التوراة والإنجيل
كلمة الله المعصومة



محتويات الكتاب
تمهيد
1- تكوين الكتاب
2- شهادة الوحي
3- شهادة الأنبياء والرسل
4- شهادة التواتر
5- شهادة النُسخ القديمة والمخطوطات
6- شهادة علم الآثار
7- الكتاب الفريد
8- شهادة الإسلام لصحة التوراة والانجيل
9- التوراة والإنجيل المفترى عليهما
10- قضية التحريف بين إعلانات القرآن وآراء المسلمين
11- سؤال لابد منه
12- قول أعلام المسلمين في موضوع التحريف
13- مراجع الكتاب


تمهيد

منذ آلاف السنين، بلّغ الله اليهود بواسطة موسى وصية، هذا نصها:
لَا تَزِيدُوا عَلَى الكَلَامِ الذِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهِ وَلَا تُنَقِّصُوا مِنْهُ، لِتَحْفَظُوا وَصَايَا الرَّبِّ إِل هِكُمُ التِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا ـ تثنية 4: 2 ـ ,

وتكررت هذه الوصية في السفر نفسه، حيث يقول:
كُلُّ الكَلَامِ الذِي أُوصِيكُمْ بِهِ احْرِصُوا لِتَعْمَلُوهُ. لَا تَزِدْ عَلَيْهِ وَلَا تُنَقِّصْ مِنْهُ ـ تثنية 12: 32 ـ ,

وبعد ذلك بعدة قرون، كتب سليمان الحكيم هذه الشهادة مسوقاً من الروح القدس:
كُلُّ كَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ نَقِيَّةٌ. تُرْسٌ هُوَ لِلْمُحْتَمِينَ بِهِ. لَا تَزِدْ عَلَى كَلِمَاتِهِ لِئَلَّا يُوَبِّخَكَ فَتُكَذَّبَ ـ أمثال 30 : 5-6 ـ ,

وفي ختام الأسفار المقدسة، نقرأ هذا التحذير الشديد:
لِأَنِّي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالَ نُبُوَّةِ هذا الكِتَابِ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى هذا يَزِيدُ اللّهُ عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ المَكْتُوبَةَ فِي هذا الكِتَابِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْذِفُ مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ هذهِ النُّبُوَّةِ يَحْذِفُ اللّهُ نَصِيبَهُ مِنْ سِفْرِ الحَيَاةِ، وَمِنَ المَدِينَةِ المُقَدَّسَةِ، وَمِنَ المَكْتُوبِ فِي هذا الكِتَابِ ـ رؤيا 22: 18 و19 ـ ,

فهل بعد هذه النواهي والتحذيرات الصارمة، يتجرأ مؤمن بالله وكتبه ورسله، على تحريف كلام الله، فيحذف الله نصيبه من كل البركات الروحية، التي أعدها الله لأتقيائه, ويسقط من وعود الله التي قطعها للبشر بالخلاص والحياة الأبدية؟
أما غير المؤمنين، فلا سبيل لهم إلى تحريف الأسفار الإلهية، إذ يتعذر عليهم جمع الألوف من نسخها المنتشرة في رحاب الدنيا ليعبثوا بها ويزوِّروها,كما أن المؤمنين الذين يحتفظون بنسخ صحيحة لن يسمحوا لهم بذلك.

وإنه لمن نكد الدنيا أن يقوم أناس في الأيام الأخيرة ويتَّهموا رسل المسيح الأطهار بتحريف الإنجيل الذي ائتمنوا عليه، مما يشكل طعناً ليس بالأسفار المقدسة فقط، بل أيضاً يعرض بقرآن المسلمين، لأن القرآن شهد للرسل المغبوطين بالنزاهة والأمانة, وقد لقبهم بالحواريين أنصار الله ـ سورة آل عمران 3: 52 ـ ,

أما الأدلة على صحة الكتاب المقدس وسلامته من أي عبث، أو إفساد، أو تحريف فكثيرة،
ونحن نوردها في الفصول التالية:


الفصل الاول
تكوين الكتاب المقدس


حرص الله على تكوين كتابه العزيز بكل حكمة وفطنة ، بحيث يستطيع متتبع العهد القديم أن يرى الأسفار الإلهية تعلن لنا أنه تكّون خلال ثلاثة أدوار:
الدور الأول : من آدم إلى موسى
تُخبرنا الكتابة المقدسة المُوحى بها من الله ، أن الله أعطى آدم وصية وأنه أحضر إليه حيوانات البرية وطيور السماء ليرى ماذا يدعوها (تكوين 2: 15) .
إلا أن هذه العبارات لم تُخبرنا كيف كان الله يكلم الإنسان في البدء.
ولهذا يلجأ معظمنا إلى قواه الذهنية للتكهن ، ويعطي المجال لخياله ليحكم على التاريخ المقدس ، ناسياْ أن آلاف بل وربما ملايين السنين تفصلنا عن الأحداث المدونّة في الفصل الأول من سفر التكوين.
كذلك الأسفار المقدسة لم تُحدد الزمن الذي بدأت فيه إعلانات الله للبشر ، ولكن نصوصها تساعدنا على الاستنتاج . فأخنوخ الذي ورد ذكره في الأصحاح الخامس من سفر التكوين يُخبرنا عنه الرسول يهوذا أنه كان نبياً ، وأنه كان السابع من آدم (رسالة يهوذا 14) ويذكر الكتاب أنه سار مع الله (تكوين 5:24) فالنبي أخنوخ ، ولا شك كانت لديه أخبار عن الماضي . وأنه بحسب تسلسل الكتاب المقدس عرف آدم وتحدث إليه . وكذلك متوشالح بن أخنوخ بقي إلى زمن نوح الذي كان باراً وكاملاً في أجياله ، وسار مع الله.
ولا شك أن نوحاً الذي كرز بالبرِّ والحق ، أوصل الأنباء المقدسة إلى أجيال ما بعد الطوفان (2بطرس 2:5) ، وعاش بعد الطوفان 350 سنة (تكوين 9: 28).
إذاً عاش نوح إلى زمن إبراهيم (تكوين 10:21 ، 11:10-26) ويخبرنا الكتاب المقدس أن الأنبياء المقدسة نُقلت إلى إبراهيم فنقرأ في (غلاطية 3 :8) : والكتاب إذ سبق فرأى أن الله بالإيمان يُبرّر الأمم ، سبق فبشّر إبراهيم "أنْ فيك تتبارك جميع الأمم" فهذه الآية تؤكد لنا أن إبراهيم حصل على معطيات واضحة من الأحداث السالفة ، وإبراهيم بدوره أحاط أبناءه عِلماً بما كان في معرفته ، أذ نقرأ "لأني عرفته ، لكي يوصي بنيه وبيته من بعده أنْ يحفظوا طريق الرب ليعملوا براً وعدلاً ، لكي يأتي الرب لإبراهيم بما تكلم به" (تكوين 18:19) ، ويتضح من هذا النص وجود الاتصال المتسلسل بين إبراهيم وموسى.

الدور الثاني: عصر موسى
إبتداء من سفر الخروج أصبح تسجيل الأحداث يتم بدقة في الأسفار المقدسة ، لأن الله أمر موسى بذلك "اكتب هذا تذكاراً في الكتاب ، وضعه في مسامع يشوع" (خروج 17:14).
وبالفعل فإننا نقرأ أن موسى "أخذ كتاب العهد وقرأ في مسامع الشعب" (خروج 24:7). وكتب موسى أخبارهم ورحلاتهم حسب أمر الرب (خروج 34 : 27) . فعندما كَمَل موسى كتابة كلمات هذه التوراة في كتاب إلى تمامها ، أمر موسى اللاويين حاملي تابوت عهد الرب قائلاً : "خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم ، ليكون هناك شاهداً عليكم" (تثنية 31 : 24 - 26).

