجدي= مجد الكلمة المتجسد (في8:2-11) والذي إكتسبه بطاعته لله الآب (عب9:2).

لأنك أحببتني= ولقد إمتد حب الله الآب لإبنه ليشمل كل الذين آمنوا به وقبلوه (يو16:3). لقد نلنا بالتبني عينة من حب الآب لإبنه لنحيا في مجال حب الله الأزلى لإبنه. فالمسيح إذاً يطلب الوحدة بيننا وبين بعضنا البعض وبيننا وبين الله حتى نضمن أن نعاين هذا المجد للأبد إذا كنا ثابتين فيه بالحب. ونتمتع بالحضرة الإلهية. وإذا رأيناه نصير مثله (1يو2:3) إذاً فالمسيح طلب [1] الحفظ [2] التقديس [3] الوحدة والهدف المجد للمؤمنين برؤية مكشوفة.

 

آية (25): "أيها الآب البار أن العالم لم يعرفك أما أنا فعرفتك وهؤلاء عرفوا انك أنت أرسلتني."

أيها الآب البار= هذه هي المرة الوحيدة التي إستعمل المسيح فيها هذا اللقب للآب وكما قال سابقاً أيها الآب القدوس لأن طلبه كان أن يتقدس تلاميذه. قال هنا عن الآب أنه بار ليشير لبر الله وعدله وأنه سيعطي أكاليل البر لمن آمنوا به ويمتعهم بالمجد. فكلمة بار تترجم عادل (1يو9:1). والله في بره وعدله وقداسته لا يطيق الخطية ولكنه في رحمته ومحبته الغافرة أرسل أبنه ليكون سبباً في غفران خطايا المؤمنين (1يو9:1). والمسيح هنا يوجه هذا اللقب للآب بعد أن أنهى صلاته الشفاعية كأنه يشير أنه طلب كل طلباته في هذه الصلاة لأنه يعرف بر الآب الذي لا يعرفه سواه فهو وحده الذي يعرف قداسته وعدله ومحبته ورحمته، ولذلك فهو يتوجه إلى عدالة الآب وبره التي بها غفر للإنسان عن طريق صليب إبنه، وهو يُسِمعْ تلاميذه ما يقول ليعرفوا محبة الآب لهم وتدبيره، الذي جذبهم من العالم فعرفوا المسيح وآمنوا به فصاروا بنين. وإذ صاروا بنين حق لهم حب الآب كأبناء ولن يكون نصيبهم كنصيب العالم الذي لم يعرف الله بل جحده= لم يعرفك= هم رفضوا ما أعلنه المسيح فحرموا من مجده. يقولها المسيح في أسى عليهم. هؤلاء عرفوا= أي التلاميذ، وهؤلاء قبلوا الحق المعلن في المسيح فإستمتعوا بمجد المسيح وكانت لهم حياة أبدية (يو3:17).

أنا عرفتك= لا أحد يعرف الآب إلاّ الإبن. وهنا المسيح يتكلم بفم الإنسان الجديد أي الكنيسة التي إشتراها بدمه ولقنها معرفته. الإبن لبره يعرف الآب. ومن يؤمن به يسلك في بره فيعرف الآب أما العالم الرافض للبر فهو يرفض الآب فلا يعرفه.

 

آية (26): "وعرفتهم اسمك وسأعرفهم ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به وأكون أنا فيهم."

عرفتهم إسمك= أي أن المسيح إستعلن الآب وقوته ومحبته. إسم الآب أي محبته فالله محبة. أي أن المسيح عرفهم ذات الآب (إسمه). تشير أيضاً إلى أن المسيح وضع في قلوب تلاميذه قوة إسم الله كقوة حياة لا تزول، بها يرفضون العالم الزائف الفاني. وسأعرفهم= التعريف بإسم الله الآب عمل بدأه الإبن بتجسده وسيمتد للأبدية فالله لا يُدْرَكْ كماله، وهذا ما فعله المسيح بأن أرسل الروح القدس ليرشد إلى جميع الحق (يو13:16) ويسكب محبة الله في قلوبنا (رو5:5). وكل من بدأ يعرف إسم الله هنا سيكمل له المسيح المعرفة في الأبدية ومن رفض الصليب هنا ورفض أن يتعرف على إسم الآب لن يكون له نصيب أبدي.. ومن سكن إسم الآب في قلبه في تقوى فقد سكن الحب الأبوي فيه بضمان سكني المسيح. إذاً هي معرفة مستمرة متنامية، وشركة متزايدة بعمل الروح القدس. ليكون فيهم الحب= كلما نعرف ربنا بالأكثر نمتلئ حباً له وللناس. فالعلاقة الحية تتم بالمحبة. وأكون أنا فيهم= نحن لن نذوق الحب الأبوي بدون المسيح (يو27:16) فالحب الجارف في قلب الآب إستطاع المسيح أن يحوله نحو قلوبنا ولكي يضمن إنسكابه فينا أمّن على ذلك بوجوده الدائم (مت20:28). وصحيح أن المسيح سيفارق تلاميذه بالجسد ولكنه سيظل فيهم بالروح للأبد، لن نراه بعيوننا المادية ولكن نراه بعيون قلوبنا التي سوف تشعر وتتيقن من وجوده. ومن يعرف المسيح حسب الجسد فلن يعرفه بعد (2كو16:5،17). لذلك فشغل المسيحي الدائم أن يحوز على حلول المسيح في القلب (أف16:3-18). ولكن لاحظ ترتيب الآية. فالمسيح بدأ عملاً هو أن يعرفنا بالآب وسيكمله بالروح القدس ولكما إزددنا معرفة نزداد حباً. والهدف النهائي أن يسكن المسيح فينا ويتحد بنا فهذا هو المجد الذي أراده للبشر. هذا هو هدف التجسد، أن نكون في المسيح ويكون هو فينا. والصليب كان لغفران خطايانا فنتطهر ونؤهل لسكنى المسيح فينا. والعجيب أن الآيات التالية هي مؤامرة يهوذا والكتبة والفريسيين والكهنة ورؤساءهم والجند والرومان ضد من أحبهم كل هذا الحب!! فبينما كان المسيح يتكلم بهذا كانت المؤامرة تتم في الخارج. قارن مع (يو2:18).

 

 

يسوع المسيح في جثسيماني   (مت30:26،36-46+ مر26:14،32-42+ لو39:22-46+ يو1:18)

(مت30:26،36-46)

الآيات (30،36): "ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون. حينئذ جاء معهم يسوع إلي ضيعة يقال لها جثسيماني فقال للتلاميذ اجلسوا ههنا حتى امضي واصلي هناك."

سبحوا= كان اليهود معتادين أن يسبحوا بالمزمورين (115،116) في نهاية أكلهم الفصح وهنا هم قدموا تسابيح بعد تناولهم سر الشكر. وهذا ما تعمله الكنيسة أثناء التوزيع أنها تسبح بالمزمور (150).

جثسيماني= كلمة آرامية تعني معصرة زيت، وهي كانت في بستان للزيتون علي جبل الزيتون، وغالباً كان يملكه مارمرقس. وكان هذا البستان مفضلاً عند الرب يسوع ليجتمع فيه مع تلاميذه للصلاة والتعليم. ولقد أتى السيد مع تلاميذه إلى هذا المكان كمن يدخل بإرادته إلى المعصرة، ولقد رآه إشعياء بروح النبوة يجتاز المعصرة الحقة (أش1:63-3). رآه إشعياء يجتاز المعصرة وحده. وصلى يسوع ليس لأنه محتاج بل ليعلمنا الصلاة في ضيقاتنا فيسندنا الله.

 

الآيات (37،38): "ثم اخذ معه بطرس وابني زبدي وأبتدأ يحزن ويكتئب. فقال لهم نفسي حزينة جداً   حتى الموت امكثوا ههنا واسهروا معي."

بطرس وإبني زبدي= هم رأوه أيضاً في حالة التجلي، فمن رأى التجلي يكون مستعداً أن يعاين الآلام دون أن يشك. يحزن ويكتئب= ليس خوفاً من الآلام الجسدية وإنما لأجل ثقل الخطية التي لا يقبلها ولا يطيقها، ولكنه أتى ليحمل موت الخطية فيه. نفسي حزينة جداً حتى الموت= هو كإنسان كاد يموت لو لم يلقي معونة جسدية ليحتفظ بحياته لذا ظهر له ملاك يقويه. ونرى أن تلاميذه لم يستطيعوا حتى أن يشاركوه في أحزانه وصلاته بل ناموا.. حقاً لقد جاز المعصرة وحده. وشدة الحزن قد تؤدي للموت فعلاً.

 

آية (39): "ثم تقدم قليلاً وخر على وجهه وكان يصلي قائلاً يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت."

