حد الزنى :

لم يُقرر حد الزنى في الشريعة مرة واحدة? بل تقرر على ثلاث مراحل هي :

1 - وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَا سْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (النساء 4:15).

2 - وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً (النساء 4:16).

3 - الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَا جْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِا للَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمْا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (النور 24:2).

هذا هو تسلسل عقوبة الزنى? ففي أول الأمر كانت العقوبة هي الحبس المطلق? أو أن يجعل الله لهن سبيلاً? وفي نفس الوقت كانت عقوبة اللواط هي الإيذاء غير المحدد والمتروك تقديره للحاكم أو الإمام? ثم في النهاية كانت عقوبة الجلد? وهي العقوبة القرآنية المنصوص عليها في سورة النور (24:2) ? غير أن الأحاديث تذكر تطبيق النبي لعقوبة الرجم للزاني المحصن. رويت عدة أحاديث تذكر أنه كانت هناك آية في القرآن خاصة بحكم الرجم لكنها نُسخت تلاوةً? ونص هذه الآية والشيخ والشيخة إذازنيا فارجموهما البتة (الإتقان للسيوطي? باب الناسخ والمنسوخ ). وأول ما طبق النبي حد الرجم كان في واقعة زنا طرفاها يهوديان من المدينة ? ويذكر أبو داود في سننه هذه الواقعة عن ابن عمر? قال: أتَى نَفَرٌ من يهود فدعوا رسول إلى القف فأتاهم في بيت المدراس فقالوا: يا أبا القاسم إن رجلاً منَّا زنى بامرأة فاحكم? فوضعوا لرسول الله وسادة فجلس عليها? ثم قال: ائْتُونِي بالتوراةِ فأُتي بها? فنزع الوسادة من تحته فوضع التوراة عليها? ثم قال: أمنتُ بكِ وبمن أنزلك ثم قال : ائْتوني بأعلمكم فأُتي بفتى شاب - وفي رواية أخرى - قال ائْتوني بأعلم رجلين منكم فأتوا بابني صوريا? فناشدهما: كيف تجدان أمر هذين في التورة? قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رُجما. قال: فما يمنعكما أن ترجموهما? قالا : ذهب سلطاننا فكرهنا القتل. فدعا رسول الله بالشهود? فجاءوا بأربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة? فأمر رسول الله برجمهما (سنن أبو داود? حديثان رقم 4449 ? 4452). يُلاحظ أن هذه هي الحالة الوحيدة التي تُذكر في الكتب الإسلامية التي تم فيها تطبيق الحد نتيجة لشهادة الشهود. (وقد وضع الإسلام شروطاً لتطبيق حد الزنى تكاد تجعله مستحيلاً على التطبيق - إلا إذا اعترف الزناة. فقد اشترط الفقهاء رؤية أربعة رجال للزانيين - واختلفوا في قبول شهادة المرأة - واشترطوا أيضاً ضرورة التأكد من شخصية الزانيين? ورؤية واقعة الزنا تفصيلياً. ولمعرفة صعوبة هذه الشروط ننقل ما رواه الطبري حول واقعة زنا المغيرة بن شُعبة فيقول: كان أبو بكرة ينافره - أي المغيرة - عند كل ما يكون منه? وكانا بالبصرة? وكانا متجاورين بينهما طريق? وكانا في مشربتين متقابلتين لهما في داريهما في كل واحدة منهما كوة مقابلة للأخرى? فاجتمع إلى أبي بكرة نفر يتحدثون في مشربته? فهبت الريح ففتحت باب الكوة? فقام أبو بكرة ليصفقه? فبصر بالمغيرة وهو بين رجلي امرأة? فقال للنفر: قوموا فانظروا? ثم قال: اشهدوا? قالوا من هذه? قال: أم جميل ابنة الأفقم? وكانت أم جميل إحدى بني عامر بن صعصعة? وكانت غاشية للمغيرة بن شُعبة? وتغشى الأمراء والأشراف! - وكان بعض النساء يفعلن ذلك في زمانها ! - فقالوا إنما رأينا أعجازاً ولا ندري ما الوجه? ثم أنهم صمّموا حين قامت? فلما خرج المغيرة إلى الصلاة حال أبو بكرة بينه وبين الصلاة وقال: لاتُصلّ بنا. فكتبوا إلى عمر بذلك? وتكاتبوا? فبعث عمر إلى أبي موسى? فقال: يا أبا موسى? إني مستعملك? إني أبعثك إلى أرض قد باض بها الشيطان وفرخ? ... وأرسل عمر مع أبي موسى كتاباً يقول عنه الطبري : إنه أوجز كتاب كتب به أحد من الناس? أربع كلِم عزل فيها وعاتب? وأستحث? وأمّر: أما بعد? فإنه بلغني نبأ عظيم? فبعثت أبا موسى أميراً? فسلم ما في يدك والعجل . ويذكر الطبري أن المغيرة أهدى وليدة من مولدات الطائف إلى إبي موسى ثم ارتحل هو وأبو بكرة ونافع بن كلدة وزياد وشبل بن معبد البجليّ حتى قدموا على عمر? فجمع بينهم وبين المغيرة. فقال المغيرة: سلْ هؤلاء الأعبد كيف رأوْني? مستقبِلهم أو مستدبِرهم? وكيف رأوُا المرأة أوعرفوها? فإن كانوا مستقبليّ فكيف لم أستتر? أو مستدبري فبأيّ شيء استحلُّوا النظر إليّ? في منزلي ? على امرأتي ! - شبهات منطقية يسقط بها الحد إن ثبت - والله ما أتيت إلا امرأتي وكانت شبهها? فبدأ عمر بأبي بكرة? فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة قال: كيف رأيتهما? قال: مستدبرهما? قال: فكيف اسثبت رأسها? قال: تحاملت. ثم دعا بشبل بن معبد? فشهد بمثل ذلك? فقال: استدبرتهما أو استقبلتهما? قال: استقبلتهما . وشهد نافع بمثل شهادة أبي بكرة. ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم? قال: رأيته جالساً بين رجلي امرأة? فرأيت قدمين مخضوبتين تخفقان? واستين مكشوفتين? وسمعت حفزاناً شديداً. قال: هل رأيت كالميل في المكحلة? قال: لا. قال: فهل تعرف المرأة? قال: لا. ولكن أشبهها? قال: فتنحَّ? وأمر بالثلاثة فجلدوا الحدّ? وقرأ: فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكافرون (النور 24:23) ? فقال المغيرة: اشفني من الأعبد? فقال: أسكُت أسكَت الله نأمتك! أما والله لو تمّت الشهادة لرجمتك بأحجارك (تاريخ الطبري? دار المعارف? ج 4 ص 70 وما بعدها).