الدور الثالث : من يشوع إلى ملاخي
قال الله ليشوع : "لا يبرح سفر هذه الشريعة مِن فمِك ، بل تلهج فيه نهاراً وليلاً ، لكي تتحفّظ للعمل ، حسب كل ما هو مكتوب فيه" (يشوع 1 : 8).
"وكتب يشوع هذا الكلام في سِفر شريعة الله" (يشوع 24 : 26).
"فكلم صموئيل الشعب بقضاء المملكة وكتبه في السفر ، ووضعه أمام الرب" (1صموئيل 10 : 25).
وفي آخر أيام الملوك ، على عهد يوشيا الملك ، أحدثت الكتابة المقدسة نهضة روحية حين قرأها شافان الكاتب ، وبأمرٍ من حلقيا الكاهن العظيم (2ملوك 22 : 8 - 13).
وإشعياء النبي أهاب بالشعب أن يعودوا إلى كلام الله ليقرأوه مؤكداً لهم عصمته إذ قال : "فتشوا في سفر الرب واقرأوا . واحدة من هذه لا تُفْقَد لأن فمه هو قد أمر ، وروحه هو جمعها" ( إشعياء 34 : 16 ).
وكذلك إرميا النبي ، صدر غليه أمر الرب أن يكتب كلامه النبوي في السفر " خذ لنفسك دَرْجَ سفرٍ ، واكتب فيه كل الكلام الذي كلمُتك به على إسرائيل وعلى يهوذا وعلى كل الشعوب " ( إرميا 36 : 1و2 ).
وكذلك دانيال النبي ضمِّن سفره النبوي شهادته عن الكتب المقدسة ، وقال : " فهمتُ من الكتب عدد السنين التي كانت عنها كلمة الرب إلى أرميا النبي لكماله سبعين سنة على خراب أورشليم " ( دانيال 9 : 2 ).
وفي أيام أرتحشستا ملك فارس ، عكف عزرا ونحميا على دراسة وشرح ناموس موسى الذي أعطاه الرب. ويقول الكتاب أن عزرا وهو كاتب ماهر هيَّأ قلبه لشريعة الرب والعمل بها ( عزرا 7 : 1 - 10 ) ، ونقرأ أيضاً في سفر نحميا : " ولما استُهلًَّ الشهر السابع ... اجتمع كل الشعب كرجل واحد إلى الساحة التي أمام باب الماء ... فأتى عزرا الكاتب بالشريعة أمام الجماعة من الرجال والنساء وكل فاهم .. وقرأ فيها ... من الصباح إلى نصف النَهار " ( نحميا 8 : 1 - 3 ).
وكان كلام الرب إلى زكريا : " هكذا قال رب الجنود : " اقضوا قضاء الحق وأعملوا إحساناً ورحمة ، كل إنسان مع أخيه ، فأبوا أن يصغوا .. بل جعلوا قلوبهم ماساً ، لئلا يسمعوا الشريعة والكلام الذي أرسله رب الجنود بروحه عن يد الأنبياء الأوًّلين " ( زكريا 7 : 8 - 12 ).
وتكلم ملاخي عن كتاب الله الذي دعاه " التذكرة " هكذا : " حينئذ كلّم متّقو الربّ كل واحد قريبه ، والرب أصغى وكُتب أمامه سفر تذكرة للذين اتقّوا الربّ وللمفكرين في اسمه " ( ملاخي 3 : 16 ).
مما تقدم يتضح لنا أن السيد الرب سهر على تكوين كتابه المقدس عبر الأجيال ، موحياً إلى رجاله القديسين ما كتبوه من نبوات وتعاليم لخير البشر . وهذا الإله الحي الذي أوحى بشرائعه لابد أنه حفظها وفقاً لإرادته ووعوده - فليس من المعقول أن يعلن الله ذاته وإرادته للبشر ، ثم يترك ذلك عُرْضةُ للتغيير والتبديل ، فيضل البشر الذين يريد الله هدايتهم . ومن يتصوًّر أنه قد حدث أي تغيير ، يتًَّهم الله بالعجز عن حفظ كلمته ، ويفتري على الله الكذب !


الفصل الثاني
شهادة الوحي


أ - شهادة الله بعدم زوال كلمته

في الكتاب المقدس طائفة من إعلانات الله ووعوده، بأن كلمته لا يمكن أن تزول أو تتبدل منها:

أَمَّا رَحْمَتِي فَلَا أَنْزِعُهَا عَنْهُ، وَلَا أَكْذِبُ مِنْ جِهَةِ أَمَانَتِي. لَا أَنْقُضُ عَهْدِي وَلَا أُغَيِّرُ مَا خَرَجَ مِنْ شَفَتَيَّ ـ مزمور 89: 33 و34 ـ ,

فَإِنِّي الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ والأَرْضُ لَا يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الكُلُّ ـ متى 5: 18 ـ ,

اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَا يَمْضِي هذا الجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هذا كُلُّهُ. اَلسَّمَاءُ والأَرْضُ تَزُولَانِ وَلكِنَّ كَلَامِي لَا يَزُولُ ـ متى 24: 34 و35 ـ ,

وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ المَكْتُوبُ ـ يوحنا 10: 35 ـ ,

ب - شهادة الله لأنبيائه

قال الرب لإرميا النبي: لَا تَخَفْ مِنْ وُجُوهِهِمْ، لِأَنِّي أَنَا مَعَكَ,,, هَا قَدْ جَعَلْتُ كَلَامِي فِي فَمِكَ ـ إرميا 1: 8 و9 ـ ,

وقال لهوشع النبي: وَكَلَّمْتُ الأَنْبِيَاءَ وَكَثَّرْتُ الرُّؤَى، وَبِيَدِ الأَنْبِيَاءِ مَثَّلْتُ أَمْثَالاً ـ هوشع 12: 10 ـ ,

وقال لإشعياء النبي: أَمَّا أَنَا فَهَذَا عَهْدِي مَعَهُمْ قَالَ الرَّبُّ: رُوحِي الذِي عَلَيْكَ،وَكَلَامِي الذِي وَضَعْتُهُ فِي فَمِكَ لَا يَزُولُ مِنْ فَمِكَ وَلَا مِنْ فَمِ نَسْلِكَ وَلَا مِنْ فَمِ نَسْلِ نَسْلِكَ قَالَ الرَّبُّ مِنَ الآنَ وَإِلَى الأَبَدِ ـ إشعياء 59: 21 ـ ,

وقال لحزقيا النبي: يَا ابْنَ آدَمَ، قُمْ عَلَى قَدَمَيْكَ فَأَتَكَلَّمَ مَعَكَ,,, أَنَا مُرْسِلُكَ إِلَيْهِمْ.,, مِنْ كَلَامِهِمْ لَا تَخَفْ,,, مِنْ وُجُوهِهِمْ لَا تَرْتَعِبْ، لِأَنَّهُمْ بَيْتٌ مُتَمَرِّدٌ. وَتَتَكَلَّمُ مَعَهُمْ بِكَلَامِي ـ حزقيال 2: 1-7 ـ ,

وقال لملاخي: فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ هَذِهِ الوَصِيَّةَ لِكَوْنِ عَهْدِي مَعَ لَاوِي، قَالَ رَبُّ الجُنُودِ. كَانَ عَهْدِي مَعَهُ لِلْحَيَاةِ والسَّلَامِ، وَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهُمَا لِلتَّقْوَى. فَاتَّقَانِي,,, شَرِيعَةُ الحَقِّ كَانَتْ فِي فَمِهِ ـ ملاخي 2: 4-6 ـ ,



الفصل الثالث
شهادة الأنبياء والرسل


لقد شهد أنبياء الله ورسله بأن الله تكلم إليهم، وأوحى إليهم أن يكتبوا نبواتهم وتعاليمهم لتكون شريعة أبدية للبشر, وها نحن نورد ما تيسر منها:

قال داود: رُوحُ الرَّبِّ تَكَلَّمَ بِي وَكَلِمَتُهُ عَلَى لِسَانِي ـ 2صموئيل 23: 2 ـ ,

وقال إشعياء: حَقّاً الشَّعْبُ عُشْبٌ! يَبِسَ العُشْبُ، ذَبُلَ الزَّهْرُ. وَأَمَّا كَلِمَةُ إِلَهِنَا فَتَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ ـ إشعياء 40: 7-8 ـ , فَتِّشُوا فِي سِفْرِ الرَّبِّ وَاقْرَأُوا. وَاحِدَةٌ مِنْ هَذِهِ لَا تُفْقَدُ. لَا يُغَادِرُ شَيْءٌ صَاحِبَهُ، لِأَنَّ فَمَهُ هُوَ قَدْ أَمَرَ، وَرُوحَهُ هُوَ جَمَعَهَا ـ إشعياء 34: 16 ـ ,