إن إرادة الآب وإرادة الإبن واحدة فهما روح واحد، ولكنه جاء نيابة عنا نحن الذين رفضنا إرادة الله فخضع للصليب بسرور من أجل الطاعة للآب. وفي نفس الوقت كان المسيح يريد ذلك. ونرى في كلام المسيح أنه يعلن إرادة الآب المحب (يو16:3). لماذا طلب المسيح أن تعبر عنه الكأس [1] هل خاف؟ [2] هل هو لا يعلم أنه سيقوم؟ [3] هل إرادته غير الآب؟

1)  لقد سلَّم المسيح نفسه بإرادته، فهو كان يمكنه الهرب وقت أن سقط الجند عند قوله أنا هو (يو6:18)، بل هو كان في إمكانه أن يؤذيهم كما سبق وفعل بشجرة التين بل هو قال لتلاميذه "قد إقترب الذي يسلمني" فلو أراد الهرب لهرب. وكان يمكنه أن يجتاز كما إجتاز من قبل دون أن يمسه أحد (لو29:4،30+ لو53:22+ يو10:10+ في6:2-8+ يو17:10+ يو1:17+ مت21:16-23+ مت46:21+ يو44:7+ يو59:8) بل  هو ثبت وجهه لينطلق إلى أورشليم حين تمت الأيام لإرتفاعه (لو51:9). من هنا نفهم أنه لم يخاف الموت. وهناك من يسأل لماذا ذهب إلى بستان جثسيماني في جبل الزيتون ألا يعتبر هذا هروباً؟ والإجابة أن اليهود كانوا لا يريدون إلقاء الأيدي عليه وسط المدينة حتى لا يحدث شغب كثير بسببه. والدليل أن يهوذا كان يريد أن يسلمه خارجاً عن الجمع، والمسيح كان يعلم أن يهوذا كان عارفاً بأنه يذهب إلى بستان جثسيماني (يو2:18). ولو حدث قتل وشغب لكان هذا دليلاً لليهود أن بسببه صار شغب وقتل وبالتالي فهو يستحق الموت، وتكون حجتهم أنهم قتلوه ليمنعوا الشغب. وهو ذهب للبرية أيضاً ليعطي فرصة لتلاميذه أن يهربوا بعد إلقاء القبض عليه (يو8:18،9). فكان التلاميذ في ضعفهم سينكرون الإيمان كلهم كما فعل بطرس، فضلاً عن أن السيد كان قد إعتاد أن يصلي في البرية وهو لم يرد أن يصلي في العلية فيسمعونه، أي تلاميذه. ولو حدث القبض عليه في المدينة فسيدافع عنه أحباؤه، وهو لا يريد لأحد أن يدافع عنه. فهو يسلم نفسه بإرادته ولا يريد كرامة بشرية من أحد.

2)  هو أعلم تلاميذه بقيامته (مت21:16)، بل كان يعلم كل شئ، وعلم أن بطرس سينكره 3مرّات، وعرف أن بطرس يصطاد سمكة بها استاراً (مت27:17) وهو علم حال السامرية وكان يعلم ضمائر الناس وتنبأ بما سيحدث لأورشليم وأعظم شئ في هذا المقال قوله ليس أحد يعرف الآب إلاّ الإبن (مت27:11). إذاً هو كان عارفاً بما سيحدث له، فلماذا إذاً صلّى لتعبر عنه هذه الكأس؟ هو بهذا أظهر أنه إنسان كامل يضطرب ويحزن، كما كان يجوع ويعطش.. وهو بسماحه أظهر إضطرابه لنعرف إنسانيته ثم أظهر شجاعته بعد ذلك مع الجند. وكان إظهار إضطرابه ليستدرج الشيطان ليقترب منه فيغلبه الرب، فهو كان يخفي عن إبليس تدبيره. وهو صلَّى هكذا لنتعلم أن نصلي "لتكن مشيئتك".

3)  السيد قال أنا والآب واحد (يو30:10) وكل ما للآب هو لي (يو15:16). فإذا كانا واحدا في الذات فهما واحداً في المشيئات. والمشيئة الإلهية إتحدت أيضا بالمشيئة الإنسانية حين إتحد اللاهوت بالناسوت. وحتى قوله ما جئت لأصنع مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني (يو19:5،38:6) لا يعني وجود مشيئتان بل أن الجسد في ضعفه العادي يريد شيئاً ولكن المسيح لا ينفذه، لأن مشيئته هي أن يصنع مشيئة الآب. بل حتى القديسين صار لهم نفس الوضع فهم لا يصنعون سوى مشيئة الله ولا يستجيبون لنداءات الجسد. فكم بالأكثر من إتحد لاهوته بناسوته. لكل هذا نرى أنه أطاع حتى الموت موت الصليب. أي إنسان منا إذ علم أن هناك ضيقة تنتظره من المؤكد سيضطرب ويتمنى ألا تحدث، ويصلي. وبعد فترة من الصلاة يقنعه الروح القدس بأن يسلم الأمور لله، فيقول "لتكن مشيئتك" والمسيح لأن إنسانيته كانت كاملة إضطرب إذ أتت الساعة بينما هو كان يعرفها. وصلى. ولكن لم يأخذ الأمر معه وقتاً ما بين "إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس" وبين "ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت" لقد أختزل الوقت إلى لا شئ. فإرادته هي إرادة الآب هي الإرادة الإلهية التي فيه.

 

قصص حزن المسيح تختلف من إنجيل لآخر فلماذا؟

لقد أخبر كل واحد من الإنجيليين بحال من أحواله، وبعضهم إشترك في بعض الأخبار. وعموماً هم إقتسموا الأخبار ومن هنا نرى تكامل الأربعة أناجيل.

لماذا كانت آلام المسيح رهيبة؟

كانت أحزان المسيح لا تحتمل، فأضف لآلام الجسد آلام النفس أيضاً، فهو تألَّم بسبب خيانة يهوذا تلميذه وهروب باقي تلاميذه وصراخ الجموع ضده وهو الذي كان يجول يصنع خيراً، وهلاك اليهود الذين أتى لخلاصهم. وهو كان عالماً بكل الآلام والإهانات التي ستقع عليه. ونضيف لهذا أن المسيح كان سيحمل خطايا البشر، وهذا ما فاق إحتماله لقداسته المطلقة، وكان سيتذوق الموت وهو الحياة نفسها، بل كان يعلم أن الآب القدوس سيحجب وجهه عنه حينما يحمل خطايا البشر، وهذه النقطة بالذات يصعب علينا أن نتصورها لأننا لا نعلم حقيقة العلاقة بين الآب والإبن. والمسيح أراد إظهار ضعفه وحزنه وإضطرابه ليطمع فيه الشيطان ويظن أنه قادر أن يغلبه، فيغلبه المسيح. وأيضاً كونه أظهر ضعفه فقد أظهر إنسانيته الكاملة.

لماذا صلّى المسيح 3 مرّات أو لماذا أيقظ السيد تلاميذه 3 مرّات؟

هذا فيه إشارة إلى رقم (3) رقم القيامة وهذا ما قاله بولس الرسول (رو11:13-14 + أف14:5) وكان المسيح يصلي ليعلم تلاميذه أن يصلوا عند أي تجربة، وهو كان يطلب منهم الصلاة في هذه الساعة بالذات والتي إقترب فيها إلقاء القبض عليه حتى لا يقل إيمانهم فيه ويضربهم إبليس بالشك. والسيد كما علّم تلاميذه التواضع بأن غسل أرجلهم علمهم الصلاة في الضيقات في هذه الليلة. وكما علمهم أن يصلوا منفردين، إنفرد عنهم ليصلي، ولكنه لم يبتعد كثيراً ليتعلموا طريقة الصلاة. وهم أخذ (3) تلاميذ فشهادة الثلاثة قانونية. وهم كانوا أقرب التلاميذ لنقاوتهم ومحبتهم الكاملة. وهو أرادهم أن يشهدوا حزنه على العالم الذي فسد وإسرائيل إبنه البكر الذي رفضه، وأن آلامه كانت حقيقية. ويشهدوا بهذا أمام العالم فيكره الناس الخطية التي سببت كل هذا للرب.

 

آية (41): "اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف."

لاحظ كلمات التشجيع الروح نشيط والجسد ضعيف= أي أن السيد يعطيهم عذراً في نومهم، أن جسدهم ضعيف، لكن روحهم نشيطة.

 

آية (45): "ثم جاء إلى تلاميذه وقال لهم ناموا الآن واستريحوا هوذا الساعة قد اقتربت وابن الإنسان  يسلم إلى أيدي الخطاة."

ناموا الآن وإستريحوا= هو توبيخ لطيف المقصود به ناموا الآن إن إستطعتم فلقد أتت الساعة التي تتفرقون فيها. والسيد يعاتبهم فهم لم يفهموا قوله إسهروا لذلك قال لهم ناموا. وربما قصد أنه غير محتاج إليهم في الأمور التالية التي ينبغي أن يحتملها وحده.

 

آية (46): "قوموا ننطلق هوذا الذي يسلمني قد اقترب."

هنا نرى السيد هو الذي يذهب ليقابل يهوذا= قوموا ننطلق. وهذا يثبت أنه سلم نفسه بإرادته.

-         المسيح حمل كل خطايا البشر في جسده ليموت بها ليلغيها بقوة قيامته وقدوسيته.

(مر26:14،32-42)

 

آية (26): "ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون."

بعد أن قدّم السيد جسده ودمه ذبيحة حب سبح مع تلاميذه، ربما تسابيح الفصح المفرحة، معلناً أن العلية قد إمتلأت فرحاً وحمداً لله. ولماذا أخذ السيد تلاميذه إلى جبل الزيتون؟

1-   ليشاركوه حزنه وبكائه على أورشليم، وليعلموا كم قدم لأجلهم.