ويحدد الموقف السابق صعوبة الشروط المطلوبة لتطبيق حد الزنا? فرغم وجود الشهود ورؤيتهم للفعل? إلا أن تلجلج واحد منهم يُسقط الحد? بل ويُقام حد القذف على الباقين ? ويُوصمون بالفسق? ولا تُقبل لهم شهادة أبداً. ولم تقف صعوبة تطبيق الحد عند هذا الحد بل إن الفقهاء لا يقبلون بأي دليل آخر غير الاعتراف أو الشهود? فيقول د. العوا: ومن ثم جعلت الشريعة الإسلامية إثبات الجريمة بطريقين اثنين هما الإقرار? أوشهادة أربعة رجال مسلمين عدول أنهم رأوا الفعل المكون للجريمة بكل تفاصيله? واختلف في الحمل - إذا كان من امرأة ليس لها زوج - هل يثبت به الزنى أو لا? (في أصول النظام الجنائي الإسلامي? د. محمد سليم العوا? ص 229). وأيضاً لم يتفق جميع الفقهاء على أن الرجم هو العقوبة الشرعية للزاني المحصن? بل إن البعض يقول بنسخها? وحجتهم في ذلك هي: أن آية النساء (4:25) ذكرت أن حد الأَمة إذا زنت نصف حد الحرة? والرجم لا يتنصف. ولكن بالرغم من عدم ثبوت الرجم بنص قرآني إلا أنه ثابت بعدة أحاديث? منها ما روي عن ابن عباس عن عمر بأنه قال إن الله قد بعث محمداً بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما نزل آية الرجم قرأنها ووعيناها وعقلناها? ورجم رسول الله ورجمنا بعده. فأخشى إن طال بالناس الزمان أن يقول قائل: ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله? وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذ أحصن من الرجال والنساء? إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف (رواه الخمسة? تفسير ابن كثير? 3:252)? ويعلق الأستاذ دروزة على هذا الحديث وأحاديث آية الرجم عموماً? فيقول: أولاً: إن نسخ حكم قرآني تلاوة مع بقائه حكماً لايمكن أن يفهم له حكمة وبخاصةٍ في حد تشريعي خطير كحد الرجم. ثانياً : إن النص القرآني المروي مختلف فيه من جهة وفيه شيء عجيب وهو تخصيص الشيخ والشيخة بالعقوبة من جهة أخرى. ثالثاً: إن عمر أعدل من أن تُرفض شهادته في صدد تدوين آية? وأقوى من أن يسكت عن ذلك إذا كان متأكداً من قرآنيتها ومن كون النبي توفى وهي لم تنسخ تلاوة وحكماً. وهو الذي اقترح بكتابة المصحف على أبي بكر وكان المشرف على ذلك... وكل ما تقدم يجعلنا نتوقف عن الأخذ بأن الرجم تشريع قرآني قائم الحكم بهذه الصفة كما تفيد الأحاديث المروية عن ابن عباس وابن عمر ? ونقول: إن المحتمل أن يكون نزل به قرآن ثم نُسخ بصيغته المروية? ثم بدا للنبي أن يشرعه بأسلوب عام لايقتصر على الشيخ والشيخة. ويكون في هذه الحالة تشريعاً نبوياً? ويكون ما روي عن عمر باعتبار ما كان? لا باعتبار الحال الراهن (الدستور القرآني? محمد عزة دروزة 2:327 وما بعدها ). ولم يكن دروزة وحده هو صاحب هذا الرأي بل قال به أيضاً المستشار العشماوي في كتاب أصول الشريعة ? فيقول إذا كان النبي قد سار على حكم التوراة فأمر بالرجم بعد ذلك - مع أنه من المشكوك فيه أنه رجم بعد نزول آية الجلد - فهل يعني ذلك أن النبي قد نسخ بفعله حكم القرآن ? أم أن ما فعله يمكن أن يُحمل على أنه حكم خاص بالنبي وحده !? ويرجح العشماوي هذا الرأي? وذلك: لثبوت تفرد النبي ببعض الأحكام الخاصة به وحده? كالزواج بأكثر من أربعة? وعدم حقه أن يطلق أزواجه? وعدم حل أزواجه لأحد من المسلمين بعده ( الأحزاب 33:50-54) والحكم بين الناس بنور الله إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِا لْحَقِّ لِتَحْكُمَ بِيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ (النساء 4:105). ولا شك في أن هذه الأحكام خاصة بالنبي وحده. وهذا الأمر يثير مبحثاً هاماً عما إذا كانت ثمة أحكام أخرى خاصة به وحده? ومن ذلك - إن كان - حكم رجم الزاني والزانية المحصنين خلافاً لنص القرآن!? (أصول الشريعة? العشماوي? ص1104) .

الصفحة الرئيسية