وقال إرميا: ثُمَّ صَارَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ إِلَيَّ: مَاذَا أَنْتَ رَاءٍ يَا إِرْمِيَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا رَاءٍ قَضِيبَ لَوْزٍ . فَقَالَ الرَّبُّ لِي: أَحْسَنْتَ الرُّؤْيَةَ، لِأَنِّي أَنَا سَاهِرٌ عَلَى كَلِمَتِي لِأُجْرِيَهَا ـ إرميا 1: 11 و12 ـ ,

وقال حزقيال: وَكَانَ إِلَيَّ كَلَامُ الرَّبِّ: وَأَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ فَقَدْ جَعَلْتُكَ رَقِيباً لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ، فَتَسْمَعُ الكَلَامَ مِنْ فَمِي وَتُحَذِّرُهُمْ مِنْ قِبَلِي ـ حزقيال 33: 1 و7 ـ ,

وقال الرب يسوع لتلاميذه: لِأَنَّ لَسْتُمْ أَنْتُمُ المُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ ـ متى 10: 20 ـ ,

وقال الرسول بولس: وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ العَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الذِي مِنَ اللّهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ المَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللّهِ، الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضاً، لَا بِأَقْوَالٍ تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ القُدُسُ ـ 1كرونثوس 2: 12 و13 ـ ,

وقال الرسول بطرس: مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لَا مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لَا يَفْنَى، بِكَلِمَةِ اللّهِ الحَيَّةِ البَاقِيَةِ إِلَى الأَبَدِ. لِأَنَّ كُلَّ جَسَدٍ كَعُشْبٍ، وَكُلَّ مَجْدِ إِنْسَانٍ كَزَهْرِ عُشْبٍ. العُشْبُ يَبِسَ وَزَهْرُهُ سَقَطَ، وَأَمَّا كَلِمَةُ الرَّبِّ فَتَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ ـ 1بطرس 1: 23-25 ـ ,

إَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ، لِأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللّهِ القِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ ـ 2بطرس 1: 20 و21 ـ ,



الفصل الرابع
شهادة التواتر


يذكر لنا التاريخ، أن أئمة الدين العلماء، الذين كانوا معاصرين للرسل، أو الذين خلفوهم في رعاية الكنيسة، اقتبسوا في مواعظهم ومؤلفاتهم من الكتب المقدسة، وخصوصاً من الأناجيل, وذلك ليقينهم بأنها كتب إلهية موحى بها من الله، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها, نذكر منهم:

أكلمندس، أسقف رومية، وكان عاملاً مع الرسول بولس، كما هو مذكور في رسالة فيلبي 4: 3,

ديونسيوس، أسقف كورنثوس الذي توفي سنة 100 ميلادية,

هرماس، المعاصر لبولس، والذي ألف كتاباً في ثلاثة مجلدات، ضمَّنها الكثير من الاقتباسات من العهد الجديد,

أغناطيوس، الذي تعيَّن أسقفاً على أنطاكية، بعد صعود المسيح بسبعة وثلاثين عاماً,

بوليكاربوس الشهيد، تلميذ يوحنا الرسول، الذي تعين أسقفاً على إزمير، واستشهد عام 166, ولم يبق من مؤلفاته سوى رسالة مفعمة بالشواهد من الأناجيل الأربعة,

وكذلك أئمة القرن الثاني الميلادي، اقتبسوا من الأسفار الإلهية لدعم تعاليمهم, منهم:

بابياس، الذي كان أسقفاً على كنيسة هيارابوليس، في فريجيا، ونبغ سنة 110, واجتمع ببوليكاربوس، وألف تفسيراً للكتاب المقدس، في ستة مجلدات, وقال هذا العالم إن الأناجيل كانت متداولة في الكنائس باللغة اليونانية، وشهد بأن البشير مرقس كان مرافقاً لبطرس، وأن إنجيله كان متداولاً بين المسيحيين,

يوستين الشهيد، وُلد سنة 89 ميلادية، وكان قبل الاهتداء فيلسوفاً وثنياً, وإنما بحثه عن الحق قاده إلى المسيحية, وهذا المفكر الشهير ألَّف عدة كتب في دفاعه عن الدين المسيحي، وقد ارتكز في دفاعه على الأناجيل الأربعة, وذكر في أحد مؤلفاته أنه زار الكنائس في رومية والإسكندرية وأفسس، ورأى أن المسيحيين كانوا يتعبدون بتلاوة الأناجيل في كنائسهم,

هيجيوس، الذي نبغ بعد يوستين بثلاثين سنة, ولشهادته أهمية كبرى لأنه سافر من فلسطين إلى رومية ورأى أساقفة كثيرين, وقال إنه رأى المسيحيين في كل مكان يعلّمون تعاليم واحدة، حسب الناموس والأنبياء والرب يسوع المسيح,

إيرينيوس، يوناني الأصل، من آسيا الصغرى وُلد سنة 140 ميلادية، وتتلمذ على بوليكاربوس، تلميذ يوحنا الرسول, وكان مركز أعماله ليون، حيث رُسم أسقفاً بعد بونيتيوس، الذي استشهد عام 177, وألَّف رسالة ملأها بالاقتباسات من الأناجيل, وقد قال في أحد فصولها: إننا لم نقبل خلاصنا إلا من الذين أبلغونا الإنجيل الذي كرزوا به أولاً, وبعد ذلك دوَّنوه بإرادة الله ومشيئته ليكون أساس إيماننا وعموده, لأن بعد قيامة المسيح من الأموات منح الله الرسل قوة الروح القدس، فعرفوا كل شيء معرفة تامة, وحينئذ ذهبوا إلى أقاصي الدنيا، وبشَّروا الناس ببركات السلام السماوي, ومع كل واحد منهم إنجيل الله, فدوَّن متى إنجيله لليهود لما كان بطرس وبولس في رومية يكرزان بإنجيل السلام، ويؤسسان كنيسة هناك, وبعد ارتحالهما، دوَّن مرقس تلميذ بطرس ورفيقه الإنجيل، وهو خلاصة كرازة بطرس, وكذلك دوَّن لوقا الطبيب، رفيق بولس الإنجيل بحسب كرازة بولس، وبعد ذلك دوَّن يوحنا، تلميذ الرب، الذي اتكأ على صدره، إنجيله لما كان في أفسس ,

ثم أضاف هذا العلامة قائلاً: إن تعاليم الرسل المأثورة انتشرت في جميع أنحاء العالم, وكل من يفتش على مصادر الحق يجد أن كل كنيسة محافظة على هذه التعاليم وتعتبرها مقدسة ,

وقال أيضاً: في وسعنا أن نذكر الذين عيَّنهم الرسل أساقفة على هذه الكنائس، والذين خلفوهم إلى يومنا هذا, وبهذا السند المتصل أخذنا الروايات الموجودة في الكنيسة، وتعاليم الحق أيضاً، حسب ما كرز بها الرسل ,

أكليمندس أسقف الاسكندرية، وكان بعد إيرينيوس بست عشرة سنة, فشهد أن جميع الكنائس، تعتقد بالأناجيل الأربعة, واستشهد هذا العالم المدقق بالأناجيل في تعليمه ومؤلفاته, وقال إن الأناجيل الأربعة مؤكدة عندنا,

ترتليانوس، وُلد سنة 160 ميلادية، وتوفي حوالي سنة 220, وقال هذا العالم، عن الرسل: إن يوحنا ومتى يعلّماننا الإيمان, أما رفقاء الرسل، فلوقا ومرقس ينعشاننا , وبعد أن عدَّد الكنائس التي أسسها بولس في كورنثوس وغلاطية وأفسس وفيلبي وتسالونيكي، والكنائس التي أسسها يوحنا، وكنيسة رومية، التي أسسها بولس وبطرس، قال: إن الأناجيل الأربعة هي في يد الكنيسة، منذ البداية , وقال أيضاً: نحن المسيحيين نجتمع معاً لنطالع الكتب الإلهية ونغذي إيماننا، ونرفع رجاءنا، ونؤيد وديعتنا بالكلمة المقدسة ,


فينتج مما تقدم:

1 - إن أئمة الديانة المسيحية، سواء الذين عاصروا الرسل أو الذين أتوا بعدهم بالتسلسل، من العلماء الأعلام، كانوا يقتبسون من أقوال الكتب المقدسة، ويستشهدون بها في أثناء كلامهم,

2 - إن استنادهم عليها واستشهادهم بآياتها، يدل على يقينهم بأنها الحكم الفصل في جميع المسائل، التي يختلفون عليها,