2- هو ذهب ليصلي، ليدخل في لقاء مع الآب يتسلم فيه كأس الصليب من يديه مع مرارته الشديدة، وكأن السيد يريد أن يعلم تلاميذه أن يتقبلوا من الآب أي شئ حتى الصليب المر الذي يسمح به، هنا يعلمهم حياة التسليم الكامل.

3- هو صعد أيضاً على جبل الزيتون، والزيتون بما فيه من زيت يشير لعمل الروح القدس فهم لن يستطيعوا تقبل الألم من يدي الآب ولا مشاركة المسيح أحزانه إلاّ بمعونة الروح. والسيد كان يعدهم أيضاً لحمل الصليب والآلام، فإن كانوا قد فعلوا هذا بالرب فلسوف يفعلون بهم هكذا. لكن هناك تعزيات سمائية تساندهم.

4- أخذ معه تلاميذه الذين رأوا التجلي، فإذا يروه يحزن ويكتئب ودموعه تتقاطر يدركوا تأنسه ودخوله تحت الآلام دون أن يتعثروا، فقد رأوه في تجليه ومجده.

5- إن كان آدم خالف الله في بستان ففقدت البشرية سر حياتها وبهجتها وسلامها خلال عصيانه، ففي بستان جثسيماني دخل آدم الأخير كما إلى معصرة يعتصر فيها بالألم ليرد بطاعته للآب ما فقدته البشرية.

 

آية (34): "فقال لهم نفسي حزينة جداً حتى الموت امكثوا هنا واسهروا."

أحزان يسوع هنا ليست بسبب الموت الجسدي والآلام النفسية وإلاّ لكان كثير من الشهداء قد أظهروا شجاعة أكثر من المسيح. ولكن أحزان المسيح الجسدية والنفسية يضاف لها أحزانه الروحية لإحتجاب وجه الآب عنه كحامل خطايا وهو الذي بلا خطية. أحزانه لن نفهمها ولن ندركها ولن يدركها سواه. وإذا كان المسيح قد صلَّى للآب لتصير إرادته خاضعة فعلينا أن نصلي نحن أيضاً قائلين لتكن إرادتك، فهو ذهب للصليب منتصراً إذ سلم إرادته للآب، وهكذا كل من يسلم إرادته للآب ينتصر. ومن يريد أن تثبت إرادته هو لا إرادة الله ينهزم. وإسهروا= ليكونوا مستعدين للهروب إذ يأتي الجند للقبض على يسوع.

 

آية (36): "وقال يا أبا الآب كل شيء مستطاع لك فاجز عني هذه الكأس ولكن ليكن لا ما أريد أنا بل ما تريد أنت."

أبّا الآب= هو تعبير يعني "يا أبويا" وإستخدمه بولس الرسول (رو15:8+غل6:4)

(لو39:22-46)

دخل المسيح إلى البستان في هذه المرة الأخيرة كما إلى هيكله المقدس ليترك (8) من تلاميذه في الدار الخارجية، ويدخل بثلاثة منهم إلى القدس، وأخيراً ينطلق بمفرده ليجثو في قدس الأقداس كرئيس كهنة أعظم يقدم ذبيحة فريدة عن العالم، يقدم حياته مبذولة طاعة للآب وحباً للبشرية وكل منّا يستطيع أن يدخل معه وبه إلى جثسيماني وندخل إلى معصرة الألم، كل بحسب قامته الروحية إمّا مع الثمانية أو مع الثلاثة، أمّا العمل الكفاري فللمسيح وحده، هو إختصاصه وحده. وعلينا أن نعرف أن كل البركات التي أخذناها تُثير حسد الشياطين فيثيروا ضدنا التجارب وعلينا أن نصلي لنغلب.

 

آية (40): "ولما صار إلى المكان قال لهم صلوا لكي لا تدخلوا في تجربة."

صلوا لكي لا تدخلوا في تجربة= بعد كل مرة نتناول فيها علينا أن نصلي ولا ننام لكي ننال النصرة والغلبة أن هجمات العدو لابد وستأتي. المسيح كان يريد لتلاميذه أن يكونوا في حالة صلاة حين تأتي التجربة ويصل يهوذا والرجال فلا يضعفوا ويخوروا. وهذا معنى وصية المسيح وبولس الرسول أن نصلي بلا إنقطاع ولأنهم لم يصلوا فبطرس أنكر إذ أتت التجربة وباقي التلاميذ هربوا.

 

آية (41): "وانفصل عنهم نحو رمية حجر وجثا على ركبتيه وصلى."

وجثا على ركبتيه= دليل ناسوتيته. وهو جثا وحده دون التلاميذ. فالتلاميذ لم يكن لهم أن يشاركوه هذه اللحظات التي حمل فيها ضعفنا وشفع بدمه عنا لدى الآب. كان عمله فريداً في نوعه.

 

آية (42): "قائلاً يا أبتاه إن شئت أن تجيز عني هذه الكأس ولكن لتكن لا إرادتي بل إرادتك."

لتكن لا إرادتي بل إرادتك= السيد صحح وضع البشر بالنسبة للآب، فآدم وبنيه عصوا وجاء السيد المسيح ليقدم الطاعة والخضوع كنائب عنا، مع أن إرادته واحدة مع أبيه. لقد كان السيد يمكنه أن يحضر جيوش الملائكة لتمنع عنه هذه الكأس، ولكنه هو أرادها، فهو أراد أن يشرب الكأس التي أراد له الآب أن يشربها ويقدمها له. بهذا يقدم نفسه مثالاً لشرب كأس الآلام بصبر. قدّم نفسه مثالاً بالعمل لا بالكلام.

 

آية (43): "وظهر له ملاك من السماء يقويه."

ظهر له ملاك من السماء يقويه كانت هناك ملائكة تسبح يوم الميلاد، وبشروا الرعاة، وتقدموا لخدمة السيد بعد التجربة من إبليس (مت11:4). وملائكة بشرت النسوة بعد القيامة، وملائكة تراءت للتلاميذ بعد الصعود. وهذا ما دفع البعض أن يتصور أن هناك ملائكة قد تعينوا لخدمة السيد وقت تجسده، فإذا كانت الملائكة تخدم البشر أفلا تخدم ملك الملوك (عب14:1). وهكذا كل من يصلي يجد معونة من السماء فالملائكة تخدم البشر في محبة. ويقال أن الملاك الذي ظهر للمسيح كان يقول له "لك القوة يا رب ،لك المجد، لك العزة" وهذا ما تسبح به الكنيسة في أسبوع الآلام.

وربما أن الملاك حين رأى السيد في آلامه في البستان تقدم ليقويه، كما حاول بطرس أن يضرب عبد رئيس الكهنة ليساعد المسيح، ولكن غالباً فالمسيح لم يكن محتاج لمعونة الملاك وبالتأكيد لم يكن محتاج لسيف بطرس. وكأن الملاك الذي أتى للسيد ليقويه أراد أن يقوله له، حتى وإن قام عليك البشر ولم يعرفوك فنحن نعرفك من أنت، نحن نحبك حتى وإن لم يحبوك، نعرف عظمة مجدك وإن لم يعرفها البشر.

 

آية (44): "وإذ كان في جهاد كان يصلي بأشد لجاجة وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض."

صار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض= هذه الظاهرة ظاهرة نادرة تسمى HEAMATIDROSIS. لأنه في الأحوال العادية حين يزداد الألم بالإنسان حتى لا يستطيع أن يتحمل، ففي هذه الحالة غالباً ما يفقد الإنسان وعيه، ولكن إذا لم يحدث هذا فإن الشعيرات الدموية المحيطة بالغدد العرقية يزداد الضغط عليها فتنفجر وينضح الدم من البشرة مختلطاً بالعرق. وهذا لا يحدث من جبهة الإنسان فقط بل من الجسم كله، ويكون نتيجة ذلك أن يتسمم جسم الإنسان. ولأنها ظاهرة طبية فقد لفتت أنظار لوقا الطبيب. ونزل الدم على الأرض، وهذه أول مرة يسفك فيها دم المخلص لأجلنا. وتلطخت ثيابه بالدم. ولوقا يحدد هذه الحالة بقوله وإذ كان في جهاد= فقد دخل السيد المسيح في صراع حقيقي، حتى سال دمه وصار هابيل الجديد الذي تتقبل الأرض دمه طالباً النعمة لكل مؤمن. وبينما كان السيد في هذا الجهاد كان تلاميذه نائمون ويهوذا والكهنة يتآمرون.

(يو1:18)     

آية (1): "قال يسوع هذا وخرج مع تلاميذه إلى عبر وادي قدرون حيث كان بستان دخله هو وتلاميذه."

خرج= هذه لا تفيد العلية، فالسيد وتلاميذه سبق وتركوا العلية التي كانوا مجتمعين فيها (راجع يو31:14) "قوموا ننطلق من ههنا" كإفادة للخروج من العلية. وغالباً ذهبوا للهيكل. أمّا قول الكتاب هنا خرج فهي تفيد خروجهم من الهيكل إلى عبر وادي قدرون إلى جبل الزيتون. خصوصاً إن وادي قدرون يفصل الهيكل عن جبل الزيتون الملئ بأشجار الزيتون. وبذلك تكون صلاة المسيح الشفاعية الختامية قد حدثت في الهيكل.

