سفر أيوب

 

كنيسة السيدة العذراء بالفجالة

 

 

مقدمة. 1

الإصحاح الأول. 8

الإصحاح الثاني. 14

الإصحاح الثالث.. 17

الإصحاح الرابع. 21

الإصحاح الخامس.. 26

الإصحاح السادس.. 31

الإصحاح السابع. 35

الإصحاح الثامن. 38

الإصحاح التاسع. 40

الإصحاح العاشر. 45

الإصحاح الحادي عشر. 47

الإصحاح الثاني عشر. 50

الإصحاح الثالث عشر. 53

الإصحاح الرابع عشر. 55

الإصحاح الخامس عشر. 58

الإصحاح السادس عشر. 61

الإصحاح السابع عشر. 63

الإصحاح الثامن عشر. 65

الأصحاح التاسع عشر. 67

الإصحاح العشرون. 70

الإصحاح الحادي والعشرون. 72

الإصحاح الثاني والعشرون. 75

الإصحاح الثالث والعشرون. 78

الإصحاح الرابع والعشرون. 80

الإصحاح الخامس والعشرون. 83

الإصحاح السادس والعشرون. 84

الإصحاح السابع والعشرون. 86

الإصحاح الثامن والعشرون. 88

الإصحاح التاسع والعشرون. 91

الإصحاح الثلاثون. 94

الإصحاح الحادي والثلاثون. 97

الإصحاح الثاني والثلاثون. 101

الإصحاح الثالث والثلاثون. 104

الإصحاح الرابع والثلاثين. 108

الإصحاح الخامس والثلاثين. 111

الإصحاح السادس والثلاثين. 114

الإصحاح السابع والثلاثين. 118

الإصحاح الثامن والثلاثون. 121

الإصحاح التاسع والثلاثون. 127

الإصحاح الأربعون. 131

الإصحاح الحادي والأربعون. 138

الإصحاح الثاني والأربعون. 143

 


 

مقدمة

1.       ينقسم العهد القديم إلى أقسام      

1- أسفار موسى الخمسة

          2- الأسفار التاريخية (يشوع-استير)

          3- الأسفار الشعرية (أيوب- النشيد)

          4- الأسفار النبوية

وسفر أيوب سفر شعري لذلك وُضع في بدآية الأسفار الشعرية

2.       من أول الإصحاح الثالث وحتى الآية 6:42 فالسفر كله قد صيغ شعراً. والشعر العبراني يختلف عن باقي أنواع الشعر فهو لا يهتم بالوزن ولا القافية بل كل بيتين أو ثلاثة تتشابه في المعنى فيظهر جماله. ولذلك فترجمة الشعر العبراني لا تضيع جماله.

3.       ينقسم السفر إلى:

1- مقدمة عن تجربة أيوب                   إصحاحات 1، 2

2- حوار بين أيوب وأصدقائه الثلاثة         إصحاحات 3-31

          3- رد أليهو على أيوب والأصحاب          إصحاحات 32-37

          4- كلام الله لأيوب                           إصحاحات 38- 1:42-7

          5- الخاتمة                                    إصحاح 7:42-17

4.       السفر يحوي حواراً بين شخصيات السفر، وهذا الحوار ليس هو كلام الله نفسه ولكنه مدوَّن بإلهام من الله. وبعض فقرات من الحوار أظهر الله عدم رضاه عنها (2:38 + 7:42) لأنها تعبر عن رأي أصحابها الشخصي وقد أخطأوا في أرائهم هذه، ولكنها ذكرت لمنفعتنا. لذلك لا يجب أن تستخدم كل آيات السفر كما لو كانت تعبر عن إرادة علوية مقدسة وهذا لا يتعارض مع أن السفر مكتوب بوحي من الروح القدس (2تي 16:3 +2بط 21:1) فسفر التكوين موحى به من الروح القدس ولكن ورد في سفر التكوين على لسان الحية أقوال لا يوافق عليها الله مثل "لن تموتا" وسمح الله بكتابة أقوال الحية لنستفيد من معرفتنا بكذبها والدليل موت آدم وحواء عكس ما قالته الحية. وبنفس المنطق سمح الله بكتابة أقوال أيوب وأصدقائه رغما عن أنها خاطئة لنستفيد.

5.       أيوب كان شخصاً حقيقياً والقصة كلها قصة حقيقية حدثت ودونها أيوب أو أليهو ثم صاغها أحدهم شعراً بعد ذلك ليسهل حفظها والإستفادة منها، وربما كان موسى هو الذي صاغها شعراً حين وجد القصة معروفة ومتداولة حين كان يرعى غنم حميه يثرون المدياني. ودليل أن أيوب كان شخصاً حقيقياً وليس خيالياً أن حزقيال أورد إسمه مع نوح ودانيال (حز 14:14). وهكذا ذكره يعقوب في العهد الجديد (يع 11:5) ولا يعقل أن الرسول الذي يكتب بوحي إلهي يستشهد بأمر وهمي ويجعله مثالاً للصبر ويأتي به برهاناً على رحمة الله. فضلاً عن ذكر أسماء الأشخاص والأماكن وعدد الأولاد وثروة أيوب قبل وبعد التجربة بل أسماء بعض أولاده. نقول هذا رداً على من يتصور أن قصة أيوب قصة خيالية كتبت لأجل التعليم والتهذيب.

6.       الزمان الذي عاش فيه أيوب:- هو عاش في الزمن بين نوح وإبراهيم أي قبل إبراهيم. وهناك من يضع الزمن بعد هذا بقليل[1] ولكن من المؤكد أن أحداث القصة قد وقعت قبل خروج بني اسرائيل من مصر. ونستدل على هذا من عمر أيوب الذي يرجح أنه تعدى الـ200 سنة[2] فهو قد عاش 140 سنة بعد تجربته 16:42. ومن عدد أولاده يستدل أن عمره وقت التجربة لم يكن أقل من 60 سنة ويقول البعض 70 سنة بدليل أن كل ما ضاع من أيوب إستعاده مضاعفاً (من أملاكه) فقال البعض أن عمره بعد التجربة كان ضعف عمره قبل التجربة. ونستدل على فترة حياة أيوب أيضاً من طريقة تقدير ثروته بعدد مواشيه وهي عادة قديمة وكذلك من عادة الكتابة بالنقر في الصخر والمذكورة في 24:19. وأيضاً كان أيوب منتمياً للأباء البطاركة (كان رئيس العائلة هو كاهن العائلة، يقدم الذبائح عن أفراد عائلته) وكان هذا قبل الكهنوت اللاوي الذي أسسه موسى بعد الخروج. وأيضاً فلا يُذكر من العبادات الوثنية سوى عبادة الأفلاك السماوية (الشمس والقمر) وهي من أقدم العبادات.

7.       يُظهر سفر أيوب أن الله في العهد القديم لم يقصر تعامله على إبراهيم وإسحق ويعقوب ومن ثم نسل يعقوب أي الشعب أليهودي فقط، بل الله كان يظهر نفسه ويتعامل مع كل نفس تقية تطلبه فأيوب لم يكن يهودياً ولا من نسل يعقوب. وهكذا أصدقاء أيوب وأليهو، لم يكونوا يهوداً لكنهم عرفوا الله وآمنوا به وعاشوا أتقياء. وبنفس¨المنطق نجد أن الله كان يكلم أبيمالك في الحلم (تك 3:20). وإهتم الله بخلاص نفوس شعب نينوى الوثنيين ودعاهم للتوبة بواسطة نبيه يونان وإستخدم الله بلعام النبي الأممي فنطق بنبوات عجيبة عن المسيح (عد22-24).

8.       كان أيوب رجلاً كاملاً ومستقيماً. ولكن كلمة كامل تعني كمالاً نسبياً بالنسبة إلى ظروفه وإمكانياته وعصره وجيرانه. ولا يوجد من هو كامل كمالاً مطلقاًَ سوى الله فالجميع زاغوا وفسدوا. . . رو 12:3.

9.        فإذا كان أيوب رجلاً كاملاً فما سبب تجربته؟

أيوب كان رجلاً باراً ويحس في نفسه أنه بار (1:32). لذلك حورب بالبر الذاتي. وأراد الله بهذه التجربة أن ينقيه وينجيه. فالله سمح أن يذله وترك الشيطان يجربه وذلك لمنفعته. الشيطان كان يريد إسقاطه أما الله فكان يقصد إصلاح عيوب أيوب الناشئة من البر الذاتي وهناك فوائد ثانوية لهذه التجربة وهي   1) إعطاء مثالاً للصبر     2) تخجيل الشياطين.

ونرى خطية البر الذاتي عند أيوب في كلامه مع أصحابه ومن شهادته لنفسه ومن كلام أليهود عنه ومن كلام الله عن أيوب. فأيوب تصور أنه يقترب من الله لو أثبت بره ولم يفهم كيف يقف كخاطئ أمام الله. فقال أيوب "حتى أسلم الروح لا أنزع كمالي عني، تمسكت ببري ولا أرخيه" (6، 5:27). بينما يقول الكتاب "كانت طريقهم أمامي كنجاسة الطامث" (حز 13:36) والله ينسب لملائكته حماقة. فالفريسي لم يتبرر مع أنه يفعل البر والعشار تبرر لأنه إعترف بخطيته وطلب الرحمة هكذا تبررت المرأة الخاطئة التي مسحت قدمي المخلص بشعرها حينما سقطت دموعها على قدميه ولم يتبرر الفريسي الذي أولم الوليمة للمخلص لأنه شعر ببره.

10.     كاتب السفر:- دوّن أيوب أو أليهو القصة نثراً ثم صاغها أحدهم شعراً بعد ذلك، وربما صاغها موسي¨ شعراً هو أو أحد رجاله بعد الخروج. أو حين كان موسى يرعى غنم حميه يثرون. فأحداث القصة حدثت في "عوص" (1:1) وهي من بلاد آدوم وأصحاب أيوب من العرب الساكنين في هذه المنطقة فالأحداث عربية حدثت في بلاد العرب ولكن يتضح أن الكاتب يهودي والثقافة أليهودية تشع من الكلمات، والكاتب أيضاً مثقف بالثقافة المصرية ومتأثر بالجو الذي عاشه في مصر فهو يتكلم عن الأهرامات (14:3). ويصف ما رآه في مصر مثل وصف فرس البحر (سيد قشطة) والتمساح (15:40 +1:41) ومما يدل على الثقافة المصرية للكاتب حديثه عن طائر السمندل أو ما يعرف بالعنقاء( هو طائر السمندل وهو ما يسمى Phoenix) (18:29) ليدلل على طول العمر. فطائر السمندل أو العنقاء هو أسطورة مصرية عن طائر خرافي ظن قدماء المصريين أنه يعمر 500 سنة ثم يحرق نفسه وينبعث ثانية من رماده وهكذا بلا نهآية، بل ينبعث وهو أشد ما يكون جمالاً. (قاموس المورد تحت PHOENIX ). فنجد هنا الكاتب¨يستخدم الأساطير المصرية¨ والخيال المصري عن طائر العنقاء حين أراد أن يصور طول المدة التي يعمرها الإنسان (كما يفعل الآن إنسان العصر الحديث حين يقول فلان سريع مثل الصاروخ. فهي أمثلة من واقع الحياة أو الثقافة المعاصرة). وهكذا إستخدم الشاعر العبراني مثالاً مصرياً عن حيوان يسمى لوياثان وهو حيوان هائل جبار، ربما كان التمساح بل هو أقرب ما يمكن في وصفه للتمساح ولكن الخيال الشعري المصري أضاف له بعض الأوصاف المخيفة فصارت صورة لوياثان هي صورة مخيفة للتمساح أضيف عليها أوصافاً خيالية على ما يُعرف عن التمساح من قوة (إصحاح 41).

ولأن السفر موحى به من الله فالله سمح بوجود هذه التشبيهات ليشرح أفكاراً معينة. فطائر العنقاء يشير إشارة واضحة للقيامة من الأموات بعد أن يتحول جسم الإنسان إلى تراب بل يقوم أجمل وأبهى وأكثر إشراقاً. ولوياثان الجبار هذا يشير للشيطان والسفر بدأ بحسد الشيطان وينتهي السفر بوصف لوياثان رمزاً للشيطان وقوته المخيفة المدمرة، وقد رأينا الأهوال التي عانى منها أيوب بسبب حسد الشيطان وبقوته الجبارة. ثم نجد في نهآية السفر قول الله المطمئن للبشرية "أتصطاد لوياثان بشص. . . . . أتضع أسلة في خطمه" (1:41، 2). ومن المفهوم أن الإنسان لا يستطيع هذا، لكن الله يستطيع فهو الذي قيَّد إبليس بسلسلة (رؤ 1:20، 2، 3). فالله وافق على ذكر أوصاف لوياثان هذه وهي أوصاف¨ مصرية ليشرح قوة إبليس وليعطينا ثقة في نهآية السفر أنه وحده له السيطرة عليه وأنه خاضع لسيطرته فلماذا الخوف منه، بل كل حسده وجنونه يحولهم الله لخير الإنسان كما حّول حسده ضد أيوب لصالح أيوب فنقاه من بره الذاتى ليكون أكثر كمالاً. وإستخدم الله حسد إبليس ضد المسيح، ومؤامرات إبليس، الذي دبّر أن يُصْلَبْ المسيح لتخلص البشرية.

11.     السفر يشرح فكرة عن القيامة (في موضوع طائر العنقاء. وعدم تضاعف أولاد يعقوب فأولاده في السماء مازالوا أحياء. . وبعض الكلمات الأخرى التي وردت على ألسنة أيوب وأصحابه لتشير إشارة باهتة إلى القيامة) ومن الواضح أن فكرة القيامة غير واضحة تماماً بل هي مختلطة بأفكار أخرى عن فناء الإنسان بعد موته، ففكرة القيامة كانت غير واضحة في العهد القديم (راجع 10:14-14 لترى المفهوم المضاد للقيامة). فإذا عبّر أيوب عن أفكاره فهو لا يرى القيامة بل يرى فناء الإنسان بعد الموت، وإذا تكلم مسوقاً من الروح القدس يعبر كلامه عن القيامة، لذلك قلنا أنه لا يجب أن نتعامل مع كل كلمة وردت في هذا السفر عن أنها تعبر عن فكر الله.

12.     يشرح السفر فكرة عن شفاعة القديسين والملائكة (1:5 +33: 23، 24) فهو يشفعون في البشر ليستجيب الله صلاة البشر. وفي نهآية السفر تشفع أيوب عن أصحابه ليقبلهم الله.

13.     يشرح السفر أن غرض الشيطان أن يجرب الإنسان ليجدف على الله والله يسمح بهذا لينقي الإنسان ويتزكى بالأكثر.

14.     يبحث سفر أيوب في القضية الأساسية التي تشغل ذهن البشر وهي القضاء والقدر، وطرق الله في معاملة الإنسان ويجيب السفر عن أسئلة هامة بطريقة المناقشة.

أ-       هل يمكن للإنسان أن يمارس عبادته لله عن حب نقي منزه عن النفعية، أي هل يمكن للإنسان أن يعبد الله حتى لو لم يكن قصده الإنتفاع المادي، وهذا قد أثبته أيوب بأن ظل يعبد الل بالرغم من خسارته المادية بل وأولاده أيضاً.

ب-     هل تنسب الأعمال التي إصطلح على تسميتها شراً يصيب الإنسان، لأي مخلوق آخر سوى الله. فموت أولاد أيوب وخسارته المادية تسمى شراً أصابه ولكن أيوب نسبها لله "أالخير نقبل من عند الله والشر لا نقبل" (1:2) وفهمنا أن الشيطان هو المتسبب في هذا الشر ولكن فهمنا أنها بسماح من الله وتحت سيطرته والتجارب التي يسمح بها محدودة.

حـ-    هل الظروف الخارجية التي يعاني منها شخص تؤخذ على أنها اختبار أو كحكم على مدى صلاح هذا الشخص؟ والإجابة قطعاً "لا" لأن أيوب كان باراً ورغماً عن هذا تألم وهكذا المسيح.

د-       هل يمكن لإنسان دون معونة إلهية أن يفحص ويفهم أحكام الله؟ قطعاً لا.

هـ- هل الإنسان الصالح التقي يضمن أن يعيش بلا أي تجارب أو ضيقات ضامناً كل الخيرات الزمنية المادية.

15.     مشكلة أيوب كما قلنا أنه كان باراً في عيني نفسه فلازمته أفكار البر الذاتي ونلاحظ في كلماته أنه يشعر أنه بلا خطية ويتباهى بحسناته، بل نشعر في كلامه أنه داخله فكر الكبرياء "ضحك عليّ أصاغري أياماً الذين كنت أستنكف من أن أجعل أبائهم مع كلاب غنمي" (30 : 1). بل تحدى الله أن يجد له خطية لذلك سمح الله بأن تضغطه التجارب حتى لا يهلك وذلك حتى تظهر خطيتة إلى خارج فيشفى منها. لذلك نفهم أن الخطية الدفينة التي لا يشعر بها صاحبها هي كالدمل المملوء "صديداً" لو تُرِك يموت صاحبه والطبيب يضغط على الدِّمل لتخرج المِدة (الصديد) ويصبح الجرح نظيفاً فيشفى صاحبه، ولكن الضغط مؤلم ولكن فائدته هي حياة الشخص. فظل الله يضغط على أيوب وأيوب يصرخ من الألم والله يضغط وأيوب يصرخ حتى أصبح الداخل نظيفاً فقال أيوب. "ها أنا حقير فماذا أجاوبك" (4:40) ثم (1:42-6) وبهذا شُفي أيوب.

16.     يتضح من السفر أن الإيمان بإله واحد سرمدي قادر غير محدود، خالق الكل المنظور وغير المنظور هو إيمان كان منتشراً بين العرب وفي كل مكان بالتالي ولم يكن مقصوراً على أليهود. فنفهم أن الإيمان بالله الواحد كان هو السائد ثم حدث إرتداد لبعض الشعوب أو معظمها. ولكن الله لا يبقي نفسه بلا شاهد فها نحن نرى في بلاد العرب وبلاد أدوم أناس قديسون يتقوا الله ويعبدونه مثل أيوب وأصحابه الأربعة. ونرى في نينوى شعباً تائباً.

17.     الخلاف الذي ظهر في الحوار بين أيوب وأصحابه يتخلص في مبدأين

مبدأ أيوب:- أن المصيبة التي نُكب بها لا يستحقها إذا لم يرتكب أثاماً يستحق معها هذه المصيبة، وظل أيوب يدافع عن مبدأه هذا.

مبدأ الأصحاب:- أن الله لا يسمح بأن تحل المصائب بالأبرار وأن أيوب إن لم يكن شريراً لما حلت عليه نقمة الله لذلك عليه أن يتوب وتفكير أصحاب أيوب هذا ظل تفكيراً شائعاً، أي أن النكبات تحل بالأشرار كقصاص عن خطية أو خطايا سبق أن ارتكبت. ولذلك سأل التلاميذ السيد عن المولود أعمى "من أخطأ هذا أم أبواه حتى ولد أعمى" (يو 2:9) والتلاميذ تصوروا أن الخطية لابد لها من عقاب حتى ولو أصاب الأبناء.

ولكن هذا السفر يوضح أن البار قد تصيبه الآلام، وإحتمال أيوب وصبره كانا مصدر تعزية للكثيرين من المتألمين عبر العصور.

18.     نلاحظ في أقوال أصحاب أيوب الآتي:

أ-       أن بها أراء روحية سديدة كثيرة جداً. وهذه ناشئة من أن الله كان يتكلم مع عبيده الأتقياء بصور متعددة منها الرؤى والأحلام. . الخ قبل أن يكون هناك كتاب مقدس ودليل هذا أن بولس الرسول في عب 5:12، 6 يتكلم عن تأديب الرب لأحبائه والكلام مأخوذ من أي 17:5. ونجد تطابقاً بين أي 18:5 وبين أقوال الأنبياء في أش 26:30+ تث 29:32+ هو 1:6. (قارن أي 13:5 مع 1كو 19:3). فإذا كان العهد الجديد يقتبس من سفر أيوب فهو سفر إلهى بوحى من الروح القدس.

ب-     كانت هناك أراء خاطئة لأصدقاء أيوب وهذه نشأت من محاولاتهم البشرية في تطبيق أقوال الله على أيوب. فهم حاولوا إلصاق تهمة الشر بأيوب. والله غضب من محاولاتهم هذه. هم فهموا من الله أن الشر له عقوبته وحاولوا بما لهم من معلومات روحية تطبيق المبدأ على أيوب، وأنه شرير بما أنه منكوب. وهذا هو النقص البشري في إدراك إعلانات الله. فأصحاب أيوب لم يلحظوا خضوع أيوب لإرادة الله، بل هم في غرور ظنوا أنهم قادرين أن يجدوا تبريراً لكل أسباب الآلام البشرية وما أجهل الإنسان لكل طرق الله (رو 33:11)

حـ-    كانت خطة أصحاب أيوب أن يدينوه ويثبتوا له شره ليقدم توبة فيصفح عنه الله، وهم غالباً كانوا قد اتفقوا على هذا معاً. ولم يكن أيوب في حاجة لمن يدينه وهو في هذا الوضع المؤلم بل لمن يعطيه كلمة مشجعة معزية، فكانت كلمات أصحابه سبباً في زيادة آلامه، خصوصاً حينما اتهموه في نزاهته مع الله فصرخ فيهم "معزون متعبون كلكم" (اي 16: 2)

د-       بعد أن انتهى الحوار بين أيوب والأصحاب الثلاثة إلى طريق مسدود فكل منهم تشبث برأيه تدخل أليهو في الحوار كقاضي أدان كلا الطرفين. وبعد أليهو تكلم الله ليحكم ويدين فكان أليهو كسابق لله كما كان المعمدان سابقاً للمسيح. وكانت كلمات أليهو قد أعدت قلوب الجميع إستعداداً لسماع الله. وكان ملخص كلام أليهو أن الآلام قد تكون بسماح من الله للتأديب.

19.      مفهوم أليهو هو مفهوم العهد الجديد (عب 5:12) بل يزيد بولس الرسول "أن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبدياً" (2كو 17:4). بل صار الألم هبة من الله (في 29:1).

20.     روعة قصة أيوب أن سفراً بأكمله يدور حول إهتمام الله بشخص واحد أممي. إذاً هي قصتي وقصتك. فالله لا يزال يهتم بي وبك شخصياً، ولا زال الشيطان يشتكي عليّ وعليك. وروعة السفر أيضاً في أننا نرى أن مكائد وحسد الشيطان ضدنا يحولها الله لخيرنا فهو صانع خيرات.

21.     أيوب رمز للسيد المسيح

أيوب كان رجلاً باراً كاملاً (نسبياً)

المسيح بلا خطية

تعرض أيوب لحسد الشيطان وتجربته

الشيطان حسد المسيح وجربه

وصلت التجارب للمرض الرهيب وموت الأبناء

وصلت التجارب حتى صلب المسيح

تخلى أصحابه عنه أثناء تجربته (أي 13:19، 14)

المسيح تخلى عنه حتى تلاميذه

بصقوا في وجهه (أي 15:30)

وهكذا المسيح (مت 67:26)

إنتصر أيوب على تجربته ولم يجدف على الله

إنتصر المسيح في التجربة على الجبل وعلى الصليب إنتصر على إبليس

أيوب بعد مجده صار في حالة حقيرة

المسيح أخلى ذاته آخذاً صورة عبد

بعد التجربة عاد أيوب لمجده

المسيح بعد القيامة صعد للسماء

حصل أيوب على ضعف ما كان له والضعف هو نصيب البكر في الميراث لذلك كان نصيب يوسف رمز المسيح الضعف (أفرايم/ منسى بدلاً من يوسف)

المسيح صار باكورة الراقدين وصار بكراً بين إخوة كثيرين ليعطي إخوته الميراث

شفع أيوب في أصدقائه

المسيح الآن يشفع فينا أمام الآب

آلام أيوب جعلته يرتمي خارج المدينة

يسوع صُلب خارج أورشليم

في آلامه لم يعرفه أصحابه (12:2)

لا صورة له ولا جمال. . . (أش 2:53)

22.     وبسبب أن أيوب كان رمزاً للمسيح في آلامه تقرأ الكنيسة سفر أيوب يوم أربعاء البصخة ويسمى أربعاء أيوب. فأيوب رمز للمسيح المتألم. ونقرأ في الصوم الكبير كثيراً من أيوب لتعطي القراءة في هذا السفر خلال الصوم تذللاً في العبادة وإنسحاق في الروح. وتعيد له الكنيسة القبطية في أول توت.

23.     أيوب يتنبأ عن المسيح

خلال آلامه إنفتحت عيني أيوب ليرى من بعيد، أو ليشتهي وجود مصالح يصالح بين الله والإنسان "ليس بيننا مصالح يضع يده على كلينا" (33:9). وتساءل إن مات رجلٌ أفيحيا (14:14) وهذا التساؤل ظل معلقاً في العهد القديم حتى أتى ذاك الذي هو مشتهى الأجيال ليعطي حياة لمن ماتوا بعد أن صالحهم مع أبيه. وصار لهم شاهداً وشفيعاً في الأعالي كما رآه أيوب في 19:16. بل صرخ أيوب قائلاً عنه "أما أنا فقد علمت أن وليي حيٌ والآخر على الأرض يقوم" (25:19). ولأن ولينا حي فهو سيحيينا بعد أن نموت وبدون جسدنا هذا الذي مات نرى الله (26:19) فأيوب في آلامه إنفتحت عيناه ورأى مالم يراه غيره من الأصحاء، ولذلك يقول معلمنا يعقوب "إحسبوه كل فرح يا إخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة (يع 2:1). فأيوب صار نبياً يرى المستقبل حينما قبل الآلام بصبر. وهكذا فإن قبلنا الصليب الموضوع علينا وصارت لنا مع المسيح شركة الصليب تنفتح أعينيا فنرى ما لا يراه الأصحاء لذلك اشتهى القديسون التجارب.

24.     من ناحية أخرى نجد أليهو المؤمن الغيور على مجد الله تنفتح عيناه هو الآخر ويرى هذا الوسيط أي المسيح (23:33) فكما أن شركة الآلام والصليب تفتح الأعين هكذا الإيمان القوي ومعرفة الله الحقيقية تفتح الأعين.

25.     أخيراً نقول أن حياة أيوب هي ملحمة ممتلئة من معاناة أناس الله القديسون حتى يأتي بهم الله إلى الكمال الحقيقي، ونفهم من قصة أيوب أن الألم ليس عقوبة على الخطية بالنسبة لأولاد الله بل هو طريق للكمال بالنسبة لهم. لقد أمر الملاك طوبيا أن يمسح بالمرارة عيني أبيه لتنفتح وبالتجارب المريرة تنفتح عيوننا فنعرف العيوب التي فينا فنتنقى ونرى الله "طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" وهذا هو طريق الكمال. ومن المؤكد أن أيوب يشكر الله الآن وهو في السماء على كل التجارب التي سمح الله بها أن تقع له، فهى التى أتت به إلى السماء.

26.     قد لا يوافق الله على بعض الأفكار البشرية ولكن نجد الله يتعامل بها لأن البشر لا يفهمون سوى هذه الأفكار أو تلك اللغة. فالله يكلم البشر باللغة والطريقة التي يفهمونها حتى تصل لأذهانهم أفكار الله. وعموماً فالكتاب المقدس هو أبسط طريقة (وبأسلوب بشري) وجدها الله ليشرح أفكاره ولكنه مكتوب بلغة بشرية ومهما كانت اللغة البشرية فهي محدودة وقاصرة عن شرح أفكار الله وعن شرح السماويات. ولنأخذ أمثلة:

أ-       سليمان الحكيم كتب سفر النشيد ليصور حالة الحب بين المسيح والنفس البشرية ولكن سليمان كتب السفر مستخدماً ألفاظ حب عادية بين رجل وإمرأة، ويتعثر في السفر جداً من يحاول فهمه بطريقة حرفية وليست رمزية.

ب-     بولس الرسول إقتبس من أقوال الشعراء اليونان قوله "الكريتيون دائماً كذابون. . . (تي 12:1) فهو وجد في قول الشاعر الوثني ما يؤيد فكرته ويوضحها فإقتبس من أقواله ولم يمتنع.

حـ-    الله إستخدم مع المجوس نجماً في السماء ليشرح لهم عن ميلاد المسيح كشخص عظيم، فهم لا يفهمون سوى لغة النجوم.

د-       يقول السيد المسيح للكنعانية "ليس حسن أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب. وإطلاق لقب الكلاب على الكنعاينين كان من أليهود والمسيح قبل أن يستخدمه ليحرك مشاعر التوبة عند الكنعانية. وهكذا فعل بولس الرسول راجع (في 2:3)

هـ-    أوصاف السماء في سفر الرؤيا هي أوصاف رمزية بلغة بشرية حتى نفهم.

و-      قول الكتاب عن الله أنه "ندم" و"غضب" و"يد اله" و"عين الله" هي كلمات بلغة البشر حتى نفهم على قدر إدراكنا.

لذلك لا مانع للشاعر الذي كتب سفر أيوب أو الذي نظمه شعراً من أن يقتبس من الثقافة المصرية لشرح وجهة نظره، فهو إقتبس أفكار عديدة من الثقافة المصرية مثل السمندل ولوياثان. . . الخ. بل ومن بعض الأساطير.


 

الإصحاح الأول

آيه1: كان رجل في ارض عوص اسمه أيوب وكان هذا الرجل كاملا ومستقيما يتقي الله ويحيد عن الشر.

أرض عوص= على حدود بلاد أدوم وبلاد العرب شرق البحر المتوسط وشمال خليج العقبة بالبحر الأحمر ونلاحظ أن السبئيين هم قبيلة سكنت بلاد العرب والكلدايين كانت أرضهم أولاً بين سوريا ونهر الفرات قبل أن يستقروا في بابل. والصديق أليفاز التيماني صاحب أيوب كان من أدوم فتيمان من بلاد أدوم. وراجع مراثي 21:4 وقد إشتهرت أرض عوص بالحكمة. لذلك كان أصحاب أيوب من جيرانه الأدوميين والعرب. فأيوب لم يكن إسرائيلياً لا هو ولا أصدقاؤه. فالله إختار إسرائيل ليأتي منهم المسيح ولكن ليس معنى هذا أن الله قصر تعامله على إسرائيل وترك باقي العالم ( راجع نقطة رقم 7 فى المقدمة )

اسمه أيوب= الإسم له أكثر من تفسير        1) أنه رجل يحزن ويئن                      2) قيل أنه مشتق من الفعل العربي آب أي رجع ويكون معنى الإسم رجع وتاب

كاملاً= كمالاً نسبياً بالنسبة لمن هم حوله، هو أفضل ممن حوله. كطالب في الإبتدائي حصل على 100% ولكنه لا يفهم في دروس الثانوي. وأيوب كانت له خطية البر الذاتي فهو لم يقدم ذبائح عن نفسه بل عن أولاده فقط وكثر كلامه عن كماله وبره. وهذا عكس ما قيل عن موسى في خروج 29:34 "أن موسى لم يعلم أن جلد وجهه صار يلمع". لأن موسى لم ينظر إلى نفسه ليعجب بنفسه بل كان منشغلاً بالنظر إلى الله فلم يدري ما حدث له. ولنتعلم أن ننظر فقط للسماء ونقارن أنفسنا مع السماء "كونوا كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل" فحين ننظر للسماء نجد أنفسنا خطاة. وهذا ما وصل إليه أيوب أخيراً حين أضاء الله بنوره عليه فرأى حقيقة نفسه. أما من ينظر للأخرين ويقارن نفسه معهم هو معرض     1) أن يشعر ببره الذاتي   2) يرى عيوب الآخرين ويدينهم

يتقي الله ويحيد عن الشر= يقول الكتاب في أم 21:12 "لا يصيب الصديق شر" فلماذا تألم أيوب؟ كلمة شر في أم 21:12 تعني ضرر أو أذي. وما أصاب أيوب لم يؤذه بل نقاه وطهره. . . "فكل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله" لذلك نسمى الله صانع خيرات فى صلات الشكر. فمهما يحدث فهو للخير. وقد لا نفهم أحياناً وهذا راجع لقصر إدراكنا. وكان سر نجاح أيوب أنه يتقي الله وكان أن باركه الله وأكثر له الخيرات من أملاك وبنين. ولكن لكي يكمله سمح له ببعض التجارب فالتجربة تكشف ما هو غائب عنا.

الأيات2، 3:- وولد له سبعة بنين وثلاث بنات، وكانت مواشيه سبعة الاف من الغنم وثلاثة الاف جمل وخمس مئة فدان بقر وخمس مئة اتان وخدمه كثيرين جدا فكان هذا الرجل اعظم كل بني المشرق". .

"هذه البركة الكبيرة سببها كمال أيوب. وكانت الثروة في أيام الأباء البطاركة تقدر بعدد المواشي. فدان بقر= الذي يحرثه بقرتان بجانب بعضهم.

أعظم كل بني المشرق= المقصود ببني المشرق من هم شرق أرض فلسطين. وكان أيوب أعظمهم في ثروته وحكمته وصلاحه وكماله. وقال عن نفسه أن الناس كانت تسجد له.

الأيات 5، 4:- "و كان بنوه يذهبون ويعملون وليمة في بيت كل واحد منهم في يومه ويرسلون ويستدعون اخواتهم الثلاث لياكلن ويشربن معهم، وكان لما دارت ايام الوليمة ان ايوب ارسل فقدسهم وبكر في الغد واصعد محرقات على عددهم كلهم لان ايوب قال ربما اخطا بني وجدفوا على الله في قلوبهم هكذا كان ايوب يفعل كل الايام".

 نجد هنا وصفاً آخر لرخاء أيوب وتقواه. وكيف كان فرحاً بأولاده وغالباً كانوا متزوجين فلهم كل واحد بيته، يعيشون في محبة ونجاح ولهم حياة مشتركة (مز 1:133)

وبكر في الغد= نلاحظ أهمية أن يبدأ اليوم بالصلاة ليبارك الله اليوم كله ونتقدس. ونلاحظ خطأ أيوب هنا واضحاً. فهو يقدم ذبائح عن أولاده، أما عن نفسه فلا يقدم ذبيحة فهو في نظر نفسه لا يخطئ وهذا هو البر الذاتي. جدفوا على الله في قلوبهم = أي نسوا الله في مسراتهم وهو واهب كل خيراتهم. ولا شئ يبعد العقل عن الله بقدر الإنهماك في مطالب الجسد. والإنسان يميل في مسراته أن ينسى الله لذلك إهتم أيوب أن يدعوا أولاده للعبادة بعد أن إنتهت ولائمهم. أرسل فقدسهم = التقديس يشمل التوبة عما إقترفوه من خطاياه والطهارة الجسدية أيضاً (إستحمام وغسل ملابس) إستعداداً لتقديم الذبائح والصلاة والعبادة. ونلاحظ هنا أن أيوب كان كاهن الأسرة، هو يقدم الذبيحة ليطلب لهم المغفرة. هكذا كان أيوب يفعل كل الأيام = إن من يعبد الله عبادة مستقيمة يجب أن يعبده عبادة مستديمة.

آية 6:- "و كان ذات يوم انه جاء بنو الله ليمثلوا امام الرب وجاء الشيطان ايضا في وسطهم".

 كما إستخدم السيد المسيح الأمثال لشرح طبيعة الملكوت. يشرح هنا الكاتب الملهم بالروح القدس منظراً سماوياً وأحاديث دارت بين الله والشيطان في وجود الملائكة. ومثل هذا المنظر لم يراه إنسان ولا يمكن أن يتخيله إنسان، فالسماء فيها ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على بال إنسان. ولكن هذا المنظر التصويري أن الملائكة تجتمع في حضرة الله يتلقون أوامرهم منه ثم يأتون ليقدموا تقريراً عما فعلوه، ويأتي الشيطان المشتكي وسطهم ليشتكي على البشر هو تصوير بلغة البشر على قدر ما نفهم، وهكذا نجد بولس الرسول يعيد رسم نفس المنظر في رو 33:8، 34 وهناك بعض الملاحظات على هذه الآية :-

1.       كان الشيطان طليقاً قبل مجئ السيد المسيح، ولما تجسد الرب متأنساً. . . ربط إبليس وقيده رؤ 1:20-3. وتقييده معناه أنه لا يستطيع أن يجرب الناس على هواه بل هو الآن مثل كلب مربوط بسلسلة فلا يستطيع أن يعض إلا من يدنو منه، هو قد يعوي نابحاً ويرهب مفزعاً لكنه لا يقدر أن يعض إلا من يقترب إليه.

2. لقد تحدى إبليس الله وصار عدواً له، بل وصار كل إنسان يتقى الله عدواً لإبليس، يحارب عبادته وخضوعه لله.

3.       كان الشيطان في بادئ خلقته كاروباً مظللاً منبسطاً يحيط بالعرش الإلهي. لقبه الوحي الإلهي زهرة بنت الصبح قبل معصيته. وزهرة بنت الصبح هو كوكب منير يظهر في الصباح وهو ألمع الأجرام السماوية ويسمى فينوس وباللاتينية لوسيفر ولقد سقط الشيطان من هذه الرتبة اللامعة بعد أن كان ممتلئاً من الحكمة فدخله الغرور وبدلاً أن يمجد الله افتخر بنفسه. وبسقوطه تحول من كاروب للمجد إلى شيطان هالك. وكلمة شيطان من شطن إيل ومعناها خصم أو مقاوم أو ضد الله. وسمي باليونانية ذيافلوس ومعناها مشتكي زوراً أو ثالب ونقلت بالعربية إبليس وهو المفترى ظلماً. ومن أسمائه أيضاً التنين أو الحية القديمة لقوته ودهائه في الحرب وهو يشتكي على البشر دائماً، يكتشف نقاط ضعفهم ويغريهم بالوقوع وإن وقعوا يشتكي عليهم، بل هو أيضاً يشتكي الله في أسماعنا بأن الله قاسى لا يحب الإنسان ومع أي تجربة يقع فيها الإنسان يأتي إبليس ليشتكي الله فإن صدق الإنسان شكوى إبليس وردد معه "لماذا لا يحبني الله ويوقعني في هذا الألم" هنا يذهب الشيطان ليشتكي الإنسان لله بأنه جدف وهذا ما حاوله إبليس مع أيوب.

4.       نرى في التصوير السابق أن الله هو ضابط الكل والشيطان ليس مطلق الحرية في التصرف بل إن حياتنا يتم تدبير أمورها في السماء. . . فلماذا نخاف؟ بل لماذا نتساءل عن مصدر أي ألم يقع علينا هل هو من الله أو هل هو من إبليس. وعلينا أن نردد مع أيوب أألشر من الرب لا نقبل؟ فالله هو ضابط الكل وكل ما يحدث هو بسماح منه وتحت سيطرته، بل أن الله في أول مرة سمح لإبليس أن يجربه في كل شئ ولكن لا يمس جلده وجسمه وفي المرة الثانية سمح بهذا على أن لا يمس حياته أي لا يموت. فنهم أن سلطان إبليس محدود وفي حدود ما يسمح به الله. وما يسمح به الله هو لخير الإنسان فالله يحب الإنسان رو 28:8.

5.       هذا المنظر السماوي الله وحوله ملائكته والشيطان في وسطهم يتكرر في الكنيسة على الأرض فكلما يكون هناك تجمع لأولاد الله يدخل إبليس في وسطهم ليزرع الشك والكراهية بينهم. فلنحذر فالشيطان جرب المسيح نفسه.

6.       قبل أن يحدثنا الكتاب عن كيف فاجأت الآلام أيوب، وحلت به في هذا العالم المنظور، حدثنا عن كيف تم تدبير الأمور في السماء في عالم الأرواح، لأن الشيطان الذي كانت بينه وبين أيوب عداوة شديدة بسبب تقواه التمس الإذن ليعذبه من الله فإن كان الله هو الذي يسمح فنحن إذن في يدي الله فلماذ الخوف.

7.       إعترض البعض كيف يكون للشيطان القدرة أن يصل إلى حيث العظمة الإلهية ومقر الملائكة الأطهار؟‍‍ والرد أن الله ليس محصوراً في مكان (راجع أر 24:23، أش 1:66 +1مل 27:8 + أش 15:57 + مز 1:139-12 ) فالله موجود في كل مكان ومثول الملائكة والشيطان أمام الله هو تنازل العزة الإلهية وتجليها أمام خليقته سواء البارة أو الأثيمة لكي يكشف مقاصده. ولكن يجب أن نفهم أن هناك فرق فالملائكة تعاين مجد الله وتفرح وتبتهج وتسبح أما إبليس فيرى عدل الله وحكمه ضده فيقشعر ويزداد هيجاناً على أولاد الله، إبليس إذا جاء وسط الملائكة لا يرى مجد الله بل يرى وجه الله الغاضب الذي يدينه.

آية 7:- "قال الرب للشيطان من اين جئت فاجاب الشيطان الرب وقال من الجولان في الارض ومن التمشي فيها".

من أين جئت = هذه لا تعني أن الله لا يعرف بل تعني أنه مهما ذهب فهو تحت عين الله الفاحصة وبنفس الطريقة سأل الله آدم أين أنت. هو سؤال يشير أن الله يعرف كل ما كان يعمله الشيطان. الجولان في الأرض= الكلمة تعني العمل الدائم الثابت وبنشاط واسع وفي كل مكان. والشيطان لم يقدر أن يدعي بأنه كان يصنع خيراً فهو يعرف أن الله فاحص كل شئ ولم يجسر أن يعترف بأنه كان يصنع ضرراً فهو يقشعر بوجوده في حضرة الله.

آية 8:- "قال الرب للشيطان هل جعلت قلبك على عبدي ايوب لانه ليس مثله في الارض رجل كامل ومستقيم يتقي الله ويحيد عن الشر".

الله هو الذي يبدأ بالسؤال فهو يعرف أن الشيطان حاقد عليه أي على أيوب والله يعرف أن الشيطان وضع في قلبه أن يشتكي أيوب ويلتمس الإذن بأذيته وتجربته. فبدأ الله يتكلم عن أيوب بإعزاز ويفتخر بعبده ويشهد لكماله وأنه يسلك بإستقامة فمما يفرح الله أن يتكلم عن أبناءه الأبرار "أكرم الذين يكرمونني" وكون الله يبدأ بالسؤال فهذا يعني أن الله هو الذي في يده كل الأمور كضابط للكل ويظهر إهتمام الله بأيوب كشخص وهكذا بكل منا. وهو الذي بدأ لأنه كان يعرف نية الشيطان وأنه يريد أن يجرب أيوب وأن الله كان يريد هذه التجربة لصالح أيوب وحتى يكمل أيوب بالأكثر ويتنقى من بره الذاتي. وأن يبدأ الله بالكلام عن أيوب فهذا يعني أن الله يقول أنا أعرف مهمتك يا شيطان وأنا أعرف فيماذا تفكر. وله معنى آخر أن لنا شفيع مستعد أن يدافع عنا حتى قبل توجيه الإتهام إلينا.

آية 9:- "فاجاب الشيطان الرب وقال هل مجانا يتقي ايوب الله".

 هل مجاناً يتقي أيوب الله:- لم يحتمل الشيطان أن يسمع الثناء على أيوب وهو لا يحتمل أي إنسان بار مجاهد فيوجه كل سهامه ضده. ولذلك تزداد حروب إبليس ضدنا حينما نعترف ونتوب ونتناول. وكل من لايحتمل أن يوجه مديح لشخص آخر غيره فهؤلاء يشبهون الشيطان. وبدأ الشيطان شكواه وهجومه ضد أيوب وهو لم يجد خطية في أيوب يشتكيه عليها فإفترى عليه بأنه لا يعبد الله من أجل الله ولكن لأنه يحصل على خيرات زمنية أي أن عبادته هدفها النفعية، وأنه إن لم يحصل على إمتيازات زمنية ما كان يعبد الله (وهناك من هو حتى الآن يعبد الله للحصول على إمتيازات وبركات مادية فإن خسرها ترك الله أو تصور أن الله تركه) بل إنها حرب من إبليس، فهو يتحايل على أولاد الله ويقنعهم أنهم لابد ان يحصلوا على أجر مادي وإمتيازات مادية في مقابل عبادتهم ولكن علينا أن نتطلع إلى الجزاء الأبدي والميراث السماوي فهذا ما أعده الله لنا ولنلاحظ أن الشيطان يشتكي على أولاد الله إذا أخطاؤا وهكذا أولاد إبليس. أما أبناء الله فيسترون الخاطئ. راجع قصة القديس الأنبا مقار حين تستر على خطية الراهب الزاني فسمع الصوت "طوباك يا مقاريوس لأنك صرت شبيها بالله".

ولنفهم أن الله ما كان يسمح للشيطان أن يشتكي على أيوب إلا لأن هناك خطية ملأت قلب أيوب وهي البر الذاتي. لذلك إستطاع المجرب أن يجد فيه مكاناً ليشتكي عليه وهذا جعل الله يوافق أن يجرب إبليس أيوب. أما المسيح فلأنه بلا خطية قال عن إبليس "رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَ شئ"

آية 10:- "اليس انك سيجت حوله وحول بيته وحول كل ما له من كل ناحية باركت اعمال يديه فانتشرت مواشيه في الارض".

 سيجت حوله= أي لحمايته وحمآية أسرته وممتلكاته. ودائماً شعب الله يتمتع فعلاً بحمآية الله زك 5:2. وبدون بركة الله ما كانت ثروته قد إزدادت.

آية 11:- "و لكن ابسط يدك الان ومس كل ما له فانه في وجهك يجدف عليك".

 يتحدث الشيطان هنا بخبث وحقد أن أيوب لو سمح الله وجربه فهو سيكف عن تقواه بل سوف يجدف على الله. فالشيطان يريد أن يثبت أن أيوب لا يتقي الله حباً في الله لكن حباً في عطاياه، ويريد إثبات أن الله ليس له عبد أمين واحد بين البشر وأنه لا يوجد في العالم اخلاص حقيقي في التقوى وكل التدين ما هو إلا إدعاء باطل وتظاهر وبذلك يصير الشيطان هو الملك الفعلي على كل البشر. ومع أن الشيطان له قوة خارقة لكننا نجده هنا قد أخطأ في حساباته فلا أيوب جدف ولا ترك الله، وذلك لأن الله وحده هو الذي يعلم ما في القلب ولذلك سمح الله بتجربة أيوب فهو يعلم أنه لن يجدف. والله وحده هو الذي يسمح بالتجربة ويحدد مداها، وهو يسمح إن كان هناك فائدة من التجربة للشخص نفسه.

آية 12:- "قال الرب للشيطان هوذا كل ما له في يدك وانما اليه لا تمد يدك ثم خرج الشيطان من امام وجه الرب".

 الله هنا يعطي الإذن للشيطان أن يجرب أيوب ولكن في حدود= وإنما إليه لا تمد يدك = أي لا تمس جسده لكن أملاكه فقط. إذاً السلطان المعطى للشيطان محدود. والله لا يسمح بتجربة إلا في حدود ما نستطيع ونحتمل 1كو 13:10 والله عَلِم أن رصيد النعمة لدى أيوب يسمح له بأن يحتمل (راجع مز 23:37-25) خرج الشيطان من أمام وجه الرب= وهكذا فعل قايين وهكذا يفعل كل شرير تابع للشيطان فهو لا يستطيع أن يبقى أمام وجه الرب.

آية 13:- "و كان ذات يوم وابناؤه وبناته ياكلون ويشربون خمرا في بيت اخيهم الاكبر".

من شر الشيطان وكراهيته للإنسان خصوصاً الإنسان البار نجده هنا بمجرد أن حصل على سماح من الله بأن يؤذي أيوب شرع فوراً في التنفيذ ونلاحظ في خطة الشيطان أن ضرباته ضد أيوب كانت في يوم فرح حتى يكون للضربات وقع أكثر إيلاماً على نفس أيوب. وكانت الضربات متلاحقة متتابعة حتى لا يعطي لأيوب فرصة أن يلتقط أنفاسه أو يستريح فيتعزي. ونلاحظ في خطة الشيطان أيضاً أنه حاول الوقيعة بين الله وبين أيوب وبين أيوب وبين الله فهو حاول أن يشتكي أيوب لله وحاول أن يصور لأيوب أن كل هذه الضربات هى لغضب الله عليه، فالنار والريح هما بيد الله والله تركهم ضد أيوب وهجوم السبئيين والكلدانيين معناه أن الله لم يحافظ على عبده أيوب أو يحميه منهم، ولذلك وضع الشيطان في فم الغلمان قولهم نار الله سقطت من السماء.

آية14 :- "ان رسولا جاء الى ايوب وقال البقر كانت تحرث والاتن ترعى بجانبها".

الشيطان يثير أيوب ضد الله، مع أن الشيطان هو الذى أو عز للسبئيين بأن يهجموا على ممتلكات أيوب. ولقد كانت خسائر أيوب مطابقة لكل أملاكه السابق ذكرها فكأنه خسر كل شئ وبسرعة، فلم يعطه الشيطان فرصة أن يتأمل في حياته السابقة وربما إكتشف خطية فيندم عليها أو يهدأ بين الضربة والضربة فيكون له خضوع مبارك أمام الله وقال أيوب بعد ذلك "لأن البوار من الله رعب علىَ أي 23:31"

آية 15: "فسقط عليها السبئيون واخذوها وضربوا الغلمان بحد السيف ونجوت انا وحدي لاخبرك". السبئيون= هي في الأصل شبا بالعبرية وكانوا غزاة ووصلت حروبهم وغزواتهم حتى اليمن التي تنسب أيضاً إلى نفس القبيلة. وكانوا غزاة يغيرون على البلاد ويسبون ساكنيها ويتاجرون في العبيد. الغلمان= الفلاحون والرعاة وهؤلاء قتلوا وهم يدافعون عن أملاك سيدهم (تك 3:25)

آية 16:- "و بينما هو يتكلم اذ جاء اخر وقال نار الله سقطت من السماء فاحرقت الغنم والغلمان واكلتهم ونجوت انا وحدي لاخبرك".

نار الله= هو برق غير عادي وبكثافة شديدة وإتجه نحو أملاك أيوب مباشرة ومما يثير أيوب أنه كان يقدم ذبائحه لله في عبادته من مواشيه والأن يجد أن الله يسقط ناره ليلتهم كل مواشيه بدلاً أن يباركها.

آية 17:- "و بينما هو يتكلم اذ جاء اخر وقال الكلدانيون عينوا ثلاث فرق فهجموا على الجمال واخذوها وضربوا الغلمان بحد السيف ونجوت انا وحدي لاخبرك".

 الكلدانيون= نسبة إلى المكان الذي سكنوه وهو كلديا جنوب بابل وكان منهم الكهان القدامى وكانوا قبلما يستولون على بابل يقومون بغزوات في الغرب، يتجولون في الأرض بين شرقي الأردن والفرات وبعد ذلك إستوطنوا بابل

آية 18:- "و بينما هو يتكلم اذ جاء اخر وقال بنوك وبناتك كانوا ياكلون ويشربون خمرا في بيت اخيهم الاكبر".

ضربة بنوه وبناته هي التي جرحت قلبه جرحاً عميقاً فهم أثمن ما يملك. لذلك حفظ الشيطان هذه الضربة لتكون آخر ضربة ليدفعه للتجديف على الله. والريح في يد الله فإذا جاءت الريح بهذه الشدة لتقتل الأولاد يفهم أن الله هو الذي فعل هذا وهكذا فهمها بلدد(4:8). زوبعة= عاصفة تدور في سيرها فتدمر.

آية20:- "فقام ايوب ومزق جبته وجز شعر راسه وخر على الارض وسجد".

 تمزيق الجبة وجز الشعر علامة الحزن، وهذه هى المشاعر الطبيعية، لقد تصرف أيوب كإنسان في محنته وهكذا بكى المسيح على قبر لعازر فالمسيح شابهنا في كل شئ ما عدا الخطية. والله لا يتضايق من المشاعر الطبيعية بل هو في كل ضيقة تلم بنا يتضايق. ولنلاحظ أن أي إنسان يتعرض لما تعرض له أيوب ولا يحزن يكون صخرة صماء لا إنسان. ومع كل هذا لم يصدر عن أيوب أي كلمة تجديف وظل محتفظاً بسلامه الداخلي حتى جاءه خبر موت بنيه بل هو خر على الأرض وسجد فهو في ضيقته لجأ إلى الله ولم يجدف عليه، لجأ إليه في عبادة وسجود ولم يهرب منه ويتركه. (هناك عادة رديئة عند بعض الناس الذين إذا مات لهم شخص محبوب ينقطعون عن الكنيسة فترة) وأن يلجأ الإنسان لله في ضيقته فهذا يعطيه فرصة أن يهدأ أمام الله ويعطيه الله سلاماً يصعب أن يجده الإنسان بعيداً عن الله.

آية 21:- "و قال عريانا خرجت من بطن امي وعريانا اعود الى هناك الرب اعطى والرب اخذ فليكن اسم الرب مباركا". .

 هنا تظهر عظمة أيوب وإقتبس بولس الرسول هذه الآية 1تي 7:6. والخطية هي التي جعلت الإنسان عرياناً (هكذا يولد وهكذا يموت) ولكن الأنفس التقية تخرج لابسة ثوب البر. 2كو 3:5. الرب أعطي= هو نسب كل خيراته لله ولم يقل يداي وقوتي عملت بهما ثروتي. والرب أخذ= فنحن لا نهتم بمن هو سبب النكبة هل هو الشيطان أم الأعداء (سبئيين وكلداينين) أم هي الطبيعة (نار ورياح) بل نحن في يد الله، والله هو ضابط الكل وحين يضيع منا شئ نقول الرب سمح بهذا. بل أن بعض الناس يقولون في خسارتهم أن حظهم سيئ وهذا ضد الإيمان بأن الله هو ضابط الكل، وكل شئ تحت سيطرته هو. ولنلاحظ أن أيوب قال هذا القول الرائع وهو ساجد مصليا أمام الله فالعبادة وسط الضيقة تعطي قوة وعزاء للمتألم. وهذه الروح الخاشعة تؤدي للتسليم أمام الله بإقتناع. فليكن إسم الرب مباركاً= هذه من بركات الصلاة والروح الخاشعة فهو لم يلعن السبئيين ولا البرق ولا الريح ولا حظه السيئ، بل من فضلة القلب يتكلم اللسان، وقلب أيوب الخاشع لا يقدر أن يلعن لذلك بارك الله وشكره (وهكذا الكنيسة تعلمنا أن نشكر في كل مناسبة) فالتذمر والضجر وعدم الصبر تتهم الله في الواقع بالجهالة.

آية22:- "ي كل هذا لم يخطئ ايوب ولم ينسب لله جهالة".

 الروح القدس يعترف لأيوب في شهادة كريمة بثباته وقداسته لأنه لم يخطئ.


 

الإصحاح الثاني

الأيات 1-6:- "و كان ذات يوم انه جاء بنو الله ليمثلوا امام الرب وجاء الشيطان ايضا في وسطهم ليمثل امام الرب، فقال الرب للشيطان من اين جئت فاجاب الشيطان الرب وقال من الجولان في الارض ومن التمشي فيها، فقال الرب للشيطان هل جعلت قلبك على عبدي ايوب لانه ليس مثله في الارض رجل كامل ومستقيم يتقي الله ويحيد عن الشر والى الان وهو متمسك بكماله وقد هيجتني عليه لابتلعه بلا سبب، فاجاب الشيطان الرب وقال جلد بجلد وكل ما للانسان يعطيه لاجل نفسه، ولكن ابسط الان يدك ومس عظمه ولحمه فانه في وجهك يجدف عليك، فقال الرب للشيطان ها هو في يدك ولكن احفظ نفسه".

 لقد كان الشيطان واثقاً في نفسه أن أيوب سيجدف في المرة الأولي بعد كل الضربات التي أصابه بها، لكنه علي العكس بارك الله وكان هذا برهاناً علي أمانة أيوب وعلي كذب الشيطان وإفترائه، لذلك نجده هنا يجرب مرة أخري. فهو المشتكي علي البشر أمام الله نهاراً وليلاً رؤ 10:12. كان يجب أن يخجل من المرة الأولي ولكن لنعلم أنه لن يكف عن ذلك حتي يطرح في البحيرة المتقدة بالنار والكبريت وحتي هذا اليوم فخبثه لن يهدأ، لذلك نجده هنا يوعز لله بأن يسكب غضبه علي أيوب نفسه.

ونري هنا التصوير لمحكمة سمائية الله هو القاضي والشيطان هو المدعي الذي يوجه الإتهام لأيوب. ونجد الشيطان في كذب يقول أتيت من الجولان في الأرض كأنه لم يدبر كل هذه المؤامرات ضد عبد الله البار أيوب. ومن هنا نفهم القول بأن إبليس يجول يصنع شراً أما الله، فقيل عن المسيح "يجول يصنع خيراً"

ونجد هنا القاضي يدافع عن المتهم "لأنه ليس مثله في الأرض رجل كامل. ويدين الشيطان قائلاً هيجتني عليه لأبتلعه بلا سبب. ولم يعترف الشيطان بأنه أخطأ بل قال جلد بجلد= كان هذا مثل شائع، فقد كانت الجلود عامة الإستعمال في المعاملات التجارية. وكل ما للإنسان يعطيه لأجل نفسه= أي لأجل حياته، والمعني أن أيوب مستعد أن يفرط في جلد غيره حتي أبنائه طالما جلده هو سليم.

وهذا القول صحيح إلي حد بعيد فكثير من الناس إن لم يكن معظمهم يفضلون حياتهم وسلامتهم أكثر من أقرب الناس إليهم حتي أبنائهم. ونلاحظ أن الشيطان قد حول صبر أيوب وإحتماله لكل الخسارة التي وقعت عليه إلي تهمة جديدة وهي أنه غير مهتم بكل الخسائر التي لحقت به طالما أن الضربات لم تمس جلده هو شخصياً وبهذا يتهمه بالأنانية ويتضح في هذا كذبه لكنه هو كذاب وأبو الكذاب (مصدر كل كذب) وإستغل هذا ليطلب أن يجربه في عظمه ولحمه أي الأجزاء الحساسة والتي في آلامها تكون مؤلمة جداً. والله سمح للشيطان بهذا= ها هو في يدك فلا سلطان له علي البشر إلا بسماح من الله، ونلاحظ أن التصريح محدود بأن يحفظ نفسه أن يوجه له النكبات لكن ليس إلي الموت فكان الشيطان يطمع في أخذ نفسه أي يدفعه لآلام الإحتضار متصوراً أن هذه الآلام يمكنها أن تدفعه لأن يجدف وهو يموت فيفقد آخر فرصة للتوبة ويموت في حالة تجديف ويهلك. ولكن الله لم يسمح بأن تصل الآلام لدرجة الموت ولنلاحظ أن الحياة هي في يد الله وليست في يد إنسان أو شيطان. ومعني السماح الذي أعطاه الله للشيطان أن يصيب أيوب بمرض غير مميت. ولنلاحظ أن الله سمح للشيطان أن يجرب أيوب ثانية لأن مرض أيوب الدفين كان لم يظهر بعد.

الآيات 7-10:- "فخرج الشيطان من حضرة الرب وضرب ايوب بقرح رديء من باطن قدمه الى هامته، فاخذ لنفسه شقفة ليحتك بها وهو جالس في وسط الرماد، فقالت له امراته انت متمسك بعد بكمالك بارك الله ومت، فقال لها تتكلمين كلاما كاحدى الجاهلات االخير نقبل من عند الله والشر لا نقبل في كل هذا لم يخطئ ايوب بشفتيه".

 ضربه بقرح ردئ= قيل أن مرضه هو الجذام وقيل أنه الحمرة في أعنف درجاتها وهي مؤلمة جداً وتقض مضجع المصاب بها فكم وكم لو أصابت الجسم كله ويقال أنها دمامل عنقودية في كل الجسم مع قروح وإلتهابات في كل الجسم. ومن أعراض مرضه 1) الحكة (8:2) هيئة وجهه تغيرت (12:2) ولحمه دوَد وكانت القروح يلتصق بها التراب وتتشقق ويخرج منها القيح (5:7) ومن آلامه لا ينام وإن نام تكون أحلامه مريعة (14:7) ولا يستطيع أن يتنفس (15:7) ولا يقدر أن يمشي (27:13) ورائحته كريهة (17:19) مع حرارة في عظامه (30:30) مما غير شكل وجهه (12:2) وجعل الأولاد يضحكون عليه (18:19)

أخذ لنفسه شقفة= أي يحك جسده بقطعة من أناء فخاري مكسور. ولنلاحظ

أن لعازر وجد راحته في السنة الكلاب التي جاءت لتلحس قروحه، أما أيوب فلم يجد. ونضيف علي آلام أيوب أن أولاده وخدمه هلكوا جميعاً وزوجته تخلت عنه.

جالس وسط الرماد= تقول الترجمة السبعينية أنه جلس علي مزبلة خارج المدينة وعموماً فالرماد علامة حزن كأن من يجلس علي الرماد يفعل ذلك لأنه يتصور أنه لا يزيد عن هذا الرماد. والرماد علامة حزن وأيضاً علامة توبة يونان 6:3 + أي 6:42 + أش 5:58.

آية 9:- "فقالت له امراته انت متمسك بعد بكمالك بارك الله ومت".

 للشيطان أدواته التي يستعملها ليحارب الأبرار فيسقطون في التجديف ومنها:-

أ-       الناس الأشرار مثل السبئيين والكلدانيين.

ب-     الطبيعة (النار والريح). بل هو وضع في فم الذي أنبأ أيوب بخبر الصدمة أن النار هي نار الله.

حـ-    حرب الشيطان الفكرية وتشكيكه أيوب أن الله لا يحبه أو أن الله يضطهده.

د- ولقد إستخدم الشيطان أصدقاء أيوب ليزيدوا من ألمه. وأصقاء أيوب يحبون الله ولكنهم يجهلون طرقه فكانوا سبب ألام لأيوب حين إتهموه أنه خاطئ ويستحق ما جرى له. كان أصدقاء أيوب أتقياء وكلامهم فيه كثير من الصحه ولكن تطبيقه على أيوب كان خطأ فهم حكموا عليه ظلماً وكانت أحكامهم خاطئة لأنهم تصوروا أن معرفتهم كاملة "هلك شعبى من عدم المعرفة" فعجزوا عن تعزية أيوب بل هم أثاروه فأخطأ. ولنتعلم أن لا نوبخ خاطئ بينما هو يتألم من نتائج خطيته فالمسيح ما وبخ خاطئاً واحداً بل أعلن محبته للجميع. خصوصاً أننا قد ندين من هم أبرياء.

هـ-    أخر من إستخدمهم الشيطان ليدفع أيوب للتجديف كانت زوجته (موضوع هذه الآية ). وربما تركها الشيطان دون أن يتسبب في موتها كما حدث لأبنائهما حتي تتعب أيوب وتنغص عليه عيشته بل لتجربه هي الأخري وتحرضه علي التجديف. ولنفهم أن الشيطان قد يستخدم أقرب الناس لنا، وكما جرب آدم عن طريق حواء وكما جرب المسيح عن طريق بطرس مت 22:16، 23.

بارك الله ومت= كلمة بارك تحمل معنيين 1) الدعاء بالخير للأخرين 2) الدعاء بالشر ضد الأعداء. وبهذا نفهم أن كلمة بارك الله ومت تحمل المعني الثاني أي جدف علي الله ومت (وهكذا ترجمتها الترجمة الإنجليزية واليسوعية) ويكون المعني أن الله لن ينفعك بشئ إن طلبته، وأنت مائت لا محالة بسبب أمراضك فماذا يجديك أن تصرخ قائلاً يارب. كف عن أن تبارك الرب وجدف عليه فهو سبب ألامك المميتة.

وهناك تفسير أخر فالكلمة "بارك" قد تحمل معني السخرية والنفور كما يصرخ إنسان في إنسان آخر قائلاً "مع السلامة" وذلك ليطرده. ويكون المعني المقصود إنكر الله وأتركه حتي لو أدي تجديفك عليه أن تموت فموتك خير من حياتك وأنت تتألم هكذا. وهكذا إبليس دائماً يحاول أن يوحي بأفكار قاسية عن الله فيوحي للإنسان بأن الله يسر بشقائه وتعاسته وهذه أفكار خاطئة لكن هدفها أن يجدف الإنسان علي الله وهذا هو هدف إبليس. وقد يستخدم إبليس طريقاً آخر ليصل لنفس الهدف نلمسه من قول زوجة أيوب وهو الهزء بمن يتمسك بكماله. والأرجح أن زوجة أيوب كانت تقية لكنها لم تحتمل التجربة (الفقر وخسارة أولادها)

تتكلمين كإحدي الجاهلات= لاحظ أنه لم يقل لها أنك جاهلة بل هو حتي في ألمه الشديد كان لسانه عفاً. وإكتفي بأن يؤنبها علي فكرها

أألخير نقبل من عند الله والشر لا نقبل= أيوب إعتبر أن الله ضابط الكل هو المسئول عن حياته وهكذا علينا أن نشكر الله علي الخير الذي يأتينا ولا ننزعج من الشر الذي يأتي علينا فنحن في يده ولا يأتي علينا شر إلا بسماح منه يو 11:19. ولنلاحظ أن إحتمال أيوب الآلام بصبر هو إنتصار علي إبليس ولذا تعتبر آلام الإستشهاد التي تمثل الإماتة التامة للجسد هي نصرة نهائية علي إبليس ولذلك يعتبر الإستشهاد حرب ضد إبليس

الأيات 11-13:- "فلما سمع اصحاب ايوب الثلاثة بكل الشر الذي اتى عليه جاءوا كل واحد من مكانه اليفاز التيماني وبلدد الشوحي وصوفر النعماتي وتواعدوا ان ياتوا ليرثوا له ويعزوه، ورفعوا اعينهم من بعيد ولم يعرفوه فرفعوا اصواتهم وبكوا ومزق كل واحد جبته وذروا ترابا فوق رؤوسهم نحو السماء، وقعدوا معه على الارض سبعة ايام وسبع ليال ولم يكلمه احد بكلمة لانهم راوا ان كابته كانت عظيمة جدا". مضي وقت بين الأحداث الأليمة السابقة التي حدثت لأيوب، وخلال هذا الوقت وصلت الأنباء لأصدقاء أيوب فسافروا إليه، وهم بحق أصدقاء أوفياء لم يعرفوه فقط في غناه بل تركوا بيوتهم ليعزوا صديقهم المتألم ويبدو أنهم في طريقهم إلي أيوب توصلوا لفكر مشترك أن الله لم يكن ليجازي أيوب بكل هذا الشر إن لم يكن أيوب شريراً جداً. وإتضح من كلام الأصدقاء الثلاثة أنهم كانوا علي درجة عالية من الحكمة والصلاح. وربما كانوا من نسل إبراهيم وإحتفظوا بشئ من ثمار إبراهيم الصالحة. وعموماً إمتازت بلادهم بالحكمة

أليفاز التيماني = كان من نسل تيمان حفيد عيسو (تك 11:36)

بلدد الشوحي = كان ينتسب لشوح الذي ولدته قطورة لإبراهيم (تك 2:25)

صوفر النعماتي = يقال أنه صفوا حفيد عيسو (تك 11:36)

والصديق الحقيقي يعرف وقت الشدة. وهكذا المسيح صديق البشرية أتاها في شدتها وهو أتي ليعزينا فكان خير معزي. ولكن مشكلة أصحاب أيوب أنهم كانوا معزون متعبون ولنثق أن المعزي الحقيقي هو الروح القدس.

ولم يعرفوه= فالقروح شوهت شكله. وبكوا= بكاءً مع الباكين فأن يذهب أحد ليعزي آخر، لا يكون المطلوب كلمات فقط بل مشاعر صادقة "وهكذا المسيح الذي في كل ضيقتنا تضايق. ذروا تراباً= أرادوا أن يتذللوا مع صديقهم لم يكلمه أحد بكلمة= من ذهولهم وحزنهم لم يجدوا ما يقولونه، أوهم إختنقوا من شدة إنفعالهم، عموماً في بعض الأحيان يكون السكوت خير من الكلام بل أبلغ، وهم إكتفوا أولاً بأن يسمعوا منه عن متاعبه


 

الإصحاح الثالث

أيوب هو مثال للصبر ولكنه إنسان، ونجده هنا قد أخطأ بشفتيه، والكتاب المقدس سجل ما قاله أيوب لا لنقتدي به بل لإنذارناً "لكن يحذر من يظن أنه قائم حتي لا يسقط 1كو 11:10، 12. ونجد أيوب هنا متذمراً من قسوة تجربته ولنلاحظ أن التذمر هو حكم علي الله بأنه أخطأ. أما يسوع فإحتمل الآلام دون تذمر بل بسرور لأجل خلاصنا. والكتاب المقدس أظهر أيوب وغيره من القديسين كبشر لهم ضعفاتهم فليس كامل إلا الله وحده. وفي غضبه

1.       شكا من أنه قد ولد (1-10) ومنطقه هنا أنه إذا كانت الحياة هكذا صعبة فلماذا وُلِدت.

2.       شكا من أنه لم يمت حالما ولد (11-19). . . إذا سمح الله وولدت فلماذ لم أموت فوراً.

3.       شكا من أن حياته طالت وهو في محنته (20-26)إذا سمح الله وعشت فلماذا لا أموت وأنا متألم.

ونلاحظ من تذمر أيوب أن الخراج المختفي بدأ يظهر من ضغط التجربة وحين تكلم متذمراً بدأ الخراج ينفتح ليخرج الصديد وظل الله يضغط وأيوب يتألم والصديد يخرج والله يضغط إلي أن شفي تماماً بقوله ها أنا حقير فبماذا أجاوبك 4:40

آية 1:- "بعد هذا فتح ايوب فاه وسب يومه".

 لقد سكت الأصحاب لكنهم كانوا ينظرون لأيوب نظرات معناها التساؤل!! لماذا كل هذا إلا لو كنت خاطئاً، فكانت نظرات الإدانة في عيونهم. لذلك بدأ أيوب في الشكوي وهكذا كل من حلت به خسارة يعتقد أن له الحق في أن يشتكي ويتكلم، لكن الشكوي والتذمر لا تعطي راحة بل السكون والتسليم لله.

سب يومه= أي يوم ميلاده. ومعني انه يسب يوم ميلاده أنه كان يتمني لو لم يولد قط، وهو بهذا نسي الخير الذي ولد لأجله والخير الذي عاش فيه زماناً طويلاً. وسب يوم الميلاد بسبب النكبات التي تحل بنا معناه أننا نخاصم الإله الذي سمح بهذا. والأفضل أن نكره يوم موتنا الروحي الذي تعلمنا فيه طريق السقوط والخطية. ومن سيكون مصيره جهنم مثل يهوذا يحق له أن يسب يوم ميلاده (مت 24:26) وكثيرون سبوا يوم ميلادهم فهكذا فعل أرمياء (10:15 + 14:20). ولكن لا يوجد من سب يوم ميلاده الثاني الذي حصل فيه علي نعمة البنوة. ولنلاحظ أن أيوب أخطأ حين سب يوم ميلاده وتذمر لكنه لم يجدف علي الله كما تصور الشيطان.

آية 3:- "ليته هلك اليوم الذي ولدت فيه والليل الذي قال قد حبل برجل".

 ليته هلك اليوم= هذا تصور شعري فيه يتصور الشاعر أن يوم ميلاده كأنه شخص يموت ويرتعب، ولا يفرح. والمقصود أنه لو هلك يوم ميلاده ما كان قد ولد لهذا الألم الشديد.

آية 4:- "ليكن ذلك اليوم ظلاما لا يعتن به الله من فوق ولا يشرق عليه نهار".

 لا يعتني به الله= تمني لو غضب الله علي يوم ميلاده، فاليوم الذي يكرمه الله يكون مكرماً. ليكن ذلك اليوم ظلاماً= ليحرم من بركة الشمس والقمر وأي مصدر للنور

آية 5:- "ليملكه الظلام وظل الموت ليحل عليه سحاب لترعبه كاسفات النهار".

 كاسفات النهار= هو إستمر في تصوير سواد اليوم متصوراً أن اليوم يصير ظلاماً بسبب كسوف الشمس

آية 6:- "اما ذلك الليل فليمسكه الدجى ولا يفرح بين ايام السنة ولا يدخلن في عدد الشهور".

فليمسكه الدجي= الدجي أي الظلام الشديد. لا يفرح= يكون حزيناً ففيه ولد أشقي الناس الذي هو أنا

آية 7:- "هوذا ذلك الليل ليكن عاقرا لا يسمع فيه هتاف". الليل ليكن عاقراً= معني الكلمة المستخدمة موحشاً ومؤلماً، أي ليلة ميلادي ليلة موحشة كلها ألم. أو أن الليل هذا لا يفرح بأن يكون له مولود أي لا يعقبه ليل مثله.

آية 8:- "ليلعنه لاعنو اليوم المستعدون لايقاظ التنين".

 لاعنو اليوم= إشارة للسحرة الذين إدعوا أنهم لهم سلطة علي الأرواح والقوات الطبيعية وأنهم قادرين علي جعل اليوم "نحس" وكمثال هم لهم سلطان علي الكسوف والخسوف وأن لهم معرفة بالأمور المستقبلة. وكانوا إذا قالوا عن يوم أنه مشئوم لا يجوز العمل فيه. وبما أن القدماء لم يعرفوا علة الكسوف والخسوف ظنوا أن حيواناً وهمياً كان يبلع الشمس أو القمر أو أنه كان يغطيه بإلتفافه عليه كحية عظيمة وأن للسحرة سلطة علي التنين فيوقظونه أو يسكتونه حينما يشاؤون.

المستعدون لإيقاظ التنين= أي السحرة الذين كانوا يهددون بأن يوقظوا هذا التنين الذي يبتلع الشمس ليتحول النهار إلي ظلام. إذاً ليلعن السحرة يوم ميلادي ليصير مظلماً بأن يوقظوا التنين ليلتوي حول الشمس (التنين= لوياثان). وقد وردت كلمة التنين في الإنجليزية لوياثان (راجع 1:41) وهو يرمز للشيطان. وبذلك يكون السحرة يستخدمون قوة الشيطان (لوياثان)

آية 9:- "لتظلم نجوم عشائه لينتظر النور ولا يكن ولا ير هدب الصبح"

لاير هدب الصبح= الهدب هو رموش العين. والمقصود السحب التي تخرج من بينها أشعة الشمس صباحاً التي تحمل معها السرور والبهجة (وهو تصوير شعري)

آية 10:- "لانه لم يغلق ابواب بطن امي ولم يستر الشقاوة عن عيني".

 يغلق أبواب بطن أمي= أساس سخط أيوب علي نهار وليل ميلاده أنه لم يغلق بطن أمه حتي لا يولد. وهذا القول ما أسخفه ولكن في ثورة الغضب ينطق الإنسان بسخافات عندما يفلت زمامه. فكيف يتمني إنسان أن لا يولد فيحرم من بركات الله وميراثه السماوي، فأن يسمح الله بأن نوجد فهذا من مراحمه ورضائه علينا. صورة أيوب هنا صورة إنسان يائس تماماً من أن يرفع الله عنه ضيقته.

الآيات 11-19:- "لم لم امت من الرحم عندما خرجت من البطن لم لم اسلم الروح، لماذا اعانتني الركب ولم الثدي حتى ارضع، لاني قد كنت الان مضطجعا ساكنا حينئذ كنت نمت مستريحا، مع ملوك ومشيري الارض الذين بنوا اهراما لانفسهم، او مع رؤساء لهم ذهب المالئين بيوتهم فضة، او كسقط مطمور فلم اكن كاجنة لم يروا نورا، هناك يكف المنافقون عن الشغب وهناك يستريح المتعبون، الاسرى يطمئنون جميعا لا يسمعون صوت المسخر، الصغير كما الكبير هناك العبد حر من سيده".

 هنا أيوب في يأسه يتمني لو كان قد مات عقب ولادته مباشرة. لماذا أعانتني الركب ولماذا الثدي حتي أرضع= الطفل المولود يكون ضعيفاً جداً. وإن لم تحفظه قدرة الله وعنايته يهلك. والعنآية الإلهية وضعت الرحمة في قلوب الأمهات بل رحمة وشفقة من كل الناس لأي طفل. وتذمر أيوب هنا معناه، وما فائدة هذه الرحمة والشفقة، ولماذا الركب التي حملت عليها (تدليل الطفل علي الركب علامة الحنان أش 12:66 +تك 23:50) ولماذا أرضعتني أمي، كان الأفضل لكل هؤلاء أن يتركونني أموت صغيراً من أن أعاني ما أعانيه الآن. ولنلاحظ أن الجحيم هو المكان الوحيد الذي يصلح أن يقال عنه هذا الكلام فهم هناك سيشتهون الموت ولا يجدونه. أما نحن علي الأرض فمهما كانت ألامنا، يجب أن يكون لنا رجاء أن الله سيتدخل وينهيها وحتي إن لم يسمح بأن ينهيها فيجب أن يكون لنا رجاء في السماء. ونلاحظ أننا في العهد الجديد لنا إمكانيات أكبر من إمكانيات أيوب في إحتمال الآلام بسبب:-

1.       التأمل في يسوع المصلوب والمتألم بسبب خطايانا وهو القدوس البار.

2.       ثقتنا الأكيدة في حياة المجد الأبدي التي أعدها الله لنا وهذا يعطينا إحتمال وصبر. وكانت فكرة القيامة والمجد الأبدي غير واضحة في العهد القديم. لذلك علينا أن لا نلوم أيوب بشدة علي كلماته الصعبة.

3.       الروح القدس الساكن فينا الآن، وفي كل المؤمنين هو الروح المعزي الذي يعطي عزاء وقت التجربة فمن ثماره السلام الذي يفوق كل عقل.