3 - إنهم كانوا يقرأونها في اجتماعاتهم الدينية العمومية، ويشرحونها,

4 - إنهم كتبوا عليها تفاسير في عدد عديد من المجلدات، مؤكدين اتفاق البشيرين في ما كتبوه، مسوقين من الروح القدس,

5 - إن جميع المسيحيين منذ البدء، اعتقدوا بهذه الكتب المقدسة، على اختلاف شعوبهم ومذاهبهم,


الفصل الخامس
شهادة النُسخ القديمة والمخطوطات


يوجد بين الذخائر التي يحتفظ بها المسيحيون نسخ مخطوطة، يعود تاريخها إلى ما قبل الإسلام بعدة أجيال, منها:

1 - النسخة الإسكندرية:
وقد دعيت بهذا الاسم نسبة إلى مدينة الاسكندرية، التي خُطَّت فيها، ولها المرتبة الأولى بين النسخ الثلثية, وقد أهداها كيرلس لوكارس، بطريرك القسطنطينية إلى ملك انكلترة شارل الأول سنة 1628, وكان قد أحضرها معه من الاسكندرية حيث كان بطريركاً سابقاً, وهي مكتوبة باليونانية، وتحتوي كل أسفار الكتاب المقدس من العهدين القديم والجديد, وعلى أول صفحة منها حاشية مدوَّن فيها أن كل هذا الكتاب نسخ بيد سيدة شريفة مصرية اسمها تقلا, وذلك في نحو سنة 325 ميلادية, وقد علق البطريرك كيرلس على هذه الحاشية بخط يده أن هذا التاريخ حسب رأيه صحيح,

والنسخة مكتوبة بالحرف الثلثي، على رق قُسمت كل من صفحاته إلى حقلين, وفي كل حقل خمسون سطراً, ولم تزل هذه النسخة محفوظة بعناية في المتحف البريطاني بلندن,

2 - النسخة الفاتيكانية:
سُميت بالفاتكيانية نسبة إلى مكتبة الفاتيكان المحفوظة فيها, وهي مكتوبة على رق جميل جداً, وحرفها ثلثي صغير, وفي كل صفحة منها ثلاثة حقول، يحتوي كل منها على اثنين وأربعين سطراً, وتشتمل كل أسفار الكتاب المقدس باللغة اليونانية, ويرجح العلماء أنها خُطت حوالي العام 300 بعد الميلاد,

3 - النسخة السينائية:
وهي تعادل النسخة الفاتيكانية بالقدم، بل لعلها أقدم منها, ولها أهمية كبرى في مقابلة المتون, وقد سُميت بالسينائية نسبة إلى جبل سيناء حيث اكتشفها العلامة تشندورف الألماني، في دير القديسة كاترينا بسيناء, وذلك في عام 1844, وهذه النسخة مكتوبة بحرف ثلثي كبير، وعلى رق، في كل من صفحاته أربعة حقول, وكل ما فيها يدل على القدم, وقد أهداها مكتشفها إلى الإسكندر، قيصر روسيا, وبقيت في روسيا إلى أن حدثت الثورة البلشفية، فبيعت للمتحف البريطاني بلندن، حيث لا تزال محفوظة,

4 - النسخة الافرائمية:
وهي محفوظة في دار الكتب الوطنية بباريس، وتشمل على كل الأسفار المقدسة باللغة اليونانية، ومكتوبة على رق بحرف حسن، بدون فواصل، ولا حركات, والحرف الأول من كل صفحة فيها، أكبر من بقية الحروف, ويرجح أنها كتبت حوالي عام 450 ميلادية,

كل هذه النسخ تتيح رد الادِّعاء بالتحريف بعد شهادة القرآن بصحتها، لأن النسخ التي ذُكرت أعلاه كُتبت قبل القرآن، والنسخ المتداولة بين أيدينا اليوم لا تختلف في شيء عن نصوص تلك المخطوطات القديمة,


شهادة المخطوطات القديمة

ـ 1 ـ مخطوطات قمران:
من بين الكنوز التي عثر عليها في مغاور قمران بالأردن عام 1947 مخطوطة كاملة لسفر إشعياء النبي، باللغة العبرية, وهي مكتوبة على رقوق جلد على شبه درج, ويستدل من شكل الكتابة والمفردات اللغوية، أن هذه المخطوطة كُتبت في القرن الثاني قبل الميلاد, وقد قال العلماء الذين دققوا فيها إنها لا تختلف في نصوصها عن النص الموجود بين أيدينا,

وعثر أيضاً في كهوف قمران على نسخة من أسفار اللاويين وأيوب والمزامير وحبقوق, وقد وجدت النصوص المدوَّنة في هذه المخطوطات مطابقة لنصوص الأسفار المتداولة بيننا حالياً,

وكذلك وجد إلى جانب هذه المخطوطات قائمة بأسفار العهد القديم شملت كل الأسفار التي لدينا ، ما عدا سفر أستير ،

ـ 2 ـ مخطوطات أرسينوي:
في العام 1877 عثر في أرسينوي الواقعة جنوب مدينة القاهرة، على عدد عديد من الوثائق المكتوبة على ورق البردي ، مطمورة في الرمال, ومن بينها نسخة للإنجيل بحسب يوحنا، أكد العلماء أن تاريخ كتابتها يعود إلى عام 125 بعد الميلاد, وهي لا تختلف في نصوصها، عن النسخة التي بين أيدينا,

ـ 3 ـ مخطوطات سيناء:
اكتُشف مؤخراً في دير القديسة كاترين بسيناء نسخة للأناجيل الأربعة باللغة السريانية ، ويعود تاريخ كتابتها إلى ما قبل القرن الخامس الميلادي, وهي منقولة عن ترجمة قام بها المسيحيون في القرن الثاني الميلادي, ونصوصها لا تختلف عن البشائر المتداولة حالياً في العالم,

- 4 - مخطوطات تشستر بيتي ( 200 م )
موجودة في متحف دبلن ، وجزء منها في جامعة متشيجان. وهي من ورق البردي ، وتحتوي ثلاثة منها على معظم العهد الجديد. وهي أقرب المخطوطات تاريخياً إلى النص الأصلي. ويقول سير فردريك كنيون ( هذا الاكتشاف هو أعظم اكتشاف منذ اكتشاف النسخة السينائية ، فهو يُضيّق الفجوة الزمنية بين تاريخ المخطوطات التي بين أيدينا وبين تاريخ كتابة أسفار العهد الجديد ، فلا يعود هناك مجال للشك في صدقها ، فليس لنصوص كتاب آخر مثل هذا السند من المخطوطات القديمة والكثيرة ، ولا يمكن لأي عالِم غير منحاز أن يُنكر أن النص الذي وصل إلينا هو نص صحيح).


- 5 - بردية بُدْمر الثانية ( 150 - 200 م )
موجودة بمكتبة بُدْمر وتحوي معظم إنجيل يوحنا ، وهي أهم مخطوطة بعد مخطوطات تشستر بيتي ، وكثيرون من العلماء يرجعون بتاريخها إلى منتصف القرن الثاني ، إن لم يكن إلى النصف الأول منه.

- 6 - الدياطسرون
ومعناه ( اتفاق الأجزاء الأربعة ) وهو إظهار الاتفاق بين البشيرين الأربعة ، كتبه تاتيان ( 160-220 م ).

- 7 - النسخة البيزية 450 م
موجودة في مكتبة كامبريدج ، وتحوي الأناجيل وأعمال الرسل باللغتين اليونانية واللاتينية.

- 8 - نسخة واشنطن ( أو نسخة الفريرية من 450 - 550 م )
تحتوي على الأناجيل الأربعة بالترتيب : متى ، يوحنا ، لوقا ، مرقس.

- 9 - نسخة كلارومنت ( 500 م )
وتحتوي على رسائل بولس الرسول ( في اللغتين اليونانية واللاتينية ).
وهذه المخطوطات القديمة ، وغيرها الكثير ، تُظهر :
أ- أن مخطوطات الكتاب المقدس أكثر جداً من مخطوطات أي كتاب قديم آخر.
ب- أن تاريخ المخطوطات الموجودة عندنا قريب جداً من تاريخ النص الأصلي ، إذا قارنا ذلك بأي مخطوطة أخرى لأي كتاب قديم.


تضاعُف المخطوطات :
كانت المخطوطات تُكتب على جلد ، وعندما تُمحى تُكتب مرة أخرى ، وقد أسهمت الدراسات والأجهزة الحديثة في مضاعفة المخطوطات عن طريق الأشعة تحت الحمراء التي أظهرت الكتابة القديمة أيضاً واتضح دقة تطابقها مع باقي المخطوطات.