قدرون= هو نهير يجف صيفاً فيترك قاعه جافاً كالوادي ليَمُرْ المارة فوقه، وفي الشتاء يمتلئ من المطر. وهذا المشهد الحزين لخروج المسيح إلى جبل الزيتون هو مشهد مكرر لخروج الملك داود حزيناً هارباً من إبنه إبشالوم بمشورة أخيتوفل. وإسرائيل هي إبن الله البكر وأخيتوفل رمز ليهوذا وكلاهما إنتحر (2مل23:15،30).


 

يوم الجمعة (الجمعة العظيمة)

تسليم يسوع والقبض عليه (مت47:26-56+ مر43:14-52+ لو47:22-53+ يو2:18-12)

(مت47:26-56)

 

آية (47): "وفيما هو يتكلم إذا يهوذا أحد الإثني عشر قد جاء ومعه جمع كثير بسيوف وعصي من عند رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب."

كان اليهود قد زعموا لبيلاطس أن المسيح مقاوم لقيصر، وشخص هذه صفاته ربما يكون معه جيش من الثوار، لذلك أرسل بيلاطس جماعة عظيمة من الجند ولكن السيد بقوله أنا هو (يو6:18) جعلهم يسقطون على وجوههم. وربما ظن اليهود أن عنده شعب يسمع تعاليمه. وأنهم ربما يجدون مقاومة. شيوخ الشعب= أعضاء السنهدريم.

 

آية (48): "والذي أسلمه أعطاهم علامة قائلاً الذي اقبله هو هو امسكوه."

المسيح حمل كل آلامنا، ولكي تكمل آلامه كان عليه أن يشرب كأس الخيانة من أحد أحبائه (مز12:55-14) وبقبلة غاشة (زك6:13). فالجراح تزداد حينما تأتي من الأحباء. والقبلة كانت علامة للجنود الرومان فهم لا يعرفونه، أمّا اليهود فهم يعرفونه تماماً.

 

آية (50): "فقال له يسوع يا صاحب لماذا جئت حينئذ تقدموا وألقوا الأيادي على يسوع وامسكوه."

المسيح يعطيه الفرصة الأخيرة ويعاتبه برقة= يا صاحب لماذا جئت. لعله يتوب.

 

الآيات (51،52): "وإذا واحد من الذين مع يسوع مد يده واستل سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه. فقال له يسوع رد سيفك إلى مكانه لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون."

يوحنا ذكر إسم العبد وأنه ملخس (يو10:18) ولوقا أكمل القصة بأن السيد شفى أذن العبد (لو51:22). ومن هذه القصة نفهم أن إستخدام العنف مرفوض في الدفاع عن الدين، فحينما يستخدم الإنسان العنف في خدمته تحت ستار الدفاع عن السيد المسيح يكون كبطرس الذي يضرب بالسيف أذن العبد فيفقده الإستماع لصوت الكلمة، من نستخدم معهم العنف نغلق أمامهم باب الإيمان، بل كلمات العنف تزيدهم عناداً. ولكن قول المسيح= لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون= هي نبوة بخراب أورشليم بالسيف نظير صلبهم للمسيح. وهذا الكلام موجه للناس وليس للحاكم الذي له سلطة إستخدام السيف. وكان بطرس قاصداً ضرب عنقه ولكن الله لم يسمح بل سمح بقطع أذنه، وفي هذا إشارة لأن سيده وهو رئيس الكهنة قد إنغلقت أذنيه عن فهم النبوات. ولقد سمح الله بما حدث [1] إظهار حب بطرس [2] إظهار محبة المسيح وقدرته وشفاؤه لمن يريد أن يلقي القبض عليه ويظهر بالتالي أنه يسلم نفسه بإرادته [3] درس للجميع أن السيف ليس هو طريق المسيحيين [4] الآن يفهم تلاميذه قوله السابق "ليكن لكم سيف" وأنه يقصد بهذا الإستعداد الروحي وليس سيوفاً حقيقية. وبالإستعداد الروحي والذهني يكونون مستعدين لإحتمال الآلام القادمة. وبطرس الصياد لا خبرة له في إستعمال السيف، فكل ما إستطاعه قطع إذن ملخس العبد.

 

آية (53): "أتظن أني لا أستطيع الآن أن اطلب إلى أبي فيقدم لي اكثر من اثني عشر جيشاً من الملائكة."

أطلب إلى أبي= والسيد لم يقل أرسل أنا لأن التلاميذ لم يكونوا بعد قد تحققوا من ألوهيته. وهو قال "كل ما للآب هو لي بل هو قال سأرسل الروح القدس" فمن يُرسِلُ روح الله ألا يكون له سلطان أن يُرسِلُ ملائكة.

 (مر43:14-52)

نرى خطأ التلاميذ في هروبهم وخطأ يهوذا في قبلته الغاشة. كل التلاميذ لم يتمكنوا من أن يعرفوا سلطان المسيح. فالتلاميذ لم يدركوا أنه قادر على حمايتهم حتى وهو في ضعفه، ويهوذا لم يُدرِكْ أن السيد يعرف ما في قلبه ولن تخدعه القبلة.

وبطرس إستل سيفه ليضرب العبد، ربما لأنه تذكر كلامه للسيد وأنه مستعد أن يموت معه. ولكن دفاعنا عن مبادئنا لا يكون بالقتل بل بإستعدادنا للموت عنها، وهذا أصعب وغالباً كان بطرس يتصور أنه سيبدأ المعركة والمسيح يكمل بمعجزة من معجزاته ويقتل الجند. ولكنه حينما رأي السيد يستسلم للجند هَربَ بل أنكر إذ لم يكن هو مستعداً للموت والإستشهاد في سبيل إيمانه ومبادئه.

 

الآيات (51،52): "وتبعه شاب لابساً إزاراً على عريه فامسكه الشبان. فترك الإزار وهرب منهم عرياناً."

هذا الشاب هو مارمرقس وغالباً كان هو صاحب البستان الذي في جثسيماني الذي يختلي فيه المسيح مع تلاميذه. وغالباً كان مارمرقس نائماً في ذلك الوقت وإستيقظ على صوت الجلبة غير العادية، ونهض من فراشه ليرى ماذا يحدث فأمسكوه إذ شكوا أنه من تلاميذ المسيح فهرب منهم تاركاً إزاره الذي كان يلبسه على عريه. ومارمرقس ضعفه هنا في تلك اللحظة التي لا ينساها. وهو لم يذكر إسمه إتضاعاً. وذكر القصة لتسجيل ضعفه.

 

 (لو47:22-53)

آية (48): "فقال له يسوع يا يهوذا أبقبلة تسلم ابن الإنسان."

تسلم إبن الإنسان= لم يقل تسلم ربك أو سيدك أو معلمك أو من له الفضل عليك، بل قال إبن الإنسان أي ذاك اللطيف الوديع الذي أحبك، هل تسلم من أحبك.

آية (51): "فأجاب يسوع وقال دعوا إلىّ هذا ولمس أذنه وأبرأها."

دعوا إلىّ هذا= كأن المسيح يعتذر هنا عمّا فعله بطرس، ليهدئ من ثورة الجماعة على بطرس وتلاميذه، وكأنه يقول دعوا لي هذه الإساءة فلن يحدث غيرها، وهي تمت بدون إذن مني. وفي شفائه لأذن العبد أثبت قدرته ورحمته وصلاحه.

الآيات (52،53): "ثم قال يسوع لرؤساء الكهنة وقواد جند الهيكل والشيوخ المقبلين عليه كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصي. إذ كنت معكم كل يوم في الهيكل لم تمدوا علي الأيادي ولكن هذه ساعتكم وسلطان الظلمة."

المسيح عاتب يهوذا عتاباً رقيقاً، وعاتب بطرس إذ قطع أذن العبد، ثم شفاه، هو إهتم بالجميع في هذه اللحظة الصعبة، ثم يستدير ويوجه عتاباً لطيفاً لكل هذا الحشد لعلهم يندمون فيتوبوا. وقوله هذه ساعتكم وسلطان الظلمة= فيه إشارة:

1.  أن هذه الساعة هي بتحديد من الله. وسلطان الظلمة هو الشيطان، فأنا الذي سمحت بأن أسلم في أيديكم في هذه الساعة، ولكن أنتم الآن والشيطان واحد في نواياكم.

2.  أن سلطان الظلمة وقته قصير، فلن يمتد سلطانه لأكثر من ساعة أي وقت قصير وهم فعلاً تمكنوا منه وصلبوه ولكنه قام بعد 3 أيام.

 

(يو2:18-12)

آية (2): "وكان يهوذا مسلمه يعرف الموضع لأن يسوع اجتمع هناك كثيراً مع تلاميذه."

هذه تؤكد أن المسيح لم يخرج إلى بستان جثسيماني هرباً، فيهوذا طالما إجتمع معهُ هناك، بل هو ذهب لجثسيماني ليسهل للخائن مهمته، فهو بهذا قد إبتعد عن الجماهير وعن أصدقائه الذين قد يتدخلوا لحمايته فتحدث معركة. بل هو قال ليهوذا "ما أنت تعمله فإعلمه بأكثر سرعة". لقد سقط آدم الأول في بستان وإنتصر آدم الآخير في بستان، في صلاته وتسليمه، بل هو دُفِنَ في بستان وقام منتصراً على الموت في بستان.