أما حالة اليأس والتذمر ضد أحكام الله فتفقد الإنسان سلامه الداخلي وهي حالة خصام مع الله فيها تزداد حالة الإنسان كآبة فوق ألمه. وهناك من في يأسه يتمني الموت، ومن الأقوال المشهورة "يارب فلتأخذني الآن فأنا لا أحتمل" ومن مراحم الله أنه لا يستجيب لأنه لو مات الإنسان في يأسه لهلك. فالإنسان الذي يؤمن بالله ومملوء بالروح القدس، يكون مملوءاً من الرجاء والثقة في الله. وبدون هذا الرجاء نصير أشقي جميع الناس. يضاف لهذا أن التذمر وعدم الصبر إذا ملأت القلب يحتقر الإنسان مراحم الله وبركاته، وتخرج الإنسان عن صوابه ويصير ناكراً للجميل. وهذا عكس قول بولس الرسول "لي إشتهاه أن أنطلق وأكون مع المسيح فذاك أفضل جداً ". هنا بولس يشتهي أن يري أمجاد السماء، هو يقول هذا في ملء الرجاء وليس في حالة يأس، والدليل أنه يكمل لكن أن أبقي ألزم لأجلكم" فهو يريد أن ينطلق للسماء لكنه في تسليم كامل لمشيئة الله يسلم لله قائلاً "إن أردت يارب أن تعطيني حياة لأخدمك فليكن ليس كإرادتي بل كإرادتك. قول بولس هنا في (في 23:1، 24) فيه منتهي التسليم والرجاء ولنلاحظ أننا حين نشتهي الموت لنكون مع المسيح ولكي نتحرر من خطايانا يكون هذا من عمل النعمة. ولكن حين نشتهي الموت لمجرد أن نتخلص من متاعب هذه الحياة كان هذا دليلاً علي اليأس وفساد الإنسان الداخلي. وللأسف كانت حالة أيوب هي هذه الأخيرة فهو تصور أنه في موته يستريح مضطجعاً ساكناً= كان كل ما يطمع فيه أن يهدأ من آلامه وأفكاره وذكرياته المؤلمة. لكنه لو خضع لمشيئة الله لحصل علي هذا الهدوء الداخلي. ولنلاحظ أن الحرب الشيطانية ضدنا دائماً في ألامنا أن نتذمر، دائما الشيطان يدفعنا لأن نتذمر وبدون وعي نندفع لآلام أكثر شدة. نمت مستريحاً= الكتاب المقدس يشبه موت المؤمنين بالنوم دا 2:12 + يو 11:11 + أع 60:7. لأنهم عند موتهم يستريحون من أتعابهم ثم يستيقظون لحياة أفضل، والموت في تعريف الكنيسة هو إنتقال لحياة أبدية بعد حياة غربة "ليس موت لعبيدك يارب بل هو إنتقال "أوشية الراقدين" ويسمي نوم لأنه فترة مهما طالت فهي قصيرة. ومن المؤكد سيكون هناك استيقاظ. أما القدماء فلم يعرفوا تماماً حالة الإنسان بعد الموت كما أعلنت في العهد الجديد بل ظنوا أهل الهاوية (الهاوية مكان الموتي) أخيلة بلا أجساد وبلا أفراح الحياة (مز 3:88-6 + أش 9:14، 10 + أش 9:38-20) وأيوب كان له نفس الأفكار لكنه حسب الموت أكثر راحة من الآلام التي يعانيها. بل يتمادي في تصوير راحة القبر ويقول مع ملوك ومشيري الأرض= ولنفهم هذا القول نقول أن هناك أشخاص بعد أن يتذوقوا الغني والكرامة لا يستطعيوا أن يتحملوا الفقر والذل وأيوب هنا يتصور أنه لو مات صغيراً لكان قد مات في كرامة وعظمة مثله مثل ملوك الأرض، أي لو مات صغيراً قبل أن يري هذا الذل وهذه الألام. ولكنه يندب حظه أنه وصل لسن كبير وبعد هذا فقد كرامته. ولكن القبر يسوي بين الجميع الغني والفقير. . الخ. الذين بنوا أهراماً= هكذا فعل المصريين لذلك نقول أن كاتب السفر شعراً عاش في مصر وتأثر بالثقافة المصرية. رؤساء لهم ذهب غالبا المقصود الذهب والمقتنيات الثمنية التي توضع في القبور مع الشخص المتوفي. والأثار المصرية شاهدة علي ذلك. وهم كانوا يدفنون هذه الكنور مع الميت حفظاً لكرامته: ويتضح المعني الذي يقصده أيوب من قوله أو كسقط مطمور فلم أكن= السقط المطمور هو الجنين الذي ولد ميتاً. فواضح هنا أنه كان يتمني لو مات حالما ولد فلا يري هذا الذل والألم الذي هو فيه. ثم يسترسل في تصوير حالة الراحة التي يسعر بها أو يتمتع بها الميت فهو سيستريح من نفاق المشاغبين= هناك يكف المنافقون عن الشغب. والمستعبدون يتحررون= الأسري يطمئنون. وهذا صحيح إلي حد بعيد، فالموت راحة ونياح، راحة للجسد وراحة للنفس وراحة للروح، ولكن لمن هذه الراحة، هي فقط لمن كان خاضعاً لله في رجاء.

الآيات 20-26:- "لم يعطى لشقي نور وحياة لمري النفس، الذين ينتظرون الموت وليس هو ويحفرون عليه اكثر من الكنوز، المسرورين الى ان يبتهجوا الفرحين عندما يجدون قبرا، لرجل قد خفي عليه طريقه وقد سيج الله حوله، لانه مثل خبزي ياتي انيني ومثل المياه تنسكب زفرتي، لاني ارتعابا ارتعبت فاتاني والذي فزعت منه جاء علي، لم اطمئن ولم اسكن ولم استرح وقد جاء الرجز".

 هنا ينتقل لفكرة جديدة وهي إذا سمح الله بأن أولد وإذا سمح بأن أكبر حتي الآن فلماذا يسمح بأن أعيش الآن وأنا متألم= لماذا يعطي لشقي نور الشقي هو المتألم، هو الذي يحيا في شقاء والتساؤل هنا لماذا يعطي له نور أي حياة تنفتح فيها عيني المتألم كل يوم ليري نور الشمس ويبدأ يوماً جديداً في رحلة آلامه. فالنور في نظره هنا لا فائدة منه إلا أن يري به آلامه. ويتمني أيوب أن لا يري النور ثانية أي يموت، بل هو يبحث عن الموت مثل كنز ولا يجده. ومن كلام أيوب نتصور أن الإنتحار كان فكرة مرفوضة فأيوب كان يبحث عن الموت علي أن يكون بيد الله وإرادته وليس بيده هو. وخطأ الفكرة أن يشتهي الإنسان الموت بسبب آلامه، أن بقاء الحياة ونهايتها شئ راجع لمشيئة الله وليس إلي مشئية الإنسان وحكمة الله وقضائه لا تقاس بحكمة الإنسان رو 33:11-36 المسرورين إلي أن يبتهجوا، الفرحين عندما يجدون قبراً= تترجم هكذا "الذين يفرحون إلي الإبتهاج ويستبشرون إذا وجدوا قبراً. أيوب هنا يتصور أن المتألم مثله يفرح بخبر الموت ويبتهج حين يجد قبراً يدفن فيه.

ملحوظة:- إن كان هذا الكلام قد قيل عن الموت وراحته والفرح به من رجل عاش في العهد القديم لا يفهم معني أفراح الحياة الأبدية وأمجادها فماذا يقول من عاش في مفاهيم العهد الجديد.

ويشرح أيوب سبب رغبته الشديدة نحو الموت فيصور حاله قائلاً

رجل قد خفي عليه طريقه= أي أصابته مصائب لا يقدر أن يفهمها. سيج الله حوله= المشاكل التي أصابه بها الله صارت كسور (سياج) حوله، وصار داخلها مثل سجين لا يري باباً للنجاة، وخفي عليه طريق الهرب أو الخروج من هذا السياج مثل خبزي يأتي أنيني= حسب الترجمة اليسوعية "التنهد صار طعام لي" وحسب الترجمة الإنجليزية "قبل أن أكل يأتي أنيني" أي كلما كان يبدأ ألاكل تأتيه التنهدات فلا يأكل. مثل المياه تنسكب زفرتي= تأتي كأمواج متلاحقة. زفرتى ترجمت فى الإنجليزية زئيرى.

والأيات 26، 25:- " لاني ارتعابا ارتعبت فاتاني والذي فزعت منه جاء علي، لم اطمئن ولم اسكن ولم استرح وقد جاء الرجز".

 لها معنيين الأول:- وهو في آلامه كان في رعب دائم من أن تأتي عليه آلام أخري أشد وما كان يخاف منه ويرتعب كان يحدث وكانت الآلام تزداد فكان في رعب دائم وألم دائم. وقد جاء الرجز= الألم والإضطراب

والمعني الثاني:- أنه في أيام راحته لم يكن يشعر بإطمئنان بل كان في رعب من أن تزول عنه نعمته ورخائه، وما كان يرتعب منه ها هو حدث. وإن صح المعني الثاني يكون هذا عيب جديد في أيوب فهو لم يكن في سلام كامل مع الله بل كان متخوفاً من المستقبل.

وأيوب في كل هذا لم يجدف علي الله بل تذمر من الوضع السئ الذي كان فيه ولكنه بكلامه المتذمر الذي وضح فيه إعتراضه علي مشيئة الله فتح باب المناقشات مع أصحابه حول هذه الإعتراضات


 

الإصحاح الرابع

بعد أن عبر أيوب عن تذمره نجد أصدقاءه الثلاثة وكانوا قد إتفقوا علي رأي مسبق ضد أيوب، يبدأون في توجيه الإتهامات إليه. وكأنه قد عقدت محكمة كان الأصدقاء فيها هم خصوم أيوب، وأيوب نفسه هو المدعي عليه. وقد ظهر أليهو كأول وسيط، وأخيراً أعطي الله حكمه علي المناقشة. وقد فهم أصحاب أيوب أن تذمره وشكواه هما دليل علي فساد أيوب الداخلي. وكانت أراء أصحاب أيوب تتخلص في الآتي:-

1.        الله عادل وهو يجازي الإنسان الصالح بالخيرات في حياته والإنسان الشرير بالشر خلال حياته علي الأرض.

2.       ولأن أيوب يعاني كل هذه المعاناة فهو من المؤكد إنسان شرير جداً، وما تقواه الظاهرة سابقاً والتي سمعوها عنه إلا رياء وتظاهر.

3.       بالرغم من كل هذا فلو قدم أيوب توبة سيقبله الله ويستعيد أيوب كل ما كان له.

ولقد رفض أيوب الإعتراف بأنه أخطأ في حق الله وبأنه كان مرائي في تدينه بل ظل يدافع عن نفسه بأنه وإن كان قد أغضب الله إلا أن قلبه كان مستقيماً معه. وبهذا صار موضع النزاع بين أيوب وأصحابه هل أيوب رجل أمين أم لا، والعجيب أن هذا هو نفس موضوع النزاع بين الله والشيطان.

ويحسب للأصحاب أراؤهم الإيجايبة وإيمانهم الصحيح في الله، فهم أظهروا إيمانهم بوجود إله واحد قوي في الكون وهو مسئول عن كل شئ فهو ضابط الكل وهو عادل يجازي الأشرار شراً ويجازي الأبرار خيراً.

ولكن كان خطأ الأصحاب في تحليل المواقف

1.       هم أخذوا جانباً من الحقيقة وتركوا الجانب الأخر فهناك كثيرين من الأبرار يصيبهم الشر وكثيرين من الأشرار ينعمون في الخيرات، فمجازاة الله للأشرار بالطوفان أو بحريق سدوم وعمورة ليسا أمثلة دائمة لهلاك الأشرار فالمرتل في مز 73 يشتكي من أن الأشرار ينعمون في خيراتهم، وهابيل هلك وهو بار، بل كيف نفسر صليب المسيح وآلامه علي ضوء نظرية الأصحاب وراجع أيضا لو 1:13-5. ولكن حتي نفهم هذا نقول أن الله يلاحظ طريق كل إنسان ولكن تعاملات الله ليست بحسب فكر الإنسان.

2.       محاولتهم إدانة أيوب بكل الطرق والوسائل وكأنهم صاروا قضاة، خبراء في طرق الله، بل هم أخذوا مكان الله الديان العادل وحده.

وكان خطأ الأصحاب في نظريتهم وفي تطبيقها علي أيوب سبباً في زيادة ثورة أيوب وكلامه المتذمر القاسي علي الله.

ولنفهم أن الآلام ليست مرتبطة دائما بالخطية، فالآلام هي ثمرة طبيعية لدخول الخطية إلي العالم أصلاً، والخليقة كلها تئن منذ سقوط آدم. والآلام بهذا قد تصيب الشرير والبار. ولأننا نفهم أن كل الأمور تعمل معاً للخير وأننا نثق في بر الله وعدله ومحبته نتصور أن الألم إذا سمح به الله فهو من المؤكد أنه لصالح الإنسان، فهو يُكَمِل الأنسان، والألم هو النار التي تنقي الذهب ليلمع بالأكثر فيصبح الإنسان مثمراً بالأكثر في ملكوت الله، "من يحبه الرب يؤدبه"عب5:12، 6. بل قيل عن المسيح أنه قد تكمل بالآلام عب 10:2، أي يصير شبيهاً للإنسان في كل شئ وطالما الآلام مرتبطة بالإنسان فكان علي المسيح أن يحملها حتي يصير إنساناً كاملاً.

ونجد هنا أن أليفاز يبدأ الحديث وذلك غالباً لأنه أكبرهم سناً.

الأيات 1-4:- " فاجاب اليفاز التيماني وقال، ان امتحن احد كلمة معك فهل تستاء ولكن من يستطيع الامتناع عن الكلام، ها انت قد ارشدت كثيرين وشددت ايادي مرتخية، قد اقام كلامك العاثر وثبت الركب المرتعشة".

 نجد أليفاز يبدأ بدآية مهذبة يمدح فيها أيوب قبل أن يهاجمه. وهذه هي طريقة المسيح ونلاحظها في رسائل المسيح لملائكة الكنائس السبع.

إن إمتحن أحد كلمة معك= حسب ترجمة اليسوعيين والإنجليزية "إن القينا إليك كلمة"

من يستطيع الإمتناع عن الكلام= كان أليفاز في حالة غيرة روحية نحو مجد الله، وهو ظن أن أيوب قد أهان الله حين تذمر، ولذلك أخذته الحماسة ليرد عليه ولكنها حماسة تعوزها الحكمة، فهل من الحكمة أن يهاجم شخص مثل أيوب قد أدمت قلبه المصائب، كان عليه أن يداوي جراحاته قبل أن يهاجمه حتي لا يزيد حزنه حزناً. وبدأ أليفاز بأن ذكر أيوب بماضيه الحسن وكيف كان أيوب يشدد الحزاني وأنه كان يرشدهم في مصائبهم= ها أنت قد أرشدت كثيرين بل كان لعمل أيوب مع المتألمين نتائج إيجابية= قد أقام كلامك العاثر. فهو بنصائحه المباركة وتعزياته المقوية ثبت الركب المرتعشة لتحمل الإنسان المصاب في رحلة الحياة، وفي تحمل أثقاله

آية5:- " والان اذ جاء عليك ضجرت اذ مسك ارتعت ".

إذا جاء عليك ضجرت= أي حين جاءت عليك المصائب ضجرت، أنت الذي علمت الأخرين لماذا لا تعلم نفسك الآن، اليس هذا دليل ريائك. لقد جاء دورك الآن فأنت شرير مثل الأخرين والله يعاقبك أفلا تحتمل. بل نجد أليفاز يستهين بمصائب أيوب ويقول إذ مسك= أي أن ما يعاني منه أيوب مجرد مسة.

آية6:- "اليست تقواك هي معتمدك ورجاؤك كمال طرقك، اذكر من هلك وهو بري واين ابيد المستقيمون". إليست تقواك هي معتمدك= إذا كانت تقواك هي معتمدك فأين هي الآن؟ لماذا أنت متذمر هكذا؟ أين مخافتك لله وثباتك وصبرك وطرقك الكاملة؟ وملخص إتهام أليفاز لأيوب أن أيوب كانت تقواه مجرد تظاهر والدليل هو الآلام التي يعاني منها ولو كانت تقواه حقيقية ما كان الله يصب عليه كل هذه الألام، ولو كانت له تقوي فعلاً ما تذمر حين ضربه الله. وفي هذا تشابه أليفاز مع الشيطان فكلاهما يتهم أيوب بالرياء، فعندما عجز الشيطان إثبات هذا الإتهام إستخدم أليفاز. وليحذر الخدام من توجيه إتهامات قاسية للمتألمين، فالكتاب قال "بكاء مع الباكين" فالخدمة ليست مجرد عرض عقائد ولكنها عقائد ممتزجة بمشاعر. فلا يصح أن ينتهر خادم أم فقدت إبنها وهي تبكي بحرقة مدعياً أن بكائها هو إعتراض علي عقيدة القيامة. بل علي الخادم وبكل حب تعزية هذه الأم بكلام الله وبأن إبنها في السماء ودون إنتهار، ولنذكر أن المسيح بكي علي قبر لعازر وهو يعلم أن سيقيمه.

آية7:= "اذكر من هلك وهو بري واين ابيد المستقيمون".

 أذكر من هلك وهو برئ= أي إعترف بأنك خاطئ فلم يصاب بمثل ما أصبت به إلا الأشرار. وكلام أليفاز لا يعني الهلاك الأبدي بل المصائب الزمنية. وحقا لا يهلك برئ هلاكاً أبدياً، لكن المصائب الزمنية شئ آخر فهابيل قُتل وهو بار. بالإضافة لخطأ أليفاز في تطبيق المبدأ علي أيوب والله قال عنه أنه كامل. فخطأ أليفاز في أنه أدان أيوب دون وجه حق.

آية 8:- "كما قد رايت ان الحارثين اثما والزارعين شقاوة يحصدونها".

 كما قد رأيت= أليفاز يبرهن علي نظريته بمشاهداته. الحارثين إثماً… يحصدونها والمعني طالما أنك تهلك الأن هكذا وتبيد، فإننا لنا الحق أن نعتقد بأنك حرثت وزرعت إثماً وشقاوة

آية 9:- "بنسمة الله يبيدون وبريح انفه يفنون".

بنسمة الله يبيدون= غضب الله علي الأشرارمشبه هنا بعاصفة شديدة مدمرة لا تترك وراءها سوي الخراب للأشرار وما يمتلكون. وبريح أنفه= قد تكون الإشارة للريح الذي هدم البيت الذي كان أبناء أيوب مجتمعين فيه.

ورأي أليفاز هنا معناه أن الظالمين الذين بنوا ثروتهم ومجدهم الأرضي بظلم الأبرياء ستفشل كل مؤامراتهم إذ يبيد الله كل ما تعبوا في جمعه.

الأيات 10، 11:- "زمجرة الاسد وصوت الزئير وانياب الاشبال تكسرت، الليث هالك لعدم الفريسة واشبال اللبوة تبددت".

هنا يشبه الظالمين القساة بالأٍسود المزمجرة لقساوتهم وبطشهم. ويوجد في اللغة العبرانية خمسة أسماء للأسد ترجمت هنا في العربية بخسمة أسماء [الأسد/ الزئير/ الأشبال/ الليث/ اللبؤة]. وذكر الخمسة الأسماء في أيتين أي كل أسماء الأسد الخمسة في العبرانية ذلك للتدليل علي شدة بطش الظالمين في تمزيق وإفتراس ضحاياهم الأبرياء، 1بط 8:5 والمقصود هنا أن أيوب كان ظالماً مثل هؤلاء. ولكن الله يكبح جماح هؤلاء الظالمين ومنهم أيوب طبعا (في نظر أليفاز)

زمجرة الأسد. . و أنياب الأشبال تكسرت= أي كسر الله سلاحهم وحطم قوتهم حتي لا يضرون أحد بل أسكت أصواتهم حتي لا يخيفون أحد.

الليث هالك لعدم الفريسة= إن الذين اتخموا من الغنائم التي نهبوها من الأبرياء قد تنتهي بهم الفاقة أخيراً بأن يموتوا جوعاً

أشبال اللبوة تبددت= أي تشتتت (حسب الترجمة الإنجليزية). حينما ضرب الله الأباء الظالمين تشتت أولادهم في كل مكان بحثاً عن الطعام والملجأ.

أيقال هذا الكلام عن أيوب الذي قال الله عنه أنه كامل، هل أيوب جمع ثروته ظلماً لذلك صنع به الله هكذا؟! كم يكون من المؤسف أن من يمدحه الله يسئ إليه إنسان بهذه الكيفية. لذلك يقول السيد المسيح "لا تدينوا…"

الأيات 12-21:- "ثم الي تسللت كلمة فقبلت اذني منها ركزا، في الهواجس من رؤى الليل عند وقوع سبات على الناس، اصابني رعب ورعدة فرجفت كل عظامي، فمرت روح على وجهي اقشعر شعر جسدي، وقفت ولكني لم اعرف منظرها شبه قدام عيني سمعت صوتا منخفضا، االانسان ابر من الله ام الرجل اطهر من خالقه، هوذا عبيده لا ياتمنهم والى ملائكته ينسب حماقة، فكم بالحري سكان بيوت من طين الذين اساسهم في التراب ويسحقون مثل العث، بين الصباح والمساء يحطمون بدون منتبه اليهم الى الابد يبيدون، اما انتزعت منهم طنبهم يموتون بلا حكمة".

 أليفاز هنا يستشهد برؤيا رأها ويرويها هنا لأيوب ليدينه. وأليفاز رأي رؤيا واضحة وحقيقية ولكنه أخطأ في تفسيرها أو في تطبيقها علي أيوب. فهذا أضاف رأيه الشخصي ورأيه خاطئ فهو كان يميل لإثبات شر أيوب.

وهناك احتمالات لهذه الرؤيا

1.       قد يكون أليفاز راي هذه الرؤيا بعد أن ظل يفكر طوال اليوم فيما حدث لأيوب.

2.       قد يكون أليفاز رأي هذه الرؤيا سابقاً. فالله كان يتحدث للبشر عن طريق الرؤي والأحلام قبل الكتاب المقدس.

فالله أظهر هذه الرؤيا لأليفاز وملخصها أن الله لا يخطئ. والله أظهر له هذه الرؤيا لأن نفسه كانت ثائرة مضطربة وكان يتساءل لماذا اصاب كل هذا أيوب. وكان يمكن لأليفاز أن يستغل هذه الرؤيا في توبيخ أيوب علي تذمره ولكن أليفاز إستغل الرؤيا علي أنها إثبات لأن أيوب كان شريراً

آية 12:- " ثم الي تسللت كلمة فقبلت اذني منها ركزا".

 إلي تسللت كلمة= أي وصلت لي كلمة الله بطريقة سرية. وإن أعذب الإتصالات التي تتم بين النفس وبين الله تتم سراً "من أراد أن يصلي فليدخل مخدعه ويغلق بابه عليه…". وهكذا يتسلل الكلام المعزي إلي داخل القلب بواسطة الروح القدس دون أن نحس خلال جلسة الصلاة في المخدع أو من خلال جلسة قراءة الكتاب المقدس. فقبلت أذني منها ركزاً= حسب الترجمة الإنجليزية "فقبلت أذني منها القليل. والركز هو الصوت الخفي "مختار الصحاح. وفي الترجمة اليسوعية "فأحست أذني منها همساً". فأفضل الناس لا يقبلون وهم في هذا العالم، إلا القليل من المعرفة الألهية "الأن أعرف بعض المعرفة 1كو 12:13. وهذا بسبب أن قدراتنا علي استيعاب السماويات محدودة بسبب أجسادنا البشرية. وكمثال لهذا لو جلس طفل أمام أستاذ في الفلسفة فلن يفهم من محاضرته إلا القليل جداً بحسب إدراكه.

آية 13:- " في الهواجس من رؤى الليل عند وقوع سبات على الناس".

 في الهواجس= الهاجس هو ما يحدث الإنسان نفسه به. من رؤي الليل= أليفاز رأي رؤياه في الليل، والليل وقت مناسب للتأمل حينما يستريح الإنسان من جلبة العالم وضوضائه ويجلس في سكون [راجع ترنيمة قلبي الخفاق. . . . لقداسة البابا شنودة "هوذا الأذن وقد اخليتها من حديث الناس حتي أسمعك] وهذه فائدة الخلوات، أننا نبتعد فترة عن ضوضاء العالم، ونصلي ونتأمل في هدوء. هناك نسمع صوت الروح القدس في داخلنا يعزينا.

آية 14:- " اصابني رعب ورعدة فرجفت كل عظامي".

 أليفاز شعر برعب قبل أن يري أو يسمع أي شئ، وحينما إمتلأ قلبه من الخوف المقدس من الله، ومن عظمته صار مستعداً لهذه الرؤيا الألهية.

الأيات 16، 15:- " فمرت روح على وجهي اقشعر شعر جسدي، وقفت ولكني لم اعرف منظرها شبه قدام عيني سمعت صوتا منخفضا".

 روح علي وجهي= كلمة روح في أصلها العبري تعني نفس أو نسمة ولعل أليفاز شعر بشئ غير منظور كنفس الإنسان، أو نسمة مرت علي وجهه. إقشعر شعر جسدي= أي صار في حالة فزع شديد. وهذا صحيح علمياً فمع الخوف ينتصب شعر الإنسان. ولنري كيف يخاف الإنسان من رؤي الملائكة وكيف يفهم الإنسان جزءاً محدوداً من كلامهم. ولكننا بعد الموت سنحسب من عالم الأرواح وسنعرف كل شئ 1كو 12:13. وقفت ولكني لم أعرف منظرها= ربما في بدآية الأمر كانت هناك خيالات تجوز أمام عينيه ثم إستقرت الرؤيا أخيراً ولكنها لم تكن واضحة تمام الوضوح، ولم يستطع أليفاز أن يكون عنها فكرة صحيحة ولم يستطع وصفها. فنحن في الجسد معرفتنا بعالم الأرواح قليلة جداً. شبهٌ قدام عيني= مرآة كأنه خيال "حسب ترجمة اليسوعيين. إذاً ما رآه كان حقيقياً لكنه غير قادر علي أن يصفه. سمعت صوتاً منخفضاً= حسب ترجمة اليسوعيين والترجمة الإنجليزية" "فكان سكوت ثم صوت أسمعه" فكان أولاً سكوت ثم سمع الصوت. وعندما نريد أن نستمع صوت الله خليق بنا أن نصمت قليلاً فنعطي لأنفسنا فرصة أن نسمع الصوت الهامس داخل قلوبنا

آية 17:- " االانسان ابر من الله ام الرجل اطهر من خالقه".

 أألانسان أبر من الله= هذه هي رسالة الروح أو الملاك. هل يتجاسر إنسان أن يدعي أنه أطهر من خالقه= وقطعاً لا يدعي إنسان هذا ولكن معني الكلام أن الإنسان يدعي أن إستقامته تستحق أشياء أفضل من يد الله. والملاك في قوله هذا لأليفاز يهدئ من ثورته علي ما أصاب أيوب. وهذا القول يشبه رو 33:11-35.

آية 18:- " هوذا عبيده لا ياتمنهم والى ملائكته ينسب حماقة".

 هوذا عبيده لا يأتمنهم= الملائكة عبيد الله وخدامه وهم أرواح نورانية قديسة وكلهم حكمة ولكن حكمتهم وقداستهم شئ نسبي أيضاً بالنسبة لله. وحكمتهم مهما كانت فهي بالنسبة لله كلي الحكمة تعتبر جهلاً= وإلي ملائكته ينسب حماقة= ولذلك فالله يعطيهم أوامر وهم ينفذونها دون مناقشة ولكن الله لا يترك لهم حرية إدارة أمور الكون وأمور البشر، والله لا يستشيرهم بل يأمرهم وهم يطيعون.

آية 19:- " فكم بالحري سكان بيوت من طين الذين اساسهم في التراب ويسحقون مثل العث".

 إذا كان الملائكة ينسب لهم الله حماقة فكم بالأولي الإنسان= سكان بيوت من الطين= إذاً الإنسان الترابي الذي هو روح ساكنة في جسد من الطين الكثيف هو أضعف جداً من الملائكة وهي أرواح فقط. والموضوع نسبي فالإنسان أضعف بكثير من الملاك والملاك أضعف بما لا يقاس بالمقارنة بالله. فالملائكة لأنهم أرواح فهم أحرار بينما الإنسان محبوس في بيت من طين يعرقل حركته، الجسد هو إناء خزفي يسهل كسره، لذلك يموت الإنسان بينما لا يموت الملاك. وموت الإنسان يكون بسهولة جداً= يسحقون مثل العث الذي يموت بين أصابع اليد.

الأيات 20، 21:- " بين الصباح والمساء يحطمون بدون منتبه اليهم الى الابد يبيدون، اما انتزعت منهم طنبهم يموتون بلا حكمة".

 بين الصباح والمساء يحطمون= تعتبر يشير لقصر حياة الإنسان كأنها نهار واحد. والأصح فنحن نتحرك طوال النهار في إتجاه الموت، فالموت يعمل فينا ونحن في حركة دائمة تجاه نهايتنا في التراب. وقوله يحطمون ويبيدون هو تعبير عن الموت الذي به ينتهي كل مجد ورفعة صنعها الإنسان في حياته.

أما أنتزعت منهم طنبهم= الإنسان مشبه بخيمة (2كو 1:5) وموت الإنسان يشبه بنزع طنب (حبال) الخيمة. وهم ينزعون طنب الخيمة لطيها استعداداً للرحيل. يموتون بلا حكمة= فحكمتهم لا تقدر أن تضمن لهم عدم الموت. ولقلة أيام الإنسان لا يتقدم كثيراً في الحكمة ولكن في العالم الأخر سنزداد حكمة ومعرفة بلا حدود.

بدون منتبه إليهم= هو أمر عادي أن لا ينتبه أحد لموتهم، ولا يضع أحد في قلبه أن فلان مات، فكل واحد مهتم بأموره. وهذا مما يثبت تفاهة الإنسان.


 

الإصحاح الخامس

آية 1:- " ادع الان فهل لك من مجيب والى اي القديسين تلتفت".

يشير هنا أليفاز إلي رؤيته السابقة للملاك الذي حمل له الرؤيا. فالملائكة يسمون قديسين دا 13:8. وأليفاز وبلدد وصوفر إتفق ثلاثتهم علي إدانة أيوب وأن الله يعاقبه بسبب شروره السابقة بل زاد عليها تذمره الذي إعتبروه تجديفاً علي الله. وهم تصوروا أن بسبب شروره وتجديفه سينفض عنه الملائكة. وهنا أليفاز يحذره أنه لو إستمر في هذا المسلك المتذمر لما وجد له صديق من الملائكة يتشفع له. ونلاحظ أن الكلمة قديسين تطلق أيضاً علي البشر وهو يهدده بأنه إن لم يقدم توبة فسينفض عنه حتي البشر القديسين الذين يغيرون علي مجد الله. وأليفاز هنا يتحدي أيوب أن يستجيب له الملائكة كما إستجابوا له هو شخصياً، وهو تصور أن كل القديسين يقفون إلي جانبه ولن يجد أيوب أي منهم يقف إلي جانبه بسبب شروره [نجد هنا فكرة الشفاعة واضحة]

أدع الآن فهل لك ممن مجيب= الملائكة لن يعودوا يسمعوك يا أيوب لأنك تذمرت علي خالقهم ولأنك شرير ودليل شرك ما أنت فيه الأن. إلي أي القديسين تلتفت= التفت إلي من تحب فستجد كل القديسين معي في رأي ولن يتعاطف معك أحد منهم ومعني كلام أليفاز أنه لو غير أيوب موقفه لإلتفت إليه القديسين (قوة الشفاعة) ونلاحظ الصداقة بين أيوب وأليفاز مع الملائكة القديسين السماويين.

آية 2:- " لان الغيظ يقتل الغبي والغيرة تميت الاحمق".

 لأن الغيظ يقتل الغبي= خطية الخطاة تؤدي حتماً لهلاكهم. فالغيظ والحسد والحقد والشر عموماً حين يسكن إنسان يدمره صحياً ويفقده سلامه، فالخطية عقوبتها فيها. وهذه النظرية صحيحة ولكن تطبيقها علي أيوب خطأ وظلم. فأليفاز يتهم أيوب أنه في حالة غيظ من الله وأنه إستسلم للغضب ضد الله وهذا الغضب ضد الله والغيظ منه ما هو إلا نار تحرق دم وعظام أيوب. والغيرة تميت الأحمق= الأحمق من يفسح صدره لمشاعر الغيظ والغضب من الله فهذا سيقتله. والغيرة هنا بمعني الغيظ

آية 3:- "اني رايت الغبي يتاصل وبغتة لعنت مربضه".

 إني رأيت الغبي يتأصل= هنا إتهام جديد لأيوب. فأليفاز يشير لنجاحه السابق. ومعني كلام أليفاز لأيوب أننا لن ننخدع بنجاحك السابق وإزدهارك قبل تجربتك فالشرير قد ينجح ولكن إلي حين وسريعاً ما يفشل. بل إذا ظن الشرير أن نجاحه يستمر فهو غبي. وأليفاز كان يعرف أنه مهما نجح الأشرار فنجاحهم هو إلي حين ولذلك يضيف وبغتة لعنت مربضه= هو لعن مسكنهم وحياتهم الخاطئة لأنه متأكد من خرابهم المفاجئ (هذا نفس ما عبر عنه كاتب مزمور 73). وأليفاز حين رأي نجاحهم وأنهم بدأوا يتأصلون رأي بعين الإيمان مقدماً خرابهم وتنبأ عنه بينما هناك آخرين يرون الشر ونجاح الأشرار فيحسدونهم، هؤلاء هم من يظنون أن الأرض باقية. ولكن من ينظر للسماء لا يشتهي الأرض فهو يعلم أنها زائلة. وكلمة لعنت هنا تعني أنه رفض مسلك الأشرار حتي لو أدي هذا لنجاحهم.

آية 4:- " بنوه بعيدون عن الامن وقد تحطموا في الباب ولا منقذ".

بنوه تحطموا= الإبن لا يرث خطية أبيه ولكن خطية الأباء تسبب خسائر زمنية للأبناء ولكن لا يؤثر هذا علي حياتهم الأبدية. وهم تحطموا في الباب= والباب مكان جلوس الأكابر والقضاة حيث المحاكمات. وأولاد الأشرار يكونون مكروهين من الجميع والكل يتهمهم ولا يسمع أحد لصوتهم. ولا منقذ= لن ينقذهم أحد من الخراب.

آية 5:- " الذين ياكل الجوعان حصيدهم وياخذه حتى من الشوك ويشتف الضمان ثروتهم".

الذين يأكل الجوعان حصيدهم= أليفاز يشير لأن السبئيين والكلدانيين قد أكلوا كل ثروة أيوب وغلته بسبب شروره. وأنهم كانوا كالجوعي الذين رأوا ثروة أيوب فإنقضوا عليها يلتهمونها ولم يبقوا علي شئ. ويأخذه حتي من الشوك= حتي وإن سيج الشرير ثروته بسور من الشوك فهذا الجوعان، أو هذا الإنسان الذي ينقض

 لنهب ثروة الشرير مثل جوعان ليلتهمها، لن يهتم بهذا الشوك.

ويشتف الظمان ثروتهم= تصوير آخر أن من سمح الله له بتأديب الشرير (الذي مثل أيوب) يكون مثل ظمآن رأي كأس ماء بارد (ثروة أيوب) فيمتصها لأخر قطرة. فهو شبه السبئيين والكلدانيين بإنسان جائع ظمآن إلتهم وشرب كل ما لأيوب.

آية 6:- "ان البلية لا تخرج من التراب والشقاوة لا تنبت من الارض".

لأن البلية لا تخرج من التراب= أي أن البلايا التي تصيب الإنسان لا تأتي مصادفة. بل نتيجة شره. وإن كان الناس أشراراً فيجب أن لا يلقوا باللوم علي التراب، والطقس، والأرض. بل علي أنفسهم. هذه نظرية صحيحة ولكن في تطبيقها علي أيوب ظلم كبير. وكان أليفاز في كلامه جارحاً جداً لأيوب ويكفي أنه يذكره بموت أبنائه وبأن هذا نتيجة شره (4:5)

آية 7:- "و لكن الانسان مولود للمشقة كما ان الجوارح لارتفاع الجناح".

هذا القانون صحيح جداً. أن الإنسان بسبب خطيته تسبب في دخول الألم والمشقة للعالم "أنا إختطفت لي قضية الموت" وأيضا قضية الألم وبسبب الخطية دخلت المشقة للعالم وصارت قانوناً مثل أن كل ذي جناح يطير (أي 1:14 + تك 19:3 + 1بط 12:4 + رو 12:5)

الأيات 8-16:- "لكن كنت اطلب الى الله وعلى الله اجعل امري، الفاعل عظائم لا تفحص وعجائب لا تعد، المنزل مطرا على وجه الارض والمرسل المياه على البراري، الجاعل المتواضعين في العلى فيرتفع المحزونون الى امن، المبطل افكار المحتالين فلا تجري ايديهم قصدا، الاخذ الحكماء بحيلتهم فتتهور مشورة الماكرين، في النهار يصدمون ظلاما ويتلمسون في الظهيرة كما في الليل، المنجي البائس من السيف من فمهم ومن يد القوي، فيكون للذليل رجاء وتسد الخطية فاها".

 لكن كنت أطلب إلي الله= أي لو كنت مكانك يا أيوب ووقعت عليَ مثل هذه الآلام لرجعت إلي الله وطلبت المغفرة وخضعت لما سمح به من عقاب وهذا توبيخ غير مباشر لأيوب لأنه لم يفعل ذلك. وعلي الله أجعل أمري أي إذا بسطت أمري أمامه يجب أن أتركه له وأنتظر بالصبر. ثم يورد أليفاز أوصاف رائعة عن الله تشير لإيمانه السليم ورؤيته الواضحة لله.

الفاعل عظائم= هو قادر علي كل شئ وسلطانه مطلق. لا تفحص= لا يمكن أن ندرك عمقها، مثل أعمال الطبيعة الغامضة. عجائب لا تعد= هي عجائب لأننا لا ندرك كنهها ومن كثرتها لا يمكن عدها. المنزل مطراً= هو مصدر كل البركات.

الجاعل المتواضعين في العلي= الله قادر أن يرفع المتواضعين. وهذه تشبه تسبحة العذراء (لو 51:1-53). المبطل أفكار المحتالين= الله يفعل عظائم في شئون البشر، لينقذ عبيده من شرور من يحتال عليهم المحتالين. فلا تجري أيديهم قصداً= أي لا يترك الله أياديهم تتمم حيلهم التي قصدوها. الأخذ الحكماء بحيلتهم= أروع مثال لهذا الصليب الذي أعده هامان ليصلب موردخاي فصلب عليه هامان نفسه. بل المثال الذي كان صليب هامان رمزاً له هو الصليب الذي أعده إبليس للمسيح بمؤامرت اليهود فسمر به الشيطان كو 13:2-15 وخلص بهذا أولاد الله. وكل المؤامرت التي دبرها أعداء الكنيسة بقصد إبادتها كثيراً ما آلت إلي إبادتهم فتتهور مشورة الماكرين= يستطيع الله بكل سهولة أن يهدم كل مؤامرتهم كما أفشل الله مؤمرات هامان وأخيتوفل. . . وكلمة تتهور معناها تتلاشي أو تفشل في النهار يصدمون ظلاماً= يسلب الله عقل الناس فصيرون بلا حكمة لأنهم أشرار ويصيبهم عمي القلب فيتحيرون حتي في الأمور التي تبدو واضحة جداً وسهلة جداً "وبينما هم يزعمون أنهم حكما ء صاروا جهلاء رو 22:1". والله يفعل هذا لينجي أولاده المظلومين= المنجي البائس من السيف. من فمهم= الله القادر أن ينجي أولاده المساكين المظلومين من السيف قادر أيضاً أن ينجي أولاده من الفم الذي يتكلم كلاماً قاسياً ضدهم. وبهذا يعزي الله أولاده= فيكون للذليل رجاء. وتسد الخطية فاها= يخزي الخطاة إذ يذهلون من غرابة الإنقاذ للبار.

الأيات 17-27:- " هوذا طوبى لرجل يؤدبه الله فلا ترفض تاديب القدير، لانه هو يجرح ويعصب يسحق ويداه تشفيان، في ست شدائد ينجيك وفي سبع لا يمسك سوء، في الجوع يفديك من الموت وفي الحرب من حد السيف، من سوط اللسان تختبا فلا تخاف من الخراب اذا جاء، تضحك على الخراب والمحل ولا تخشى وحوش الارض، لانه مع حجارة الحقل عهدك ووحوش البرية تسالمك، فتعلم ان خيمتك امنة وتتعهد مربضك ولا تفقد شيئا، وتعلم ان زرعك كثير وذريتك كعشب الارض، تدخل المدفن في شيخوخة كرفع الكدس في اوانه، ها ان ذا قد بحثنا عنه كذا هو فاسمعه واعلم انت لنفسك".

نجد هنا كلمات تحذير حلوة ونصائح حكيمة رائعة يوجهها أليفاز لأيوب. وأليفاز وهو يقول هذا لم يكن يتصور أنه يتكلم عن أيوب نفسه الذي يحبه الله ولذلك يؤدبه. وذلك لأن أليفاز كان قد قرر أن أيوب رجل شرير. وكانت كلمات أليفاز الرائعة هي لتمجيد الله ولكنه لم يتصور أنه يصف حالة أيوب الذي طوبه الله.

آية 17:- " هوذا طوبى لرجل يؤدبه الله فلا ترفض تاديب القدير".

هوذا طوبي لرجل يؤدبه الله= لأن من يحبه الله يؤدبه. ومن يؤدبه الله يجرحه ثم يعصبه ويشفيه بيديه (18). والله يحرس من يؤدبه وسط التجربة (21، 20) ويباركه (23، 24) وحينما يكمل تأديبه ينقله بالموت (26) كأن من يحبه الله يكمله بالآلام كل أيام عمره. لذلك لا ترفض تأديب القدير. فالتأديب علامة محبة الله الأبوية مهما كان قاسياً، فالدواء المر نافع فلا يجب أن ننفر منه. والله قادر أن يخرج من الآكل أُكل، ومن الآلام تأديب وخير للإنسان. لذلك علي الإنسان المتألم أن لا يعتبر الألم مصادفة بل يبحث عن السبب كأن الألم صوت من الله ورسالة من السماء. وإذا ما إحتمل الإنسان تصير آلامه بركة له= طوبي

آية 18:- " لانه هو يجرح ويعصب يسحق ويداه تشفيان".

يجرح ويعصب= هذا مثل ما فعله الجراح يفتح ليشفي ثم يغلق الجرح. والله يجرح بتوبيخات أعمال عنايته الإلهية ثم يعصب بتعزيات روحه القدوس وهذه التعزيات تزداد كلما إزدات الضيقات. ويسحق ويداه تشفيان= ينجي في الوقت المناسب ويسحق هنا كما حدث لأيوب ولكن الله سحقه بالآلام ليشفيه (هو 14:5، 1:6) والموت مثال ينسحق فيه الإنسان بالكامل ولكن هذا أيضاً لشفائه ويقوم بجسد ممجد عوضاً عن جسدنا الضعيف لذلك قال بولس الرسول "ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت رو 24:7.

آية 19:- " في ست شدائد ينجيك وفي سبع لا يمسك سوء".

 في ست شدائد ينجيك وفي سبع لا يمسك سوء= هذا وعد بأنه بقدر ما تتكرر الضيقات والمتاعب تتكرر المعونة والإنقاذ. وعلينا أن نتوقع الشدائد ولا نيأس من أن الله سيتدخل لينقذ. والأرقام 7، 6 هي عادة يهودية في الكتابة. فهم يضعوا رقماً لجذب الإنتباه وهو هنا رقم 6 ثم يزيدوه واحداً فيصبح 7 ليعني العمومية. والمعني أنه مهما كانت عدد الشدائد فالله يعد بأن ينجيك ولا يمسك سوء. خصوصاً إستخدام رقم 7 رقم الكمال للتدليل على كمال وعد الله.

والوعد لا يمسك سوء= أي لن يصيبك سوءاً أو ضرراً حقيقياً. بل الله سوف ينتزع منها شرها وشوكتها حتي لا تضر، بل العكس يكون لها فائدة التأديب.

آية 20:- "في الجوع يفديك من الموت وفي الحرب من حد السيف".

 في الجوع يفديك من الموت= عندما تعم الأحكام المدمرة يحمي الرب أولاده من أثارها السيئة. ولنفهم أن الضربات ليست عامة بل يد الله تتدخل لتنقذ أولاده في الوقت المناسب [ مثل إنسان يخرج من مكان صدفة فينهار المكان في كارثة وينجو هذا الإنسان، فلا نقول أنها صدفة، بل يد الله أنقذته]

آية 21:- " من سوط اللسان تختبا فلا تخاف من الخراب اذا جاء".

من سوط اللسان تختبأ= مهما قيل عنك بخبث لا يضرك. فسوط اللسان مؤلم لكنه لا يقتل، فإن كان الله قادر أن ينجيك من الموت في الحرب أو من الجوع فهو من المؤكد قادر أن ينجيك من الشر الأقل وهو سوط اللسان. فلا تخاف من الخراب= سيكون لك أمان وإطمئنان ناشئ من رجائك في الله حتي في أسواً الأوقات.

آية 22:- " تضحك على الخراب والمحل ولا تخشى وحوش الارض".

تضحك علي الخراب= أي تسخر من الخراب القادم إذ تثق أن لا سلطان له عليك.

المحل= الفاقة (ترجمة اليسوعيين). المجاعة (الترجمة الإنجليزية). والمحل بحسب مختار الصحاح هو الجدب أو إنقطاع المطر ويبس الأرض من الكلأ.

لا تخشي وحوش الأرض= فمن يحميه الله لا تؤذيه وحوش الأرض.

بل المؤمن لا يخشي الموت نفسه 1كو 55:15 + رو 35:8

آية 23:- " لانه مع حجارة الحقل عهدك ووحوش البرية تسالمك".

لأنه مع حجارة الحقل عهدك= إذا كان للإنسان سلام مع الله يصير له عهد صداقة بينه وبين كل الخليقة وعندما يسير علي أرضه لا يخاف من أن يتعثر بأحد الأحجار. وهناك رأي آخر في الآية. أن الحجارة إذا وجدت في أرض تفسدها فلا ينمو الزرع. ومن يحميه الله يضمن له خصوبة حقله [وروحياً من هو في سلام مع الله ينقيه الله من خطاياه ليثمر ثمراً روحياً]. وحوش البرية تسالمك راجع هو 18:2. ولنلاحظ أن من يصطدم بالله تصطدم معه خليقة الله.

آية 24:- " فتعلم ان خيمتك امنة وتتعهد مربضك ولا تفقد شيئا".

خيمتك آمنة= تسافر وأنت مطمئن أنك تعود لتجد خيمتك آمنة فالله كان يحرسها لك، الله يحرسها في غيابك وفي وجودك. فالله يهيئ مسكناً لشعبه آمناً ويعطيهم سلام ويرعاهم فيدبرون حياتهم بإستقامة= مربضك= منزلك تدبره.

آية 25:- " وتعلم ان زرعك كثير وذريتك كعشب الارض".

أيوب فقد كل بنيه. وأليفاز هنا يقول لو تبت عن شرك يكثر الله لك البنين.

آية 26:- " تدخل المدفن في شيخوخة كرفع الكدس في اوانه".

 كرفع الكدس في أوانه= التشبيه هنا أن المرء في آخر أيامه إن كان صالحاً يموت في الوقت المناسب ويختم أيامه أخيراً بالفرح والكرامة بعد عمر طويل، يموت شيخاً وشبعان أياماً فالحياة الطويلة كانت علامة بركة ورضا من الله، ذلك في العهد القديم مز 16:91. وأما الشرير يموت صغيراً في نظرهم مز 23:55 وهنا يشبه الإنسان الصالح في موته بالحنطة التي تجمع إلي المخازن (الكدس)

الكدس= (ما يكدس فوق بعض). أما الأشرار فهم كالشوك للحريق.

آية 27:- " ها ان ذا قد بحثنا عنه كذا هو فاسمعه واعلم انت لنفسك".

 ما قلته لك يأ أيوب هو ما تعلمناه من أبائنا لكنننا بحثنا في صحته وتأكدنا من أنها أقوال صحيحة= ها إن ذا قد بحثنا عنه. كذا هو. فإسمعه= يجب أن تنتفع أنت منه أيضاً لتزداد حكمة وطبقه علي نفسك وعلي حالتك.

ولنلاحظ أن أليفاز هو إعرابي عاش منذ أكثر من 3000 سنة فكيف توصل لهذه المعلومات عن الله، وهي مملوءة حكمة عجيبة. هذه الحكمة هي التي يسكبها الله علي عبيده منذ قديم الزمان. وكان كل خطأ أليفاز هو في تطبيق المعلومات الصحيحة التي عنده علي أيوب لمحاولة إثبات أن أيوب رجل شرير، وبسبب شره صار لما هو عليه من آلام وخسارة.


 

الإصحاح السادس

لم يقتنع أيوب بكلام أليفاز، وبدأ يبرر نفسه في شكواه

الأيات 2-7:- " ليت كربي وزن ومصيبتي رفعت في الموازين جميعها، لانها الان اثقل من رمل البحر من اجل ذلك لغا كلامي، لان سهام القدير في وحمتها شاربة روحي اهوال الله مصطفة ضدي، هل ينهق الفراء على العشب او يخور الثور على علفه، هل يؤكل المسيخ بلا ملح او يوجد طعم في مرق البقلة، ما عافت نفسي ان تمسها هذه صارت مثل خبزي الكريه".

 يحاول أيوب هنا أن له الحق في الشكوي من متاعبه وأن مصيبة لا مثيل لها= ليت كربي وزن= لكان أثقل مما إحتمله أي إنسان، وهو أثقل مما يتصوره أصحابه. ومعني الكلام أن أيوب يلجا لشخص محايد ليزن كربه ويقنع أصحابه بأنه يفوق التصور. من أجل ذلك لغا كلامي= لغا تعني قال باطلاً والمعني إلتمسوا إلي عذراً يا أصحابي إن كانت هناك أخطاء وأقوال باطلة في كلامي فألامي رهيبة. هو هنا يتهم أصحابه بأنهم أدانوه دون أن يدركوا قسوة حاله وظروفه، وهو هنا يلتمس عطفهم عليه، عطفاً قد يخفف من آلامه. ويشكو أيوب من أن سهام القدير فيَ= لم تكن آلام أيوب ألاماً جسدية فقط بل آلامه النفسية روعته بالأكثر [فكان في ذلك مثالاً للمسيح]. وما آلمه نفسياً أن الله الذي كان يعبده بأمانة وحب العمر كله أصابه بهذه الألام. فكان فكره بأن الله هو الذي يعذبه هكذا كالسهام التي أصابته. وحمتها شاربة روحي= حمتها أي سمها. كانت السهام مسمومة وهذه السهام المسمومة كانت كوحش يشرب من دم فريسته، هكذا سهام آلامه النفسية شربت روحه فأصابت عقله بالإضطراب وزعزعت ثباته. لأنه فوجئ بأن أهوال الله مصطفة ضدي= كأنها جيش قد إصطف حوله. ثم وبخ أصدقائه بسبب إنتقاداتهم القاسية لشكواه وأنه لا مبرر لتوبيخاتهم له، فهو لا يتذمر بدون سبب كما يفعل المتذمرون الثائرون= هل ينهق الفرا علي العشب= الفرا هو حمار الوحش. وسؤال أيوب هلي رأيتم حماراً ينهق ويتذمر إذا كان العشب متوفراً أمامه؟ بل ينهق لو جاع إذ لا عشب. ومعني كلام أيوب أن حتي الوحوش المفترسة لا تنهق بدون سبب، وهي تنهق فقط إذا كانت متألمة، وأنا في أيام رخائي لم أتذمر، وهل كنت أتذمر إن لم أكن متألماً، فأنا لست بحجر. هل يؤكل المسيخ بلا ملح= هذا الكلام يفهم بمعنيين:

أولا: لقد صارت حياته بلا طعم كالطعام غير المملح= المسيخ هو الطعام الماسخ وأيوب كان يعاف أكل المسيخ ولكنه الأن في فقره إضطر أن يأكله. وحياته كلها صارت بلا طعم وهو مضطر أن يحياها= هذه صارت مثل خبزي الكريه. أي حياته.

ثانياً:- هناك من فهم أن هذا الكلام يشير لكلام أليفاز الذي هو في نظر أيوب مثل المسيخ الذي بلا طعم "ليكن كلامكم مملحاً بملح"

الأيات 8-13:- " يا ليت طلبتي تاتي ويعطيني الله رجائي، ان يرضى الله بان يسحقني ويطلق يده فيقطعني، فلا تزال تعزيتي وابتهاجي في عذاب لا يشفق اني لم اجحد كلام القدوس، ما هي قوتي حتى انتظر وما هي نهايتي حتى اصبر نفسي، هل قوتي قوة الحجارة هل لحمي نحاس، الا انه ليست في معونتي والمساعدة مطرودة عني".

 أيوب هنا يعبر عن رغبته في الموت سريعاً لتنتهي كل متاعبه

ياليت طلبتي تأتي. . . رجائي= وكانت طلبته ورجاؤه هما الموت، ولكن مهما كانت شدتنا يجب أن يكون لنا رجاء في الله دائماً. بل تمني أن الله يرضي بأن يسحقه بالموت. وكان رجاؤه وتعزيته في أنه لم يجدف ولم يخطئ في حق الله= لم أمجد كلام القدوس. أيوب هنا يطمئن نفسه بأن الموت سينهي كل أحزانه وسيكون عزاؤه اكيداً لأنه لم يخطي إلي الله في حياته. (لو 25:16) هنا نجد لعازر يتعزي والغني الشرير يتعذب. وهذا ما يقوله أيوب أنه سيكون له تعزية بينما للأشرار عذاب لا يشفق. ويعبر أيوب عن يأسه من أن تتغير أحواله إلي الأفضل ما هي قوتي حتي أنتظر= أي لا قوة لي لكي أنتظر هذا اليوم البعيد الذي لا أراه الذي وعدتني يا أليفاز بأن يأتي، يوم ينصلح فيه حالي وترد لي كرامتي. فصحتي واهنة جداً فأنا لست بقوي لأحتمل. هل قوتي قوة الحجارة. بل هو في يأسه لا يري مبرر لكي يرجو ويصبر أو حتي يرغب أمراً كهذا= وما هي نهايتي حتي أصبر نفسي= بحسب الترجمة الأنجليزية حتي أطيل حياتي= آية تعزية أرجوها لنفسى في حياتي بالمقارنة مع التعزية التي أرجوها في مماتي. إلا أنه ليست في معونتي= لقد فارقتني معونتي الداخلية والمساعدة مطرودة عني= أي مساعدتكم وأنتم أصدقائي، حتي هذه خسرتها.

الأيات 14-30:- " حق المحزون معروف من صاحبه وان ترك خشية القدير، اما اخواني فقد غدروا مثل الغدير مثل ساقية الوديان يعبرون، التي هي عكرة من البرد ويختفي فيها الجليد، اذا جرت انقطعت اذا حميت جفت من مكانها، يعرج السفر عن طريقهم يدخلون التيه فيهلكون، نظرت قوافل تيماء سيارة سبا رجوها، خزوا في ما كانوا مطمئنين جاءوا اليها فخجلوا، فالان قد صرتم مثلها رايتم ضربة ففزعتم، هل قلت اعطوني شيئا او من مالكم ارشوا من اجلي، او نجوني من يد الخصم او من يد العتاة افدوني، علموني فانا اسكت وفهموني في اي شيء ضللت، ما اشد الكلام المستقيم واما التوبيخ منكم فعلى ماذا يبرهن، هل تحسبون ان توبخوا كلمات وكلام اليائس للريح، بل تلقون على اليتيم وتحفرون حفرة لصاحبكم، والان تفرسوا في فاني على وجوهكم لا اكذب، ارجعوا لا يكونن ظلم ارجعوا ايضا فيه حقي، هل في لساني ظلم ام حنكي لا يميز فسادا".

 هنا يشرح آية 13 :- "الا انه ليست في معونتي والمساعدة مطرودة عني". التي سبق وقال فيها المساعدة مطرودة عني ويوبخ أصحابه بسبب إنتقاداتهم القاسية له ومعاملتهم العنيفة. إذ بينما إنتظر منهم مساعدة وتعزية وجد وإهانات وهجوم وكلام قاسي.

آية 14:- "حق المحزون معروف من صاحبه وان ترك خشية القدير". حق المحزون معروف. . . وإن ترك خشية القدير= لقد إتهمه أليفاز بأنه شرير وأيوب هنا يقول حتي لوكنت خاطئ وتركت خشية الله، فحقي أن يعزيني أصحابى وأنا حزين، فهذا حق كل محزون أن يعزيه أصدقائه فهو يحتاج عطفهم. هذه مبادئ إنسانية عامة. وقد تفهم الآية أنه من حق المحزون المتألم أن يعزيه أصحابه وإلا يكون الأصحاب قد تركوا خشية الله. وعادة يكون المنكوب بمصيبة كبيرة عرضة لأن يترك خشية الله ويصطدم مع الله وإبليس دائماً يسعي لهذا وعلي أصحاب المتألم أن يشددوه حتي لا يصل إلي هذه الدرجة.

وفي الأيات 15-21:- " اما اخواني فقد غدروا مثل الغدير مثل ساقية الوديان يعبرون، التي هي عكرة من البرد ويختفي فيها الجليد، اذا جرت انقطعت اذا حميت جفت من مكانها، يعرج السفر عن طريقهم يدخلون التيه فيهلكون، نظرت قوافل تيماء سيارة سبا رجوها، خزوا في ما كانوا مطمئنين جاءوا اليها فخجلوا، فالان قد صرتم مثلها رايتم ضربة ففزعتم". .

 يشرح أيوب كيف خابت أماله في أصدقائه الذين كان يجب عليهم أن يقدموا له تعزية ومساعدة فإذ بهم سبب آلام جديدة له، وهو هنا يشبههم بالغدير= هو جدول ماء، يمتلئ بالماء وقت ذوبان الثلج من الجبال. ولكنه في الصيف يجف. ولذلك سمي بالغدير لأنه يغدر بالمسافرين الذين إعتادوا أن يشربوا منه في سفرهم شتاء، وبينما هم عطشى أثناء سفرهم صيفاً يذهبوا إليه ليشربوا منه فيجدوه وإذا هو قد جف. كذلك أصحاب أيوب كانوا في أيام رخائه مصدر تعزية له. وإذا جاءت الآلام حارة مثل الصيف لم يجد عندهم تعزية بل إزداد عطشه بسببهم. ولذلك فلنثق أن الله وحده هو المعزي الحقيقي لنا في ضيقاتنا وهو لا يغدر بنا أبداً، هو صخر الدهور وينبوع الحياة بينما تعزيات الناس أبار مشققة.

مثل ساقية الوديان يعبرون= كمياه الأودية التي عبرت (الترجمة اليسوعية)= أصحابي صاروا مثل مياه عبرت الوادي وتركته بعد ذلك جافاً لا يروي أحد.

التي هي عكرة من البرد= أثناء ذوبان الجليد تندفع المياه في فيضان يملأ هذه الجداول بمياه ذائب فيها الجليد. وكلمة عكرة تعني مندفعة بكثرة. إذا جرت إنقطعت. إذا حميت جفت= هي تجري في فصل الشتاء حيث لا يعطش المسافر أما إذا حميت الشمس في الصيف تجف بينما المسافر في إحتياج إليها.

يعرج السفر عن طريقهم. يدخلون التية فيهلكون= القوافل المسافرة والتي تعودت أن تجد مياه مكان الغدير، في أثناء سفرها تدخل لتشرب وإذ لا تجد ماء تظل في دخولها لأعماق الصحراء حتي تتيه عن طريقها. وهكذا عندما يصير الأغنياء فقراء ويحتاجون إلي تعزية يبتعد عنهم من كانوا يلتفون حولهم سابقاً، بل قد يدوسونهم. وهكذا كل من له أمال عالية في الخليقة يخزي. . . فلنثق في الله وحده

قوافل تيماء. سيارة سبأ رجوها= قوافل تجارة هذه البلاد كان لهم رجاء في هذه الأغادير وهذه المياه ولكنها غدرت بهم. فخزوا= هكذا كل من يضع ثقته في مخلوق.

آية 22:- " هل قلت اعطوني شيئا او من مالكم ارشوا من اجلي". هل قلت إعطوني شيئاً= هل تظهرون هذا الجفاء لي حتي لا أطلب منكم معونة مالية في شدتي. إرشوا من أجلي= أسوني بشئ من أموالكم (اليسوعية).

آية 23:- " ونجوني من يد الخصم او من يد العتاة افدوني". أي لم أطلب منكم مساعدة ضد السبئيين ولا الكلدانيين لأستعيد ثروتي. وكثيراً ما يحدث أننا عندما نتوقع القليل من الإنسان نجد الأقل، لكن عندما نتوقع الكثير من الله نجد الأكثر. (أف 20:3)

آية 24:- " علموني فانا اسكت وفهموني في اي شيء ضللت". هو يعني أنكم تتكلمون كثيراً ولكنكم لم تلمسوا قضيتي ولم تستطيعوا أن تقنعونني، فلم أتعلم منكم شيئاً وأنا مستعد أن أتعلم إذا أظهرتم لي خطأي.

آية 25:- " ما اشد الكلام المستقيم واما التوبيخ منكم فعلى ماذا يبرهن". ما أشد الكلام المستقيم= لو لمست كلمات التوبيخ نقطة ضعف الإنسان تكون شديدة علي الشخص المخطئ.

آية 26:- "هل تحسبون ان توبخوا كلمات وكلام اليائس للريح". توبخوا كلمات= هل تحسبون أن كلمات صعدت مني وأنا متألم ثائر أنها دليل علي فسادي وشري الكامن في داخلي. وكلام اليائس للريح= الآية كلها مترجمة هكذا في اليسوعية "أفي أنفسكم أن تلوموني علي كلمات يأس فرطت مني في الهواء".

آية 27:- " بل تلقون على اليتيم وتحفرون حفرة لصاحبكم". تلقون علي اليتيم= أيوب هنا يشبه نفسه في ضعفه باليتيم، فاليتيم لا قدرة له أن يدافع عن نفسه. وأيوب في حالته هذه غير قادر أن يدافع عن نفسه ضد هجوم أصحابه. وهم في هجومهم كأنهم يحفرون حفرة له= تحفرون حفرة لصاحبكم. فهم أولاً أظهروا تعاطفاً معه فتكلم بحريته وكان هذا شركاً له فهم أدانوه علي كلامه.

آية 28:- " والان تفرسوا في فاني على وجوهكم لا اكذب". تفرسوا في= انظروا إلي ترون علامات صبري وخضوعي لله بالرغم من تذمري. وتغرسوا في قروحي وأثارها واضحة تعرفون سبب تذمري. ولا تظلمونني.

آية 29:- " ارجعوا لا يكونن ظلم ارجعوا ايضا فيه حقي". إرجعوا= راجعوا أنفسكم في قراركم ضدي فأنا علي حق= فيه حق.

آية 30:- " هل في لساني ظلم ام حنكي لا يميز فسادا". هل جدفت علي الله، هل فقدت أدبي وعقلي، هل عدت لا أميز بين الخير والشر.


 

الإصحاح السابع

الأيات 1-6:- "اليس جهاد للانسان على الارض وكايام الاجير ايامه، كما يتشوق العبد الى الظل وكما يترجى الاجير اجرته، هكذا تعين لي اشهر سوء وليالي شقاء قسمت لي، اذا اضطجعت اقول متى اقوم الليل يطول واشبع قلقا حتى الصبح، لبس لحمي الدود مع مدر التراب جلدي كرش وساخ، ايامي اسرع من الوشيعة وتنتهي بغير رجاء".

 أليس جهاد للإنسان علي الأرض= "إن حياة الإنسان علي الأرض تجند" (الترجمة اليسوعية). "ألا يوجد وقت محدد للإنسان علي الأرض" (الأنجليزية) ويصبح المعني أن أيوب يقول لأصحابه، أرجوكم أن لا تعتبرونني قد أخطأت إذا تمنيت الموت، كأنني لا أعلم أن لكل إنسان عدد معين من الأيام حددها له الله ليعمل فيها ويجاهد. وأن الوقت المحدد من الله لا يمكن تعجيله. ولكن كلماتي التي فيها تمنيت الموت إنما هي مجرد تعبير عن آلامي. كأيام الأجير أيامه= إننا نعمل كل أيام حياتنا ونجاهد مثل الأجير الذي يعمل كل اليوم ثم يذهب ليأخذ حسابه بحسب عمله ويذهب ليستريح. فأنا في ألامي أشتاق لراحة الموت كما يتشوق العبد الذي يعمل في الشمس الحارقة للظل ليستريح= كما يتشوق العبد إلي الظل وكما يترجي الأجير أجرته= هو لن يأخذ أجرته إلا بعد أن ينتهي من عمله فكأنه حين يترجي أجرته يشتهي في نفس الوقت راحته من تعبه. فحياته كلها مؤلمة= أشهر سوء وليالي شقاء. وكانت لياليه متعبة وليست للراحة مثل سائر البشر من شدة آلامه ورعب أحلامه وسواد أفكاره= إذا إضطجعت أقول متي أقوم وهذه الليالي المؤلممة قد قسمت له أي بمعرفة الله. وصور حالة جسده= لبس لحمي الدود= كان يوجد دود في قروحه. مع مدر التراب= المدر هي التراب المتلبد. فقد إختلط التراب مع قروحه فتلبدت كتل طينية من الطين والصديد في قروحه. جلدي كرش وساخ= تشقق وتقرح أو تقلص وتمزق (اليسوعية) فكان مرضه كريهاً جداً. وكان يقترب من الموت= أيامي أسرع من الوشيعة الوشيعة هي مكوك النساج. والحياة هي مكوك يتحرك بسرعة ذهاباً وإياباً وأيامنا أشبه بالمكوك الذي يسرع في الإنتقال من هذا الجانب من النول إلي الجانب الأخر في لمح البصر، إلي أن ينتهي الخيط الذي يحمله وعندئذ من النول ينقطع أش 12:38.

الأيات 7-21:- "اذكر ان حياتي انما هي ريح وعيني لا تعود ترى خيرا، لا تراني عين ناظري عيناك علي ولست انا، السحاب يضمحل ويزول هكذا الذي ينزل الى الهاوية لا يصعد، لا يرجع بعد الى بيته ولا يعرفه مكانه بعد، انا ايضا لا امنع فمي اتكلم بضيق روحي اشكو بمرارة نفسي، ابحر انا ام تنين حتى جعلت علي حارسا، ان قلت فراشي يعزيني مضجعي ينزع كربتي، تريعني بالاحلام وترهبني برؤى، فاختارت نفسي الخنق الموت على عظامي هذه، قد ذبت لا الى الابد احيا كف عني لان ايامي نفخة، ما هو الانسان حتى تعتبره وحتى تضع عليه قلبك، وتتعهده كل صباح وكل لحظة تمتحنه، حتى متى لا تلتفت عني ولا ترخيني ريثما ابلع ريقي، ااخطات ماذا افعل لك يا رقيب الناس لماذا جعلتني عاثورا لنفسك حتى اكون على نفسي حملا، ولماذا لا تغفر ذنبي ولا تزيل اثمي لاني الان اضطجع في التراب تطلبني فلا اكون".

 هنا في هذه الأيات نجد أيوب يتوجه بكلماته إلي الله.

وفي الأيات (7-10) نجد أيوب يتوسل ويتضرع ومن (11-16)يصبح عنيفاً في مجادلته من (17-21) نجده في حيرة يتساءل لماذا؟. وهو توجه في حديثه لله إذ وجد أذان أصحابه رافضة أن تستمع إليه. وحسنا نفعل إذ نشتكي لله بدلاً من أن نشتكي للناس فإن كان الناس لا يريدون أن يصغوا إلينا فالله يريد، وإن كان الناس لا يمدون يد المساعدة، فيد الله لم تقصر وأذنه لم تثقل راجع أش 1:59.

أذكر إن حياتي إنما هي ريح= هنا أيوب يقدم نفسه لله كخليقة ضعيفة جداً فهو كريح، أي إقامته في الدنيا قصيرة جداً وعودته إليها مستحيلة، بخار يظهر قليلاً ثم يضحمل. ويقول هذا ليثير عطف الله عليه. عيني لا تعود تري خيراً= لا حياة بعد الموت لا تراني عين ناظري= بعد الموت لا يعود أحد يرانا. عيناك عليَ ولست أنا= عيناك تطلباني فلا أكون (اليسوعية). أي بعد أن أموت لن أكون كما كنت سابقاً والمقصود إشفق عليَ يارب طالما كنت هنا. والشفقة التي يطلبها هي الموت. الموت الذي يريحه للأبد حين تنتهي حياته المؤلمة والتي هي مثل سحاب ينقشع ويتبدد في الهواء. والسحاب ينتهي ويأتي سحاب جديد غيره، وأجيال تموت وتأتي أجيال أخري. ومن يموت لا يعود ثانية لبيته الأرضي= لا يرجع بعد إلي بيته. ولا يعرفه مكانه بعد= مكاننا الذي تركناه بالموت، حتي لو عدنا لن يعرفنا مكاننا الذي عشنا فيه. وحين شعر بأن أيامه إقتربت، وها هو ينهي أيام عمره بهذه الآلام المرعبة قال.

أنا أيضاً لا أمنع فمي. اتكلم. أشكو بمرارة نفسى= أي لا أستطيع أن أمنع نفسي من أن أعبر عن ألامي بمرارة. ولكن أولاد الله حين يشعرون بأن حياتهم تقترب من نهايتها يجب أن يقضوا الساعات المتبقية أو الأيام المتبقية في إيمان وصلاة.

ابحر أنا أم تنين حتي جعلت عليَ حارساً= صور القدماء البحر كتنين عظيم يحيط باليابسة ويريد أن يبتلعها فجعل الله له حداً لا يتعداه وأقام له مغاليق ومصاريع وقال إلي هنا تأتي ولا تتعدي وهنا تخم كبرياء لججك (8:38 + أر 22:5). وصوروا أيضا تنيناً آخر في الجو يريد أن يبتلع الأجرام السماوية ومعني قول أيوب هل تعتبري يارب كتنين البحر أو تنين الجو لتجعل علي حارساً لئلا ابتلع الأرض أو كواكب السماء هل أنا يارب قوي وهائج جداً حتي لا يكبح جماحي سوي كل هذه النكبات. فأيوب صَوَر نكباته أنها هي الحارس الذي عينه الله لكبح جماح أيوب. ولنلاحظ أن الله فعلاً يضع حداً لكل قوي الطبيعة الجبارة (البحار/ الفيضانات/ البروق/ الزلازل) بل والحشرات والميكروبات بل والإنسان أيضاً حتي لا يتعاظم ويضرغيره. ثم يشكو أيوب من أنه لا يجد راحة في فراشه بسبب أحلامه المرعبة والرؤي المزعجة= تريعني بالأحلام وترهبني برؤي= وواضح أن الله ليس هو مصدر هذه الأحلام والرؤي بل هى ناشئة من إضطراباته النفسية بسبب آلامه. وربما كان الشيطان له يد في هذه الأحلام والخيالات فهو يسر بأن يزعج أولاد الله. فإختارت نفسى الخنق. الموت علي عظامي هذه= ترجمت الآية هكذا في ترجمة اليسوعيين "حتي تؤثر نفسى الخنق وعظامي الموت" أي بسبب ألامي إختارت نفسى أصعب ميتة وهي الخنق. وعظامي آثرت الموت فهو أفضل من الآلام التي تعانيها.

قد ذبت= قد يئست (يسوعيين). قد كرهتها (إنجليزية). أي هو كره حياته ويئس منها وإشتاق للموت ليجد راحة. لا إلي الأبد أحيا= أي حتي لو كنت سأحيا إلي الأبد فأنا رافض الفكرة فمن يضمن لي أن لا تعود لي ألامي ثانية.

لأن أيامي نفخة كف عني= كلام صعب أن يطلب أيوب من الله أن يكف عنه أي يكتفي بهذا فهو ضعيف. كأنه يقول لله أيامي باطلة وهذا حسب (الإنجليزية) أي أيامي شقية فيكفيك ما قد قاسيته، فلتنهي حياتي بالموت.

ثم يبدأ أيوب يتساءل إبتداء من آية (17) بعض التساؤلات.

ما هو الإنسان حتي تعتبره= أي الإنسان حقير جداً حتي تستعظمه. وكأن الله قد نصب نفسه خصماً للإنسان. وتساؤل أيوب معناه هل يليق بالله العظيم أن يحقر نفسه بمخاصمته للإنسان. فأيوب تصور أن الله يكيل له الضربات إنتقاماً لخطأ صنعه أيوب دون أن يدرك. ولم يفهم أن الله أب حنون لا ينتقم من أولاده بل هم يؤدبهم. وحتي تضع عليه قلبك= أي تهتم به إهتماماً شديدأً. وتتعهده كل صباح= أيوب مازال يتصور أن الله في خصومة معه، ويوجه له بكل قوته ضربات كل صباح بنيما هو عاجز عن أن يقف أمامه. والذي لم يفهمه أيوب أن الله أن لم يضع قلبه علينا ويتعهدنا كل صباح لهلكنا في لحظة بل في طرفة عين. فهو يقول عيني عليك من أول السنة إلي أخرها. بل الله حين يضع قلبه علينا يعطينا كرامة.

حتي متي لا تلتفت عني= هنا يشتكي أنه لا يجد هدنة، أو فترة راحة وسط آلامه

ريثما أبلع ريقي= أي ألا تسمح لي يارب بفترة راحة قليلة أتنفس فيها بلا ألم وتعبير أبلع ريقي هو تعبير عربي معناها دعني أستريح قليلاً. ثم يتساءل.

أأخطأت= هو لا يريد أن يعترف أنه أخطأ، وحتي لو أخطأ فخطيته بسيطة لا تستحق أن ينتبه الله لها [هل كان أيوب يتصور وهو يقول هذا أن الله بسبب خطاياه وخطايا غيره، الخطايا الكبيرة والصغيرة سيعلق علي الصليب]. ومعني قوله أيضاً، حتي إذا أخطأت فلماذا لا تغفر. وإذ رأي أن الله لا يغفر يقول لله ماذا أفعل لك= ماذا أفعل حتي تغفر [لم يفهم أيوب أنه لا سبيل لغفران الخطية مهما فعل إن لم يصلب المسيح، أنظر قسوة كلام أيوب، هل لو كان أيوب يعلم كل محبة الله التي يضعها الله في قلبه لأيوب، وأن ما سمح به الله هو ليكون أيوب كاملاً، وأن الله يدبر الخلاص بدم المسيح في ملء الزمان، هل لو علم أيوب هل كان يقول نفس الكلام. وكم من مرة نقول ألفاظ صعبة علي الله المملوء محبة نحونا]

يا رقيب الناس= أي أن الله يراقبه دائماً ومهما فعل فإن الله لن يرضي عليه.

لماذا جعلتني عاثوراً لنفسك= عاثور أي هدف تصوب نحوه السهام. فهو يشكو أنه صار هدفاً لسهام الله، هو وحده صار هدفاً لله. حتي صار عبئاً علي نفسه= حتي أكون علي نفسى حملاً= أي كاد يغرق تحت عبء حياته. ثم توسل إلي الله أن يغفر له ذنبه ويعود ليرضي عليه، وذلك قبل أن يموت. لأني الأن أضطجع في التراب= يقصد أنه إقترب من القبر. فإغفر قبل أن أموت ولا أتمتع برحمتك. ولا تتأخر في الغفران وإلا يكون الوقت قد مضي= تطلبني فلا أكون. وعلينا أن نصلي لتأتي رحمتك علينا وإلا هلكنا للأبد.


 

الإصحاح الثامن

نجد هنا خطاب بلدد، وهو إستمر في نفس منهج أليفاز في محاولة إثبات شر أيوب وبينما بني أليفاز رأيه علي الرؤي والإعلانات الإلهية بني بلدد رأيه علي حكمة بني المشرق وتقليد الأباء الأولين. وأيضاً كان كلام بلدد كلام رائع ولكنه أخطأ في التطبيق، بل كان كلامه بلا أي عطف أو شفقة علي أيوب المسكين.

الأيات 1-7:- "فاجاب بلدد الشوحي وقال، الى متى تقول هذا وتكون اقوال فيك ريحا شديدة، هل الله يعوج القضاء او القدير يعكس الحق، اذ اخطا اليه بنوك دفعهم الى يد معصيتهم، فان بكرت انت الى الله وتضرعت الى القدير، ان كنت انت زكيا مستقيما فانه الان يتنبه لك ويسلم مسكن برك، وان تكن اولاك صغيرة فاخرتك تكثر جدا".

 قال أيوب كلام كثير صحيح، أما بلدد فإحتد وهاجمه. أقوال فيك ريحاً شديدة= هو شبه كلام أيوب بريح شديدة لأنه كان يتكلم بحدة، ولكنها أقول تافهة بلا قيمة كالهواء. هل الله يعوج القضاء= أيوب لم يقل هذا. ولكن بلدد يظهر أنه يدافع عن الله لكنه في الواقع يحاول إثبات شر أيوب وأنه يستحق ما هو فيه من ألام. إذ أخطأ إليه بنوك دفعهم إلي يد معصيتهم= هذا القول فظيع. حتي وإن كان أولاد أيوب أشرار، فما كان يجب علي بلدد أن يزيد جروح أيوب هكذا بينما هو قد أتي ليعزيه. ثم يدعو أيوب للتوبة فيعيده الله أحسن مما كان. فإن بكرت أنت= لا تكن شريراً مثل أولادك الذين فاتتهم فرصة التوبة فهلكوا بل إسرع وإنتهز الفرصة وتب. ويسلم مسكن برك= إن كنت تقدم توبة حقيقية وترضي الله في طرقك ويكون بيتك مسكن بر لا مسكن ظلم، ولا يكون في بيتك غنيمة غنمتها بدون وجه حق حينئذ يستمع لك الله.

الأيات 8-10:- "اسال القرون الاولى وتاكد مباحث ابائهم، لاننا نحن من امس ولا نعلم لان ايامنا على الارض ظل، فهلا يعلمونك يقولون لك ومن قلوبهم يخرجون اقوالا قائلين".

 نظرية بلدد هي أن نكبة الأشرار أكيدة حتي وإن كانت فترة من حياتهم مزدهرة فبالتأكيد ستكون فترة قصيرة بعدها يأتي عليهم الشر. ويبرهن علي ذلك بأن يلجأ لحكمة الأباء الأولين الذي سجلوا هذا الرأي= اسأل القرون الأولي= وهذا ما تفعله كنيستنا التي تهتم بأقوال الأباء. والفلسفة تعلمنا بأن الإنسان يبدأ من حيث إنتهي أباؤه، أي هو ينتفع بخبراتهم ويضيف عليها. بينما الحيوان يبدأ من حيث بدأ أبائه. لذلك يتقدم الإنسان في المعرفة ويبقي الحيوان علي ما هو عليه. لأننا نحن من أمس= أي خبرتنا هي لا شئ. بجانب خبرة وحكمة الأباء الأولين لذلك فأنا أخذ وأقتبس من حكمتهم. وكأنه يقول لأيوب أنت لا تصدقنا ولا تريد أن تعترف بنظريتنا، هب أننا لا نعرف شئ وخبرتنا قليلة بسبب نقص أيامنا= أيامنا علي الأرض ظل= أي قصيرة، لكن حاول أن تستفيد من خبرة الأولين الذين من قلوبهم يخرجون أقوالاً= أي أن ما يقوله الأباء يقولونه بصدق من كل قلبهم حسب ما يؤمنون به وما إختبروه.

