العرب واليهود:

كما رأينا أن هناك كثيراً من التشريع اليهودي كان قائماً معروفاً ومعمولاً به وسط عرب شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام كالقصاص? والقسامة? والجهاد? والرجم,,, ومنه ما وافق الإِسلام عليه جملة وتفصيلاً? ومنه ما وافق على بعضه وعدّل بعضه? بالرغم من ندرة المصادر العربية التي تتحدث عن اليهود الذين عاشوا في شبه الجزيرة قبل الإسلام بزمن طويل? إلا أن المصادر الإسلامية تقدم لنا صورة دقيقة لليهود الذين عاصروا النبي أو الذين كانوا قبله بفترة وجيزة? وذلك لاحتكاك اليهود المباشر - والحاد أحياناً - بالنبي ومحاورتهم له, وقد أورد القرآن الكريم جانباً من هذه المحاورات في أكثر من موضع,

وقد كان لوجود اليهود في أنحاء متفرقة من شبه الجزيرة العربية تأثيراً واضحاً في كثير من عادات الجاهليين وشرائعهم? خاصة وأنهم تواجدوا قبل الإسلام بعدة قرون - تبدأ في رأيي منذ عام 70 م بعد خراب القدس - ومما ساعد على انتشار شرائع اليهود أن العرب كانوا يرون لليهود عليهم فضلاً? لأنهم أهل كتاب أولاً? وثانياً لأن العرب لم تكن تقبل فكر هراطقة النصارى المنتشر بطول الجزيرة وعرضها بسهولة,

ولعل أهم المناطق التي كان لليهود بها نفوذاً وتأثيراً هي المدينة - يذكر جواد علي أن اليهود هم من أطلق على المدينة هذا الاسم وقد أخذوه من الآرامية (المفصل 6:566) وتروي كتب التفسير قصة تهود كثير من أبناء الأنصار? وإجلائهم من المدينة مع بني النضير واحتجاج الأنصار على هذا (راجع أسباب النزول للسيوطي - البقرة 2:256),

بالإضافة لما سبق فقد كان لدعوة اليهود للتوحيد المطلق أثرها في إعداد العقلية العربية لتقبل عقيدة وحدانية الله? ولعل هذا يفسر لنا أن سبب دخول الأنصار في الإسلام أفواجاً ولا دخل في إسلامهم - كما قرره بعض الباحثين - وجود بني النجار في المدينة وهم أخوال النبي? فقد كان أشد الناس عداوة للنبي هم أعمامه ولم تؤثر صلة القرابة بينهم في شيء, ولكن وجود اليهود وسط المدينة وانتشار أخبار النبي المنتظر بين العرب? كان الدافع لدى الأنصار في سرعة إسلامهم ليكونوا هم السابقون وليس اليهود? وقد كانوا من قبل يترفعون عن الأنصار لأنهم أهل وثن (قريش من القبيلة إلى الدولة المركزية - خليل عبد الكريم), ونتيجة لكل ما سبق كانت المدينة هي البقعة المثلى لانطلاق الإسلام لكل الجزيرة العربية ومن ثم للعالم,

الصفحة الرئيسية