 

آية (3): "فاخذ يهوذا الجند وخداماً من عند رؤساء الكهنة والفريسيين وجاء إلى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح."

الشيطان هنا يقود مجموعة من كل قوات الظلمة، التلميذ الخائن ورؤساء الكهنة وخدامهم= الخدام والفريسيين وجنود الرومان (يو44:8). وسيظل هذا هو الوضع في الكنيسة لآخر الأيام، صراع بين قوات الظلمة وشعب الله حتى يأتي الرب في مجده لينهي سلطان إبليس. ونلاحظ أن الكلمة المستخدمة في اليونانية للجند هي الأورطة وتعدادها حوالي 200جندي وهي الفرقة المخصصة لحراسة الهيكل وكان الوالي يرسل مجموعة من الجند ليكونوا تحت أمر رئيس الكهنة في الأعياد لحفظ النظام. وفي آية (12) ذُكِرَ القائد والكلمة المستخدمة تشير لأنه قائد ألف وهي رتبة كبيرة. وهذا يدل على رعبهم من شخص المسيح. وهذا العدد من الجند والقائد الروماني الكبير يدل على إتفاق مسبق بين رؤساء الكهنة وبيلاطس، فهم بعد المحاكمة رحلوه إلى دار الولاية أي مقر الحكومة الرومانية. ولذلك خرج لهم بيلاطس مبكرأً (آية28) وكان صبح وترجمتها مبكراً جداً. وكان ذلك نتيجة لضغط رؤساء الكهنة عليه (مت20:27) ورؤساء الكهنة كانوا في عجلة من أمرهم، أن يَصْدُرْ الحكم مبكراً قبل أن يستيقظ الشعب ويدافعون عن المسيح. ولاحظ أن الجند يمثلون الأمم والخدام يمثلون اليهود. وأن يوحنا يميز بين رؤساء الكهنة والفريسيين فرؤساء الكهنة من الصدوقيين.

 

آية (4): "فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه وقال لهم من تطلبون."

المسيح هو الذي خرج ليلاقيهم، وهم يعلم بالآلام التي ستأتي عليه. وسؤال المسيح لهم من تطلبون=لأنه كان ناوياً ليس أن يعلن إسمه فقط بل شخصه ويظهر سلطان لاهوته فيفهموا أنه سلم نفسه بإرادته، ويعطي فرصة لتلاميذه ليهربوا. لذلك خرج بثبات ولم ينتظر وصول الجند.

 

آية (5): "أجابوه يسوع الناصري قال لهم يسوع أنا هو وكان يهوذا مسلمه أيضاً واقفاً معهم."

يسوع الناصري= فيها صيغة إستهزاء. كان اليهود يحتقرون الناصريين "أمن الناصرة يمكن أن يكون شئ صالح" (يو46:1). أنا هو= حملت كلمة أنا هو= أنا الله= أنا الكائن= مجد وكرامة وسلطان وبهاء إسم يهوه العظيم. لذلك سقط الجنود، هي فيها إعلان لاهوته. لقد سبق السيد وإستخدم هذا اللفظ "أنا هو" ليعلن محبته للعالم "أنا هو الراعي.. أنا هو النور .. الخ" ليعزي شعبه. ولكنه في هذه المرة ليظهر قوة سلطان لاهوته، وأنه يسلم نفسه بإرادته. وإذا كان المسيح له هذا المجد وهو يساق للصليب فكم بالحري سيكون مجده حينما يأتي في مجد أبيه. هو كان في موقف أقوى من الجند. فهو الذي أسلم ذاته.

 

آية (6): "فلما قال لهم أني أنا هو رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض."

لو أراد الهرب لهرب الآن وهم ساقطون، ولكنه لهذا أتى .. للصليب.

 

آية (7): "فسألهم أيضاً من تطلبون فقالوا يسوع الناصري."

كأن المسيح يذكرهم بهدف مجيئهم والواجب الذي أتوا لأجله. فهم في رعبهم بعد سقوطهم إرتبكوا لا يدرون ماذا يفعلون. هو هنا يأمرهم أن يقبضوا عليه والقوى يملي شروطه.

 

آية (8): "أجاب يسوع قد قلت لكم أني أنا هو فان كنتم تطلبونني فدعوا هؤلاء يذهبون."

المسيح هنا يُمْلي شروطه، بعد أن شعروا بالهيبة نحوه، هنا كان يأمر بسلطان وليس بضعف ليحمي تلاميذه، فهو أتى لهذا ليسلم نفسه وليخلص تلاميذه والمؤمنين به "الذين أعطيتني حفظتهم ولم يهلك منهم أحد" (يو12:17). وشروط السيد= دعوا هؤلاء يذهبون فما كانوا يستطيعون تحمل الآلام بعد.

 

آية (9): "ليتم القول الذي قاله أن الذين أعطيتني لم اهلك منهم أحداً."

لو كان أحد منهم قد مات قبل قيامة المسيح لكان موته يعتبر هلاكاً. فبعد أن حلَّ عليهم الروح القدس تغيروا لأشخاص آخرين. ولنقارن بين بطرس الذي أنكر المسيح ولعن، وبطرس الذي يؤمن بعظته 3000شخص وأخيراً يموت عن المسيح.

 

آية (10): "ثم أن سمعان بطرس كان معه سيف فأستله وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه اليمنى وكان اسم العبد ملخس."

كان الإعتداء على جندي من جنود رئيس الكهنة عقوبته الإعدام،لذلك كان الوحيد الذي ذكر إسم بطرس هو يوحنا.فقد كتب بشارته بعد إستشهاد بطرس. وغالباً كان عبيد رئيس الكهنة في المقدمة ولم يرى الجند الرومان ما فعله بطرس. ولكن المسيح أنقذ الموقف بشفائه لأذن العبد. ولنعلم أن العواطف البشرية والعوامل الجسدية التي تحرك الإندفاعات تؤدي للإنكار والجبن. أمّا المسيح فكان مملوءاً محبة محتملة صابرة، إحتملت خيانة يهوذا وظلم الجند ومؤامرات رؤساء الكهنة وجبن بطرس ولازالت تحتملنا في خياناتنا وضعفاتنا. ولاحظ أن ما فعله بطرس كان يمكن أن يحاكم المسيح بسببه أنه السبب فيما حدث.

 

آية (11): "فقال يسوع لبطرس اجعل سيفك في الغمد الكأس التي أعطاني الآب ألا أشربها."

المسيحي لا يمد يده للسيف، بل يتقبل كأس الموت طواعية. المسيحي لا يحمل سيفاً بل صليباً. ولماذا السيف والموت ربح (في21:1). الكأس التي أعطاني الآب= نحن نقبل كل ألم وصليب بهذا المفهوم أنها من يد الآب. هنا المسيح لم يرى جنود أتوا للقبض عليه ولا مؤامرات ضده، بل هي كأس يشربها من يد الآب (11:19).

 

آية (12): "ثم أن الجند والقائد وخدام اليهود قبضوا على يسوع وأوثقوه."

وأوثقوه= كما أوثق إبراهيم إسحق (تك9:22). وفي الحالتين لم يقاوم أحد، لا المسيح قاوم الجند ولا إسحق قاوم أبيه. فإسحق كان يشعر أنه بين يدي أبيه الذي يحبه. والمسيح لم يرى أنه بين يدي اليهود والرومان بل بين يدي الآب. ولم يكن هناك داعٍ أن يوثقوه وهو مستسلم. ولكن ليتم المكتوب أوثقوا الذبيحة (مز27:118). وكان اليهود يوثقون المجرم من خلف بحبل يربطونه أيضاً في رقبته وهكذا صنعوا مع المسيح بمنتهى العنف.


 

المحاكمات

تمت محاكمة المسيح دينياً ومدنياً. دينياً أمام حنان وقيافا ومدنياً أمام هيرودس وبيلاطس. وبيلاطس كان يميل لتبرئه المسيح (يو38:18 + 4:19،6) ولكنه حكم ضده تحت تأثير اليهود. ويوحنا يميز بدقة ما دار في المحاكمات الدينية وقدر العلماء وقوف المسيح أمام حنان حوالي الساعة الثانية صباحاً.

 

محاكمة المسيح أمام رؤساء كهنة اليهود (مت57:26-10:27 + مر53:14-72،1:15 + لو54:22-71 + يو13:18-27)

(مت57:26-10:27)

 

 

 

 

 

 

 

 


 

رسم يوضح مكان المحاكمة ومقر حنان وقيافا والسنهدريم. والفسحة (الحوش) في الدور الأوضي، حيث إجتمع العبيد والخدام. ثم الدهليز، وهي الطرقة بين الباب والحوش.

 

آية (59): "وكان رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع كله يطلبون شهادة زور على يسوع لكي يقتلوه."

يطلبون شهادة زور= إذاً هم أتوا بشهود معروف عنهم سوء السمعة فهم شهود زور معروفين، فالكتاب لم يقل أنهم شهدوا زوراً بل هم أصلاً شهود زور، هذه هي طبيعتهم السابقة قبل محاكمة المسيح. واليهود إحتاجوا لهم ليقفوا أمام بيلاطس.