الأيات 11-19:- "هل ينمي البردي في غير الغمقة او تنبت الحلفاء بلا ماء، وهو بعد في نضارته لم يقطع ييبس قبل كل العشب، هكذا سبل كل الناسين الله ورجاء الفاجر يخيب، فينقطع اعتماده ومتكله بيت العنكبوت، يستند الى بيته فلا يثبت يتمسك به فلا يقوم، هو رطب تجاه الشمس وعلى جنته تنبت خراعيبه، واصوله مشتبكة في الرجمة فترى محل الحجارة، ان اقتلعه من مكانه يجحده قائلا ما رايتك، هذا هو فرح طريقه ومن التراب ينبت اخر".

 هذه الأيات غالباً هي قطعة شعر قالها الحكماء القدماء ويرددها هنا بلدد متهماً أيوب بأنه مرائي شرير وكان نجاحه وقتياً.

هل ينمي البردي في غير الغمقة. أو تنبت الحلفاء بلا ماء= البردي والحلفاء ينميان علي ضفاف النيل في مصر. وهما يحتاجان للماء الكثير وحينما يقطعان وينفصلان عن الماء سريعاً ما يجفوا. أو إذا إنقطع عنهم الماء= وهو بعد في نضارته لم يقطع ييبس بسرعة جداً بالمقارنة مع العشب ويفقد نضارته. و هكذا الإنسان المرائي حين يترك الله يموت ويهلك ويذهب عنه بهاؤه. قد يستمر بهاؤه ونجاحه فترة ولكن سريعاً سيزول عنه كل إزدهار بسبب شره لأن الله سيتخلي عنه مثلما يبس البردي بسرعة حين إنقطع عنه الماء. ولذلك لأن جذور البردي ضعيفة جداً فإن لم يُروَ جيداً ييبس بسرعة جداً مهما بدا في خضرة وجمال وقتي.

ورجاء المرائين خداع شديد لأنفسهم، فالشرير إذا نجح وقتياً يمني نفسه بأن نجاحه سيستمر، وهو يثق في نفسه بغرور وربما في كفاءته. ولكن ما نجاحه إلا كبيت العنكبوت= ولكن نجاحه هذا لابد وسيزول كما يزول بيت العنكبوت بسهولة جداً بالمكنسة أي عندما يأتي الله ليطهر بيته. إن العنكبوت يبني بيته ويعجب به جداً ولا يدري أنه واهي جداً وفي لحظة ينتهي. بل هناك مقارنة تعقد بين العنكبوت والنملة فكلاهما يكد ويعمل بجد، ولكن بينما النحلة تتغذي علي الندي السماوي، أو علي ثمار الندي السماوي فتنتج عسلاً (ثمار الندي السماوي أي كلمة الله) والعسل الناتج يكون فيه غذاء وفائدة للجميع، نجد العنكبوت يتغذي علي إصطياد الحشرات وإفتراسها. وهكذا الشرير ينهب بيوت المظلومين وحين يزول نجاح الشرير وينهدم كل ما بناه. ينقطع إعتماده= أي رجاؤه.

ثم شبه المرائي بشجرة تنمو وسط أحجار، والشجرة أقوي من البردي ولها جذور تمتد لتبحث عن الماء. لكنها لوجودها وسط الأحجار لا تعيش طويلاً لأن جذورها تصطدم بالأحجار. وهذه الشجرة مهما كان جمالها فأي دودة أو حشرة زراعية تجعلها تجف. وما حدث مع يقطينة يونان مثل واضح فلا يوجد شئ ثابت في هذا العالم. رطب تجاه الشمس= أي تخضر تجاه الشمس وعلي جنته تنبت خراعيبه= الخراعيب هي الأغصان. أي أن أغصان هذه الشجرة ممتدة وتظلل البستان المزروعة فيه. ولكن مشكلة هذه الشجرة وجود حجارة كثيرة (راجع مثل الزارع) وأصوله مشتبكة في الرجمة= أي جذور الشجرة مصطدمة مع الحجارة. مثل هذه الشجرة أي آفة تقتلها سريعاً وتتلاشي حتي إن إقتلعه من مكانه يجحده قائلا ما رأيتك= كلام بأسلوب شعري بمعني أنه بعد إختفاء الشجرة وهلاكها، لو ظهرت مرة أخري فمكانها يقول لها لا أعرفك. وهكذا الشرير فكل نجاحه ينتهي (طريق الأشرار تهلك مز 6:1). ولا يترك شيئاً لنسله ينتفعوا به. هذا هو فرح طريقه= نهآية أفراح الشرير خراب كل شئ. هذا هو الدرس الذي تعلمنا الحياة إياه. ولكن هل يستفيد الناس؟‍ أبداً فبعد أن ينتهي شرير ويخرب يقوم آخر مكانه من التراب ينبت أخر. ربما قوله من التراب يعني الشجرة التي يمكن أن تنبت مكان الشجرة القديمة ولكن سيكون لها نفس المصير فالأحجار ما زالت موجودة. وربما يشير للخاطئ الذي مات وذهب للتراب وسيأتي بعده أناس ترابيون (عالميون، دنيويون، شهوانيون) يكونون في مثل شره وحماقته، وأيضاً سيكون لهم نفس مصيره.

الأيات 20-22:- "هوذا الله لا يرفض الكامل ولا ياخذ بيد فاعلي الشر، عندما يملا فاك ضحكا وشفتيك هتافا، يلبس مبغضوك خزيا اما خيمة الاشرار فلا تكون". .

 بلدد في خيام حديثه يضع أمام أيوب طريقي الحياة والموت، البركة واللعنة. بمعني أن نصيبه البركة لو كان كاملاً مستقيماً، فالله لا يرفض الكامل. بل يملأ فاه ضحكاً. ويلبس مبغضوه خزياً= قد يخزي أعداء البار هنا في الأرض ولكن من المؤكد أن خزيهم سيكون كاملاً في السماء حينما يرونه متوجاً بالمجد. والعكس فالله لا يأخذ بيد فاعلي الشر. ويهدم مسكنهم= أما خيمة الأشرار فلا تكون.


 

الإصحاح التاسع

الأيات 1-13:- "فاجاب ايوب وقال، صحيح قد علمت انه كذا فكيف يتبرر الانسان عند الله، ان شاء ان يحاجه لا يجيبه عن واحد من الف، هو حكيم القلب وشديد القوة من تصلب عليه فسلم، المزحزح الجبال ولا تعلم الذي يقلبها في غضبه، المزعزع الارض من مقرها فتتزلزل اعمدتها، الامر الشمس فلا تشرق ويختم على النجوم، الباسط السماوات وحده والماشي على اعالي البحر، صانع النعش والجبار والثريا ومخادع الجنوب، فاعل عظائم لا تفحص وعجائب لا تعد، هوذا يمر علي ولا اراه ويجتاز فلا اشعر به، اذا خطف فمن يرده ومن يقول له ماذا تفعل، الله لا يرد غضبه ينحني تحته اعوان رهب".

 نجد أيوب هنا يؤكد بر الله وصلاح الله وسلطان الله المطلق وأنه لا يختلف مع أصحابه حول هذا الرأي. صحيح. قد علمت أنه كذا= أي أنا متفق معكم فيا قلتموه عن الله. ولكن كانت مشكلة أيوب التي حاول أن يعرضها أمام أصحابه استحالة أن يتبرر الإنسان عند الله= فكيف يتبرر الإنسان عند الله. في نظر أيوب أن يتبرر إنسان أمام الله شئ صعب فهو حاكم مطلق له كل السلطان علي الطبيعة فمن يقف أمامه، خصوصاً حين يضع الله في قلبه أن يرصد خطوات هذا الإنسان، فإذا تحول إنتباه الله الجبار من الطبيعة الهائلة إلي الإنسان الضعيف ورصد الله له كل خطية فمن يثبت أمام الله. وأمام قوته القاهرة، حينئذ سيكون الله كما لو كان ينقض علي فريسة ليسحقها. بل إن أقوي المتمردين مثل رهب لن يقف أمامه. ومن المؤكد أن قوة الله جبارة لكن أيوب في آلامه نسي أن محبة الله أيضاً جبارة، ولم تظهر هذه المحبة بقدر ما ظهرت علي الصليب. لقد ظن أيوب أن الله سيسحق الخاطئ ويا للعجب فقد سحق إبنه الوحيد عوضاً عن الخاطئ. ثم يبدأ أيوب يثبت صعوبة أن يتبرر إنسان أمام الله. إن شاء أن يحاجه لا يجيبه عن واحد من ألف= الله يستطيع أن يوجه للإنسان 1000 سؤال مربك، أو ألف خطأ إرتكبه الإنسان، ولا يستطيع الإنسان أن يجاوب عن سؤال واحد. فالله في حكمته يستطيع بسهولة أن يعلن حمق وجهل كل مدعي للحكمة. ولن نستطيع أن نبرر أنفسنا عن أي خطأ إرتكبناه. من تصلب عليه فسلم= كل من تحدي الله وتقسى أمامه لم يسلم، بل كل قساوة أمام الله تدل علي حماقة صاحبها. وهذا ما حدث مثلاً للشيطان. ولنلاحظ أن إبليس كان يمني نفسه أن يجدف أيوب علي الله لكنه تكلم حسناً عن الله وأظهر عظمته ومجده. ووصف أيوب الله بأنه حكيم القلب لذلك لا نقدر أن نجاوبه في المحاكمة. وأنه شديد القوة= فلا نقدر أن نقوي أمامه. ودليل قوته. المزحزح الجبال ولا تعلم= لقد جعل جبل سيناء يرتعد (مز 8:68) وهذا يحدث من الزلازل والبراكين التي هي تحت سيطرة الله. ولا تعلم= أي ليس بإرادتها فالله هو الذي يزلزل الجبل وقتما يريد. بل ينقل الجبل إذا أراد (جبل المقطم ونقله) المزعزع الأرض من مقرها= الأرض مستقرة علي محورها والله وحده قادر أن يزعزع إستقرارها. وتتزلزل أعمدتها= هذا تصوير شعري يشير لأن الأرض مستقرة كأنها علي أعمدة والله حين يزلزلها كأنه يزلزل أعمدتها. أما عن العلم وأن الأرض لا تستقر علي أعمدة فهذا ذكر في ص 7:26 أن الله يعلق الأرض علي لا شئ. وقد قيل هذا بفم أيوب أيضاً مما يثبت فكرة الخيال الشعري. الآمر الشمس فلا تشرق= الله يأمر الشمس فتشرق ويأمرها فتغرب، وهو خلقها في البدء وهو القادر ان يزيلها. "فالسماء والأرض تزولان" وراجع أيضاً رؤ 1:21. وهو قادر أن يأمرها فلا تشرق، وهذا يحدث طبيعياً في الكسوف، وحدث معجزياً مع يشوع وأشعياء مع حزقيا وحينما صلب المسيح. فمع يشوع وقفت ومع أشعياء تراجعت ويوم صليب المسيح توارت. ويختم علي النجوم= في أش 26:40 قيل يخرج بعدد جندها. كأن النجوم موضوعة في خزانة صباحاً ويخرجها الله مساءً بعددها لا ينقص منها واحداً، وهوج يختم عليها فلا يقدر أحد غيره أن يخرجها أو يدخلها، والمعني أنها تحت سلطانه وحده. ولقد زلزل الله الأرض مرة أيام الطوفان فإندفع الماء يغمر الجبال لأن القشرة الأرضية هبطت بجبالها فإرتفعت المياه حتي غطت الجبال. ولكثرة الأمطار الرهيبة إختفي نور الشمس عن الأرض. الباسط السموات وحده= هو بسطها في البدآية ومازال يحفظها مبسوطة كما هي.

الماشي علي أعالي البحار= أي أن أمواج البحر العظيمة تحت سيطرة الله وهو يمنعها من أن تندفع لتغطي الأرض اليابسة. (وحين إنتهر المسيح البحر الهائج سكن)

صانع النعش. . . = النعش والجبار والثريا هي مجموعات نجوم وأيوب ذكر ثلاثاً منها كمثال. والنعش غالباً هو الدب القطبي الذي نحدد به الشمال الجغرافي. مخادع الجنوب= هي مجموعة النجوم التي لا تري إلا من نصف الكرة الجنوبي.

هوذا يمر علي ولا أراه= الله يعمل في الخفاء وبكيفية لا تدرك، نحن نري أعماله ولكننا لا نراه، ومن أعماله نري بصيص من نور مجده غير المدرك رو 19:1، 20.

حقا إن إدراكنا القاصر يعجز عن إدراك أعمال مشورته لكننا نلمس قدرته ومجده والله سلطانه مطلق لا يمكن الإعتراض عليه= إذا خطف فمن يرده= فإذا إنتزع الرب صحة إنسان أو ثروته أو أولاده لا يستطيع أحد أن يمنعه، بل هو يخطف حياة الإنسان نفسه ولا يستطيع أحد أن يقول له ماذا تفعل. وحقاً نحن الأن لن نفهم الحكمة في تصرفات الله. ولكن سيأتي الوقت الذي فيه نفهم أن ما إعترضنا عليه، أو رفضناه، أو حكمنا بأنه تم مصادفة، سنفهم أن كل شئ تم بحكمة لا نهائية.

الله لا يرد غضبه= الله يطلق غضبه ضد الأشرار المعاندين ولا أحد يستطيع أن يمنعه.

ينحني تحته أعوان رَهَب= رهب معناها الأصلي يعني الكبرياء. والكبرياء منسوبة لمصر وفي اش 9:51 نفهم أن رهب هي التنين، وربما أطلق الإسم علي التمساح أو (التنين). ولأن التمساح منسوب لمصر وأيضاً الكبرياء هي خطية مصر صار إسم رهب إشارة لمصر أش 7:30. وربما الإشارة لأسطورة قديمة تتحدث عن إخماد ثورة في السماء قام بها الوحش البحري رهب وأعوانه، ثم سيطر عليهم الله وثبتهم في السماء علي شكل مجموعة كواكب. فالذين يقاومون الله كثيرين لكن حين يريد الله فبسلطانه وقوته المطلقة يخضعهم. والله يقيناً يسحق كل من تجبر عليه وكل من يعين هذا المتمرد= أعوان رهب.

الأيات 14-21:- "كم بالاقل انا اجاوبه واختار كلامي معه، لاني وان تبررت لا اجاوب بل استرحم دياني، لو دعوت فاستجاب لي لما امنت بانه سمع صوتي، ذاك الذي يسحقني بالعاصفة ويكثر جروحي بلا سبب، لا يدعني اخذ نفسي ولكن يشبعني مرائر، ان كان من جهة قوة القوي يقول هانذا وان كان من جهة القضاء يقول من يحاكمني، ان تبررت يحكم علي فمي وان كنت كاملا يستذنبني، كامل انا لا ابالي بنفسي رذلت حياتي".

نري أيوب هنا يطبق علي نفسه ما سبق أن قاله عن عجز الإنسان عجزاً مطلقاً عن أن يحاج الله. ونتيجة لهذا نراه ييأس من أن ينال رضاه، الأمر الذي نشأ من أرائه القاسية الظالمة عن الله، فالله في نظره إله جبار لا يقاومه أحد ولا يبرر إنسان. كم بالأقل أنا أجاوبه= إذا كان الله قادراً أن يخضع رهب فكم بالأولي أنا أيوب الخليقة الضعيفة المسكينة. وأختار كلامي معه= هل أستطيع أنا أمام هذا الإله الجبار أن أقف لأدافع عن نفسي وأتخير الكلمات المناسبة، هل سيعطيني هذه الفرصة. لأني وإن تبررت لا أجاوب بل أسترحم دياني= حتي لو كنت باراً ووقفت أمامه وشعرت بعظمته لن أستطيع أن أنطق بأنني بار بل سأطلب رحمته، فالله يري حتي أخطائنا التي لا نراها. وهذه هي الطريقة التي ينبغي أن نقف بها أمام الله، مثل العشار. بل وصل أيوب لحالة يائسة تماماً من إستجابة الله لصلواته. لو دعوت فإستجاب لي لما أمنت بأنه سمع صوتي= أي لو قدمت تضرعاتي وأعطاني سؤل قلبي، فإنني لا أعتقد بأن صلواتي هي العلة في الإستجابة. فالله يأخذ (يخطف) حين يريد، ويعطي حين يريد وليس ذلك بسبب صلواتنا أو إرادتنا بل بحسب سلطانه المطلق الذي لا يناقشه فيه أحد. ثم يضع صورة لله أنه ظلمه بلا سبب فهو لا يشعر في داخله أنه خاطئ بل هو بار= ذاك الذي يسحقني بالعاصفة= قد تكون العاصفة التي هدم بها منزل أبنائه. أو عاصفة غضبه الذي ظهر في كل ما حدث. ويكثر جروحي بلا سبب. وجروحه هي الصدمات المتوالية التي أتت عليه= ولا يدعني أخذ نفسى هل لو كان الله كما صوره أيوب يسحق ولا يدعه يأخذ نفسه كان يستطيع أن يقول هذا الكلام عن الله دون أن يقتله؟! كثيراً ما نظلم الله الحنون ثم يسترسل أيوب في تصوير قوة الله وعجزه عن الوقوف أمامه= إن كان من جهة قوة القوي يقول هأنذا= الله قوي ويقيناً لا أستطيع أن أقف أمام قوته ولا أمام قوة حجته= وإن كان من جهة القضاء يقول من يحاكمني= هنا يشير لله كحاكم أو قاضي مطلق وليس من يستطيع أن يقف أمامه فلا سلطة للإستئناف إن تبررت يحكم عليَ فمي= في ترجمة أخري "إن ظننت نفسى بريئاً، فإن فمى يحكم عليَ" أي إذا حاولت أن أتكلم لأبرئ نفسى فمن المؤكد أنني سوف أخطئ فيحكم عليَ الله. وهذا كلام صعب فنحن يجب أن نقف أمام الله شاعرين بأننا كلنا خطية وفي إحتياج لأن يبررنا بدمه. وإن كنت كاملاً يستذنبني= أي لو قلت أنني كامل وبلا خطية فالله قادر أن يجد خطأ فيَ ليستذبنني، كأن يجدني متكبراً أو أكون قد فرطت بشفتي بكلمة يمسكها عليَ. ثم يصل أيوب لقمة غطرسته وكبريائه ويظهر بره الذاتي الذي يؤدبه الله عليه فيقول كامل أنا. اي مع كل ما قلته أن الله قادر أن يجد في خطأ إلا أنني في نظر نفسى فأنا كامل، لذلك لا أبالي بنفسى. رذلت حياتي= أي أنا مستعد أن أدافع عن نفسى وعن كمالي وبرائتي حتي لو أدي هذا لأن يهلكني الله فإني رذلت حياتي بسبب ألامي وأصبح الأمر عندي سيان، أن أموت أو أن أحيا هكذا.

الأيات 22-24:- "هي واحدة لذلك قلت ان الكامل والشرير هو يفنيهما، اذا قتل السوط بغتة يستهزئ بتجربة الابرياء، الارض مسلمة ليد الشرير يغشي وجوه قضاتها وان لم يكن هو فاذا من".

 هنا يلمس أيوب نقطة الخلاف الأساسية مع أصدقائه الذين يصرون علي أن الآلام لا تصيب إلا الشرير ليثبتوا أنه شرير. هو يريد أن يثبت بره. هم يريدون أن يثبتوا أن الأبرار والصالحين ينجحون دائماً في هذا العالم، أما أيوب فيقول لا فإنه أمر عادي أن ينجح الأشرار ويُنكب الأبرار. هي واحدة لذلك قلت إن الكامل والشرير هو يفنيهما= ما قاله أيوب هنا هو صحيح إلي حد بعيد فالآلام تصيب الأبرار والأشرار. ولكن خطأ أيوب في قوله أن الله يفنيهما معاً. فالنار تصيب الآنية الذهبية فتنقيها وتصيب القش فتحرقه وتفنيه، لكن مفهوم أن الألم هو مؤدب لم يكن واضحاً عند أيوب.

إذا قتل السوط بغتة يستهزئ بتجربة الأبرياء= السوط هو الألم الذي يسمح به الله، والألم إذا أتي يكتسح الكل أمامه حتي الأبرياء. وحين يري آلام وصراخ الأبرياء لا يهتم بل يستهزئ بآلامهم. وهذا كلام صعب من أيوب ونحن قد رأينا المسيح يبكي علي قبر لعازر وهو في كل ضيقنا تضايق ثم تألم هو وشعر بألامنا ليعين المجربين عب 18:2. ولكن عندما تحتد الروح في المناقشة أو بسبب عدم الإقتناع، نكون في حاجة لكن نضع حارساً علي أبواب شفاهنا لكن نتحدث بوقار عن الله وعن الأمور السماوية.

فالأرض مسلمة ليد الشرير= ربما كان أيوب يستشهد بحادثة حوله كان فيها ملك شرير يحكم الأرض حوله ويظلم الناس. ولكن نجد هذا المفهوم صحيحاً إلي حد بعيد (رو20:8 + لو 6:4 بل المسيح أطلق علي الشيطان رئيس هذا العالم) ولذلك نجد في بعض الأحيان الأشرار ينجحون لأنهم خروا وسجدوا للشيطان "أعطيك كل هذه إن خررت وسجدت لي" لكنها تضيع فجأة فلماذا؟ يقول المزمور "إن لم يحرس الرب المدينة فباطل سهر الحراس". فالشيطان قد يعطي لكنه لا يقدر أن يحفظ. ولنلاحظ أن الله سلم الأرض للشيطان ولكنه أي الله هو ضابط الكل. ومن يريد أن يعيش للأرض (الماديين والشهوانيين) سيكونوا تحت سلطان إبليس. أما من يريد أن يعيش في السماويات فلن يكون لإبليس سلطان عليه.

يغشى وجوه قضاتها= أعمي عيون قضاتها. هنا يقصد أيوب أن القضاة الذين كان ينبغي عليهم أن يحكموا بالعدل فينصفوا المظلوم، كأن الله أعمي عيونهم وأصبحوا لا يروا الحق. وأيوب ينسب هذا الظلم لله، أي أن الله هو الذي سلم الأرض ليد الأشرار وأعمي عيون القضاة فصارت الأرض مملكة ظلم ثم يتمادي في رأيه الصعب القاسي قائلاً وإن لم يكن هو أي الله. . . فإذن من.

الأيات 25-35:- "ايامي اسرع من عداء تفر ولا ترى خيرا، تمر مع سفن البردي كنسر ينقض الى قنصه، ان قلت انسى كربتي اطلق وجهي واتبلج، اخاف من كل اوجاعي عالما انك لا تبرئني، انا مستذنب فلماذا اتعب عبثا، ولو اغتسلت في الثلج ونظفت يدي بالاشنان، فانك في النقع تغمسني حتى تكرهني ثيابي، لانه ليس هو انسانا مثلي فاجاوبه فناتي جميعا الى المحاكمة، ليس بيننا مصالح يضع يده على كلينا، ليرفع عني عصاه ولا يبغتني رعبه، اذا اتكلم ولا اخافه لاني لست هكذا عند نفسي". .

 أيامي أسرع من عداء= كل أيامي الحلوة، أيام الرخاء ذهبت فجأة. تفر ولا تري خيراً= "قد فَرَت ولم تصب خيراً" (الترجمة اليسوعية) لقد هربت منه أيام رخائه سريعاً ولم تترك له وراءها خيراً. تمر مع سفن البردي أي مرت سريعة فقوارب البردي قوارب خفيفة وسريعة في النيل. ولنستفيد من هذا ونفهم أن حياتنا تجري سريعة "كبخار يظهر قليلاً ثم يضمحل".

إن قلت أنسي كربتي (همومي وشكواي) أطلق وجهي وأتبلج (تبلج اي ضحك وهش) أي إذا حاولت أن أنسي همومي وأضحك لا أستطيع لأنني أخاف من أوجاعي أوجاعي أقوي من إرادتي أن انسي. وما زاد آلامه فلم يستطع أن ينسي كربته إنه كان يائساً أن يخلصه الله من آلامه، أو يخففها عنه. وإستمرار آلامه يثبت لأصحابه نظريتهم أنه شرير وهذا يؤلمه بالأكثر. ووصل في يأسه لأنه قال أنا مستذنب= أي أن الله أصدر قراراً بأنني مذنب رغماً من براءتي فلماذا أتعب عبثا= في محاولة تبرئة نفسي. ومهما حاولت أن أبرئ نفسي فلا فائدة حتي ولو إغتسلت في الثلج= المقصود الماء الذي كان ثلجاً وذاب فهذا الماء هو أنقي أنواع المياه فهو بلا شوائب. وغسل الأيدي علامة نقاوة القلب (كما فعل بيلاطس)= وحتي إن نظفت يدي بالأشنان. الأشنان تعني الصابون أو المطهر. فإنك في النقع تغمسني حتي تكرهني ثيابي= أي مهما حاولت أن أبرر نفسي أمامك فلا فائدة. ومعني الآية = النقع= المستنقع وكله روائح كريهة وحين يغمس أحد ثيابه في النقع يعاف من أن يلبسها لرائحتها ونتانتها. إذاً حتي لو طهر أيوب نفسه بإجتهاد فهو سيظل كريها نتناً أمام الله، بل أمام الناس بل حتي أمام نفسه. وهذا صحيح جداً فنحن خطاة بل بالخطايا ولدتنا أمنا. ومهما حاولنا أن نتبرر فلا فائدة، ولكن هناك طريق واحد للتبرير وهو دم المسيح الذي إذ نأتي إليه شاعرين بخطايانا كارهين أنفسنا معترفين أننا غير مستحقين يطهرنا دمه من كل خطية رؤ 14:7 + 1يو 9:1.

والأيات(32-33) رائعتان. وكأن أيوب فيها يشتاق للمسيح إبن الإنسان الوسيط بين الإنسان وبين الله (1تي 5:2). لقد كان أيوب يائساً من أن يستمع إليه الله [وهذا صحيح فنحن غير مقبولين إلا بشفاعة دم المسيح]. وكان هذا قاسياً علي أيوب. وهو هنا يشتكي من أنه غير قادر علي الحوار مع الله لأن الله ليس إنساناً= ليس هو إنساناً مثلي فأجاوبه= أي لو كان إنساناً لتكلمت معه بلا خوف وشرحت له بري [والمسيح صار إنساناً لنتكلم معه بلا خوف ولكن لا داعي لأن نبرر أنفسنا كما تصور أيوب، إنما جاء هو ليبررنا]. فنأتي جميعاً إلي المحاكمة= حسناً قال داود "وتتبرر إذا حوكمت" عموماً فأيوب كان له شكواه علي الله، أن الله ظلمه وهو يريد أن يذهب للمحاكمة ليثبت أنه بار ومظلوم. وإشتكي أنه ليس وسيط. فكيف يتم الإتصال بين الله وإنسان [لذلك جاء المسيح كإله وإنسان معاً، فيه إجتمعت الطبيعتان في طبيعة واحدة] والمسيح يضع يده علي كلينا علي الطبيعة اللاهوتية وعلي الطبيعة البشرية التي أخذها منا ليصالحنا علي الله. هنا أيوب يشتاق لوجود مصالح بينه وبين الله، بروح النبوة إشتاق للمسيح.

ليرفع عني عصاه= لو وجد هذا المصالح لإنتهي غضب الله علينا وترفع العصا.

ولا يبغتني رعبه= بالمسيح رأينا وجه الله الراضي المحب بعد أن زال غضبه.

إذاً أتكلم ولا أخافه= هل كان أحد يخاف من المسيح المحب حين كان يكلمه.

لأني لست هكذا عند نفسى= لم تنقشع سحب غضب الله عني وما زال غضب الله متشبثا بي ولست أدري ماذا أفعل. . . هكذا كان إنسان العهد القديم قبل المسيح.


 

الإصحاح العاشر

 فى هذا الإصحاح نجد أيوب يشكو ويشكو. ويقول أنا لا أستطيع أن أكتم الثورة التي فى داخلي، وهو يشكو من الله. وينهي كلامه بأنه يتمني الموت الذي فيه راحته.

الأيات 1-7:- "قد كرهت نفسي حياتي اسيب شكواي اتكلم في مرارة نفسي، قائلا لله لا تستذنبني فهمني لماذا تخاصمني، احسن عندك ان تظلم ان ترذل عمل يديك وتشرق على مشورة الاشرار، الك عينا بشر ام كنظر الانسان تنظر، اايامك كايام الانسان ام سنوك كايام الرجل، حتى تبحث عن اثمي وتفتش على خطيتي، في علمك اني لست مذنبا ولا منقذ من يدك".

 قد كرهت نفسى حياتي= مللت من هذا الجسد، وعجزت عن أن أتخلص منه ولقد سئمت وكرهت حياتي وتمنيت الموت. أسيب شكواي= يخطئ المتألم حين يظن أن الشكوي تريحه، بل هي تثير بالأكثر عواطفه الثائرة. ولكن من الحكمة في ساعة التجربة أن نصمت ونستسلم ونطلب العزاء والصبر من الله، حينئذ فقط سنهدأ. لا تستذنبني= لا تحكم بأنني مدان. وتوسل إلي الله لكى يعرفه السبب الحقيقي لنكباته= فهمني لماذا تخاصمني. ولنلاحظ أن الشكوي تقود الإنسان للتذمر علي الله وعلي أحكامه، وإذا تمادي الإنسان فيها تكون هناك غوآية لأن يخطئ في حق الله ونجد هنا كلمة صعبة من أيوب في حق الله، أقل ما يقال عنها أنها وقحة. حقاً هو يتكلم بمرارة نفس، لكنه لأنه سمح لنفسه بأن يتمادي في الشكوي نزل إلي هذا المستوي فقال أحسن عندك أن تظلم= أي هل تنتفع من ظلمي. وتشرق علي مشورة الأشرار= أي توافق وتبارك طرق الأشرار بينما تظلمني أنا البرئ الكامل. وسيأتي اليوم الذي نفهم فيه حكمة الله ولماذا سمح بكل ما كان يؤلمنا يوماً ما.

ألك عينا بشر= أيوب تصور أن الله يزيد أيام عذابه حتي يفتش عن إثمه. هذا قد يحدث مع البشر، فإذا كان هناك شك في مجرم يوضع في السجن ويعذبونه حتي يعترف فالبشر لا يعرفون أعماق الإنسان المجرم ويكونون مضطرين لإستخراج ما في داخله بالتعذيب ولمدة طويلة حتي يعترف. وعلي العكس فالله فاحص القلوب والكلي ولا يحتاج لهذا. وأيوب يتساءل هل لك عينا إنسان حتي تعذبني كسجين عندك.

أأيامك كأيام الإنسان= هل أيامك محدودة كالناس لذلك تسرع وتعاقب عن كل ذنب إكتشفته فيَ، قبل أن يكون لك وقت لتتحقق وتمتحن القضية بالتمام.

حتي تبحث عن إثمي= أيوب يعتقد أنه غريب علي الله أن يطيل تعذيبه ويبقيه رازحاً تحت نكبته، ليبحث عن إثمه. بينما أن الله يعرف أنه برئ= في علمك أني لست مذنباً. ومع هذا يعذبه ولا فائدة ترجى من تدخل إنسان أو ملاك= ولا منقذ من يدك

 الأيات 8-13:-يداك كونتانى وصنعتانى كلى جميعاً. أفتبتلعنى. أذكر أنك جبلتنى كالطين. أفتعيدنى إلى التراب. ألم تصبنى كاللبن وخثرتنى كالجبن. كسوتنى جلداً ولحماً فنسجتنى بعظام وعصب. منحتنى حيوة ورحمة وحفظت عنايتك روحى. لكن كتمت هذه فى قلبك. علمت أن هذا عندك.

 هنا أيوب يتأمل فى محبة الله وعنايته ورعايته به والتى ظهرت فى خلقته على أكمل صورة، فهو خلق بصورة إنسان رائع. ثم يتساءل أيوب هل بعد ما صنعت كل هذا الجمال تعود وتحطمه. يداك كونتانى= أنت يارب خلقتنى كلى أى كل عضو فى جسدى وخلقت روحى ونفسى. وقد جبلتنى كالطين. ثم يصف تشكيله ألم تصبنى كاللبن وخثرتنى كالجبن= فى صناعة الجبن يبدأ الجبن يتخثر أى يأخذ شكل الجبن الصلب من وسط اللبن السائل. والطفل أولاً يكون مجموعة من السوائل وتبدأ تأخذ شكلاً واضحاً. والله يحفظ الطفل الصغير ويعتنى به حتى لا يهلك حفظت عنايتك روحى= أى حفظتنى حياً من كل الأخطار. أذكر أنك جبلتنى هنا أيوب يستدر شفقه الله ويذكره بعمله السابق ومراحمه التى جبلته ثم حفظته ويتساءل أبعد هذا. اتعيدنى للتراب= أى تميتنى.

ولم يستطع أيوب أن يوفق بين إحسانات الله السابقة ومتاعبه الحاليه فتصور أن الله كان يعد له هذه المصائب وخبأها عليه ثم فاجأه بها= لكنك كتمت هذه فى قلبك. علمت أن هذا عندك= علمت أن هذا كان قصدك منذ البدآية.

الأيات14-17:-إن أخطأت تلاحظنى ولا تبرئنى من إثمى. إن أذنبت فويلٍ لى. وإن تبررت لا أرفع رأسى. إنى شبعان هواناً وناظر مذلتى. وإن أرتفع تصطادنى كأسد ثم تعود وتتجبر علىَ. تجدد شهودك تجاهى وتزيد غضبك علىَ نوب وجيش ضدى.

 فى آية13 قال علمت أن هذا عندك= بمعنى أن قصدك منذ البدآية أن تضعنى تحت المراقبة، وتنتظر حتى أخطئ ويبدأ عقابك، ولا تبرئنى من إثمى وهذا ما شرحه هنا إذ صوَر نفسه كعصفور مسكين وقع فى يد أسد فأى رعب يصيب هذه الفريسة المسكينة. إن أخطأت تلاحظنى= الله يضعه تحت المراقبة بدقة وقسوة ويراقب كل أخطائه ثم يجازيه عليها. ولا تبرئنى من إثمى= طالما أن الآلام والمتاعب لم تنتهى فهو يفهم هذا بأن الله لم يبرئه من إثمه. إن أذنبت فويل لى وإن تبررت لا أرفع رأسى= أى أنا مؤمن بأننى إن أذنبت لابد أن أعاقب فالشرير لابد له من عقاب، والأن بعد ما حدث لى فأنا أقول أنه حتى ولو كنت باراً، وأنا أرى أننى بار، فهذا لا يعفينى من غضب الله علىَ، لأنه هاهو يصب غضبه علىَ حتى أصبحت غير قادر أن أرفع رأسى وها إنى شبعان هواناً.

 وإن إرتفع رأسي، أي حاولتأك أن أهرب من ألامي فأنت تصطادني كأسد. هنا يصور الله كأسد مفترس يصطاد فريسته ليعذبها ثم يلتهمها. ثم تعود وتتجبر عليَ= فهو يري أن آلامه غير عادية. تجدد شهودك تجاهي= ربما الشهود هي آلامه ومصائبه فهي علامات غضب الله عليه وهكذا فهم أصحابه، وقوله تجدد = أي آلام وراء آلام تأتي عليَ كموجات البحر المتلاحقة. لذلك قال عنها نُوَب وجيش ضدي نوب أي نوبات والمعني جيوشك التي أرسلتها لتعذبني تتناوب ضدي. كأن الله في معركة ضده.

الأيات 18-22:- "فلماذا اخرجتني من الرحم كنت قد اسلمت الروح ولم ترني عين، فكنت كاني لم اكن فاقاد من الرحم الى القبر، اليست ايامي قليلة اترك كف عني فاتبلج قليلا، قبل ان اذهب ولا اعود الى ارض ظلمة وظل الموت، ارض ظلام مثل دجى ظل الموت وبلا ترتيب واشراقها كالدجى".

 عاد هنا أيوب لما قاله سابقاً أنه يفضل الموت أو أنه من الأفضل لو لم يولد أصلاً= فلماذا أخرجتني من الرحم. ثم يطلب من الله أن يريحه قليلاً من أتعابه ولكن يقولها بأسلوب صعب كف عني فأتبلج= أي أرتاح. [ونحن في أيام راحتنا علينا أن نشكر الله كثيراً أننا لا نتألم مثل غيرنا]. وهو يتضرع إلي الله أن يعطيه بعض الراحة قبل أن يموت خصوصاً أن ما بقي له من أيام قليل قبل الموت. ونري هنا فكرة القدماء عن الموت كلها غموض، فهو مكان ظلام. أرض ظلام مثل دجي ظل الموت. ولكنهم كانوا يعلمون أن هناك مكان للأبرار ومكان أخر للأشرار ولكن كلاهما ظلام. وبلا ترتيب وإشراقها كالدجي= أي حتي نورها ظلام لذلك كان القدماء يخافون الموت. وبعد ذلك إرتقي فكر اليهود وكان الفريسيين يؤمنون بأن هناك قيامة، أما الصدوقيين فأنكروا القيامة. وقوله بلا ترتيب يعني أن هناك لا إعتبار لملك أو رئيس بل هو كالعبد، لا تمييز بين درجات الناس. وكانوا يعتقدون أن في وادي ظل الموت لا يوجد تسبيح لله (مز 9:30) وهو بلا ترتيب فهو ليل دائم وبلا أشراق، وحيث الظلام المستمر فهناك تخبط.


 

الإصحاح الحادي عشر

نجد هنا خطاب صوفر وهو إستمر في نفس الخط، بل زاد في إتهام أيوب بدون رأفة.

الأيات 1-6:- "فاجاب صوفر النعماتي وقال، اكثرة الكلام لا يجاوب ام رجل مهذار يتبرر، اصلفك يفحم الناس ام تلخ وليس من يخزيك، اذ تقول تعليمي زكي وانا بار في عينيك، ولكن يا ليت الله يتكلم ويفتح شفتيه معك، ويعلن لك خفيات الحكمة انها مضاعفة الفهم فتعلم ان الله يغرمك باقل من اثمك".

 أكثرة الكلام لا يُجاوَب= هل تكسب يا أيوب قضيتك بأن تكثر من الكلام، وتظن بهذا أننا لن نستطيع أن نفحمك. أبكثرة كلامك تظن أنك تغلبنا فلا نستطيع أن نجاوبك. أم رجل مهذار لا يتبرر= مهذار أي كلامه فارغ لا يساوي شئ، فمهما تكلم فلا قيمة لكلامه. أصلفك يفحم الناس= هنا يتهم أيوب بالكبرياء وأنه يستهزئ بكل الناس، ويعرف كيف يصور كل شئ تصويراً كاذباً. أم تلخ وليس من يخزيك= لخ في كلامه= جاء به ملتبساً

( القاموس المحيط). وكلمة تلخ جاءت في (اليسوعية) تتهكم وفي الإنجليزية (تستهزئ).

ولنلاحظ أن صوفر نجد في كلامه حكمة يجب أن نتأمل فيها. فمن يتكلم كثيراً مستهزئاً بأراء الأخرين من المؤكد أنه سيفقد الأذن الحساسة التي يستفيد بها ويضيف إلي حكمته وخبرته من خبرات وحكمة الأخرين. بل سيفقد الأذن الحساسة لصوت الله الذي يوبخه، بل سيفقد أيضاً الحساسية للتوبيخات الصادرة من الطبيعة حولنا والتي تشهد لعدل الله ورحمته وطوبي لمن له أذنان للسمع وليس لمن له لسان مستهزئ. ولكن عيب صوفر أنه حاول تطبيق حكمته علي أيوب بطريقة خاطئة، والسؤال الأن هل هذه كلمات تعزية لإنسان متألم؟! فإننا وجدنا صوفر وقد إنقض بلا رحمة علي أيوب وبمنتهي العنف وكال له الشتائم والإتهامات، وكان صوفر أفظع الأصحاب الثلاثة وأقلهم رحمة وأدباً، بل نفهم أن هذا دليل كبرياؤه هو وليس أيوب. وربما تصور صوفر أنه يدافع عن كرامة الله، ولكن الله لا يحتاج لمن يدافع عنه بهذا الأسلوب، فحتي لو كان أيوب قد أخطأ في حق الله فأسلوب صوفر الهجومي لن يقنعه بأن يتوب بل سيثيره بالأكثر، بل يدفعه وهو في ضيقه للثورة ضد الله.

إذ تقول تعليمي زكي= وصوفر يحاول إثبات كبرياء أيوب وصلفه بأن إتهمه بأنه يقول تعليمي زكي، وحقاً كان تعليم أيوب أي إيمانه نقياً. وأنا بار في عينيك أيوب قال أنا كامل وقال كلاماً يفهم منه هذا فعلاً. ولكن المشكلة أن أيوب كان ربما يشعر أن له خطايا وهو ليس كامل كمالاً مطلقاً. . . . لكن هو أيضاً لم يجدف علي الله ولا فرط في حق الله، وأيوب وحده هو الذي يعرف قلبه وأنه فعلاً يحب الله فكان يدافع عن هذا بينما أصحابه مصرين علي أن تدينه كان ظاهرياً وأن قلبه مملوء شراً.

ياليت الله يتكلم. . . ويعلن لك خفيات الحكمة= لو تكلم الله لكان في جانبناوهو سيظهر شرك الخفي الذي عاقبك بحكمته عليه، حكمته التي تعرف الخفيات. . ولكن بعد ذلك حين تكلم الله فعلاً وقف في صف أيوب وليس في صف أصحابه. مضاعفة الفهم= أي أن حكمة الله لا يمكن إدراكها. وما نعرفه عن الله لا يقاس بجانب مالا نقدر ان نعرفه. والخفيات أكثر من ضعف المعلنات. الله يغرمك بأقل من إثمك= أي أن الله لو أعلن لك خطاياك ستجد أنه عاملك بالرأفة. وأن النكبات التي تشكو منها هي أقل بكثير مما تستحق [وحقاً لو عاملنا الله كما نستحق نهلك] لكن هذا الكلام لا يقال لمتألم مثل أيوب.

الأيات 7-12:- "االى عمق الله تتصل ام الى نهاية القدير تنتهي، هو اعلى من السماوات فماذا عساك ان تفعل اعمق من الهاوية فماذا تدري، اطول من الارض طوله واعرض من البحر، ان بطش او اغلق او جمع فمن يرده، لانه هو يعلم اناس السوء ويبصر الاثم فهل لا ينتبه، اما الرجل ففارغ عديم الفهم وكجحش الفراء يولد الانسان".

 هنا شهادة طيبة من صوفر عن الله. ثم عن غرور الإنسان وحماقته أإلي عمق الله تتصل= الله لا يمكن إدراكه فهو لا نهائي وغير محدود، ومداركنا المحدودة لا تدركه، لذلك نعجز علي الحكم علي مشورته وأعماله، وعندما ننتقد تصرفات الله فنحن نتحدث عما لا نفهم. أم إلي نهآية القدير تنتهي= حسب الترجمة الإنجليزية "أتستطيع بالبحث أن تكتشف الله، أتستطيع أن تكتشف القدير اكتشافا كاملاً فإذا كانت العين لا تدرك نهآية المحيط أفندرك أعماق الله. فالله أعلي من السموات. . . = ولنلاحظ أنه حتي الأن لم يكتشف الإنسان السماء والأرض والبحر اكتشافاً كاملاً. وهنا صوفر يستخدم ألفاظ (أعلي/ أعمق/ أطول/ أعرض) لإثبات أن طبيعة الله غير مدركة ولا نهائية، وبولس الرسول في أف 18:3، 19 إستخدم نفس الألفاظ لندرك أن محبة الله غير محدودة وغير مدركة ولا نهائية. والله له السلطان المطلق. . . إن بطش= بأن يسمح بموت إنسان أو أذيته. أو أغلق= أي سجن إنسان أو سمح بوضع إنسان في شبكة مصائب كما يقبض الصياد علي فريسته (ولقد سبق أيوب وإشتكي بأن الله كأسد وقد إصطاد أيوب)

أو جَمَع= مترجمة في ترجمات أخري "جَمَع قضاته" ليحكموا علي المذنب فمن يرده= أي من يمنعه. لأنه هو يعلم= نحن لا نعلم سوي القليل عنه لكنه هو يعلم كل شئ. ومعرفته كاملة. والعكس. . . أما الرجل ففارغ عديم الفهم= ما هو الإنسان بالمقارنة مع الله. ولقد خلق الله آدم وله الحكمة النسبية ولكنه بالخطية فقد كثيراً من حكمته وكلما إزداد الإنسان حمقاً في طريق الخطية يفقد حكمته بالأكثر ويصير مخلوق عنيد مثل حمار الفرا وهو حيوان بري يتميز بأنه لا يمكن إخضاعه. وقوله كجحش الفرا يولد الإنسان= صحيح ويدل علي الطبيعة المتمردة للإنسان "بالخطية ولدتني أمي" ولكن الله قادر علي تغيير طبيعتنا (موسي الأسود) جحش الفرا = حمار الوحشي ومع طبيعة الإنسان الفارغة فهو متكبر. . . وهل يصلح لمثل هذا الإنسان أن يناقش الله.

الأيات 13-20:- "ان اعددت انت قلبك وبسطت اليه يديك، ان ابعدت الاثم الذي في يدك ولا يسكن الظلم في خيمتك، حينئذ ترفع وجهك بلا عيب وتكون ثابتا ولا تخاف، لانك تنسى المشقة كمياه عبرت تذكرها، وفوق الظهيرة يقوم حظك الظلام يتحول صباحا، وتطمئن لانه يوجد رجاء تتجسس حولك وتضطجع امنا، وتربض وليس من يزعج ويتضرع الى وجهك كثيرون، اما عيون الاشرار فتتلف ومناصهم يبيد ورجاؤهم تسليم النفس".

هنا صوفر يطلب من أيوب أن يتوب ليري أوقاتاً أفضل. إن أعددت أنت قلبك= بدآية التوبة أن ينظر الإنسان إلي داخله ويغير تفكيره بأن يتخذ قراراً بالتغيير. ثم بسطت إليه يديك= صلاة وتضرع بلجاجة. إن أبعدت الإثم= هنا عمل إيجابي في تغيير طريق الإنسان بأن يرجع عن طريق شره ويتركه.

ولايسكن الظلم في خيمتك= هذا ما قاله زكا "إن كنت ظلمت أحداً أرد له أربعة أضعاف. فالمال الذي حصلت عليه بالظلم أو النهب هو نار في بيتي وتجعل صلاتي وتوبتي غير مقبولة. حينئذ ترفع وجهك بلا عيب= أي تكون صلاتك وتوبتك مقبولة عند الله. وتكون ثابتاً ولا تخاف= يملأ السلام قلبك. لأنك تنسى المشقة= فالله بعد توبتك سيرفع عنك ألامك وتنساها. كمياه عبرت تذكرها= لن تترك وراءها ألاماً كمياه إنسكبت من كوب فلا تجد فيه شيئاً. وفوق الظهيرة يقوم حظك= وتكون مدتك أشرق من الظهيرة حسب الترجمة اليسوعية. أي لو كانت أيامك السابقة في مثل سواد الليل فبعد أن تتوب ستكون أيامك مشرقة أكثر من إشراق الشمس في الظهر.

تتجسس حولك وتضطجع أمناً= بسبب عدم الأمان في تلك الأيام كان الرجل يطمئن بأن يتجسس المكان حوله قبل أن ينام لعله يجد عدواً كامناً. وإذا كان الله معنا ونشعر بهذا ننام آمنين. ولن نشعر بوجود الله معنا إلا لو كنا في حالة توبة.

وتربض وليس من يزعج= وترقد حسب الترجمة الإنجليزية. أي تنام آمناً ولا من يضايق ويتضرع إلي وجهك كثيرون= إن كان قد إزدري بك من قبل كثيرين، فبعد ان يتغير الحال سيأتي إليك كثيرون يستعطفونك.

وكلام صوفر هنا رائع عن التوبة وهكذا قال الكتاب "إرجعوا إلي أرجع إليكم" زك 3:1 أما عيون الأشرار فتتلف= هنا تحذير لأيوب حتي لا يرفض التوبة. ومناصهم يبيد من كثرة الضيقات لن يجدوا المهرب منها. ورجاؤهم تسليم النفس= من كثرة ضيقهم سيترجون الموت. ولنلاحظ أن الأبرار لهم رجاء والرجاء يعطي حياة. بينماالأشرار يكون رجاؤهم تسليم النفس. وعندما تفارق الروح الجسد يموت الجسد وبالمثل عندما يفارق الرجاء النفس، تموت النفس، فيشتهي الإنسان الموت ويكون الموت رجاؤه.


 

الإصحاح الثاني عشر

في الإصحاحات (12-14) نجد رد أيوب علي صوفر. وهو أولاً يناقش أصحابه ثم يعاتب الله علي تركه في هذه الألام. وإعتراضه علي أصحابه منصب علي فكرتهم بأن لا آلام للبار

الأيات 1-5:- "فاجاب ايوب وقال، صحيح انكم انتم شعب ومعكم تموت الحكمة، غير انه لي فهم مثلكم لست انا دونكم ومن ليس عنده مثل هذه، رجلا سخرة لصاحبه صرت دعا الله فاستجابه سخرة هو الصديق الكامل، للمبتلي هوان في افكار المطمئن مهيا لمن زلت قدمه".

صحيح أنكم شعب= أي أنتم الأغلبية فهم 3 وأيوب 1 وهم متفقين معاً علي إدانته. وهو هنا يسخر منهم بسبب غرورهم وإدعائهم الحكمة وتصورهم أن كل واحد يجب أن يخضع لحكمهم. ومعكم تموت الحكمة= وبعد أن تموتوا ستنتهي الحكمة معكم ويبقي العالم في ظلام الجهل. ولكن لتعلموا فأنا أفهم مثلكم ولست أنا دونكم. بل هناك كثيرين ولست وحدي الذي لي الحكمة بل من ليس عنده مثل هذه= أي من الذي لا يعرف ما قلتموه (كثيراً ما نقع في غوآية أننا وحدنا الذين نفهم كما وقع في هذا أصحاب أيوب) ثم يشتكي أيوب من الإزدراء الشديد الذي عاملوه به= رجلاً سخرة لصاحبه صرت= حتي أصحابي الذين هم أنتم صرت لكم سخرية، حقاً هم أتوا لتعزيته ولكنهم قالوا كلاما فظيعاً. وما زاد في أحزان أيوب أن من يسخر منه هم أصحابه وهم رجال متدينين= دعا الله فإستجابه= كانوا يصلون وصلواتهم مستجابة. والإهانة إذا صدرت من رجل من رجال الله تصبح فظيعة. ثم يعزي نفسه بأن هذا يحدث دائماً= سخرة هو الصديق الكامل فكثيرون يسخرون منه لكماله وقداسته (وهذا ما حدث مع المسيح القدوس) وهكذا كان نصيب القديسين والشهداء سخرية الجهلاء والوثنيين الذين إضطهدوهم.

للمبتلي             هوان في أفكار المطمئن          مهيأ لمن زلت قدمه         وفي ترجمة اليسوعين

حق البائس        في رأي المسعود الإهانة         فهي مهيأة (معدة) لمن زلت قدمه. والمعني أن كل من هو في رخاء وحالته منتعشة مستعد دائماً أن يلحق الإهانة بالشخص البائس الذي تصيبه مصيبة كقوله "هو يستحق أكثر من هذا بسبب خطيته. "

الأيات 6-11:- "خيام المخربين مستريحة والذين يغيظون الله مطمئنون الذين ياتون بالههم في يدهم، فاسال البهائم فتعلمك وطيور السماء فتخبرك، او كلم الارض فتعلمك ويحدثك سمك البحر، من لا يعلم من كل هؤلاء ان يد الرب صنعت هذا، الذي بيده نفس كل حي وروح كل البشر، افليست الاذن تمتحن الاقوال كما ان الحنك يستطعم طعامه".

أيوب هنا يدحض نظرية أصحابه، فهم قالوا "عيون الأشرار تتلف 20:11 وأيوب هنا يحاول أن يثبت العكس أن القوي يأكل الضعيف، وهذا واضح حتي في عالم الحيوان والطيور والأسماك، والله لا يتدخل ليحمي الضعفاء. وهو يريد أن يثبت أن البار مثله ممكن أن يعاني من شر الأشرار وهو برئ. فالحمامة البريئة يلتهمها النسر الظالم. خيام المخربين مستريحة= في الترجمات الأخري ترجمت كلمة المخربين باللصوص. ولعله هنا يشير للسبئيين والكلدانيين الذين سلبوا ثروته ويعيشون في إطمئنان. الذين يأتون بإلههم في يدهم= أي يشعرون أن إلههم قوة يدهم، وإتكالهم هو علي يدهم القوية أو سيوفهم التى في أياديهم. ثم يلجأ لعالم الحيوان ليثبت أن القوي يلتهم الضعيف، بل هو نسب هذا لسطان الله المطلق فقال من لا يعلم أن يد الرب صنعت هذا. ولكن لنعلم أن بسبب الخطية صار هذا التخريب حينما لعنت الأرض. ولنري مثال: قبل المسيحية أي قبل إيمان روما بالمسيحية كان الرومان كذئاب والمسيحيين كحملان. ومن الطبيعي أن يلتهم الذئب الحملان وهذا ما حدث في عصور الإضطهاد. ودخلت المسيحية إلي روما وتحول الذئاب لحملان وعاشوا في محبة ورأينا كيف أن الذئب والخروف يسكنان معاً أش 6:11. الذي بيده نفس كل حي= هنا هو يعزو كل شئ لملكية الله للخليقة فهو له السلطان المطلق. أفليست الأذن تمتحن الأقوال كان بلدد قد قال إسأل الأباء (8:8). هنا أيوب يقول أنا أخذ منهم ما يمكن أن أقبله، فأنا أسمع كل شئ وأمتحنه. وإسمعوا أنتم أيضاً كلامي وتذوقوه ثم أحكموا هل صالح أم لا.

 

الأيات 12-25:- "عند الشيب حكمة وطول الايام فهم، عنده الحكمة والقدرة له المشورة والفطنة، هوذا يهدم فلا يبنى يغلق على انسان فلا يفتح، يمنع المياه فتيبس يطلقها فتقلب الارض، عنده العز والفهم له المضل والمضل، يذهب بالمشيرين اسرى ويحمق القضاة، يحل مناطق الملوك ويشد احقاءهم بوثاق، يذهب بالكهنة اسرى ويقلب الاقوياء، يقطع كلام الامناء وينزع ذوق الشيوخ، يلقي هوانا على الشرفاء ويرخي منطقة الاشداء، يكشف العمائق من الظلام ويخرج ظل الموت الى النور، يكثر الامم ثم يبيدها يوسع للامم ثم يجليها، ينزع عقول رؤساء شعب الارض ويضلهم في تيه بلا طريق، يتلمسون في الظلام وليس نور ويرنحهم مثل السكران".

هنا حديث رائع لأيوب عن حكمة الله وقوته وسلطانه. وحديثه هنا بلا إنفعال ولا شكوي. بل يتكلم في حكمة يقول أنه إكتسبها من طول الأيام= عند الشيب حكمة وطول الأيام فهم. فهو يقول أنه أيضاً يعترف وهذا ما علمته له الأيام أن الله حكيم وقادر وله سلطان. عنده الحكمة= لتخطيط ما هو أفضل. والقدرة علي تنفيذ ما خطط له. هوذا يهدم فلا يبني= إذ هدم لا يستطيع أحد أن يبني. يغلق علي إنسان فلا يفتح= يغلق عليه في شدائد أو مرض فلا ينجيه إنسان، وإذا أغلق عليه في قبر فلا أمل في العودة للحياة. ونفس المفهوم نجده في رؤ 7:3. يمنع المياه فتيبس= إذا إمتنعت الأمطار يصيب الأرض الجفاف. (وهذا ما حدث أيضا في شق البحر الأحمر). ومنع المطر هو في سلطة الله وأيضا أعطاه لبعض رجاله(إيليا). والجفاف يكون قصاص من الله تث 23:28، 24. يطلقها فتقلب الأرض= هذه عقوبة من نوع آخر وهي الفيضانات المدمرة (طوفان نوح مثال). والله عنده العز= القوة والقدرة والفهم= الحكمة. وله المضِل والمضَل= الله يستخدم كل أحد لتنفيذ مقاصد عنايته الإلهية. ومن أعمال جميع الناس الله قادر ان يمجد ذاته (فهو حَمَق مشورة أختيوفل بأن قام حوشاي الأركي بتضليل إبشالوم والله تمجد في النهآية). فالقوي والجبار والمضل ليسوا مطلقو الحدود وإلا صار العالم في فوضي. بل كل عظماء الأرض وملوكه في يدي الله. يذهب بالمشيرين أسري (كغنائم حربية) وتذهب عنهم كل كرامة، حتي تثبت مشورة الله وتصبح تدابير هؤلاء المشيرين الذين قاوموا الله كلا شئ. ويحمق القضاة= (مثال:- أخيتوفل+ أش 13:19). إذا فليتضع كل إنسان أمام الله. يحل مناطق الملوك أي ينزع قوتهم. ويشد أحقاءهم بوثاق= (يهوياكين وصدقيا) اي يعاملوا كالعبيد. لأن العبيد كانوا يسيرون بأحقائهم ممنطقة. يذهب بالكهنة أسري= الكهنة هنا حسب الترجمة في الإنجليزية "أمراء" فأيام أيوب كان الكاهن هو رأس العائلة أو رئيس القبيلة أي أميرها، ولكن عموماً فلو أخطأ الكاهن فعقوبته أشد من الإنسان العادي. ينزع ذوق الشيوخ= أي فهمهم (الإنجليزية). فالشيوخ المشهورين بالحكمة، ويعتمد الناس علي حكمتهم، إذا خالفوا الله يفقدون كل حكمة. يقطع كلام الأمناء= الأمناء هنا هم الذين أؤتمنوا علي أعمال عامة. يلقي هواناً علي الشرفاء= الذي أعطاه الله شرفاً وكرامة لدي الناس، إذا أهان الله ينزع عنه كرامته. يكشف العمائق من الظلام= بكيفية عجيبة يكشف الله ما كان مختفياً ومستوراً. ويخرج ظل الموت إلي النور= يفضح الله المؤامرات التي تدبر في الظلام. يكثر الأمم= فإرادة الله خيرة وهو يريد أن يبارك. "باركهم الله قائلاً أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض" تك 28:1. ولكن إن إنحرفت هذه الأمة التي سبق الله وباركها يبيدها (أمثلة بابل واشور. . . ). يوسع الأمم= يزيد عددها وإن سارت في طريق الضلال يجليها= أي تذهب للسبي (إسرائيل ذهبت للسبي) ينزع عقول رؤساء. . . = الله يعطي حكمة للرؤساء ليقودوا شعوبهم فإن هم ضلوا وضلت شعوبهم ينزع الله حكمة وعقل الرؤساء فيصيرون في حيرة لا يدرون ما يفعلون= كمن هو في تيه بلا طريق، يتلمسون في الظلام وليس نور، ويرنحهم مثل السكران. فالرب يزعزع السماء والأرض وكل شئ. . . وسيجلس ملكاً إلي الأبد.


 

الإصحاح الثالث عشر

الأيات 1-12:- "هذا كله راته عيني سمعته اذني وفطنت به، ما تعرفونه عرفته انا ايضا لست دونكم، ولكني اريد ان اكلم القدير وان احاكم الى الله، اما انتم فملفقو كذب اطباء بطالون كلكم، ليتكم تصمتون صمتا يكون ذلك لكم حكمة، اسمعوا الان حجتي واصغوا الى دعاوي شفتي، اتقولون لاجل الله ظلما وتتكلمون بغش لاجله، اتحابون وجهه ام عن الله تخاصمون، اخير لكم ان يفحصكم ان تخاتلونه كما يخاتل الانسان، توبيخا يوبخكم ان حابيتم الوجوه خفية، فهلا يرهبكم جلاله ويسقط عليكم رعبه، خطبكم امثال رماد وحصونكم حصون من طين". هذا كله رأته عيني= أي أنا أؤمن بكل ما قلته سابقاً عن عظمة الله وإختبرته. ولكني أريد أن أكلم القدير= أنا لا أستريح في الكلام معكم فيا ليتني أجد الحرية أن أحاكم إلي الله= فالله لن يقسوعليَ مثلكم. أما أنتم فملفقو كذب= من هنا يتهم أيوب أصحابه بأنهم يدافعون عن الله بطريقة ظالمة لأنهم إنما يخافونه مثل من يدافع عن رجل قوي لخوفه من بطشه. ثم يقول أنه من الأفضل أن يعارض الله وهو مخلص له في محبته عن أن يرائي مثلهم. فهم يتهمون أيوب كذباً وظلماً ليبرروا الله، والله لا يحتاج لهذا الظلم منهم ليتبرر. وإن أدعوا أنهم يعزونه وكأطباء يعالجون آلامه فهم أطباء بطالون فهل إتهام الشرفاء كأيوب يعالجهم أو يعزيهم. وأيوب ينصحهم بأن يصمتوا صمتاً ليخفوا جهلهم. وكان منطق أيوب أتقولون لأجل الله ظلماً= الله لا يحتاج لمحامين مثلكم، هل تتصورون أن عدل الله غير ظاهر فتحاولون إظهاره. أتحابون وجهه= حق الله وعد له ظاهرين جداً ولا يحتاج الله لمثل هذه الطرق. هنا أيوب يقنعهم أنهم بأسلوبهم هذا إنما يسيئون لله، بينما هم يتصورون أن لهم الشرف في الدفاع عن الله. وإن صمتم إلي الأبد فستعلن السماء بره. ولنلاحظ أن النية الطيبة لا تبرر الكلمات الرديئة ولا الأعمال الردئية. ويخيفهم من أن الله لو فحصهم لوجدهم غشاشين= أخير لكم أن يفحصكم أن تخاتلونه¨= هل تحتملون فحص المبادئ التي تسيرون بموجبها في مناقشتكم معى من المؤكد لو فحص الله قلوبكم سوف يوبخكم توبيخاً فهو لن يرضي بما تفعلونه بي. ولذلك يحذرهم فهلا يرهبكم جلاله. وذلك حتي يكفوا عن أحاديثهم المثيرة في محاولة إدانته. أحاديثهم التي شبهها بأنها رماد، أحاديث تافهة ولا قيمة لها. وحصونكم حصون من طين= أي أفكاركم ومبادئكم التي تتحصنون بها في مناقشاتكم هي لا شئ.

الأيات 13-22:- "اسكتوا عني فاتكلم انا وليصيبني مهما اصاب، لماذا اخذ لحمي باسناني واضع نفسي في كفي، هوذا يقتلني لا انتظر شيئا فقط ازكي طريقي قدامه، فهذا يعود الى خلاصي ان الفاجر لا ياتي قدامه، سمعا اسمعوا اقوالي وتصريحي بمسامعكم، هانذا قد احسنت الدعوى اعلم اني اتبرر، من هو الذي يخاصمني حتى اصمت الان واسلم الروح، انما امرين لا تفعل بي فحينئذ لا اختفي من حضرتك، ابعد يديك عني ولا تدع هيبتك ترعبني، ثم ادع فانا اجيب او اتكلم فتجاوبني".

 نجد أيوب هنا يتمسك بكماله بشدة. بل عزم علي التمسك علي الدفاع عن كماله مهما حدث له= وليصبني مهما أصاب= أي حتي لو زادت ألامي، أو حتي زدتم أنتم في إتهاماتكم. لماذا آخذ لحمي بأسناني وأضع نفسى في كفي= لو لم أتكلم وأدافع عن نفسي سأنفجر من الغيظ، فأنا أتألم وأنا أشعر أنني برئ ولا أستحق هذا الألم بالإضافة لما تفعلونه بي من إتهامات لي بالشر، فإذا لم أتكلم سأكون كمن سينفجر وعبر عن هذا بقوله آخذ لحمي بأسناني أي أنهش لحمي. وقوله أضع نفسي في كفي أي سأختنق إن لم أتكلم. هوذا يقتلني، لا أنتظر= في (اليسوعية) إنه ولو قتلني أبقي أملاً له، وفي (الإنجليزية) أبقي واثقاً فيه. وهذا تعبير عن إيمان قوي، فأيوب يقول حتي لو كان الله سيقتلني سأبقي علي صداقته ومحبته واثقاً فيه وكل ما سأعمله أن أظهر له أنني لم أخطئ في حقه= فقط أزكي طريقي قدامه. فهذا يعود إلي خلاصي= ربما كان المزاج العام لأيوب هو اليأس المطلق، ولكن في بعض الأحيان تشع بعض الكلمات التي تدل علي الرجاء، مثل هذه، ومعناها أنني ببري وثباتي علي محبة الله قد أحصل علي خلاص من ألامي. وهو يعرف أن الفاجر لا يمكن أن يتبرر أمام الله أو يكون له خلاص= الفاجر لا يأتي قدامه. وأيوب يري أنه واثق من بره فهو لا يخشي أن يأتي أمام الله. ثم يؤكد أنه بار وإذا أثبت له أحد أنه خاطئ فسوف يسكت ولا يتكلم إلي الأبد= من هو الذي يخاصمني(يثبت أنني شرير) أذا استطاع أحد إثبات شري= أصمت الآن وأسلم الروح. ثم أعلن أنه يريد أن يبحث قضيته مع الله نفسه كما قال من قبل "أريد أن احاكم إلي الله". لا أختفي من حضرتك= أي أن أيوب لا يتنازل عن المحاكمة أمام الله ولا يخشي من نتيجتها ولكن تحت شرطين= وإنما أمرين لا تفعل بي

1) ابعد يديك عني= أي لا تعذبني بهذه الآلام المبرحة فلا أستطيع الكلام هكذا.

2) لا تدع هيبتك ترعبني= أي لا تظهر أمامي بجبروتك وعظمتك فأنا لا أحتمل. وهذا ما قاله شعب إسرائيل بعد هذا في البرية لموسي خر 19:20. والله وافق علي قول الشعب (راجع تث 16:18، 17) وكان الحل أن يأتي المسيح وهذا ما وعد الله به موسي (تث 15:18-18). والمسيح بلاهوته المتحد بناسوته كان معنا على الأرض والناس كلموه ولم يرتعبوا منه فهو كان قد أخلي ذاته. والمسيح أيضاً رفع عنا عقوبة الله إذ صالحنا مع الله. فهو وحده الذى من خلاله تحقق شرطى أيوب وكان الشرطان حتى يتم الحوار مع الله ادعُ فأنا أجيب الله يتكلم وأيوب يجيب. أتكلم فتجاوبني= ثم يتكلم أيوب والله يجاوبه. وهذا الحوار ما كان ممكناً بدون المسيح وتجسده. وكانت هذه شهوة النفس البشرية أن يتجسد المسيح فيتم هذا الحوار. وعبر عن هذا سليمان النبي في نش 1:8

الأيات 23-28:- "كم لي من الاثام والخطايا اعلمني ذنبي وخطيتي، لماذا تحجب وجهك وتحسبني عدوا لك، اترعب ورقة مندفعة وتطارد قشا يابسا، لانك كتبت علي امورا مرة وورثتني اثام صباي، فجعلت رجلي في المقطرة ولاحظت جميع مسالكي وعلى اصول رجلي نبشت، وانا كمتسوس يبلى كثوب اكله العث".

 هنا أيوب يطلب من الله أن يكشف له خطاياه والتي بسببها يعاقب. فأصحابه يدينونه ولكن ليس بحسب الحق، أما الله فيدين بالحق. ويشكو بمرارة من إبتعاد الله عنه= لماذا تحجب وجهك. والله لا يحجب وجهه عن إنسان إلا بسبب الخطية. فإذا شعر إنسان بهذا عليه أن يبحث عن خطيته التي أغضب بها الله لا أن يخاصم الله. والمسيح حمل حتي هذا الغضب الإلهي عنا "إلهي إلهي لماذا تركتني". ويتضع أيوب أمام الله قائلاً أنا لا شئ. أترعب ورقة مندفعة= هذا إعتراف بالعجز الكامل أمام الله. ولكن أيوب يعتقد أن الله قسا عليه لأنك كتبت علي أموراً مرة. ولما لم يجد أيوب في حاضره خطايا تستحق هذا المرار تصور أن الله يعاقبه علي خطايا إرتكبها وهو صغير وورثتني أثام صباي. ويصور قسوة عقوبة الله ضده= جعلت رجليَ في المقطرة والمقطرة أداة تعذيب وتشهير وإهانة فالمتهم يربطونه من يديه وقدميه أمام الناس ويشهرون به ليهزأ به المارة. ولاحظت جميع مسالكي= أي أنت يارب تتبع كل زلة لكي تؤدبني عليها. علي أصول رجلي نبشت= كانوا في القديم يلبسون العبيد خلخال به علامة سيده حتي لا يهرب، وهنا أيوب يشتكي أن الله يتابعه فلا يستطيع الهرب من خطاياه القديمة (التي ينبش الله ليجدها) ولا من عقوبات الله المفروضة عليه. والصحيح أن الله إن كان ينبش علي خطايا إنسان لما ثبت إنسان قدامه. وأنا كمتسوس يبلي= أسير نحو الفناء تحت يد الله الثقيلة. كثوب أكله العث= يسير من فساد إلي فساد.


 

الإصحاح الرابع عشر

يستمر أيوب هنا في التحدث مع الله، ومناجاة نفسه

الأيات 1-6:- "الانسان مولود المراة قليل الايام وشبعان تعبا، يخرج كالزهر ثم ينحسم ويبرح كالظل ولا يقف، فعلى مثل هذا حدقت عينيك واياي احضرت الى المحاكمة معك، من يخرج الطاهر من النجس لا احد، فاقصر عنه ليسترح الى ان يسر كالاجير بانتهاء يومه، فاقصر عنه ليسترح الى ان يسر كالاجير بانتهاء يومه".

 الإنسان. . . قليل الأيام= فالإنسان ضعيف يتألم علي الأرض لفترة قليلة ثم يموت. أما الذي ولد من الله فله حياة أبدية. يو 13:1. ولاحظ قوله قليل الأيام فلأن الحياة قصيرة يقيسها بالأيام وليس بالسنين. أما في السماء فحياتنا أبدية وبلا ألام. يخرج كالزهر ثم ينحسم= هذه هي طبيعة الحياة البشرية، يولد الإنسان كزهرة ثم سريعاً ما يذبل (ينحسم= يقطع). ويبرح كالظل= الظل يسير بسرعة، ولا يترك وراءه أثراً. فعلي مثل هذا حدقت عينيك= هل تحضرني أنا الإنسان التافه للمحاكمة معك. من يخرج الطاهر من النجس. لا أحد= إن كان الإنسان يولد من إمرأة خاطئة فهل يمكن أن يولد طاهر من أم خاطئة نجسة "بالخطايا ولدتني أمي" وهذا معني أننا نرث الخطية الأصلية (خطية أبوينا الأولين). ولا أحد يمكنه أن يجعل مولوداً طاهراً، لكن الروح القدس كوَن جسداً طاهراً في بطن العذراء، جسد المسيح الذي صار خطية ليحمل خطايانا، ونولد طاهرين من أم طاهرة هي الكنيسة ومن الروح القدس بالمعمودية. ولكن معني كلام أيوب هنا، يارب أنت تعرف ضعف طبيعتي فلا تحاسبني علي خطاياي بهذا الشكل، فأنا خاطئ بطبيعتي. إن كانت أيامه محدودة= الله حدد أعمار كل البشر. والله يعرف أن أيام الإنسان قليلة، فهل تسمح يارب بأن يقضي الإنسان أيامه القليلة في عذاب خاصة لو كان باراً مثلي. فأقصر عنه= أرفع هذه الألام. وحول نظرك عن تعذيب شخص ضعيف مثلي. إسمح لهذا الإنسان الضعيف أن يلتقط أنفاسه إلي أن يسر كالأجير بإنتهاء يومه= أي إمنحني فرصة لإلتقاط الأنفاس قبل أن أموت. وهنا نلاحظ شعاع من رجاء في أجر سماوي بعد الموت فهو يصور حياة الإنسان هنا كيوم الأجير، بعد أن ينتهي يومه يحصل علي أجرته.

الأيات 7-15:- "لان للشجرة رجاء ان قطعت تخلف ايضا ولا تعدم خراعيبها، ولو قدم في الارض اصلها ومات في التراب جذعها، فمن رائحة الماء تفرخ وتنبت فروعا كالغرس، اما الرجل فيموت ويبلى الانسان يسلم الروح فاين هو، قد تنفد المياه من البحرة والنهر ينشف ويجف، والانسان يضطجع ولا يقوم لا يستيقظون حتى لا تبقى السماوات ولا ينتبهون من نومهم، ليتك تواريني في الهاوية وتخفيني الى ان ينصرف غضبك وتعين لي اجلا فتذكرني، ان مات رجل افيحيا كل ايام جهادي اصبر الى ان ياتي بدلي، تدعو فانا اجيبك تشتاق الى عمل يدك".

 فكرة القيامة بعد الموت غير واضحة عند القدماء. وأيوب هنا يقول أن الشجرة لها أمل، فحتي أن قطعت (جزء من جسمها) تخلف أيضا= تنبت ثانية أغصاناً صغيرة. ولا تُعدم خراعيبها= الخراعيب هي الأغصان. والشجرة سيكون لها ثانية أغصان نابتة من الجذع الموجود في الأرض. ومهما بدا أن الشجرة ذبلت وماتت= ولو قدُم في الأرض أصلها= ومهما كان عمرها. فلها رجاء في خروج أغصان جديدة. فمن رائحة الماء تفرخ= فالموت هو إنقطاع الماء عن الشجرة. أما الرجل فيموت ويبلي= يموت ويتحول جسده إلي تراب ولا رجاء له في عودة أخري بعكس الشجرة. ولكن بعد المسيح تغير المفهوم. فهناك شجرة قطعت هي شجرة عائلة داود ولكن نبت غصن منها هو المسيح إبن داود. (أش 1:11) وهذا رمز لما حدث لكل البشرية، التي كانت الشجرة الأصلية التي قطعت بالموت، حتي خرج منها غصن ليحييها ثانية. وكيف عادت الحياة لشجرة أيوب؟ بالماء آية (9). وكيف عادت الحياة للإنسان؟ كان هذا بالروح القدس الذي إنسكب علي الكنيسة بإستحقاق دم المسيح، والروح القدس رمزه الماء الذي أحيا الشجرة المائتة القديمة التي قدُم في الأرض أصلها ومات في التراب. وشرح بولس الرسول الموت الآن بأنه البذرة (الجسد الميت) التي توضع في التراب حتي تكون هناك شجرة (1كو 35:15-38) وهذا بسبب حياة المسيح التى فيه. قد تنفذ المياه من البحرة= البحرة هي مستنقع الماء المنخفص عن الأرض. وهنا يشبه أيوب حياة الإنسان بالمياه التي تطفو فوق الأرض، سرعان ما تجف ويبتلعها التراب ثانية. هكذا الإنسان يضطجع ولا يقوم والنهر هنا. . . النهر ينشف ويجف= ليس نهر كبير كنهر النيل ولكنه ما سبق وأسماه غدير (أي 15:6). والآية (12) لا يستيقظون حتي لا تبقي السموات= حسب الترجمة اليسوعية الإنسان يضجع فلا يهب إلي أن تزول السموات¨. أي هو موت نهائي بلا أمل في رجوع، حتي لو زالت السموات¨. وعاد بعد ذلك أيوب يطلب الموت= ليتك تواريني الهاوية*= هو يطلب مخبأ في القبر من عذاب آلامه. والهاوية تعني في نظر الأقدمين المكان الذي يذهب له الأموات. وهناك مكانين كهاوية، أولهما للأبرار وثانيهما للأشرار ولكن الأشرار في الهاوية الخاصة بهم لا صلة بينهم وبين الله أو بين الأبرار في هاويتهم. وتخفيني إلي ينصرف غضبه*= أيوب يتصور أن الله في غضبه جلب عليه كل هذه الآلام، وهنا يطلب منه أن يكمل غضبه بأن يميته حتي ينصرف غضبه. ونحن نعلم أن الموت هو آخر عدو يبطل وطالما نموت فهناك غضب. فوجود أجساد القديسين في القبور معناه أن هنالك بقية من الغضب الذي كانوا أبناء له بالطبيعة، وهنالك يبقون خاضعين لبعض نتائج الخطية، ولكن عندما يقوم الجسد ينتهي كل غضب الله، حين ينتهي آخر عدو ويبطل. وتعين لي أجلاً فتذكرني*= كما ذكر نوح في الفلك الذي خبأه الله فيه، ليس فقط لإهلاك العالم القديم، بل حفظه فيه لإعداد عالم جديد وهنا نجد إشراقة ثانية في إيمان أيوب بحياة بعد الموت فيها يذكر الله أيوب بعد أن عاقبه علي خطاياه [أيوب إذا عبر في كلامه عن فناء الإنسان بعد الموت يكون متكلماً بلسان الإنسان أيوب الذي هو محدود في معلوماته، وإن نطق بأقوال نجد فيها رجاء القيامة يكون الروح القدس هو الذي ينطق علي لسانه لتكون كلماته كنور يشرق في ظلمات العهد القديم، فيري الناس بصيصاً من ضوء يعزيهم بأن هناك رجاء في حياة بعد الموت. ولولا هذه الكلمات وأمثالها ما فهم الفريسيين أن هناك قيامة]

إن مات رجل أفيحيا= هذا تساؤل من عقل إلتبس عليه الفهم، فأيوب لم يري في حياته رجل قام بعد أن مات. لكنه يشعر بإيحاء من الله أن هناك رجاء في ذلك وهو لا يفهم كيف. كل أيام جهادي أصبر إلي أن يأتي بدلي= هو تساءل مثلاً إن مات رجل أفيحيا، وهو هنا يقول لو ثبت هذا لكنت أصبر إلي أن يتبدل حالي من حال الشقاء الذي أعاني منه الأن إلي حال المجد الذي أنتظر أن أجده بعد ذلك. والمسيح أجاب هذا السؤال قائلاً "من آمن بي ولو مات فسيحيا يو 25:11 وهذا الإيمان الراسخ بالقيامة الأن هو الذي يدفع القديسين علي إحتمال آلامهم بصبر ويدفع الشهداء علي إحتمال عذاباتهم بصبر. أما أيوب فكان في مرحلة التساؤل؟ هل ما أشعر به بأن هناك تبديل لحالي بعد الموت، هل هذا الشعور حقيقة أم خيال؟! إذا كان حقيقة فبالتأكيد سوف أصبر. وحين وصل أيوب لهذا صرخ بفرح تدعو فأنا أجيبك= إن كنت ستبدل حالي فأنا أجيبك إلي أي مكان تأخذني إليه، إذا سمحت بألم أو موت فأنا مستعد أن أجيبك إلى أى مكان تأخذنى إليه، إذا سمحت بألم أو موت فأنا مستعد أن أجيبك. ولقد توصل أيوب لهذا بعد أن شعر بصوت في داخله يكلمه عن محبة الله وإشتياقه له= تشتاق إلي عمل يدك ولنلاحظ تضارب المشاعر داخل نفس أيوب، فالله لم يتركه في ضيقته بل كان يعطيه مشاعر معزية أبوية وأن الله فى إشتياق إليه، ومن ناحية أخرى كان إبليس يصيب أيوب بضربات متلاحقة ويُصور له قسوة الله وتخليه. وكم من مرة كان الله يريد أن يغمرنا بمشاعر محبته الأبوية في ضيقتنا ونحن نرفض بسبب إصرارنا علي أن الله سبب مصائبنا فنخاصمه، فنحرم أنفسنا من تعزياته أثناء ضيقنا.