شهادة علماء مخطوطات العهد القديم
قال السير فردريك كنيون ( يمكن للمسيحي أن يمسك بالكتاب المقدس كله في يده ، ويقول بغير خوف أو تردد إنه يُمسك بكلمة الله الحقيقية التي سُلِّمت عبر القرون من جيل إلى جيل بدون أن يُفقد شئ من قيمتها ). وندرك قيمة شهادة هذا العالِم إذا عرفنا أنه من أكبر علماء المخطوطات المعروفين في العالم ، وكان مديراً للمتحف البريطاني . وتظهر صحة مخطوطات العهد القديم ، لو عرفنا الاهتمام الزائد بنقل المخطوطات ، والذي يتضح من الخطوات التي كان اليهود يتبعونها في كتابتها ، بحسب أوامر التلمود :
1- الدرج المستعمل للقراءة في المجمع يجب أن يكون مكتوباً على جلد حيوان طاهر.
2- يجب أن يُجّهزه يهودي لاستعماله في المجمع.
3- تُجمع الرقاق معاً بسيور ماخوذة من حيوان طاهر.
4- يجب أن يحتوي كل رق على عدد ثابت من الأعمدة في كل المخطوطة.
5- يجب أن يتراوح طول كل عمود ما بين 48-60 سطراً ، وعرض العمود يحتوي على 30 حرفاً.
6- يجب أن تكون الكتابة على السطر ، ولو كُتبت ثلاث كلمات على غير السطر تُرفض المخطوطة كلها.
7- يجب أن يكون حبر الكتابة أسود ، لا أحمر ولا أخضر ولا أي لون آخر. ويتم تجهيزه طبق وصفة ثابتة.
8- يتم النقل بكل دقة من مخطوطة صحيحة تماماً.
9- لا يجب كتابة كلمة أو حرف أو نقطة من الذاكرة . يجب أن ينقل الكاتب كل شئ من المخطوطة النموذجية.
10- يجب ترك مسافة شعرة أو خيط بين كل حرفين.
11- يجب ترك مسافة تسعة حروف بين كل فقرتين.
12- يجب ترك مسافة ثلاثة سطور بين كل سفرين.
13- يجب إنهاء سفر موسى الخامس بانتهاء سطر . ولا داعي لمراعاة ذلك مع بقية الأسفار .
14- يجب أن يلبس الناسخ ملابس يهودية كاملة .
15- ويجب أن يغسل جسده كله .
16- لا يبدأ كتابة اسم الجلالة بقلم مغموس في الحبر حديثاً .
17- لو أن ملكاً خاطب الكاتب وهو يكتب اسم الجلالة فلا يجب أن يعيره أي التفات .

وكل مخطوطة لا تتبع فيها هذه التعليمات تُدفن في الأرض أو تُحرق أو تُرسل للمدارس لتُقرأ فيها ككتب مطالعة ، ولا تُستعمل في المجامع ككتب مقدسة.
ويقول السير فردريك كنيون إنهم أنهم أحصوا عدد الآيات والكلمات والحروف في كل سفر ، وعرفوا الآيات التي تحتوي كلماتها على كل حروف الأبجدية أو عدد معين منها ، ومع أن هذه الإحصاءات تافهة في نظرنا ، إلا أنها دليل قوي على احترامهم للأسفار المقدسة ، واهتمامهم البالغ بعدم سقوط حرف أو نقطة من النصوص المقدسة. ولهذا يستحقون كل ثناء . وقال العالِم اليهودي عقيبة في القرن الثاني الميلادي إن النقل المضبوط للتوراة صيانة لها . وهذا يُظهر الاهتمام الزائد بالأمانة في عمل المازوريين ( أخذوا اسمهم من مازورا ، بمعنى تقليد ).
وبالإضافة لمخطوطات النسخ الكاملة ، فهناك مخطوطات مثل :

- النسخة القاهرية ( 895 م )
موجودة في المتحف البريطاني ، وقد نسختها أسرة موسى بن أشير ، وهي تحوي كتابات الأنبياء المتقدمين والمتأخرين .
- نسخة الأنبياء في لننجراد ( 916 م )
تحوي نبوات أشعياء وارمياء وحزقيال والأنبياء الصغار .

النسخة البابلية ( 1008 )
وهي أقدم مخطوطة كاملة للعهد القديم وهي موجودة في لننجراد ، وقد نُسخت عن مخطوطة مضبوطة نسَخَها الحاخام هرون بن موسى أشير عام 1000 م.

- نسخة حلب ( 900 م )
وهي نسخة هامة جداً ، وقد تعَّرضت للضياع مرة ، ولكنها أكتُشفت مرة أخرى ، ولم تسلم من بعض التلف .

- نسخة المتحف البريطاني ( 950 م )
تحوي أجزاء من التكوين للتثنية .

- نسخة روخلن للأنبياء ( 1100 م )
جهزها ابن نفتالي المازورني .

واننا نتسائل :
كيف نتأكد أن مخطوطة من عام 900 م صحيحة وطِبق الأصل من المخطوطات القديمة السابقة لميلاد المسيح ؟
والإجابة :
شكراً لمخطوطات البحر الميت ، فإن مخطوطة إشعياء ترجع إلى ما قبل المخطوطات التي معنا بألف سنة ، فالعلماء يرجعون بتاريخ نسخها إلى ما بين 125 ق.م . أما بقية المخطوطات في وادي قمران فيرجع تاريخها إلى ما بين 200 ق.م وحتى 68 م . ولقد وُجد تطابق مذهل بين مخطوطة إشعياء القديمة ( 125 ق.م ) ومخطوطات الكتبة المازوريين ( 916 م ) مما يدل على دقة النساخ على مدى ألف عام .

ترجمات العهد القديم
تشتَّت اليهود في بلاد مختلفة ، فاحتاجوا إلى ترجمة كتبهم المقدسة إلى اللغة اليونانية السائدة في ذلك العصر ، فجاءت الترجمة السعينية ( LXX ) من العبرية إلى اليونانية في أثناء حكم بطليموس فيلادلفوس بمصر ( 285- 264 ق.م ) والترجمة السبعينية قريبة جداً من النسخة المازورية .
ويقول جيلسرونيكس عن الترجمة السبعينية :
1- إن الترجمة السبعينية أقامت جسراً بين اليهود المتكلمين بالعبرية والمتكلمين باليونانية ، وملأت احتياج يهود الاسكندرية .
2- إنها أقامت جسراً بين العهد القديم في اللغة العبرية التي كان يتكلمها اليهود وبين المسيحيين الذين كانوا يتكلمون اليونانية ، فاستطاعوا أن يستخدموها مع أسفار العهد الجديد .
3- وساعدت الكارزين على نقل الكتب المقدسة إلى العديد من اللغات واللهجات المختلفة .
4- أسكتت النقاد لتطابقها مع الأصل العبري .

الترجمات السامرية ( القرن الخامس ق.م )
وهي للأسفار الموسوية الخمسة .

الترجمة الكلدانية
والتي أطلق عليها ( الترجوم ) والتي احتاجها اليهود بعد سبيهم في القرن السادس قبل الميلاد .

اقتباسات من العهد القديم
تمت كتابة المشنا عام 200 م ، ومعناها ( التفسير ) وهي تحوي تقاليد اليهود وتفسيرهم للشريعة الشفوية . وكانت بالعبرية ويعتبرونها ( الناموس الثاني ) والاقتباسات التي بها من التوراة تماثل النسخة المازورية ، وهكذا تشهد لصحتها وهناك ( المدراش ) كُتب ما بين 100 ق.م - 300 م ) وهو دراسات عقائدية في العهد القديم ، وما به من اقتباسات يتفق مع النص المازوري .

اكتشاف أقدم نسخة للمزامير من القرن الرابع قبل الميلاد ببني سويف:
تحت هذا العنوان كتبت جريدة الاهرام القاهرية في صفحتها الأولى ، بتاريخ 21 يناير 1989 ( اكتشف علماء الآثار المصريون أقدم كتاب في العالم ، يضم ترانيم دينية من التوراة ، ويرجع تاريخه إلى القرن الرابع قبل الميلاد ، بإحدى المقابر ببلدة أهناسية ، بمحافظة بني سويف ، يتكون من 490 صفحة من الصحائف الرقيقة المصنوعة من أحد أنواع الورق التي كانت تستخدم في العصور القديمة ، ومكتوبة بخط اليد .
وصرح السيد جودت جبره مدير المتحف القبطي بالقاهرة أن هذا الكتاب هو أقدم كتاب كامل في العالم يحتوي على مزامير داود يتم كشفه حتى الآن.