 

الآيات (61-64): "وقالا هذا قال أني اقدر أن انقض هيكل الله وفي ثلاثة أيام ابنيه. فقام رئيس الكهنة وقال له أما تجيب بشيء ماذا يشهد به هذان عليك. وأما يسوع فكان ساكتاً فأجاب رئيس الكهنة وقال له استحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله. قال له يسوع أنت قلت وأيضاً أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً على سحاب السماء."

يتضح في (61) طريقة التزوير في الشهادة، فالمسيح لم يقل أنا أنقض هيكل الله. بل قال عن هيكل جسده (يو19:2،21). وهو لم يقل أنا أنقض بل قال لهم أنقضوا.. وأنا أقيمه. فالمسيح يتكلم عماّ سيفعلوه بصلبهم له (انقضوا..) ثم قيامته بعد 3 أيام. وهم فهموا كلامه وهم كانوا يعلمون أنه قال أنه سيقوم بعد 3 أيام وقالوا هذا لبيلاطس (مت63:27). وهم لأنهم شهود زور فهم لم يشهدوا بأن المسيح صنع معجزات أكبر من إقامة الهيكل في 3أيام، فهو أقام لعازر بعد أن أنتن وكان سؤال رئيس الكهنة للسيد أستحلفك .. هل أنت المسيح إبن الله هو يسأل لا ليعرف الإجابة، بل ليسقط المسيح في مشكلة

1.    إن رفض الإجابة يتهمه بأنه يستهين بالحلف بإسم الله.

2.    إن قال نعم فهو سيدينه بتهمة التجديف.

3.    إن قال لا فهو يكذب نفسه لأنه أعلن هذا أمام الجموع.

وفي الحالات الثلاث سيدينه ويحكم عليه أنه مستوجب الموت. فلأن شهادة الزور فشلت فهو يريد أن يصطاده بكلمة من فمه. والسيد عرف خبث ضمائرهم ووجد أن سكوته لا يصح فأجاب بأنه إبن الله حتى تكون الفائدة عامة للكل. والسيد عموماً كان صامتاً أثناء محاكمات اليهود والرومان له، فمن يتكلم كثيراً يشير إلى ضعفه، وهو يعلم نيتهم المسبقة، وأن حكمهم سيكون ظالماً فلماذا كثرة الكلام. ولكنه هو وحده يعلم متى يكون الكلام ومتى يكون الصمت. والسيد كان هنا واضحاً في إجابته أنت قلت أي كلامك صحيح بل زاد أنهم لن يعودوا يرونه في ضعف بل هو سيصعد للسماء وسيأتي للدينونة في المجيء الثاني.

-         وإن كان رئيس الكهنة يبغي حقاً أن يعرف، كان عليه أن يفتش الكتب والأنبياء فيعلم.

-   وهم يعرفون من دانيال أن عبارة "جالساً عن يمين القوة" تشير للمسيح. ويعني كلام المسيح أيضاً أنه بعد أن تصلبوني أقوم وينتشر الإيمان وترون معجزات على يد الرسل ستعرفون إنني أنا الذي قصده دانيال. عموماً من نبوة دانيال هم يعرفون أن لقب إبن الإنسان المقصود به المسيح.

 

آية (65): "فمزق رئيس الكهنة حينئذ ثيابه قائلاً قد جدف ما حاجتنا بعد إلى شهود ها قد سمعتم تجديفه."

تمزيق رئيس الكهنة لثيابه علامة يهودية تشير للحزن والغيرة على الله لأن إسمه قد جُدِّفَ عليه. وهنا نرى علامة على نزع الكهنوت اللاوي ليظهر كهنوت جديد على طقس ملكي صادق. ولكن رئيس الكهنة فعل ذلك ليثير الموجودين كلهم فيؤيدوه على قراره بقتل المسيح.

 

آية (67): "حينئذ بصقوا في وجهه ولكموه وآخرون لطموه."

فعلوا هذا به لحسدهم (مت18:27). وما أفظع خطية الحسد والبغضة وهذا ما جعلهم يصرخون أصلبه أصلبه لما أراد بيلاطس أن يؤدبه (يجلده) ويطلقه. بل أن الحسد هو الذي دفع إبليس ليسقط آدم فيموت، وهذا ما حدث مع قايين.

 

الآيات (69-75): "أما بطرس فكان جالساً خارجاً في الدار فجاءت إليه جارية قائلة وأنت كنت مع يسوع الجليلي. فأنكر قدام الجميع قائلا لست ادري ما تقولين. ثم إذ خرج إلى الدهليز رأته أخرى فقالت للذين هناك وهذا كان مع يسوع الناصري. فأنكر أيضاً بقسم أني لست اعرف الرجل. وبعد قليل جاء القيام وقالوا لبطرس حقا أنت أيضاً منهم فان لغتك تظهرك. فابتدأ حينئذ يلعن ويحلف أني لا اعرف الرجل وللوقت صاح الديك. فتذكر بطرس كلام يسوع الذي قال له انك قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات فخرج إلى خارج وبكى بكاء مراً."

إنكار بطرس: كان بطرس جالساً خارجاً في الدار الخارجية (الحوش) فإصطادته جارية لتتهمه أنه كان مع يسوع فأنكر، وإذ خرج إلى الدهليز رأته أخرى وإتهمته كالأولى ثم عرفه الجالسون في المكان من لغته، فالجليليين لهم لكنة مختلفة عن اليهود. فهم ينطقون السين مثل الثاء. ومن بقية الأناجيل يبدو أن كثيرين حاصروه بإتهاماتهم بأنه تلميذ المسيح. ولنلاحظ أن الخطية تبدأ بالتهاون في الصلاة في البستان، ثم كبرياؤه وثقته في ذاته، ثم هروبه مع التلاميذ، ثم جلوسه الآن مع من يبغضون الرب ثم الإنكار ثم القسم الكاذب ثم اللعن. فكل إنسان يسقط في الخطية يبدأ سقوطه في خطية صغيرة ثم يتدرج إلى الأكبر. ونلاحظ أن الخوف يفقدنا الرؤية والتمييز.

صياح الديك= يشير لصياح صوت الضمير فينا، أو صوت الروح القدس الذي يبكت على خطية. ونلاحظ أن الديك صاح مرة بعد أن أنكر أول مرة، وكان هذا كإنذار ليكف عن الإنحدار ولكن هذا لم يحدث، ثم صاح الديك بعد إنكاره ثالث مرة. ثم خرج إلى خارج= تشير لضرورة خروج الخاطئ من مكان الخطية وإعتزال شهوات العالم. إن بكاء بطرس غسل خطيته دون أن يقول كلمة إعتذار فالدموع تنال الغفران.

لغتك تظهرك= غالباً لأنه جليلي ولكن هناك رأي بأنه تشبه بالسيد في كلامه.

 

لماذا لم تتدخل العناية الإلهية وتحمي بطرس من الإنكار؟

لما قال المسيح لتلاميذه كلكم تشكون فيّ في هذه الليلة، قال بطرس "أنا لا أشك" وكان في هذا كبرياء من بطرس، فهو شك في كلام المسيح بكبرياء، بينما هو راي من سابق عشرته للسيد معرفته بكل شئ، وهنا المسيح تركه ليشفيه وليتأدب. وكان من المفروض أن يقول بطرس للسيد، أعنى حتى لا أشك ولكنه أخطأ فتركه السيد ليسقط فيعرف ضعفه ولا يعود يثق في ذاته. ونلاحظ أنه بعد هذه السقطة وبعد أن تأدب قال للسيد حين سأله "أتحبني" أجاب "أنت تعلم أني أحبك" فهو أصبح لا يثق في ذاته، وقارن هذا القول بأنه سيبذل نفسه عن السيد بينما سيده يقول له ستشكون فيّ في هذه الليلة، فهل كان يتصور أن السيد لا يعلم. ونلاحظ أن المسيح كان يعلم مستقبل بطرس وأنه سيصنع معجزات ويؤمن على يديه ألوف، وهو سمح بسقوطه حتى لا يتكبر، كما سمح لبولس بشوكة في الجسد لئلا يرتفع. ونلاحظ أن المسيح لم يجعله يسقط بل هو رفع العناية الإلهية التي تحفظه. وهذا يفسر كلام المسيح له "وأنا طلبت إلى الآب حتى لا يفنى إيمانك" فالمسيح هو الذي يعتني بنا أما بطرس ففي كبريائه الأول ظن أن قوته وسيفه هما اللذان يحميانه. وبطرس صار لنا مثالاً، لذلك قال له المسيح "وأنت متى رجعت فثبت إخوتك".

 

لماذا أخبره السيد بما سيقع مقدماً؟

1.    ليعلم أن السيد يعرف كل شئ فلا يعود يراجعه في شئ بل يثق أن عنده المعرفة الكاملة.

2.    حتى لا يقول أن السيد لو أعلمني بما سيكون لتحذرت ولم أنكر.

3.    حتى إذا تذكر معرفة السيد وأنه أخبره تزداد توبته وندامته.

 

الفرق بين يهوذا وبطرس

كان إنكار بطرس عن خوف طبيعي، أمّا يهوذا فقد خان دون مبرر وأخذ الثمن. وبطرس تاب وندم أمّا يهوذا فيأس وهلك ولما رآهم حكموا عليه بالموت وكان يظنهم يؤدبونه ويطلقونه تملكته الحيرة واليأس والندم وبدل التوبة إنتحر يأساً.