الأيات 16-22:- "اما الان فتحصي خطواتي الا تحافظ على خطيتي، معصيتي مختوم عليها في صرة وتلفق علي فوق اثمي، ان الجبل الساقط ينتثر والصخر يزحزح من مكانه، الحجارة تبليها المياه وتجرف سيولها تراب الارض وكذلك انت تبيد رجاء الانسان، تتجبر عليه ابدا فيذهب تغير وجهه وتطرده، يكرم بنوه ولا يعلم او يصغرون ولا يفهم بهم، انما على ذاته يتوجع لحمه وعلى ذاتها تنوح نفسه".

 قلنا أن مشاعر أيوب كانت متضاربة مثل كل واحد منا في ضيقته وللأسف إستجاب لصوت إبليس، وعاد يكرر الشكوي من الله ثانية. وبهذا خسر صوت التعزية الذي كان قد بدأ يسمعه، وعاد يتألم ويصرخ ثانية. هو شئ يدعو للأسف أن الله كان يحيطه بهذه المشاعر، مشاعر إشتياق الله له ثم يستجيب لصوت التذمر علي الله ثانية. أما الأن فتحصي خطواتي= لتجد لي خطية

ألا تحافظ علي خطيتي= ترصد خطاياي (الترجمة اليسوعية والإنجليزية) معصيتي مختوم عليها في صرة= أنت حفظت خطاياي السابقة والحالية ووضعتها في صرة، كا يحفظ دليل الإتهام ضد المجرم. وتلفق عليَ فوق إثمي= أي بعد أن وضعت خطاياي في صرة خَيَطت عليها حتي لا تضيع خطية. والمعني أنك لا تقبل أن تغفر أبداً بل تعاقب علي كل خطية وتحاسبني علي كل شئ. وحسناً فعل أيوب هنا حين إعترف بأن له خطايا يمكن أن يعاقب عليها، ولكنه أساء إلي صلاح الله إذا حسبه قاسياً مترصداً لكل خطية رافضاً أن يغفر وهو لم يعرف أن الله يعاقبنا، إن عاقب، بأقل مما نستحق وحفظ العقوبة كلها لتقع علي المسيح، وأما ما يسمح به ضدنا فهو للتأديب فقط. وتصل قمة غضب أيوب للآية 18، 19. فإذا بدأ الإنسان الشكوي والتذمر لا يوقفه شئ وقد يصل الأمر للصدام مع الله كما حدث هنا. فأيوب قال هنا كلام في منتهي القسوة عن الله "أنت تبيد رجاء الإنسان. . . تتجبر عليه أبداً فيذهب. . . وأن الله في قسوته يبيد رجاء الإنسان كما لو كان غضبه سيول تجرف تراب الأرض. هو هنا ينظر لثروته التي ذهبت نتيجة غضب الله (في نظره) وقال أن غضب الله أضاع كل رجائي (ثروتي/ أولادي/ صحتي. . . كل ما كان لي). والله عمل ما عمله بتجبره بلا رحمة. فلو كنت جبلاً لما إحتملت، ولو كنت صخراً لكانت مياه الآلام التي أصابتني قد جعلت هذا الصخر يبلي ويتزحزح عن مكانه. . . إن الجبل الساقط ينتثر= أي كما يتفتت الجبل الساقط ويبلي الحجر، هكذا ما حدث لي. تغير وجهه وتطرده= لقد غضبت عليَ يارب فغيرت وجهي (حتي أصحابه لم يعرفوه من نتائج مصائبه). ثم تطرده من هذا العالم نهائياً. يكرم بنوه ولا يعلم أو يصغرون ولا يفهم بهم. إنما علي ذاته يتوجع من شدة الألم الذي يلحق بالإنسان الذي يغضب الله عليه يتوجع، ولا ينشغل بشئ حوله سوي ألمه، فإن أكرم أحد بنيه لن يفرح بسبب غمه، وإن أهان أحد بنيه فلن يغتم بأكثر مما هو مغتم، فغمه وصل إلي حد التشبع.


 

الإصحاح الخامس عشر

أنه لأمر طبيعي أن يعجب كل منا بأرائه، ولذلك يتمسك بها، ولا يتنازل عنها إلا بصعوبة شديدة. وبعد أن إنتهي أيوب من كلامه تصور أليفاز أن أيوب رفض منطقه، فإنهال عليه بصورة أصعب. والعجيب أنه إعتبر أن كلامه في المرة الأولي كان كلاماً بالرفق وكلام تعزية، وما دام أيوب لم يستجيب لكلام التعزية، فليوجه له أليفاز كلاماً شديداً. وبينما يقول الله "عزوا عزوا شعبي" أي أن عمل خدام الله تعزية الناس المتألمين نجد هنا أليفاز يكيل الهجوم علي أيوب المسكين. وفي كلام أليفاز كلام حكيم يمكن الإستفادة منه كثيراً ولكن تطبيقه علي أيوب خطأ، فهو نسب إليه شروراً دون وجه حق. وكالعادة يطالبه بالتوبة قبل ضياع الفرصة.

الأيات 1-6:- "فاجاب اليفاز التيماني وقال، العل الحكيم يجيب عن معرفة باطلة ويملا بطنه من ريح شرقية، فيحتج بكلام لا يفيد وباحاديث لا ينتفع بها، اما انت فتنافي المخافة وتناقض التقوى لدى الله، لان فمك يذيع اثمك وتختار لسان المحتالين، ان فمك يستذنبك لا انا وشفتاك تشهدان عليك".

العل الحكيم يجيب عن معرفة باطلة= أي إذا كنت حكيماً فعلاً، هل تتصور أن إنسان حكيم يجيب علي أسئلتنا ومنطقنا السليم، وأفكاره باطلة جوفاء، وأليفاز في كبريائه تصور أن أيوب طالما إختلف معه فكل ما يقوله أيوب صادر عن حكمة تافهة عنده، فأليفاز يظن أن حكمته لا مثيل لها. ويملأ بطنه من ريح شرقية= هذه إهانة جديدة لأيوب معناها أن كلماته فارغة بلا قيمة كالهواء (الريح) بل هي مضرة فالريح الشرقية ريح ساخنة جداً تضر بالزروع. أما أنت فتنافي المخافة. وتناقض التقوي لدي الله= وهذا إتهام لأيوب معناه أن أيوب يدعو لعدم مخافة الله وللإمتناع عن التقوي. وقد يكون أليفاز تصور هذا من قول أيوب أن الشرير يري أياماً سعيدة وأن خيام المخربين مستريحة، ويمكن أن أليفاز فهم أن أيوب قصد أنه لا شئ يمنع الناس عن الشر. وبهذا يكون أيوب قد شهد علي نفسه بأنه شرير= لأن فمك يذيع إثمك. وربما فهم أليفاز هذا من كلام أيوب الصعب السابق ضد الله. بل إتهم أليفاز أيوب بأنه غشاش إختار لسان المحتالين= فهو في بعض كلامه يشهد لله ولكن قلبه مملوء إثماً. ولكن أليفاز لم يعترف بأنه هو وزميلاه أثاروا أيوب حتي فَرَط بشفتيه بكلمات متذمرة عن الله.

الأيات 7-11:- "اصورت اول الناس ام ابدئت قبل التلال، هل تنصت في مجلس الله او قصرت الحكمة على نفسك، ماذا تعرفه ولا نعرفه نحن وماذا تفهم وليس هو عندنا، عندنا الشيخ والاشيب اكبر اياما من ابيك، اقليلة عندك تعزيات الله والكلام معك بالرفق".

سبق أيوب وقال لي " لي فهم مثلكم" (12: 3) فإتخذ أليفاز هذا الكلام حجة ضد أيوب بل أساء تفسيره، فهو تصور أن أيوب يدعي بأنه أحكم من أي إنسان فرد عليه بقسوة.

أصُوِرت أول الناس= هناك رأي للقدماء بأن آدم أول المخلوقات كان له حكمة إلهية فهل أنت يا أيوب هو آدم أو مثله، أو يفهم هذا كالأتي، أن الحكمة تزيد من السن فكلما زاد عمر الإنسان زادت حكمته، فهل أنت يا أيوب أول من خلقه الله فصرت أحكم الناس. أم أبدئت قبل التلال= حتي السخرية تزيد فالتلال أقدم من آدم عمراً بكثير، بل هي أقدم شئ علي الأرض. وفي سخرية أشد يقول هل تنصت في مجلس الله= أي ربما حكمتك التي تتباهي بها يا أيوب راجعة لأنك تدخل مجلس الله وتتعلم من هناك حكمة لا نعرفها نحن. عندنا الشيخ والأشيب= لا تظن نفسك أكثر حكمة منا فنحن لنا حكمة أكثر منك فعندنا شيوخ حكماء، بل هم أكبر أياماً من أبيك فكيف تدعي أنت أنك أكثر حكمة. أقليلة عندك تعزيات الله= هو تصور أن كلامه السابق كلام معزي أرسله الله علي لسانه. والكلام معك بالرفق= وتصور أليفاز أن كلامه المعزي السابق كان بالرفق.

الأيات 12-16:- "لماذا ياخذك قلبك ولماذا تختلج عيناك، حتى ترد على الله وتخرج من فيك اقوالا، من هو الانسان حتى يزكو او مولود المراة حتى يتبرر، هوذا قديسوه لا ياتمنهم والسماوات غير طاهرة بعينيه، فبالحري مكروه وفاسد الانسان الشارب الاثم كالماء".

لماذا يأخذك قلبك= (لماذا يستهويك قلبك حسب اليسوعية والإنجليزية) لماذا أنت معجب بنفسك وبأرائك. ولماذا تختلج عيناك= أي علي أي شئ تغمز عيناك أي لماذا لا تبالي بالكلام الذي تسمعه كأنك أرفع من أن تنتبه إليه. حتي ترد علي الله= (حتي يهيج علي الله روحك بحسب اليسوعية والإنجليزية). أليفاز إعتبر الكلام الذي قاله أيوب سابقاً هو تحد لله وهياج عليه. ثم يبين له أن الإنسان مهما كان أحقر من أن يتحدي الله من هو الإنسان حتي يزكو= يزكو أي يكون نقياً أو طاهراً (الإنجليزية)

هوذا قديسوه لا يأتمنهم= أي لا يأتمنهم علي خدمة دون أن يمدهم بقوة جديدة وحكمة جديدة، والله لا يأتمن ملائكته علي إدارة شئون العالم، بل هو يعطيهم أوامر محددة ينفذونها. والسموات غير طاهرة بعينيه= مهما بدت طاهرة في أعيننا. أي أن الموضوع نسبي، فالسموات أطهر من البشر بما لا يقاس فبالحري مكروه وفاسد الإنسان. لكن هذه السموات إذا قورنت بالله القدوس تكون غير طاهرة. ومن فساد الإنسان أن يشرب الخطية كما لو كان إنسان في عطش وجد كوب ماء مثلج= الشارب الإثم كالماء. أى يصنع الإثم دون أى تبكيت من ضميره.

الأيات 17-35:- "اوحي اليك اسمع لي فاحدث بما رايته، ما اخبر به حكماء عن ابائهم فلم يكتموه، ما اخبر به حكماء عن ابائهم فلم يكتموه، الذين لهم وحدهم اعطيت الارض ولم يعبر بينهم غريب، الشرير هو يتلوى كل ايامه وكل عدد السنين المعدودة للعاتي، صوت رعوب في اذنيه في ساعة سلام ياتيه المخرب، لا يامل الرجوع من الظلمة وهو مرتقب للسيف، تائه هو لاجل الخبز حيثما يجده ويعلم ان يوم الظلمة مهيا بين يديه، يرهبه الضر والضيق يتجبران عليه كملك مستعد للوغى، لانه مد على الله يده وعلى القدير تجبر، عاديا عليه متصلب العنق باوقاف مجانه معباة، لانه قد كسا وجهه سمنا وربى شحما على كليتيه، فيسكن مدنا خربة بيوتا غير مسكونة عتيدة ان تصير رجما، لا يستغني ولا تثبت ثروته ولا يمتد في الارض مقتناه، لا تزول عنه الظلمة خراعيبه تيبسها السموم وبنفخة فمه يزول، لا يتكل على السوء يضل لان السوء يكون اجرته، قبل يومه يتوفى وسعفه لا يخضر، يساقط كالجفنة حصرمه وينثر كالزيتون زهره، لان جماعة الفجار عاقر والنار تاكل خيام الرشوة، حبل شقاوة وولد اثما وبطنه انشا غشا". .

 ملخص كلام أليفاز هنا أن الأشرار لابد أن يكونوا بؤساء ومن ثم لأن أيوب الأن في حالة بؤس فهو بالتأكيد شرير. أوحي إليك= إني أبين لك إسمع فأحدث بما رأيته. ما أخبر به حكماء. والمعني أن كلام أليفاز مبني علي خبرته الشخصية وخبرة الحكماء. فلم يكتموه= أخبروننا به. الذين لهم وحدهم أعطيت الأرض= أي أن الشهود الذين أخذ منهم حكمتهم هم شهود موثوق بهم، لهم مراكز رفيعة، وكانوا محبوبي السماء فأعطاهم الله أن يحكموا الأرض. ولم يعبر بينهم غريب= ليشترك معهم أو يزعجهم. وهنا أليفاز ضمنياً يعترض علي منطق أيوب بأن الأرض مسلمة ليد الشرير 24:9، لأنه هنا يجد أن الحكماء الأبرار يحكمون الأرض. وما هي الحكمة التي يريد أليفاز أن يوحي بها لأيوب الشرير هو يتلوي كل أيامه (في هذا إشارة لأيوب الذي يتلوي) وكل عدد السنين المعدودة للعاتي= كل إنسان له سنين معدودة. والعاتي أي الجبار الذي يتحدي الله، كل سنينه يتلوي. صوت رعوب في أذنيه= ربما بلا سبب قتايين فمن لا سلام في قلبه ناشئ عن سلامه مع الله يعيش حقاً في رعب وفي قلق بسبب قساوته التي إرتكبها والدماء التي سفكها، فخطايا الشرير تلاحقه. وهو يعلم أن السماء غير راضية عليه والبشر يكرهونه. بل حتي في أيام رخائه يكون في رعب من زوال هذا الرخاء= في ساعة سلام يأتيه المخرب= هذا هو الصوت المرعب في أذنيه، أن كل شئ معرض للزوال. إذا ما حل به الضيق في أي وقت فإنه ييأس من النجاة منه= لا يأمل الرجوع من الظلمة وهو مرتقب للسيف= وعينه ترقب السيف (الترجمة اليسوعية). هذا ناشئ عن الضمير الأثيم.

تائه من أجل الخبز= ربما تشير لإفلاسه حتي العوز للخبز، وربما تشير للهم الذي يحيا فيه بالرغم من ثروته، وهذا الهم يصور له أنه قد يفقد القدرة علي الحصول علي الخبز يوماً. ووهمه هذا يصور له أن يجب أن يعمل ويعمل ليزيد ثروته ولكنه لا يشبع ولا يحس بإطمئنان لأنه يعلم أن يوم الظلمة مهيأ بين يديه= لا يمكنه الإفلات منه، وهو معد له

يرهبه الضر والضيق= أي الضرر الداخلي وضيق النفس وهذا من نتائج سخط الله، لا راحة للضمير ولا سلام للنفس (وإن كانت هذه جهنم التي في داخله فماذا تكون جهنم التي تنتظره)

يتجبران عليه كملك مستعد للوغي= الضيق الداخلي عنده يكون متسيداً بل يكون كملك له جيوش تحاربه وتهزم سلامه. والسبب في كل هذا أن الشرير يتحدي الله= عادياً عليه أي يقاوم الله شخصياً، يقاوم وصاياه وأعمال عنايته. متصلب العنق= أي في عناد. وهو هنا يصف العاتي وصفاً صعباً كأنه محارب عنيد يحارب الله عادياً عليه. . بأوقاف مجانه معبأة فهو لغباوته يظن أنه قادر أن يعادي الله ويظن أن له مجان (ترس يدافع به عن نفسه) معبأ أي ترس غليظ سميك. وماذا يجعل الإنسان يصل لهذه الدرجة؟ الإجابة الترف للأسف!! قد كسا وجهه سمناً= أي قد كسا السمن والشحم وجهه. وسدوم وعمورة إنحرفوا بسبب كثرة الخيرات التي عاشوا فيها. ولكن كل ما للشرير يخرب بغتة وهذا ما حدث لسدوم وعمورة. وكل ما جمعه بشره يخرب، فالله يحول كل شئ عند الشرير إلي خراب

فيسكن مدناً خربة. . . عتيدة أن تصير رُجماً= حتي وإن بدت مزدهرة فستخرب بسبب الشر.

لا تزول عنه الظلمة= مهما حاول الهرب من هذا الخراب يفشل. خراعيبه تيبسها السموم= أي فروعه تيبسها السموم، أي كأن هناك سماً إستشري في كل ما له فيخرب. وبنفخة فمه= اي فم الله يزول هو يزول ويترك كل شئ للأخرين. أي قد تنتهي حياته بالموت" وهذه التي أعددتها لمن تكون"

لا يتكل علي السوء= هذا تحذير لكل إنسان، لأيوب من أليفاز ولكل منا، إذا كانت هذه نهآية الشرير فعلينا أن لا نتكل علي أن شرورنا ستؤدي بنا إلي أي خير. لأن السوء يكون أجرته= أجرة الشرير شر مؤكد. بل هو معرض للموت صغيراً= قبل يومه يتوفي. وسعفه لا يخضر= ربما الإشارة هنا إلي أن حتي عائلته لن تكمل أيامها. وبنفس المفهوم يساقط كالجفنة حصرمه= الحصرم هو العنب غير الناضج. والمعني ذريته ومن له يموتون في فجر حياتهم ولا يصلون إلي حد البلوغ. ومثال لخطاياهم أنه فجار مرتشين فنهايتهم سيئة


 

الإصحاح السادس عشر

الأيات 1-5:- "فاجاب ايوب وقال، قد سمعت كثيرا مثل هذا معزون متعبون كلكم، هل من نهاية لكلام فارغ او ماذا يهيجك حتى تجاوب، انا ايضا استطيع ان اتكلم مثلكم لو كانت انفسكم مكان نفسي وان اسرد عليكم اقوالا وانغض راسي اليكم، بل كنت اشددكم بفمي وتعزية شفتي تمسككم".

يرد أيوب أيضاً بأن كلامهم بلا فائدة، فلم يقل أليفاز شئ جديد= قد سمعت كثيراً مثل هذا. معزون متعبون كلكم= وليس أصحاب أيوب فقط بل كل البشر، فلا يمكن أن نجد معزي لنا في ضيقاتنا سوي الله "الروح القدس المعزي" فأصحاب أيوب بينما يظنون أنهم يعزونه أتعبوه. ماذا يهيجك حتي تجاوب= لماذا هذا العناد والإصرار علي إثبات خطيتي، ما الذي تستفيدونه من هذا. ماذا يهيجك في أني أقول أنني بلا خطية لو كانت أنفسكم مكان نفسي= أي لو بدلنا المواقف وصرتم أنتم في آلام مثلي فأنا أستطيع أن أقول كلاماً وحكمة بلا معني وأن أحتقر المتألم فيكم= وأنغض رأسى إليكم= ولكن هل هذا هو التصرف السليم. . قطعاً لا. . ولذلك ما كنت لأفعل ذلك لو تبدلت المواقف بل كنت أشددكم بفمي= أي أتكلم بأقوال معزية لتخفيف أحزانكم.

الأيات 6-16:- "ان تكلمت لم تمتنع كابتي وان سكت فماذا يذهب عني، انه الان ضجرني خربت كل جماعتي، قبضت علي وجد شاهد قام علي هزالي يجاوب في وجهي، غضبه افترسني واضطهدني حرق علي اسنانه عدوي يحدد عينيه علي. ، فغروا علي افواههم لطموني على فكي تعييرا تعاونوا علي جميعا، دفعني الله الى الظالم وفي ايدي الاشرار طرحني، كنت مستريحا فزعزعني وامسك بقفاي فحطمني ونصبني له غرضا، احاطت بي رماته شق كليتي ولم يشفق سفك مرارتي على الارض، يقتحمني اقتحاما على اقتحام يعدو علي كجبار، خطت مسحا على جلدي ودسست في التراب قرني، احمر وجهي من البكاء وعلى هدبي ظل الموت". عاد أيوب للشكوي من آلامه ربما ليحرك قلوب أصحابه فيرحموه. وهو هنا يقول أن لا الشكوي ولا السكوت يعطيانه راحة= إن تكلمت لم تمتنع كآبتي. . وإن سكت فماذا يذهب عني. وسبب شكواه أنه الله ضجره= إنه الآن ضجرني. الله هو الذي سبب كل هذا. ومن هنا بدأ يكلم الله ويوجه له كلاماً صعباً. خَرَبت كل جماعتي= أولادي وخدمي قتلوا وأصدقائي الذين كانوا يلتفون حولي تركوني. قبضت عليَ= سجنتني في ألامي. وجد شاهدٌ حالي ومنظرى، منظر جسدي المضروب ووجهي صاروا شاهد بل شهود علي غضبك عليَ. وقد يعني أيوب بأن آلامه شاهد علي أن شكواه ليست بلا مبرر. ثم يصور الله كوحش إنقض عليه ليفترسه، وهذا الوحش له أسنانه المفترسة وعيونه التي تلمع بمنظر مخيف. حَرَق علي أسنانه. عدوي يحدد عينيه عليَ. قد يكون عدوه هو أليفاز الذي يهاجمه أو الشيطان أوهو إعتبر أن الله نفسه يعاديه كوحش، وفي هذا يكون كلامه بتسرع ضد الله، فالله لا يعادي أحد من خلائقه، ولكنه في أهواله تصور هذا. فغروا عليَ أفواههم= هذا عن أصحابه الذين يتهموه بالشر. ويبدو أن الأشرار من جيرانه فرحوا ببليته إذ كان سلوكه الكامل يغيظهم، وكانت تصرفاتهم معه مهينة جداً. وفي الأيات 10، 11 نري كيف كان أيوب رمزاً للمسيح في آلامه بل تم هذا حرفياً مع المسيح مز 13:22 + مي 1:5 + مت 67:26

دفعنى الله إلي الظالم= بدلاً من أن ينقذه من أيديهم دفعه لهم. (جيرانه الأشرار أو أصحابه) ولا ندري هل فهم أيوب وقتها مؤامرات الشياطين. ولكن المهم إيمانه بأن الله ضابط الكل فقوله "دفعني الله" يعني أنه لا يفكر في أعدائه كأنهم يتصرفون من أنفسهم، بل الله فوقهم "لم يكن لك علي سلطان إن لم تكن قد أعطيت من فوق

"يو 11:19 وفي يرمز أيوب إلي المسيح الذي أُسْلِم ليد الأشرار ليصلبوه، وكان هذا بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق" أع 23:2. كنت مستريحاً فزعزعني= قبل التجربة كان في راحة وزعزعني= هشمني (الإنجليزية واليسوعية) أي مزق كل أعضائي. أمسك بقفاي= أي أتتني المصائب علي غير إنتظار. نصبني له غرضاً= لقد إختارني من بين البشر وسر بأن يجعلني له هدفاً يوجه له كل سهامه. وحينما حددني الله كهدف= أحاطت بي رماته كأن السبئيين والنار والريح هم رماة سهام الله. شق كليتي= أصابت كل أعضائي وأكثرها حساسية مثل الكلي آلام حادة. سفك مرارتي علي الأرض= حينما يصطادون وحشاً برياً ويذبحونه فإنهم يسفكون مرارته بإشمئزاز، فهو يصور أن الله سفك دمه ليس لأنه لا قيمة له بل لأنه كريه. يقتحمني إقتحاماً= كأن الله هجم عليه بينما هو محصن في قلعته (بيته وثروته). خطت مسحاً= المسح من شعر أسود وهو علامة الحزن فهو لبس مسحاً بسبب آلامه، وهل يلبس الحرير علي قروحه المملوءة طيناً دسست في التراب قرني= القرن علامة الرفعة، والتراب علامة الذل، فالله أراد أن يذله.

إحمر وجهي من البكاء= لم يكن أمامه سوي التضرع بدموع، وكان بكائه علي ما وصل إليه حاله.

وعلي هدبي ظل الموت= صارت أشباح الموت قريبة مني جداً كأنها علي رموش عيني.

الأيات 17-22:- "مع انه لا ظلم في يدي وصلاتي خالصة، يا ارض لا تغطي دمي ولا يكن مكان لصراخي، ايضا الان هوذا في السماوات شهيدي وشاهدي في الاعالي، المستهزئون بي هم اصحابي لله تقطر عيني، لكي يحاكم الانسان عند الله كابن ادم لدى صاحبه، اذا مضت سنون قليلة اسلك في طريق لا اعود منها".

 مع أنه لا ظلم في يدي= كانت شهادة ضميره خالصة أمام الله أنه لم يظلم أحد، ولم يحصل علي ثروته بالظلم. صلاتي خالصة= والصلاة لا يمكن أن تكون خالصة طالما كان هنالك ظلم في الأيدي أش 15:1. ثم صب اللعنات علي نفسه لو كان كاذباً فيما قاله

يا أرض لا تغطي دمي= إن كان هنالك ظلم في يديَ، أو كان قد ظلم أحد، فهو يتمني أن يكشف الله هذا الظلم ولا يختبئ. وإذا حدث هذا وكنت ظالماً لا يكن مكان لصراخي= أي هو راضي بأن الله لا يستجيب له ولا لصراخه إن كان قد ظلم أحداً.

وبعد أن فقد أيوب رجاؤه في أن ينصفه أصدقاؤه، أو يسمعوه ويصدقوه. بل هم إستهزأو به= المستهزئون بي هم أصحابي= وهذا ألمه جداً فلم يجد علي الأرض من يشهد له، فرفع عينيه إلي السماء، إلي الله الذي يشهد له فهو الذي يري كل شئ ويمكن لله أن يشهد علي كماله وإستقامته. شهيدي وشاهدي في الأعالي. والشهيد هو الشاهد الأمين. فالشهيد هو شاهد للحق يصل لدرجة الموت فيسمى شهيد. وفي الأصل كلمة شهيد كلمة عبرية وشاهد كلمة أرامية ولهم نفس المعني. هنا نجد أيوب يلمح في السموات بطلاً إلهياً يدافع عن الكل (يهود وأمم) وهو يدافع عنه، هو لمح قبساً من نور المسيح شفيعنا عند الأب وهو الشهيد الشاهد الذي يشهد له ويبرئه [ولا أحد يبررنا لدي الآب سواه] فما إشتاق إليه أيوب صنعه المسيح. (عب 25:7، 1:8، 12:9، 24) + 1يو 1:2 + رؤ 14:3. ولأن البشر قساة في حكمهم فأصحابي يستهزئون بي= المستهزئون بي هم أصحابي. فلمن أذهب، لا يوجد سوي الله ألجأ إليه. لله تقطر عيني= أي ألجا لله بدموعي. لكي يحاكم الإنسان عند الله كإبن آدم صاحبه= إذا إستطاع الإنسان أن يقف ليحاكم عند الله، ولكن هل هناك كإبن آدم يدافع عني أمام الله، ماذا نقول هل كان أيوب يري المسيح إبن الإنسان الذي يدافع عنا وفي نفس الوقت هو الديان. رؤ 33:8، 34. وبعد أن رأي أيوب هذا بروح النبوة صرخ لله أن يأتي هذا الشاهد الذي يدافع عنه سريعاً فأيام أيوب قليلة. . . في طريق لا أعود منها.


 

الإصحاح السابع عشر

الأيات 1-9:- "روحي تلفت ايامي انطفات انما القبور لي، لولا المخاتلون عندي وعيني تبيت على مشاجراتهم، كن ضامني عند نفسك من هو الذي يصفق يدي، لانك منعت قلبهم عن الفطنة لاجل ذلك لا ترفعهم، الذي يسلم الاصحاب للسلب تتلف عيون بنيه، اوقفني مثلا للشعوب وصرت للبصق في الوجه، كلت عيني من الحزن واعضائي كلها كالظل، يتعجب المستقيمون من هذا والبريء ينتهض على الفاجر، اما الصديق فيستمسك بطريقه والطاهر اليدين يزداد قوة".

 روحي تلفت= أيوب كإنسان متعب حين ذكر أن أيامه قليلة (22:16) أكل حديثه عن الموت فهو وجد نفسه قريباً جداً منه، وأن قوة الحيوية فيه كادت تتوقف إنما القبور لي= أي المقبرة حيث قبور أبائي الذين سأنضم إليها قريباً. وما زاد من آلامه كلام أصحابه وهنا دعاهم المخاتلون. ويقول لولا وجودهم عنده لكان في حالة أكثر راحة، ولكانت عينيه تبيت مستريحة لكنه الأن وبسبب وعودهم التي إعتبرها كاذبة في أيام أكثر راحة، وبسبب محاولاتهم إثبات شره وهذه أسماها مشاجراتهم، لولا مشاجراتهم لكان أكثر راحة= وعيني تبيت علي مشاجراتهم. ولذلك يحول نظره إلي الله تاركاً أصحابه. كن ضامني عن نفسك= لقد سبق وإشتكي أنه يريد أن يحاكم عند محكمة السماء العادلة، ولكنه كان ينتظر شاهداً يدافع عنه، وهنا يطلب طلب آخر أن يوجد من يضمنه من الآن حتي يأتي هذا الشاهد وتتم المحاكمة (وكأنه يطلب الأفراج عنه بكفالة أوبضمان أحد حتي يأتي ذلك الشاهد الذي ينتظره). أيوب بروح النبوة ينتظر المسيح ولا يريد أن يحاكم قبل أن يأتي، من هو الذي يصفق يدي= كانت الضمانة تبرم بصفق اليد (راجع شرح هذا في أم 1:6) التساؤل هنا، من هو هذا الشخص الذي يضمنني ويشهد لي، أنا أعلم أن هناك من سيفعل ولكن من هو ياتري؟! ويعود أيوب لأصحابه فيدينهم علي قسوتهم لأنك منعت قلبهم عن الفطنة= بسبب قساوتهم منع الله عنهم الحكمة والفهم. لأجل ذلك لا ترفعهم= لا تجعلهم يكسبون جولتهم ضدي. الذي يسلم الأصحاب للسلب تتلف عيون بنيه= هذا تحذير شديد اللهجة لأصحابه أن يكفوا عن شرورهم ضده فمن يخون أصحابه خصوصاً في حالة كحالته قد يتعرض حتي بنيه للإساءة. أوقفني مثلاً للشعوب= كشخص مزدري به. صرت للبصق في الوجه، كلت عيني من الحزن من كثرة بكائه وحزنه كاد يفقد نظره. وأعضائي كلها كالظل= من هزالي صرت كأني لست إنساناً بل ظل إنسان. "اليس هذا ما حدث للمسيح فهو رجل الأحزان أش 3:53 وهو الذي إزدراه الناس وبصقوا فيه، هنا أيوب رمز للمسيح. يتعجب المستقيمون من هذا= حين يري المستقيمون هجومكم عليَ يتعجبون، والمستقيمون أيضاً سيتعجبون أن الله سمح بكل هذه الآلام لإنسان بار، بل سمح للهازئين بأن يهزأوا بالبار. والبرئ ينتهض علي الفاجر= البرئ اي المستقيم سيثور في وجه الفاجر الذي أذلني وإتهمني بالشر. ولكن أليس لهذه الآية صدي أخر، فإن كناقد فهمنا الأيات 6، 7 أنها رمز لآلام المسيح، فكل القديسين الذين آمنوا بهذا أن المسيح تألم هكذا تعجبوا أن المسيح تألم لأجلهم كل هذه الألام، وسيكتشفون مؤامرات إبليس وسينهض كل من برره المسيح(البرئ) في وجه الشيطان الفاجر ويقاوموه بإيمانهم وصلواتهم بل وإستشهادهم في سبيل الحق الذي رأوه في المسيح، وهذا ما يشهد به التاريخ من قيام الكنيسة في نهضة مباركة بعد المسيح مباشرة.

أما الصديق فيستمسك بطريقه= أيوب قد يعني نفسه بهذه الكلمات، ولكن فإن كل القديسين الذين عرفوا المسيح تمسكوا بإيمانهم، وهكذا الكنيسة كلها عبر العصور.

الأيات 10-16:- "و لكن ارجعوا كلكم وتعالوا فلا اجد فيكم حكيما، ايامي قد عبرت مقاصدي ارث قلبي قد انتزعت، يجعلون الليل نهارا نورا قريبا للظلمة، اذا رجوت الهاوية بيتا لي وفي الظلام مهدت فراشي، وقلت للقبر انت ابي وللدود انت امي واختي، فاين اذا امالي امالي من يعاينها، تهبط الى مغاليق الهاوية اذ ترتاح معا في التراب".

 إرجعوا كلكم= تأكدوا يا أصحابي أنكم مخطئون، لا أجد فيكم حكيماً= يعرف كيف يفسر مشكلة الألم الذي يسمح به الله للقديسين. وهو هنا يذكر كيف أن كل أحلامه عن أيام سعيدة كانت أوهام وتبددت بل هو إقترب من الموت. أيامي قد عبرت، مقاصدي إرث قلبي قد إنتزعت= أي في أيام رخائي كانت أفكار قلبي ومقاصدي أن أزداد رخاء وأكمل أيامي في سعادة، وكل هذا إنتهي. يجعلون الليل نهاراً نوراً قريباً من الظلمة= أصحابه بوعودهم الكاذبة أن آلامه ستنتهي حول ليله (آلامه) إلي نهار(أمال) ولكن في الحقيقة فأي نور له (رجاء في المستقبل) هو أقرب ما يكون للظلمة، فهو بلا رجاء. وكل رجاؤه كان الموت= إذا رجوت الهاوية بيتاً لي= أنني أخدع نفسي إذا ما توقعت منفذاً لي من متاعبي سوي ما يقدمه الموت. مهدت فراشي أي أعد قبره كفراش يرتاح فيه. بل قلت للقبر أنت أبي= لقد خذله أصدقاؤه فصار القبر والدود أقرب أقربائه، يرحب بالقبر فالموت صار أكثر حناناً من أصدقائه.

أمالي. . . تهبط إلي مغاليق الهاوية= الأمال التي تحدثوني عنها ستهبط معي إلي الهاوية ويغلق علينا، اي لا رجاء مطلقاً.


 

الإصحاح الثامن عشر

نجد هنا خطاب بلدد وفيه يجدد الهجوم علي أيوب بأكثر قسوة، ونلاحظ ملاحظة هامة في خطب أيوب نلمح تقدماً من الظلمة إلي النور. . . . العكس في خطب الأصحاب نجدهم يزدادون قسوة.

الأيات 1-4:- "فاجاب بلدد الشوحي وقال، الى متى تضعون اشراكا للكلام تعقلوا وبعد نتكلم، لماذا حسبنا كالبهيمة وتنجسنا في عيونكم، يا ايها المفترس نفسه في غيظه هل لاجلك تخلى الارض او يزحزح الصخر من مكانه".

 نجد بلدد يتهم أيوب بالتحدث بكلام فارغ لا نهآية له ولا خير فيه. إلي متي تضعون أشراكاً للكلام= بلدد يتهم أيوب بأنه يدخلهم في محاورات خيالية، هي كأشراك تضل السامعين، وهي ليست سوي مجرد ألفاظ لا تحوي شيئاً( كأنها شرك يأتي إليه الصياد ويظن أن في داخله صيداً ثميناً فيجده فارغاً). تعقلوا وبعد نتكلم= إتهمه بعدم الإهتمام بما قيل له، ويطلب منه أن يفكر فيما سمع قبل أن يرد بكلام فارغ. ثم إتهمه بالإزدراء بأصحابه= لماذا حسبنا كالبهيمة عندك= وأيوب لم يقل شيئاً كهذا ولكنها مبالغة والمعني هل تحسبنا لا نفهم وكلامنا تافه كما لو كنا حيوانات. ثم إتهمه بالإنفعال والتهور

يا أيها المفترس نفسه في غيظه= كان أيوب قد إتهم الله بأنه يفترسه وهنا بلدد يرد عليه بأنه هو الذي في غيظه يفترس نفسه أي يمزق نفسه. وهذا كلام صحيح فالغيظ خطية تحمل قصاصها في نفسها، فإن سريعي الإنفعال والتهيج يمزقون أنفسهم. هل لأجلك تخلي الأرض= هذا إتهام لأيوب بأنه في غطرسته وكبريائه يظن أنه لكي يهرب من النظام الأدبي للكون، والذي يحتم عقوبة الأشرار، فلينقلب العالم رأساً علي عقب ويفرغ العالم من سكانه ليبقي أيوب وحده ويضع نظامه الخاص ويفلت من عقوبته. أو يزحزح الصخر من مكانه= من المستحيل زحزحة الصخر، ولكن هل نغير قوانين الطبيعة من أجلك. وإذا كان تغيير القوانين الأرضية (زحزحة الصخر، وإخلاء الأرض) مستحيل فبالأولي من المستحيل تغيير قوانين الله وهو مالك السموات والأرض وهو صخر الدهور.

الأيات 5-10:- "نعم نور الاشرار ينطفئ ولا يضيء لهيب ناره، النور يظلم في خيمته وسراجه فوقه ينطفئ، تقصر خطوات قوته وتصرعه مشورته، لان رجليه تدفعانه في المصلاة فيمشي الى شبكة، يمسك الفخ بعقبه وتتمكن منه الشرك، مطمورة في الارض حبالته ومصيدته في السبيل".

بعد أن أثبت بلدد سابقاً إستحالة تغيير القوانين، يذكر هنا القانون الذي إستمات الكل في الدفاع عنه وهو حتمية هلاك الأشرار، وهذا ينطبق علي أيوب.

نعم. نور الأشرار ينطفئ= نعم فيها رد علي شكوي أيوب والمعني وإن إعترضت يا أيوب علي هذا لكنه صحيح. ونور الأشرار أي حتي ما هو منير وصالح فيهم سينطفئ سريعاً. فقد يكون للشرير نجاح بعض الوقت، كنور في حياته ولكنه سريعاً ما سينطفئ. ونجاحه هذا شئ وقتي كأنه نار مشتعلة وسريعاً ما ستنطفئ= ولا يضئ لهيب ناره. النور يظلم في خيمته. وسراجه فوقه ينطفئ= كان العادة وضع السراج أعلي الخيمة حتي يضئ الخيمة كلها. والتشبيه معناه، أن نجاحه كسراج سريعاً ما ينتهي زيته وينطفئ وإذا فهمنا التشبيه الكتابي بأن الخيمة تشير للجسد، فهكذا الحياة ستنتهي سريعاً.

تقصر خطوات قوته= بمعني الإرتباك والتردد. وتصرعه مشورته= يسلمه الله لمشورته فهذا ما يستحقه، وتدفعه مشورته الفاسدة لهلاكه (فرعون وهلاكه). لأن رجليه تدفعانه في المصلاة= المصلاة تعني الشرك. والمعني أنه هو صاحب قرار هلاكه فهو الذي قرر هذا الطريق المهلك لنفسه، وحين ينزع الله نوره أي الحكمة من الشرير فهذا يحدث فعلاً وتكون قرارات الشرير كلها خاطئة وتقوده عبر طريق مظلم من خراب إلي خراب، ولا يستطيع أن يتمم مقاصده. ويفشل في النجاة= ويمسك الفخ بعقبه وبينما هو يدبر الشر للأخرين سيقع هو في شبكة شره. مطمورة في الأرض حبالته الحبالة أو والأنشوطة هي نوع من الأشراك تخفي في الأرض، وتمسك برجل الفريسة فتتعلق الفريسة من رجلها في شجرة. ومصيدته في السبيل= أي وهو في طريقه تمسك به هذه المصيدة، وهكذا نفهم أن إبليس يضع هذه الشراك في طريقنا، لكن من ينير الله عينيه يري هذه الشراك ويهرب فينجو.

الأيات 11-21:- "ترهبه اهوال من حوله وتذعره عند رجليه، تكون قوته جائعة والبوار مهيا بجانبه، ياكل اعضاء جسده ياكل اعضاءه بكر الموت، ينقطع عن خيمته عن اعتماده ويساق الى ملك الاهوال، يسكن في خيمته من ليس له يذر على مربضه كبريت، من تحت تيبس اصوله ومن فوق يقطع فرعه، ذكره يبيد من الارض ولا اسم له على وجه البر، يدفع من النور الى الظلمة ومن المسكونة يطرد، لا نسل ولا عقب له بين شعبه ولا شارد في محاله، يتعجب من يومه المتاخرون ويقشعر الاقدمون، انما تلك مساكن فاعلي الشر وهذا مقام من لا يعرف الله".

 بلدد يستمر ويسترسل في شرح نظريته. ترهبه أهوال من حوله، وتذعره عند رجليه= إذا أمسكت الحبالة (المصيدة) بقدميه يرتعب، ولن يجد ضميره راحة، بل يظن أن الخليقة كلها تحاربه، والسماء غاضبة عليه وهو وحده في رعب. تكون قوته جائعة ما إعتمد عليه من قوة وثروة وسلطان يخزيه يوم بليته، ولا يفيده كل ما عنده. البؤار مهيأ بجانبه= أي يري خرابه يقترب. ويري موته يقترب يأكل أعضاءه بكر الموت، يأكل أعضاء جسده= المرض الذي فيه تتأكل أعضاء الجسد هو مرض البرص المخيف. وأسماه بكر الموت، فالبكر هو الأقوي والأغني فله نصيب الضعف، وبكر الموت هو أقوي الأمراض المميتة. ينقطع عن خيمته عن إعتماده= يؤخذ كل ما كان له الذي كان معتمداً عليه، ويذهب عنه حتي خيمته التي كان يسكن فيها. يساق إلي ملك الأهوال= ملك الأهوال هو الموت، فكأنه في حياته أحاطت به الأهوال، وأعظم الأهوال هو الموت فهو ينهي سعادة الأشرار في هذه الدنيا ولا أمل لهم في العالم الآخر. يسكن في خيمته من ليس له= حسب ترجمة(الإنجليزية) لأنها ليست له= أي أملاكه يرثها غيره فهو لايستحق ما أخذه من الأبرياء بالظلم. يذر علي مربضه كبريت= إذا لم يأخذه أحد يحرقه الله بنار كما أحرق سدوم وهنا إشارة مؤلمة أوجع بها بلدد قلب أيوب لما حدث لأيوب حين إحترقت أملاكه بنار.

من تحت تيبس أصوله ومن فوق يقطع فرعه= أي كل ما له سوف يباد، فبيت الشرير هنا مشبه بشجرة لها جذور(أملاكه/ صحته/ أمانه) ولها فروع( أولاده/ أحفاده/ أصهاره) والشرير كل ماله يزول. حتي أن ذكره يبيد من الأرض ولا إسم له علي وجه البر= حينما يموت وتموت عائلته كلها لا يوجد من يذكره(والبر هو الشارع في الإنجليزية) أي أن الناس في حياتهم العادية سوف ينسونه تماماً. يدفع من النور إلي الظلمة= النور في عرف الناس هو النجاح والإزدهار والشهرة، والظلمة هي الخراب والموت في النهآية.

ومن المسكونة يطرد= رسل الموت يطردونه من العالم. لا نسل له ولا عقب= إشارة مرعبة لهلاك أولاد أيوب(هل هذا كلام تعزية) ولا شارد= فأسرته كلها تهلك يتعجب من يومه المتأخرون= ينذهل الجميع مما حدث له ذهولاً تماماً(المتأخرون= الذين سمعوا بقصته من أبائهم، أي أتوا بعده، والأقدمون من عاشوا في وقته).


 

الأصحاح التاسع عشر

نجد هنا خطاب أيوب ضد بلدد وفيه كالعادة يشكو من سوء معاملتهم، ثم يصف حالته المرة ولكننا نجد في هذا الإصحاح تحول أيوب من أفظع شعور بالهجر والرفض إلي أعظم كلمات معبرة عن إيمان، فيه رأي محامي إلهي يتولي الدفاع عن قضيته ويسمعه حكم البراءة ومما يعزي ويفرح إنتصار الإيمان في النهآية.

الأيات 1-7:- "فاجاب ايوب وقال، حتى متى تعذبون نفسي وتسحقونني بالكلام، هذه عشر مرات اخزيتموني لم تخجلوا من ان تحكروني، وهبني ضللت حقا علي تستقر ضلالتي، ان كنتم بالحق تستكبرون علي فثبتوا علي عاري، فاعلموا اذا ان الله قد عوجني ولف علي احبولته، ها اني اصرخ ظلما فلا استجاب ادعو وليس حكم".

 حتي متي تعذبون نفسي= بإتهاماتهم أنه شرير افقدوه ما كان له من قليل تعزية بدلاً من أن يعزوه هم. أخزيتموني= عيرتموني وأطلقتم علي صفات شريرة.

وقوله عشر مرات= أي مراراً وتكراراً، مرات كثيرة. تحكروني= اي استحوا منه إذ كان في نكبته وجعلوا أنفسهم غرباء عنه (حسب الترجمة الإنجليزية). وهبني ضللت حقاً عليَ تستقر ضلالتي= لنفترض أنني أخطأت عن طريق جهل أو أخطأت فعلاً( هو يشعر أنه لم يخطئ) ومن الجهل أن يظن إنسان أنه معصوم من الخطأ، فعاقبة خطاياي واقعة عليَ ولا دخل لكم بهذا، ولا تزيدوا ألامي بتعييراتكم. إن كنتم بالحق تستكبرون عليَ فثبِتوا عليَ عاري= هل لكي تتعظموا علي وتتفوقوا وتثبتون صدق كلامكم وأنكم المنتصرون في المناقشة تريدون وتصرون أن ما حدث لي هو بسبب خطيتي فتثبتون عاري، هل هذا طريق مقبول مع متألم مثلي. ويجب أن تعلموا لماذا أصرخ فأنا متألم من الوجع الذي أصابني به الله، فالله هو الذي فعل هذا بي فالله قد عوَجني= عوجني= هدمني(إنجليزية ويسوعية). ومهما صرخ فالله لا يستجيب. ووصل لحالة عدم الرجاء في عفو الله.

الأيات 8-22:- "قد حوط طريقي فلا اعبر وعلى سبلي جعل ظلاما، ازال عني كرامتي ونزع تاج راسي، هدمني من كل جهة فذهبت وقلع مثل شجرة رجائي، واضرم علي غضبه وحسبني كاعدائه، معا جاءت غزاته واعدوا علي طريقهم وحلوا حول خيمتي، قد ابعد عني اخوتي ومعارفي زاغوا عني، اقاربي قد خذلوني والذين عرفوني نسوني، نزلاء بيتي وامائي يحسبونني اجنبيا صرت في اعينهم غريبا، عبدي دعوت فلم يجب بفمي تضرعت اليه، نكهتي مكروهة عند امراتي وخممت عند ابناء احشائي، الاولاد ايضا قد رذلوني اذا قمت يتكلمون علي، كرهني كل رجالي والذين احببتهم انقلبوا علي، عظمي قد لصق بجلدي ولحمي ونجوت بجلد اسناني، تراءفوا تراءفوا انتم علي يا اصحابي لان يد الله قد مستني، لماذا تطاردونني كما الله ولا تشبعون من لحمي".

 يكرر أيوب شكواه لعلهم يشفقوا عليه. وشكا من علامات غضب الله فقال أضرم عليَ غضبه= وماذا تكون نار جهنم إلا غضب الله. وحسبني كأعدائه= مع أن الله إعتبره كاملاً وكان يتفاخر به كأحد أحبائه وكثيراً ما نشك في محبة الله بينما قلب الله يكون مملوء محبة نحونا، وكل تدبيره لصالحنا ونحن لا نعلم. وهو شعر بعداء الله نحوه في أن الله حوط طريقي فلا أعبر= اي ليس لي طريق للنجاة، فالله يمنع عنه أي منفذ.

أزال عني كرامتي= ثروتي وسلطتي. . . حتي أبنائي أماتهم وهم تاج رأسي. وشكا من أنه تحطم نهائياً بلا أمل في رجوع= قلع مثل شجرة رجائي= كأن الشجرة قلعت من جذورها لكي لا تنبت ثانية. معاً جاءت غزاته= هو إعتبر أن السبئيين. . . الخ مرسلين من الله وشكا من قسوة أقاربه وكل معارفه السابقين= قد أبعد عني إخوتي= فهم إبتعدوا لأنهم إزدروا بي بسبب قروحي. أقاربي قد خذلوني= بينما توقع أيوب منهم أن يقفوا بجانبه في شدته وجدهم قد تخلوا عنه. كرهني كل رجالي= بسبب حالي وقروحي. وحتي خدمه ما عادوا يحترموه أو يطيعوه= نزلاء بيتي وإمائي يحسبونني أجنبياً= عاملوه كأنه غريب ورفضوا الإستجابة له. بل عاملوه بغلظة= بفمي تضرعت إليه، عبدي دعوت فلم يجب. بل حتي إمرأته إشمئزت من رائحة فمه= نكهتي مكروهة عند إمرأتي. وخممت عند أبناء أحشائي= صرت شيئاً مقززاً عند أبناء أحشائي. وأبناء أحشاؤه ربما أحفاده أو أولاد عبيده الذين ولدوا في بيته، لأن أولاده ماتوا كلهم. وشكا من إنحلال جسده= عظمي قد لصق بجلدي. ونجوت بجلد أسناني= هو مثل شائع، فالأسنان ليس لها جلد. فيكون المعني أنه نجا لكنه نجا بحياته فقط بعد ما خسر كل شئ. ويدعوهم أن يتراءفوا عليه ولا يدينوه فيكفيه دينونة الله= لماذا تطاردونني كما الله= أي لماذا تجعلون أنفسكم كالديان الله. لماذا لا تشبعون من لحمي= أكل لحم الإنسان تعبير يعني النميمة، لأن النمام يتلف صيت خصمه كوحش يفترس لحمه.

الأيات 23-29:- "ليت كلماتي الان تكتب يا ليتها رسمت في سفر، ونقرت الى الابد في الصخر بقلم حديد وبرصاص، اما انا فقد علمت ان وليي حي والاخر على الارض يقوم، وبعد ان يفنى جلدي هذا وبدون جسدي ارى الله، الذي اراه انا لنفسي وعيناي تنظران وليس اخر الى ذلك تتوق كليتاي في جوفي، فانكم تقولون لماذا نطارده والكلام الاصلي يوجد عندي، خافوا على انفسكم من السيف لان الغيظ من اثام السيف لكي تعلموا ما هو القضاء".

 نجد أيوب هنا كقيثارة ينفخ فيها الروح القدس فتعزف، وربما لم يفهم أيوب كل ما قاله، لكنه تعزي وتنبأ، ولعل كل ما فهمه أن الله سيبرأه أمام أصدقائه. هنا أيوب كان له شركة الصليب، ومن يشترك مع المسيح في إحتمال الألم والصليب تنفتح عيناه علي أسرار وأمجاد السماء. ففي هذه الكلمات نجد كلام عن المسيح وعن السماء. هنا نجد أيوب مسوقاً بالروح القدس الذي أنار بصيرته ووضع في فمه كلاماً بكيفية أذهلته، وبعد هذه الكلمات هدأت نبرة إنفعال أيوب كثيراً. حقاً هو إشتكي من آلامه بعد ذلك لكن النبرة هدأت وعاصفة الغضب سكنت. والروح القدس وحده هو الذي يعطي هذا العزاء للمتألم. ولقد راي أيوب رؤيا يقينية أراد تسجيلها للأجيال القادمة= ليت كلماتي الآن تكتب. ياليتها رسمت في سفر= أي كتاب. والله حقق له ذلك وكتب كلماته في الكتاب المقدس لتحفظ عبر الأجيال. ومعني كلام أيوب هنا: لقد قلت كلاماً كثيراً بلا معني وأما ما سأقوله الآن كلام خطير ليته يجد طريقه لكل إنسان بأن يسجل. نقرت إلي الأبد في الصخر. . . كانت طريقة الكتابة علي الصخر بأن تنقر الكتابة علي الصخر بقلم جديد ثم يسكب الرصاص المنصهر في مكان النقر فيثبت الكلام لفترات طويلة. أما أنا فقد علمت أن وليي حي= وليي= فاديَ وهذه إشراقة سماوية علي أيوب وسط أحزانه، لقد سبق أيوب وصور الله علي إنه خصم، أما الأن فهو يري المسيح وليه الحي، الذي حتي وإن مات أيوب سيشهد له هذا الولي ويبرره ويشهد ببره، والولي كان له أن يقتص من الجاني، والجاني هنا هو إبليس الذي هزمه ولينا المسيح لينقذنا من يده. والولي بحسب ناموس موسي هو الذي له الحق بأن يفك(يفدي) ما باعه أخوه أو رهنه (لا 25:25). ولقد بيع ميراثنا السماوي بسبب الخطية ونحن عاجزون عجزاً كاملاً عن فكه (فدائه). والمسيح هو ولينا القادر أن يفك، ولقد وفي الدين عنا ووفي عدل الله عن الخطية. وفك الرهن وسوي الميراث. وأيوب يري أن وليه حي لا يموت حتي وإن مات هو فهو قادر أن يسوي المسألة، ولو تركه أصحابه وتخلوا عنه وإتهموه باطلاً فالله يأخذ بيده وينصره. هل يوجد ما يعزي أيوب بقدر هذه الرؤيا العجيبة، أن هنالك فادياً معداً للإنسان الساقط، وهو يسوع المسيح، الذي وإن ترك أيوب كل أحبائه

والآخر علي الأرض يقوم= الآخر تعني إما اليوم الأخير، أو في زمن متأخر بمعني فيما بعد. وبعد ذلك فهمنا من بولس الرسول أن المسيح جاء متجسداً علي الأرض في ملء الزمان. غل 4: 5. وفي العهد القديم كان يسمي وقت ظهور المسيح "اليوم الأخير" والمسيح جاء وتجسد ومات وقام علي الأرض ليفك الدين الذي علينا. وبعد أن يفني جلدي هذا وبدون جسدي أري الله= هذا ما فعله المسيح بفدائه وقيامته أن أعطي لنا إمكانية أن نري الله بعد أن نموت، فالمسيح صالحنا مع الآب السماوي. نلاحظ أن أيوب هنا كان خاضعاً لعمل الروح القدس. ففكرة القيامة بهذه الصورة لم تكن واضحة بل هو تساءل قبل ذلك "إذا مات إنسان أفيحيا". والجسد الممجد الذي سنحصل عليه بعد القيامة يمكنه أن يري الله. فنحن في هذا الجسد لا يمكننا أن نراه "لا يراني الإنسان ويعيش". ولعل أيوب في رؤيته رأي شئ عبر عنه بقوله"الذي أراه أنا لنفسى، وعيناي تنظران وليس أخر"= لقد رأي وليه ورأي ما سيفعله وفهم أن ما يراه أكيد، رآه بنفسه ولم يحكيه له أحد. ففرح وتهلل فقال= إلي ذلك تتوق كليتاي في جوفي= أي بعد أن رأيت ما رأيت فكل مشاعري داخلي، (فالكلي مركز العواطف هي والقلب والأحشاء) أصبحت متجهة لهذا اليوم الذي يأتي فيه هذا الولي.

وبعد الذي رآه وجه تحذيراً لأصحابه حتي يهدئوا هجومهم عليه وعلمهم ماذا يقولون الآن لماذا نطارده= ونهاجمه ونحزنه ونغيظه بإنتقاداتنا. وذلك لأن أيوب تأكد أن الله سوف يبرره أمام أصدقائه وسيكتشفون بعد ذلك صدق أيوب= والكلام الأصلي يوجد عندي= ربما يشير لرؤيته التي رآها أنها حقيقية وأصبح عنده الآن رؤية واضحة

خافوا علي أنفسكم من السيف= اي سيف عدل الله. لأن الغيظ من أثام السيف= أي غيظهم وكلامهم الشرير ضد أيوب من الأثام التي تستحق عقوبة السيف أي غضب الله. فعليهم أن يخافوا ويكفوا عن ظلمهم لأيوب، فإذا لم تكفوا عن إتهاماتكم فسوف يأتي سيف غضب الله وستعلمون أنه قاضي عادل وقد حكم عليكم= لكي تعلموا ما هو القضاء.


 

الإصحاح العشرون

كنا نتوقع بعد الإعتراف الرائع لأيوب أن يسكت أصحابه ولكن صوفر أخذ دوره في الهجوم عليه.

الأيات 1-9:- "فاجاب صوفر النعماتي وقال، من اجل ذلك هواجسي تجيبني ولهذا هيجاني في، تعيير توبيخي اسمع وروح من فهمي يجيبني، اما علمت هذا من القديم منذ وضع الانسان على الارض، ان هتاف الاشرار من قريب وفرح الفاجر الى لحظة، ولو بلغ السماوات طوله ومس راسه السحاب، كجلته الى الابد يبيد الذين راوه يقولون اين هو، كالحلم يطير فلا يوجد ويطرد كطيف الليل، عين ابصرته لا تعود تراه ومكانه لن يراه بعد".

 من أجل ذلك هواجس تجيبي= هواجس هي الأفكار التي تدور في الخاطر فهو حتي لم يتأثر بشكوي أيوب من آلامه، بل إستدار عليه بعنف، كأنه كان غير متأكد من شر أيوب أما الأن فلقد تأكدت هواجسه، بل هو مهتاج لما إكتشفه من شر أيوب ولهذا هيجاني فيَ. وما سبب هذا الهيجان أن أيوب أغاظه جداً= تعيير توبيخي أسمع وكأنه إغتاظ من أن أيوب وبخهم، فهل شرير مثله له الحق أن يوبخ شرفاء مثلهم.

وروح من فهمي يجيبني= الروح الذي يرشده للإجابة ناشئ من حكمته وفهمه وفطنته. ثم شرح الصديق صوفر نفسه ما قاله هو وأصدقائه من قبل، نظرية هلاك الأشرار. أما علمت هذا= هل يمكن أن تجهل حقيقة واضحة هكذا. أن هتاف الأشرار من قريب= أي لفترة قصيرة(حسب الترجمة الإنجليزية) وقريب الزوال(اليسوعية) أي فرحهم يكون لفترة قصيرة. ولو بلغ السموات طوله= مهما بلغ علو نجاح الشرير فسيزول. كجلته إلي الأبد يبيد= الجلة هي الروث والبراز، ويستخدمونه فى إيقاد الأفران وهو يحترق سريعاً، أي أن هلاكه سوف يكون عظيماً جداً وخرابه يكون سريعاً جداً= كالحلم يطير فلا يوجد. ويطرد كطيف الليل= فبعد اليقظة يكون من الصعوبة تذكر تفاصيل معظم أحلامنا. وهكذا الشرير لا يعود يذكر رخائه. وخرابه يكون كاملاً. عين أبصرته لا تعود تراه= ولن يعود ثانية نجاحه فخرابه يكون نهائياً. ومكانه لن يراه بعد= فهو ذهب نهائياًَ عن مكانه.

الأيات 10-22:- "بنوه يترضون الفقراء ويداه تردان ثروته، عظامه ملانة شبيبة ومعه في التراب تضطجع، ان حلا في فمه الشر واخفاه تحت لسانه، اشفق عليه ولم يتركه بل حبسه وسط حنكه، فخبزه في امعائه يتحول مرارة اصلال في بطنه، قد بلع ثروة فيتقياها الله يطردها من بطنه، سم الاصلال يرضع يقتله لسان الافعى، لا يرى الجداول انهار سواقي عسل ولبن، يرد تعبه ولا يبلعه كمال تحت رجع ولا يفرح، لانه رضض المساكين وتركهم واغتصب بيتا ولم يبنه، لانه لم يعرف في بطنه قناعة لا ينجو بمشتهاه، ليست من اكله بقية لاجل ذلك لا يدوم خيره، مع ملء رغده يتضايق تاتي عليه يد كل شقي".

 بنوه يترضون الفقراء، ويداه تردان ثروته= بعد خرابه، أو بعد إنكساره يخاف من الفقراء الذين ظلمهم فيرسل بنيه ليرضوهم، بل هو بيداه يعيد ما إغتصبه منهم. والله في عدله، وإن مات الشرير غنياً فأولاده يبددون ثروته وبطريقة أو بأخري يعيدها الله للفقراء المظلومين. عظامه ملآنه شبيبة، ومعه في التراب تضطجع أي مع أن عظامه مازالت في قوتها ملآنة حيوية، إلا أنه بسبب غضب الله عليه يموت شاباً ومعه حيويته. وما السبب؟ إن حلا في فمه الشر¨= كان ضميره لأيؤنبه علي أفعاله الشريرة، بل كان للشر طعم حلو في فمه. بل حبسه وسط حنكه= إذا ما حصل عليه لا يشتهي شيئاً أخر، فلا يريد مثلاً أن يستبدله بالروحيات فهو لا يستطعمها[كمن أكل طعاماً يلذ له ولا يريد أن يأكل طعاماً أخر حتي لا يخسر مذاق الطعام الذي يحبه]. وبنفس المفهوم أخفاه تحت لسانه. والسبب أنه أشفق عليه أي إستبقاه وتمسك به، وأخفاه داخل قلبه لا يريد أن يتركه. وماذا تكون نتيجة الشر الكامن داخله. خبزه في أمعائه يتحول. مرارة أصلال فى بطنه= ما كان يخفيه داخله علي أنه لقمة لذيذة يتحول داخله إلي مرارة، ورعب وغيظ. ومرارة الأصلال أشد أنواع المر مرارة، وهي أكثرها فتكاً وقتلاً(الأصلال= الحيات وهي جمع صل أي حية). بلع ثروة فيتقيأها. الله يطردها= ما أخذه بالظلم لابد أن الله سيجعله يعيده، وسيأخذه منه، وهو سيعيدها بآلام وليس بإختياره كمن يتقيأ. سم الأصلال يرضع= الظالم واللص يظن أن ما يجمعه من الحرام هو فرصة يزيد بها ثروته، لكن للأسف لا يدري إن كل من يحتضن خطية أنه يحتضن ناراً ومن يأخذ مال بالظلم فكأنه يرضع سم الأصلال، فهل تتركه الحية، هي ستستدير. ويقتله لسان الأفعي. وسوف تخزيه كل أماله في زيادة ثروته التي مني بها نفسه باطلاً

لا يري الجداول= كان يحلم بأن تكون ثروته كثيرة كالجداول ولكن لا شئ يبقي لديه. يرد تعبه= هو تعب في تدبير المؤامرات ليحصل علي ما حصل عليه، لكنه ها هو يرد كل شئ ولا يبلعه= لا يكاد يشبع به، هو كأنه في فمه يتلذذ به، هو حبسه وسط حنكه. لا يستطيع أن يبلعه فالله لا يقبل أن يتمتع بما حصل عليه بالشر، ولابد أن يتقيأه ويعيده ولا يستفيد منه=كمال تحت رجع= كأنه كان عنده كأمانة يجب أن يرجعها. كانه أخذ المال ليرجعه. لأنه لم يعرف في بطنه قناعة= لا يعرف شيئاً إسمه راحة البال والإكتفاء لذلك لا ينجو بمشتهاه= فالكل سيذهب عنه. ولا ينجو بأي شئ منه= ليست من أكله بقية= لا تبقي شئ من ثروته التي طالما تلذذ بها. مع ملء رغده يتضايق= هو يشعر بالضيق والهم بالرغم من كثرة أمواله. ولاحظ الحال التي يصل إليها= تأتي عليه يد كل شقي= راجع أش 1:33 + تك 12:16.

الأيات 23-29:- "يكون عندما يملا بطنه ان الله يرسل عليه حمو غضبه ويمطره عليه عند طعامه، يفر من سلاح حديد تخرقه قوس نحاس، جذبه فخرج من بطنه والبارق من مرارته مرق عليه رعوب، كل ظلمة مختباة لذخائره تاكله نار لم تنفخ ترعى البقية في خيمته، السماوات تعلن اثمه والارض تنهض عليه، تزول غلة بيته تهراق في يوم غضبه، هذا نصيب الانسان الشرير من عند الله وميراث امره من القدير".

سبق صوفر فشرح الأيام الشريرة التي يراها الخاطئ وهنا يشرح أن الله سيهلكه أخيراً هلاكاً تاماً. الله يرسل عليه حمو غضبه= ومن يثبت أمام غضب الله ويمطره عليه= كما أمطر ناراً وكبريتاً فوق سدوم وعمورة. عند طعامه= فكرة صوفر وقد شرحها من قبل أن الله لن يترك الشرير يبلع ما أخذه ليشبع به ويرتاح، بل عندما يبدأ يبلع يمطره الله بضربات غيظه[هنا ربما كان صوفر يشير لضربة أبناء أيوب أثناء طعامهم 18:1]. وهلاك الأشرار محتم، والله له أسلحة متنوعة، وإن هرب من أحدها(سلاح حديد) فسيهلك بالأخري(قوس نحاس) فلا إمكانية للنجاة. والهلاك سيكون نهائياً وتاماً جذبه فخرج من بطنه= فقوس الله لا يخطىء بل يموت فى رعب = عليه رعوب. وقوله جذبه فخرج من بطنه = أنه جذب السهم لا ليشفيه من أثاره بل ليمزق أحشائه= البارق من مرارته مرق= البارق هو حد السهم اللامع. كل ظلمة مختبأة لذخائره= الظلمة كنآية عن كل شر يصيب الشرير، وهذا الشر كامن يتربص بذخائره أي بما يملك، وفجأة تأكله نار، تنقض عليه نار(هي التي كانت مختبأة) تأكله نار لم تنفخ= أي لا يوجد تفسير بشري مقنع لمصدر هذه النار، فهي من عند الله. ترعي البقية في خيمته= هذه النار ستأكل ما تبقي في خيمة الشرير. وهلاكه سيكون واضحاً فيه غضب السموات عليه= السموات تعلن إثمه. وسيري الكل أنه جوزي بعدل حسب ما يستحق. والأرض تنهض عليه= الله يستخدم عبيده الذين في الأرض ليضربوه، كما إستخدم بابل لتؤدب أورشليم. الأن السموات والأرض لا يقبلانه فيكون نصيبه جهنم. كلام صوفر رائع ولكن تطبيقه علي أيوب البار شئ بشع. تزول غلة بيته= ثروته وأبنائه. تهراق في يوم غضبه= ثروته تتلاشي يوم غضب الله عليه.


 

الإصحاح الحادي والعشرون

نجد هنا رد أيوب علي صوفر. وفيه يصر أيوب علي كلامه أن الله قد يسمح بالألم للأبرار.

الأيات 1-5:- "فاجاب ايوب وقال، اسمعوا قولي سمعا وليكن هذا تعزيتكم، احتملوني وانا اتكلم وبعد كلامي استهزئوا، اما انا فهل شكواي من انسان وان كانت فلماذا لا تضيق روحي، تفرسوا في وتعجبوا وضعوا اليد على الفم".

إسمعوا لي سمعاً وليكن هذا تعزيتكم= أنا فقدت الأمل أن أسمع منكم كلمة تعزيتي، وما يعزيني الأن أن تسمعوا فقط لي ما أود أن أشرحه لأدافع عن نفسي.

هل أشكو من إنسان= أنا لا أشكو من أن السبئيين أو الكلدانيين إعتدوا عليَ. بل أنا أشعر أنني في يد الله، وكل ما حدث بسماح منه، وشكواي هي لماذا سمح الله بهذا؟ لماذا غضب عليَ. وإن كانت فلماذا لا تضيق روحي= تضيق روحي، أي ينفذ صبري. والمعني أنه لو كانت شكواي من إنسان ما كنت قد فقدت صبري وهدوئي لأنه كان سيكون لي حينئذ رجاء أن ينصفني الله، لكن سبب ألامي حقيقة هو أنني أشعر بتخلي الله عني وعدم رضائه عليَ، وإذا رفضني الله فلمن ألجأ؟ هذا سبب ضيقي. تفرسوا فيَ وتعجبوا= أنظروا للحال الذي وصلت إليه وتعجبوا كيف حدث هذا، بل سترون سبب ضيقي. عندما أتذكر أرتاع= عندما أذكر ذلك اليوم المرعب الذي خسرت فيه كل شئ. وأخذت بشري رعدة= بشري أي جسدي.

الأيات 7-16:- "لماذا تحيا الاشرار ويشيخون نعم ويتجبرون قوة، نسلهم قائم امامهم معهم وذريتهم في اعينهم، بيوتهم امنة من الخوف وليس عليهم عصا الله، ثورهم يلقح ولا يخطئ بقرتهم تنتج ولا تسقط، يسرحون مثل الغنم رضعهم واطفالهم ترقص، يحملون الدف والعود ويطربون بصوت المزمار، يقضون ايامهم بالخير في لحظة يهبطون الى الهاوية، فيقولون لله ابعد عنا وبمعرفة طرقك لا نسر، من هو القدير حتى نعبده وماذا ننتفع ان التمسناه، هوذا ليس في يدهم خيرهم لتبعد عني مشورة الاشرار".

 أيوب يوافق علي أن الله يبغض الشرير ويعاقبه ولكنه يتساءل لماذا تنجح طريق الأشرار في بعض الأحيان، وهذا التساؤل ظل يسأله قديسو الله عبر العصور(مز 3:73-12 + أر 1:12، 2) ولكن حكمة الله لن ندركها بعقولنا المحدودة الآن. لماذا تحيا الأشرار ويشيخون= كانت أمام عينيه صورة أولاده الذين ماتوا شباباً، بينما أن هناك أشرار يعيشون حتي سن كبير فينالون كرامة لطول عمرهم. بل يصلون لمناصب عالية فتكون لهم قوة= ويتجبرون قوة.

"والله يسمح في بعض الأحيان بنجاح الأشرار ليس لأنه أغمض عينيه عنهم، بل لأن مكيال أثامهم لم يمتلئ بعد، والله يعطي لكل خاطئ زماناُ ليتوب فإن لم يتب تأتيه الضربات رؤ 21:2-23. وهو يطيل أناته علي الخاطئ لعله يتوب رو 4:2-6 وقد يحفظ الله الضربات للأشرار حتي اليوم الأخير رو 4:2-11. ولكن هلاك الشرير الذي يستمر علي شره ولا يتوب مؤكد مز 17:73-20. ولكن لكل شئ وقت"

وأيوب يري أن الأشرار في سلام. ونسلهم قائم أمامهم. بينما أولاده هو ماتوا. وهم أغنياء وأملاكهم متزايدة وكمثال ثورهم يلقح ولا يخطئ. وهم في فرح يسرحون رضعهم مثل الغنم= أي يلعبون ويفرحون بأعداد وفيرة. وأولادهم يقفزون في فرح حولهم كما تقفز الغنم حول راعيها في المرعي. يقضون أيامهم بالخير= نجاحهم دائم ومستمر. وفي لحظة يهبطون إلي الهاوية= أي يموتون فجأة بلا أمراض ولا ألام، والموت في لحظة يعتبره أيوب ميزة ونعمة، فهم لا يعانون كما يعاني هو ألاماً مبرحة. فالأشرار في نظر أيوب حتي موتهم يكون وسط فرحهم. وبالرغم من كل غناهم فهم يزدادون وقاحة وبعداً عن الله= يقولون لله إبعد عنا= رغبة الشرير أن يختفي الله من حياته فهو لا يريد من يذكره بشره ويؤنبه، أو الشرير يتصور أن الله غير موجود كما فعل الملحدين فى أيامنا هذه وأنكروا وجود الله. وهم فى غناهم يتصورون أنهم لا يحتاجون لله. وبمعرفة طرقك لا نسر= الشرير الذي يفرح بخطيته لا يستجيب أبداً لأي نداء بالتوبة والرجوع لله. ويتكلمون بإستخفاف عن الله= من هو القدير حتي نعبده= كأنه شخص لا شأن لهم به، ولا شأن له بهم، فلماذا يعبدونه، وهذا منطق كثيرين حتي اليوم. . . لماذا التدين، نريد أن نحيا مثل سائر البشر؟! فهم لا يرون أي نفع مادي يعود عليهم من التدين= وماذا ننتفع إن التمسناه= فهم لا يفكرون سوي في النفع المادي. ثم يعلن أيوب عدم موافقته علي أرائهم حتي لا يتصور أصحابه أنه يوافق علي شرورهم فقال هوذا ليس في يدهم خيرهم= هم حمقي إذ تصوروا أن خيراتهم وقوتهم مصدرها أياديهم، هم مصدر غناهم وليس الله تث 17:8. وحتي يؤكد رفضه لمبادئ الأشرار قال= لتبعد عني مشورة الأشرار فمهما كان نجاحهم فأنا لا أريده، فلا أريد أن أكون مثلهم، إن كان النجاح لا يأتي سوي بالشر. . . . هذه الآية تشبه قولنا الأن. . . "الله الغني"

الأيات 17-26:- "كم ينطفئ سراج الاشرار وياتي عليهم بوارهم او يقسم لهم اوجاعا في غضبه، او يكونون كالتبن قدام الريح وكالعصافة التي تسرقها الزوبعة، الله يخزن اثمه لبنيه ليجازه نفسه فيعلم، لتنظر عيناه هلاكه ومن حمة القدير يشرب، فما هي مسرته في بيته بعده وقد تعين عدد شهوره، االله يعلم معرفة وهو يقضي على العالين، هذا يموت في عين كماله كله مطمئن وساكن، احواضه ملانه لبنا ومخ عظامه طريء، وذلك يموت بنفس مرة ولم يذق خيرا، كلاهما يضطجعان معا في التراب والدود يغشاهما".

 كم مرة ينطفئ سراج الأشرار= أيوب هنا يستنكر ويشكك في مبادئ أصحابه الذين أكدوا وجوب إنطفاء سراج الأشرار، وهو هنا يسألهم كم مرة رأيتم هذا. . . هو يتكلم وأمام عينيه السبئيين والكلدانيين يفرحون بما إغتصبوه. كم مرة رأيتم أن الأشرار يأتي عليهم بوارهم= أي يخربون، كم مرة رأيتم الله يقسم لهم أوجاعاً في غضبه. كم مرة رأيتم هؤلاء الأشرار يكونون كالتبن قدام الريح. وكالعاصفة التي تسرقها الزوبعة= (العاصفة ليست هي الريح العاصفة بل معني الكلمة العصافة أي التبن الجاف حين تقوم الزوبعة فتعصف به). هنا أيوب كأنه يريد أن يقول لهم. . . هناك فرق يا أصحابي بين المعلومات النظرية والخبرة العملية فنظرياً يهلك الأشرار لأنهم في خطاياهم يغيظون الله البار القدوس الذي لا يحتمل شرورهم، ولكن عملياً لا نري هذا، فكم مرة رأيتم هلاك شرير كما قلتم "لقد قلتم يا أصحاب" الله يخزن إثمه لبنيه= أي الله يفتقد إثم الأباء في الأبناء بل هو يري عقوبة الله ضده بنفسه= ليجازه نفسه فيعلم= أي يعلم ان الله يعاقبه علي شروره. لتنظر عيناه هلاكه، ومن حمة القدير يشرب= في رأيكم يا أصحاب أن الشرير لابد وينظر هلاك الله النازل علي رأسه، ولابد أن يشرب من كأس غضب الله (حمة القدير). وفي رأيكم أن الشرير تكون أيامه قصيرة= قد تعين عدد شهوره. وبعد ذلك يموت فجأة ولا يعود يري مسرات بيته= فما هي مسرته في بيته بعده. يا أصحاب كل هذه معلومات نظرية، فهل تحققتم من هذا؟!

أألله يُعَلَم معرفة وهو يقضي علي العالين= أنتم يا أصحاب بوضعكم نظريات كأنكم تعلمون الله كيف يتصرف، هل تفرضون علي الله أن يسلك بحسب الكمال الذي ترونه أنتم، يا أصحاب عليكم أن تقبلوا الواقع وتعلمون أن حكمة الله تفوق حكمتكم، وسلموا بأن كل تصرف لله هو الحق والتصرف السليم حتي ولو إختلف مع معلوماتكم النظرية. فليس من التقوي أن نعلم الله كيف يدين البشر، فحين نري إنسان شرير فيجب أن الله يقتص منه فوراً، لا يجب أن نفرض علي الله مبادئنا، أو الطريق الذي به يقضي علي المتكبرين الأشرار= يقضي علي العالين ولتعلموا يا أصحاب أن الله حر في أن يجعل الشرير يموت في عين كماله= أي وهو في صحته وإزدهار ثروته= وأحواضه ملأنة لبناً اي خيراته وفيرة. ومخ عظامه طري= أي وهو في أتم صحة. والله حر أيضاً أن يجعل البار يموت بنفس مرة وفي قول أيوب هذا إشارة إلي نفسه. ولكن يا أصحاب فالإثنين سواء البار الذي تألم أو الشرير الذي تنعم فكلاهما في التراب واحد، هذا لا يعود يذكر مرارته وذاك لا يعود يذكر تنعمه، وكلاهما يستعد لدينونة الله النهائية.

الأيات 27-34:- "هوذا قد علمت افكاركم والنيات التي بها تظلمونني، لانكم تقولون اين بيت العاتي واين خيمة مساكن الاشرار، افلم تسالوا عابري السبيل ولم تفطنوا لدلائلهم، انه ليوم البوار يمسك الشرير ليوم السخط يقادون، من يعلن طريقه لوجهه ومن يجازيه على ما عمل، هو الى القبور يقاد وعلى المدفن يسهر، حلو له مدر الوادي يزحف كل انسان وراءه وقدامه ما لا عدد له، فكيف تعزونني باطلا واجوبتكم بقيت خيانة".