( عرض مخطوطات البحر الميت رغم أنف إسرائيل ) :
تحت هذا العنوان في جريدة الأهرام القاهرية 24 سبتمبر 1991 ورد هذا الخبر عن تلك المخطوطات التي تحوي النسخ الأولى للتوراة - العهد القديم - والإنجيل . وما زالت المخطوطات تظهر تباعاً متطابقة مع ما لدينا .

شهادة علماء مخطوطات العهد الجديد
قال العالم الأثري الدكتور ألبريت : ( بفضل اكتشافات قمران ، نستطيع أن نتيقن أن العهد الجديد باق كما كُتب بمعرفة الأقدمين ، وهو الذي يحوي تعاليم المسيح ورسله ، وكلها لا يتجاوز تاريخ كتابتها الفترة ما بين 25-80 م.
ويقول جون وارويك مونتجمري : ( لو أننا جعلنا مخطوطات العهد الجديد موضع شك للزمنا أن نرفض كل الكتابات القديمة ، لأنه لا يوجد كتاب ثابت ببليوغرافياً مثل العهد الجديد )
يقول أ.ت. روبرتس مؤلف أقوى كتاب عن قواعد اللغة اليونانية للعهد الجديد : ( يوجد نحو عشرة آلاف مخطوطة للفولجاتا اللاتينية ، وعلى الأقل ألف مخطوطة من الترجمات القديمة ، ونحو 5,300 مخطوطة لأجزاء من العهد الجديد بكامله ، كما يوجد لدينا اليوم 24 ألف مخطوطة لأجزاء من العهد الجديد ، كما أننا نقدر أن نجمع أجزاء من العهد الجديد من اقتباسات الكُتّاب المسيحيين الأولين . وتطَابُق كل هذه الآلاف مع ما لدينا الآن يؤكد صحته ) .
وقد اقتبس آباء الكنيسة من العهد الجديد بكثرة تمكننا من تجميع العهد الجديد من اقتباساتهم ، وحتى لو أن كل ما عندنا من المخطوطات ضاع لتمكّنا من تجميع العهد الجديد من كتابات الآباء الأولين . ولقد انشغل السير دافيد دامبرل بفكرة لو ضاع العهد الجديد أو أُحرق في القرن الثالث الميلادي وقت الاضطهاد العنيف ، فهل كنا نقدر أن نعيد جمعه من الاقتباسات الموجودة بكتابات الآباء في القرنين الثاني والثالث ؟
وقضى السيد دافيد دالرمبل زمناً درس فيه كل ما وصل إلينا مما كتبه آباء القرنين الثاني والثالث ، ووصل إلى هذه النتيجة :
( لقد وجد كل العهد الجديد ، ما عدا 11 آية !! )
ويقول العلامة ف. هورت ( الذي قضى 28 سنة في دراسة نصوص العهد الجديد ) : ( هذه الكثرة من مخطوطات العهد الجديد ، والتي يعود الكثير منها إلى العصور الأولى التي تكاد تتصل بتاريخ كتابة النص الأصلي ، تجعل العهد الجديد يقف فريداً بين كل الكتابات الكلاسيكية القديمة ، ولا تدانيه في ذلك أي كتابات أخرى ).

ترجمات العهد الجديد
من الامور التي تؤيد صحة الكتاب المقدس ودقته ، وجود ترجمات قديمة له . ولم تترجم أية كتابات إلى لغات مختلفة كما تُرجم العهد الجديد ، لأن المسيحية ديانة تبشيرية . وقد ترجم الكارزون الأولون أسفار العهد الجديد إلى لغات الشعوب التي كانوا يكرزون لها لتساعدهم على نشر إيمانهم . وهكذا تُرجم العهد الجديد إلى السريانية واللاتينية والقبطية . وقد تمت الترجمتان السريانية واللاتينية حوالي عام 150 م ، وهذا أقرب ما يكون إلى زمن كتابة الأسفار الأصلية .

فالحفريات والمخطوطات القديمة إذن، أيدت الكتاب المقدس بصورة مذهلة, لأنه ما كان ليصدق أن الكتاب الإلهي يتفق مع التاريخ بهذه الدقة، وما زلنا نتوقع اكتشافات أخرى، لأن العلماء جادّون بالتنقيب, وتدل كل البراهين على أنه لم يعد هناك موضع لناقد أو معترض على أسفار العهد الجديد، وعلى التواريخ التي كتبت فيها,

ولا ريب في أن هذا التوافق بين الاكتشافات ونصوص الكتاب العزيز، يشكّل أقوى برهان على سلامة الوحي الإلهي وصدق أولئك الذين دوَّنوه,

قال العالم الأثري الدكتور أُلبرايت: بفضل اكتشافات قمران نستطيع أن نتيقن أن العهد الجديد هو كما كتب بمعرفة الأقدمين، وهو الذي يحوي تعاليم المسيح ورسله, وكلها يتجاوز تاريخ كتابتها الفترة ما بين 25 إلى 80 للميلاد ,


شهادة علم الآثار

منذ القديم كانت الأسفار المقدسة عرضة لتهجُّمات الكفرة والملحدين، لأنها تتعارض مع أفكارهم، وتكشف مساوئهم, ولهذا حاول كثيرون منهم أن يجدوا في الآثار والنقوش القديمة ما يخالف النصوص المقدسة, ولكن الاكتشافات جاءت مخيبة لآمالهم، لأن النقوش التي عثر عليها الباحثون في فلسطين وما بين النهرين كلها تؤيد ما ورد في الكتب المقدسة، حتى أن كثيرين من الملاحدة رجعوا إلى الإيمان، لأن الآثار التي اكتُشفت شهدت بصحة النصوص الكتابية,

كان الاعتقاد السائد لدى الباحثين أن الكتابة لم تكن مستعملة في فلسطين قبل العام 540 قبل الميلاد, أي أن موسى وعدداً آخر من رجال العهد القديم لم يكتبوا أسفارهم بأيديهم, كما أن الملحدين ادَّعوا بأن كَتَبة التوراة قد بالغوا في وصف أحداث وحضارة الشرق إلى حد يفوق التصديق، نظراً لمغايرة هذه الأسفار لأقوال المؤرخين القدماء,

ولكن الاكتشافات الحديثة نقضت نظرياتهم تماماً، لأنها جاءت مؤيدة تماماً لصحة الأسفار الإلهية في كل ما ورد فيها عن حضارة مصر وبابل وأشور, وقد ثبتت كل ما ذكرته عن سنحاريب، وتغلث فلاسر، ونبوخذ نصر، وغيرهم,

وإنه ليبهجنا أن تتيح لنا هذه الاكتشافات أن نرى لوحات نُقشت فيها الحروف التي كان يكتب بها موسى ويشوع وعزرا وصموئيل وغيرهم, وأن نتأكد أن الكتابة كانت معروفة في عهد إبراهيم وموسى وأيوب ونحميا، كما في أيامنا,

ومما يسعدنا أنه تم في زمننا قول المسيح إن الحجارة تتكلم, والواقع أنها تكلمت بما حوته من نقوش سجل فيها معظم الحوادث المهمة التي جاء الكتاب المقدس على ذكرها,

ـ 1 ـ قصة التكوين:
لقد جاء في النقوش البابلية والأشورية كتابات مذهلة عن رواية التكوين، لأنها جاءت متفقة مع ما جاء في الكتاب المقدس ولا تختلف عنها إلا ببعض الألفاظ, فمثلاً، يقول الكتاب المقدس إن الله عمل النورين العظيمين، النور الأكبر لحكم النهار، والنور الأصغر لحكم الليل والنجوم ـ تكوين 1: 16 ـ وتقول النقوش البابلية إن الله صنع السدوم والكواكب,

الكتاب المقدس يقول إن الله خلق البهائم والدبابات كأجناسها ـ تكوين 1: 24 ـ واللوحات البابلية تقول إن مجمع الآلهة خلق هذه الحيوانات,

الكتاب المقدس يقول إن الله خلق الإنسان من تراب الأرض ـ تكوين 2: 7 ـ , وقصة بابل تقول إن الإله مردوخ خلق الإنسان من اللحم والعظام,