 

(الآيات 1:27-10)            يأس يهوذا وإنتحاره

الآيات (1،2): "ولما كان الصباح تشاور جميع رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب على يسوع حتى يقتلوه. فأوثقوه ومضوا به ودفعوه إلى بيلاطس البنطي الوالي."

أنظر المحاكمة المدنية للمسيح.

 

آية (3): "حينئذ لما رأى يهوذا الذي أسلمه انه قد دين ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ."

كان يهوذا في طمعه يظن أنه يقتني ربحاً بالثلاثين من الفضة وإذا به يقتني هماً وغماً، فذهب يرد الفضة في ندامة بلا توبة ومرارة بلا رجاء. وهكذا كل خاطئ فهو يظن أن الخطية ستعطيه لذة وإذا به يقتني هماً وغماً ويأساً.

 

الآيات (4-6): "قائلاً قد أخطأت إذ سلمت دماً بريئاً فقالوا ماذا علينا أنت ابصر. فطرح الفضة في الهيكل وانصرف ثم مضى وخنق نفسه. فاخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم."

ماذا علينا= عبارة تعني عدم إهتمامهم بما يقول، فقد حصلوا على ما يريدون. عجيب أن هؤلاء القتلة يقولون ليهوذا أنت أبصر، أما هم قاتلوه فليس عليهم أن يبصروا. ثم يقولون "لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم" فإذا كان وضع ثمن الدم في الخزانة يعتبر إثماً فكم يكون إهدار الدم. وإذا كنتم قد رأيتم عذراً لصلب المسيح فلماذا ترفضون قبول الثمن، حقاً قال عليهم السيد "يصفون عن البعوضة ويبلعون الجمل" إذ يشترون صاحب الدم الزكي بالمال ليقتلوه، ويرتابوا من وضع ثمن الدم في الهيكل.

ثم مضى وخنق نفسه= لعله تصوَّر أن المسيح سوف يخرج من بين أيديهم كما كان يفعل سابقاً. ولما لم يفعل ندم يهوذا. ولكن التوبة ليست مجرد ندم، ولكنها إيمان يملأ القلب بالرجاء، ويدفعه الحب للإرتماء في أحضان الله. ولكن يهوذا كان أعمى عن رحمة الله الواسعة. إن الشيطان الذي أغواه بالخطية دفعه لليأس بعد السقوط مصوراً له أن خطيته لن تغفر (2كو10:7). وفي (أع18:1) نفهم أنه في شنقه لنفسه سقط على وجهه فإنشق من الوسط وإنسكبت أحشاؤه كلها، ويبدو أنه بعد أن خنق نفسه سقط على شئ حاد أو بارز فشقت بطنه.

 

آية (7): "فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء."

حقل الفخاري= سمى هكذا لأن فخارياً كان يمتلكه ويستغله، وكان ثمنه زهيداً إذ لا يصلح للزرع ولا للرعي بسبب إستعمال الفخاري له. وهذا الحقل الذي إشترى بالثلاثين من الفضة وصار مدفناً للغرباء يشير للعالم الذي إفتداه الرب بدمه لكي يدفن فيه الأمم فينعمون معه بقيامته (الذين ماتوا مع المسيح وأيضاً سيقومون معه) وهذا ما يحدث في المعمودية.

 

آية (9): "حينئذ تم ما قيل بإرميا النبي القائل واخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل."

ما قيل بإرمياء النبي= الذي تنبأ هذه النبوة هو زكريا. ولكن كان سفر إرمياء في التلمود أول أسفار الأنبياء لذا كان إسم إرمياء يطلق على كل النبوات (زك12:11،13). فاليهود يقسمون العهد القديم ثلاثة أقسام الأول هو الشريعة والثاني يبدأ بالمزامير ويسمونه المزامير والثالث هو الأنبياء ويسمونه إرمياء.

 

(مر53:14-72،1:15)

المحاكمة التي تمت كانت ضد التلقيد اليهودي [1] فالتلمود يمنع المحاكمات ليلاً [2] ويمنع إصدار الحكم في نفس يوم المحاكمة خصوصاً لو كان الحكم بالموت [3] هذا يضاف على إستئجارهم شهود زور [4] أساس المحاكمات اليهودية أن يحاكم على شئ عمله فعلاً وليس قولاً قاله أمام المحكمة وهذا ما لم يحدث هنا وهم لا يحكمون بمجرد اعتراف المتهم. ليقتلوه= والمعنى أن القرار قد إتخذ قبل المحاكمة. والمحاكمة كانت صورية.

الآيات (61،62): "أما هو فكان ساكتاً لم يجب بشيء فسأله رئيس الكهنة أيضاً وقال له أأنت المسيح ابن المبارك. فقال يسوع أنا هو وسوف تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً في سحاب السماء."

علمنا هنا السيد المسيح أن هناك وقت للصمت ووقت للكلام وأنه علينا أن لا نصمت إذا فُهِمَ صمتنا أننا نتراجع عن موقفنا وننكر الحق. في إجابة المسيح هنا قال "أنا هو" ومرقس لأنه يكتب للرومان يقولها بوضوح أما متى فقال "أنت تقول" وهذا تعبير عبري بنفس المعنى لكن الرومان لن يفهموه.

 

آية (63): "فمزق رئيس الكهنة ثيابه وقال ما حاجتنا بعد إلى شهود."

كانت الشريعة تمنع رئيس الكهنة من أن يمزق ثيابه. ولكنه كما سبق وقال نبوة دون أن يدري عن أن المسيح يفدي العالم (يو49:11-52) حدث هنا أنه دون أن يدري أيضاً تنبأ بنهاية الكهنوت اليهودي. ونلاحظ أن الجنود الرومان لم يستطيعوا تمزيق ثوب المسيح الذي يشير لكنيسته الواحدة. وقيافا كان يظهر حزنه على التجديف الذي لحق إسم الله بينما كان قلبه فرحاً إذ وجد علة على يسوع.

 

آية (69): "فرأته الجارية أيضاً وابتدأت تقول للحاضرين أن هذا منهم."

فرأته الجارية أيضاً= وفي متى يقول "رأته أخرى". واضح حالة الهرج والكل يتكلم. فنفس الجارية الأولى إتهمته ثانية وهذا أثار أخرى فبدأت في إتهامه. وفي لوقا نجد الإتهام الثاني موجه من رجل (آية58:22) وواضح أن هذا الرجل كان يؤمن على كلام الجارية الأولى.

 

(لو54:22-71): "فأخذوه وساقوه وادخلوه إلى بيت رئيس الكهنة وأما بطرس فتبعه من بعيد. ولما أضرموا ناراً في وسط الدار وجلسوا معا جلس بطرس بينهم. فرأته جارية جالساً عند النار فتفرست فيه وقالت وهذا كان معه. فأنكره قائلاً لست اعرفه يا امرأة. وبعد قليل رآه آخر وقال وأنت منهم فقال بطرس يا إنسان لست أنا. ولما مضى نحو ساعة واحدة أكد آخر قائلاً بالحق أن هذا أيضاً كان معه لأنه جليلي أيضاً. فقال بطرس يا إنسان لست اعرف ما تقول وفي الحال بينما هو يتكلم صاح الديك. فالتفت الرب ونظر إلى بطرس فتذكر بطرس كلام الرب كيف قال له انك قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات. فخرج بطرس إلى خارج وبكى بكاء مراً. والرجال الذين كانوا ضابطين يسوع كانوا يستهزئون به وهم يجلدونه. وغطوه وكانوا يضربون وجهه ويسألونه قائلين تنبأ من هو الذي ضربك. وأشياء آخر كثيرة كانوا يقولون عليه مجدفين. ولما كان النهار اجتمعت مشيخة الشعب رؤساء الكهنة والكتبة واصعدوه إلى مجمعهم. قائلين أن كنت أنت المسيح فقل لنا فقال لهم أن قلت لكم لا تصدقون. وأن سالت لا تجيبونني ولا تطلقونني. منذ الآن يكون ابن الإنسان جالساً عن يمين قوة الله. فقال الجميع أفانت ابن الله فقال لهم انتم تقولون أني أنا هو. فقالوا ما حاجتنا بعد إلى شهادة لأننا نحن سمعنا من فمه."

الآيات (54-62): "فأخذوه وساقوه وادخلوه إلى بيت رئيس الكهنة وأما بطرس فتبعه من بعيد. ولما أضرموا ناراً في وسط الدار وجلسوا معا جلس بطرس بينهم. فرأته جارية جالساً عند النار فتفرست فيه وقالت وهذا كان معه. فأنكره قائلاً لست اعرفه يا امرأة. وبعد قليل رآه آخر وقال وأنت منهم فقال بطرس يا إنسان لست أنا. ولما مضى نحو ساعة واحدة أكد آخر قائلاً بالحق إن هذا أيضاً كان معه لأنه جليلي أيضاً. فقال بطرس يا إنسان لست اعرف ما تقول وفي الحال بينما هو يتكلم صاح الديك. فالتفت الرب ونظر إلى بطرس فتذكر بطرس كلام الرب كيف قال له انك قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات. فخرج بطرس إلى خارج وبكى بكاء مراً."