 هوذا قد علمت أفكاركم= إذ رأي أنهم لا يزالون متمسكين بفكرة وجوب هلاك الأشرار كما حدث لأيوب، وعلم أنهم لم يوافقوا علي ما يقوله، وأنهم مصرين أن يحكموا بأنه شرير= النبات التي بها تظلمونني. لأنكم تقولون أين بيت العاتي= أي أين بيت أيوب الظالم الشرير أو أين بيوت أولاده، أين خيمة مساكن الأشرار أفلم تسألوا عابري السبيل= أي أن أرائي يعرفها ويؤيدها كل إنسان حتي عابري السبيل، كل شخص محايد يؤيدني، كان أيوب في ثقته من عدالة قضيته علي إستعداد أن يقبل حكم اي عابر سبيل كشخص محايد. ولم تفطنوا لدلائلهم= لكنكم في عنادكم وحتي تثبتوا شري لن تفطنوا أن ملاحظات كل البشر متفقة مع ما أقوله. ثم يؤكد أيوب فكرة هلاك الأشرار لكن ذلك محفوظ لليوم الأخير، يوم الدينونة أو اليوم الذي يحدده الله حسب ما يري الله وليس كما يحدد الإنسان، فهم يتصورون أن هلاك الشرير يجب أن يأتي فجأة= أنه ليوم البوار يمسك الشرير. أي يستمر الشرير في نجاحه لفترة طويلة حتي يأتي ذلك اليوم الذي حدده الله لبواره. ولكن خلال إزدهاره يخافه الناس، ويخشون أن يعلنوا له شره= من يعلن طريقه لوجهه أي أنه في حياته يكون مطمئن فهو جبار عاتي. وحتي في موته يسير الجميع في جنازته، بل تكون جنازته فخمة، وقبره في أبهة= هو إلي القبور يقاد، وعلي المدفن يُسهر= يسهرون لحراسة قبره حتي لا يسرق اللصوص الكنوز المدفونة معه. بل حتي الطين المدفون فيه يعتنون بزهوره ورياحينه، فيكون رائحته حلوة= حلوٌ له مدر الوادي. ولاحظ جنازته يزحف كل إنسان وراءه. أو أن المعني قد سبق موته ملايين البشر وسيموت بعده الملايين فالموت طريق الجميع. فكيف تعزونني باطلاً= كل ما قلتموه عن وجوب هلاك الأشرار كلام فارغ. وأجوبتكم بقيت خيانة= أي في إثبات شري، هذا فيه خيانة للصداقة، وفيه تعد علي الله فأنتم تريدون إملاء نظرياتكم الباطلة علي الله.


 

الإصحاح الثاني والعشرون

نري هنا هجوم أليفاز الثالث علي أيوب، وفيه إتهمه بالظلم والسلب والنهب.

الأيات 1-4:- "فاجاب اليفاز التيماني وقال، هل ينفع الانسان الله بل ينفع نفسه الفطن، هل من مسرة للقدير اذا تبررت او من فائدة اذا قومت طرقك، هل على تقواك يوبخك او يدخل معك في المحاكمة".

 هل ينفع الإنسان الله= تقوي الإنسان لا تنفع الله، بل ينفع نفسه الفطن الفطن أي الحكيم هو من يتقي الله وهذا لن يزيد الله شيئاً بل هو سوف ينفع نفسه وهذا ما نقوله في القداس الغريغوري "لست أنت المحتاج إلي عبوديتي بل أنا المحتاج إلي ربوبتيك". هل من مسرة للقدير إذا تبررت= الله لن تزيد قداسته لو تقدسنا، ولن يستفيد هو شخصياً من ذلك. كما أن الله لن تضيره أثامنا. لكن الله وضع الشريعة لصالح الإنسان وسعادته. هل علي تقواك يوبخك= قطعا لا! فالله لا يوبخ سوي علي الشرور وليس علي التقوي. إذاً يا أيوب كل تعاستك سببها أن الله يوبخك علي شرورك

الأيات 5-11:- "اليس شرك عظيما واثامك لا نهاية لها، لانك ارتهنت اخاك بلا سبب وسلبت ثياب العراة، ماء لم تسق العطشان وعن الجوعان منعت خبزا، اما صاحب القوة فله الارض والمترفع الوجه ساكن فيها، الارامل ارسلت خاليات وذراع اليتامى انسحقت، لاجل ذلك حواليك فخاخ ويريعك رعب بغتة، او ظلمة فلا ترى وفيض المياه يغطيك".

 فيها أليفاز يتهم أيوب بالسلب والنهب. وعجيب أن يتهم أليفاز أيوب بكل هذه التهم، فإن كان أيوب شريراً هكذا فلماذا أتوا ليعزوه. وكيف إستطاع أيوب أن يقول لهم إظهروا لي خطأ واحداً. والمعني أن أليفاز يتصور أن الله لا يمكن أن يعاقب أيوب بكل هذا العقاب إن لم يكن أيوب شريراً جداً. وأليفاز وبلدد وصوفر سبق لهم إن إتهموا أيوب بأنه شرير ولكن أليفاز زاد هنا بأن حدد هذه الشرور وذكر التفاصيل بينما لم يذكر أحدهم تفاصيل من قبل. وفي هذا أخطأ أليفاز خطيئة شنيعة في حق أيوب لا تقل عن خطية السبئيين والكلدانيين، فهو لم يكن عنده دليل واحد علي ما قاله. فقال عنه أنه كان قاسياً مع المساكين= لأنك إرتهنت أخاك بلا سبب= أي أخذت أخاك الذي إستدان منك ولم يكن عنده ما يسدد به الدين فأودعته السجن، أو أخذته عبداً لك وأنه كان يحابي الأغنياء= أما صاحب القوة فله الأرض= لم يسأل أيوب عن أحقيته في الأرض لكن طالما هو القوي فله الأرض، فكان يبرئ ساحة القوي وينصفه، فقط لأنه قوي. ذراع اليتامي إنسحَقَت= كانت قسوتك مع اليتامي حتي جعلتهم عاجزين غير قادرين أن يساعدوا أنفسهم. لأجل ذلك حواليك فخاخ العنآية الإلهية تقتص من الأشرار مثلك. يريعك رعب بغتة= لا يوجد خطية أشر من عدم الرحمة، ومرتكبها يفقد سلامه تماماً. وهذا الخاطئ يفقد بصيرته فيتخبط في قراراته= أو ظلمة فلا تري. وفيض المياه يغطيك= كأنك تكاد تغرق وتختنق.

الأيات 12-14:- "هوذا الله في علو السماوات وانظر راس الكواكب ما اعلاه، فقلت كيف يعلم الله هل من وراء الضباب يقضي، السحاب ستر له فلا يرى وعلى دائرة السماوات يتمشى".

 هنا يتهمه بالإلحاد الذي تسبب في فساده. هوذا الله في علو السموات. وأنظر رأس (أعلي كوكب) الكواكب ما أعلاه. حين ننظر الكواكب نجدها عالية جداً والله أعلي من أعلاها. وكان هذا دافعاً لك يا أيوب أن تخشع أمام الله، لكنك تصورت أن علو الله يجعله لا يري ما يحدث علي الأرض من ظلم فقلت كيف يعلم الله. هل من وراء الضباب يقضي= هل يري الله من وراء السحاب ومن علي هذا البعد الشاسع. ربما تصور أليفاز أن أيوب قصد هذا حين قال أن الله لا يجازي الأشرار أأبمعني أنه لا يري شرهم، فتمادي أيوب في شره لأن الله لا يري. علي دائرة السموات يتمشي= هو في علو مجده يمتع نفسه بمجده وكمالاته، ولا يتعب نفسه بنا. هذا فكر الحادي ومن الظلم أن ينسبه أليفاز لأيوب.

الأيات 15-20:- "هل تحفظ طريق القدم الذي داسه رجال الاثم، الذين قبض عليهم قبل الوقت الغمر انصب على اساسهم، القائلين لله ابعد عنا وماذا يفعل القدير لهم، وهو قد ملا بيوتهم خيرا لتبعد عني مشورة الاشرار، الابرار ينظرون ويفرحون والبريء يستهزئ بهم قائلين، الم يبد مقاومونا وبقيتهم قد اكلها النار". هل تحفظ طريق القدم= هل تسير في شرك يا أيوب في الطريق الذي سلكه آدم، طريق السقوط الذي جلب الشقاء للبشر، أو طريق الأشرار الذين هلكوا أيام نوح، فالخطية قديمة قدم البشرية وهلاك أصحابها معروف.

الذي داسه رجال الأثم= الطريق الذي تسلك فيه يا أيوب سبق وداسه أي سلكه كل الأشرار القدماء وهلكوا. الذين قبض عليهم قبل الوقت= أي ماتوا قبل أوانهم. الغمر إنصب علي أساسهم= يقصد الطوفان. وأساسهم هو الأرض التي بنوا عليها كل أحلامهم وأمالهم. وهذا إشارة لإنقلاب سدوم وعمورة تحت مياه البحر الميت التي غمرت مدنهم التي أسسوا عليها إقامتهم وظنوها دائمة. القائلين لله إبعد عنا= هم أسكتوا ضميرهم وتحدوا الله وتركوا التدين. وماذا يفعل القدير لهم ماذا يفعل لهم سوي ان يقطعهم. فهذا رأي أصحاب أيوب أن الخاطئ لابد أن يقطع ويضرب كما حدث لأيوب. وهو قد ملأ بيوتهم خيراً= ما يزيد خطيتهم أن الله وفر لهم خيرات كثيرة (هذا ما حدث لسدوم). لتبعد عني مشورة الأشرار= هذه قالها أيوب سابقاً بمعني لا أريد طريقهم حتي ولو جاءني منها خير فنهايتها خراب. الأبرار ينظرون ويفرحون بهلاك الأشرار، لأن بذلك تمجد الله وكلمته تمت وسلطان الظالمين تحطم.

البرئ يستهزىء بهم= الأبرار حين يروا نهآية الأشرار يكتشفوا حمق طريقهم وسخافة مبادئهم. ألم يُبد مقاومونا وبقيتهم قد أكلها النار= النار أكلت سدوم وعمورة لكن الآية تنطبق أيضاً بصفة عامة علي إبادة الأشرار وفرح الأبرار بهذا.

الأيات 21-30:- "تعرف به واسلم بذلك ياتيك خير، اقبل الشريعة من فيه وضع كلامه في قلبك، ان رجعت الى القدير تبنى ان ابعدت ظلما من خيمتك، والقيت التبر على التراب وذهب اوفير بين حصا الاودية، يكون القدير تبرك وفضة اتعاب لك، لانك حينئذ تتلذذ بالقدير وترفع الى الله وجهك، تصلي له فيستمع لك ونذورك توفيها، وتجزم امرا فيثبت لك وعلى طرقك يضيء نور، اذا وضعوا تقول رفع ويخلص المنخفض العينين، ينجي غير البريء وينجي بطهارة يديك".

 نجد هنا مشورة أليفاز الطيبة لأيوب وفيها يدعوه للتوبة.

تعرف به وأسلم= تقرب إليه وصالحه (يسوعيين) تعرف به وكن في سلام(إنجليزية) وبالتأكيد فمن يقترب إلي الله يكون في سلام (مع الله ومع نفسه ومع الناس ومع كل الخليقة). أنت يا أيوب تشكو من أن الله قد صار عدواً لك، فإقترب إليه يقترب هو إليك عوضاً عن أن تظل مصراً علي الصدام معه(وهذا كلام رائع). إقبل الشريعة من فيه لم يكن في عصر أيوب كلام إلهي مكتوب فأول كتاب إلهي كتبه موسي، ولكن فيما قبل موسي كان هنالك إعلان عن إرادة الله يتطلب من البشر أن يقبلوه، وهذا مما يثبت فكرة التقليد التي تتبعها كنيستنا الأرثوذكسية. وضع كلامه في قلبك= لا يكفي أن نقتنع عقلياً بكلام الله، بل يدخل إلي أعماقنا ونحيا به. إن رجعت إلي القدير تبني= ترجع لحالتك الأولي والأيات(24-26) معناها لو ألقيت ذهبك الذي حصلت عليه ظلماً من الفقراء عنك، ووزعته علي الفقراء الذين ظلمتهم، وتركت تمسكك وإتكالك علي ثروتك التي حصلت عليها بطرقك الشريرة، وحسبت هذه الثروة كلا شئ عندئذ تفرح وتتلذذ بالله. لقد تحصنت بثروتك سابقاً والأن أنا أدعوك أن تتحصن بالقدير فتجد سلاماً.

بل يكون القدير تبرك= التبر هو الذهب غير المضروب، والمعني يكون الله هو غناك وهو الذي يدافع عنك من السبئيين وخلافهم. وفضة أتعاب لك= سيكون الله أجرتك عن جهادك. ترفع إلي الله وجهك= ولا يكون ساقطاً كما هو الأن، بل يكون لك ثقة بالله. تصلي= تكلم الله. ونذورك توفيها= وتكون مقبولاً عند الله وصلاتك مقبولة. وكما قبل الله صلاتك إلتزم أمام الله بتعهداتك ونذورك توفيها. وآية(28) معناها تنجح كل أمورك حسب ما خططت لها، لأن الله أنار بصيرتك فتكون قراراتك صحيحة وبلا تخبط. إذا وضعوا تقول رفع= حتي في أيام المصائب العامة التي تصيب كل المحيطين يرفعك الله، وهذا حدث مع إسحق الذي أصاب 100 ضعف أثناء المجاعة تك 12:26. ويخلص المنخفض العينين= الله يرفع المتضعين ولذلك لو تواضعت فإن الله يخلص، يخلصك ويخلص من حولك ببركتك، ينجي غير البرئ وينجي بطهارة يديك أي الله يخلص وينجي جيرانك إستجابة لصلواتك الطاهرة. وفي الترجمة الإنجليزية جاءت" ينجي جزيرة البرئ فتنجو بطهارة يديك. وهذه قوة الشفاعة.


 

الإصحاح الثالث والعشرون

الأيات 1-7:- "فاجاب ايوب وقال، اليوم ايضا شكواي تمرد ضربتي اثقل من تنهدي، من يعطيني ان اجده فاتي الى كرسيه، احسن الدعوى امامه واملا فمي حججا، فاعرف الاقوال التي بها يجيبني وافهم ما يقوله لي، ابكثرة قوة يخاصمني كلا ولكنه كان ينتبه الي، هنالك كان يحاجه المستقيم وكنت انجو الى الابد من قاضي". نجد هنا رد أيوب علي أليفاز. ونلاحظ أن أيوب بعد أن كان قد هدأ عاد للشكوي مرة أخري والسبب إثارة أليفاز له بإصراره علي الإتهام السابق فرفض أيوب الإستسلام لإتهامات أصحابه وبدأ يدافع عن نفسه. وهذا ما يسمي صراع الروح مع الجسد. فالروح كان نشطاً بسبب عمل الروح القدس فيه الذي أعطاه رؤية الولي الحي الذي يشهد له في السماء. ولكن الجسد إستجاب مرة أخري للغضب بسبب إتهامات الأصحاب. ونلاحظ أن أيوب لو كان قد دان نفسه فعلاً وإعترف أمام الله بخطيته لما أعطي الفرصة للجسد أن يهزمه فيثور مرة أخري، بل لأعطي الفرصة للروح القدس أن يبقيه في حالة السلام والفرح.

اليوم أيضاً شكواي تمرد= لقد إعتبر الأصحاب شكوي أيوب أنها تمرد ضد الله بلا سبب. أما أيوب فيقول أأنا أشكو بلا سبب إن ضربتي أثقل من تنهدي= أي ألامي أكثر بكثير مما قلته. من يعطيني أن أجده= أيوب يتمني أن يري الله ويقف أمام كرسي قضائه فهو كان واثقاً من عدالة قضيته. وكان واثقاً أنه سوف يسمع الحكم وأنه في مصلحته فإشتاق أن يسمعه= فأعرف الأقوال التي بها يجيبني، أبكثرة قوة يخاصمني= كان أيوب هنا واثقاً أن الله لن يرهبه بمجده في تلك المحاكمة، ولن يكون قاسياً معه كما كان أصحابه في منتهي القسوة في مناقشاتهم وبالعكس فالله كان ينتبه إليَ= يشددني ويشجعني ويعطف عليَ لكي أستمر في كمالي.

ومن ثقته في نتيجة المحاكمة قال. هنالك كان يحاجه المستقيم وكنت أنجو= أي أمام محكمة الله في السماء سوف أتناقش وأثبت إستقامتي وبري. وأخذ حكم البراءة للأبد.

الأيات 8-12:- "هانذا اذهب شرقا فليس هو هناك وغربا فلا اشعر به، شمالا حيث عمله فلا انظره يتعطف الجنوب فلا اراه، لانه يعرف طريقي اذا جربني اخرج كالذهب، بخطواته استمسكت رجلي حفظت طريقه ولم احد، من وصية شفتيه لم ابرح اكثر من فريضتي ذخرت كلام فيه".

 اللسان بالنسبة للجسد كالدفة بالنسبة للسفينة، يقود الجسد حيث يشاء. (يع3). ولقد بدأ أيوب بلسان الشكوي ثانية وها نحن نجده يعود للكلام القاسي عن الله. وهنا يشكو أيوب من أنه لا يجد الله، هو يتمني أن يظهر أمام محكمة الله ليظهر براءته، ولكن المشكلة أنه لا يجد الله ليبرر نفسه أمامه، وهو بحث شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً فلم يجده، وكان خطأه أنه لم يبحث عن الله في الأعالي، هو لم ينظر إلي فوق، خطأ أيوب أنه بحث عن الله في مستواه. وخطأه الثاني أنه لم ينظر إلي داخله ليري شروره. والطريق للتبرير ليس بأن أدافع عن نفسي أمام الله لأثبت له بري، بل أن أقترب لله القدوس العالي الذي فوق وأشعر أنني تراب ورماد وخاطئ نجس ومحتاج للتبرير من الله، والله هو الذي يبررني، لذلك خرجت المرأة الخاطئة التي بكت وبللت قدمي المسيح بدموعها ومسحت قدميه بشعر رأسها، خرجت مبررة، أما الفريسي الذي هو في نظر نفسه بار لم يتبرر أمام الله بالرغم من أنه أولم وليمة للمسيح. وخرج العشار مبرراً حين قال اللهم إرحمني أنا الخاطئ ولم يتبرر الفريسي الذي تباهي ببره. مشكلة الإنسان أنه يريد أن يبرر ذاته أمام الله كأن البر يأتي من داخلي وبأعمالي، والحقيقة أن الله هو الذي يبرر، إذا شعر الإنسان بإحتياجه لهذا التبرير. وما صنعه أيوب هنا صنعه يوحنا أيضاً في سفر الرؤيا، فهو أخذ يبحث عمن هو مستحق أن يفتح السفر ويفك ختومه ولما لم يجد بكي كثيراً فنبهه الملاك أنه بحث كثيراً في مستواه ولم يجد، ولكن عليه أن ينظر للمسيح، الأسد الخارج من سبط يهوذا، ثم نظر يوحنا للأسد الذي قال عنه الملاك فوجد خروف قائم كأنه مذبوح، هذا هو الأسد الذي له الحق أن يفتح ولا أحد يغلق، وهو الذي يبرر بأن ذبح وإشترانا (رؤ 1:5-14). وطريق التبرير الأن أن نعترف بخطايانا، وأننا لسنا أبراراً من أنفسنا، ونشعر في داخلنا بعدم الإستحقاق، والإحتياج لدم هذا الفادي، ودمه يطهرنا (1يو 7:1-9)

هأنذا أذهب شرقاً. . . . شمالاً حيث عمله فلا أنظره، يتعطف الجنوب فلا أراه= وكلمة يتعطف الجنوب أي يستتر بالجنوب أو يتغطي به. ففي نظر القدماء أن الجنوب مجهول ومكان ظلام، أما الشمال فهو مكان العمل. فكأن المعني أنني لا أجد الله في أي مكان لا في الشرق ولا في الغرب، لا في الشمال حيث تظهر أعمال الله (ونحن يجب أن نري الله من خلال أعماله وعنايته) ولا في الجنوب حيث إرتدي ثوب الإختفاء، أو إرتدي الجنوب كثوب يختبئ فيه. ومع أنه لا يجد الله ليقدم قضيته أمامه، إلا أنه متأكد من بره وكماله. إذا جربني أخرج كالذهب. [ولنلاحظ فعلاً أن الله يختبر أولاده ويؤدبهم بالتجارب، وتكون التجارب كنار ممحصة تنقيهم كما تنقي النار الذهب من شوائبه، لكن أيوب لا يقولها بهذا المفهوم، ولكن معني كلامه أنني بار وإن إختبرني الله سيجدني باراً]

أكثر من فريضتي ذخرت كلام فيك= الفريضة هي الطعام الضروري. فأيوب يقول أنه حفظ وكنز كلام الله أكثر من قوته، اي إهتم بحفظ وصايا الله أكثر من طعامه. وهذا ما يعلمنا إياه الكتاب فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بكل كلمة تخرج من فم الله. وكلمة ذخرت تعني"كما يذخر القوم المؤونة وقت الحصار"

الأيات 13-17:- "اما هو فوحده فمن يرده ونفسه تشتهي فيفعل، لانه يتمم المفروض علي وكثير مثل هذه عنده، من اجل ذلك ارتاع قدامه اتامل فارتعب منه، لان الله قد اضعف قلبي والقدير روعني، لاني لم اقطع قبل الظلام ومن وجهي لم يغط الدجى".

لأن أيوب بدأ بالتبرم والشكوي، إنزلق لتبرير نفسه، ومن ثم هوي أكثر إلي الصدام مع الله. ولذلك علي الإنسان المتألم أن يصلي طالباً المعونة وأن يسلم لله فيجد سلاماً، هذا أفضل من الشكوي التي تزيد النفس مرارة، فالصبر يقود لحال أفضل. وهنا نجد أيوب يفسر آلامه بالرغم من بره بأن الله سيد له سلطان مطلق وفي سلطانه إن أراد أن يعذب بار ولا يستطيع أحد أن يقول له لا تفعل، وفي هذا منتهي القسوة علي الله. أما هو فوحده فمن يرده= هو له خطته التي لا تتغير ولا أحد يستطيع أن يقنعه ببري فيتوقف عن تعذيبي. لأنه يتمم المفروض علي= فهو سيتمم ويكمل كأس عذابي المفروض علي بلا رجوع. وكثير مثل هذه عنده= وما زال لديه الكثير من الآلام التي سيعذبني بها. من أجل ذلك أرتاع= مسكين أيوب فبعد أن بدأ الله يسكب تعزياته في قلبه، عاد وإنهزم وبدأ الشكوي ففقد سلامه ودخله الرعب. وهناك قانون يجب أن نعرفه. تعزيات الله وسلامه ينسكبان في النفس خلال قناة واحدة هي الثقة في الله والتسليم له= أي الإيمان بأنه إله صالح خير. أما الصدام مع الله فلا نتيجة منه سوي الإحساس بالمرارة.

لأن الله قد أضعف قلبي= بالكوارث التي أتت واحدة تلو الأخري، والخوف من كوارث أشد ينتظرها في المستقبل. وأشد كارثة في نظره أنه لم يمت حتي الأن= لأني لم أقطع قبل الظلام= أي لم يمت قبل أن تحل به متاعبه. ومن وجهي لم يغط الدجي ولا من الدجي التي تغشى وجهي (اليسوعيين). أي كنت أتمني أن أموت قبل أن تأتي علي هذه الضربات التي مثل الظلام وقبل أن تغطي وجهي مثل الدجي (الظلام)


 

الإصحاح الرابع والعشرون

يستمر أيوب في إثبات نظريته، أنه ليس شرطاً أن يعاقب الشرير.

الأيات 1-12:- "لماذا اذ لم تختبئ الازمنة من القدير لا يرى عارفوه يومه، ينقلون التخوم يغتصبون قطيعا ويرعونه، يستاقون حمار اليتامى ويرتهنون ثور الارملة، يصدون الفقراء عن الطريق مساكين الارض يختبئون جميعا، ها هم كالفراء في القفر يخرجون الى عملهم يبكرون للطعام البادية لهم خبز لاولادهم، في الحقل يحصدون علفهم ويعللون كرم الشرير، يبيتون عراة بلا لبس وليس لهم كسوة في البرد، يبتلون من مطر الجبال ولعدم الملجا يعتنقون الصخر، يخطفون اليتيم عن الثدي ومن المساكين يرتهنون، عراة يذهبون بلا لبس وجائعين يحملون حزما، يعصرون الزيت داخل اسوارهم يدوسون المعاصر ويعطشون، من الوجع اناس يئنون ونفس الجرحى تستغيث والله لا ينتبه الى الظلم".

 أيوب هنا يضرب أمثلة متعددة فيها الأبرار والأبرياء يتألمون بينما الأشرار يتنعمون ويبدأ بالتساؤل لماذا إذا لم تختبئ الأزمنة من القدير لا يري عارفوه يومه= الله لا يخفي عليه ما يحدث علي الأرض، هو يري أزمنة كل إنسان ويري شروره، والأبرار يؤمنون بعدل الله وأنه يجب أن يجازي الأشرار، لكنهم لا يرون يوم الدينونة هذا الذي فيه يعاقب الله الأشرار ويظهر عدل الله.

فالأشرار يمارسون ظلمهم ولا أحد يردعهم. ينقلون التخوم= ينزعون أملاك جيرانهم(أخاب ونابوت) والتخوم هي حجارة تنصب للفصل بين أرضين. تث 14:19 + تث 17:27. ثم يتكلم عن إغتصاب أملاك الأبرياء(وقطعاً كان في ذهنه إغتصاب السبئيين لأملاكه). يستاقون حمار اليتامي= إذا كان ليتيم حمار واحد ينتفع به كمورد رزق يأخذونه منه. ويرتهنون ثور الأرملة= يأخذون ثور الأرملة إن لم تقدر أن تسدد دين بسيط. يصدون الفقراء عن الطريق= يغلقون طريق الشكوي أمام الفقراء المظلومين حتي لا يستمع أحد لشكواهم. مساكين الأرض يختبئون جميعاً= من بطش هؤلاء الظالمين. ها هم كالفراء. . أيات 6، 5 يصور فيها بؤس الفقراء فهم هائمين علي وجوهم في الصحراء الحارقة يفتشون علي طعامهم، ربما في أعمالهم عند الأغنياء الظالمين، فهم يعطونهم أن يعملوا الأعمال الشاقة(ربما محاجر أو زراعة. . . . ) ويعطونهم القليل جداً. البادية لهم خبز لأولادهم= وماذا يجدون في هذا القفر طعاماً لأولادهم. والمعني أقل القليل أجرهم عن عملهم، أي يحيون هم وأولادهم علي الكفاف. والأغنياء يستخدمونهم في حقولهم ليحصدوا لهم. = في الحقل يحصدون علفهم ربما تعني أنهم بعد عملهم في حقول الأغنياء يكون نصيبهم ليس أكثر من أكل الحيوانات وربما تعني أن الفقراء يعملون في خدمة حيوانات الأغنياء في مقابل الكفاف.

ويعللون كرم الشرير= يعلل الكرم أي يأكل من العنب المتساقط أثناء الجمع، أو يأخذ لنفسه عنقوداً منسياً في الكرم. ولاحظ فالغني الشرير له كرم، والفقير لا يخرج سوي بالعنب المتساقط أو المنسي. يخطفون اليتيم عن الثدي ومن المساكين يرتهنون= المسكين حين يضطر للإستدانة ليأكل هو وأولاده، يأتي الغني إذ لا يجد عند الفقير ما يسد به الدين يخطف إبن الفقير من علي ثدي أمه ليكون عبداً للغني في مقابل الدين. يعملون عند الأغنياء ويعصرون الزيت داخل أسوارهم يدوسون المعاصر ويعطشون= أي يكدون ويتعبون في المعاصر وفي عصر الزيت ولا يفكر الأغنياء في أن يعطيهم أحد ما يشربونه. . . . ونلاحظ شكوي أيوب الموجهة إلي الله. والله لا ينتبه إلي الظلم= أي الله لا يدين الأشرار علي أفعالهم. وهذا الكلام هو تعبير عن نفس مضطربة، هو إندفع في طريق الخصام مع الله فأخذ يصور ظلم الأبرار. وبينما أصر أصحابه علي نظرية وجوب عقوبة الأشرار أصر هو هنا علي نظرية وجوب ألم البار والمسكين وكلا الطرفين خطأ. كلا الطرفين سقط في خطأ فرض أراء شخصية لإثبات نظريته. أما داود البار في مزاميره فكان له رأي أخر في إهتمام الله بالمسكين وراجع مزامير[9:9 + 12:9، 18 +5:12 + 10:34، 19، 7. ويأتي داود إلي المزمور 37 وفيه خلاصة القول كيف يتعامل الله مع الشرير. وقد يتألم البار لكنه إذا إلتجأ لله يحميه الله ويضع داود قاعدة ذهبية هي قلب هذا المزمور الرائع "أيضاً كنت فتي وقد شخت ولم أر صديقاً تخلي عنه ولا ذرية له تلتمس خبزاً" 25:37 والمزامير موحي بها من الروح القدس مثل كل الكتاب المقدس. وبذلك نفهم أن هذا هو الرأي الصحيح، أن الله لا يتخلي عن أولاده أبداً، وإن سمح لهم بأن يكونوا تحت الآلام فلفترة قصيرة لينقيهم، ولا يترك الفترة تطول حتي لا يسقطوا في هوة اليأس وربما يخطئون "لأنه لا تستقر عصا الأشرار علي نصيب الصديقين لكيلا يمد الصديقون إيديهم إلي الإثم مز 3:125. فالله يعلم الزمن المناسب، وحين يسمح لشرير أن يضرب أحد أولاده فلفترة محددة يتنقي فيها ثم يزيل هذا الشرير وهذا ما حدث مع أيوب نفسه. ومن الخطأ أن نري إنسان يتألم ونحن نعرف أنه بار فتحكم بأن الله تخلي عنه فهناك إعتبارات كثيرة لا نراها نحن بعيوننا وعقولنا المحدودة ويراها الله كلي القدرة الضابط الكل، صانع الخيرات محب البشر الصالح الذي يحب أولاده حتي أنه بذل إبنه الوحيد عنهم فكيف لا يهبهم ايضاً كل شئ صالح رو 32:8.

الأيات 13-17:- "اولئك يكونون بين المتمردين على النور لا يعرفون طرقه ولا يلبثون في سبله، مع النور يقوم القاتل يقتل المسكين والفقير وفي الليل يكون كاللص، وعين الزاني تلاحظ العشاء يقول لا تراقبني عين فيجعل سترا على وجهه، ينقبون البيوت في الظلام في النهار يغلقون على انفسهم لا يعرفون النور، لانه سواء عليهم الصباح وظل الموت لانهم يعلمون اهوال ظل الموت".

هنا يتحدث أيوب عن أنواع أخري من الأشرار وهم الذين يمارسون شرورهم في الظلام متوهمين أنه لا يراهم أحد. وهم أيضاً لا يعاقبون.

أولئك يكونون بين المتمردين علي النور= يختارون ظلمة الليل وقتاً لأعمالهم الشريرة. [وعموماً فالأعمال الشريرة تنسب للظلام وتسمي الخطايا أعمال الظلمة أف 11:5 + يو 20:3. فالخاطئ يسلك ضد نور ناموس الله وضد نور الضمير. هو يتمرد علي وصايا الله] ولا يعرفون طرقه= لا يرضون بأن يسلكوا ويعرفوا طرق النور.

مع النور يقوم القاتل= يقوم القاتل ليقتل المسافرين المساكين الذين يبدأون سفرهم في الفجر، مع بدآية نور الصباح. وعين الزاني تلاحظ العشاء= أي تلاحظ القيمة (اليسوعيين)، إن لم يكن من باب الخجل فهو من باب الحذر (أف 12:5). فالشرير يعتمد علي الظلام ليخبئ شره= يقول لا تراقبني عين. فيجعل ستراً علي وجهه= زيادة في التخفي يضع برقعاً علي وجهه حتي لا يُعرف [وهكذا يعمل كثير من اللصوص حتي الأن] ينقبون البيوت في الظلام= يذهبون للسرقة ليلاً حتي لا يراهم أحد. ولكن هل أعطاهم هذا طمأنينة؟! أبداً فهم في رعب مستمر= في النهار يغلقون علي أنفسهم= يهربون ويختفون ولا مطارد. فهم في رعب من لا شئ (مثل قايين). وفي رعبهم المستمر يكون سواءً بالنسبة لهم الصبح وظل الموت. لأنهم يعلمون أهوال ظل الموت= سبب رعبهم خوفهم من أن يقتلهم أحد (قايين)

الأيات 18-25:- خفيف هو على وجه المياه. ملعون نصيبهم فى الأرض. لا يتوجه إلى طريق الكروم. القحط والقيظ يذهبان بمياه الثلج كذا الهاوية بالذين أخطأوا. تنساه الرحم يستحليه الدود. لا يذكر بعد وينكسر الأثيم كشجرة. يسىء إلى العاقر التى لم تلد ولا يحسن إلى الأرملة. يمسك الأعزاء بقوته. يقوم فلا يأمن أحد بحياته. يعطيه طمأنينة فيتوكل ولكن عيناه على طرقهم. يترفعون قليلاً ثم لا يكونون ويحطون. كالكل يجمعون وكرأس السنبلة يقطعون. وإن لم يكن كذا فمن يكذبنى ويجعل كلامى لا شيئاً.

في الأيات (18-20) هنا أيوب يكرر كلام الأصحاب الذين قالوا بأن الشرير يجب أن يهلك. ولذلك في بعض الترجمات سبق الآية "18" أنتم تقولون خفيف هو علي وجه المياه= رأيكم أن الشرير مهما إغتني فهو يبيد سريعاً كغثاء علي وجه المياه (هو 7:10). ملعون نصيبهم في الأرض= لا بركة لهم في شئ.

لا يتوجه إلي طريق الكروم= الجلوس تحت الكرمة والتينة علامة الراحة. وهؤلاء الأشرار لا راحة لهم ولا سلام. وأن الله يصيبهم بالقحط والقيظ= أي أن الله في غيظه منهم يصيبهم بالقحط فيكونون في مجاعة وعطش يذهبان كل خيراتهم السابقة التي كانت كماء مثلج منعش= يذهبان بمياه الثلج. وأن الشرير لابد أن يموت شاباً= كذا الهاوية بالذين أخطأوا= أو أن المعني أن الشرير في أيام نجاحه يكون كمياه الثلج المنعشة، لكنه سينزل إلي الهاوية سريعاً. تنساه الرحم= من كثرة شروره حتي أمه تنساه. يستحليه الدود= مصيره للدود طعاماً له. لا يذكر بعد وينكسر الأثيم كشجرة= كان الأثيم كشجرة ولكنه ينكسر ولا يذكره أحد. ولا يذكر أحد كل عظمته.

وفي الأيات (21-22) "يسيء الى العاقر التي لم تلد ولا يحسن الى الارملة، يمسك الاعزاء بقوته يقوم فلا يامن احد بحياته". يقول لأصحابه بالرغم من أن هذه هي وجهة نظركم وجوب هلاك الشرير إلا أن الواقع يقول كلاماً آخر، أن الشرير يزدهر ويسيء للأبرار

يسيء إلي العاقر. . . ولا يحسن إلي الأرملة= يسيء لهم وهم في ألمهم ليزيد ألاماً علي آلامهم. فالعقم كان يعتبر عاراً في العهد القديم. وأي شر أكثر من الإساءة للمجروح.

يمسك الأعزاء بقوته= فهنا مثال علي جبروت الشرير. فلا أحد يأمن بحياته منه وفي الأيات (23-24) "يعطيه طمانينة فيتوكل ولكن عيناه على طرقهم، يترفعون قليلا ثم لا يكونون ويحطون كالكل يجمعون وكراس السنبلة يقطعون". يوجه الإتهام لله أن يري هذا الشر ويسكت. بل هو يعطي للشرير بسكوته عن شره طمأنينة فيتوكل= أي يتكل علي سكوت الله ويزداد شراً. عيناه علي طرقهم= هو إتهام لله بأنه يري ويسكت ولا يعاقب. يترفعون قليلاً= يكون إزدهارهم لفترة قليلة(لأن أيام الحياة قليلة) ثم لا يكونون= أي يموتوا. وكرأس السنبلة يقطعون= أي بعد أن تنتهي أيامهم، فلا أحد يقطع السنبلة قبل أن تنضج. وهم مثلهم في هذا مثل سائر الناس الأبرار= كالكل يجمعون. فماذا خسر الشرير بشره وماذا إستفاد البار ببره. بل الشرير مات دون أن يتألم كما يتألم هو وهو البار.

وفي الآية (25) "و ان لم يكن كذا فمن يكذبني ويجعل كلامي لا شيئا". يتحدي الحاضرين أن يكذبه أحدهم.


 

الإصحاح الخامس والعشرون

نجد هنا خطاب بلدد الأخير، وفيه رد موجز علي أيوب كأنه قد مل من الكلام في هذه القضية. وبعد هذا الخطاب من بلدد إنسحب الأصحاب وإمتنعوا عن الكلام. فهم وجدوا أيوب مصراً علي موقفه، وهم مصرين أيضاً، فالسكوت أفضل إذاً.

الأيات 2-3:- "السلطان والهيبة عنده هو صانع السلام في اعاليه، هل من عدد لجنوده وعلى من لا يشرق نوره".

 فيهما شهادة لعظمة الله ومجده. السلطان والهيبة عنده= الله يري خلق الكون، له وحده حق التشريع والتصرف في هذا الكون، وبمقتضي سلطانه يتمم كل مشيئته. صانع السلام في أعاليه= الملائكة كلها تطيعه طاعة كاملة وهم خاضعين لمشيئته تماماً، ولأنهم خاضعين فلا مشاجرات بينهم وبين الله ولا بينهم وبين أنفسهم[كأن الكلام موجه لأيوب، لو كنت خاضعاً لله تماماً لما تشاجرت وتذمرت علي الله، ولما إختلفت معنا]. بل حتي الله يحفظ مسارات الكواكب وهي لا تصطدم ببعضها. هل من عدد لجنوده= تقاس عظمة الملوك بعدد جيوشهم. والله في عظمته له ملائكة بأعداد لا تحصي. وعنايته تشمل الجميع علي من لا يشرق نوره= هذا تعبير عن رعآية الله للجميع.

الأيات 4-6:- "فكيف يتبرر الانسان عند الله وكيف يزكو مولود المراة، هوذا نفس القمر لا يضيء والكواكب غير نقية في عينيه، فكم بالحري الانسان الرمة وابن ادم الدود".

بعد أن تبين مقدار عظمة الله ومجده يستنتج مقدار إثم الإنسان ونجاسته أمام الله. كيف يتبرر الإنسان عند الله= بالمقارنة مع قداسة الملائكة فالإنسان نجس والله ينسب لملائكته حماقة. فماذا يكون حال الإنسان إذا وقف أمام الله القدوس. وبنفس المنطق فهل يمكن لإنسان أن يحكم علي تصرفات الله بأنها خطأ، هل يمكن لإنسان أن يتناقش ويجادل الله في أحكامه. كيف يزكو مولود المرأة= "بالخطية ولدتني أمي"فالمرأة الخاطئة كيف تلد مولوداً ويكون باراً مزكي أمام الله. فالإنسان يولد من أبويه وارثاً الخطية الأصلية. فنحن وارثين فساداً من أبائنا ونصنع فساداً في الأرض فكيف نظهر أمام الله كأبرار وكلنا نجاسة. بل حتي الأجرام السماوية برغم أنوارها فهي كتل من طين. هوذا نفس القمر لا يضئ. ما هو نور القمر أو نور الكواكب أو نور الشمس بالنسبة لنور الله وعظمته. بالمقارنة فكل الكواكب تصبح وكأنها مظلمة.

"وكلام بلدد هنا حق، وأيوب فعلاً كان في منتهي الجرأة حين إدعي البر أمام الله بل هي ليست جرأة، بل خطية كبرياء إنزلق إليها أيوب بسبب البر الذاتي" فكم بالحري الإنسان الرمة وإبن آدم الدود= الإنسان مهما كان غنياً، باراً، عظيماً أو شريراً حين يموت لا يزيد عن كونه نتانة يأكله الدود. بل الإنسان بالمقارنة بعظمة الله ما هو إلا دودة، ضعيف وعاجز ويُسحق بسرعة. ويالحماقة من يخاصم خالقه، الذي يستطيع أن يسحقه كما نسحق نحن الدودة.


 

الإصحاح السادس والعشرون

الأيات 1-14:- "فاجاب ايوب وقال، كيف اعنت من لا قوة له وخلصت ذراعا لا عز لها، كيف اشرت على من لا حكمة له واظهرت الفهم بكثرة، لمن اعلنت اقوالا ونسمة من خرجت منك، الاخيلة ترتعد من تحت المياه وسكانها، الهاوية عريانة قدامه والهلاك ليس له غطاء، يمد الشمال على الخلاء ويعلق الارض على لا شيء، يصر المياه في سحبه فلا يتمزق الغيم تحتها، يحجب وجه كرسيه باسطا عليه سحابه، رسم حدا على وجه المياه عند اتصال النور بالظلمة، اعمدة السماوات ترتعد وترتاع من زجره، بقوته يزعج البحر وبفهمه يسحق رهب، بنفخته السماوات مسفرة ويداه ابداتا الحية الهاربة، ها هذه اطراف طرقه وما اخفض الكلام الذي نسمعه منه واما رعد جبروته فمن يفهم".

 أيوب هنا يرد علي بلدد متهكماً ويبين له أنه لم يأتي بجديد، بل كلامه بلا فائدة

كيف أعنت من لا قوة له= هل كلماتك مهما بدا أنها كلمات عظيمة قد أعانتني أنا من لا قوة لي الآن، أنت جئت لتعزيني فهل فعلت= هل خلصت ذراعاً لا عز لها.

هل أعطيتني كلمات تعزيني وتخلصني بعد أن إنكسر عزي وضاع. كيف أشرت علي من لا حكمة له، وأظهرت الفهم بكثرة= أي خير صنعت بكلامك، ما هي المشورة النافعة التي أعطيتها لي، هب أنني بلا حكمة، فماذا أشرت به علي، هل تظن حقاً أنني لا أؤمن بكل ما قلته عن عظمة الله وحقارة الإنسان، حتي تكرر ما قلتموه سابقاً وفي هذا تظن نفسك أنك تظهر فهماً وحكمة لا مثيل لهما. لمن أعلنت أقوالاً= هل تظنني جاهلاً لا أعرف الله حتي تعلمني عن الله كما تعلم ولد صغير. هناك فرق في طريقة التعليم، إذا ما كلمنا ولد صغير، أو شخص جاهل، أو شخص متعلم. (في حالة كأيوب المفروض أن يكون الكلام عن نعمة الله ورحمته لا عن عظمة الله وسلطانه)

ونسمة من خرجت منك= أي بإلهام من تكلمت، وهل تصورت أن كلامك هذا موحي به من الله، أنا أتعجب بأي روح تكلمت. وكان أيوب له الحق في الهجوم علي أصحابه فهم في مناقشاتهم كانوا يتكلمون بمنطق الخصوم الذين يبحثون كيف ينتصرون. والأصحاب في تعزياتهم قد يفشلون، أما الروح القدس فهو المعزي الحقيقي.

الأيات 5-14:- هنا أيوب يظهر أمام أصحابه أنه يعرف عن الله كما يعرفون بل أكثر والذي ينبغي أن نعرفه، أنه عندما نتحدث عن مجد الله فإننا نعجز عن أن نعلن الأمر بوضوح كما هو 1كو 12:13. وعن عظمة الله إتفق الأصحاب ولم يختلفوا.

الأخيلة ترتعد من تحت المياه وسكانها= الأخيلة أي الأموات (أش 9:14 + أش 14:26). وكانوا يتصورون أن الأموات يسكنون الهاوية، والهاوية تحت الأرض، تحت أعمق أعماق الماء، في مكان لا يدرك. والأموات فيها يرتعبون من الله مهما كان جبروتهم في حياتهم علي الأرض. الهاوية عريانه قدامه= نحن كبشر لا نستطيع أن نري الهاوية، لكنها مكشوفة أمام الله. والهلاك ليس له غطاء= المكان الذي يتعذب فيه الأشرار أيضاً مكشوف أمام الله. ولعلنا من هذه الآية نلمس فكر القدماء فهناك الهاوية وهي مكان للأبرار وهناك الهلاك وهي هاوية أخري خاصة بالأشرار، ولا يستطيع من في الهاوية الإتصال بمن في هاوية الهلاك، والعكس صحيح. ونفس المفهوم قاله سليمان في أم 11:15. يمد الشمال علي الخلاء= يقصد النجوم التي في السماء وأجملها ما في الشمال (ولا يقصد طبعاً شمال الكرة الأرضية) وهذه النجوم قد تعلقت في السماء علي لا شئ والأقدمين كانوا يعتقدون أن السماء قبة تحوي النجوم ومثبتة علي الأرض أو فوق الأرض. والخلاء يقصد به الهواء. ويعلق الأرض علي لا شئ= عجيب أن يقول أيوب هذا حسب نظريات العصر الحديث. يصر المياه في سحبه= بالنسبة لهم فالماء محفوظ فوق السحب ومع هذا وبالرغم من وزن المياه الكبير فإن السحب لا تتمزق= فلا يتمزق الغيم تحتها= كأن المياه مصرورة بإحكام في كيس إلي أن تحين الفرصة لإستخدامها. وهنا قد يكون أيوب يقارن طريقة حفظ الماء قديماً في أزقة(جمع زقاق وهو كيس جلدي) وهذه الأزقة تتمزق أحياناً، أما السحب في نظره فهي لا تتمزق. يحجب وجه كرسيه باسطاً عليه سحابه الله في مجده لا يحتمل أحد ضياؤه ولذلك هو يخفي مجده حتي لا نموت نحن البشر. وهو هنا يصور السحاب أنه يغطي مجد الله كما يغطي نور الشمس وحرارتها. ولكن رأينا بعد ذلك أن هناك فعلاً سحابة حجبت المسيح في صعوده، وسحابة رافقت الشعب في مسيرته نحو كنعان. رسم حداً علي وجه المياه عند إتصال النور بالظلمة= القدماء تصوروا أن مياه البحر تحيط بالأرض كلها كدائرة، ونور الشمس ينير داخل هذه الدائرة أما خارج هذه الدائرة ظلمة، والله رسم حداً عند إتصال النور بالظلمة. أعمدة السماوات ترتعد، وترتاع من زجره= يقصد الجبال التي علي قممها ترتكز السماء وهذه ترتعد مع الرعود والزلازل. بقوته يزعج البحر= بالعواصف والأنواء وبقوته يضرب مصر= وبفهمه يسحق رهب= إذا فهمنا أن رهب إشارة إلي مصر. نري أن هذه الآية إشارة للضربات التي وجهت لفرعون وللمصريين، خصوصاً بشق البحر حين شقه الله= يزعج البحر. بنفخته السموات مسفرة= أي بنسمة فيه يطرد السحاب وتصبح السموات صافية فتظهر الكواكب. ولكن في ترجمات أخري ترجمت الآية بروحه زين السموات= فالله خلق السموات بكواكبها وإزدانت بلمعانها

ويداه أبدأتا الحية الهاربة= قد يقصد بها الحية التي تبتلع الشمس في الكسوف أو القمر في الخسوف كما كان القدماء يعتقدون. وسماها هاربة لسرعة حركاتها. وربما كانت الإشارة لإبليس فهو الحية الهاربة، وقد تكون الإشارة إلي لوياثان كما سيأتي الشرح في إصحاح(41). والبعض فسروا الآية بأنها مجموعة نجوم أسموها الحية الهاربة، وهي جزء من زينة السموات. ها هي أطراف طرقه كل ما قلته هو جزء لا يذكر من عجائب خلقة الله، هي أطراف فلا يوجد من يدعي أنه يعرف الأعماق. نحن معرفتنا بسيطة جداً بالله. ما أخفض الكلام الذي نسمعه منه= أي ما أقل ما نسمع عنه. وأما رعد جبروته فمن يفهم= أي إذا كنا بالكاد نعرف شيئاً من أطراف طرق الله، فمن الذي يفهم قوته ويدركها. كلمة أطراف طرقه تناظر ما أخفض الكلام الذي نسمعه منه. وبالتالي يصبح رعد جبروته كنآية عن معرفة أعماق الله.


 

الإصحاح السابع والعشرون

إنتصر أيوب بعد ما قاله في إصحاح(26) فلما لم يتكلم أحد من الأصحاب تكلم هو.

الأيات 1-6:- "و عاد ايوب ينطق بمثله فقال، حي هو الله الذي نزع حقي والقدير الذي امر نفسي، انه ما دامت نسمتي في ونفخة الله في انفي، لن تتكلم شفتاي اثما ولا يلفظ لساني بغش، حاشا لي ان ابرركم حتى اسلم الروح لا اعزل كمالي عني، تمسكت ببري ولا ارخيه قلبي لا يعير يوما من ايامي".

 حي هو الله الذي نزع حقي= هو عظم الله إذ قال عنه أنه حي. فهو حي إلي الأبد. ومع ذلك تكلم عنه كلاماً قاسياً لا يليق إذ قال أن الله نزع حقه أي ظلمه، إذا سمح بإستمرار متاعبه. ولقد وبخه أليهو علي هذه الكلمة بالذات. فالله عادل ولا ينزع حق أحد. ولكن الإنسان يميل إلي اليأس إن لم يحل الله مشكلته سريعاً، الإنسان لا يحتمل الإنتظار، وهو غير صبور، لذلك يشكو، ولكنه حين يشكو تتمرر نفسه فيعود ويظن أن الله هو الذي مرر نفسه. القدير الذي أمر نفسى وآية (2) هي قسم وعلي ماذا يقسم أيوب؟ أنه طالما هو حي= نسمتي فيَ لن تتكلم شفتاي إثماً= مهما كانت الآلام التي يسمح بها الله عليَ لن أخطئ في حقه.

ولا يلفظ لساني بغش=أي لو أظهر لي الله أو أي أحد أنني مخطئ سأعترف فوراً.

حاشا لي أن أبرركم= علي إنتقاداتكم الظالمة لي. حتي أسلم الروح لا أعزل كما لي عني حتي وإن مت بسبب هذه النكبات، لن أخطيء إلي الله وسأظل في كمالي.

تمسكت ببري ولا أرخيه= هذا هو موضوع فخري وفرحي. قلبي لا يعير يوماً من أيامي= لن أخطئ كما لم أخطيء من قبل، لذلك قلبي لا يلومني علي أي خطية سابقة ولن أعطي قلبي فرصة علي أن يلومني علي خطية في المستقبل.

الأيات 7-10:- "ليكن عدوي كالشرير ومعاندي كفاعل الشر، لانه ما هو رجاء الفاجر عندما يقطعه عندما يسلب الله نفسه، افيسمع الله صراخه اذا جاء عليه ضيق، ام يتلذذ بالقدير هل يدعو الله في كل حين".

 أيوب يرفض أن يشابه الأشرار أو يكون مثلهم حتي لو كان شرهم يقودهم للغني والثروة. وقوله ليكن عدوي كالشرير= هذا قول مأثور كما يقول أحدهم الأن "إنشا الله عدوك" حين يسمع كلاماً سيئاً عن شخص يحبه. وقد إستخدم دانيال هذا القول في دا 19:4 "الحلم لمبغضيك". ومعاندي كفاعل الشر= هي تكرار بنفس المفهوم. والمعني أن أيوب يفضل آلامه مع كونه باراً عن الغني والثروة مع طريق الشر. وما سبب رفض الشر؟ إيمانه بنهآية الشرير المخيفة= لأنه ما هو رجاء الفاجر عندما يقطعه الله أي يموت= عندما يسلب الله نفسه. هل بعد موته تنفعه ثروته أو عظمته. إنه سيترك كل هذا ويقف أمام الله. أفيسمع الله صراخه= حين يسمع الحكم بموته الأبدي. لا لن يسمع الله. وهذا ما حدث مع الغني "بيننا وبينكم هوة عظيمة. . . لو 19:16-31. والله يسمع الصراخ لو كان هنا في العالم، إذا قدم الشرير توبة. أم يتلذذ بالقدير= هناك مكانين بعد الموت أحدهما "فيه يتلذذ الإنسان الصالح بالقدير" والأخر فيه الإنسان الشرير يصرخ فلا يستجاب له. ومن يتلذذ بالقدير يدعو لله كل حين اي هو في إتصال مع الله، يكلمه ويتلذذ به. أفهل أخسر أبديتي وأن أتلذذ بالله من أجل أن أفرح بالشر علي الأرض. هذا كلام أيوب.

الأيات 11-23:- "اني اعلمكم بيد الله لا اكتم ما هو عند القدير، ها انتم كلكم قد رايتم فلماذا تتبطلون تبطلا قائلين، هذا نصيب الانسان الشرير من عند الله وميراث العتاة الذي ينالونه من القدير، ان كثر بنوه فللسيف وذريته لا تشبع خبزا، بقيته تدفن بالموتان وارامله لا تبكي، ان كنز فضة كالتراب واعد ملابس كالطين، فهو يعد والبار يلبسه والبريء يقسم الفضة، يبني بيته كالعث او كمظله صنعها الناطور، يضطجع غنيا ولكنه لا يضم يفتح عينيه ولا يكون، الاهوال تدركه كالمياه ليلا تختطفه الزوبعة، تحمله الشرقية فيذهب وتجرفه من مكانه، يلقي الله عليه ولا يشفق من يده يهرب هربا، يصفقون عليه بايديهم ويصفرون عليه من مكانه".

 إني أعلمكم بيد الله= بمعونة الله وقوته سوف أعلمكم ما هو الحق في موضوع خلافنا. لا أكتم ما هو عند القدير= أي مشورة الله ومقاصده

ها أنتم كلكم قد رأيتم= مشاهداتكم تؤيد وجهة نظري فلماذا تتبطلون تبطلاً= فما بالكم تنطقون بالباطل (ترجمة اليسوعيين). وأيوب إعتبر أن كلامهم باطل لأنهم قصدوا إثبات حتمية هلاك الأشرار ليصلوا إلي غرضهم أن أيوب كان شريراً لذلك سمح له الله بهذه الألام. وإعتبر أيوب أن كلامهم باطل لأنه كان ضد مشاهداتهم والتي أثبتها لهم أيوب أن الشرير قد ينجح وأن البار قد يتألم ويُظلم. ثم يورد أيوب عينة من أقوالهم التي قالوها= قائلين= هذا نصيب الإنسان الشرير. هم كانوا مصرين علي حتمية أن الله يعاقب الشرير. وبماذا يعاقب الله الشرير؟ هنا أيوب يكرر كلام أصحابه إن كبر بنوه فللسيف= لابد وأن يموتوا (وهذه العبارة كم أتعبت أيوب بسبب موت أولاده) وذريته لا تشبع خبزاً= من ذهب للسيف ذهب والباقي يكون في مجاعة. بقيته تدفن بالموتان= الموتان مرض يصيب المواشي، وحين يموت بقية أفراد عائلة الشرير به يصبح المعني أنهم يموتون كالمواشي بلا أي كرامة (أر 19:22) " يهوياقيم يدفن دفن حمار" أرامله لا تبكي= حتي أرملة الشرير لا تبكيه فهي إستراحت منه. إن كنز فضة كالتراب راجع حب 6:2. مهما كان غني الشرير فكل ما كنزه يتحول لتراب، أو يتحول هو لتراب فلا يستفيد من ماله.

وبتدبير من الله تذهب ثروته للبار المظلوم الذي ظلمه= فهو يعد والبار يلبسه. يبني بيته كالعث= العث حين يبني بيته يتصور أنه قوي ومتين وسيحميه ولا يدري أنه يهدم في لحظة، بل ينزع بيته كمظله صنعها الناطور= الناطور هو الحارس، وهو صباحاً يصنع لنفسه مظلة من حرارة الشمس، وإذا جاء المساء ينزعها. يضطجع غنياً ولكنه لا يضم= مهما مات في كرامة فهو لن ينضم لجماعة القديسين والأفاضل. يفتح عينيه ولا يكون= حين يفتح عينيه في مكانه الجديد في الهاوية الهلاك، لا يجد نفسه في كرامة مثل التي تركها علي الأرض. الأهوال تدركه كالمياه، ليلاً تخطفه الزوبعة الأهوال تحيط به كأنه محاط بمياه غامرة، يرتعب حين يدرك أنه سيغادر هذا العالم، وإذ يذكر إنتقاله للعالم الآخر. وفجأة تخطفه زوبعة غضب الله، أو عاصفة الموت. وهي تخطفه ليلاً، والليل يشير للظلام والغضب والخوف. تحمله الشرقية = الشرقية هي الريح الحارة الساخنة المدمرة والتي تدمر الزروع. وفي هذا إشارة لغضب الله الذي يقتلعه من وسط ثروته ونجاحه ويدمر له كل ما بناه. والآية (22) تترجم هكذا "في ترجمة اليسوعيين "تهوي عليه ولا تشفق وهو هارب من يديها" وهي الترجمة الأدق أي أن غضب الله يهوي عليه ويدمره ولا يستطيع أن يهرب يصفقون عليه= كل البشر حوله حين يروا سقوطه يفرحون


 

الإصحاح الثامن والعشرون

كان أيوب وأصحابه يتناقشون حول طرق وأسباب تصرفات العنآية الإلهية في إدارة العالم. فقال أيوب وكيف بحكمتنا المحدودة نتكلم عن حكمة الله اللانهائية وكيف نفهم مشورات الحكمة الإلهية. هذا الإصحاح فيه نغمة مختلفة عن كل ما سبق. أيوب هنا لا يتكلم عن آلامه بل عن حكمة الله غير المحدودة. أيوب هنا يعترف أن حكمة الله لا تناقش ويعطي أدلة عديدة علي حكمة الله. ويقول أن الحكمة ثمنها لا يقدر. ولقد سبق صوفر وتمني ان أيوب تعلن له خفيات الحكمة 6:11 وهنا يرد عليه أيوب بأن هناك أنواع من الحكمة:-

1.       حكمة علمها الله للإنسان ليستعمل الأرض وما فيها من كنوز  (1-11)

2.       حكمة إلهية ثمنها عظيم وهي خفية علي البشر         (12-27)

3.       حكمة معلنة لبني البشر وهي مخافة الرب    (28)

وبالنسبة للأولي فقد أودع الله هذه الحكمة للإنسان لكي يعيش، فصار في قدرة الإنسان أن يزرع ليأكل ويستخدم المناجم. . . . إلخ. وأما الحكمة الإلهية غير المعلنة فهذه لم يعلنها الله لأننا لم نفهمها ولن نفهمها الأن، ولكن علينا بالتسليم بأن كل الأمور الحادثة هي بحكمة خاصة إلهية. وبالنسبة للإنسان فهناك حكمة من نوع ثالث إكتشفها القديسون ولا يعبأ بها الأشرار، وهي مخافة الرب ومن يتبع هذه الحكمة تكون له السماء نصيباً، ويحيا في بركة الله علي الأرض.

الأيات 1-11:- "لانه يوجد للفضة معدن وموضع للذهب حيث يمحصونه، الحديد يستخرج من التراب والحجر يسكب نحاسا، قد جعل للظلمة نهاية والى كل طرف هو يفحص حجر الظلمة وظل الموت، حفر منجما بعيدا عن السكان بلا موطئ للقدم متدلين بعيدين من الناس يتدلدلون، ارض يخرج منها الخبز اسفلها ينقلب كما بالنار، حجارتها هي موضع الياقوت الازرق وفيها تراب الذهب، سبيل لم يعرفه كاسر ولم تبصره عين باشق، ولم تدسه اجراء السبع ولم يعده الزائر، الى الصوان يمد يده يقلب الجبال من اصولها، ينقر في الصخور سربا وعينه ترى كل ثمين، يمنع رشح الانهار وابرز الخفيات الى النور".

 الحكمة التي أودعها الله لكل البشر :- بواسطة هذه الحكمة الإنسانية إكتشف الإنسان الثروات المختبأة في باطن الأرض

يوجد للفضة معدن= معدن جاءت "عرق" في الإنجليزية. بمعني أن الإنسان توصل لإستخراج هذه المعادن النفيسة من باطن الأرض (فضة/ ذهب/ حديد/ نحاس)

الحجر يسكب نحاساً= أي يحصل الإنسان علي النحاس بأن يصهر الخام (الحجر) فالحجر إذاً هو خام النحاس. قد جعل للظلمة نهآية= ظلمة المناجم لم تمنع الإنسان من الوصول لأعماق المناجم، بل هو وضع بحكمته نهآية لظلمتها ووصل لأعماقها وفحصها.

وإلي كل طرف يفحص= "بحثوا في كل قصي" (في ترجمة اليسوعيين). أي أن الإنسان في بحثه عن المعادن ذهب لكل مكان. حجر الظلمة= أي خام المعادن الموجود في ظلمات المناجم. وظل الموت= كم من أخطار تواجه عمال المناجم حتي أيامنا هذه، لكن الإنسان لم يمتنع عن إستخدام المناجم. متدلين. . . . يتدلدلون= كانوا يحفرون حفراً في الجبال ثم يتدلون فيها مربوطين بحبال، إلي أعماق كبيرة. وهذه المناجم في أماكن مسكونة= بعيداً عن السكان. أرض يخرج منها الخبز أسفلها ينقلب كما بالنار= تناقض بين ما هو أعلي المناجم وهي أرض زراعية وما يحدث أسفلها من تنقيب وتكسير. وهم قلبوا باطنها كما لو كان قد تم تدميره بالنار. التصوير هنا، أن الإنسان لو إكتشف منجماً في أرض زراعية سيقلب هذه الأرض ويحفر المنجم وتتحول الأرض الزراعية إلي خراب، وأفران للصهر. ويتركون بقايا أفران الصهر علي الأرض الزراعية فتخرب تماماً. حجارتها هي موضع الياقوت الأزرق. . . والذهب= ما يدفع الإنسان لقلب الأرض الزراعية أنه عرف كيف يستخرج من باطنها الجواهر والذهب.

سبيل لم يعرفه كاسر، ولم تبصره عين باشق= النسور (كاسر/باشق) مشهورة بحدة البصر، فهي تري الفريسة من أبعاد كبيرة. وبالرغم من هذا فعيون النسر لم تكتشف هذه المناجم. ولم تدسه أجراء السبع ولم يعده الزائر= الزائر هو الأسد لأنه يزأر. أي الأسد بالرغم من قوته لم يستطع حفر منجم من هذه المناجم ومعني الأيتين أن الإنسان بالرغم من أنه ليس له حدة بصر النسر ولا قوة الأسد إلا أنه بحكمته إستطاع الحصول علي المعادن الثمينة والجواهر من باطن الأرض. فالنسور والأسود بالرغم من قواها الطبيعية الخارقة عاجزة عن إقتناء الحكمة التي أعطاها الله للإنسان ليستغل بها الأرض التي يحيا عليها. إلي الصوان يمد يده= إشارة للصعوبات التي يجدها عمال المناجم في حفرها. ينقر في الصخور سرباً= أي ينشئ سراديب وأنفاق في داخل المناجم وذلك لأن عينه تري كل ثمين يمنع رشح الأنهار= إخترع الإنسان طرقاً لمنع رشح الأنهار حتي لا تفسد المناجم وذلك ليستخرج من باطنها كل ما هو ثمين وأبرز الخفيات إلي النور.

ولكن بالرغم من كل حكمة الإنسان هذه فهو عاجز عن أن يفهم حكمة الله، ولماذا يسمح بالشر للأبرار والعكس. فهناك نوع أخر من الحكمة وهو الحكمة الإلهية ومن له هذه الحكمة يفهم

1.       أنه إن كان الذهب والفضة يجتهد الإنسان ليحصل عليهم ويحتمل في سبيل هذا كل هذه المشقات، فكم ينبغي أن نجتهد ليكون لنا النصيب السماوي ميراثاً.

2. كيف نفهم حكمه الله، لندرك لماذا يعاقب الأبرار والعكس؟ هذه لايمكن أن ندركها بعقولنا المحدودة، فأسرار الله لا يعلنها سوى لأحبائه.

3.       كيف نكون محبوبين من الله حتي يعلن لنا أسراره

أ)        أن نجتهد ونغصب أنفسنا في جهادنا الروحي فملكوت السموات يغصب مت 12:11.

ب)      أن نخاف الله ولا نغضبه أي 28:28

حـ)     بقدر ما نجتهد يكون ما نحصل عليه أثمن. فبمجهود قليل يحصل الفلاح علي القمح بزراعة الأرض. ولكن لكي يحصل علي الجواهر والذهب فالمجهود أكبر.

الأيات 12-19:- "اما الحكمة فمن اين توجد واين هو مكان الفهم، لا يعرف الانسان قيمتها ولا توجد في ارض الاحياء، الغمر يقول ليست هي في والبحر يقول ليست هي عندي، لا يعطى ذهب خالص بدلها ولا توزن فضة ثمنا لها، لا توزن بذهب اوفير او بالجزع الكريم او الياقوت الازرق، لا يعادلها الذهب ولا الزجاج ولا تبدل باناء ذهب ابريز، لا يذكر المرجان او البلور وتحصيل الحكمة خير من اللالئ، لا يعادلها ياقوت كوش الاصفر ولا توزن بالذهب الخالص".

 بعد أن تحدث أيوب عن النوع الأول من الحكمة، يتحدث هناعن النوع الثاني، وهو الحكمة الإلهية التي يعطيها الله لمحبيه. فالله أعطي حكمة لكل البشر بها يعيشون ويأكلون ويستخرجون من الأرض كل ثمين. ولكن هناك حكمة إلهية لا يأخذها سوي الخاصة الذين أحبوا الله فأحبهم الله وأعطاهم.

أما الحكمة فمن أين توجد= لا يستطيع الإنسان العادي أن يحصل عليها. لا يعرف الإنسان قيمتها= جاءت في السبعينية طريقها. والمعنيين متكاملان، فلو عرف قيمتها لكد وتعب وإجتهد حتي يعرف طريقها ليحصل عليها. ولكن قليلين هم الذين عرفوا قيمتها الحقيقية. لا توجد في أرض الأحياء= لا يستطيع إنسان علي الأرض أن يدلك عليها، فمصدرها هو الله وحده، نحصل عليها من الكتاب المقدس ودراستنا فيه، بصلواتنا، بأصوامنا، نحصل عليها إن كنا نحب الله ونصنع كل هذا بمحبة.

الغمر يقول ليست هي فيَ= الغمر هو البحر المحيط بالأرض حسب رأي القدماء. البحر يقول ليست هي عندي= فهي أعمق من أعماق المحيطات، فإذا كان الإنسان عاجزاً عن الوصول لأعماق البحر فهل يصل لأعماق حكمة الله. وهي أثمن من أثمن ما علي الأرض، فأثمن ما علي الأرض(ذهب/ فضة/ جزع/ ياقوت أزرق/ مرجان. . . الخ) كل هذا لا ينفع الإنسان سوي في حياته علي الأرض وهي أيام قليلة، أما الحكمة الإلهية فهي تنفع الإنسان علي الأرض وفي السماء، فهي تعطيه ميراث السماء وأيوب هنا ذكر أثمن أنواع اللاليء والجواهر، وكانت هذه موجودة بكثرة في الأثار المصرية. ولندرة الزجاج إعتبرت الأواني الزجاجية والبلور شيئاً ثمنياً كاللآليء.

ولقد أعطي الله لكنيسته وشعبه أن يحل عليهم الروح القدس، روح الحكمة ليكشف لهم أسرار عجيبة 1كو 6:2-16. والروح القدس هو روح الحكمة أش 2:11

الأيات 20-28:- "فمن اين تاتي الحكمة واين هو مكان الفهم، اذ اخفيت عن عيون كل حي وسترت عن طير السماء، الهلاك والموت يقولان باذاننا قد سمعنا خبرها، الله يفهم طريقها وهو عالم بمكانها، لانه هو ينظر الى اقاصي الارض تحت كل السماوات يرى، ليجعل للريح وزنا ويعاير المياه بمقياس، لما جعل للمطر فريضة ومذهبا للصواعق، حينئذ راها واخبر بها هياها وايضا بحث عنها، وقال للانسان هوذا مخافة الرب هي الحكمة والحيدان عن الشر هو الفهم".

 فمن أين تأتي الحكمة= أيوب يكرر السؤال، فهو سبق وتساءل نفس هذا السؤال في آية(12). وذلك لأهمية السؤال. ويشرح ثانية إستحالة أن يصل إليها الإنسان بمفرده. إذ أخفيت عن عيون كل حي= مهما بلغت فلسفتهم ومعلوماتهم. وسترت عن طير السماء. لأن الحكمة عالية جداً، والطير يطير عالياً، فهذا تشبيه يريد به القول، حتي وإن إرتفعت مثل طيور السماء لن تجدها فهي أعلي بكثير. الهلاك والموت يقولان= الهلاك هو مكان هاوية الأشرار والموت هو مكان هاوية الأبرار. والمقصود أن حتي من ماتوا لا يدركونها بأذاننا قد سمعنا خبرها. هم سمعوا بخبرها ولكنهم لم يدركوها. والله وحده هو الذي يعرفها= الله يفهم طريقها، ومعرفة الله كاملة وهو يدير العالم وحده فهو الذي يري وينظر إلي أقاصي الأرض. ليجعل للريح وزناً. ويعاير المياه بمقياس= فالله وحده الذي يعرف كل شئ يحدد حركات الريح والمياه ليجعلها رياحاً مدمرة أو ريح لطيفة منعشة، فيضان كله خير للزراعة، أو فيضان مدمر، أو جفاف. حكمة الله لن ندركها ولكنه وهو الذي يري كل شئ، قادر أن يضبط الكل.

حينئذ رآها وأخبربها= الله وحده الذي رأي الحكمة وعرفها، ورسم خطة دقيقة لكل أعماله من البدآية للنهآية، والله وضع خطة يسير بمقتضاها الكون منذ الأزل فالأن لا شئ يسير عشوائياً بل بمقتضي خطة دقيقة. هيأها وأيضاً بحث عنها الله هيأ كل الأمور بحيث يسير كل شي بحسب خطته الإلهية المحكمة. وبحث عنها أي أعلنها بحيث تكون ظاهرة للناس. "فالسموات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه" (وراجع أيضاً رو 20:1). والله علم الناس أن طرق الوصول لهذه الحكمة هو:-

مخافة الرب. هذا هو الطريق الوحيد لنعرف، أو نصل لمعرفة الحكمة. ولكن الكلام هنا عن الحكمة يشير للمسيح أقنوم الحكمة، اللوغوس يو 1:1، 2 + أم 22:8، 23. ويكون أن الله وحده هو الذي كان يعرف طريق تجسد الكلمة وهو الذي هيأ له جسداً وهو الذي بحث عن طريق الخلاص.

هذا الإصحاح يكلمنا عن المسيح الكلمة، أقنوم الحكمة قبل أن يتخذ له جسداً.


 

الإصحاح التاسع والعشرون

الإصحاحات 29، 30، 31 لها تسلسل

          إصحاح (29) يكلمنا عن أيوب وأيامه السعيدة.

          إصحاح (30) يكلمنا عن تعاسة أيوب.

          إصحاح (31) يكلمنا عن رفضه لتهم أصحابه.

فهو يحكي لأصحابه كيف كان عظيماً، كاملاً، في كرامة، شهماً. ثم كيف اصبح فقيراً معدماً، وهذا كله لكي يجعل أصحابه يشفقون عليه. ثم يبرر نفسه أمامهم حتي لا يظنوا أن التهم التي إتهموه بها لاصقة عليه. ونلاحظ الآتي:-

1.       كان خطأ أيوب أن يظل يشكي ويشكي من آلامه فهذا يزيد مرارة النفس، ويضاعف من آلامه وأحزانه، خصوصاً حين يذكر أيام إزدهاره. وبينما يظن المتألم أنه يعزي نفسه حين يشكو حاله، إذ به يزيد مرارة نفسه دون أن يدري.

2.       نلاحظ في كلام أيوب أنه يتكلم عن نفسه كثيراً، وعن عظمته، ولا يأتي بأي سيرة عن الله، أو أن الله هو الذي أعطاه، لذلك نجد أن الله بحكمة يجرد أيوب من كل شئ، ليري نفسه علي حقيقتها ويذكر أن عظمته مصدرها هو الله.

3.       إذا فهمنا أن إصحاح "28" يكلمنا عن أقنوم الحكمة. يأتي إصحاح "29" ليكلمنا عن المسيح البار في حياته إذ كان بلا خطية يلومه أحد عليها، فأيوب في كماله كان يرمز للمسيح. ثم يأتي إصحاح "30" ليكلمنا عن المسيح المتألم. وفي هذا نعلم أن أيوب كان يرمز للمسيح في آلامه. ويأتي إصحاح "31" ليشرح أن آلام المسيح كانت بلا سبب "من منكم يبكتني علي خطية. هذا من الناحية الرمزية، ولكن من يبرر نفسه هكذا يخطئ.

الأيات 1-5:- "و عاد ايوب ينطق بمثله فقال، يا ليتني كما في الشهور السالفة وكالايام التي حفظني الله فيها، حين اضاء سراجه على راسي وبنوره سلكت الظلمة، كما كنت في ايام خريفي ورضا الله على خيمتي، والقدير بعد معي وحولي غلماني".

 ياليتني كنت. . . . أيام عظمتي وثروتي لكنت في فرح، وكان تعييركم لي قد توقف. ونسب هنا أيام راحته لحفظ الله له. وكانت علامات حفظ الله له كثرة ثروته. "إسم الرب برج حصين يلجأ إليه الصديق ويتمنع". . ويحتمي به. وسراج الله هو علامة رضاه. والنور علامة علي أن أيامه كانت مفرحة ومشرقة. وكانوا يعلقون السراج وسط الخيمة فتضئ كلها، أي أن حياته كلها وكل أموره كانت مزدهرة. وقد أعطي الله أيوب تأكيدات بأنه راضي عنه= رضا الله علي خيمتي= فهو فهم أن ثروته وأولاده وصحته كانوا علامات رضا الله. فلما إختفوا، كان مما زاد ألمه أن شعر بأن الله لم يعد راضياً عليه. ولنلاحظ ان الله يعطينا الأن من علامات محبته ما هو عربون ما سنحصل عليه في السماء. ايام خريفي= تترجم في (اليسوعية) عنفواني أي أيام شبابي ونضجي. والقدير بعد معي= كان تصور أيوب الخاطئ أنه في أيام إزدهاره كان الله معه، أما في آلامه فالله قد تخلي عنه.

الأيات 6-25:- "اذ غسلت خطواتي باللبن والصخر سكب لي جداول زيت، حين كنت اخرج الى الباب في القرية واهيئ في الساحة مجلسي، راني الغلمان فاختباوا والاشياخ قاموا ووقفوا، العظماء امسكوا عن الكلام ووضعوا ايديهم على افواههم، صوت الشرفاء اختفى ولصقت السنتهم باحناكهم، لان الاذن سمعت فطوبتني والعين رات فشهدت لي، لاني انقذت المسكين المستغيث واليتيم ولا معين له، بركة الهالك حلت علي وجعلت قلب الارملة يسر، لبست البر فكساني كجبة وعمامة كان عدلي، كنت عيونا للعمي وارجلا للعرج، اب انا للفقراء ودعوى لم اعرفها فحصت عنها، هشمت اضراس الظالم ومن بين اسنانه خطفت الفريسة، فقلت اني في وكري اسلم الروح ومثل السمندل اكثر اياما، اصلي كان منبسطا الى المياه والطل بات على اغصاني، كرامتي بقيت حديثة عندي وقوسي تجددت في يدي، لي سمعوا وانتظروا ونصتوا عند مشورتي، بعد كلامي لم يثنوا وقولي قطر عليهم، وانتظروني مثل المطر وفغروا افواههم كما للمطر المتاخر، ان ضحكت عليهم لم يصدقوا ونور وجهي لم يعبسوا، كنت اختار طريقهم واجلس راسا واسكن كملك في جيش كمن يعزي النائحين".

هنا يشرح أيوب حاله أيام إزدهاره وفيها كثير من إنتفاخ الذات.

غسلت خطواتي باللبن= من وفرة الإنتاج في المراعي. والصخر سكب لي جداول زيت= كان الزيت وفيراً جداً كأن الصخر يسكبه. حين كنت أخرج إلي الباب= الباب هو مكان العظماء. فكان أيوب يذهب إليه لينصف المظلوم. ويتضح من هنا عظمة مركز أيوب وأن الناس كانوا يهابونه. (وإختيار الباب (باب المدينة) ليجلس فيه القضاة هو لتسهيل مهمة أن يصل كل مظلوم للقضاة لينصفونه). رآني الغلمان فإختبأوا= من هيبته وربما كانوا يخشونه لأنه يعاقب المخطئ. الأشياخ قاموا= إحتراماً. (وإن كان يجب إحترام الشخص المهم فكيف ينبغي أن نقف أمام الله في الصلاة). العظماء أمسكوا عن الكلام= إحتراماً، ولكي يسمعوا أقواله فهو إذا تكلم كانت له القدرة أن يظهر الحكمة ويحل المشاكل، ويظهر الحق. لأن الأذن سمعت فطوبتني= الرؤساء سمعوا حكمته فطوبوه والمساكين حين أنصفهم بعدله طوبوه أيضاً. بركة الهالك= أي الذي أنقذه من الهلاك بأن أنصفه، فبركته أي دعائه حل عليه. لبست البر فكساني أي عدله وبره ظهروا دائماً عليه فكانا كثوبه لا يظهر بدونه. وعمامة كان عدلي= العمامة تشير لأفكاره وقرارته وكلها عدل. عيوناً للعمي= أي مرشداً لمن فقد طريقه ولا يعرف ماذا يفعل. أرجلاً للعرج= أي من يعرف طريقه ولكنه ليس لديه القدرة علي حل مشكلته.

دعوي لم أعرفها فحصت عنها= أي أنه أنصف حتي الغرباء الذين لا يعرفهم. فهو يبذل كل جهد لينصف أي مظلوم. وكان يعاقب الظالم= هشمت أضراسه. أي حرم الظالم من وسائل ظلمه التي بها يفترس ضحيته= ومن بين أسنانه خطفت الفريسة.