ـ 2 ـ تعدد الآلهة:
يقول الكتاب المقدس إن البشر ارتدوا عن الله الحي وعبدوا آلهة متعددة، مما حدا بالأنبياء إلى بذل المحاولات لإرجاع الناس إلى عبادة الإله الواحد, أما العلماء الملحدون فزعموا أن الإنسان منذ البداية يعتقد بتعدد الآلهة, وبقيت هذه النظرية سائدة لدى الكثيرين إلى أن دحضها الدكتور س, هربرت, وهو أحد أعلام الحفريات وأستاذ الدراسات الأشورية في جامعة أكسفورد فقد قال هذا العلامة إن عقيدة الوحدانية في الديانات السامية والسومرية قد سبقت العقيدة بتعدد الآلهة,

وكذلك الاكتشافات الحديثة دحضت الرأي الذي كان سائداً في بعض الأوساط العلمية، والذي مفاده أن عقيدة التوحيد في الديانة اليهودية لم تكن موجودة قبل أن ينادي بها أنبياء القرن السابع أو الثامن قبل المسيح, فأكدَّ عدد عديد من النقوش أن موسى نادى بعقيدة التوحيد قبل أن يدخل العبرانيون أرض كنعان,

ـ 3 ـ قصة الطوفان:
قدَّم عِلم الآثار من الحفريات البابلية قصة رائعة للطوفان، تتفق مع ما جاء عنها في سفر التكوين، فقد ذكر في كل من النصين، التوراتي والبابلي، أن الطوفان وقع بترتيب إلهي, وفي كل من الروايتين، يحذر بطل القصة من كارثة مزمعة أن تقع على العالم, وبعد التحذير بنى فلكاً له ولعائلته, ثم أخذ معه حيوانات إلى الفلك، اثنين من كل جنس ذكراً وأنثى لاستبقائها, وحين هدأت العاصفة وانسدت ينابيع الغمر استقر الفلك على قمة جبل، فأرسل البطل طيوراً للاستكشاف, وفي نهاية الطوفان قدم قرباناً لله، فاستجاب الله له، وأكّد له الأمان,

ـ 4 ـ أور الكلدانيين:
قبل التنقيب في أراضي العراق، لم يكن علماء الكتاب المقدس يعلمون مدى الحضارة التي وُجدت هناك، والتي دلت على أن تلك الأرض القفراء كانت يوماً جنة تجري من تحتها الأنهار, وقد قامت في وسطها عاصمة لأمة عريقة في الحضارة, ومما أكدته الحفريات هناك، أنه في أحقاب التاريخ البعيدة، وفد السومريون إلى تلك البقعة واستوطنوها، وأنشأوا فيها حضارة عظيمة,

أما عن ديانتهم فكانوا يؤمنون بتعدد الآلهة, وكان لكل عائلة صنمها الخاص, وهذا يفسر لنا تصرُّف راحيل حين سرقت آلهة لابان أبيها، قبل هربها مع زوجها يعقوب ـ تكوين 31: 27-32 ـ ,

وقد أثبتت لنا تلك الحفريات أن إبراهيم لم يكن مجرد شيخ قبيلة بدوية، من سكان الخيام، بل كان ينتسب إلى شعب عريق في مدنيته، كان يسكن في حاران, وهذا يتفق تماماً مع نص الكتاب المقدس ـ تكوين 11: 28-31 ـ ,

وإذا تأملنا في رحلة إبراهيم الطويلة، نرى أن أبا المؤمنين مر بدوثان وبيت إيل وشكيم, وهي مدن ورد ذكرها في الكتاب المقدس,

ودلَّت الآثار المكتشفة في فلسطين على صحة ما جاء في الكتاب المقدس عن المنطقة الواقعة جنوب البحر الميت، التي قضى فيها إبراهيم ردحاً من الزمن، والتي كانت مزدهرة ومزدحمة بالسكان، في عهد إبراهيم,

ـ 5 ـ قصة يوسف:
كان يوسف فريسة لمكيدة قاسية دبرها إخوته، فقد باعوه إلى إحدى قوافل مصر, ولكن إذ كان باراً، جعل الله الأشياء تعمل معاً لخيره, فقد وجد نعمة في عيني فرعون، فرفعه وجعله وزيراً لخزانة مصر, وقد تأكدت هذه القصة، بتأييد لوحة اكتُشفت في مقبرة أحد عظماء مصر، المدعو ألقاب والذي كان معاصراً ليوسف, فقد قرأ العلماء في هذه اللوحة أن مجاعة رهيبة حدثت في أيامه وأن الدولة وزعت على الشعب الغلال التي اختزنها وزير الخزانة في سني الخصب, ومقابل ذلك، استولت الدولة على أملاكه, وهذه الرواية توافق تماماً ما جاء في ـ تكوين 47: 18-22 ـ ,

ـ 6 ـ عبودية العبرانيين في مصر:
اكتشفت في مصر منحوتة، يعود تاريخها إلى تحتمس الثالث، تمثّل العبرانيين وهم يقومون ببناء هيكل لفرعون, وكذلك اكتُشفت عدة خرائب تبلغ سماكة جدران الأبنية فيها ثمانية أقدام, وهي مبنية باللبن الممزوج بالتبن، والمجفف بحرارة الشمس, وهذا الاكتشاف يؤيد ما جاء في خروج 5: 7,

ـ 7 ـ خروج العبرانيين من مصر:
عثر في تل العمارنة عام 1888 على لوحة منقوشة بالخط المسماري، كان حكام فلسطين قد أرسلوها إلى فرعون مستنجدين به لمساعدتهم ضد غزوات شعب خطير، دُعي باسم عبيرو، الذي معناه العبرانيون,

ـ 8 ـ موسى والناموس:
كان الاعتقاد السائد لدى بعض العلماء أن الناموس يعود إلى فترة لاحقة لزمن موسى, إلا أن التنقيب عن الآثار، الذي قام به العالم ده مورجان عام 1884 أيد الكتاب المقدس في قوله إن الناموس أُعطي بموسى, فقد اكتشف هذا الباحث كنزاً من المخطوطات في قصر شوشن، المذكور في سفر أستير، أيَّدت ما جاء في الكتاب المقدس عن ناموس موسى,

ـ 9 ـ قصص الكتاب عن بعض الشعوب القديمة:
اكتُشف في رأس الشمرة، على بعد عشرة أميال شمال اللاذقية بقايا مدينة أوغاريت، التي تأسست عام 2000 قبل الميلاد, وعثر فيها على مئات من الألواح تؤيد قصص الكتاب المقدس عن الفرزيين والحيويين والحثيين,

ـ 10 ـ لوحات مصرية تثبت وجود الحثيين:
إلى عهد قريب كان علماء التاريخ يشكون في وجود الحثيين، الذين اشترى إبراهيم منهم مغارة المكفيلة وجعلها مقبرة لزوجته سارة ـ تكوين 23: 8-9 ـ وبقي هذا الشك إلى أن عثر على أخبارهم في لوحات أثرية مصرية, وتذكر إحدى هذه اللوحات أن معركة دارت بينهم وبين قوات رمسيس الثاني بالقرب من قادش، عام 1287 قبل الميلاد,

-11- خلال الحفريات في أريحا ( 1930 - 1936 م ) :
وجد العالِم ( جارستانج ) شيئاً غريباً جعله يحرر وثيقة يُوقّع عليها هو واثنان من العلماء يقول فيها : ( لاشك أن أسوار أريحا سقطت تماماً إلى الخارج في مكانها ، حتى يتمكن المهاجرون من أن يصعدوا فوقها ويدخلوا أريحا . والغريب في ذلك أن أسوار المدن لا تسقط إلى الخارج بل تسقط عادة إلى الداخل ، ولكن أسوار أريحا سقطت في مكانها إلى الخارج كما جاء في ( يشوع 6 : 20 ) (( فسقط السور في مكانه وصعد الشعب إلى المدينة ..)).

-12- حادثة وقوف الشمس في كبد السماء : ( يشوع 10 : 12 - 14 ) .
أمكن التأكد من حدوثها عن طريق الأجهزة الحديثة جداً والتي تقيس فروق تعاقب الليل والنهار ، وأثر ذلك في الحفريات وطبقات الأرض ، فتأكد العلماء من وقوف الشمس نحو يوم كامل ( مرة واحدة في القرن 13 ق.م ) كما سجل لنا الوحي بالتمام ( بالطبع المقصود وقوف المواجهة ، فالأرض هي التي تدور حول الشمس ).