تبعه من بعيد= هو يمسك العصا من الوسط فمن ناحية يريح ضميره بأنه تبع المسيح ومن ناحية هو كان من بعيد لينقذ سمعته. فإلتفت الرب ونظر إلى بطرس= هذه يضيفها لوقا ليشرح سبب توبة بطرس، فنظرة المسيح المملوءة عتاباً، مع صياح الديك حرّكا قلب بطرس وخرج ليبكي بكاءً مراً وليصير داوداً جديداً في توبته ودموعه. لقد كانت نظرة المسيح له هي إقتراب مراحم المسيح إليه بصمت وسرية ولمسة حانية لمست قلبه وذكرته بالماضي فيها إفتقد الرب بطرس بنعمته الداخلية. في وسط آلام المسيح المرة لم ينسى خلاص نفس بطرس وشجعه.

 

الآيات (67-71): "قائلين إن كنت أنت المسيح فقل لنا فقال لهم إن قلت لكم لا تصدقون. وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني. منذ الآن يكون ابن الإنسان جالساً عن يمين قوة الله. فقال الجميع أفانت ابن الله فقال لهم انتم تقولون أني أنا هو. فقالوا ما حاجتنا بعد إلى شهادة لأننا نحن سمعنا من فمه."

وإن سألت لا تجيبونني= سبق المسيح وسألهم عن معمودية يوحنا وقالوا لا نعرف (لو5:20-7) وسألهم عن مزمور داود ولم يجيبوا(لو41:20-44) والمسيح يقصد هنا أنه لو ناقشتكم في النبوات التي تثبت أنني إبن الله وتفسيرها لن تجيبوا لأنكم لا تريدون أن تعرفوا الحق،ولا تريدون أن يعرف أحد الحق، ولو تجردوا عن الهوى لكان المسيح قد شرح لهم.ولا تطلقونني=لن يطلقوه حتى لو أثبت براءته فهم قد بيتوا النية على قتله.

 

آية (66): "ولما كان النهار اجتمعت مشيخة الشعب رؤساء الكهنة والكتبة واصعدوه إلى مجمعهم."

اجتماع صوري بالنهار حتى يكون الحكم رسمياً فأحكام الإعدام ليلاً باطلة.

 

(يو13:18-27)

تمت المحاكمة الدينية، أي محاكمة المسيح أمام رؤساء الكهنة، في أثناء الليل، فأبناء الظلمة لا يعملون إلاّ في الظلمة. بل هم تجاوزوا قوانينهم ليحكموا بالإدانة على المسيح على وجه السرعة. بل أن قيافا قد أصدر الحكم عليه بالموت قبل المحاكمة (يو14:18). ولنلاحظ أنه بحسب التقليد اليهودي تعتبر أحكام الليل لاغية. لذلك إجتمعوا صباحاً (شكلياً) للتصديق على الحكم. ومن مهازل هذه المحاكمة فبحسب القوانين يمنع تنفيذ الحكم في نفس اليوم لكنهم نفذوه في المسيح.

 

آية (13): "ومضوا به إلى حنان أولاً لأنه كان حما قيافا الذي كان رئيساً للكهنة في تلك السنة."

يقول يوحنا في سخرية أنهم ذهبوا به إلى حنان ليحاكمه. فبأي صفة يحاكمه حنان .. لأنه كان حما قيافا= هذا هو التبرير الوحيد الذي قدَّمه يوحنا، فكأن قيافا يرد الجميل لحنان أنه جعله رئيس الكهنة. ونلاحظ أن يوحنا لم يورد أي إتهام للمسيح مماّ قالوه فهم لم يستقروا على تهمة واحدة ضده. ونلاحظ أن دار حنان وقيافا هي دار واحدة وبها قاعة للمحكمة. وكان حنان رئيساً سابقاً للكهنة. ومجمع السنهدريم كان يجتمع في هذه القاعة (مر53:14). وخرج المسيح من دار رئيس الكهنة إلى دار الولاية. ويوحنا لم يذكر اجتماع المجمع ولا المحاكمة أمامه لأنه رأي أن الحكم كله في يد قيافا.

حنان وقيافا: كان حنان رئيساً للكهنة من سنة 7م 14-15م حينما أسقطه الوالي السابق لبيلاطس وكان إسمه فاليريوس جراتوس. وتوّلى بعد حنان إبنه اليعازار لمدة سنة واحدة سنة16-17م. ومن بعده جاء قيافا زوج إبنته وبقى في الرئاسة حتى سنة 35-36 حيث أسقطه الوالي الذي أتى بعد بيلاطس. ومن بعد قيافا تولى الرئاسة إبن آخر لحنان هو يوناثان سنة 36-37م ومن بعده تولى الرئاسة ثلاثة من أولاد حنان وهم ثاوفيلس سنة37-41م ثم متياس سنة41-44م ثم حنان الصغير حتى سنة62م وهو الذي مدّ يده وقتل يعقوب أخو الرب (هذا غير يعقوب أخو يوحنا الذي قتله هيرودس) (أع1:12،2). وكان هذه العائلة مشهورة بالرشوة والدسائس الدينية وواضح أن حنان الكبير كان متسلطاً على قيافا وغيره وهذا ما نلاحظه في (لو2:3) فهو يقول رئيس الكهنة حنان وقيافا. فقال رئيس الكهنة بالمفرد. فكان حنان يمارس وظيفة رئيس الكهنة من خلف قيافا.

وكانت هذه العائلة كعصابة تستخدم الهيكل في التجارة لذلك قال المسيح عن الهيكل "حولتموه إلى مغارة لصوص". ولذلك كانت حادثة تطهير الهيكل سبب حقد حنان وقيافا، فهي أوقفت نهر المال الذي يتدفق عليهما من تجارة الهيكل. ونلاحظ من (يو45:7-49) أن المؤامرات وإرسال الخدام، خدام الهيكل الذين هم ضباط على مستوى عالٍ من المعرفة، كانت مستمرة منذ زمن ولكن حينما ذهب هؤلاء الخدام للمسيح أعجبوا به.

الذي كان رئيساً للكهنة في تلك السنة= كان رئيس الكهنة يستمر في وظيفته حتى يموت. ولكن قصد يوحنا بهذا أن قيافا كان رئيساً للكهنة في تلك السنة التي كانت السنة المقبولة للمؤمنين وسنة خيبة اليهود وخسارتهم لكل شئ. وتعني أيضاً كثرة تغيير رؤساء الكهنة بواسطة الحكام الرومان.

 

آية (14): "وكان قيافا هو الذي أشار على اليهود انه خير أن يموت إنسان واحد عن الشعب."

الإشارة هنا إلى (يو49:11،50). وتعني أن القرار قد إتخذوه قبل المحاكمة.

 

آية (15): "وكان سمعان بطرس والتلميذ الآخر يتبعان يسوع وكان ذلك التلميذ معروفاً عند رئيس الكهنة فدخل مع يسوع إلى دار رئيس الكهنة."

من هنا نرى أن يوحنا كان شاهد عيان فهو وبطرس فقط تبعا المسيح وهرب الباقون. ولكن بطرس احتجز عند الباب، إذ لم يكن معروفاً لخدام قيافا. ولكن يوحنا كان معروفاً فهو غالباً كان وأخيه يعقوب أقارب لرئيس الكهنة. وهذه المعرفة هي التي أهلت يوحنا ليعرف إسم عبد رئيس الكهنة ملخس، بل تعرف على نسيب ملخس بين الخدام، وأهلته لدخول بيت قيافا دون حرج في هذا الموقف الخطير. وهو أيضاً عَرِف أن الجارية التي أنكر بطرس المسيح أمامها أنها هي البوابة، بل هو توسط لبطرس لكي يدخل (آية16). وهذه القرابة هي التفسير أنهم لم يعترضوا على دخوله.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

ومعروف في التاريخ اليهودي أن السنهدريم وهو الجهة القضائية العليا المنوط بها الفحص والحكم في القضايا الكبرى التي تخص اليهود، قد توقف عن العمل 40سنة قبل خراب أورشليم، أي كان متوقفاً عن العمل أيام المسيح، وهم قد منعوا من الاجتماع في الدار المخصصة للسنهدريم المسماة "جازيت" وبحسب التلقيد اليهودي لا يجوز للسنهدريم أن يحكم بالموت خارج الجازيت. ولذلك كان اجتماعهم في دار قيافا إجتماعاً غير قانوني، بل بناء على إستدعاء رؤساء الكهنة للتصديق الشكلي على الحكم. ويقول التلمود اليهودي أنه قبل خراب الهيكل بأربعين سنة إنتزع من إسرائيل حق الحكم بالإعدام، ولكن يبدو أنه في غياب الوالي الروماني خارج أورشليم أتيح لهم أن يحكموا على إسطفانوس بالرجم.

 

آية (16): "وأما بطرس فكان واقفاً عند الباب خارجاً فخرج التلميذ الآخر الذي كان معروفاً عند رئيس الكهنة وكلم البوابة فادخل بطرس."

بعد أن إستقر يوحنا في الداخل عاد ليبحث عن بطرس ليدخل. وكلم البوابة= إذاً البوابة أيضاً تعرفه. ولكن البوابة كلمت بطرس وتركت يوحنا. والله سمح بهذا حتى ينكسر كبرياء بطرس (37:13).

 

آية (17): "فقالت الجارية البوابة لبطرس ألست أنت أيضاً من تلاميذ هذا الإنسان قال ذاك لست أنا."

في دخوله تعرفت