وفي آية (18). كان مما سبب إنتعاشاً لأمال أيوب أنه تصور أن إزدهاره مستمر. حتي لو تعرض لتجارب، كان متأكداً أنه سيمر منها بسلام وكان يتعشم بأن تكون أيامه طويلة كأيام السمندل (phoenix). وهو طائر خرافي يتغذي علي نبات سام قاتل ولا يموت، يعيش 500 سنة وبعدها يحرق نفسه وعشه ومن خلال الرماد ينهض كأجمل ما يكون ليعيش 500 سنة أخري وهلم جرا. إني في وكري أسلم الروح اي سيظل آمناً في عشه وحتي لو أصابته التجارب سيخرج أقوي مما كان كالسمندل والسمندل يترجم أيضاً العنقاء. ولتشبيه حالته وإستقراره شبه نفسه كشجرة علي مياه كثيرة، لا خوف من أن تنضب وبالتالي لا خوف من أن تموت الشجرة فالمياه من الأرض متوفرة وكذلك الطل من السماء. كرامتي بقيت حديثة= أي أن الله كان مستمراً في إحساناته عليه. وكان من حوله لهم كل يوم شيئاً جديداً يقولونه لمدحه وكرامته. وكانت إحسانات الله عليه متجددة كل يوم. قوسي تجددت= أي قوته ظلت مستمرة يزعج بها أعداؤه وينصف بها المظلومين. وفي (21-23) يشير لأن أقواله كانت تقطر حكمة. لم يثنوا= لم يجدوا نقصاً فيما قلت فيكملونه أو خطأ يصححونه. ونلاحظ أن الله أعطي لأيوب الكثير وهو أعطي الأخرين. وكل رجال الله وخدامه يجب أن يكونوا هكذا يأخذون من الله ليعطوا الأخرين. كما أن السماء تأخذ من الأرض بخار الماء لتعيده للأرض مطراً. إن ضحكت عليهم لم يصدقوا= إن تبسمت إليهم (حسب اليسوعية). كان من يبتسم لهم يحسبون أنفسهم سعداء. وكانوا يبادلونه نفس الإبتسامات والمشاعر، وكان هذا يفرحه’= ونور وجهى لم يعبسوا= أي كان في سلام كامل، سعيداً بحب الناس له. كنت أختار طريقهم= كان دليلاً ومرشداً للمظلوم وكان بسلطانه هو المسيطر الذي ينصف الجميع.

في هذا الإصحاح أيوب كان رمزاً للمسيح الذي هو كلمة الله وحكمته تجسد لنراه مثلنا إنساناً كاملاً باراً يعزي النائحين، هو الذي يتكلم فتغلق كل الشفاه. وهو الحي أبداً لا يموت، حتي وإن مات كان لابد وسيقوم(هذا ما تشرحه قصة السمندل) رمزاً لقيامة المسيح وطول أيامه، ورمزاً لقيامة كل الموتي المؤمنين الذين ظلمهم إبليس.


 

الإصحاح الثلاثون

نجد هنا أيوب المتألم رمزاً للمسيح المتألم.

وفي هذا الإصحاح نري صورة معكوسة للإصحاح السابق، صورة نري فيها آلام أيوب وحين نقارنها مع إزدهاره السابق، تزداد آلامه بؤساً. فبينما كان العظماء يعظمونه، نجد المحتقرين الآن يسخرون منه. كان الله راضياً عليه والأن غاضباً منه ولا إنتظار له الآن سوي الموت. هذا كله جاء عليه بالرغم من كماله السابق.

الأيات 1-8:- "و اما الان فقد ضحك علي اصاغري اياما الذين كنت استنكف من ان اجعل اباءهم مع كلاب غنمي، قوة ايديهم ايضا ما هي لي فيهم عجزت الشيخوخة، في العوز والمحل مهزولون عارقون اليابسة التي هي منذ امس خراب وخربة، الذين يقطفون الملاح عند الشيح واصول الرتم خبزهم، من الوسط يطردون يصيحون عليهم كما على لص، للسكن في اودية مرعبة وثقب التراب والصخور، بين الشيح ينهقون تحت العوسج ينكبون، ابناء الحماقة بل ابناء اناس بلا اسم سيطوا من الارض".

 ما زاد آلامه أن المحتقرين وأصاغر الناس ضحكوا عليه= الذين كنت أستنكف أن أجعل أبائهم مع كلاب غنمي= والمعني أنه كان لا يستأمنهم علي حراسة غنمة بينما كان يستأمن كلابه علي ذلك. (هذا كلام صعب كله إنتفاخ). وبينما كان يضحك لأمثال هؤلاء ليشجعهم ها هم الآن يسخرون منه. وهؤلاء الذين يسخرون منه كانوا بلا نفع إطلاقاً= قوة أيديهم ايضا ما هي لي= لم أنتفع باي منهم فيهم عجزت الشيخوخة= الشيخوخة تشتهر بالحكمة والمعني أن حتي شيوخهم كانوا بلا حكمة. ويكمل أوصاف من يسخرون منه قائلاً في العوز والمحل مهزولون= هذه ترجمت هكذا في (اليسوعية) "وبراهم العوز والجوع وهم يعرقون القفر الخرب الغامر من قديم" أي هم في فقرهم ومجاعتهم يعملون بأيديهم في الخرب المهجورة اليابسة ينبشون فيها لعلهم يجدون ما يأكلونه. "فمن الحاجة والمجاعة عاشوا منعزلين هائمين في البرية الخربة" في ترجمة أخري. يقطفون الملاح= هو نبات غير معروف علي وجه الدقة، ومن الإسم يتضح أنه نبات حمضي وكانوا يأكلون جذوره. المهم هذا إشارة لحقارة طعامهم. وكان مرفوضين من المجتمع بسبب شرورهم وتصرفاتهم المخزية (كذب/ سرقة. . . . )

يصيحون عليهم كما علي لص. يهربون إلي البرية من وجه الناس ويحتموا بالعوسج وكله شوك فيجرحهم وهم هاربون من مطارديهم. ينهقون= شبههم في صراخهم وهروبهم إلي البرية بالفرا (الحمار الوحشي). هم بلا إسم مرفوضين من كل الناس سيطوا من الأرض= طردوا من الأرض بعد أن ضربوهم بالسياط ليؤدبوهم. والضرب بالسياط هو للحقراء من الناس. وكم هو مؤلم أن إنسان حقير كهؤلاء، يزدري بمن هو عظيم كأيوب. ولكن أليس هذا ما حدث مع المسيح الذي ضربه عبد رئيس الكهنة، فعبد العبيد يلطم القدوس البار. حقاً هو كلام منتفح من أيوب ولكننا لو نظرنا له ككلام نبوة نري صورة لبشاعة ما حدث مع المسيح القدوس.

الأيات 9-15:- "اما الان فصرت اغنيتهم واصبحت لهم مثلا، يكرهونني يبتعدون عني وامام وجهي لم يمسكوا عن البسق، لانه اطلق العنان وقهرني فنزعوا الزمام قدامي، عن اليمين الفروخ يقومون يزيحون رجلي ويعدون علي طرقهم للبوار، افسدوا سبلي اعانوا على سقوطي لا مساعد عليهم، ياتون كصدع عريض تحت الهدة يتدحرجون، انقلبت علي اهوال طردت كالريح نعمتي فعبرت كالسحاب سعادتي". .

 صرت أغنيتهم. . . أصبحت مثلاً= صار في أفواهم مادة للسخرية يتندرون بها. وأحقر شئ أن يحول أحد آلام الناس لتصبح مادة للسخرية.

يكرهونني= ربما كان قد أصدر حكماً علي أحد منهم حينما كان يجلس في الباب. يبتعدون عني= هم الأن يزدرون بي ويهربون مني من رائحتي. وأمام وجهي لم يمسكوا عن البسق وقارن مع مت 67:26. لأنه أطلق العنان= الله هو الذي أطلق العنان لهم فهو الذي نزع قوسه وقوته التي كانوا يخشونها، وتركني الله في ألامي وهم فهموا أن هذا علامة غضب الله فليفعلوا ما شاءوا بعد أن أزال الله كرامته. فنزعوا الزمام قدامي= ما أرادوا أن يفعلوه فعلوه. عن اليمين الفروخ يقومون= الفروخ هم الصغار سناً. وهذا ألم أيوب جداً أن حتي صغارهم إحتقروه. بل كانوا يزيحونه لكي يمروا هم، وربما فعلوا هذا لكراهيتهم السابقة أو لازدرائهم من منظره، وهم لم يراعوا سنه أو كرامته السابقة. (كل هذا رمز لما لاقاه سيدنا من إحتقار عبيده). يعدون عليَ طرقهم للبوار= أفعالهم هذه ستقودني للبوار أي الخراب الكامل. أفسدوا سبلي= بسبب أحقادهم عليَ بسبب أحكامي العادلة السابقة، يحاولون الآن في ضعفي أن يمرروا حياتي بمؤامراتهم. ولا مُساعِد عليهم ليس من يصدهم عني، فلا يمكنني الخلاص منهم. ولنذكر أنه طالما أنصف من كان مظلوماً منهم وأرشده والآن يزدرون به (رمز للمسيح الذي جال يفعل خيراً ثم صلبوه) يأتون كصدع عريض، تحت الهدة يتدحرجون= كنت بمركزي وثروتي السابقة كمن هو في حمآية سور مدينته، والأن بما سمح به الله كأن السور تكسر، وهم كانوا خارجاً كجيش منتظر هذه اللحظة، فحالما إنهدم السور إندفعوا ضدي. وقوله يتدحرجون اي يدخلون من كسر السور بكثرة مندفعين في فرح وكأنهم إنتصروا عليه (لننظر الأن تفاهة المراكز العالمية وأنها لا تستطيع حماية أحد). وعاد أيوب للصراخ بمرارة. طردت كالريح نعمتي= الأهوال طاردت كل أمل لي في الراحة، كالريح حملت كل شئ وكانت الأهوال كريح طردت السحاب الموجود. فكانت نعمته كسحابة زالت سريعاً.

الأيات 16-24:- "فالان انهالت نفسي علي واخذتني ايام المذلة، الليل ينخر عظامي في وعارقي لا تهجع، بكثرة الشدة تنكر لبسي مثل جيب قميصي حزمتني، قد طرحني في الوحل فاشبهت التراب والرماد، اليك اصرخ فما تستجيب لي اقوم فما تنتبه الي، تحولت الى جاف من نحوي بقدرة يدك تضطهدني، حملتني اركبتني الريح وذوبتني تشوها، لاني اعلم انك الى الموت تعيدني والى بيت ميعاد كل حي، ولكن في الخراب الا يمد يدا في البلية الا يستغيث عليها".

 أنهالت نفسي عليَ= من شدة آلامه النفسية إنسكبت نفسه بلا أمل في رجوع، كماء منسكب علي الأرض، وهذا دليل علي عدم إحتماله أي شئ آخر مز 14:22. والعرب يشبهون الإنسان الخائف بأن قلبه ذاب كالماء. ومعني كلام أيوب هنا أن ألامي جعلتني مستهلكاً تماماً. الليل ينخز عظامي= في الليل تنتخر عظامي (ترجمة يسوعية) آلامه وصلت لعظامه تنخر فيها كسيف فلا يستطيع النوم ليلاً. وآلامه لا تنام، أي لا تهدأ= عارقيَ لا تهجع (عارقيَ أي ألامي) ويقول البعض أن كلمة عارقي تشير للأضراس وآلامها ولكن كلمة عارقيَ مترجمة آلام في الإنجليزية ومن ترجمها أضراس قال أن آلام الأضراس من أعراض مرض البرص. بكثرة الشدة تنكر لبسى= جبته صارت واسعة عليه من شدة هزاله. مثل جيب قميص حزمتني= أي أحاطت بي ألامي من كل جهة كما يحيط القميص(الجلباب) بالإنسان. قد طرحني في الوحل= إختلط التراب بقروحه. وأكثر ما آلمه عدم إستجابة الله له= فما تستجيب لي ولكن كثرة الشكوي تزيد المرارة في القلب، وهذا ما حدث له هنا، فنجده بعد هذه الشكوي من آلامه يوجه لله كلمة صعبة جداً تحولت إلي جاف من نحوي= أي قلبك صار بلا رحمة من نحوي. بقدرة يدك تضطهدني= يضع كل قوته ضد أيوب ليحاربه.

حَمَلْتَني أركبتني الريح= هنا يصور أن ضرباته كانت شديدة وأنها كالريح وأن الله ألقاه كريشة في مهب الريح، أو عصافة يلقيها الريح هنا وهناك. والله يظل يقسو عليه بلا أمل حتي الموت= لأني أعلم أنك إلي الموت تعيدني. ثم يقول، وأنا في ألامي هذه أصرخ طالباً القبر= ولكن في الخراب ألا يَمُد يداً= فهو يطلبه ولكن الله لا يعطيه له. وفي اليسوعية مترجمة= "ويكون في هلاك الإنسان خلاصه"

الأيات 25-31:- "الم ابك لمن عسر يومه الم تكتئب نفسي على المسكين، حينما ترجيت الخير جاء الشر وانتظرت النور فجاء الدجى، امعائي تغلي ولا تكف تقدمتني ايام المذلة، اسوددت لكن بلا شمس قمت في الجماعة اصرخ، صرت اخا للذئاب وصاحبا لرئال النعام، حرش جلدي علي وعظامي احترت من الحرارة في، صار عودي للنوح ومزماري لصوت الباكين".

ألم أبك لمن عَسَر يومه= لقد أظهرت مراحمي للمسكين أفلا تظهر مراحمك عليَ. حين ترجيت الخير جاء الشر= بسب كمالي ومراحمي ترجيت أن تزيد بركاتك عليَ، وإذا بكل هذه الشرور تأتي علي. أمعائي تغلي ولا تكف قد تفهم حرفياً بمعني آلام أحشائه وقد تفهم بمعني هياج عواطفه وإنفعالاته. فالأمعاء والأحشاء تشير للعواطف أش (11:16 + 15:63) + في 1:2. تقدمتني أيام المذلة= لقد جاءت أيام المذلة دون سابق إنذار، أيام المذلة تقدمت أيام السرور الذي إنتظرته فما جاء وجاء بدله المذلة والألم. إسوددت= نتيجة لمرضي وليس نتيجة لفحة شمس. تمت في الجماعة أصرخ= حتي في وسط أصحابه لم يستطيع أن يمنع نفسه من البكاء، أي كان بكاؤه مستمراً. صرت أخاً للذئاب= من كثرة صراخه شابه الذئاب والنعام وهذه لا تكف عن العواء وهي تحيا في البرية وحيدة. حرش جلدي عليَ= إسود لونه وخشن ملمسه. وعظامي إحترت= كمن هو في حميَ مستمرة وجسده يكون ساخناً. صار عودي للنوح= تحولت أفراحي لأحزان.


 

الإصحاح الحادي والثلاثون

فيه يشهد أيوب لنفسه بالبر ويدافع عن نفسه من كل الجرائم التي نسبها له أصحابه ظلماً (مثال للإتهامات 6:22) وفي تبريره لنفسه كان يطلب أن يعاقبه الله بعقوبة مريرة لو كان قد فعل أي خطية من التي ينكر أنه فعلها. بل هو دافع عن نفسه بأن حتي لم يفعل خطايا سرية، أي خطايا لم يشهد أحد عليه أنه فعلها وبالتالي لا يستطيع أحد أن يحاسبه، ويذكر السبب أنه كان يخشي الخطية وهو أنه يخشي الله.

الأيات 1-12:- عهداً قطعته لعينى فكيف أتطلع فى عذراء. وما هى قسمة الله من فوق ونصيب القدير من الأعالى. أليس البوار لعامل الشر والنكر لفاعلى الإثم. أليس هو ينظر طرقى ويحصى جميع خطواتى. إن كنت قد سلكت مع الكذب أو أسرعت رجلى إلى الغش. ليَزِنِى فى ميزان الحق فيعرف الله كمالى. إن حادت خطواتى عن الطريق وذهب قلبى وراء عينى أو لصق عيب بكفى. أزرع وغيرى يأكل وفروعى تستأصل. إن غوى قلبى على إمرأة أو كمنت على باب قريبى. فلتطحن إمرأتى لآخر ولينحنى عليها آخرون. لأن هذه رذيلة وهى إثم يعرض للقضاة. لأنها نار تأكل حتى إلى الهلاك وتستأصل كل محصولى.

في الآية (1) "عهدا قطعت لعيني فكيف اتطلع في عذراء". شهوة الجسد ومحبة العالم هما صخرتان يسقط عليهما الكثيرين وهنا يدافع أيوب عن نفسه أنه لم يسقط منهما. وفي هذه الآية يدافع عن نفسه في أنه لم يشته إمرأة قريبه، ولا أي إمرأة، بل كان أميناً لزوجته. وهو حافظ علي نفسه من أول خطوات الخطية وهي النظرة، فمن يريد أن يحفظ قلبه طاهراً فليحفظ عينيه أولاً فهي الطريق والمدخل إلي القلب. ونلاحظ أن أيوب كان يتكلم هنا بروح العهد الجديد وتعاليم السيد المسيح " من نظر إلي إمرأة ليشتهيها فقد زني بها في قلبه". وأيوب أمسك عينيه عن أن تنظرا لتشتهيا حتي لا يضرم شهوات قلبه وفي (2) "و ما هي قسمة الله من فوق ونصيب القدير من الاعالي". يقول لماذا فضل أن يعيش طاهراً، ومنع نفسه من التطلع في عذراء، لأنه عرف أن كل خطية تغضب الله تمنع عنه بركات السماء. وما هي قسمه الله من فوق= أي ماذا يتوقع الخاطئ من بركات السماء، الخاطئ لا ينتظر بركات سواء أرضية أو سماوية بعد الموت.

وفي (3) "اليس البوار لعامل الشر والنكر لفاعلي الاثم". هنا إجابة السؤال ما هي قسمة الله من فوق (آية 2) والأجابة البوار عوضاً عن البركة. وقد يستهتر الخاطئ بنتائج الخطية ولكن نصيب سدوم وعمورة تشهد بأن الخطية نتائجها مرعبة. وفي (4) "اليس هو ينظر طرقي ويحصي جميع خطواتي". هو يشعر بأن الله عينه عليه دائماً ولا يخفي عليه شئ، وهكذا كان يوسف (تك 9:39). هنا أيوب يعلن إيمانه بالله الذي لا يخفي عليه شئ، أي أن معرفته غير محدودة. وهو يحصي جميع خطواتي= أي أن الله يزن كل عمل من أعمالي، ويحاسبني علي ما هو صالح أو ما هو الشرير.

وفيي (5) "ان كنت قد سلكت مع الكذب او اسرعت رجلي الى الغش". يبرئ أيوب نفسه من أنه حصل علي أي ثروة بالغش أو الكذب. فهو يؤمن أن كل ما حصل عليه بالغش لابد وسيضيع. وفي (6) "ليزني في ميزان الحق فيعرف الله كمالي". من ثقته في أمانته يود لو وزن الله كل خطواته ليعلن بره ويكون له هذا كرامة. هنا هو يستشهد الله علي صدق قوله وهذا يعني ضمناً أن الله قد ظلمه إذ أتي عليه بهذه الألام. وفي (7) "ان حادت خطواتي عن الطريق وذهب قلبي وراء عيني او لصق عيب بكفي". يقول أنه لم يحد عن طريق الأمانة بل ربط نفسه بطريق البر، وقلبه لم يسير وراء شهوة عينيه، ولم يشتهي ما لغيره. ولم يلطخ يديه بأي شئ خاطئ، أي لم يحصل علي شئ بعدم أمانة، ولم يحتفظ بشئ ليس له، ولم يلطخ يديه بأجرة عبيده الذين لم يظلمهم، وكان يدفع أجرتهم ولم يحجزها عنهم. ولاحظ قوله ذهب قلبي وراء عيني= أخلاقيات أيوب علي مستوي العهد الجديد. فهو لا يحسب الخطايا التي ينفذها فقط أنها خطايا، بل يحسب علي نفسه ما فكر فيه في قلبه أيضاً. وفي (8) "ازرع وغيري ياكل وفروعي تستاصل". يقول أنه لو كان قد فعل أي خطية فليعاقبه الله بأن يخسر كل شئ.

وفي (9) "ان غوي قلبي على امراة او كمنت على باب قريبي". إن غوي قلبي إمرأة= نري أن كل الخطايا منبعها قلب مخدوع. ولم يكمن علي باب قريبه= أي لم يدبر للزنا مع زوجته. فلتطحن إمرأتي لآخر= أي تصير عبدة لسيد أخر، والعبدة أو الجارية هي سرية لسيدها، له الحق أن يضطجع معها ولينحن عليها أخرون= أي إذا كنت فعلت هذا مع إمراة قريبي فليفعل هذا مع إمرأتي. وفي (11) "لان هذه رذيلة وهي اثم يعرض للقضاة". في نظر أيوب أن الزنا جريمة حقيرة فهي تغيظ الله وتأتي علي الإنسان بالخراب (روحياً وجسدياً). ولنري الخراب الذي أتي علي بيت داود بسبب الزنا مع بثشبع. وهذه الجريمة تميت الضمير وتحرم الإنسان جميع الأفراح الطبيعية وتبعده عن الله. وفي (12) "لأنها نار تاكل حتى الى الهلاك وتستاصل كل محصولي". نراه يصور الزنا علي أنه نار تأكل حتي الخراب النهائى. والشهوة نار للروح تحرق من تسيطر عليهم وتتحكم فيهم، وتذهب كل تعزياتهم تماماً، بل هي تشعل نار غضب الله الذي يؤدي لخراب النفس الأبدي. فالشهوات المشتعلة تأتي بالأحكام النارية ضد الإنسان (سدوم وعمورة).

الأيات 13-23:-إن كنت رفضت حق عبدى وأمتى فى دعواهما علىَ. فماذا كنت أصنع حين يقوم الله وإذا إفتقد فبماذا أجيب. أوَليس صانعى فى البطن صانعه وقد صورنا واحد فى الرحم. إن كنت منعت المساكين عن مرادهم أو أفنيت عينى الأرملة. أو أكلت لقمتى وحدى فما أكل منها اليتيم. بل منذ صباى كبر عندى كأب ومن بطن أمى هديتها. إن كنت رأيت هالكاً لعد اللبس أو فقيراً بلا كسوة. إن لم تباركنى حقواه وقد إستدفأ بجزة غنمى. إن كنت قد هززت يدى على اليتيم لما رأيت عونى فى الباب. فلتسقط عضدى من كتفى ولتنكسر ذراعى من قصبتها. لأن البوار من الله رعب علىَ ومن جلاله لم أستطع.

 في (13) "ان كنت رفضت حق عبدي وامتي في دعواهما علي". نجده ينصف عبيده ويعطيهم حقوقهم، حتي لو إشتكوا منه هو. فهو لم يعتبر عبيده مجرد شئ يقتنيه وفي (14) "فماذا كنت اصنع حين يقوم الله واذا افتقد فبماذا اجيبه". نجد عدله مع عبيده راجع لخوفه من الله وفي (15) "اوليس صانعي في البطن صانعه وقد صورنا واحد في الرحم". هنا نظرة مسيحية لنظام العبيد، فهو وعبيده لهم سيد واحد هو الله. إذاً هم جميعاً، هو وعبيده إخوة. أما العهد القديم فقد أباح العبودية، ومن قول أيوب هذا نفهم أن نظام العبودية ليس بحسب قصد الله حين خلق الإنسان، فها هو إنسان من العهد القديم وقبل الناموس ويتكلم كلاماً فيه الفكر الصحيح عن العبيد وعلاقتهم مع سادتهم وأنهم إخوة (غل 28:3). بل هو صنع له أصدقاء بمال الظلم وفي (16) "ان كنت منعت المساكين عن مرادهم او افنيت عيني الارملة". يدافع عن نفسه فيما قاله أليفاز، فقد إتهمه أليفاز بأنه يظلم المساكين والأرامل، ويقول أنه كان يلبي لهم رغباتهم= لم يمنع مرادهم.

أو أفنيت عيني الأرملة= لم يكن ينتظر الأرملة أن تطلب منه، بل كان يفهم من نظرة عينيها إحتياجها ويلبيه، أو لم يكن يتركها تنتظر عبثاً. وفي (17) "او اكلت لقمتي وحدي فما اكل منها اليتيم". كان يأكل مع اليتامي وفي (18) "بل منذ صباي كبر عندي كاب ومن بطن امي هديتها". نجده يربي اليتامي كأب لهم. ومن بطن أمي هديتها= المقصود أنه تعلم أعمال الرحمة علي اليتامي والأرامل من بطن أمه، هو مولود بها، منسوجة في طبيعته.

وفي (20، 19) "ان كنت رايت هالكا لعدم اللبس او فقيرا بلا كسوة، ان لم تباركني حقواه وقد استدفا بجزة غنمي". لم يترك عارياً إلا وكساه، وحينما إستدفأت حقواه باركه الفقير أي دعا له بالبركة. وفي (21) "ان كنت قد هززت يدي على اليتيم لما رايت عوني في الباب". هززت يدي علي اليتيم= اي لم أظلم يتيم، أو رفعت يدي عليه لأؤذيه أيام مجدي= لما رأيت عوني في الباب= حينما كان القضاة يلتفون حولي والكل يتمني رضائي، لم أستغل معارفي في ظلم أحد. وفي (22) "فلتسقط عضدي من كتفي ولتنكسر ذراعي من قصبتها". لو كان قد إضطهد أرملة أو يتيم لتصبه أمراض صعبة فلتسقط عضدي= يتعفن لحمي علي عظامي.

وتنكسر عظامي= وأيوب رأي أنه من العدل أن الذراع الذي إرتفع علي مسكين يكسر. وفي (23) "لان البوار من الله رعب علي ومن جلاله لم استطع". هو لم يظلم أحد لخوفه من الله وعقوباته علي الظالم. فالظالم يتصور أنه لا يوجد من هو أعظم منه ليحاسبه، أما أيوب فيشعر أن عيني الله عليه كل اليوم

الأيات 24-25:-إن كنت قد جعلت الذهب عمدتى أو قلت للإبريز أنت متكلى. إن كنت قد فرحت إذ كثرت ثروتى ولأن يدى وجدت كثيراً.

 في (24) "ان كنت قد جعلت الذهب عمدتي او قلت للابريز انت متكلي". أيوب كان عنده أموال كثيرة، لكنه لم يكن يتكل عليها. وهذه الآية هي نفس تعليم السيد المسيح (مر 24:10). أما من يتكل علي أمواله فهو عابد وثن، ولا يمكن لأحد أن يعبد سيدين الله والمال. (راجع كو 5:3) وبنفس المفهوم في (25) "ان كنت قد فرحت اذ كثرت ثروتي ولان يدي وجدت كثيرا". كان أيوب لا يفرح بزيادة أمواله.

وفي الأيات (26-28) "ان كنت قد نظرت الى النور حين ضاء او الى القمر يسير بالبهاء، وغوي قلبي سرا ولثم يدي فمي، فهذا ايضا اثم يعرض للقضاة لاني اكون قد جحدت الله من فوق ".

 ينفي عن نفسه تهمة الوثنية. وأنه لم يمارس أي طقوس وثنية ولا إنحراف قلبه وراءها يوماً. وكانت عبادة الشمس والقمر منتشرة أيام أيوب والإغراءات كثيرة في أمثال هذه العبادات. أما أيوب فلم يكن ينظر للشمس ولا للقمر كألهة يبهر بها بل كمخلوقات الله. فهو ينظر لخالقهم ويسبحه علي أعماله العظيمة. [عبادة الأجرام السماوية هي أقدم عبادة، والأجرام السماوية يسمونها tsaba ومنها عبادة الأجرام السماوية sabaism وكرد علي هذه العبادات أطلق اليهود علي الله رب الصباؤوت فهي خليقته وهو ربها وخالقها]

لثم يدي فمي= علامة وثنية كانت منتشرة لتوقير الشمس والقمر. [وربما نشأت من أن الوثنيين كانوا يقبلون العجول هو 2:13 + 1مل 18:19. ولأن الإنسان لن يصل للشمس والقمر فكان يقبل يده عوضاً عن تقبيل آلهته الشمس والقمر] وأيوب يري أن من يفعل ذلك يستحق حكم علني من القضاة (آية 28) "فهذا ايضا اثم يعرض للقضاة لأني اكون قد جحدت الله من فوق". ليرتدع الجميع.

الأيات 29-40:- "ان كنت قد فرحت ببلية مبغضي او شمت حين اصابه سوء، بل لم ادع حنكي يخطئ في طلب نفسه بلعنة، ان كان اهل خيمتي لم يقولوا من ياتي باحد لم يشبع من طعامه، غريب لم يبت في الخارج فتحت للمسافر ابوابي، ان كنت قد كتمت كالناس ذنبي لاخفاء اثمي في حضني، اذ رهبت جمهورا غفيرا وروعتني اهانة العشائر فكففت ولم اخرج من الباب، من لي بمن يسمعني هوذا امضائي ليجبني القدير ومن لي بشكوى كتبها خصمي، فكنت احملها على كتفي كنت اعصبها تاجا لي، كنت اخبره بعدد خطواتي وادنو منه كشريف، ان كانت ارضي قد صرخت علي وتباكت اتلامها جميعا، ان كنت قد اكلت غلتها بلا فضة او اطفات انفس اصحابها، فعوض الحنطة لينبت شوك وبدل الشعير زوان تمت اقوال ايوب".

 أيوب لم يكن ينتقم من أعدائه، وكان لا يشمت فيهم إن أصابتهم بلية وهذا ما قيل في أم 17:24، 18 + 21:25. من يشمت بعدوه يلحقه بالخراب. اما في العهد الجديد فالمسيح طلب "أحبوا أعدائكم". وكان فكر أيوب بذلك أرقي من فكر الفريسيين الذين نادوا بأن "حب قريبك وإكره عدوك مت 43:5. وفي (30) " لم يطلب أي لعنة تصيب أحد أعدائه. وفي (31) نري مثلاً كيف يربح إنسان أصدقاء بمال الظلم. وفي (32) نجد أن إضافة الغرباء التي عملها إبراهيم ولوط وأوصي بها معلمنا بطرس في العهد الجديد، قام بها أيوب (1بط 9:4) وفي (33) يدفع عن نفسه تهمة الرياء، فهو لم يظهر غير ما يبطن. وهذا ما إتهمه به صوفر 12:20. وفي (34) يدفع عن نفسه تهمة الجبن، فهو لم يرهب أحداً مهما كانوا جمهوراً. وأنه لمن الجبن أن نخفي الحق، أو نكتم شهادة الحق حين يجب أن نعلنها، أو لا نعطي المظلوم حقه خوفاً من الجمهور. فأيوب كان يخاف الله ولا يخاف صياح الظالمين. وروعتني إهانة العشائر= هو لم يرهب إهاناتهم بل شهد للحق حتي وإن أزعجهم ذلك فأهانوه وفي (35) يرفع أيوب قضيته لله. فهو عرض كل قضيته وأثبت براءته. هوذا إمضائي كأنه يوضع علي طلب رفع الدعوي أمام الله، وينتظر إجابة منه= ليجبني القدير.

وفي (36) لو وجد شكوي كتبها خصم له، أي لو أدانه أحد بأي خطية أحملها علي كتفي أي أتحمل كل نتائجها وعقوباتها، أما لو ظهرت برائتي من هذه الشكوي= كنت أعصبها تاجاً لي= تاج يكلل كل أعمال بري. لقد بالغ أيوب في كماله وكان هذا رداً علي أصحابه الذين بالغوا في إدانته. وفي (37) من تأكده من براءته وكماله كان مستعداً أن يعطي لمقاوميه تقريراً عن كل خطوة من خطوات حياته. فهو لا يخجل من أي تصرف بل كان يدنو منه كشريف.

وفي الأيات (38-40) يقول أن أرضه لم تصرخ عليه، أي هو لم يظلم أحد ليغتصبها (حب 9:2-11). وصراخ الأرض هنا كأنها تطلب الإنتقام من الظالم، وكأن الأرض شاهدة ضد الظالم وتدينه بصراخها. ثم يصور الموضوع بصورة شعرية فيضيف= وتباكت أتلامها(خطوط حرثها بحسب الترجمة اليسوعية). أي أن الأرض كلها تبكي لو كان حدث ظلم لصاحبها. أطفأت أنفس أصحابها= قتل مالك الأرض ليغتصبها كما حدث مع نابوت. وأكلت غلتها بلا فضة= أي إشتري الأرض ولم يغتصبها وفي (40) الحكم الذي يصدره علي نفسه لو فعل أي من الأخطاء المذكورة.

تمت أقوال أيوب= أنهي أيوب دفاعه عن نفسه هنا. ولن يظهر أيوب ثانية في الحوار إلا حين يعترف أمام الله بأنه خاطئ.


 

الإصحاح الثاني والثلاثون

الإصحاحات (32-37) هي خطاب أليهو

 تكلم أليهو بعد أن إنتهي حوار أيوب مع أصحابه. فلا أيوب إعترف بأنه أخطأ ولا أصحابه تنازلوا عن قضيتهم، وكان أليهو أصغر الموجودين سناً، وإعتذر عن كونه أصغرهم ومع هذا يبدي رأياً، وهو تكلم للأسباب الآتية:-

1.       لأن أصحاب أيوب عجزوا عن الرد علي أيوب.

2.       لأن أيوب برر نفسه في كل شئ وألقي باللوم علي الله أ.

3. هو لم يدين أيوب كالأصحاب، بل أدخل إعتباراً جديداً في المناقشة، وهو أن الآلام هي تأديب من

 الله. والتأديبات علامة محبة.

4.       وهو تكلم لأنه وجد الرد في داخله ولم يستطع أن يكتمه.

5.       لأنه ثار غاضباً علي عدم إعطاء الله كرامته، لذلك قد يفهم كثيراً من كلماته أنها صادرة عن غرور أو كبرياء ولكن بالعكس نجد أليهو متواضعاً مملوءاً حكمة وفطنة ومعرفة لله، لم يقاطع الشيوخ وهم يتكلمون، بل تكلم أخيراً، لكن ثورته كانت علي الكلمات الصعبة التي قالها أيوب ضد الله مبرراً نفسه، وعلي منطق أصحاب أيوب أنهم لم يجدوا رداً علي أيوب في تبرير سبب النكبات سوي إتهاماتهم له بأنه شرير مما جعله يثور ثورة عارمة ضدهم بل ضد الله نفسه.

وكان كلام أليهو مقنعاً جداً، وتكلم ولم يخطئ ولذلك لم يرد عليه أيوب كما رد علي أصحابه الأخرين، ولم يرد عليه الأصحاب بل ولا لامه الله كما لام الأصحاب الباقين (7:42)

آية 1:- "فكف هؤلاء الرجال الثلاثة عن مجاوبة ايوب لكونه بارا في عيني نفسه". كف أصحاب أيوب عن الحوار لأنهم وجدوا أيوب باراً في عيني نفسه. وإنه من المستحيل النقاش مع مثل هذا الإنسان. ولقد رأي أصحاب أيوب أنه من العبث الإستمرار في النقاش، لا هم قادرين علي إقناعه ولا هو قادر علي إقناعهم.

الأيات 2-5:- "فحمي غضب اليهو بن برخئيل البوزي من عشيرة رام على ايوب حمي غضبه لانه حسب نفسه ابر من الله، وعلى اصحابه الثلاثة حمي غضبه لانهم لم يجدوا جوابا واستذنبوا ايوب، وكان اليهو قد صبر على ايوب بالكلام لانهم اكثر منه اياما، فلما راى اليهو انه لا جواب في افواه الرجال الثلاثة حمي غضبه".

 أليهو= هو إلهي. برخئيل= بركة الله البوزي= من نسل بوز بن ناحور أخو إبراهيم تك 21:22 (وهم من قبائل العرب أر 23:25. فهو قريب لإبراهيم وهو شاب صغير لكنه حار في الروح. وتكلم ليعرف كل واحد خطأه ويقدم توبة. وهو أدان أيوب لأنه لم يتكلم علي الله بوقار كما يجب ولأن أيوب برر نفسه أكثر من الله، فهو أجهد نفسه ليثبت بره ولكنه لم يهتم أن يثبت بر الله ولم يبرر الله من الخطأ في تجربته. فهو إهتم بكرامته أكثر من كرامة الله. والطريق الصحيح في التعامل مع الله أن نبحث نحن عن مجد الله والله هو الذي يبررنا. وأدان أليهو الأصحاب لأنهم لم يقدموا ردودهم برفق لأيوب وإصرارهم علي أنه شرير مرائي وأيضاً لضعف حججهم. وأدان الجميع بسبب أن كل طرف أصر علي أن الطرف الأخر خاطئ، كل منهم كان يبحث عن خطأ في كلام الأخر ويضخم هذا الخطأ دون أن يبحث في النقاط الإيجابية التي قالها. ونلاحظ تصرف أليهو الصائب فهو لم يتدخل في المناقشة حتي أنهى الأكبر سناً كلامهم، فهو إحترمهم بسبب تقدمهم في الأيام بالرغم من أنه كان يري أخطائهم في المناقشة. وهذا يشير لتواضعه. وتكلم أليهو لأن الله أعلن له فكان سكوته بعد ذلك تردد في الشهادة لله.

الأيات 6-22:- "فاجاب اليهو بن برخئيل البوزي وقال انا صغير في الايام وانتم شيوخ لاجل ذلك خفت وخشيت ان ابدي لكم رايي، قلت الايام تتكلم وكثرة السنين تظهر حكمة، ولكن في الناس روحا ونسمة القدير تعقلهم، ليس الكثيرو الايام حكماء ولا الشيوخ يفهمون الحق، لذلك قلت اسمعوني انا ايضا ابدي رايي، هانذا قد صبرت لكلامكم اصغيت الى حججكم حتى فحصتم الاقوال، فتاملت فيكم واذ ليس من حج ايوب ولا جواب منكم لكلامه، فلا تقولوا قد وجدنا حكمة الله يغلبه لا الانسان، فانه لم يوجه الي كلامه ولا ارد عليه انا بكلامكم، تحيروا لم يجيبوا بعد انتزع عنهم الكلام، فانتظرت لانهم لم يتكلموا لانهم وقفوا لم يجيبوا بعد، فاجيب انا ايضا حصتي وابدي انا ايضا رايي، لاني ملان اقوالا روح باطني تضايقني، هوذا بطني كخمر لم تفتح كالزقاق الجديدة يكاد ينشق، اتكلم فافرج افتح شفتي واجيب، لا احابين وجه رجل ولا املث انسانا، لاني لا اعرف الملث لانه عن قليل ياخذني صانعي".

 في (7) "قلت الايام تتكلم وكثرة السنين تظهر حكمة". يعترف أن الأكثر أياماً أكثر حكمة. وفي (8) "و لكن في الناس روحا ونسمة القدير تعقلهم". في الناس روحاً المقصود أن مصدر المعرفة للإنسان ليس فقط خبرته، بل إرشاد الروح القدس للإنسان، فهناك مصدر إلهي للمعرفة داخل الإنسان. وأليهو كان يعرف أنه خاضع لله وبالتالي فإن روح الله يرشده، وفي هذا يستوي الكبير والصغير وفي (9) "ليس الكثيرو الايام حكماء ولا الشيوخ يفهمون الحق". المقصود أن الخبرة التي يكتسبها الشيوخ بالسن هي لا شئ بجانب الإعلان الإلهي الذي تكلم عنه في آية (8). بل لو إبتعد الإنسان عن الله لفقد حكمته تماماً بالرغم من سنه. وفي (10) "لذلك قلت اسمعوني انا ايضا ابدي رايي". إسمعوني= لأنني أعلم أن الروح القدس هو الذي علمني ما أقول. وفي (11، 12) "هانذا قد صبرت لكلامكم اصغيت الى حججكم حتى فحصتم الاقوال، فتاملت فيكم واذ ليس من حج ايوب ولا جواب منكم لكلامه". هو سكت منتظراً من الأصحاب أن يجدوا رداً علي أيوب لكنهم لم يردوا، والسبب أنهم ما كانوا يبحثون عن مجد الله، ولا عن الرد الصحيح ولا عن الحكمة الإلهية بل كان كل همهم منصباً علي محاولة إثبات شر أيوب. وكان خطأ أيوب أيضاً أنه لم يحاول أن يبحث عن حكمة إلهية ترشده عن سبب آلامه، بل إنصبت كل محاولاته في تبرير نفسه. وحينما يكون لنا غرض مخالف عن البحث عن مجد الله نفقد حساسية الإستماع لصوت روح الله فينا، وفي هذا لم يخطئ أليهو.

وفي (13) "فلا تقولوا قد وجدنا حكمة الله يغلبه لا الانسان". لا تقولوا قد وجدنا حكمة= لا تقولوا إننا وجدنا في كلام أيوب حكمة لا تقاوم ولا تقولوا أننا لنا حكمة بسبب تقدمنا في الأيام، فبسكوتكم سيظن أيوب فعلاً أنه بار وأن الله أخطأ في تجربته لأيوب. الله يغلبه لا الإنسان= سيكون الرد عليه بحكمة إلهية، بصوت أسمعه من الله، لا بخبرات إنسانية وحكمة بشرية.

وفي (14) "فانه لم يوجه الي كلامه ولا ارد عليه انا بكلامكم". فإنه لم يوجه إلي كلامه= كانت المشكلة بين أيوب واصحابه أن الحوار إنقلب ليصبح صراعاً شخصياً بينهم. وأليهو يقول أنا خارج هذا الصراع ولا خصومة بيني وبين أيوب، وهو لم يوجه لي في خطاباته أي إتهام. ولا أرد عليه بكلامكم= فأنا لن أتهم أيوب بأنه مرائي وشرير كما فعلتم. وفي (15، 16) "تحيروا لم يجيبوا بعد انتزع عنهم الكلام، فانتظرت لانهم لم يتكلموا لانهم وقفوا لم يجيبوا بعد". ما دفع أليهو للكلام أنهم سكتوا بينما يجد هو القضية واضحة جداً. والكلام هنا بصيغة الغائب فربما كان أليهو يتكلم أمام حاضرين أخرين ووجه لهم الكلام، أو هو يناجي الله ويتكلم عنهم.

وفي الأيات (18-20) "لاني ملان اقوالا روح باطني تضايقني، هوذا بطني كخمر لم تفتح كالزقاق الجديدة يكاد ينشق، اتكلم فافرج افتح شفتي واجيب". لقد إنتظر أليهو أن يقول أحدهم رأياً صحيحاً يحسم القضية فلم يجد، بينما هو وجد الرد الصحيح داخله، ولم يستطع أن يكتمه، فهو كان كنار في داخله. وهكذا كل من يكلفه الله بكلمات يشهد بها، فهو لا يستطيع أن يكتمها وإن كتمها تكون كنار في داخله (أر 9:20 + مز 3:39). ملآن أقوالاً= فحين صمت الشيوخ ملأ الله أليهو الشاب فالله لا يبقي نفسه بلا شاهد. والله ملأه فكان لابد أن يتكلم، وإن لم يفعل يشعر أنه يكاد ينفجر هوذا بطني. . . كالزقاق. . . يكاد ينشق ولا طريقة يهدأ بها سوي أن يتكلم= أتكلم فأفرج. فالروح القدس يعطيه ما يتكلم به ويدفعه دفعاً أن يتكلم، فهو يعطي الكلمة والقوة على الكلام. [راجع مت 17:9 فالزقاق القديمة لو وضعوا فيها خمراً جديدة تتشقق لأنهم يغلقونها جيداً، ومع تفاعلات الخمر الجديدة يكون هناك غازات وأبخرة تمزق الزقاق القديمة، فلابد من وضع الخمر الجديدة في زقاق جديدة لتتحمل ولا تتمزق. وأليهو هنا يشبه نفسه بالزقاق الجديدة المملوءة خمراً جديدة وبداخلها ضغوط حتي لتكاد تنفجر]

والأيات (22، 21) "لا احابين وجه رجل ولا املث انسانا، لاني لا اعرف الملث لانه عن قليل ياخذني صانعي". هو في كلامه لن يرائي ولن يبحث كيف يرضي البشر السامعين بل كيف يشهد لله، فلن يحابي أيوب بسبب آلامه ولن يحابي الأصحاب بسبب مراكزهم.


 

الإصحاح الثالث والثلاثون

الأيات 1-7:- "و لكن اسمع الان يا ايوب اقوالي واصغ الى كل كلامي، هانذا قد فتحت فمي لساني نطق في حنكي، استقامة قلبي كلامي ومعرفة شفتي هما تنطقان بها خالصة، روح الله صنعني ونسمة القدير احيتني، ان استطعت فاجبني احسن الدعوى امامي انتصب، هانذا حسب قولك عوضا عن الله انا ايضا من الطين تقرصت، هوذا هيبتي لا ترهبك وجلالي لا يثقل عليك".

 أليهو هنا يقنع أيوب، أنه إنما يتكلم لفائدته وليس لغرض شخصي. فتحت فمي= بعد أن سكت طويلاً، فإعطني فرصة لأشرح لك. إستقامة قلبي كلامي= أي كلماتي تصدر من قلب مستقيم. ومعرفة شفتي هما تنطقان بها خالصة= شفتاي تتحدثان بإخلاص بما أعلم، وبما كشفه لي روح الله. ومعني كلامه هنا أنه لن يكون منحازاً لأحد، ولا حتي لرأي شخصي، ولا لنظرية أحاول إثباتها أو تطبيقها عليك كما حاول أليفاز وصاحبيه أن يطبقوا نظرية خاصة علي أيوب، ربما كانوا هم أول المقتنعين بأنها لا تنطبق عليه، فهم بالتأكيد كانوا يعرفون بره. روح الله صنعني هذا مصدر حكمة أليهو، الإعلانات التي يعلنها الله له، فالله هو المصدروليس خبرته الشخصية، ومعني كلامه، لا تحتقروا ما سوف أقول بسبب صغر سني. وفي (5) إنتصب= إن وجدت رداً يا أيوب علي ما أتكلم به فهيا قم وتحاور معي وفي (6) طلب أيوب من قبل أن يحاكم أمام الله 21:16 + 3:23 + 3:13. وفي 21:16 كان يتمني أن يحاكم عند الله كما يقف إنسان أمام إنسان. وهو طلب أن يحاكم أمام الله لكن بشرط أن لا يرعبه الله بمجده ونور بهائه 20:13-22. وأليهو يقول له هنا ما تطلبه الآن موجود. فأنت عرضت قضيتك أمامي وسأرد عليك بالنيابة عن الله، وأنا إنسان مثلك، ولن أريعك فأنا أيضاً من الطين تقرصت= أي إنسان مخلوق من الطين مثلك، تقرصت= جبلت. ولاحظ أيضاً أن طلب أيوب أن يتصالح أيضاً مع الله. وهنا أليهو يقوم بهذا الدور. وقوله أنا طين يشير لأن أليهو يشعر بآلام أيوب، وهكذا ينبعي أن الخادم يشعر بآلام الناس. وما قاله أليهو هنا عن نفسه يشير لعمل المسيح، كلمة الله الذي تجسد ليصالحنا علي الله، ولكي نتكلم معه ولا نرتعب من جلاله فهو إبن الإنسان وهو يشعر بضعفاتنا ويرثي لنا فهو إجتازها من قبلنا عب 17:2، 18.

الأيات 8-13:- "انك قد قلت في مسامعي وصوت اقوالك سمعت، قلت انا بريء بلا ذنب زكي انا ولا اثم لي، هوذا يطلب علي علل عداوة يحسبني عدوا له، وضع رجلي في المقطرة يراقب كل طرقي، ها انك في هذا لم تصب انا اجيبك لان الله اعظم من الانسان، لماذا تخاصمه لان كل اموره لا يجاوب عنها".

 هنا نجد أليهو يعاتب أيوب علي الأقوال الصعبة التي فلتت منه في أثناء نقاشه وهي الخاصة بعدل الله وصلاحه تجاه أيوب. قلت في مسامعي= أي سمعتك بنفسي ولم ينقل لي أحد. فأنا متأكد من هذا. وفي (9)-(11)يكرر كلام أيوب الصعب وإتهاماته لله وراجع[21:9 + 7:10 + 23: 10، 1+ 5:27 + 24:13 + 27:13 + 13:10 + 21:30 + 11:19] فهو يصور نفسه أنه كامل وبرئ. فالله إذاً يعاديه بلا سبب، وهو غير قادر علي الجدال مع الله ولا الهرب منه فرجله في المقطرة. والله كعدو يتصيد عليه أي خطأ ثم يعامله بجفاء وقسوة وهو يعلم أنه برئ.

وفي (12) الله أعظم من الإنسان= حتي وإن لم نعرف حكمة الله فيما يفعله فعلينا أن نعترف بأنه أعظم وأحكم ونعترف بأننا أضعف وأجهل من أن نفهم كل حكمة الله. وبالتالي لا يليق أن تشكو الله يا أيوب= ها إنك في هذا لم تصب= عليك أن تكف عن الشكوي من الله وتتواضع أمامه، لتصطلح معه. ونلاحظ الفرق بين تهمة أليهو ضد أيوب وتهم أصدقاء أيوب له. فأليهو يقول لأيوب قد أخطأت في قولك هذا بينما أصحاب أيوب قالوا له أنت مخطئ في كل شئ دون تحديد. وهذا هو الحوار المقبول ومعني قول أو لوم أليهو أنه لا يصح أن ننسب لله تصرفات خاطئة فكل أعماله صالحة.

 وفي (13) من يشتكي الله يقاومه، لأن من يشتكي الله يظهر الله كأنه مخطئ فيما عمل. وهل نخاصم الله غير المحدود في محبته وقدرته، وهل يتخاصم الإناء الخزفي مع صانعه ولنلاحظ أن الله غير ملزم بتقديم تفسير عن كل عمل يقوم به، بل علينا نحن أن نثق فيه وستثبت الأيام أن تدبير الله هو الذي كان صحيحاً.

الأيات 14-16:- "لكن الله يتكلم مرة وباثنتين لا يلاحظ الانسان، في حلم في رؤيا الليل عند سقوط سبات على الناس في النعاس على المضجع، حينئذ يكشف اذان الناس ويختم على تاديبهم".

 لكن الله يتكلم= الله يكشف عن أسراره بقدر ما يحتمل الإنسان أن يعرف. وهذا رد علي أيوب حين قال أن الله تركه في ظلمة، لا يعرف لماذا حدث كل ما حدث. لذلك تصور أيوب أن الله يتصرف معه كعدو. ولذلك يرد عليه أليهو بأن الله قد تحدث معك وأنت لم تفهم، أو لم تدرك ولكن عموماً فكل تصرف من الله هو للخير. مرة وبإثنتين= فالله من محبته يسر بحديثه مع الإنسان. والروح القدس داخلنا عمله أن يبكت ويرشد ويعلم ويذكر ويقود. والله له وسائله المختلفة، فإن لم نستمع لصوت الروح القدس الهادئ داخلنا، نسمع لصوت كلمة الله في الكتاب المقدس أو في عظة، أو من أي إنسان يرسله الله. وإن لم يسمع الإنسان فهناك وسائل أخري يستعملها الله كإنذارات وتأديب، فإن فشل أحد الإنذارات في تنبيه الإنسان نجد الله يرسل إنذاراً آخر. . . وهكذا حتي يصير الإنسان بلا عذر. ولكن الإنسان لجهله لا يلاحظ طرق الله. وفي (15) نجد أليهو يحدد طرق إتصال الله بالإنسان، عن طريق الأحلام، وهناك أحلام من الله(يوسف النجار، فرعون، نبوخذ نصر) ويوجد أحلام من الشياطين وأحلام مصدرها خيال الإنسان، وهذه الأخيرة هي المصدر الأساسي للأحلام. وقد يسمع الإنسان صوت الله في خلوته مساءً وهو علي سرير فراشه، في هدوء الليل. ولكن أليهو هنا يقصد الأحلام. وفي (16) حينئذ يكشف أذان الناس= أي يزيل من أذانهم ومن قلوبهم معطلات السمع، فحين يسمح الله أن تصل لإنسان رسالة من السماء سيزيل كل العوائق التي نصنعها نحن بخطايانا.

ويختم علي تأديبهم= يجعلها الله تسكن في قلوبهم حتي لا ينسون إنذار الله.

الختم

عمل الله

1- يظهر من الختم من الذي وقع علي الورقة.      

2- يظهر علي الختم صورة نقش.

 

3- الختم يوضع بعد أن تغلق الرسالة.      

 

1- يظهر من التأديب أن الله هو الذي يؤدب.

2- إذا إستفاد الإنسان من التأديب تظهر فيه صورة الله غل 19:4.

3- ثمار التأديب وعمل الله تكون داخلية.

 

الأيات 17-22:- "ليحول الانسان عن عمله ويكتم الكبرياء عن الرجل، ليمنع نفسه عن الحفرة وحياته من الزوال بحربة الموت، ايضا يؤدب بالوجع على مضجعه ومخاصمة عظامه دائمة، فتكره حياته خبزا ونفسه الطعام الشهي، فيبلى لحمه عن العيان وتنبري عظامه فلا ترى، وتقرب نفسه الى القبر وحياته الى المميتين ". ما فائدة التأديبات، يجيب في (17) ليحول الإنسان عن عمله= أي يقوده للتوبة عن خطيته. ويكتم الكبرياء= وهذا ما يعمله الله الآن مع أيوب شخصياً.

وفي (18) الله ينذر ويوبخ ليمنع عنا الخطايا حتي لا نهلك فالخطايا تؤدي للهلاك.

وفي (19) مفهوم أليهو رائع أن الله يسمح بالألم للتأديب، وهو نفس مفهوم بولس الرسول عب 5:12-11. وهو هنا يرفض فكر أيوب وفكر أصحابه

فكر أيوب:- لماذا أتالم وأنا بار

فكر الأصحاب:- الألم علامة غضب الله علي الأشرار. ولذلك أيوب قطعاً شرير وأليهو بهذا الكلام يوجه نظر أيوب أن التأديب فيه محبة ورحمة من الله. فالتأديب أفضل بما لا يقاس من الهلاك في هوة الموت. وهنا نري إحدي وسائل التأديب التي يستخدمها الله ألا وهو المرض= يودب بالوجع. وهنا نري صورة مؤلمة لمرض مؤلم للعظام= مخاصمة عظامه دائمة= فالمرض شبهه بعدو يخاصم الإنسان فلا يتركه ليلاً أو نهاراً. وفي (20) أحد مظاهر المرض فقدان الشهية. وفي (21) يتحول المريض إلي هيكل عظمي. لتنبري عظامه= أي تتلاشى وهي مبالغة شعرية والمعني الضعف العام.

وفي (22) يصل المريض لحافة اليأس وتظهر عليه كل علامات الموت. المميتين= هم إما آلام المرض التي تؤدي للموت أو هم الملائكة المرسلون من الله ليميتوا ويهلكوا، 2صم 16:24. وهنا الأمراض والآلام تجعل الإنسان قريباً جداً من القبر.

آية 23:- "ان وجد عنده مرسل وسيط واحد من الف ليعلن للانسان استقامته". بعد أن تكلم عن الملائكة المميتين، نجده هنا يتكلم عن ملاك مرسل لينقذ الإنسان من أيديهم. والأن الله يؤدب أيوب، لكن كيف يفهم أيوب فيكون هذا التأديب لتبريره وتقديسه، ولا يكون سبب خصام مع الله؟ يكون هذا بأن يرسل الله وسيطاً كأليهو ليشرح لأيوب وليعلن للإنسان إستقامته= أي إستقامة الله، أي يبرر الله فيما سمح له به من آلام للتأديب. وتفهم كلمة إستقامته أنها عائدة علي أيوب فالمرسل بشرح لأيوب أنه مستقيم ومقبول من الله وليس شريراً وعدواً مرفوضاً من الله، وأن هذه الآلام سبب تأديب له. وإذا فهم أيوب يكون التأديب له فائدة. وهذا الوسيط هنا يعزي ويرافق ويشرح له تدبير الله لخلاص نفسه، الوسيط هو رجل حكيم يفهم معني القضيب المؤدب الذي يستخدمه الله. وهذا عمل خدام الله دائماً. واحد من ألف= تفهم بمعنيين (1) الله له 1000 وسيط يمكنهم أن يشرحوا لأيوب، والله أرسل واحد منهم هو أليهو (2) أن الوسيط أو الخادم الذي يفهم أساليب الله هو عينة نادرة وسط الخدام. فكل أصحاب أيوب فشلوا في شرح المعاني التي شرحها أليهو.

والمرسل الذي إنتظرته البشرية هو المسيح، وهو الوسيط بين الله والإنسان. وهو وحده الذي يرافقنا في رحلة الألم في هذه الحياة، ولو قبلنا الآلام كشركة صليب معه نتعزي، وهو وحده الذي شرح معني الألم. فهل تألم المسيح لأنه شرير؟! حاشا (و في هذا رد علي منطق الأصحاب). بل فهمنا الآن بالمسيح معني الألم، وبالوسيط يسوع المسيح نتبرر. وكان أيوب مخطئاً حين ظن نفسه باراً فلا تبرير سوي بدم المسيح. ودمه هو الذي يحمينا من الهبوط في الحفرة والهلاك. ونجد الأن معني ثالث لقول واحد من ألف= فرقم 1000 يشير للسماء. والمسيح أتي من السماء كوسيط يو 13:3.

الأيات 24-33:- "يترءاف عليه ويقول اطلقه عن الهبوط الى الحفرة قد وجدت فدية، يصير لحمه اغض من لحم الصبي ويعود الى ايام شبابه، يصلي الى الله فيرضى عنه ويعاين وجهه بهتاف فيرد على الانسان بره، يغني بين الناس فيقول قد اخطات وعوجت المستقيم ولم اجاز عليه، فدى نفسي من العبور الى الحفرة فترى حياتي النور، هوذا كل هذه يفعلها الله مرتين وثلاثا بالانسان، ليرد نفسه من الحفرة ليستنير بنور الاحياء، فاصغ يا ايوب واستمع لي انصت فانا اتكلم، ان كان عندك كلام فاجبني تكلم فاني اريد تبريرك، والا فاستمع انت لي انصت فاعلمك الحكمة".

 آية (24) يبدأ من هنا شرح نتائج التجاوب الصحيح لتأديبات الله. الله الإله العطوف الذي تكلم في حلم وأدب بالمرض وأرسل وسيط ليتصالح مع أيوب. بل مع أي إنسان. فإذا تخلص الإنسان من خطيته التي جلبت عليه التأديب شفي من مرضه ويتبرر أمام الله، ويكون هذا الإنسان شهادة أمام الأخرين. ومعني كلام أليهو أن المتألم لو تجاوب مع عمل الله يقبله الله ويتراءف عليه، وينجو من الهلاك الأبدي= أطلقه عن الهبوط إلي الحفرة. قد وجدت فدية= أي حينما قدم توبة شفاه الله ورحمه. كأن الله هو الذي يقول قد وجدت فدية، فتوبة هذا الشخص كانت فداءً له، فسأعطيه أن ينجو من الموت. والتأديب لا يتوقف إلا إذا أتي بثماره. ولكن نري في آية (24) عجبا. فأليهو بروح النبوة إنفتحت عيناه. ورأي أنه لها خلاص من الهبوط للحفرة، أي الموت الأبدي إلا بوجود فدية، وليس من قدية تعطينا الخلاص إلا دم المسيح، الذي سبق وأسماه المرسل والوسيط. والمسيح هو نفسه الفادي وهو نفسه الفدية، هو الكاهن وهو الذبيحة، هو الشاري وهو الثمن (هو إشترانا وحررنا من يد إبليس بثمن هو دم نفسه)، وهو الذي بررنا وهو الذي صالحنا مع الأب.

لقد سبق ورأينا أيوب قد إنفتحت عيناه ورأي الولي الحي، وكانت شركة الصليب هي السبب في فتح عينيه. وهنا نري أليهو تنفتح عينيه بسبب أخر هو الإيمان القوي ومحبته وغيرته علي مجد الله.

وفي آية (25) التخلص من نتائج الخطية، أي شفاء المرض(مثال نعمان السرياني) لكن ليس في كل مرة يعود اللحم كلحم صبي صغير. ولكن هذا سيحدث في الجسد الممجد بعد القيامة.

وفي (26) تسترد النفس سلامها وعلاقتها بالله، فالتائب يصلي والله يقبل صلاته، ويرتد غضب الله عنه، ويظهر علي وجهه نور رضا الله ويعيش في سلام داخلي (وهذا ما قاله المسيح "سلامي أترك لكم. . . " ويعاين وجهه= "طوبي لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله". فبعد أن كان الخاطئ غير قادر أن يري وجه الله، يراه ويفرح به. ويقول فم الذهب "الذين يعاينون وجه الله وهو راض عنهم يذوقون أفراح السماء وهم علي الأرض. فيرد علي الإنسان بره= الله يعيد للتائب بره بأن يغفر خطاياه.

وفي (27، 28). يغني بين الناس فيقول قد أخطأت. يغني إشارة لأفراح التائب الذي نال الغفران. وماذا يقول التائب في فرحه قد أخطأت. هذه تسبحة التائب الحقيقي، فالتائب لا ينكر خطيته أبداً. وسبب فرحه غفران الله له= لم أجاز عليه. فدي نفس من العبور إلي الحفرة= فالتأيب إنتقل من الموت إلي الحياة "إبني هذا كان ميتاً فعاش" فتري حياتي النور= وينتقل من الظلمة إلي النور. لكن من الذي يستفيد من الفداء؟ التائب. ولنري هنا مفهوم أليهو أن فرح التائب يكون بغفران خطاياه، فهو يعترف أنه أخطأ وهو فرح بالغفران وهذا عكس ما كان أيوب يحاول إثباته، أنه بار ولا حاجة له لفداء فكان منطق أيوب سبباً لتعاسته ولنقارن قول داود "لم يصنع معنا حسب خطايانا ولم يجازنا بحسب أثامنا مز 10:103 فهو يشبه تماماً قول أليهو هنا يغني. . . قد أخطأت وهو عكس قول أيوب 14:16-17.

وفي (30، 29). الله يفعل هذا دائماً، فهو لا يفرح بموت الخاطئ، بل بأن يفدي نفسه فيرجع ويحيا، وفي سبيل هذا يستخدم الإنذارات والألام. مرتين وثلاثاً= إن لم يستجب الإنسان للإنذار الأول يكون هناك إنذار ثانٍ. . وكل إنذار أصعب من الذي قبله.

وفي (31، 32):- أليهو يتمني أن أيوب يفهم أن أليهو ليس خصماً له، فهو ليس مثل الأصحاب يحاول إثبات شره، بل هو يسعي وراء الحق ليتوب أيوب فيتبرر= أريد تبريرك

وفي (33) إنصت فأعلمك الحكمة= من يتعلم أن ينصت في هدوء وليس بروح الجدل سيسمع وسيتعلم الحكمة، وأي حكمة أروع من التي قالها أليهو أن الله في محبته يسعي وراء الإنسان ليفتديه من الحفرة، وينقذه من الموت، ولا ينتظر من الإنسان إلا أن يعود إليه بالتوبة، ويظل الله وراء أولاده بالتأديبات حتي لا يهلكوا، بل يظلوا في طريق الخلاص. إستمع أنت لي= ما سيقوله بعد ذلك


 

الإصحاح الرابع والثلاثين

الأيات 1-9:- "فاجاب اليهو وقال، اسمعوا اقوالي ايها الحكماء واصغوا لي ايها العارفون، لان الاذن تمتحن الاقوال كما ان الحنك يذوق طعاما، لنمتحن لانفسنا الحق ونعرف بين انفسنا ما هو طيب، لان ايوب قال تبررت والله نزع حقي، عند محاكمتي اكذب جرحي عديم الشفاء من دون ذنب، فاي انسان كايوب يشرب الهزء كالماء، ويسير متحدا مع فاعلي الاثم وذاهبا مع اهل الشر، لانه قال لا ينتفع الانسان بكونه مرضيا عند الله". الحكماء. . . العارفون= أليهو كان مختلفاً معهم ومع هذا كان يحترمهم. الأذن تمتحن الأقوال= الأذن تمتحن بمعني العقل والإدراك. هو دعاهم أن يسمعوا أقواله ويتذوقوها ثم يحكموا هل كلامه فيه حكمة أم لا. لنمتحن لأنفسنا الحق= هنا جمع أليهو نفسه معهم، ومعني كلامه أنه يجب أن نمتحن كل ما نسمعه لنحكم عليه، فهو كمن يطلب أن يتحاور معهم للوصول إلي الحقيقة بلا فرض رأي.

وفي (5) يلوم أيوب علي الكلام الصعب الذي قاله عن الله (18:13 + 2:27، 4، 5) خصوصاً إصراره أنه برئ وأن الله ظلمه= نزع حقي. وميزة أليهو أنه يدين أيوب في أقوال محددة بينما الأصحاب أدانوه علي أعمال تصوروا هم أنه عملها وهو برئ منها مما أثاره. وفي (6) عند محاكمتي أكذب= ترجمتها هكذا اليسوعية "أُكَذَبْ والحق لي" أي الله يعلم إنني برئ ومع هذا يتهمني أنني كاذب وخاطئ ليعذبني بلا سبب. جرحي عديم الشفاء من دون ذنب= آلامه ميئوس من شفائها وهو برئ.

وفي (7) أليهو يلوم أيوب بشدة ويصوره كمن يجلس في مجلس المستهزئين ليهزأ بأحكام الله. يشرب الهزء كالماء= معناها أنه أخذ قدراً كبيراً في توجيه الإتهامات لله. وفي (8) يسير متحداً مع فاعلي الأثم= في إتهامات أيوب لله والهزء من أحكامه صار أيوب كأنه زميل لفاعلي الإثم الأشرار. وفي (9) إتهم أليهو أيوب ولامه لأنه فهم من كلامه أن أيوب يقصد أن الإنسان المتدين البار لن يستفيد من تدينه. كما لو كانت خدمة الله بلا جدوي. وهذا الكلام إستخلصه من 22:9

الأيات 10-20:- "لاجل ذلك اسمعوا لي يا ذوي الالباب حاشا لله من الشر وللقدير من الظلم، لانه يجازي الانسان على فعله وينيل الرجل كطريقه، فحقا ان الله لا يفعل سوءا والقدير لا يعوج القضاء، من وكله بالارض ومن صنع المسكونة كلها، ان جعل عليه قلبه ان جمع الى نفسه روحه ونسمته، يسلم الروح كل بشر جميعا ويعود الانسان الى التراب، فان كان لك فهم فاسمع هذا واصغ الى صوت كلماتي، العل من يبغض الحق يتسلط ام البار الكبير تستذنب، ايقال للملك يا لئيم وللندباء يا اشرار، الذي لا يحابي بوجوه الرؤساء ولا يعتبر موسعا دون فقير لانهم جميعهم عمل يديه، بغتة يموتون وفي نصف الليل يرتج الشعب ويزولون وينزع الاعزاء لا بيد".

 في الأيات (10-12) كانت خطة أليهو أن يجعل أيوب يتقبل آلامه وهو في سلام. وسبق له في الإصحاح السابق أن شرح أن الله يقصد تاديب الإنسان بالألام، وبالتالي فالآلام هي لخير الإنسان. وهنا يثبت أن الله يعطي العقوبة أو التأديب بقدر إستحقاق الإنسان تماماً وليس بأكثر من ذلك.

وفي (13) من وكله بالأرض= يريد أليهو أن يثبت عدل الله، وأنه له السلطان المطلق فهو الذي صنع المسكونة كلها فهو بالتالي الذي يحكمها، وسلطانه عليها لم يأتي من أحد، فلم يوكله أحد. وصاحب الشئ يهتم بما يملكه أكثر من إهتمام الوكيل به. بل هو لو أغفل عن إهتمامه لحظة تحطم كيان الكون في لحظة. فالله لأنه صاحب هذه الأرض يحكمها بالعدل، فلماذا يحكمها بالظلم، ولمصلحة من. لو كان هو يديرها كوكيل، ربما كان يخطيء لصالح نفسه (كوكيل الظلم)، ولكن هي أرضه فلماذا لا يعدل، هل هناك من هو أقوي أو أعدل منه.

والأيات 15، 14:- أنت يا أيوب تتهم الله بأنه يظلمك، وهو كعدو لك، جافٍ من نحوك، هل تتصور يا أيوب عمن تتكلم، الله الذي له كل السلطان، الله الذي بيده روحك، إن غفل عنك لحظة تموت، وإن وضع في نفسه أن يكون ضدك لهلكت في طرفة عين، فروحك في يده. فلماذا يعذبك إذاً، هو لو أراد، فهو قادر أن يهلكك في لحظة. إن جعل عليه قلبه= الله لو وضع قلبه، أي صمم علي ضرب شخص إن جمع إلي نفسه روحه ونسمته= ينزع منه روحه فيموت= يُسلم الروح كل بشر= هل يستطيع إنسان أن يمتنع. الله لا يحتاج لقوة حتي يسحق الإنسان الضعيف، فقط يسحب منه النسمة التي سبق فأعطاها له. إن جمع إلي نفسه روحه ونسمته= أي يسترد الله لنفسه هذه النسمة التي أعطاها للإنسان فيموت.

وفي (16) فإن كان لك فهم= إفهم أن الله لا يمكن مخاصمته، وإفهم أنه ليس عدواً لك فلو عاداك الله لهلكت في لحظة. وفي (17) العل من يبغض الحق يتسلط= هل لو تصورت أن الله ظلمك من دون حق فكيف يكون الله وهو مبغض للحق يتسلط علي العالم. الملك الدنيوي لو حكم بلا عدل تنهار مملكته من الفساد، فهل يحكم الله العالم بلا عدل حتي ينهار العالم، ولمصلحة من يسمح الله بإنهيار العالم الذي خلقه أم البار الكبير تستذنب= الله هو البار العظيم، الذي يلا خطأ فهل تنسب له الظلم.

وفي (18) إذا كان لا يليق أن نوجه إساءة للملوك الأرضيين والندباء= الأمراء فهل نوجه تهمة الظلم لله، وتهمة الظلم أو اللؤم لا يمكن ولا يصح أن نوجهها للملك الأرضي، فهل توجهها يا أيوب لملك الملوك. وفي (20، 19):- الله في سلطانه المطلق لا يحابي أحد فهو خالق الجميع من تراب، فهو لن يجامل موسعاً= غنياً لأنه غني. ولن يجامل فقير لأنه مسكين. فكلهم يموتون لابيد= أي دون تدخل إنسان.

الأيات 21-30:- "لان عينيه على طرق الانسان وهو يرى كل خطواته، لا ظلام ولا ظل موت حيث تختفي عمال الاثم، لانه لا يلاحظ الانسان زمانا للدخول في المحاكمة مع الله، يحطم الاعزاء من دون فحص ويقيم اخرين مكانهم، لكنه يعرف اعمالهم ويقلبهم ليلا فينسحقون، لكونهم اشرارا يصفقهم في مراى الناظرين، لانهم انصرفوا من ورائه وكل طرقه لم يتاملوها، حتى بلغوا اليه صراخ المسكين فسمع زعقة البائسين، اذا هو سكن فمن يشغب واذا حجب وجهه فمن يراه سواء كان على امة او على انسان، حتى لا يملك الفاجر ولا يكون شركا للشعب".

 إبتداء من هنا يثبت حتمية عدل الله بأن يعرف كل شئ دون أن يفحص.

ففي (21) الله يفحص عمل كل واحد لذلك تكون عقوبته عادلة. وفي (22) لا ظلام ولا ظل موت= كل شئ مكشوف أمام عينيه، ولا شئ يختفي عنه من شرور عمال الإثم. ففاعلي الشر قد يختبأون في الظلام فلا يراهم إنسان، فهل يختفون من أمام الله.

وفي (23)، (24) لأنه لا يلاحظ الإنسان زماناً للدخول في المحاكمة مع الله= القاضي البشري يحتاج زماناً لمراقبة المتهم، وفحص قضيته ولكن الله، لأن طرق الإنسان كلها مكشوفة أمامه ففي لحظة يحطم الأعزاء الأشرار من دون فحص= أي لا يحتاج لوقت لفحص قضيتهم. هذا إثبات أن حياتنا بتفاصيلها كلها مكشوفة أمامه.

وفي (26، 25) الله يسحق بعدل فهو يعرف أعمال الجميع. وحين يضرب يضرب أمام الناظرين ليرتدع الجميع. ويقلبهم ليلاً= هكذا ضرب بيلشاصر ليلاً. ولكن قوله ليلاً يشير لشرهم. فالليل يشير لأعمال الظلمة. والمعني الله يضربهم بسبب شرهم.

وفي (28، 27) شر هؤلاء الخطاة أنهم متمردين علي الله لا يخافون منه ولا يراعوا في شرورهم إنسان، فصاروا طغاة ضد المساكين (لو 2:18). وسر شر الأشرار أنهم تصوروا أنهم بلا إله في هذا العالم= إنصرفوا من ورائه. ولم يعودوا يخافون من أحكامه، لأنهم لم يتأملوا في عقاب الله للأشرار= وكل طرقه لم يتأملوها.

وفي (29) الله له السلطان المطلق علي كل الخليقة وما يقرره لا يمكن لأحد أن يغيره. إن حجب وجهه= يحزن الإنسان، وفي هذه الحالة لن يستطيع إنسان تعزيته، وحجب الله لوجهه عن المتألم معناه أنه لا عزاء لهذا الإنسان. وفي سلطان الله المطلق يحفظ العدل لكل الناس= حتي لا يملك الفاجر= الله لا يترك الفاجر يتحكم في الأبرار حتي لا يكون شركاً للشعب. حتي وإن سمح الله للفاجر أن يملك زمناً فهو لا يتركه دائماً مز 3:125. وإن ملك فاجر علي شعب يكون هذا بسماح من الله لكي يؤدب هذا الشعب. وبعد أن يأتي التأديب بثماره ينزع الله هذا الفاجر.

الأيات 31-37:- "و لكن هل لله قال احتملت لا اعود افسد، ما لم ابصره فارنيه انت ان كنت قد فعلت اثما فلا اعود افعله، هل كرايك يجازيه قائلا لانك رفضت فانت تختار لا انا وبما تعرفه تكلم، ذوو الالباب يقولون لي بل الرجل الحكيم الذي يسمعني يقول، ان ايوب يتكلم بلا معرفة وكلامه ليس بتعقل، فليت ايوب كان يمتحن الى الغاية من اجل اجوبته كاهل الاثم، لكنه اضاف الى خطيته معصية يصفق بيننا ويكثر كلامه على الله".

 أليهو يعلم أيوب ماذا يجب أن يقول، فبعد أن لامه يضع في فمه كلاماً يقوله. (وخطوات التوبة أن نمتنع عن التكلم بكلام شرير ثم نبدأ نتعلم أن نتكلم كلاماً صالحاً). ولكن هل لله قال إحتملت= عليك يا أيوب إن كنت رجلاً باراً حقاً أن تقول لله، أنا أحتمل كل ما تسمح به، أحتمل لأنه تأديب، ولأنني واثق في أنك لا تفعل سوي الخير. لا أعود أفسد= لا أعود لخطاياي. هنا يدعوه للإعتراف بأنه أخطأ، وبأن يقدم توبة فلا يعود لخطيته ثانية. ويفهم أن يحتمل التأديب كأنه علاج لحالته حتي لا يهلك بسبب خطاياه، كما يحتمل المريض الدواء ليشفي. ما لم أبصره فأرينه أنت= أنا إكتشفت بعضاً من أخطائي، فإكشف لي يارب ما لا أستطيع أن أراه، إكشف المختبئ فيَ والذي لا أعلمه فلا أعود إليه. بهذا يعترف أيوب أمام الله كما فعل اللص اليمين "أنا بعدل جوزيت". وقول أليهو هل لله قال= المقصود أيوب أو أي تائب.

وفي (33) هل كرأيك يجازيه= هنا يسأل أليهو أيوب "هل كرأيك يا أيوب يجازي الله الإنسان التائب، أو هل يستشير الله إنسان فيما يفعله، أو في طريقة التأديب المناسبة، الإنسان قاصر في معرفته فكيف يختار. والكلام هنا كأن الله يوجه الكلام لأيوب لأنك رفضت= لأنك يا أيوب ترفض حكمي وطرقي وتظن أنني أخطأت. فأنت تختار لا أنا= تفضل يا أيوب أختار التصرف السليم بدلاً مني.

وفي (34، 35) يستشهد أليهو بكل العقلاء والفهماء، وبأنهم يؤيدوه في أن أيوب تكلم بلا عقل. هنا يقول أليهو لأيوب ما سبق وقاله أيوب لزوجته "تتكلمين كإحدي الجاهلات". وفي بعض الأحيان نشير علي الناس بنصائح نحتاج أن نسمعها لأنفسنا.

وفي (36) يتمني أليهو أن الله يترك أيوب لآلامه حتي آخر المشوار لتنكشف كل أخطائه ويسحب كل الكلام الصعب الذي قاله ويقدم توبة حقيقية فيصير باراً فعلاً.

وفي (37) يصفق بيننا= علامة علي إستمرار تمرده وغضبه، وأنه مستمر في إتهامه لله بالظلم. وبهذا أضاف لخطاياه خطية جديدة.


 

الإصحاح الخامس والثلاثين

الأيات 1-8:- "فاجاب اليهو وقال، اتحسب هذا حقا قلت انا ابر من الله، لانك قلت ماذا يفيدك بماذا انتفع اكثر من خطيتي، انا ارد عليك كلاما وعلى اصحابك معك، انظر الى السماوات وابصر ولاحظ الغمام انها اعلى منك، ان اخطات فماذا فعلت به وان كثرت معاصيك فماذا عملت له، ان كنت بارا فماذا اعطيته او ماذا ياخذه من يدك، لرجل مثلك شرك ولابن ادم برك". يعاتب أليهو هنا أيوب علي خطأين له في كلامه

1.       أنه يبرر نفسه أكثر من الله، بمعني أن أيوب تصور أنه قدم لله الكثير، بل أكثر كثيراً مما قدمه الله له، وفي الموازين أصبح أيوب دائناً لله، وأن أعمال أيوب البارة كافأه الله عليها بأقل مما يستحق، وجازاه علي شروره بأكثر مما يستحق.

2.       إعتباره أن علاقته بالله لا تفيده شيئاً.

أنا أبر من الله= هذه شرحها في نقطة (1). بماذا أنتفع أكثر من خطيتي. . نقطة (2) وراجع 30:9، 31+ 15:10.

بماذا أنتفع أكثر من خطيتي= قلت ماذا يفيدني وأي شئ أنفع لي من أن أخطأ. (حسب ترجمة اليسوعيين). أي ماذا سيعود عليَ بالنفع لو تطهرت من خطيتي، وإن كنت خاطئاً فالويل لي، ولكن إن كنت باراً فماذا أستفيد (مز 13:73، 14) والمقصود بالنفع هنا، النفع المادي كالصحة والثروة. ولكن هنا خطأ في الحساب فعطايا الله ليست كلها مادية، بل عطاياه أساساً روحية. وهذا ما توصل إليه كاتب مزمور 73 (راجع 23:73-26). ولكن خطأ أيوب في حساباته أنه نظر إلي الخيرات الجسدية ورأي أنها تعطي أحياناً للأشرار وليس للأبرار فحسب هذا ظلماً وليس بحكم عادل. وعموماً فمثل هذا التفكير أي وجوب مجازاة البار علي الأرض بخيرات مادية هو تفكير يهودي بعيد عن الروح المسيحية. وأنها لأنانية أن يظل الإنسان يطلب خيرات مادية، فالمسيحي يجب أن يكون صورة للمسيح الذي جاء يبذل نفسه ويطلب ما للأخرين ولا يطلب ماله.

وفي (4) أليهو يرد علي كل من يقول هذا أيوب أو أصحابه

وفي (5) أليهو يثبت أن الله أعلي من الجميع فالسموات فوق الجميع، فالله أعظم من جميع خلائقه ولا يحتاج لأحد منهم، ولا يطمع في أحد منهم، لذلك لن يظلمهم. أما ملوك الأرض فهم قد يظلمون رعاياهم ليربحوا منهم.

وفي (7، 6) يطلب أليهو من أيوب أن يغير طريقه تفكيره فأيوب يتصور أن الله يراقب الإنسان وحين يخطئ يعاقبه. وأليهو يقول أن أخطأ الإنسان فالله لن ينقص. ولو كان الإنسان باراً فهذا لا يزيد الله شيئاً. وهذا رد من أليهو علي تفكير أيوب ماذا أنتفع لو تطهرت من خطيتي. فالله يهتم بأن الإنسان يتوب ليس لأن هذا في مصلحة الله بل في هذا خير الإنسان والله يحب البشر.

وفي (8) شرورنا وبرنا لا يتأثر بهما الله، بل نحن نتأثر بهما، فالله أسمي من أن نصل إليه سواء بشرورنا أو ببرنا. والله كقاضٍ عادل يكافئ الأعمال البارة ويجازي علي الأعمال الشريرة. فالخطية عقوبتها فيها ومن يخطيء كمن يلعب بالنار والنار سوف تؤذيه. ومن يحيا في البر سيتمتع بحمآية وبركة الله. والله حين أعطي الوصايا للإنسان لم يكن يريد أن يتحكم فيه، بل كان يطلب الخير له.

الأيات 9-13:- "من كثرة المظالم يصرخون يستغيثون من ذراع الاعزاء، ولم يقولوا اين الله صانعي مؤتي الاغاني في الليل، الذي يعلمنا اكثر من وحوش الارض ويجعلنا احكم من طيور السماء، ثم يصرخون من كبرياء الاشرار ولا يستجيب، ولكن الله لا يسمع كذبا والقدير لا ينظر اليه".

 كان أيوب قد قال إن المظلوم يصرخ والله لا يستجيب له. وأليهو هنا يقدم تفسير رائع لماذا لا يستجيب الله لصراخ بعض المظلومين. وربما يشرح معلمنا يعقوب نفس المنطق بقوله "تطلبون ولستم تأخذون لأنكم تطلبون ردياً يع 3:4. فأليهو يبرر الله في أنه لا يستجيب بأن الخطأ ليس في الله ولكن فيمن يصرخ. والسؤال الآن هل هناك صراخ بطريقة صحيحة، وصراخ آخر بطريقة خاطئة؟ وهنا نقول أن الله سمح بالألم لأن هناك خطية ما في هذا الشخص، يريد الله أن يتوب عنها فتكون له حياة، فإذا صرخ الخاطئ المتألم طالباً أن يرفع الله عنه التجربة دون أن يقدم توبة عن خطاياه، فالله لا يستجيب لأن الألم أو التجربة التي سمح بها الله لم تؤتي ثمارها بعد. وهذا ما قاله هوشع النبي 14:7 "ولا يصرخون إليَ بقلوبهم حينما يولولون علي مضاجعهم، يتجمعون لأجل القمح والخمر ويرتدون عني" أي هم يصرخون في المجاعة وحينما يتوفر لهم القمح والخمر يرجعون عن الله مرتدين كما قال أحدهم "صام وصلي لأمر ما، فلما إنقضي الأمر لا صام ولا صلي" فالله بحكمته طالما يري الإنسان مازال بعيداً غير تائب، لا يرفع الألم عنه حتي يتوب وإلا فماذا كانت فائدة التجربة. الله مستعد دائماً أن يسمع وينقذ، إذا كان المظلوم يصرخ في قلبه طالباً الله= أين الله صانعي. ولنلاحظ أن المظلوم لو عاد لله بقلبه وصلي بأمانة لوجد تعزية كافية حتي تُرفع الضيقة، والضيقة ترفع حين تؤتي ثمارها. فالتائب حين يذكر أن الله صانعه يذكر أن الله مسئول عنه، عينه عليه دائماً:-

1- عينه عليه ليدبر أموره. . فيطمئن        2- عينه عليه يراه وهو يخطئ…. فيتوب.

ولاحظ الصرخة التي يسمعها الله أين الله صانعي مؤتي الأغاني في الليل= في الترجمة اليسوعية "أين الله الذي صنعني الذي ينعم بالترنيم ليلاً"= أي وسط ليل ألامنا وأحزاننا، إلهنا قادر أن يعطي تعزيات سماوية فنسبحه بأغاني وتسبيح. والليل فيه إشارة للحزن والخوف والضيق. وفي وسط الضيقة الله قادر أن يعزي (أع 25:16) فأليهو يصور الله هنا أنه إله خير صنع الإنسان وأعطاه أن يفرح ويتعزي حتي في الضيقة.

الذي يعلمنا أكثر من وحوش الأرض ويجعلنا أحكم…= الوحش أو الطير إذا تألم فهو يصرخ ويعوي ولكنه لا يقول "أين الله صانعي، ومن يصرخ بدون أن ينتبه لله صانعه، أي دون أن يقدم توبة يشابه صراخ الوحوش والطيور، ولكن الله أعطانا حكمة أكثر من كل خليقة، وبهذه الحكمة يجب أن ندرك أن الله صانع خيرات ولا يمكن أن يسمح بألم أو ضيقة إلا لو كان بعدها بركة وخير. لذلك فمن له هذه الحكمة فليصرخ لله تائباً، مسبحاً وشاكراً. وهذه هي الصرخة المقبولة. ومهما صرخ المظلوم من كبرياء الأشرار دون أن يكون تائباً فالله لا يستجيب هذا مفهوم آية (13). فالله لا يسمع كذباً= الله لن يستجيب لصراخ غير التائب الذي يصرخ لرفع التجربة دون توبة.

الأيات 14-16:- "فاذا قلت انك لست تراه فالدعوى قدامه فاصبر له، واما الان فلان غضبه لا يطالب ولا يبالي بكثرة الزلات، فغر ايوب فاه بالباطل وكبر الكلام بلا معرفة".

 بعد هذا الدرس من أليهو، يوجه أليهو الكلام لأيوب مقدماً له نصيحة ذهبية= فأصبر له= وعلي كل من يصلي أن لا ييأس من رحمة الله بل بصبر ينتظر يوم يرفع عنه هذه التجربة. وأليهو هنا يوبخ أيوب علي قوله أنه لا يري عدل الله= إنك لست تراه= هنا أيوب قد تسرع فعدل الله يأتي ولكن علينا أن نصبر فالله ليس متسرعاً كالبشر بل هو طويل الأناه، وهو وحده الذي يعرف الوقت المناسب لرفع التجربة. وطول أناة الله ليست فقط في طول المدة التي بعدها ترفع التجربة، بل أيضاً تظهر طول أناة الله في أنه إحتمل الكلام الصعب الذي قاله أيوب= فلأن غضبه لا يطالب بينما لو كان الله متسرعاً كما يطلب البشر لجازي أيوب وعاقبه عقاباً شديداً علي كل ما تفوه به. وكثيراً ما نطالب الله في أن يجازي ويعاقب من سبب لنا ألماً وظلماً، علي أن يكون هذا علي وجه السرعة. ولكن هل بنفس السرعة سنقبل أن يعاقبنا الله لو أخطأنا في حق الأخرين. يجب أن نعلم أن الله ليس كالبشر. ولكن أيوب إستغل طول أناة الله وأنه لم يعاقبه فتطاول عليه وتكلم كلاماً صعباً= فغر أيوب فاه بالباطل. وكبَر الكلام= قال كلاماً صعباً بلا معرفة


 

الإصحاح السادس والثلاثين

إتهم الأصحاب أيوب بأنه شرير، وبسبب شروره أصابه الله بما أصابه، وطالت فترة آلامه لأنه مصر علي شره، لا يريد أن يتوب عنه. ورفض أيوب كلامهم. أما أليهو الحكيم، فلم يتهم أيوب بتهمة تخيلها هو، بل لامه بشدة علي الأقوال الصعبة التي قالها عن الله، وشرح له أن آلامه هي للتأديب، وأن آلامه طالت لأنه يصرخ ويصرخ دون أن يتواضع بين يدي الله، وكان دليله أنه لم يتواضع هو أقواله الصعبة، لذلك دعاه أليهو للتواضع بين يدي الله، وهنا يضرب أليهو أمثلة عن عظمة الله وقدرته غير المتناهية، وعظمته الظاهرة في جميع أعماله وفي خليقته، ليحثه علي أن يتواضع أمام الله القدير. كأنه يقول له أنظر علي من تكلمت هذا الكلام الصعب، وهل كان هذا يليق؟!!

الأيات 2-4:- "اصبر علي قليلا فابدي لك انه بعد لاجل الله كلام، احمل معرفتي من بعيد وانسب برا لصانعي، حقا لا يكذب كلامي صحيح المعرفة عندك".

 لأجل الله كلام= (في الترجمة الإنجليزية) بالنيابة عن الله، هو يريد أن يدافع عن الله ضد أي كلام خاطئ قيل عنه. أحمل معرفتي من بعيد= كلمة بعيد قد تعني:-

1.       أن أليهو علي إستعداد لبذل أقصي جهده ليصل إلي أعماق الحقيقة، ومهما كلفه هذا من وقت وعناء، سيحاول أن يصل إلي أي مكان يمكن أن يجد فيه إثبات لبر الله، أو أمثلة علي بر الله. وأنسب براً لصانعي.

2.       أن أليهو لن يناقش الأمور السطحية بل سيناقش أساس المشكلة التي بين أيوب وبين الله، وسيدخل إلي أعماق الموضوع ليثبت بر الله. وعموماً فالحقائق الروحية هي بعيدة عن تفكير الإنسان السطحي العادي.

حقاً لا يكذب كلامي= لن أكذب حتي أثبت بر الله، ولن ألجأ لقصص ملفقة كاذبة. فالله لا يحتاج أن نبرره بمخترعاتنا، بل الحقيقة وحدها كافية للشهادة له. صحيح المعرفة عندك= ها أنا أقول لك يا أيوب المعلومات الصحيحة، فأنا لا أبحث سوي عن الحقيقة ولذلك إسمعني. فأنا أختلف في الرأي عن أصحابك الذين أثاروك.

الأيات 5-15:- "هوذا الله عزيز ولكنه لا يرذل احدا عزيز قدرة القلب، لا يحيي الشرير بل يجري قضاء البائسين، لا يحول عينيه عن البار بل مع الملوك يجلسهم على الكرسي ابدا فيرتفعون، ان اوثقوا بالقيود ان اخذوا في حبالة الذل، فيظهر لهم افعالهم ومعاصيهم لانهم تجبروا، ويفتح اذانهم للانذار ويامر بان يرجعوا عن الاثم، ان سمعوا واطاعوا قضوا ايامهم بالخير وسنيهم بالنعم، وان لم يسمعوا فبحربة الموت يزولون ويموتون بعدم المعرفة، اما فجار القلب فيذخرون غضبا لا يستغيثون اذا هو قيدهم، تموت نفسهم في الصبا وحياتهم بين المابونين. ، ينجي البائس في ذله ويفتح اذانهم في الضيق".

 تبدأ من هنا شهادة أليهو عن الله. هوذا الله عزيز= كلمة عزيز تترجم عظيم أو قدير. فهو قادر علي كل شئ. ومع كل عظمته= لا يرذل أحداً. الإنسان قد يرذل أخيه الإنسان أما الله فلا يرذل أحداً. مهما كان صغيراً أو حقيراً هو "الناظر إلي المتواضعات… القداس الباسيلي" ولأن الله لا يرذل أحداً فهو حاكم عادل وقاض منصف، لا ينسب إليه ظلم، وأيوب إتهم الله بأنه تركه لأنه مخلوق صغير ولكنها تهمة باطلة، فالله لا يجد غضاضة في أن يهتم بأقل المخلوقات. وهذا لأن الله غير متناهي ولا نهائى في قدرته فلن يقلل من شأنه أن يهتم بالصغير. بل أن الإنسان كلما إزداد صلاحه يهتم بالصغار فكم وكم الله. ولكن الله يفيض من نعمه علي الأمناء له. عزيز قدرة القلب= أي الفهم والحكمة. فالإنسان لو رذل أحداً يكون هذا لأنه ذا قدرات محدودة ولا يعرف قلوب من أمامه، أما الله فيعرف كل شئ

والآية (5) رد علي قول أيوب في "7:19 + 13:23"

وفي (6) لا يحيي الشرير= قال أيوب في "7:21 لماذا تحيا الأشرار ويشيخون "وهنا يرد أليهو أن الله لا يحيي الشرير لأنه غير مهتم بشروره أو هو موافق علي شروره. بل

1.       ربما في طول أناته يعطي له فرصة التوبة   2. يستغل شره في تأديب أولاده

3.       إذا حفظ الله حياة شرير فإن يذخرها ليوم الغضب رو 5:2.

 فأليهو إعترض علي فكر أيوب، بل أكد أن الله ينصف البائس= يجري قضاء البائسين= وينقذهم من أيدي الذين ظلموهم، بل هو يقضي علي الظالمين.

وفي (7) لا يحول عينيه عن البار= هذه مثل عيني عليك من أول السنة إلي آخرها. مع الملوك يجلسهم= (مثل يوسف ودانيال وداود. . ). بل سيجلس الله قديسيه مع ملائكته في الأعالي.

في الأيات (8-10) نجد هنا رأي أليهو أنه مختلف عن رأي الأصحاب، فهنا يشرح أليهو أن الله قد يسمح بالآلام للأبرار. ومن عينات الآلام أن يوثقوا بالقيود أو أخذوا في حبالة الذل (وهذا حدث مع بولس/ بطرس/ يوسف…) ومثال واضح الأن أنت يا أيوب. لكن إذا سمح الله بالألم للأبرار فهو لتنقيتهم من خطيئة لا يعرف البار عنها شيئاً وقد تكون سبباً في هلاكه دون أن يعلم= فيظهر لهم أفعالهم ومعاصيهم. فمهما كان الإنسان باراً فهو عرضة للخطية ومحتاج للتأديب. والقيود والذل كنآية عن الضيق عموماً. رؤ 19:3 والله يظهر لهم معاصيهم ليتوبوا عنها. ولكن ألا توجد طريقة أخري يتوب بها البار غير الضيق؟‍!‍ من المؤكد أنه لو وجدت طريقة أخري لما لجأ الله لأي طريق مؤلم. ومن المؤكد أن الله إستخدم وسائل متعددة مع هذا البار الخاطئ ولكنه لم يقبل أن يسمع، ربما كان في كبريائه يظن أنه فوق مستوي الخطية لذلك قال لأنهم تجبروا وكلمة تجبروا معناها سلكوا بكبر وعجب. والألم يهيئ أذن المتألم ليسمع صوت الله.

في الأيات (12، 11) لو إستجاب الخاطئ لصوت الله ترفع عنه التأديبات ويعود لسابق حالته وسعادته ويقضوا سنيهم بالنعم= هذا لو إستمروا في حالة التوبة التي بدأوها وهم تحت عصا التأديب. وإن لم يسمع الخاطئ يساق للهلاك= حربة الموت. بعدم المعرفة= الأشرار بإرادتهم يظلو في حالة جهل وعدم معرفة، عميان روحياً، فهم لم ينتبهوا إلي تأديب الله. عموماً الله لا يسر بموت الخاطئ بل بأن يرجع ويحيا مز 23:18.

وفي (14، 13) فجار القلب= يقصد المرائين الذين شرهم داخل قلبهم، يمكنهم خداع البشر، أما الله فلا يخدع. فيذخرون غضباً= الله يخزن لهم شرورهم ليوم الغضب رو 5:2. هؤلاء الفجار لا يستغيثون إذا قيدهم= لا يرفعون قلوبهم بالتوبة إلي الله ويصلوا ويقدموا توبة، بل يتقسى قلبهم في عناد. لذلك تموت نفسهم في الصبا= يموتون فجأة في شبابهم، ويهلكوا ونصيبهم الجحيم. وحياتهم بين المأبونين= المأبونين هم رجال كرسوا أنفسهم لممارسة الشذوذ الجنسي في هياكل الأوثان. فالشرير الذي يتقسى قلبه أمام الله ينضم إلي هذه الجماعة (خطية سدوم وعمورة) وخطيتهم أبشع خطية في نظر الله إستوجبت حريق سدوم وعمورة وإنقلابهما.

وفي (15) أما البائس البار الذي دعا الله ففي ضيقته يفتح الله أذنه= ليسمع صوت الله ويفهم معني التجربة ويسمع تعزية الله. وبعد ذلك يعود لسابق إزدهاره= ينجي البائس

الأيات 16-21:- "و ايضا يقودك من وجه الضيق الى رحب لا حصر فيه ويملا مؤونة مائدتك دهنا، حجة الشرير اكملت فالحجة والقضاء يمسكانك، عند غضبه لعله يقودك بصفقة فكثرة الفدية لا تفكك، هل يعتبر غناك لا التبر ولا جميع قوى الثروة، لا تشتاق الى الليل الذي يرفع شعوبا من مواضعهم، احذر لا تلتفت الى الاثم لانك اخترت هذا على الذل".

 أليهو يدعو أيوب أن يتواضع بين يدي الله فيعود لما كان عليه= إلي رحب أي يخلصك من ألامك ويعيد لك ثروتك ومائدتك تمتلئ بأفخر الطعام= تملأ مائدتك دهناً. وفي (17) حجة الشرير أكملت فالحجة والقضاء يمسكانك= مترجمة في الإنجليزية أنت مملوء من القضاء الذي علي الأشرار، ولذلك سيلحقك القضاء والعدل. أما في ترجمة اليسوعيين "ولكن إذا إستوفيت دعوي النفاق فالدعوي والقضاء يمسكانك" ويصير المعني لو إستمريت يا أيوب في مسلكك بلا توبة فأنت في طريق الأشرار ولسوف تدان معهم. وفي (18) تحذير لأيوب بأنه لو إستمر في طريق الأشرار فالله سيضربه ضربة شديدة= لعله يقودك بصفقة= صفقة تعني ضربة شديدة. ولن ينفعك أحد، ولن يفديك شئ من يدي الله= كثرة الفدية لا تفكك= مهما كان لك من مالك لن ينفعك، أو ربما يتصور أيوب أن ما كان له من آلام قد يفديه من غضب الله. . لا شئ سوي التوبة هو الذي ينجي. لا تشتاق إلي الليل= لاتشتاق إلي الموت ليخلصك، والموت معبر عنه هنا بالليل. وأيوب طالما تكلم عن الموت كنهآية لآلامه. وأليهو ينبه أن الموت لن يحل مشكلته فهناك دينونة، فلا تتعجل المثول أمام كرسي الله.

وفي (21) الذل= المقصود به آلام أيوب. وهنا أليهو يحذر أيوب من أن يختار طريق الشجار مع الله وتبرير نفسه عن الخضوع لتأديب الله. إحذر لأنك إخترت هذا = أي إخترت الإثم والشجار مع الله. . . وفي هذا هلاكك. . علي الذل= أي إحتمال الألم بصبر أليهو هنا يؤنب أيوب علي عدم إحتماله، وخضوعه بين يدي الله بتواضع.

الأيات 22-33:- "هوذا الله يتعالى بقدرته من مثله معلما، من فرض عليه طريقه او من يقول له قد فعلت شرا، اذكر ان تعظم عمله الذي يغني به الناس، كل انسان يبصر به الناس ينظرونه من بعيد، هوذا الله عظيم ولا نعرفه وعدد سنيه لا يفحص، لانه يجذب قطار الماء تسح مطرا من ضبابها، الذي تهطله السحب وتقطره على اناس كثيرين، فهل يعلل احد عن شق الغيم او قصيف مظلته، هوذا بسط نوره على نفسه ثم يتغطى باصول اليم، لانه بهذه يدين الشعوب ويرزق القوت بكثرة، يغطي كفيه بالنور ويامره على العدو، يخبر به رعده المواشي ايضا بصعوده".

هي شهادة لعظمة الله. فهل مع كل قدرته وعظمته نجادله نحن الضعفاء. أليهو يحاول أن يرسم لأيوب صورة يشهد فيها عن عظمة الله ليقنعه بالخضوع بفرح لمشئيته تعالي. من مثله= هو يعرف جميع الأشياء وجميع الناس ويعرف أحسن الطرق وأنسبها لتعليم كل شخص= من مثله معلماً= فهناك من يفيض عليه بمراحمه لأنه يجده في إحتياج إليها، وهناك من يؤدبه ليرتدع، والله وحده يعلم الأسلوب الذي يناسب كل شخص وهو وحده مصدر كل نور ومعرفة وتعليم ويحب البشر محبة خالصة. وتعليم الله يكون بالإقناع للعقل والقلب، وأمام إمكانيات الله اللانهائية فليخف كل إنسان من أن يملي علي الله طريقة التصرف فهو يتعالي بقدرته. وفي (25، 24) أذكر أن تعظم عمله الذي يغني به الناس= المقصود أن خلقة الله عظيمة وعجيبة وكلها حكمة ومقدرة عجيبة وكلها صلاح ومحبة للبشر، وكل أعماله ظاهرة أمام أعيننا. وأينما نظرنا نجد أننا بسهولة نعاين إصبع الله ظاهراً في خلقة السماء والأرض رو 20:1 + مز 3:19. وكل من يشعر بعمل الله يسبحه علي عمله= يغني به. الناس ينظرونه من بعيد= نحن ندرك الله من أعماله ولكنه بعيد عن أن ندركه إدراكاً كاملاً ونلاحظ أعمال الله العظيمة، الخلق والعنآية بخليقته ثم الفداء، وكل إنسان يبصر عمل الله، ولكننا لا نستطيع أن ندرك الله نفسه، فمن أعماله ندركه كأننا ننظر من بعيد

وفي (26) الله غير مفحوص ولا نهائي، عظيم ومكتفي بنفسه بل يكفي كل الخليقة، نحن نعرف أنه هو كائن ولكن لا نعرف ما هو وكيف هو، نعرف عنه جزئياً ولا يمكننا أن نعرفه بالتمام. لذلك فمن المستحيل أن نسأله علي كل تصرف له، ومن الخطأ أن ننسب له خطأ في أعماله. فنحن أمام إله أزلي أبدي= عدد سنيه لا يفحص

وفي (28، 27):- أليهو طلب من أيوب في 5:35 أن ينظر إلي السماء. وهنا يشرح له ما سوف يراه لو نظر من أعمال تمجد الله. فالله يجذب قطار الماء= قطار أي قطرات. والقدماء لم يفهموا أمر تحويل الماء إلي بخار وصعوده إلي الجو وصنعه السحب بل ظنوا أن الأوقيانوس(البحر المحيط بالأرض) تعود إليه كل مياه الأنهار والأمطار وبسواقي تحت الأرض تعود للسحاب، ثم تهطل مطراً علي الأرض فتتجمع في الأنهار والأنهار تصب في البحار، ومن البحار للأوقيانوس ومنه إلي السحاب عن طريق السواقي وهلم جرا. وهكذا شرح الأمر في الترجوم العبراني، وهكذا ذكره سليمان في جا 7:1 وهكذا صوروه شعراء اليونان واللاتين. وتقطره علي أناس كثيرين المطر هو عطية الله الصالحة، التي تنزل من فوق من عند أبي الأنوار، فالله مصدر كل الخيرات(مت 45:5) ولكل الناس. ولاحظ أن قوله تقطره عكس ما قيل في تك 11:7 أن الله يفتح كوي السماء. فالمطر حين ينزل كقطرات يكون له فائدة للبشر فهو يتوزع توزيعاً جيداً، أما لو إنفتحت كوي السماء فهي تدمر الأرض. فقوله تقطر هو إعلان عن مراحم الله من نحو البشر. وسؤال أليهو هل تفهم يا أيوب كيف يحدث كل هذا؟ وفي (29) هل يستطيع أحد أن يفسر إنتشار السحاب كستارة فوق الأرض أو كمظلة. فإذا لم نستطع تفسير ما نراه كل يوم، فهل نطالب الله بتفسير كل تصرف تجاهنا، وهل نطالبه بتقديم تبرير لكل شئ. شق الغيم= بواسطة البرق قصيف مظلته= صوت الرعد حين يقصف. فهل عند أيوب تبرير للبرق والرعد.

وفي (30) هوذا بسط نور علي نفسه ثم يتغطي بأصول اليم= الله منير ونوره عجيب لا نقدر أن نراه، وهو مستتر علينا حتي لا يقتلنا إشراقه وضياؤه. وهو يستتر بالسحاب الذي تكون من الماء الصاعد للسماء من البحر= أصول اليم= الماء الذي أصله من اليم أي البحر. التصوير هنا يرسم صورة السحاب الذي يغطي نور الشمس فلا تحرق حرارتها البشر. وأليهو يتصور أن شيئاً مثل هذا يحجب نور الله حتي لا يموت البشر. وهذا صحيح تماماً لذلك حجبت سحابة السيد المسيح في صعوده، لأنه في صعوده إستعاد صورة مجده، وصار وجهه يلمع كالشمس وهي تضئ في قوتها رؤ 16:1

وفي (31) لأنه بهذه يدين الشعوب= الله يعاقب الشعوب بأن يفتح كوي السماء، وبأن تزداد الأمطار جداً فتأتي الفيضانات الكاسحة. أو يمنع المطر فيحدث الجفاف والجوع وهو لو سمح بنزول المطر علي هيئة قطرات= يرزق القوت بكثرة. والمطر في يده فهو ضابط الكل. وفي (32) يغطي كفيه بالنور= كأن الله أمسك بالبروق في يديه كسهام يضرب بها أعداؤه. فالصواعق تقتل الناس. وفي (33) يخبر به رعده= حتي المواشي تفهم أن صوت الرعد مقدمة للمطر فتبحث عن ملجأ. المواشي أيضاً بصعوده= صوت الرعد ينبئ بحدوث العاصفة المطيرة، وحتي المواشي تفهم إذا كان صوت الرعد عالياً مخيفاً فهناك عاصفة مطيرة مرعبة. وفي هذه الحالة يكون صوت الرعد إشارة لغضب الله. ومما يخجل أن الحيوانات تفهم الإنذارات مثل الرعد وتفهم أن هناك عاصفة، بينما الإنسان يسمع صوت غضب الله ولا يفهم أن هناك ضربات قادمة (لو 54:12-57).


 

الإصحاح السابع والثلاثين

يستمر هنا أليهو في وصف عظائم الله في خلقه للطبيعة، فيري يد الله في الرعد والبرق(1-5) وفي الثلج والمطر والريح (6-13). وتحدي أيوب أن يجد تفسيراً لكل ما يراه.

الأيات 1-5:- "فلهذا اضطرب قلبي وخفق من موضعه، اسمعوا سماعا رعد صوته والزمزمة الخارجة من فيه، تحت كل السماوات يطلقها كذا نوره الى اكناف الارض، بعد يزمجر صوت يرعد بصوت جلاله ولا يؤخرها اذ سمع صوته، الله يرعد بصوته عجبا يصنع عظائم لا ندركها".

 أليهو أنهي الإصحاح السابق بقوله أن حتي الماشية تخاف من صوت الرعد وتفهم أن هناك عاصفة مطيرة قادمة. وهنا يقول فلهذا إضطرب قلبي= فربما هو شعر أن غضب الله أت بسبب تعديات أيوب في أقواله علي الله. فالله لا يبقي نفسه بلا شاهد. ومن خلال الطبيعة فالبرق والرعد الذين يرعبون الناس هما شاهدان لله، وعلامة لقدرته ومجده. فكما أن المطر والزرع يشهدان لصلاح الله فالبرق والرعد يشهدان لجبروته وأنه إله جبار قادر أن يخيف ويرعب أعدائه (ومن الذي لا يخاف من صوت الرعد ومن البرق الذي يقتل بصواعقه، وهذا نموذج بسيط لما يمكن أن يفعله الله بالعالم الخاطئ، والأشرار لهم هذه العلامات مرعبة، ويقال أن الإمبرطور الروماني كاليجولا كان يحتمي تحت السرير أو في أي ركن إذا سمع الرعد) والله قادر دائماً أن يرعب الأشرار.

ولكن غالباً حين بدأ أليهو أقواله عن الرعد كان السحاب قد تجمع بصورة عجيبة وبدأت البروق والرعود، فأشار أليهو لما يسمعه الجميع ويرونه كدليل علي عظمة الله، وغالباً كان يشير في هذه الأيات لعاصفة رعدية كانت قد بدأت فعلاً، لأنه بعد أن أنهي أليهو كلامه في هذا الإصحاح تكلم الله من العاصفة (1:38) وأليهو إضطرب قلبه لأنه تصور إن كان صوت الرعد مخيفاً هكذا فكم بالأولي صوت الله. وربما من صوت الرعد إضطرب قلبه ولكن غالباً هو كان قد بدأ يشعر بأن قوة غريبة تسيطر علي المكان، وهذا صحيح تماماً فالله تكلم بعد دقائق فعلاً. ولكن صوت الرعود والبروق هو فقط مجرد علامات مقدمة تسبق كلام الله كما حدث علي جبل سيناء ثم مع إيليا، ولكن الله حين يتكلم، يتكلم في صوت هادئ، والبروق والرعود مقدمة لمجيئه، يلقيان الخشية والرهبة في قلوب السامعين ليكونوا مستعدين لسماع صوت الله. وعموماً فمن لا يري يد الله الصالحة في أعماله فيؤمن ويتوب يري بروقه فيرتعب، ومن لا يسمع صوت الله الخفيض داخله يسمع صوت الرعد فيرتعد.

والزمزمة الخارجة من فيه= الرعد يسمي صوت الله مز 3:29. كذا نوره= البرق أكناف الأرض= أطرافها وأقاصيها. بعد يزمجر صوت= هذه تفهم أنه بعد البرق يزمجر صوت الرعد. فالصوت أبطأ من الضوء. ولا يؤخرها= أي الأمطار وهذا هو التسلسل الطبيعي برق فرعد فأمطار. وقد يفهم من قوله بعد يزمجر صوت أنه بعد هذه العلامات من الرعود والبروق فالله نفسه سيتكلم. وقوله في (5) لا ندركها= أي أننا لا ندرك كل أسرار الطبيعة من حولنا، ولا كل حكمة الله فيها.

الأيات 6-8:- "لانه يقول للثلج اسقط على الارض كذا لوابل المطر وابل امطار عزه، يختم على يد كل انسان ليعلم كل الناس خالقهم، فتدخل الحيوانات الماوي وتستقر في اوجرتها".

 لأنه يقول للثلج= أليهو وكل الموجودين من العرب الذين يسكنون مناطق ساخنة، وهؤلاء يندهشون إذا رأوا الثلج. ويندهشون كيف أن السماء تمطر ماءً وبعد ذلك تمطر ثلجاً، ويرون من وراء هذا كله يد الله. الوابل= المطر الشديد. يختم علي يد كل إنسان= مع تساقط الثلوج أو المياه الغزيرة من الوابل لا يذهب الإنسان إلي عمله، بل يحتمي في منزله، فكون الإنسان لا تمتد يده للعمل كأن الله ختم علي يده بواسطة أعماله في الطبيعة(الوابل والثلج) فيتعلم الإنسان أن رزقه ليس بيده، فالله حين يريد أن الإنسان يعمل يهيئ له الجو، بصمة الله وختمه واضحان في رزق الإنسان. بل حتي الحيوانات التي يستخدمها الإنسان في عمله تهرب وتختبئ في أوجرتها.

الأيات 9-13:- "من الجنوب تاتي الاعصار ومن الشمال البرد، من نسمة الله يجعل الجمد وتتضيق سعة المياه، ايضا بري يطرح الغيم يبدد سحاب نوره، فهي مدورة متقلبة بادارته لتفعل كل ما يامر به على وجه الارض المسكونة، سواء كان للتاديب او لارضه او للرحمة يرسلها".

 في (9) من الجنوب تأتي الأعصار=الجنوب مصدر الرياح الساخنة ومن الشمال= الشمال مصدر الرياح الشمالية الباردة. من نسمة الله يجعل الجمد نسمة الله هي إما الرياح الشمالية الباردة التي تجمد الأنهار والبحيرات أو هي إشارة لكلمة قدرته التي إذا شاءت تجمد الماء. والتفسير الأول متمشى مع فكر أليهو فكما أن الرعد يشير به لصوت الله فالريح يشير إليها أنها نسمة الله. وتتضيق سعة المياه= في اليسوعية "تتخثر سطوح المياه" أي مع مجئ البَرْدْ يبدأ الماء السائل يأخذ أشكال ثلجية جامدة وسط المياه، كما يتخثر الجبن وسط اللبن. وفي الترجمة الإنجليزية "والمياة العريضة الواسعة تتجمد" بمعني أن الأنهار أو البحيرات الواسعة التي كانت تتحرك بحرية وتفيض تتوقف عن سيرها وحركتها.

أيضا برىٍ يطرح الغيم= في اليسوعية "ثم إنه يشحن السحاب بالندي" ونفس الترجمة في الإنجليزية. فالله يشحن السحاب بالندي ليعيده السحاب للأرض يرويها. يبدد سحاب نوره= في اليسوعية "يشق الغمام بنوره" إذا فهمناها هكذا يكون الكلام عن البرق، وفي الإنجليزية "يشتت السحب المنيرة" وفي هذا تتفق ترجمتنا العربية مع الإنجليزية، ويصبح المعني، أن هناك سحاب خفيف منير لا يحمل مطراً، وهذا النوع ينقشع دون أن يمطر. [ففي آية (12) نجد نوعين من السحاب، السحاب المشبع بالمطر وهو سحاب كثيف مظلم، والسحاب الخفيف المنير وهذا غير ممطر]

والآية برىٍ يطرح الغيم= تشير للسحاب الممطر الذي شحنه الله مطراً ثم بدأ يمطر علي الأرض ليرويها وهو يظل يمطر حتي آخر قطرة فيه، فأصل كلمة يطرح أنها تظل تقطر حتي تتعب وذلك لتعطي للإنسان ما يروي أرضه به. والمعني من هذا كله أن في يد الله أن يحدد نوع السحاب، فإما يكون سحاب مفيداً للإنسان يروي أرضه، أو مجرد سحاب منير ينقشع دون أن يرزق الإنسان بالمطر.

فهي مدورة متقلبة= أي السحب هي بيد الله يدورها وينقلها من مكان لآخر كما يشاء وهو يرسلها أحياناً للتأديب(13) أو لأرضه (لريها). أو للرحمة= للرزق والفرق بين قوله لأرضه وقوله للرحمة:- أن في قوله لأرض يشير لسقوط المطر في مواعيده حسب ما تعود الإنسان وكقطرات وليس كسيل مدمر. وفي قوله للرحمة يشير لعودة المطر بعد أن كان الله قد أمر بقطعه للتأديب.

الأيات 14-20:- "انصت الى هذا يا ايوب وقف وتامل بعجائب الله، اتدرك انتباه الله اليها او اضاءة نور سحابه، اتدرك موازنة السحاب معجزات الكامل المعارف، كيف تسخن ثيابك اذا سكنت الارض من ريح الجنوب، هل صفحت معه الجلد الممكن كالمراة المسبوكة، علمنا ما نقول له اننا لا نحسن الكلام بسبب الظلمة، هل يقص عليه كلامي اذا تكلمت هل ينطق الانسان لكي يبتلع".

 ما زال أليهو في خطته أن يذكر أيوب بأعمال الله العجيبة، ليعلم أيوب ضعفه وجهله فيسلم لله ويخضع. وهنا يضع أليهو أمام أيوب بعض الأمور في الطبيعة التي لا يستطيع أيوب أن يفهمها، ولا أن يسيطر عليها، ولا يتوقع المستقبل بالنسبة لها. ففي (14) قف وتأمل= إعط نفسك فرصة للتأمل في أعمال الله. والكتاب المقدس يدعونا في مناسبات عديدة إلي أن نقف ونتأمل عمل الله في خليقته لنري عظمة الله وعنايته ورعايته لخليقته. فسليمان طلب دراسة النمل والمسيح قال أنظروا لزنابق الحقل وأشعياء طلب أن ينظروا للسموات يتعرفوا من خلق كل هذا

وفي (15) أتدرك إنتباه الله إليها= أي هل تفهم كيف يصرف الله أمورها وكيف هي مضبوطة بأعمال عنايته. أو إضاءة نور سحابه= قد يكون البرق أو قوس قزح. وفي (16) أتدرك موازنة السحاب= (راجع 8:26) الله يُصِر مياه الأمطار الغزيرة في سحبه، والتصوير هنا بمعني أن السحاب كنسيج رقيق من الحرير ومع هذا لا يتمزق. وقد تعني موازنة السحاب كيف يقف وسط السماء معلقاً بمياهه ومتزناً ولا يسقط بفعل الجاذبية الأرضية، وكيف تنهمر المياه منه كقطرات ولا تندفع مرة واحدة. وفي (17) كيف تسخن ثيابك= كيف تسخن ثيابك من رياح الجنوب الساخنة التي تندفع بعد إنتهاء موسم الشتاء بأمطاره. أي كيف تفسر تغير درجات الحرارة علي التوالي. وفي (18) المرآة المسبوكة= كانت المرايا قديماً تصنع من النحاس المصقول صنعة سباكة، أي بصهره وتشكيله. والتشبيه هنا هل كنت مع الله حين أسس السماء وصنعها فكانت كالمرأة المسبوكة جمالاً. والمرآة نري فيها وجوهنا ولكن مرآة السماء نري فيها نقاء وعظمة ولمعان العالم العلوي ومجد ساكنيه. ونلاحظ أن الجلد الصافي أي منظر السماء بنجومهاحين لا يكون هناك سحاب يكون كمنظر قبة عظيمة راكزة علي أطراف الأرض. وفي (19) الظلمة هي ظلمة عقول الناس وقلة معرفتهم بأمور الله، وأليهو هنا يقول أنا عاجز ولا أفهم فهل تساعدني يا أيوب، يقول هذا في سخرية، بمعني إن كنت قد وجدت نفسك كفؤاً أن تجادل الله وتنسب له ظلماً وتنسب له أخطاء فعلمنا ماذا نقول. ولذلك فحينما نتكلم عن الله ينبغي أن نتكلم بتواضع شديد وبخجل فهل نحن نحسب أنفسنا عارفين شيئاً، نحن أجهل من أن نصف الله أو نتكلم عنه.

وفي (20) أليهو في تواضع حقيقي يقول أنه خائف مما تكلم به عن الله، خائف أن يكون قد أخطأ فيبتلعه الله بسبب جهله وأخطاؤه. وهو ليس خائفاً من القضية التي يناقشها وهي بر الله، لكنه خائف أو خجل من الطريقة التي عالجها بها فهو يري نفسه أنه أحقر من أن يدافع عن الله. هل ينطق الإنسان لكي يبتلع= إذا تكلم أحد عن الله بكبرياء وغرور يبتلعه غضب الله أي يفنيه. بل حتي لو تكلم حسناً سوف لا يجد نفسه أمام عظمة ومجد جلال الله وغموض معرفته عنه. وربما بهذا أراد أليهو أن يوبخ أيوب إذ طلب أن يبسط دعواه أمام الله 3:13 + 3:23، 4.

الأيات 21-24:- "و الان لا يرى النور الباهر الذي هو في الجلد ثم تعبر الريح فتنقيه، من الشمال ياتي ذهب عند الله جلال مرهب، القدير لا ندركه عظيم القوة والحق وكثير البر لا يجاوب، لذلك فلتخفه الناس كل حكيم القلب لا يراعي".

 في (21) رجاء حلو معزي. فبعد السحاب الذي يحجب نور الشمس، تهب الريح فتنقشع السحب ويظهر النور. وفي هذا عزاء لأيوب فالسحب التي تحجب نور الشمس رمز للضيقات التي حلت به فلم يري مراحم الله، ولكن كما ذكر الله نوحاً تك 1:8 فأجاز ريحاً لتهدأ المياه، فأليهو رأي في هذه الرياح دليل علي عودة إحسانات الله

وفي (22) من الشمال يأتي ذهب= الذهب هو نور الشمس الذهبي، وقيل أنه من الشمال لأن الريح التي تطرد السحاب هي ريح شمالية، وتأتي لتنقي الجلد، أم 23:25. وهنا إحساس بأن مراحم الله قريبة وسوف تشرق علي أيوب كما تشرق الشمس. ونلاحظ أن الذهب يرمز للسماويات، فإحسانات الله الأتية من السماء لابد وأن تأتي علي التائبين كما تشرق الشمس من خلف الغيمة

وفي (23) القدير لا ندركه= يجب علي البشر أن لا يحكموا علي تصرفات الله بل يخافوه ويسلموا له أمورهم في خضوع، وهو لا يجاوب، لأهم لا يقدرون أن يفهموا كل ما يعمله، وليس لهم أن يحكموا فيما لا يعلمونه= لذلك فلتخفه الناس (24). كل حكيم القلب لا يراعي المقصود بحكيم القلب هو الحكيم في عيني نفسه، أي المتكبر، هذا لن يخاف ولن يعرف كيف يقترب من الله، فطريق الإقتراب لله هو الخشوع والمهابة والتواضع فالله يستجيب صلاة المتواضعين ولا يهتم بإعتراض المتكبرين ولن يغير خططه بسبب إعتراض هؤلاء الحكماء المتكبرين. وجاءت الآية في ترجمة اليسوعيين "فلذلك يرهبه الأنام وكل حكيم القلب لا يدركه".


 

الإصحاح الثامن والثلاثون

الله يتكلم في معظم المجادلات ينتصر أحد المتنازعين وتكون له الكلمة الأخيرة. والنزاع هنا كان أولاً بين أيوب وأصدقائه، وتنازل الأصدقاء وتركوا الحلبة لأيوب وحده، إلي أن دخل أليهو فإنسحب أيوب. وكان أليهو خادماً للرب يهيئ الطريق أمامه، مثل يوحنا المعمدان قبل المسيح، وهذا لأن المناقشة إنتهت بتدخل الله شخصياً. وكان كلام الله لأيوب أنك لا تعرف كذا وكذا. . من الأمور الطبيعية التي تجري أمام عينيك كل يوم، فكيف تجرؤ أن تناقش الله في أحكامه. والله هنا يلجأ لأمثلة من الطبيعة التي يراها كل إنسان، وعلي كل إنسان أن يري الله فيها، فلم يكن هناك كتاب مقدس يكلم الله البشر به، فخاطبهم بما يفهمونه ويرونه. وهكذا كان السيد المسيح يكلم الناس بأمثال مما يرونه في حياتهم (الزارع والصياد. . . الخ). والله بدأ هنا بذكر المخلوقات التي بلا روح كالأرض والبحر والنور والمطر والأجرام الفلكية (1:38-38) ثم إنتقل لما له روح كالوعول والفرا والثور الوحشي. . . الخ. ووبخ أيوب علي جسارته فإنه كان قد نسب الظلم إلي الله (6:16-17 + 7:19-12). فقال له الله "هل يخاصم القدير موبخه أم المحاج الله يجاوبه (2:40). وقال أيضاً لعلك تناقض حكمي. تستذنبني لكي تتبرر أنت. فأظهر له الله أن الإنسان لا يقدر أن يدبر العالم ولا يليق به أن يجعل نفسه في مكان الخالق.

وربما وجد العلم الحديث إجابات بعض الأسئلة التي وردت هنا، وإكتشف العلماء بعض القوانين الطبيعية التي تحكم حركة الأجسام والكواكب مثل قوانين الجاذبية والطرد الذاتي وقوانين القوة. . . الخ. ولكن من كان وراء هذه القوانين ومن الذي وضعها ومن الذي يضمن لها أن تنفذ؟ الله وحده. فهو الذي يدبر ويضبط الطبيعة ويهتم بها ويظهر أنه يطعم الحيوانات فكم وكم بالأولي يهتم ويشفق علي الإنسان الذي يحبه، وهو خلقه لأنه يحبه وليظهر له أعمال محبته، ثم لم تظهر محبته كما ظهرت في الصليب. فإذا كان الله يحب الإنسان فكيف يسمح بأذيته وضرره. وهذا الكلام موجه لأيوب الذي يحتج علي أحكام الله بل إعتبرها موجهة ضده.

وهكذا شرح المسيح أنه إن كان الله يهتم بزنابق الحقل وطيور السماء فبالأولي يهتم بالإنسان. ونلاحظ هنا أن الله لم يشرح لأيوب لماذا سمح له بهذه الآلام بل لقد إستخدم الله معه طريقة جميلة. هنا يضع الله في قلب أيوب الثقة فيه. الله يضع في قلب أيوب الثقة بعدالة حكم الله وحكمته ومحبته حتي للحيوانات، هو أتي بأيوب وجهاً لوجه أمام إمكانياته فظهر لأيوب عجزه، وأمام عجزه وأمام قوة الله التي رآها ووثق فيها إرتمي أيوب في أحضان الله طالباً حمايته.

وهكذا بالنسبة لكل إنسان يعترض علي أحكام الله كما إعترض أيوب، عليه أن لا يطلب تفسيراً لما يحدث له بل يطلب الثقة والإيمان بالله والشعور بمحبته. ولو شعرنا بمحبة الله سنقول مع بولس الرسول "من يفصلني عن محبة المسيح أشدة أم ضيق أم. . . . رو 35:8. وذلك لأن بولس شعر أولاً بأن محبة المسيح تحصره.

آية 1:- "فاجاب الرب ايوب من العاصفة وقال".

فأجاب الرب أيوب من العاصفة= عادة تسبق الرعود والبروق والزلازل والنار والسحاب الثقيل كلام الرب للإنسان، أو ظهور مجد الرب للبشر (خر 16:19-18 + مز 9:8-13 + 1مل 19: 12، 11) وهذا ما حدث في سيناء مع موسي ثم مع إيليا ولكن حين يتكلم الرب يتكلم بصوت منخفض خفيف يصل للقلب. وكان أيوب قد طلب أن يتناقش مع الله "ليرفع عني عصاه ولا يبغتني رعبه" ولكن الله لم يستجب له في ذلك، وكانت العاصفة المرعبة أولاً ليرعبه، وذلك لتوبيخه أولاً علي جسارته، ثم ليضعه في موقف الخاشع أمام مجد الله، ومن هذا الموقف يمكنه أن يستفيد من الكلام الذي سيسمعه من الله، ويدخل صوت الله المنخفض الخفيف إلي قلبه، حينئذ تزول الشكوك وتُحَلْ مشاكل الذي يسمع والله يقصد أن يرعب السامع أولاً إن كان في موقف كبرياء وتعالي، فالكبرياء تضع حاجزاً بيننا وبين الله. وبعد ذلك يصل كلام الله لأيوب فيصرخ مع أرمياء "أقنعتني يا رب فإقتنعت. . . وحين إقتنع أيوب صرخ قائلاً أخطات. . توبنى يارب فأتوب بعمل روحك القدوس داخلى الذى يقنعنى بأن أتوب. فلن يندم إنسان ويتوب إن لم يعمل الله في داخله ويبكته علي خطيته ويقنعه أن يتوب عنها، بشرط أن لا يقاوم الإنسان عمل روح الله فيه بل يتجاوب معه. أما خدام الله فمثل أليهو عملهم التمهيد لعمل الله في الداخل. وسيسمع صوت الله ويتوب كل من يريد حقاً مثلما كان أيوب هنا في حالة إستعداد. والله تكلم ثم عاد الروح القدس ليوحي ويملي علي كاتب سفر أيوب ما قاله الله ليسجل في الكتاب المقدس. فالروح القدس يذكرنا ويعلمنا ولنعلم أن الكتاب كله موحي به من الله 2تي 16:3 + 2بط 21:1.

آية 2:- "من هذا الذي يظلم القضاء بكلام بلا معرفة".

 من هذا الذي يُظْلِم القضاء= يظلم أي يحيط الأحكام بظلمة ويجعلها تبدو كما لو كان خاطئة، أحكام الله منيرة ولكن الإنسان في جهله وظلمته يبدو له أنها غير ذلك، أو هو بأرائه الإنسانية وحكمته البشرية الخاطئة يصدر ضد أحكام الله أراء خاطئة ظالمة مظلمة تجعل الصورة الظاهرة للبشر لأحكام الله أن هذه الأحكام فيها ظلمة وليست كلها نيرة. وهذا الكلام يشير لأيوب الذي نسب الظلم لقضاء الله وتكلم بلا معرفة أي بجهل وكبرياء. من هذا= من هذا الإنسان الضعيف الذي يجسر أن يوجه إلي القدير الظلم؟! هل هو أيوب الذي نسبت له الكمال فيتهمني هو بالظلم، هل وصل أيوب إلي أن يقف في موقف الأشرار، هل هذا أيوب الذي كان كاملاً. وكانت هذه الكلمة هي التي أثرت في قلب أيوب وقادته للتوبة فعاد وكررها في 3:42. وقرر أنه كان غبياً بلا معرفة حين نسب الظلم لقضاء الله.

آية 3:- "اشدد الان حقويك كرجل فاني اسالك فتعلمني".

 أشدد الأن حقويك كرجل= أي تشدد لأنني سوف أسالك عدة أسئلة، حاول أن تجاوب عنها لو كنت تقدر، قبل أن أجاوب أنا أسئلتك، وهنا يرد الله علي قول أيوب ادع فأنا أجيب 22:13. بمعني أنا مستعد يارب أن أجيب علي أي سؤال لك، وطبعاً أيوب كان يقصد بهذا أنه مستعد أن يجاوب عن أي إتهام قد يوجهه الله وذلك ليبرر نفسه، ولكن الله كما قلنا لم يسلك طريق الحوار العادي، يوجه لأيوب تهمة وينتظر تبريره أو دفاعه عن نفسه، ثم يشرح له لماذا فعل ما فعل، هذه الطريقة في الحوار طريقة بشرية تصلح للحوار بين إنسان ومثيله الإنسان، ولكن الله كما قلنا إستخدم طريقة أخري هي وضع الثقة في قلب أيوب من نحو الله، وبعد أن يثق أيوب فليتصرف الله كيفما شاء. لأنه حتي لو حاول الله أن يدين أيوب في أي تصرف لحاول أيوب أن يبرر نفسه وهذا ما فعله مع أصحابه، وهَبْ أن أيوب إقتنع بأنه أخطأ فهل كان سيقتنع بالتأديب، فأي إنسان يرفض أن يتألم، وهَبْ أن أيوب إقتنع بأن الله يجب أن يؤدبه فهل هو يعرف طريقة التأديب لذلك لا يدخل الله في المناقشة مع أولاده لأنهم لم يعرفوا أين هو الصالح لهم وعليهم فقط أن يثقوا فيه. وكلمة رجل هنا تعني رجل مقاتل وهي تهكم، فهو تصور أنه في صراع مع الله. ولنري طريقة الله في الحوار مع أيوب وكيف أثمرت، فأيوب المقاتل بعد أن إنتهي الله من كلامه نجده وقد تواضع وإعترف بأنه لا شئ وإزداد كماله في نظر الله. فتعلمني= هي سخرية من أيوب، فهل يقدر الإنسان أن يعلم الله، وبالتالي لا حق للإنسان أن يعترض علي الله أو علي ما يعمله، وأن لا يشكك في عدله وحكمته لذلك يتحدي الله أيوب أن يظهر حكمته ليبرر تساؤلاته عن الحكمة الإلهية التي كان يشكك في عدالتها. والله لن يتأثر جلاله لو إعترضنا علي حكمته، وهو لن يزيد مجداً لو نسبنا إليه الحكمة في تصرفاته، ولكن الله يهتم جداً بأن نسبحه ونمجده وأن نتصالح معه ليس من أجله هو ولكن لصالحنا نحن، ولقد رأينا أيوب وهو في حالة صراع مع الله كيف كان هو نفسه ممزقاً متألماً، وكيف إنتهت مشاكله حين تصالح مع الله، ولهذا أتي المسيح.

الأيات 4-7:- "اين كنت حين اسست الارض اخبر ان كان عندك فهم، من وضع قياسها لانك تعلم او من مد عليها مطمارا، على اي شيء قرت قواعدها او من وضع حجر زاويتها، عندما ترنمت كواكب الصبح معا وهتف جميع بني الله".

سؤال الله الأول عن الأرض ليدعو أيوب للتواضع، فها هو يحيا علي الأرض ويراها كل يوم، فهل هو يا تري يفهم أسرار خلقة الأرض، هل كان مع الله حين أسسها أو هو أشار علي الله كيف يؤسسها، هل تعلم يا أيوب كيف وضعت قياسات الأرض ثم يضع الله عدة تشبيهات للشرح. فصوَر الله تأسيس الأرض كمن يبني بيتاً فهو أولاً يضع القياسات والرسومات ثم يبدأ في البناء والبنائين يستعملون المطمار ليكون البناء مستوياً رأسياً حتي لا يسقط (المطمار خيط به ثقل يتدلي لأسفل).

ثم ليشير لثبات الأرض وأنها لا تسقط من الفضاء يقول أن لها قواعد ثابتة عليها ولها حجر زاوية في بنائها، فهي متماسكة ثابتة، وبالتالي يستحيل أن يكون كل هذا قد تم بالمصادفة. وكان عمل الله في خلقته كاملاً وفرح الملائكة= كواكب الصبح= بما عمل الله، فرنموا تسبيحاً للخالق، والنور عموماً هو صفة لله، والملائكة هم أول خليقة الله أبو الأنوار وأورشليم السمائية لن يكون فيها مساء رؤ25:21، 5:22. وهم بني الله لأنهم يحملون صورته، ويخدمون الله كما يخدم الإنسان أباه. ونري هنا الله الممجد في خليقته أي الملائكة فعمل الله وخلقته تستوجب منا أن نسبحه عليها، وهذا معني قولنا في التسبحة "سبحي الرب يا كل الجبال والبحار. . . ألخ أي هذه الخليقة تشهد بعظمة الله التي يجب أن نسبحه عليها.

الأيات 8-11:- "و من حجز البحر بمصاريع حين اندفق فخرج من الرحم، اذ جعلت السحاب لباسه والضباب قماطه، وجزمت عليه حدي واقمت له مغاليق ومصاريع، وقلت الى هنا تاتي ولا تتعدى وهنا تتخم كبرياء لججك".

 سؤال الله الثاني لأيوب عن البحر، وهو يراه أمامه ويتعامل معه يومياً ولكنه أبعد نسبياً من الأرض، فهو لا يستطيع أن يصل إلي أعماقه. وخلق البحر هنا تشبه بولادة طفل لباسه السحاب وقماطه الضباب. وهنا إشارة إلي خلقة الله في اليوم الثالث تك 9:1 حين جمع الله المياه، فأطاعت كما لو كانت طفل صغير مولود. والضباب مترجمة الظلام الكثيف في الإنجليزية. وكما أن الطفل نغطيه بلباس وقماط فالبحر مغطي من أعلي بالسحاب والضباب الكثيف. وكما يعد الوالدين سريراً (مهداً) لينام فيه المولود الجديد، أعد الله منخفضات كافية في القشرة الأرضية بقدر مياه البحار والمحيطات، لينام فيها البحر ومياهه في هدوء، ولكل منا قبل أن يخلقه الله مكاناً يأوي إليه. ولكن هذا الطفل طفل جبار فحينما تصدمه الرياح يثور، وثورته هذه تخيف الإنسان وكم دمرت ثورته مدناً ساحلية، والأن عرف الإنسان بعض المعرفة عن القوي التي تؤثر في البحر (حركة الشمس والقمر وعلاقتها بالمد والجذر، والرياح والعواصف. . . ) لكن هل يستطيع الإنسان أن يتحكم في مياه البحر ويمنع هياجها، أما الله فهو القادر أن يسيطر عليها= جزمت عليه حدي= أي فرضت عليه حكمي، فالله ألزمه بحدود ومغاليق ومصاريع، فلا يقدر أن يتجاوز الحد الذي وضعه الله له. وهذه اليد الرحيمة التي تحدد حدوداً للبحر فلا يتجاوزها هي يد الله التي تعتني بالإنسان حتي لا يغرق. ولنتأمل مع أيوب فالبحر المرعب بأمواجه وظلامه ما هو إلا طفل في يد الله قادر أن يسكته وقتما يريد.

الأيات 12-15:- "هل في ايامك امرت الصبح هل عرفت الفجر موضعه، ليمسك باكناف الارض فينفض الاشرار منها، تتحول كطين الخاتم وتقف كانها لابسة، ويمنع عن الاشرار نورهم وتنكسر الذراع المرتفعة". السؤال الثالث الموجه من الله لأيوب عن شروق النور علي الأرض. ها أنت يا أيوب تفرح بشروق الشمس يومياً حين يخرج نورها، لكنك أنت لا تستطيع أن تحدد ميعاد الشروق أو تتحكم فيه فهو ثابت ومحدد قبل أن تخلق أنت= هل في أيامك أمرت الصبح= أي هل بدأ النور يشرق صباحاً في أيامك أنت ولأجلك أنت فقط أو بأمر منك. ولقد سبق وقال أيوب في 13:24-17 أن الأشرار يخشون النور، وهنا يسأله الله هل لك فضل في شروق النور ليسدي خدمة للبشر بإبتعاد الأشرار= فَيُنفَض الأشرار منها. لكن الله هو الذي يرسل النور فينفضح الأشرار ويدانون. ويمنع عن الأشرار نورهم= فنور الأشرار هو الظلام ففيه يعملون أعمالهم الشريرة، فهم يختفوا نهاراً ويعملون ليلاً. وبالتالي فالنور هو علامة قدرة الله ورحمته بل هو صفة من صفاته، وهذا عكس الأشرار الذين يسلكون في الظلمة فيكون النور هو علامة أيضاً لقضاء الله العادل الذي يفضح شر الأشرار. وينفض الأشرار منها كما ينفض أحداً بعض التراب من علي ثوب. وتنكسر الذراع المرتفعة= أي يفقدوا قوتهم وتفسد تخطيطاتهم وحريتهم وربما حياتهم، وتنكسر ذراعهم التي إرتفعت علي الله أو علي شعبه فلا تعود لهم قوة أن يصنعوا شرورهم. وحين يظهر النور يبدأ شكل الجبال والأراضي والبحار. . . الخ في الظهور. فحين يكون الظلام سائداً والأرض غارقة في بحر الظلمة لا يكون لها شكل وحين يبدأ النور في الظهور يبدأ يكون لها شكل بجبالها ومياهها وألوانها. وهنا تشبيه لطيف بأن الأرض قبل أن يشرق عليها النور كانت كأنها طين بلا شكل، وحين أشرق عليها النور كأنها ختمت بخاتم شكل هذا الطين وأعطاه شكلاً هو شكل الخاتم، وكأن الأرض لبست هذا الثوب النوراني. وما أجمل هذه الصورة هنا فالمسيح حين أشرق بنوره (هو شمس البر) كسر ذراع الشيطان وفضح عمله وختم المسيح فينا صورته في قلوبنا (مل 2:4، 3 + حز 21:30، 22+ كو 15:2 + غل 19:4 + لو 78:1 + لو 51:1 + 2كو 6:4)

آية 16:- "هل انتهيت الى ينابيع البحر او في مقصورة الغمر تمشيت".

 السؤال التالي لأيوب. هل وصلت إلي أعماق البحر وعرفت من أين ينبع البحر. هل عرفت كيف يمتلئ البحر، وكيف يصب النهر في البحر ولا يفرغ. أو في مقصورة الغمر تمشيت= المقصورة هي الدار المحصنة أو المكان الخاص الذي في الدار ولا يدخله سوي صاحبه. ومعني الكلمة الأصلية ما لا يفحص، والمعني هل تعرف جميع أسرار قاع المحيط مز 19:77. فهل من لا يدرك أسرار البحر سيدرك عمق مشورة الله.

آية 17:- "هل انكشفت لك ابواب الموت او عاينت ابواب ظل الموت". السؤال التالي عن أبواب الموت= فالموت سر عظيم، ونحن لا ندري كيف أو متي نموت. ولا يمكننا وصفه أو كيف ينحل الرباط بين الروح والجسد. والقدماء تصوروا مكاناً للموت تحت أعماق البحر والأرض لا يعرفه أحد من الناس وقالوا لم يرجع أحد من الأموات ليخبرنا عن طريق باب الموت.

آية 18:- "هل ادركت عرض الارض اخبر ان عرفته كله". والسؤال التالي عن الأرض، وكأن الله يقول له لا داعي أن أسألك عن الموت الذي لم تختبره فأنا سأسألك عن الأرض التي تعيش عليها. هل تستطيع أن تعرف أبعادها، وفي أيام أيوب لم يكن أحد قد دار حول الأرض، والقدماء تصوروا أن الأرض منبسطة وليست كرة ولا يستطيع أحداً أن يصل إلي أبعادها.

الأيات 19-24:- "اين الطريق الى حيث يسكن النور والظلمة اين مقامها، حتى تاخذها الى تخومها وتعرف سبل بيتها، تعلم لانك حينئذ كنت قد ولدت وعدد ايامك كثير، ادخلت الى خزائن الثلج ام ابصرت مخازن البرد، التي ابقيتها لوقت الضر ليوم القتال والحرب، في اي طريق يتوزع النور وتتفرق الشرقية على الارض".

 نجد الله هنا يسأل أيوب عدة أسئلة محيرة له. هل تعرف كيف خلق النور، حين كانت الظلمة سائدة ثم بسط الله نوره علي الأرض، هل كنت هناك يا أيوب لتشترك مع الله في خلقة النور، أو هل تعرف كيف يتوزع النور علي الأرض. وربما يتوزع النور بمعني أن يتحلل لألوان الطيف السبعة. والإحتمال الأكبر، أن ما كان يحير القدماء، كيف أن النور يبزغ فجأة وفي لحظات تنير الأرض كلها. ورسموا صورة لهذا:- أن نور الصباح يمتطي أجنحة الريح الشرقية ليتوزع سريعاً علي كل الأرض (مز 9:139) والريح الشرقية سريعة جداً وقوية جداً فتنشر النور بسرعة وتشتت الظلام كما تصنع الريح الشرقية بالسحب فتنقشع. والريح الشرقية نسبة لشروق الشمس من الشرق. ولو عرفت أسرار النور هل تعرف طرقها وكيف يشرق النور، هل وصلت إلي منابع هذا النور حيث يسكن= حتي تجعله يخرج متي تريد أو يغرب النور وقتما تريد. والآية (21) سخرية من أيوب فهو لم يكن موجوداً وقتها.

وفي (22، 23) هل تعرف كيف يتكون البَرَدْ والجليد، والله يستعملهم أحياناً ضد الأشرار. حدث هذا مع فرعون ومع يشوع وسيحدث في نهآية الأيام رؤ 7:8. وراجع يش 11:10 + مز 14:68 + خر 13:13= أبقيتها لوقت الضر ليوم القتال والحرب أدخلت إلي خزائن. . أو مخازن= فكأن الله يبقي حجارة البرد كأسلحة في مخازنها حتى يأتى يوم القتال ينفتح المخزن فجأة. الثلج Snow هو بخار ماء تجمد فى السحاب قبل أن يتجمع كقطرات. والبرد هو تحول أولاً لقطرات ماء وتجمعت في السحب ثم تجمدت.

الأيات 25-28:- "من فرع قنوات للهطل وطريقا للصواعق، ليمطر على ارض حيث لا انسان على قفر لا احد فيه، ليروي البلقع والخلاء وينبت مخرج العشب، هل للمطر اب ومن ولد ماجل الطل".

السؤال هنا عن المطر. فهل لإنسان سلطان علي المطر، لينزله في المكان الذي يريده، فالله وحده له هذا السلطان، لينزل المطر بالكمية التي يحددها وفي المكان الذي يحدده. وكأن المطر ينزل من خلال قنوات حددها الله. والمطر قد يكون قطرات حتي لا تفسد الأرض، قد يكون طوفاناً يغرق الأرض، والله وعد نوحاً بعدم تكراره وبهذا نفهم أن مفاتيح قنوات المطر في يدي الله. وفي يده أيضاً البروق والصواعق، لأن الله في يده مفاتيح المطر فهو لا ينسي الأراضي القفر والخلاء والصحاري فهناك مخلوقات تحيا فيها فالله لا يهتم فقط بالإنسان، بل بكل خليقته= ليمطر علي أرض حيث لا إنسان. والله هو مصدر المطر= هل للمطر أب= نعم فهو الله الذي يولده ويأتي به ويتحكم فيه، بل حتي في أصغر قطرات المطر أو الطل فهو يحكمها= المآجل. المأجل هي نقط الندي الصغيرة جداً.

الأيات 29، 30:- "من بطن من خرج الجمد صقيع السماء من ولده، كحجر صارت المياه اختبات وتلكد وجه الغمر".

 الله صاحب السلطان أن يجمد الماء. وربما تساءل الإنسان من أين جاء هذا الجليد= من بطن من خرج الجمد= ما هو مصدر هذه القدرة العظيمة.

الأيات 31-33:- "هل تربط انت عقد الثريا او تفك ربط الجبار، اتخرج المنازل في اوقاتها وتهدي النعش مع بناته، هل عرفت سنن السماوات او جعلت تسلطها على الارض".

السؤال الأن حول الكواكب. والنجوم تحت سيطرة الله وحده مز 4:147 + تك 14:1. وليس للإنسان سلطان علي تغيير شئ. الثريا= مجموعة من النجوم مرتبطة بعضها ببعض كعقد من الجواهر. والجبار= اسم برج تصوره القدماء كجبار مربوط.

المنازل= مجموعة من الكواكب عبدها الوثنيين 2مل 5:23. النعش مع بناته= بنات نعش الكبري 7 كواكب منها أربعة علي شكل مربع فأسموها النعش والثلاثة الباقين أسموها بنات نعش. وهناك مجموعة أخري أسموها بنات نعش الصغري. هل تعرف سنن السموات= ومهما عرف العلماء عن أسرار الكواكب فمعرفتهم لا شئ حتي اليوم. والله وحده وضع حركة الكواكب ويضبطها فتتسلط علي الأرض= أو جعلت تسلطها علي الأرض= فالشمس تحدد بحركتها مع الأرض الفصول (الربيع/ الخريف/ الشتاء/ الصيف) والقمر يحدد المد والجذر. ويلاحظ أن الثريا تظهر في الربيع والجبار في أول الشتاء. وإنتهاء فصل الشتاء وقدوم الربيع صوروه كأنه ربط الجبار= تفك ربط الجبار. فهل تتحكم أنت في هذا يا أيوب (تك 14:1-19). وربما تسلط الكواكب علي حركة الأرض أن الكون كله مرتبط بقوانين حركة، وكل الكواكب تؤثر علي الأخري. فحركة الأرض متأثرة بكواكب مجموعتنا الشمسية. ومجموعتنا الشمسية متأثرة بباقي الكواكب مجرتنا. ومجرتنا متأثرة بباقي المجرات ووراء كل هذا ضابط الكل واضع قوانين الحركة لكل هذا.

الأيات 34-38:- "اترفع صوتك الى السحب فيغطيك فيض المياه، اترسل البروق فتذهب وتقول لك ها نحن، من وضع في الطخاء حكمة او من اظهر في الشهب فطنة، من يحصي الغيوم بالحكمة ومن يسكب ازقاق السماوات، اذ ينسبك التراب سبكا ويتلاصق المدر".

 الله يظهر للإنسان هنا ضعفه وعدم مقدرته علي التحكم في الطبيعة، فهو لا يستطيع أن يأمر المطر أن ينزل ليروي الأرض إن جفت. ولكن إن أردنا المطر فعلينا أن نرفع أصواتنا لله ونصلي فيعطي الله المطر، كما فعل إيليا وكما تفعل الكنيسة الأن إذ تصلي من أجل مياه الأنهار والزروع والرياح. ولكننا لا نستطيع أن نرفع أصواتنا بالأمر للمطر مباشرة فهو في يد الله لذلك لم ينزل المطر بصلوات كهنة البعل أيام إيليا فهم لم يرفعوا صلواتهم لله. الطخاء= السحاب المرتفع= أي الله بحكمته يضبط السحاب والشهب، فهو ليس فقط له السلطان عليها بل بحكمة يضبطها. وحكمة الله التي بها يضبط السحب تظهر في انه يقدر كمية الماء المنسكب من السحاب= من يحصي الغيوم بالحكمة= ليحدد كمية المطر. أزقاق السموات= الغيوم هنا مشبهة بأزقاق (جمع زق) ملآنة ماءً. المدر= الطين. فالله يسكب مياه المطر علي تراب الأرض فيتكون الطين وتصبح الأرض صالحة للزراعة. ودقائق التراب والرمل ومكونات التربة الأصلية تتجاذب وتلتصق كالمعدن المنصهر المنسكب وتصير مكونات التربة كلها متجانسة ذات كثافة واحدة ذائبة في كيان واحد. ثم تشرق الشمس عليها فتتجمد كما يتجمد المعدن المنصهر.

الأيات 39-41:- "اتصطاد للبوة فريسة ام تشبع نفس الاشبال، حين تجرمز في عريسها وتجلس في عيصها للكمون، من يهيئ للغراب صيده اذ تنعب فراخه الى الله وتتردد لعدم القوت".

إبتداء من هنا بالإضافة للإصحاح 39 كله يتكلم الله عن سلطانه وجودة مشوراته وصلاحه من نحو خليقته الحيوانية. أتصطاد للبوة فريسة= هل تستطيع أنت يا أيوب أن تطعم الحيوانات مثل الأسود وتهتم بالخليقة كلها. حين تجرمز في عريسها= جرمز الرجل= إنقبض. . . وإجتمع بعض إلي بعض عريس- عرين الأسد= تربض في العرائن (حسب ترجمة اليسوعيين). وتجلس في عيصها للكمون= العيص هو الشجر الكثير الملتف. والمعني من يرزق هذه الحيوانات حين تكمن في وسط الأشجار، أو تربض في عرينها، ومن علمها أن تصنع هذا لتأكل وتعيش، ومن الذي يرزقها فلا تموت. من يهيئ للغراب صيده= إختار الله الغراب لأن الإنسان يحتقره ويكرهه، وإختار الأسد لأن الإنسان يخاف منه، بل لو وجده يقتله. وبينما لا أحد يهتم بهذه الحيوانات يهتم بها الله. تنعب فراخه= تنعق أي تمد عنقها وتصيح طالبة الطعام. ويظهر من حياة هذه الحيوانات والطيور صلاح الله الذي يحفظها ويطعمها لتبقي حية. والله يهتم بكل خليقته حتي المتوحش منها، وهو لم يتكلم عن الدواب والحملان لأن الإنسان يستخدمها ويطعمها لتخدمه. فالله أعطي لكل الحيوانات حكمة وغريزة بها تعيش. وإن كان الله يهتم بالحيوانات المتوحشة فهل لا يهتم بالإنسان. كلام الله في هذا الإصحاح هو دعوة لأيوب أن لا يثق في ذاته بل يثق في الله المحب لخليقته ويدبر كل أمورها بحكمة، هو دعوة للتواضع بين يدي الله.


 

الإصحاح التاسع والثلاثون

يستمر الله في عتاب أيوب لأنه إتهمه بالظلم، بينما هو يراعي حتي المخلوقات الأخري المتوحش منها والضعيف ويهتم بها ويرزقها. والله يعاتب أيوب لأنه في خطبه الكثيرة إهتم بأن يذكر صلاحه وإهتمامه بالفقراء وأعماله الصالحة، وكأن الله يقول له، إن كنت أنت قد عملت بعض الأعمال الصالحة، فأنا كل أعمالي صالحة وأنظر للخليقة حولك وأنت تري أنني لا أنسي أحد، وإن كان هناك بعض الأعمال التي لا تستطيع حكمتك الإنسانية أن تفهمها، فتواضع وأشعر بأن معرفتك بسيطة حتي بما حولك من الخليقة، فكم وكم بالأمور التي تجهلها.

الأيات 1-4:- "اتعرف وقت ولادة وعول الصخور او تلاحظ مخاض الايائل، اتحسب الشهور التي تكملها او تعلم ميقات ولادتهن، يبركن ويضعن اولادهن يدفعن اوجاعهن، تبلغ اولادهن تربو في البرية تخرج ولا تعود اليهن".

 تأوي الوعول والأيائل إلي الصخور في الجبال العالية البعيدة عن مساكن الناس، فيصعب علي الإنسان إن يعرف طباعها وعاداتها، وأما الرب فلا يعرفها فقط بل يدبرها ايضاً لأن الكل منه. ومن عجائب عنآية الله أنه أعطي هذه الحيوانات حتي الصغير منها سناً غريزة بها تقدر أن تدبر ذواتها بخلاف أطفال البشر الذين يحتاجون إلي أن يراعيهم والديهم عدة سنين إلا هلكوا. ولقد حدد الله لكل نوع من الحيوانات ميعاد للحمل والولادة بل هي تلد بسهولة أكثر كثيراً من الأنسان. ولا يعين الإنسان هذه الحيوانات حتي تلد، بل هي تلد وحدها والله يرعاها حتي تلد ثم يرعي صغارها، فإن إهتم الله بهذه الحيوانات فكم بالأولي يكون إهتمامه ببني البشر.

الأيات 5-8:- "من سرح الفراء حرا ومن فك ربط حمار الوحش، الذي جعلت البرية بيته والسباخ مسكنه، يضحك على جمهور القرية لا يسمع زجر السائق، دائرة الجبال مرعاه وعلى كل خضرة يفتش".

 الفرا هو فتي حمار الوحش وهو أجمل وأسرع من الحمار الأليف ولا يمكن تذليله وتربيته ولا الإستفادة منه= لا يسمع زجر السائق= فلا يمكن ربطه إلي عربة ليجرها. ويحب أن يعيش منطلقاً في البرية= جعلت البرية بيته. السباخ= الأرض القفر. فالبرية والسباخ مكان الفرا. ولا يدخل إلي قرية ليعيش فيها= يضحك علي جمهور القرية أي لا يقبل أن يكون له مالك يعمل عنده. وعلي كل خضرة يفتش= لأن لا مالك له فهو المسئول عن نفسه، يفتش عن أماكن الخضرة ليأكل. بينما الحمار الذي يتم ترويضه فهو يعمل ويعطيه سيده طعامه. ويؤخذ الفرا رمزاً للإنسان الخاطئ الشهواني الذي يجري وراء شهوته ويدعي أنه حر يفعل ما يريد أر 24:2 + هو 9:8. فكما أن الفرا أيضاً لا نفع منه هكذا مثل هذا الإنسان الشرير. أما الحمار الأليف المروض هو الذي يقبل التأديب من يدي سيده فيطعمه سيده. والإنسان الذي يقبل تأديب الله يسكنه الله في مراع خضر، بينما تكون حياة الشرير في قفر وسباخ اي في خراب

الأيات 9-12:- "ايرضى الثور الوحشي ان يخدمك ام يبيت عند معلفك، اتربط الثور الوحشي برباطه في التلم ام يمهد الاودية وراءك، اتثق به لان قوته عظيمة او تترك له تعبك، اتاتمنه انه ياتي بزرعك ويجمع الى بيدرك".

الثور الوحشي= أكبر وأقوي من الثور الأليف. وهو أيضاً لا يمكن أستخدامه كما يستخدم الثور الأليف. وفيه يظهر قوة الخالق وضعف الإنسان الغير قادر حتي أن يروض حيواناً. والثور الوحشي كان يوجد قديماً في فلسطين ولا يوجد الأن (عد 22:23 + مز 10:92). والله يظهر لأيوب أنه لا يمكنه إخضاع هذا الثور الوحشي ليخدمه، وذلك لن أيوب كان يتصور أن كل الأمور يجب أن تخضع لفكره ولحكمته، وأن كل شئ يجب أن يسير علي حسب هواه، وكأن الله يقول له فلنبدأ بالثور الوحشي، هل تستطيع أن تجعله يسير وفق إرادتك. وقبل سقوط الإنسان كان له سلطان علي كل الوحوش. لكن بعد السقوط تمردت عليه الحيوانات وفقد سلطانه، ولكن الله أبقي بعض الحيوانات تحت سلطان الإنسان لتخدمه، ولم يعطه سلطاناً علي الباقي ليعرف ضعفه ولا يتكبر.

الأيات 13-18:- "جناح النعامة يرفرف افهو منكب راوف ام ريش، لانها تترك بيضها وتحميه في التراب، وتنسى ان الرجل تضغطه او حيوان البر يدوسه، تقسو على اولادها كانها ليست لها باطل تعبها بلا اسف، لان الله قد انساها الحكمة ولم يقسم لها فهما، عندما تحوذ نفسها الى العلاء تضحك على الفرس وعلى راكبه". توجد النعامة في بلاد العرب وفي إفريقيا وأماكن أخري ويربونها لريشها الجميل والثمين. وهي لها جناحان ولكن لا يمكنها الطيران فجناحيها صغيران بالنسبة لطولها (يزيد علي المترين) ووزنها. ولكن جناحيها يساعدانها في الركض وهي سريعة جداً، وأسرع من الخيل= تضحك علي الفرس وعلي راكبه. فطول خطوتها حوالي 8 أمتار. تحوذ نفسها إلي العلاء= أي ترفع رأسها حين تركض. وحين تبيض تضع بيضها في الرمال، قد تحتضنه أحياناً، ولكنها أحياناً تتركه حين يشتد الحر فيفقس بفعل الحرارة دون أن تتعب هي. وهي تترك بيضها مكشوفاً معرضاً أن يدوسه أي أحد (أيات 14، 15). وإذا كانت النعامة تترك بيضها هكذا فكيف يخرج الصغار؟ بالتأكيد هي عنآية الله "فإن نسيت الأم رضيعها فأنا لا أنساكم" وليتعلم الأباء من النعامة، فسيكون أباً لا حكمة له إن ترك أولاده في العالم بلا رعآية روحية، فمن المؤكد سوف تسحقهم شهوات هذا العالم وتدوسه أرجل الناس الأشرار. ويصير كل تعب الوالدين باطلاً= باطل تعبها بلا أسف= أي أن النعامة لا تأسف علي بيضها لو ضاع أو إنكسر. وفي إهتمامها بذاتها إذا خافت أو شعرت بخطر تجري بسرعة عظيمة وتترك صغارها= تقسو علي أولادها وهذا مثال للخدام غير الأمناء. وكنيستنا القبطية تضع دائماً بيض نعام قدام الهياكل بهذا المفهوم، أن الله هو الذي يرعي شعبه حتي لو نسيه كل أحد، ولو نسيتنا أمهاتنا وخدامنا فالله لا ينسانا فعينه علينا دائماً. تترك بيضها وتُحميه في التراب= تتركه ليفقس في التراب الساخن الحامي، ولذلك شاع أن النعامة جائرة الطبع وقليلة المحبة لفراخها وبلا حكمة= لأن الله قد أنساها الحكمة ولم يقسم لها فهماً. فبينما ريشها ثمين تتباهي به، إلا أنها بلا حكمة. فأيهما نفضل الحكمة مع كوننا فقراء، أم كبرياء الغني مع عدم الحكمة. وإتخذ خيلاء النعامة بريشها علامة علي كبرياء الأغنياء بثرواتهم وملابسهم.

الأيات 19-25:- "هل انت تعطي الفرس قوته وتكسو عنقه عرفا، اتوثبه كجرادة نفخ منخره مرعب، يبحث في الوادي وينفز بباس يخرج للقاء الاسلحة، يضحك على الخوف ولا يرتاع ولا يرجع عن السيف، عليه تصل السهام وسنان الرمح والمزراق، في وثبه ورجزه يلتهم الارض ولا يؤمن انه صوت البوق، عند نفخ البوق يقول هه ومن بعيد يستروح القتال صياح القواد والهتاف".

 الفرس= بعد أن إستعرض الله قوته وقدرته في خلق ورعآية حيوانات غير مروضة، يظهر قدرته في حيوان عجيب، له شجاعة غريبة في الحروب لذلك استخدموه في الحرب، ولكن مع هذه الشجاعة فطفل صغير قادر أن يقود هذا الفرس، والفرس لا يتمرد علي صاحبه. عُرفاً= هو غالباً غطاء مصفح يوضع حول رقبة الحصان ليحميه وهو ذاهب للقتال. والكلمة الأصلية في العبرية رعداً، وبهذا يفهم معني الكلمة أنها إشارة لمنظر الفرس الجميل والمخيف وهو ذاهب للقتال في شجاعة. ثم يصور شجاعته في القتال. أتوثبه كجرادة= فقزته قوية بالرغم من وزنه. يَنْفِزْ ببأس= أي يثب ويطفر بقوائمه جميعاً ويضعهن معاً من غير تفريق بينهن. تصل السهام= هو صوت السهام في الجعبة. ولكن لا شئ يرعبه. لا يؤمن أنه صوت البوق= كأنه مشتاق للقتال ومن شدة فرحه إن سمع صوت البوق لا يصدق أن القتال قد بدأ فيندفع للمعركة، مشتاقاً للقتال، لا يكاد يصدق أذنيه أنه إستمع لصوت بوق القتال من فرحه به. يلتهم الأرض= إشارة لسرعة ركض الفرس فيري راكب الفرس الطريق أمامه وكأن فرسه يبتلعه. والسؤال لأيوب هل أعطيت الفرس هذه الشجاعة فلا يخاف الموت.

الأيات 26-30:- "امن فهمك يستقل العقاب وينشر جناحيه نحو الجنوب، او بامرك يحلق النسر ويعلي وكره، يسكن الصخر ويبيت على سن الصخر والمعقل، من هناك يتحسس قوته تبصره عيناه من بعيد، فراخه تحسو الدم وحيثما تكن القتلى فهناك هو".

 النسر والعقاب= العقاب شبيه بالنسر. يستقل العقاب= يحلق بجناحيه عالياً جداً. ويمتاز كلاهما بالطيران عالياً جداً. وحدة بصرهما، فهما يريان الفريسة أو الجيفة من علي مسافات لا تدركها عين الإنسان وينقضان عليها. ويمتاز النسر بعلو أوكاره وشراهته في أكل اللحم والدم= فراخه تحسو الدم= فصغار النسور لا تستطيع أكل اللحم فتلحس الدم. والكبار تأكل جيف القتلي= وحيثما تكن القتلي فهناك هو يسكن الصخر= يقيم النسر أوكاره عالياً حتي لا يصل إليه أيدي الأعداء. فمن الذي أعطي النسر هذه الحكمة والقوة علي الطيران عالياً وحدة البصر. ومن الذي يرشد الطيور المهاجرة التي تتجه نحو الجنوب الحار في فصول الشتاء الباردة= وينشر جناحيه نحو الجنوب= من أعطي لهذه الطيور هذه الغريزة التي تميز بها الجنوب الجغرافي دون أن تخطئ، وهي تطير نحو الجنوب في خط مستقيم دون خطأ ليلاً ونهاراً حتي تصل إلي مكانها. فهل لك حكمة هذه الطيور يا أيوب أو قدراتها، ولكن الله أعطي لها حكمة وقدرات مميزة حتي تستطيع أن تعيش.

تعليق علي الإصحاحات 39، 38

الإصحاحين 39، 38 هما دعوة من الله للإنسان أن يرفع عينيه للخليقة حوله فيدرك قوة الله وصلاحه وعنايته فيثق فى الله. وقوة الله ظاهرة في الأجرام السماوية، وفي الأرض التي نحيا عليها، وفي خليقته الحيوانية سواء الجبار منها كالأسد والنسر أو ما هو ضعيف منها كالنملة بل المخلوقات الميكروسكوبية. والله يرعي الجميع. والإنسان عموماً يحاربه الشيطان بفكرة أن الله أهمله خصوصاً إذا كان الإنسان في ضيقة، وهنا الله يرد علي هذا الفكر. إن كنت لا أهمل كل خليقتي سواء جماد أو حيوان فهل أهملكم أنتم أحبائي"

وعرض صور خليقة الله الحيوانية أمام الإنسان تجعله يتواضع، فأين نحن من قوة الأسد أو حدة بصر النسر وإرتفاعه أو شجاعة الفرس. فما الذي يحمينا حتي نحيا سوي رعآية الله وأعمال عنايته بالرغم من محدودية قدراتنا

وهناك تأمل في هذه الحيوانات يظهر صفات معينة للإنسان

1.       الفرا:- يشير للإنسان الخاطئ الشهواني، الذي يكسر كل القيود المعروفة، دينية كانت أو إجتماعية

 جرياً وراء شهواته، وهذا يحيا في خراب لا يجد طعاماً.

2.       ثور الوحش:- يشير للقوة التي لم تخضع تحت الترويض، فلا يمكن أن يكون لها نفع ويندرج تحت

 هذه القوي، قوتنا الجسمانية والشهوانية والعقلية والروحية.

3.       النعامة:- هي رمز للأنانية، بلا قلب ومتكبرة، جبانة فهي تهرب تاركة صغارها فالأنانية

 والكبرياء تقس القلب، أما الحب فيجعل من الإنسان بطلاً يفدي غيره وكل خاطئ يمكن أن نقول عنه

 أنه أناني منغلق علي ذاته، وكما تدفن النعامة رأسها في الأرض حين تري الخطر قادم عليها هكذا

 يفعل الخاطئ إذ يري الخطر قادم فيخدع نفسه قائلاً سلام سلام ويرد عليه الله لاسلام قال الرب

 للأشرار. والنعامة تمثل الإنسان المتكبر عموماً الذي يزهو بما عنده.

4.       الفرس:- هو يمثل المؤمن الذي يقوده المسيح الذي خرج غالباً ولكى يغلب رؤ 2:6. وهذا لا

 يهتم بحروب الشيطان حوله مهما كانت عنيفة مخيفة بل لا يهاب الموت.

5.                 النسر:- يمثل الإنسان الروحي، الذي يحلق عالياً في السموات، له حدة بصر يري بها أعدائه

 الشياطين بحيلهم ويقف علي الصخر (28:39) وصخرتنا هي المسيح


 

الإصحاح الأربعون

الأيات 1-5:- "فاجاب الرب ايوب فقال، هل يخاصم القدير موبخه ام المحاج الله يجاوبه، فاجاب ايوب الرب وقال، ها انا حقير فماذا اجاوبك وضعت يدي على فمي، مرة تكلمت فلا اجيب ومرتين فلا ازيد".

 بعد أن أعطي الله لأيوب الدرس، سكت الله وأعطي أيوب فرصة ليتأمل فيما سمعه. ولكن أيوب سكت ولم يتكلم. ولما سكت أيوب تكلم الله= فأجاب الرب أيوب مع أن أيوب لم يكن قد تكلم قيل أن الرب أجاب، فالله يعرف ما في القلوب دون أن يفتح الإنسان فمه. وكان أيوب بعد ما قيل في خجل شديد، وربما كان شاعراً أنه تجرأ علي الله ولابد أن الله سوف يطرده من حضرته ويخاصمه للأبد. ولكننا نجد الله يطمئن هذا القلب القلق من خصام الله. هل يخاصم القدير موبخه= وكلمة موبخه تعني لائمه، ولاحظ أنه لم يقل هنا من العاصفة. فهذه الكلمة كانت في هدوء بلا غضب لتعطي هدوءاً لقلب أيوب. فحينما يقول أن الله تكلم من العاصفة فهذا يعني أن الله تكلم في غضبه. والله في محبته يعرف متي يستخدم أسلوب القسوة مع الخاطئ ليخاف ويتوب، ومتي يستخدم أسلوب الحب ليطمئن القلب الذي في حالة جزع.

ها أنا حقير فماذا أجاوبك= هنا يظهر أن الدرس الذي أعطاه الله لأيوب قد أتي بثماره. هنا شفي أيوب تماماً وتاب. وضعت يدي علي فمي= أي لن أتكلم ثانية

مرة تكلمت فلا أجيب ومرتين فلا أزيد= أي في جهلي وكبريائي تكلمت سابقاً كثيراً. ولكن الآن بعد أن تاب أيوب تماماً يقول لن أتكلم وقارن مع 37:31 + 3:23 الآن في توبته رأي الله القدوس البار المحب، ورأي نفسه في نجاستها وجهلها وكبريائها فذاب خجلاً، راي تحديه لله السابق وكلامه الصعب من نحو الله، وها هو يري الله وقد إحتمل كل كلامه السابق، بل أتي ليعاتبه ويعلمه ويكمله ويشفيه فأسكته جلال الله وتواضعه بالمقارنة مع تعاليه وهو الحقير أمام الله. هو لم يتب من محاولات أصحابه، أما أمام الله فتاب توبة حقيقية وهذا هو عمل الله، لذلك قال النبي "توبني يارب فأتوب". فصوت الله الذي يدعو للتوبة أقوي وأعلي من صوت الإنسان وقادر علي أن يقنع الإنسان الخاطئ بالتوبة. والتائب الحقيقي يشعر أنه حقير جداً أمام الله ويكون كارهاً لنفسه حز 31:36. وبقدر ما عظم نفسه أمام الناس يحتقر نفسه أمام الله. فأيوب حين قارن نفسه بأصحابه وجد نفسه عظيماً فجادلهم ولم يقتنع بكلامهم، أما حين يقف أمام الله سيدرك حقيقة خطيته فيحتقر نفسه، حين نقف أمام نور الله يكشف نوره خبايا قلوبنا النجسة فتحتقر ذواتنا. لذلك لم يستطع أيوب أن ينطق أمام الله. لقد سببت كلمة الله تحولاً جذرياً في تفكير أيوب عجزت محاولات أصحابه أن يعملوه. وحين أتت كلمة الله إنتهي نزاع الألفاظ. لقد أظهر الله قدراته لأيوب فرأي أنه يستطيع أن يثق بإله مثل هذا، وأقتنع أيوب أن عنآية الله به كانت أكثر شمولاً ودقة مما تصورها. وحتي هذه اللحظة كانت آلام أيوب كما هي ومشاكله كما هي، ولكن حدث شئ جديد في داخله، لقد شفي من جروح قلبه أي كبريائه وإحساسه بأن الله ظلمه. هو لم يأخذ رداً علي تساؤلاته، لماذا حدث ما حدث ولكنه شعر أنه في سلام طالما كان في يد الله مهما حدث. لقد كان عمل الله ورد الله عليه سبباً في حالة من السلام الداخلي والتسليم الهادئ اللذان ملئا قلبه. لقد تأثر أيوب وسلم نفسه لإله له قدرة علي رعآية خليقته كلها (كواكب وحيوانات) فكم بالأولي البشر. وكم وكم يجب علينا أن نسلم لإلهنا الذي فدانا علي الصليب.

وهكذا تصالح كل الأتقياء القديسين مع الله بعد أن تخاصموا معه أر 1:12 + مز 21:73-28. فقال أرمياء "أبر أنت يارب من أن أخاصمك"

الأيات 6-14:- "فاجاب الرب ايوب من العاصفة فقال، الان شد حقويك كرجل اسالك فتعلمني، لعلك تناقض حكمي تستذنبني لكي تتبرر انت، هل لك ذراع كما لله وبصوت مثل صوته ترعد، تزين الان بالجلال والعز والبس المجد والبهاء، فرق فيض غضبك وانظر كل متعظم واخفضه، انظر الى كل متعظم وذلله ودس الاشرار في مكانهم، اطمرهم في التراب معا واحبس وجوههم في الظلام، فانا ايضا احمدك لان يمينك تخلصك".

 رأينا أيوب في توبته كيف قال أنا حقير، وكيف تواضع بين يدي الله. ولكن الله المعلم الذي يعرف مكنونات قلب عبيده وتلاميذه رأي أن أيوب مازال محتاجاً لدرس آخر حتي يكون تأثير كلام الله عليه كاملاً وتكون توبته بلا رجعة ويتصالح مع الله مصالحة تكون بلا تردد ولباقي أيام عمره. وعاد الله لنبرة الصوت الغاضبة= فأجاب الرب أيوب من العاصفة. وفي (7) لقد كنت تجادلني بشدة والأن تشدد وحاول الإجابة علي أسئلتي. وفي (8) لعلك تناقض حكمي= أي حين نسب الظلم إلي الله كان كأنه قد نقض حكم الله. وكل من يتذمر علي الرب كأنه يناقض حكمه. فالتذمر علي أحكام الله تعني أن المتذمر يظن أنه يعرف أكثر من الرب، وأنه لو كان في مكان الرب لكان تدبيره غير تدبير الرب، لكن كان تدبيره سيكون بطريقة أفضل. تستذنبني لكي تتبرر أنت= الله يلوم أيوب هنا أنه في خلال حواره مع أصحابه أراد حتي يبرر نفسه ويظهر باراً أمامهم أن يلقي باللوم علي الله. فأيوب نظر إلي بره وإفتخر به وكان غايته إظهار ذلك أمام أصحابه فلم يهتم بأن يظهر الله كأنه أخطأ معه. وعلي كل إنسان أن يقول مع داود "لكي تتبرر في أقوالك وتغلب إذا حوكمت مز 4:51 + دا 7:9.

ولقد تكلم الله سابقاً عن عمله العجيب في الفلك والخليقة الحيوانية، والآن يتكلم عن النظام الأدبي في العالم وأنه وحده القادر علي السيطرة علي الأشرار.

ففي (9) هل لك ذراع كما لله= الذراع دليل القوة. فكيف نختلف مع الله القدير القوي وبصوت مثل صوته ترعد= لاحظ أن الله الأن يتكلم من العاصفة وبصوت مخيف كالرعد، وأيوب خائف من هذا الصوت. ولنعلم أن كل قوة الإنسان أمام قوة الله ما هي إلا أشواك أمام نار هائلة. فنحن لا نستطيع أن نعمل شيئاً بدونه ولكنه يستطيع أن يعمل كل شئ بدوننا. ونلاحظ أن صوت الله ليست قوته في رعده المخيف فقط بل في قوة إقناع صوت الله لقلوبنا. فأصحاب أيوب فشلوا في إقناعه بالتوبة بينما نجح صوت الله في ذلك. وتحدي الله لأيوب هنا معناه: لقد نسبت الظلم لي يا أيوب، فهل تستطيع بقوتك أن تأخذ حكم العالم وتديره بذراعك، وهل لك صوت يرعب الأشرار، أو صوتك قادر أن يدعوهم للتوبة.

وفي (10) يسخر الله من أيوب داعياً إياه أن يتزين ويلبس اللبس الملوكي حتي يحكم العالم، فهل تستطيع يا تري مهما تزينت بالبهاء أن ترعب الأشرار.

وفي (11-13) دعوة لأيوب، بل تحدي أن يخفض كل متعظم شرير متكبر ظالم وأن يحبسهم في الظلام ويدوسهم. لقد إشتكي أيوب أن الله يترك الأشرار ينعمون والله يقول له أرني قوة ذراعك ودسهم أنت. ولنعلم أن الله في مجده وبهائه وبذراعه قادر وحده أن يفعل هذا، هو وحده الذي يرعب الأشرار ويدوسهم فلا يخرجون لإتمام مقاصدهم. وقادر وحده أن يحبس وجوههم في الظلام= أي في غياهب السجون، وإن لم يكن هنا في سجون العالم ففي ظلام السجون الأبدية في الجحيم. إن الخطية التي تضايق الله جداً هي خطية الكبرياء فهي خطية إبليس. والله وحده هو القادر أن يخفض وجوه المتكبرين حين يسقط غضبه عليهم. إطمرهم في التراب ألم يصنع هذا بجيش فرعون وأهل سدوم وعمورة ثم مع قورح وداثان وجماعتهما. والمقصود بالتراب بالأكثر أن يميت الأشرار فيذهبوا للتراب. الله وحده القادر أن يذل الأشرار لكنه وحده الذي يحدد الميعاد وهو "ملء الزمان". ليس هذا فقط فالإنسان في ضعفه يتصور أن كل ظالم يجب أن ينتقم منه الله بأن يقتله، لكن الله له طرق أخري، فهو وحده الذي يعلم ما في القلوب، وهل قلب هذا الظالم يمكن أن يتحول بالتوبة، هنا لا يقتله الله بل يعطيه فرصة للتوبة، فالله لا يسر بموت الخاطئ بل بأن يرجع ويحيا حز 23:18. ونري هذا مع بولس الرسول، فهل كان الله يجب عليه أن يقتله حين قاد المسيحيين للقتل في دمشق وحين كان راضياً بقتل إسطفانوس، وهل كان الله عليه أن يقتل موسي الأسود أثناء شروره، وربما نتصور أن الله كان يجب عليه إفناء الدولة الرومانية لأنها إضطهدت المسيحيين لكن الله حولها للمسيحية. "ولنعلم أن طرق الله غير طرق الإنسان"

وفي (14) كان أيوب قد إعترض علي حكم الله فعليه أن يثبت أنه قادر أن يحكم الكون كله حكماً حسناً، وأحسن من حكم الله، وفي هذه الحالة سيعترف له الله= فأنا أيضاً أحمدك= أي أقر بقوتك وقدرتك وقوة ذراعك. هذه سخرية من أيوب. وما علينا سوي أن نعترف بأننا في حمآية ذراع الله في أمان.

الأيات 15-24 + 1:41-34

بهيموث ولوياثان

يستمر الله في إثبات عجز أيوب بأن يستعرض أمام أيوب قدراته في الخلق وهنا يشير الله لحيوانين مرعبين لضخامتهما ويضع أوصافاً تعبر عن حجمهما الهائل وقوتهما الجسدية. ومما لاشك فيه فإن كان هناك حيوان مخيف بهذه الصورة، فماذا تكون قوة الإنسان بجانبه، من المؤكد هو سيفزع وإن كان هذا الحيوان يفزع الإنسان وهو من خليقة الله فكم وكم الله الذي خلقه

1- بهيموث:- "قاموس الكتاب المقدس"

لها تفسيرين

          1) جمع بهيمة بالعبرية. وبهيمة هو حيوان يدب علي أربعة لا يصدر أصواتاً. وتطلق علي

 الماشية "قاموس strongs

          2) قال آخرين أنها كلمة مصرية قديمة معناها "ثور الماء". وقد ترجمت في بعض المواضع وحوش

 (أي 11:35 + مز 22:73)

أما علماء أليهود فيزعمون أن بهيموث حيوان كبير الحجم ذو قدرة عظيمة ومنظره هائل، ومن شأنه أنه كان ولا يزال يسمن منذ إبتداء الخليقة إلي مجئ المسيح، فإذا جاء، قُدِمَ عندها وليمة للمؤمنين.

والرأي مستقر علي أن بهيموث هو فرس البحر الموجود قديماً في أرض مصر والآن في النيل الأعلي حيث يقضي نهاره في المياه وبين الأشجار، فإذا جاء الليل خرج إلي الحقول المجاورة في طلب المرعي، ويتلف مزروعاتها وأشجارها لما هو عليه من شدة النهم. وهو حيوان عظيم الحجم ضخم الجسم (طوله 16 قدماً وعلوه 7 أقدام)

2- لوياثان:-

"أنت شققت البحر بقوتك، كسرت رؤوس التنانين علي المياه"   مز 13:74

"هذا البحر الكبير. . . لوياثان هذا خلقته ليلعب فيه"   مز 25:104، 26

" في ذلك اليوم يعاقب الرب بسيفه القاسي العظيم الشديد لوياثان الحية الهاربة. لوياثان الحية المتحوية ويقتل التنين الذي في البحر     أش 1:27

ليلعنه لاعنو اليوم المستعدون لإيقاظ التنين (لوياثان)  أي 8:3

لوياثان إسم عبري معناه "ملفوف" وهو حيوان مائي هائل ذكر في الأسفار الشعرية في الكتاب المقدس. يعيش في البحر. ويقصد به غالباً التمساح. وهو من أكبر الحيوانات التي تدب. وظهره ورأسه وذنبه مغطاة بحراشف قرنية لا تخترقها السهام أو الرماح أو الرصاص إلا في أماكن معينة فيه. ولكن في المعني الأصلي أنه حيوان يلتف كالحية لذلك كثيراً ما تترجم الكلمة حية أو تنين. ولكن بالرجوع لأصل الكلمة العبري (لوفا) نجده يعني أيضاً ينشق/ ويقرض.

ما هو المعني الروحي لبهيموث ولوياثان

لقد أثبت الله لأيوب فيما قبل سلطانه المطلق علي كل من الطبيعة والخليقة الجامدة كلها (كواكب وأرض وشمس بنورها) وكل الظواهر الطبيعية (البحر بأمواجه والسحاب والأمطار المفيد منها والمؤذي، والجلد والثلج والبروق والصواعق والرعد) وعلي الخليقة الحيوانية (أسود ووعول. . الخ). وعلي الأشرار فهو وحده الذي يؤدبهم ويخضعهم. فماذا تبقي؟. . . . من القوي التي تحارب الإنسان وتخيفه لم يتبقي سوي قوتين قوة الشهوة وحب العالم في داخل الإنسان وقوة إبليس.

فنحن يمكننا أن نفهم كلام الله لأيوب علي أنه نوع من التوبيخ أو نوع من التعليم

1.        فكلام الله توبيخ لأيوب، ففيه يشرح الله أنه وحده القادر علي كل شئ فيكف يعارضه؟!

2.       وكلام الله تعليم لأيوب ولكل واحد منا، ففيه يشرح أنه الإله المحب لخليقته وهو وحده له سلطان علي كل الخليقة (جماد أو حيوان أو إنسان ظالم) فلماذا الخوف من الخارج. هنا الله يعلم الإنسان ألا يخاف من أي شئ يراه، فهو قادر أن يذلله له. وعلينا أن نؤمن بهذا فيملأ السلام قلوبنا "أنا هو لا تخافوا". إذا كان الله ضابط الكل المحب لشعبه وفي يده السلطان علي كل شئ، فليطمئن شعبه.

وبعد أن طمأن الله أيوب وطمأن كل البشر أنه المسيطر علي كل القوي التي تحيط بنا نجده الأن يهدئ النفس المضطربة من 1) القوي الداخلية (الشهوة المشتعلة)

           2) القوي غير المنظورة (إبليس)

وأيضاً إذا كان الله ضابط الكل. وكل شئ في يده فهو قادر أن يسيطر علي هذه القوي غير المنظورة ولكننا نشعر بحروبها ضدنا. وإتخذ الله الرموز طريقاً يشرح به هذه الفكرة. فنجد حيوانين هائلين يعبران عنهما وهما:-

1- بهيموث:- هو تعبير عن الشهوات الكامنة فينا ومحبة العالم.

2- لوياثان:- هو إبليس بكل قواته الموجهة ضد البشر.

فبهيموث يشير للشهوة أو للجسد الذي تسكن فيه الشهوة، شهوة البطن (أكل أو شهوات زنا) أو محبة العالم 1يو 15:2-17. ونلاحظ في هذه الأيات أن من يحب العالم ليست فيه محبة الآب. وقطعاً من لا يحب الآب فهو ميت في خطاياه. ومن هنا ندرك أن الإنسان الشهواني يعرض نفسه للموت الروحي. ومن سمات الإنسان الشهواني أنه لا يشبع. ونجد هذه المواصفات في بهيموث "يطمئن ولو إندفق الأردن في فمه" بل هو يشرب ولا يحس بالإرتواء أر 13:2. والشهوة موجودة في الإنسان "بالخطية حبلت بي أمي مز 5:51" وبهذا يعترف بولس الرسول "أما أنا فجسدي مبيع تحت الخطية. . . فالأن لست بعد أفعل ذلك أنا بل الخطية الساكنة فيَ. . . رو 14:7-25. ولكن بولس لم يتوقف عند هذا بل أكمل عمل نعمة المسيح "لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت رو 8: 3، 2. والأن كل من يسلك حسب الروح خاضعاً لوصايا الله مجاهداً حتي الدم، ولا يسلك بحسب الجسد مندفعاً وراء شهواته. يجد هناك قوة تسانده هي نعمة الله العاملة فينا. ومهما كانت الحروب الناشئة من الشهوة التي فينا، فلنا أسلحة جبارة بها نحارب أف 10:6-20. وأسلحتنا ليست ضعيفة 2كو 3:10-5.

فالشهوة للعالم وللخطية هي قوة لا يستهان بها، بل يقول الكتاب أم 26:7 طرحت كثيرين جرحي وكل قتلاها أقوياء. ولكن الله قادر أن يعطي لأولاده قوة يقدرون بها أن يطفئوا سهامها الملتهبة. الله أعطي الإمكانية والنعمة التي نستفيد منها ونختبرها إذا جاهدنا بصلواتنا وأصوامنا وبتوبتنا. ونلاحظ قول الرب لقايين عند الباب خطية رابضة وإليك إشتياقها وأنت تسود عليها. وتصوير بهيموث هنا بقوته الهائلة هو تقرير لواقع سيطرة الشهوة بقوة علي الإنسان. ولكن الله قادر أن يعطي قوة من عنده تسيطر عليها. فمن الذي يقدر أن يسيطر علي الشئ إلا خالقه. وها هو الإنسان عاجز عن أن يسيطر علي بهيموث القوي لكن الله يقدر أن يذلله له. وهكذا الشهوة التي أسقطت كثيرين الله يقدر أن يذللها للإنسان، علي أن يجاهد في سبيل ذلك، لذلك إمتلأ تاريخ الكنيسة بالقديسين.

ولوياثان. الحية الملفوفة هو إشارة لإبليس. وسواء في مواصفات بهيموث أو مواصفات لوياثان نلمس أن التصوير يخرج عن أي واقع ملموس مما نراه في الحيوانات التي علي الأرض. وربما هو تصوير لجأ لخيال الشعراء ليصور قوتهم، أو هو أخذ من الأساطير المصرية هذه المواصفات لحيوانات أسطورية. ولكن الله الذي أوحي بكل ما كتب سمح بهذا لنري فيه صورة للقوة غير العادية سواء للشهوة أو لإبليس. والله وحده هو القادر أن يهزم لنا إبليس ويضربه ويذلله. بل هذا ما رأيناه في الأيات التي ذكر فيها لوياثان. والله هو الذي سيعطينا الخلاص منه، حينما يأتي بالخلاص مز 10:74-14. وراجع أش 1:27 نجد وعداً بأن الله سيضربه بسيفه. ونلاحظ من الأيات المذكورة فيها إسم لوياثان أنه وحش بحري. فالعالم مشبه بالبحر

1.       متقلب كأمواج البحر، يوماً يكون فيه الإنسان إلي فوق وآخر إلي تحت.

2.       وكما أنه غير مضمون فهو كماء البحر المالح لا يروي بل يقتل.

هكذا فإبليس يستخدم العالم ليجذب أولاد الله بأن يغريهم بما في العالم وحينما ينجذبون يجرفهم العالم بتياراته القوية غير المضمونة العواقب، بل هي ستقودهم للهلاك كماء البحر القاتل. والله يَعِدْ أنه سيسحق لوياثان أخيراً. والتصوير الذي نراه هنا أن لوياثان الساكن البحر يجعله مضطرباً 31:41. فهو رئيس هذا العالم، يقدر أن يعطي لمن يسجد له أن يمتلكه (يو 30:14 + مت 9:4) ولكن يا ويل من يستجيب فمصيره الهلاك. بل هو سيعاني من إضطراب كل الأمور حوله إذا إنجذب من شهواته فإبليس يهيج العالم كما يهيج لوياثان البحر الساكن فيه. ونلاحظ أن إبليس قد شبه بالحية وفي رؤ 2:13 شبه ضد المسيح بوحش شبه نمر وقوائمه كقوائم دب وفمه كفم أسد وأعطاه التنين قدرته. علامة علي دمويته. وفي رؤ 13 نجد وحشين. الأول خارج من البحر رؤ 1:13 والأخر خارج من الأرض رؤ 11:13. ووراء الوحشين إبليس الحية القديمة. ومصير هذه الحية البحيرة المتقدة بالنار ومعها الوحوش. رؤ 20:19. فإبليس يحارب كيفما شاء ولكن الله وحده هو المسيطر عليه والقادر علي إخضاعه. وسيهلكه أخيراً. والآن ما هي الصورة التي يراها كل إنسان من تصوير سلطة الله علي الخليقة:-

نري الله كإله ضابط الكل، مسيطراً علي كل القوي المحيطة بنا سواء منظورة أو غير منظورة، الكواكب والسماء، الأرض والبحر، الحيوانات بكل أنواعها، إبليس وكل أعوانه، بل حتي الشهوة التي في داخل الإنسان. هي صورة تعطي طمأنينة وثقة في إلهنا القادر علي كل شئ.

الأيات 15-24:- "هوذا بهيموث الذي صنعته معك ياكل العشب مثل البقر، ها هي قوته في متنيه وشدته في عضل بطنه، يخفض ذنبه كارزة عروق فخذيه مضفورة، عظامه انابيب نحاس جرمها حديد ممطول، هو اول اعمال الله الذي صنعه اعطاه سيفه، لان الجبال تخرج له مرعى وجميع وحوش البر تلعب هناك، تحت السدرات يضطجع في ستر القصب والغمقة، تظلله السدرات بظلها يحيط به صفصاف السواقي، هوذا النهر يفيض فلا يفر هو يطمئن ولو اندفق الاردن في فمه، هل يؤخذ من امامه هل يثقب انفه بخزامة".

 بهيموث= فرس البحر(سيد قشطة). وهو موجود في أنهار إفريقيا ومنها نهر النيل. وهو ضخم جداً وفمه عريض وأنيابه ضخمة وجلده سميك وقاسى جداً حتي الرصاص لا يكاد يخترقه. ولا يأكل سوي العشب والنباتات.

صنعته معك¨= حتي لا يفتخر أيوب بل يتذكر أنه هو أيضاً من جملة خلائق الله. بل إن الله بوحي من روحه القدوس أتي بموضوع بهيموث بعد أن أثبت لأيوب عجزه عن أن يسيطر علي الأشرار، وذلك ليضعه مرة أخري أمام التساؤل، لقد إعترضت علي أن الظالمين يتحكمون في العالم، فهل تستطيع أن تدير أنت شئون العالم الأدبية وتسيطر علي الأشرار، إن كنت لا تستطيع أن تسيطر علي العالم المادي وعلي حيوان مثل بهيموث. وإذا فهمنا أن بهيموث يشير للشهوة داخل الإنسان نفهم أن الله قد خلق الإنسان وخلق معه الشهوة، ولكن حين خلق الله الشهوة كانت شهوة مقدسة وحب مقدس لم تلوثه الخطية، فإذا قال داود في المزمور مز 4:27 واحدة سألت من الرب وأياها ألتمس. أن أسكن في بيت الرب كل أيام حياتي لكي أنظر إلي جمال الرب وأتفرس في هيكله. ويقول بولس الرسول "لي أشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح فذاك أفضل جداً في 23:1( رو 12:6+ غل 17:5+أف3:2+ 2 بط10:2+ لو15:22+ 1تس17:2+ مز20:119). فماذا كان الحال قبل السقوط؟ من المؤكد كانت شهوة آدم هي وجوده المستمر في حضرة الله. آدم يشتاق لله ويحب الله، هذه هي الشهوة التي خلق الله آدم بها. ولكن للأسف فسدت الصورة المثالية التي خلق الله الإنسان بها، وإنحرفت شهوة الإنسان.

يأكل العشب مثل البقر= مع كل حجمه وقوته فهو يتغذي علي العشب، مثل البقر، ولا يفترس الحيوانات ليأكلها. وفي آية (20) لأن الجبال تخرج له مرعي= طعامه النبات

وجميع وحوش البر تلعب هناك= لأنه حيوان نباتي فالحيوانات الصغيرة لا تخافه فهو لا يأكلها بل تلعب بجانبه. وهذا من صلاح الله فلو كانت الحيوانات الضخمة مثل سيد قشطة والفيل من أكلات اللحوم ما تركت حيوان حي بجانبها

ولو فهمنا أن بهيموث يشير للشهوة نفهم أن الجبال تخرج له مرعي= بأن شعب الله الذين هم كالجبال (أش 2:2)، هم الذين بحريتهم يقدمون المرعي لشهوتهم، إن تركوا لشهواتهم العنان ولكن الخطورة أن جميع وحوش البر تلعب هناك. فحيثما سمح إبن الله لشهواته أن تنطلق سيعرض نفسه لمخاطرة كثيرة من الوحوش المفترسة. ونحن نعلم أن خصمنا إبليس يجول كأسد زائر يلتمس من يبتلعه.

ولنري قوة بهيموث يخفض ذنبه كأرزة= فعضلاته قوية وصلابته كالخشب عظامه أنابيب نحاس. جرمها حديد ممطول= مترجمة عن اليسوعيين "عظامه قصب من نحاس وغضاريفه حديد مطرق". وترجمتها الإنجليزية "عظامه قصب من نحاس وضلوعه حديد (قضبان حديدية). عروق فخذيه مضفورة= أي قوية ومتشابكة فعظامه وعروقه وأطرافه لو قورنت بباقي الحيوانات تظهر كأنها حديد ونحاس.

ملحوظة:- من يرفض أن يصوم حسب نظام كنيستنا أي علي الطعام النباتي ألا يلاحظ قوة هذا الحيوان وهو نباتي وهكذا الفيل مثلاً.

هو أول أعمال الله¨. الذي صنعه أعطاه سيفه= "هو أول طرق الله في الخلق" (بحسب ترجمة اليسوعيين والإنجليزية). قد تعني أنها اكبر أعمال الله من ناحية الخليقة الحيوانية. وسيفه هو أنيابه التي يقطع بها الحشائش كما بخجل.

أو إذا فهمنا أن بهيموث يشير للشهوة. فالله خلق فينا الشهوة، وهي في صورتها الأولي عبارة عن طاقة حب مقدسة كالسيف تقطع كل إرادة خاطئة وترفضها ويكفي أن نسمع قول بولس الرسول في( رو 35:8-39)، أو تري الشهداء ذاهبين لساحات الإستشهاد في فرح مسبحين لتعرف قوة شهوة الحب التي فاقت علي قوة رهبة الموت. ولكنها متي إنحرفت صارت قوة رهيبة مدمرة للإنسان وتصير كسيف يقطع ويدمر كل ما هو حلو ومفرح ومعزى فى حياته. (مراثى1:4) تحت السترات يضطجع= هو نبات ينمو في مصر علي شطوط النيل وأوراقه كبيرة وأزهاره منها ما هو أبيض ومنها ما هو أزرق (ومترجم في بعض الترجمات اللوتس)

ملحوظة:-

1.        هو يضطجع في سلام لأنه آكل نباتات فالحيوانات لا تهرب منه، وهو لا يخاف من أحد، فمن

 يُرعِب الآخرين يعيش هو أيضاً في رعب. ومن يحيا في سلام مع الأخرين لا يحمل لهم شراً يحيا

 هو أيضاً في سلام مع نفسه.

2- هذا الحيوان لا يأكل اللحوم ولكن لشراهته يدمر كل ما هو أخضر، حتي أنه يبحث في الجبال عن

 كميات تكفيه. وشهوة الإنسان إذا إشتعلت بالخطية تدمر كل ما هو أخضر فيه، أي كل ما هو

 مفرح وحي فيه.

هوذا النهر يفيض فلا يفر هو، يطمئن ولو إندفق الأردن في فمه= يظهر نهمه في أن لا يكفيه أي كميات من الماء، بل هو يفرح كلما إزدادت كميات المياه ولو كانت كل نهر الأردن. وهو تصوير شعري يعبر عن نهمه وقوته وسعة معدته. ولكننا نفهمها بأسلوب روحي إذا فهمنا أن بهيموث يشير للشهوة ومحبة العالم فالإنسان الدنيوي لا يكتفي بما يملك، ومهما أخذ فهو يريد المزيد، ونلاحظ أن المسيح قال للسامرية عن العالم "من يشرب من هذا الماء يعطش يو 13:4 وأما من يعطش للماء الذي يعطيه المسيح فهو لا يعود يعطش لماء العالم بل تجري من بطنه أنهار ماء حي (قارن يو 14:4 مع يو 37:7، 38)

فالإنسان الدنيوي الذي يشتهي العالم، لا يكفيه كل العالم في نهمه، مثال:- سليمان حينما ترك نفسه وراء شهوة النساء، كان له 1000 زوجة وسرية. وداود بقدر ما كان له إشتهي بثشبع زوجة أوريا. أما يوسف الذي رفض الخطية فاض منه أنهار ماء حي أشبعت العالم. وكل من يرفض الخطية يمتلئ بل يفيض من الروح القدس علي الآخرين. أما هذا العالم بشهوته وأمجاده الزائلة فسيجف رؤ 12:16.

ونلاحظ أن كلمة الأردن معناها الذي ينزل إلي أسفل. إشارة للإنسان الذي لا يشبع من ثروات وشهوات هذا العالم السفلي. وآية (24) مع قوة بهيموث هل تستطيع يا أيوب أن تسيطر عليه أو تأخذ شيئاً من أمامه أو تثقب أنفه بخزامة


 

الإصحاح الحادي والأربعون

بهيموث ولوياثان ربما يكونان وصف لفرس النهر (سيد قشطة) وللتمساح. ولكن نجد في أوصافهما مبالغات شديدة والسبب في ذلك:-

1.       قد يكون بهيموث ولوياثان حيوانات منقرضة تشبه سيد قشطة والتمساح.

2.       قد يكون كاتب السفر إستفاد من أوصاف شعرية مصرية لحيوانين مرعبين لهما هذه الأسماء،

 وبحسب الثقافة المصرية وجد الكاتب هذه المواصفات فإقتبسها.

3.       قد يكون كلاهما رمز لقوي غير مرئية كما سبق وقلنا.

والله الذي أوحي للكاتب بما كتب وافق علي هذه الإقتباسات لأنها معبرة عن مدي قوة القوي المعادية للإنسان وإمكانية هذه القوي أن تدمره لولا يد الله التي تعين الإنسان. ونري أنه بنفس الفكر صور سفر الرؤيا ضد المسيح الذي سيكون له قوة الشيطان كاملة بأن له قوائم دب وفمه كفم أسد وهو شبه نمر. إذاً التشبيهات موجودة في الكتاب المقدس. والأسد نفسه مشبه بالشيطان 1بط 8:5. وبولس يقول حاربت وحوشاً في أفسس 1كو 32:15. والمسيح يقول أرسلتكم كحملان وسط ذئاب. فتكون هذه التشبيهات كلها للشرح.

وفي هذا الإصحاح يكلمنا الوحي عن لوياثان، وهو إقتبس صورة لوحش مصري أو تشبيه للتمساح مبالغ فيه ليرمز للشيطان وفيه نري بعض مواصفات الشيطان.

1.       أنه جبار في قوته. . . . دائرة أسنانه مرعبة (آية 14). . . والمسيح قال عن إبليس أنه كان قتالاً للناس

 منذ البدء (يو 44:8)

2.       الإنسان وحده غير قادر عليه "أتصطاد لوياثان بشص(1) = بدوني لا تقدروا أن تفعلوا شئ. . . ويكمل بولس الرسول "أستطيع كل شئ في المسيح الذي يقويني.

3.       قاسى جداً. . . قلبه صلب كالحجر (24)

4.       من يسير وراء ينخذع. . . . هوذا الرجاء به كاذب آية (9)

5.       هو في حمآية من أعدائه. . . مطاوي لحمه متلاصقة (23) فالبشر وحدهم لا يطولونه.

6.       رغبته الشديدة في هلاك البشر، هذه هي إرادته، فهو في حالة حقد وغليان ضد الإنسان. . . . من فيه تخرج مصابيح. شرار نار تتطاير منه الأيات (18-21)

وهذه المواصفات قطعاً لا توجد في أي حيوان معروف أو غير معروف، فلا يوجد حيوان خلقه الله يتطاير منه الشرار، أو يخرج دخان من منخريه، إنما هو تعبير شعري أو رمزي لقوة حقد إبليس ضد البشر وأنه لا يهدأ إن لم يسقط القديسين في خطايا مهلكة، ولنري مثالاً لقوته، لو لم يقصر الرب تلك الأيام لم يخلص جسد. لكن يضلوا لو أمكن المختارين أيضاً. مر 20:13، 22. ولكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين مت 12:24.

وكلمة لوياثان leviathan وأصل الكلمة من lava بمعني ينشق أو يقرض. وهذا ينطبق تمام الإنطباق علي إبليس الذي يقرض الإنسان الخطايا التي تشتهيها نفسه، ثم يطالبه بسداد الدين عبودية له "أعطيك كل هذه إن خررت وسجدت لي" وفي السجود لإبليس إنشقاق وإنفصال عن الله. ولكن كان البشر قبل المسيح في موقف العاجز أمام إبليس، حتي جاء المسيح وإشترانا وسدد الديون عنا

آية 1:- "اتصطاد لوياثان بشص او تضغط لسانه بحبل".

 أتصطاد لوياثان بشص أو تضغط لسانه بحبل= نلاحظ هنا اللهجة التهكمية بمعني هل تستطيع أن تفعل هذا يا أيوب مع التمساح، أو هذا اللوياثان، أنت لا تقدر. وبنفس المعني، أنت يا أيوب لا تقدر أن تخلص نفسك من يد إبليس، فكل الضربات التي أتتك هى منه، وأنت لا تقدر علي أن تخلص نفسك منه سوي بواسطتي. وهذا الكلام موجه لكل البشر فنحن أعجز من أن نخلص من يده سوي بواسطة المسيح. وإذا كان سفر أيوب قد بدأ بضربات موجعة وجهها إبليس لأيوب، فها هو السفر ينتهي وأيوب أفضل حالاً بالضعف عن حالته أولي، وهذا بالضبط ما عمله المسيح، فالمسيح بكرنا جاء ليجعلنا أبكاراً لنرث معه وهو حررنا لنصير أبناء وارثين. فنحن كبشر ضعاف لا يمكننا أن نصطاد لوياثان بشص ولكنه هو صنع حين قيده بصليبه 1000 سنة بعد معركة الصليب رؤ 1:20-3

ونلاحظ أن كلمة لوياثان عبرية معناها الملتوي أو الملتف، لذلك نفهم أنها قطعاً تشير إلى الثعبان، ولكن المواصفات مواصفات تمساح. فإبليس له قوة التمساح ومكر وسم الحية. ولقد ترجمت كلمة لوياثان بالتنين كثيراً (أي 8:3). والترجمات المختلفة للكلمة راجعة غالباً لأن المترجمين لم يعرفوا بالضبط معناها، أو لأن التصوير اليهودي لهذا اللوياثان أنه وحش بحري له مواصفات مخيفة أسموه اللوياثان أو التنين. والتمساح يوجد في أنهار إفريقيا وأمريكا وطوله يصل إلي 10 أمتار وجسمه مغطي بحراشيف قرنية تمنع دخول الرماح والسهام فيه، وفمه كبير جداً وأسنانه كثيرة وحادة يأكل الحيات ولكنه يبلعها كما هي بلا مضع. ويتنفس كحيوانات اليابس ولكنه غالباً يطفو علي وجه الماء ولا يري فوق الماء، إلا الماء المندفع منه. ويقدر أن يبقي تحت الماء زماناً. وقوله أتصطاده بشص= الشص لا يصلح سوي لصيد السمك الصغير وقطعاً لا يصلح للتمساح. تضغط لسانه بحبل= حبل يوضع في فمه لإذلاله.

الأيات 2-11:- "اتضع اسلة في خطمه ام تثقب فكه بخزامة، ايكثر التضرعات اليك ام يتكلم معك باللين، هل يقطع معك عهدا فتتخذه عبدا مؤبدا، اتلعب معه كالعصفور او تربطه لاجل فتياتك، هل تحفر جماعة الصيادين لاجله حفرة او يقسمونه بين الكنعانيين، اتملا جلده حرابا وراسه بالال السمك، ضع يدك عليه لا تعد تذكر القتال، هوذا الرجاء به كاذب الا يكب ايضا برؤيته، ليس من شجاع يوقظه فمن يقف اذا بوجهي، من تقدمني فاوفيه ما تحت كل السماوات هو لي".

 الأسلة= الأسل عيدان تنبت بلا ورق يعمل منها الحصر في مصر والمفرد أسلة. ويصنع منها حبال. والمعني أن الإنسان لا يستطيع أن يضع حبلاً في خطم التمساح أي أنفه. أو خزامة في فكه ليقوده مثل باقي البهائم. هل يقطع معك عهد أي هل تستأمنه في عهد ليخدمك كما تفعل مع الحيوانات المستأنسة. الكنعانيين= هو لفظ يطلق علي التجار= أي أن صيد التمساح والتجارة فيه خطر جداً. إلال السمك= الحراب الصغيرة التي تستخدم في صيد السمك. ونعرف أن جسمه مصفح ضد الحراب. ضع يدك عليه لا تعود تذكر القتال= هي سخرية، فمن يحاول أن يقترب من التمساح سيمزقه ويموت. [ولكن بالمفهوم الروحي، فمن يقترب من إبليس ينسى الجهاد الروحي. مثال إنسان قديس، ظن بجهل أنه صار قوياً غير قابل لأن يخطئ، فيذهب لأماكن خاطئة هي عرين إبليس الأسد الزائر. وهنا لا يعود يذكر جهاده وقتاله ضد إبليس. "كل من يظن أنه قائم فليحذر لئلا يسقط".

هوذا الرجاء به كاذب= من يظن أنه في أمان ويأتي ليلعب مع التسماح يخدعه ويقتله وهكذا كل من يظن أنه يسير في طريق إبليس ويتصور أنه قادر علي النجاة.

ألا يكب ايضاً برؤيته= يُكَبْ أي يقلب علي وجهه ويسقط علي الأرض من يراه فقط.

من يقف إذا بوجهه= إذا كنت لا تستطيع أن تقف أمام خليقتي يا أيوب فهل تقف أمامي. والله يدعوه أن يلتمس سلامه مع مخلوق كهذا، وبالأولي أن يتصالح مع الله ليلتمس سلامه. فعليك يا أيوب أن تتصالح معي ولاتهاجمني فهذا أفضل لك. من تقدمني فأوفيه= هي نفسها رو 35:11 فالله ليس مديناً لأحد، بل هو الذي أعطانا كل شئ، فكيف نناقشه.

الأيات 12-34:- "لا اسكت عن اعضائه وخبر قوته وبهجة عدته، من يكشف وجه لبسه ومن يدنو من مثنى لجمته، من يفتح مصراعي فمه دائرة اسنانه مرعبة، فخره مجان مانعة محكمة مضغوطة بخاتم، الواحد يمس الاخر فالريح لا تدخل بينها، كل منها ملتصق بصاحبه متلكدة لا تنفصل، عطاسه يبعث نورا وعيناه كهدب الصبح، من فيه تخرج مصابيح شرار نار تتطاير منه، من منخريه يخرج دخان كانه من قدر منفوخ او من مرجل، نفسه يشعل جمرا ولهيب يخرج من فيه، في عنقه تبيت القوة وامامه يدوس الهول، مطاوي لحمه متلاصقة مسبوكة عليه لا تتحرك، قلبه صلب كالحجر وقاس كالرحى، عند نهوضه تفزع الاقوياء من المخاوف يتيهون، سيف الذي يلحقه لا يقوم ولا رمح ولا مزراق ولا درع، يحسب الحديد كالتبن والنحاس كالعود النخر، لا يستفزه نبل القوس حجارة المقلاع ترجع عنه كالقش، يحسب المقمعة كقش ويضحك على اهتزاز الرمح، تحته قطع خزف حادة يمدد نورجا على الطين، يجعل العمق يغلي كالقدر ويجعل البحر كقدر عطارة، يضيء السبيل وراءه فيحسب اللج اشيب، ليس له في الارض نظير صنع لعدم الخوف، يشرف على كل متعال هو ملك على كل بني الكبرياء".

 إستمرار لوصف قوة التمساح كخليقة قوية مرعبة تثبت قوة الله وقدرته علي الخلق. ورمزاً لإبليس بقوته الهائلة ودمويته وحقده علي البشر.

لا أسكت علي أعضائه= دعني أحدثك عن وصف قوة أعضاء لوياثان. بهجة عدته أي حراشفه وهي مبهجة لأنها توافق حاجته في الحمآية ضد أعدائه، وترد ضرباتهم كأنها من نحاس ومع ذلك فهي خفيفة ولينة ولا تمنع التمساح من الدوران والسير في الماء بسرعة عجيبة. من يكشف وجه لبسه= لبسه أي حراشفه، فهل يقدر أحد أن يجرده من حراشفه أولاً ليحاربه. من يدنو من مثني لجمته= فللتمساح صفان من الأضراس (36 ضرس من فوق، 30 من تحت) وهي كأسنان المنشار وحينما يغلق فمه تشتبك الأسنان بعضها ببعض فلا يمكن الخلاص منه. مثني لجمته= صفي أضراسه

وفي (15-17). وصف لحراشفه، فهي كالمجن (الترس الذي يستخدمه المحارب للدفع عن نفسه). وهي محكمة مضغوطة بعضها علي بعض، ومختومة فلا تدخل الريح منها. فهو في حمآية حراشفه في أمان تام، وكان إبليس يظن قبل الصليب أنه في أمان تام. ونحن لا نستطيع أن نهاجم إبليس بدون المسيح فهو اقوي بما لا يقاس بالمقارنة مع البشر ولكنه أضعف بما لا يقاس من الله. وإذا كان الله معنا فمن علينا.

وفي (18-21) يتنفس التمساح ويمسك في داخله الهواء الذي تنفسه، وهو يأخذ كمية كبيرة من الهواء حتي ينتفخ ثم يغطس في الماء، ويخرج نفسه من منخريه، فيظهر هذا في نور الشمس¨ كأنه شرار نار ومصابيح. وفي الكتابات المصرية وجد أنهم يقولون عن عيني التمساح أنها كنآية عن الصبح. والهواء الخارج من منخريه يكون ساخن بسبب سخونة جسمه. ولكن واضح أن الوصف فيه مبالغات شعرية مأخوذة من الأساطير المصرية. والله سمح بهذا لأن فيه رمزاً لحقد إبليس وغضبه علي البشر. ويل لساكني الأرض والبحر لأن إبليس نزل إليكم وبه غضب عظيم رؤ 12:12 (ومازلنا حتي الأن نقول عن الإنسان الغضوب أن عينيه يخرجان شراراً)

ملحوظة:- إذا كان غضب إبليس بهذا الكم المخيف وهذا التصوير المرعب فكم وكم يكون غضب الله علي الأشرار. وراجع مز 7:18، 8 + أش 33:30 + 2تس 8:2.

وفي (22-28) أمامه يدوس الهول= في ترجمات أخري "أمامه يرقص الهول" أو في ترجمة اليسوعيين أمامه يعدو الهول أي الحيوانات تجري أمامه وتعدو كمن يرقص أو كمن يترنح من الهول أو يتخبط في عدوه من شدة هلعه. فالتصوير هنا كأن الخوف هو خادم يمشي أمام التمساح فيهرب منه كل حي. مطاوي لحمه متلاصقة= أي ما تحت عنقه وبطنه، وهذه ليست لينة كما في باقي الحيوانات. بل هي لا تتحرك عند مشيه كالرحي= حجر الطاحونة صلب جداً، وهذا وصف لشجاعته في الهجوم علي فريسته يتيهون= يدهشون ويتيهون لإضطراب أفكارهم من الخوف. سيف الذي يلحقه لا يقوم أي إذا حاول إنسان أن يلاحقه ويضربه بسيف، لن يقوم سيف هذا الشخص مرة أخري، لأن في هذه المحاولة ستكون نهآية هذا الشخص. وحتي الأسلحة العادية مثل السيف والرمح والمزراق لا تصلح لضربه. والدرع لا يصلح في الحمآية منه وفي آية(29)المقمعة= خشبة يضربه بها الإنسان علي رأسه ليذله ويهينه.

ولنلاحظ أن الإنسان الخاطئ المستهتر يكون بلا قوة أمام إبليس وتصير أسلحته بلا نفع

وفي (30) تحته قطع خزف حادة، يمدد نورجاً علي الطين= بطنه كقطع الخزف الحادة تترك أثراً في الطين كأثر النورج. وإبليس لا يترك أثاره، ولا سلطة له إلا علي من عاش في الخطية (كالطين). فالله قال للحية "تراباً تاكلين كل أيام حياتك" وقال لآدم "إلي التراب تعود" بسبب خطيته فكل من يرجع لخطيته تاركاً طريق التوبة يكون للحية لوياثان سلطان عليه ويدوسه ويأكله.

وفي (31) المقصود بالبحر 1) النهر لو كان التمساح. . . . أو 2) العالم لو كان إبليس

فالتمساح بحركته العنيفة يهيج الطين في النهر ويجعله كقدر به أنواع من العطارة فيغلي فيقلب هذه التوابل داخله (أي ماء غير نقي). وهكذا إبليس في حركاته في هذا العالم فهو يجعله مضطرب كأنه قدر يغلي، ولكنه يخدع الذين ينجذبون له ببعض الملذات التي هي كعطور العطار، ولكن ما فائدتها في عالم يغلي. العطور في هذه الحالة تكون كقدور اللحوم والكرات لشعب الله بينما هم مستعبدين في مصر.

يضئ السبيل وراءه فيحسب اللج أشيب= من سرعته في حركته في المياه يترك وراءه خطاً من زبد أبيض فيخيل للناظر أن البحر قد وخطه الشيب (من رغاوي الماء).

وإبليس خداع يصور للخاطئ أن طريق الخطية طريق حلو كأنه مضئ.

وفي (33) صنع لعدم الخوف= حسب ترجمة اليسوعيين "وقد طبع علي عدم الخوف"

وفي (34) يشرف علي كل متعال. هو ملك علي كل بني الكبرياء= إن كان الكلام علي التمساح فهذا يعني أنه أقوي من كل الوحوش، لا يخافها بل يملك عليها. لكن الكلام يكون أوضح عن إبليس المتكبر والذي يملك علي كل متكبر. فكل متكبر هو تابع (لإبليس) والعكس فالله عند المنسحق يسكن وعند المتواضع يجد منزلاً أش 15:57. فالله يملك علي المتواضعين.

إلي هنا إنتهي رد الله علي أيوب لكن لم يوضح الله الأسباب والأمور التي أقلقت أيوب فلماذا؟

1.       لا أيوب ولا أصدقائه كانوا في ذلك الوقت قادرين علي فهم هذه الأمور. ونحن حتي الآن غير قادرين

 أن نفهم كل شئ.

2.       لم يكن الوقت مناسباً لشرح قضايا روحية كالقيامة والفداء وعمل الروح القدس المعزي.

3.       طالما لن يستطيع بشر أن يفهم كل أمور الله فعلينا أن نسلم لله.

4.       الله غير مطالب بتقديم تفسير عن كل تصرف، وما علينا إلا أن نقبل من يده كل شئ فهو بالتأكيد

 في صالحنا. وما حدث هنا أن الله أثبت لأيوب صلاحه ومحبته له. فما كان من أيوب إلا أن إستسلم

 ليدي الله كما يستسلم المريض ليدي جراح ماهر دون أن يسأله، ودون أن يدري ما يفعل الجراح، بل

 كل ما يعرفه أن فيما يفعله الشفاء. ومناقشات أيوب مع أصحابه زادته هياجاً، فالمنطق البشري لا

 يعزي إنسان، ولكن أيوب كان له سلام حينما تكلم معه الله، فالله ألقي سلامه عليه ليتقبل إرادته.

5.                 ونلاحظ أن الله تكلم مباشرة مع أيوب مستخدماً التشبيهات الطبيعة فلم يكن هناك كتاب مقدس.

6.       لو قال الله مثلاً لأيوب " أنا فعلت كذا وكذا فيك بسبب كذا وكذا. . . . . " لصار الله مطالباً بأن يرد على كل إنسان عبر العصور عن كل تصرف يعمله. ولكن هذا ضد كرامة الله. وكان رد الله على أيوب ملخصه " ثق فىَ وإن وثقت فىَ ستقبل أى شىء أفعله". ونحن ما علينا سوى أن نؤمن بالله صانع الخيرات القدير الذى يحبنا، وبذل إبنه عنا فكيف لا يهبنا معه أيضاً كل شىء رو 32:8. وبهذا نقبل أى أمر من الأمور التى يسمح بها الله فى حياتنا واثقين بأن هذا الأمر مهما كان صعباً فهو للخير ولخلاص نفوسنا.


 

الإصحاح الثاني والأربعون

قال سليمان "نهآية أمر خير من بدايته" جا 8:7. ونري هنا في هذا الإصحاح إثبات ذلك.

1.       عودة أيوب إلي الله وندمه عن كل الكلام الصعب الذي قاله. فكان من المحزن حقاً أن رجلاً كاملاً

 كأيوب يتخاصم مع الله.

2.       عودة الصداقة بين أيوب وأصحابه وإنتهاء الجدال بالمصالحة فكان من المحزن أيضاً أن

 هؤلاء الأصدقاء وكلهم كاملين نجدهم في إختلاف وخصام.

3.       نهآية أحزان وآلام أيوب، بل عاد له كل شئ مضاعفاً.

آية 1:- "فاجاب ايوب الرب فقال".

فأجاب أيوب الرب= لقد قال أيوب سابقاً أنه لن يتكم ثانية 4:40، 5 ولكنه كان يقصد أنه لن يتكلم كلام إحتجاج أو جدال مع الله، أو يبرر نفسه ثانية. ونجده هنا يتكلم كلمات توبة وشهادة لله. وما أحلي كلمات التوبة في أذني الله.

آية 2:- "قد علمت انك تستطيع كل شيء ولا يعسر عليك امر".

 لقد وصلت رسالة الله، وعلم أيوب أن الله يستطيع كل شئ. لقد بدأ أيوب كلمات التوبة في 4:40، 5. وهنا هو يكملها ليفرح السمائيين. فالسماء كلها تفرح بخاطئ واحد يتوب، وتفرح بكل متمرد علي الله حين يعلن خضوعه لله.

قد علمت أنك تستطيع كل شئ= هنا أيوب ينسب لله المعرفة والقوة اللانهائيين. فالتصرفات الفاسدة والإحتجاج ضد الله ينشئ مبادئ فاسدة منها عدم تصديق الحقائق الإلهية. أما التوبة الصادقة فعلامتها تصديق المبادئ الإلهية والحق الإلهي، 2تي 25:2. لقد أمن أيوب أنه من الصعب أن يتخاصم مع الله القدير. وإذا كان أيوب قد إعترف هنا بأن الله يستطيع كل شئ، فقد إعترف ضمناً أن الله قادر أن يرفع عنه آلامه، الأمر الذي كان ينكره قبل ذلك. ولقد سبق أيوب في مرارته السابقة أن قال هذا المعني أن الله يستطيع كل شئ ولكنه قالها بنوع من اليأس والشكوي من إله جبار يسحق من يريد 13:23. ولكنه يقولها الآن بفرح علي أن الله قادر أن يخلصه.

آية 3:- "فمن ذا الذي يخفي القضاء بلا معرفة ولكني قد نطقت بما لم افهم بعجائب فوقي لم اعرفها".

 لقد وبخ الله أيوب في 2:38 حين قال "من هذا الذي يظلم القضاء بكلام بلا معرفة" وهنا يرد أيوب علي الله معترفاً بإنسحاق وخجل بأنه هو هذا الشخص، فهو يعترف بغبائه وجهله أنه فعل هذا. وإعترف بخطيته السابقة. لقد شعر أيوب هنا بفظاعة خطيته التي عملها حين إتهم الله بالظلم في قضائه ضده، وفي أنه تشاجر مع الله ليبرر نفسه. فأمور الله وقضائه أعلي من أن نفهمه. ولكن علينا أن نقر بأن الله لا يخطئ فيما يفعل ولكننا نحن الذين لا نفهم. وهنا كأن أيوب يقول"أنا أعترف بخطأي فأنا الذي أخفيت القضاء" وبدآية طريق الشفاء من الخطية أن يدرك الإنسان خطورتها وأنها قاتلة.

آية 4:- "اسمع الان وانا اتكلم اسالك فتعلمني".

إسمع الآن= يقولها أيوب ليس بكلمات إحتجاج بل بروح الصلاة والتضرع. وهنا يقولها بروح مخالفة لما قاله من قبل في 22:13 + 15:9. فما قاله من قبل كان يريد أن يتكلم أمام الله كخصم ليبرر نفسه أمام الله. ولكنه هنا يتكلم كتائب يريد أن يتعلم وليس كمن يريد أن يُعَلِم. وكأن لسان حاله يقول "لا تلقي عليَ يارب مزيداً من الأسئلة المحيرة فقد إقتنعت بجهلي وأريد أن أقف أمامك كجاهل لتعلمني"

آية 5:- "بسمع الاذن قد سمعت عنك والان راتك عيني".

يسمع الأذن قد سمعت عنك والآن رأتك عيني. ما أحلي التوبة وأقواها، فهي تنقي القلب فيعاين الله "طوبي لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله"

لقد سمع أيوب عن الله من الآخرين، سمع عن قدرته وعظمته ومراحمه والآن هو قد إختبر هذا كله= رأتك عيني. فالسمع فقط يكون للعقل، وهذا وحده يثير الجدل الذي ينشأ من البر الذاتي، والسمع فقط لا يمنع البر الذاتي. أما الرؤيا فهي للقلب، وهي بعكس السمع تدعو التائب الحقيقي ليصمت في حضرة الله شاعراً بعدم استحقاقه فالرؤيا تدعو للتواضع، وكلما إزداد الإنسان معرفة بالله إزداد تواضعاً فهو سوف يري حقارته بالنسبة لعظمة الله، وسيدرك جهله فيكف عن المناقشة والجدال.

حين كان أيوب في الماضي يسمع فقط عن الله طلب في بره الذاتي أن يتناقش مع الله. والآن بعد توبته وبعد أن رأي الله وإختبره سكت ولم يتكلم حتي يتعلم من الله.

وعمل الخدام أن يعلموا الناس عن الله، أن يسمعوهم عن الله. أما عمل الروح القدس فهو أن يفتح أعين قلوبنا لنري الله. بل أن يعلن المسيح فينا غل 16:1 فيحولنا إلي صورته 2كو 18:3. عمل الخدام أن يعطوننا معرفة ولكن عمل الله نفسه يذهب إلي أبعد من المعرفة النظرية، يذهب إلي حد الإعلان عن نفسه داخلنا فكأننا رأيناه. وأيوب وصل لهذا الإختبار بعد أن أدبه الله، فالله إذا سمح بعصاه لتؤدب أولاده فهي تعطي حكمة وإستنارة.

وهناك كثيرين سمعوا عن الله من العائلة ومن الكنيسة ولكن قليلين هم الذي رأوا الله، قليلين هم الذين صنع الله عندهم منزلاً وأعلن ذاته لهم، وحتي يصنع الله ذلك هناك شرط أن نحفظ وصاياه. هنا يعلن الله له ذاته (يو 21:14-26) + (مت 8:5).

آية 6:- "لذلك ارفض واندم في التراب والرماد".

 لذلك أرفض وأندم في التراب والرماد= في آية (5) كانت عينا أيوب علي الله الذي رآه وهنا نجد عينيه علي نفسه، فرأي حقيقة حاله فندم في التراب. ورفض نفسه كما قيل في حزقيال 9:6 + 43:20 + 31:36. ومن تكرار هذه الجملة في نفس السفر نفهم أنها علامة من علامات التوبة أن يكره الإنسان نفسه بسبب نجاساته.

هنا نجد أن روح الله الذي بكت أيوب قد أقنعه إقناعاً كاملاً. فكانت توبته من قلبه وليس من شفتيه. لقد كان رفضه لحالته الخاطئة شعوراً داخلياً وليس شعوراً سطحياً. لقد سبق ورقد أيوب في الرماد حزناً علي آلامه والأن كتائب حقيقي يندم في التراب والرماد، فمن المؤكد أن التائب الحقيقي يشعر أن خطاياه محزنة جداً أكثر من آلامه الجسدية. والتائب الحقيقي يندم علي أنه صار هكذا أمام الله القدوس. وبقدر ما نري مجد الله وحقيقة أنفسنا سنحتقر أنفسنا.

ولقد جاءت كلمة أرفض في الأنجليزية(يمقت بشدة ويشمئز). والكلمة في أصلها العبري جاءت بمعني أختفي أو أسحب نفسي وأختفي. هنا نري أيوب ينكمش أكثر وأكثر. هو سبق وقال أنا حقير. ولكنه هنا يقول"أريد أن أتلاشئ نهائياً" أمسح نفسي من الوجود وأخلي نفسي من المركز الذي إتخذته سابقاً أو ظننت نفسي فيه. لقد سبق أليفاز ونصحه بأن يلقي التبر علي التراب ليرى الله ويعرفه ولكنه هنا لم يكتفي بأن يلقي التبر فقط بل ألقي نفسه وتلاشي بالكلية أمام الله القدير. وهذا لا يأتي لنا سوي بالتوبة. ولكن هذا ليس نهآية الطريق. . . فأيوب توقف عند الجانب السلبي من التوبة ولكن بولس وصل للجانب الإيجابي منها حين قال "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَ. فبالتوبة تشرق رؤيا الله علي الإنسان فيأتي وجهاً لوجه أمام الله فيشعر أنه لا شئ وتتلاشي ذاته أمام الله. ولكن المسيح سيحيا فيه ليرفعه من التراب إلي ملء الحياة. فلا قيامة بدون صليب(صلب الأهواء والشهوات)

آية 7:- "و كان بعدما تكلم الرب مع ايوب بهذا الكلام ان الرب قال لاليفاز التيماني قد احتمى غضبي عليك وعلى كلا صاحبيك لانكم لم تقولوا في الصواب كعبدي ايوب".

 إبتداء من هذه الآية عاد الكاتب يكتب نثراً لا شعراً.

ونري هنا الله يشهد ببر أيوب. ونلاحظ أن الله يكرر قوله "عبدي أيوب" 4مرات في الأيتين (8، 7) وقبل ذلك قالها في 8:1، 3:2. وهذا يشير لرضا الله، وأن الله يفرح بأن عبده أيوب يعبده بأمانة وها هو يشهد له. وإذا شهد الله لإنسان فماذا يهم هذا الإنسان إذا قال عنه الآخرون أي شئ، فإذا مدحوه فلن يزيدوه كرامة بعد أن كرمه الله وإذا إتهموه بالشر فهذا لن ينقصه شيئاً بعد أن شهد له الله. والله شهد لأيوب ببره ولكنه كان يؤدبه كإبن، كان يؤدبه بينما هو يشهد لبره أمام الأخرين. وفي أثناء التأديب قد تخفي سحب التأديب والآلام بر البار. لكن سريعاً ما يسمح الله ويزيل هذه السحب ليبرر الله عبده البار أمام الآخرين "مز 6:37"

قد إحتمي غضبي عليك وعلي كلا صاحبيك= لأنهم أدانوا أيوب بلا مبرر والله لا يحب أن أحداً يدين الآخرين فالدينونة هي عمله وحده فهو الديان العادل، بل هم بدلاً من أن يقوموا بدور المصالحة بين الله وبين أيوب حولوا جدالهم وتعزيتهم إلي صراع شخصي مع أيوب حاولوا من خلاله الإنتصار عليه بلا مبرر. وكلام أصحاب أيوب كان كله حكمة وشهادة لله، لكن الله رأي خطأ الإدانة في قلوبهم فلامهم علي ذلك. ولقد نطق أيوب ببعض الأخطاء لكنه شهد لله ولم ينكره ولم يجدف، والله سامحه إذ قالها في مرارة آلامه العنيفة، ولكنه لام الأصحاب بشدة علي إتهاماتهم لأيوب فهم لم يكونوا في مرارة نفس مثله، بل وهم في كامل صحتهم وإزدهارهم كانوا في منتهي القسوة علي أيوب بلا أي محبة أو شفقة. وربما كان كلام أيوب أفضل منهم فهو بروح النبوة رأي خلاص المسيح، وهو رأي أن مكافأة الأبرار تكون في العالم الآخر بينما أصر الأصحاب أنها لابد أن تكون هنا علي الأرض. وكان كلام أيوب أفضل فهو في كل جداله كان يبحث عن الحق وكان سؤاله "لماذا يسمح الله بالآلام للأبرار" هو حقاً في إحتداده فقد الرؤية الصحيحة، لكنه كان يبحث عن الحق بينما كان كل هم أصحابه أن يدينوه. والله لم يوجه أي إدانة لأليهو لأنه شهد للرب وكان خادماً أميناً. بل هو وحده الذي أجاب علي سؤال أيوب، أن الله يسمح بالتأديب للبار. فالألم هو للتأديب.

آية 8:- "و الان فخذوا لانفسكم سبعة ثيران وسبعة كباش واذهبوا الى عبدي ايوب واصعدوا محرقة لاجل انفسكم وعبدي ايوب يصلي من اجلكم لاني ارفع وجهه لئلا اصنع معكم حسب حماقتكم لانكم لم تقولوا في الصواب كعبدي ايوب".

 نري هنا أيوب بعد أن كان كشحاذ وسط أصدقائه وكانوا هم كأمراء، أن الله قلب الأوضاع. فرفع أيوب من المزبلة بعد أن جعله تائباً متواضعاً (لو 52:1). فرفعه وكرمه وعزاه. وهكذا لكي نتعزي بتعزيات الله علينا أن نخضع أولاً لتبكيت الروح القدس داخلنا ونتواضع أمام الله. بل جعل الله أيوب كاهناً وشفيعاً عن أصحابه، وهكذا عمل مع إبراهيم تك7:20. فالله يكرم الذين يكرمونه. هنا أعاده الله لسابق عهده حين كان يقدم ذبائح عن أولاده، بل جعله رمزاً للمسيح الذي يشفع في البشر

حسب حماقتكم= لأنهم كانوا معجبين بأنفسهم وبكلامهم، يظنون أن كلامهم هو منتهي الحكمة ولكنه إذ كان مملوءاً عداوة وإدانة لأيوب كان في نظر الله حماقة. فعلينا أن نتواضع. ولا نسمع هنا عن ذبائح خطية فهذه بدأت مع موسي. ورقم 7 هو رقم الكمال.

آية 9:- "فذهب اليفاز التيماني وبلدد الشوحي وصوفر النعماتي وفعلوا كما قال الرب لهم ورفع الرب وجه ايوب".

حينما قدم أيوب ذبائح عن أصحابه علم الله الأصحاب التواضع فهم كانوا يظنون أنهم الأقرب للسماء، فأظهر الله لهم العكس. هم ظنوا أنهم أحباب الله المقربين منه لأنهم في صحة ولم يمسهم شر بينما أيوب هو رجل شرير لذلك ضربه الله بهذه الألام. فأظهر الله عدم صحة نظريتهم. ولاحظ أن الصراع بين أيوب وأصحابه لم ينتهي بجدال جديد بل الكل تصالح في الذبيحة(لذلك نبدأ قداساتنا بصلاة الصلح) هي صلح بين الله والإنسان وبين الإنسان وأخيه الإنسان. وأصحاب أيوب نراهم هنا لا يترددوا في تقديم الذبيحة طالما أن هذه هي إرادة الله وهذا يثبت صلاحهم.

ونري هنا قوة الشفاعة، فأيوب تشفع في أصحابه حتي لا ينصب عليهم غضب الله وهل الشفاعة تتوقف بموت البار؟ أبداً بل هي تصبح أقوي. فداود في مزموره يقول الصديق كالنخلة يزهو كالأرز في لبنان ينمو مز 11:92 والأرز لا تظهر فائدته كخشب ثمين إلا بعد أن يقطع. وعموماً فإله إبراهيم وإسحق ويعقوب هو إله أحياء وليس إله أموات. فكل القديسين الذين نتشفع بهم هم أحياء وشفاعتهم قوية. ونلاحظ أنه بمجرد توبة أيوب سامحه الله علي كل أخطائه

آية 10:- "و رد الرب سبي ايوب لما صلى لاجل اصحابه وزاد الرب على كل ما كان لايوب ضعفا".

الله كافأ أيوب ببركات أرضية فالبركات الروحية السماوية لم تكن مفهومة في العهد القديم. وكانت البركات المادية الأرضية علامة لرضا الله ورمزاً للبركات الروحية. بل أن العهد الجديد نري فيه أن الآلام هي طريق المجد وهي لا شئ بجانب المجد المعد لنا رو 18:8 ومعلمنا يعقوب يعطينا أيوب كمثال علي الصبر(يع 11:5). بصبره كافأه الله. والكتاب يعلمنا "بصبركم تقتنون أنفسكم" فالله سيعطينا مجداً إذا صبرنا وإحتملنا الصليب الموضوع علينا في هذا العالم. والله كعلامة علي رضاه علي أيوب أعاد له الضعف. فالله لا يريد أن يخسر أحد بسببه. وكان هذا مكافأة علي صبره وشهادة أمام الكل علي رضا الله عليه

ضعفاً= الضعف هو نصيب الأبكار تث 17:21. وفي هذا فأيوب كان يرمز للمسيح البكر وسط إخوة كثيرين، وأعطانا الميراث وصرنا فيه أبكاراً نرث ملكوت السموات معه راجع عب 23:12 + رو 16:8، 17 + عب 2:1، 6 + عب 11:2 + رو 29:8. وكل من يصبر ويحتمل التجربة يرث مع المسيح يع 12:1. ويكون له نصيب الأبكار في السماء، ونصيب من يرث السماء بمجدها وأفراحها سيكون أضعاف الأفراح الأرضية العالمية. لقد بدأت آلام أيوب بحسد الشيطان وشره وإنتهي في مجد بدأ بمراحم الله ومحبته وهذه لا يستطيع الشيطان أن يقاومها. لقد إشتكي أيوب سابقاً من أن الله ضده ولكننا ها نحن نري الله معه ويحبه ويباركه.

ورد الرب سبي أيوب= هو بفقده كل شئ صار كمسبي في بلاد بعيدة، وهو في خصومته مع الله كان كمسبي. وبرؤيته الرب رُدَ سبيه من يد إبليس.

ونلاحظ أن الله لم يطلب من أيوب في مقابل كل ما أعطاه له من بركات إلا أن يصفح عن أصحابه ويصلي لأجلهم. والله سامح أصحاب أيوب إذ إتضعوا

آية 11:- "فجاء اليه كل اخوته وكل اخواته وكل معارفه من قبل واكلوا معه خبزا في بيته ورثوا له وعزوه عن كل الشر الذي جلبه الرب عليه واعطاه كل منهم قسيطة واحدة وكل واحد قرطا من ذهب".

 شكا أيوب سابقاً أن أصدقاؤه قد تركوه في ضيقته. والله نجده هنا قد عزاه بعودتهم ومشاركتهم القلبية والمادية، وربما كانت عطاياهم المادية هي بداءة بدأ بها أيوب وبارك الله في القليل فصار كثيراً. بل صار ضعف ما كان عنده قبلاً. وربما كانت عودة أصحابه له حينما عرفوا أن الله قد قبله وكانوا قد إبتعدوا إذا شعروا أن نكباته علامة غضب الله. قسيطة= تك 19:33 + يش 32:24 وهي وزنة أو عيار للذهب

آية 12:- "و بارك الرب اخرة ايوب اكثر من اولاه وكان له اربعة عشر الفا من الغنم وستة الاف من الابل والف فدان من البقر والف اتان".

 واضح أن ما صار له هو ضعف ما كان له سابقاً بالتمام.

آية 13:- "و كان له سبعة بنين وثلاث بنات".

أولاده لم يتضاعفوا والسبب أن من ماتوا هم أحياء. وبذلك يصير عدد الأولاد الكلي هو ضعف ما كان لأيوب قبل التجربة. فهو كان له سبعة بنين وثلاث بنات وهؤلاء ماتوا في التجربة. والآن صار له سبعة بنين وثلاث بنات. ويصير العدد الكلي 14 ولد، 6 بنات أي ضعف ما كان له قبل التجربة. النصف في السماء والنصف الآخر علي الأرض مثال لكنيسة المسيح الواحدة فهي جزئين كنيسة منتصرة في السماء وكنيسة مجاهدة علي الأرض.

آية 14:- "و سمى اسم الاولى يميمة واسم الثانية قصيعة واسم الثالثة قرن هفوك".

 نساء جميلات= في العهد القديم كانت المرأة تمدح لجمالها والرجل لقوته وثروته، وقد تكرر وصف بعض النساء بأنهن جميلات مثل سارة/ رفقة/ راحيل ثم بنات أيوب لكننا لم نسمع في العهد الجديد أن هناك إمرأة جميلة، ولم يقال هذا حتي علي العذراء. فجمال المرأة في نظر العهد الجديد هو جمال قداستها. بل أن المسيح وحده هو الذي قيل عنه أنه أبرع جمالاً من بنى البشر. وصارت كنيسته هي أيضاً جميلة بسببه "أنا سوداء وجميلة" نش 5:1 فالعروس سوداء أي قبيحة بسبب خطاياها ولكنها صارت جميلة بمسيحها سبب جمالها.

يميمة= معني الأسم يمامة/ نهار/ فجر. بسبب بزوغ فجر بركات الله عليه بعد ليل آلامه. والإسم يشير للجمال وأيضاً لبركات الله.

قصيعة= هي عطر ذو عبير ورائحة جميلة ويسمي سنا. وهذا في مقابل رائحة قروحه سابقاً. والإسم يشير لبركات الله وأفراح أيوب. <