والشئ الذي تأكد على مر الأزمان أن كل الاكتشافات الأثرية لم تخالف الكتاب المقدس بل على العكس أيدته .


الفصل السابع
الكتاب الفريد


مقدمة :

كثيراً ما أسمع كلمات، تتكرر كالاسطوانة المشروخة، تقول: "غير معقول أنك تقرأ الكتاب المقدس" أو: "الكتاب المقدس كأي كتاب آخر يجب الاطلاع عليه" .. الخ. وهناك طالب يفتخر بأن الكتاب المقدس هو من أحد الكتب الموجودة عنده، مع أن الغبار يعلوه، وهو لـم يقرأه، لكنه يحتفظ به بين "روائع الكتب".
وهناك الأستاذ الذي يقلّل من قيمة الكتاب أمام طلبته، ويضحك ضحكة نصف مكبوتة من الذين يقرأونه، ومن الذين يحتفظون به في مكتباتهم !
ولقد حيَّرتني هذه الأفكار والملاحظات، عندما حاولت كشخص بعيد عن المسيح، أن أدحض أن الكتاب المقدس هو كلمة اللّه للناس .. وأخيراً، وجدت أنها عبارات مبتذلة من أشخاص منحازين أو موتورين أو جاهلين، عبارات صارت رثَّة لكثرة استعمالها !
والحقيقة هي أن الكتاب المقدس يجب أن يُوضع في أرفع مكان، لأنه كتاب فريد. وكل الأوصاف التي وصَلْتُ إليها عن الكتاب المقدس يمكن إيجازها في أنه كتاب "فريد" !
ولا بد أن وبستر (صاحب القاموس) كان يفكر في "كتــــاب الكتـــب" عندما كتب تعريفاً لكلمة "فريد" جاء فيه :

1 - الواحد، الوحيد، المنفرد.
2 - المختلف عن كل ما عداه، الذي لا شبيه له.
ولقد صرف الأستاذ مونتيرو وليامز 42 سنة يدرس الكتب الشرقية، وكتب مقارنة بينها وبين الكتاب المقدس قال فيها
"كوِّمْ هذه الكتب على جانب مكتبك الأيسر، إذا شئت، ولكن ضع كتابك المقدس على الجانب الأيمن، وحده بمفرده، وبينه وبينها كلها مسافة. فهناك فعلاً مسافة كبيرة تفصل هذا الكتاب الواحد عنها كلها فصلاً كاملاً للأبد. إنها مسافة حقيقية، لا يمكن أن يُقام عليها جسر (كوبري) من أي عِلم أو فكر ديني".

والكتاب المقدس فريد يختلف عن كل الكتب الأخرى في المجالات التالية وكثير غيرها

أولاً - فريد في ترابطه :
1 - فقد كُتب في فترة بلغت نحو 1600 سنة.

2 - في فترة أكثر من ستين جيلاً.

3 - كتبه أكثر من أربعين كاتباً، من كل مسالك الحياة، منهم الملِك والفلاح والفيلسوف والصياد والشاعر والحاكم والعالِم .. الخ، فمنهم :
موسى القائد السياسي الذي تلقَّى تعليمه في الجامعات المصرية.
وبطرس الصياد.
وعاموس راعي الغنم.
ويشوع القائد العسكري.
ونحميا رجل البلاط الملكي.
ودانيال رئيس الوزراء.
ولوقا الطبيب.
وسليمان الملك.
ومتّى جابي الضرائب.
وبولس رجل الدين.

4 - وقد كُتب في أماكن مختلفة :
كَتب موسى في الصحراء.
وإرميا في جب السجن المظلم.
ودانيال على جانب التل أو في القصر.
وبولس داخل السجن.
ولوقا وهو مسافر.
ويوحنا في جزيرة بطمس.
وآخرون في أرض المعارك.

5 - وكُتب في أزمنة مختلفة :
كتب داود في وقت الحرب.
وسليمان في وقت السلم.

6 - وكُتب في أحوال نفسية مختلفة :
كَتَب البعض في قمة أفراحهم، وآخرون في عمق أساهم وفشلهم.

7 - كُتب من ثلاث قارات :
آسيا وأفريقيا وأوروبا.

8 - وكُتب بثلاث لغات :
العربية وهي لغة العهد القديم، وتُدعى في 2 ملوك 26:18-28 اللسان "اليهودي" وتدعى في إشعيا 18:19 "لغة كنعان".
والآرامية، وقد كانت هي اللغة الشائعة في الشرق الأوسط إلى أن جاء الاسكندر الأكبر (من القرن السادس إلى القرن الرابع ق.م.). (2)
أما اليونانية، لغة العهد الجديد، فكانت اللغة الدولية في زمن المسيح.
9 - أما موضوعاته فقد حوَتْ مئات المسائل الجدلية، التي تثير الخلافات الفكرية، وتستحق المناقشة .. غير أن كل كُتَّاب الكتاب المقدس تحدثوا عن كل هذه المسائل باتفاق كامل، وبترابط شديد، من التكوين للرؤيا، إذ شرحوا "فداء اللّه للإنسان". وقد قال أحد المؤلفين: "الفردوس المفقود في التكوين يصبح الفردوس المردود في سفر الرؤيا. ويُغلق باب طريق شجرة الحياة في التكوين، ولكن يُفتح للأبد في الرؤيا" (3). ويقول كاتب آخر: "أي جزء في الجسم الإنساني لا يمكن فهمه إلا في نور ارتباطه بالأجزاء الأخرى، وهكذا لا يمكن فهم جزء من الكتاب المقدس إلا في نور ارتباطه ببقية الأجزاء". ثم يمضي الكاتب نفسه ليقول: "يبدو الكتاب المقدس للوهلة الأولى أنه مجموعة كتابات أدبية يهودية، ولكن لو فكرنا في الظروف التي كُتبت فيها تلك الكتابات لوجدنا أنها كُتبت على مدى 1400 سنة أو نحوها، من بلاد مختلفة امتدَّت رقعتها من إيطاليا في الغرب إلى العراق وربما إيران في الشرق".
وكان الكُتَّاب من جنسيات مختلفة، تفصلهم عن بعضهم مئات الأميال ومئات السنوات، كما كانوا من مختلف مسالك الحياة. كان منهم الملوك والرعاة والجنود والمشرّعون والصيادون ورجال دولة وكهنة وأنبياء وصانعو خيام وأطباء ... وغيرهم ممن لا نملك عنهم معلومات كافية. أما الكتابات فهي من مختلف أنواع الأدب، فهناك التاريخ والقانون (المدني والجنائي والأخلاقي والديني والصحي) والشعر الديني والمقالات القصيرة والأمثال والكتابات الرمزية وتواريخ الحياة والمراسلات والمذكرات الشخصية، والكتابات النبوية. ومن هذا كله نرى أن الكتاب المقدس ليس مجموعة زهور، لأن وحدة واحدة تربطه معاً. إن مجموعة الزهور تحتاج إلى من ينسِّقها، لكن الكتاب المقدس لـم ينسّقه أحد سوى روح اللّه القدوس.
10 - خاتمة لفكرة الترابط - مقارنة مع أعظم الكتب في العالـم الغربي. ذات يوم زارني في منزلي مندوب مبيعات ليبيع لي مجموعة كتب "أعظم الكتب في العالـم الغربي" وعرض الكتب عليَّ، وقضى خمس دقائق يتحدث عنها، فصرفت ساعة ونصف الساعة أحكي له عن أعظم الكتب ! ولقد تحديته أن يأخذ كتابات عشرة مؤلفين فقط، من مسلك واحد، ومن جيل واحد ومكان واحد ومزاج واحد وقارة واحدة ولغة واحدة، في موضوع جدلي واحد (الكتاب المقدس يتكلم عن مئات المواضيع في انسجام كامل). ثم سألته: "هل يتفق أولئك الكتَّاب" فأجاب بالنفي. وسألته: "ماذا ستجد؟" فقال "خليطاً". وبعد يومين سلَّم مندوب المبيعات هذا حياته للمسيح (موضوع الكتاب المقدس).
فلماذا كل هذا ؟ الإجابة بسيطة ! أي شخص يفتش بإخلاص عن الحق سيعتبر الكتاب المقدس كتاباً فريداً.

ثانياً - فريد في توزيعه :
أقدم هنا الأرقام التي أذاعتها جمعية الكتاب المقدس، وهي مأخوذة عن مجموعة من الكتب العالمية مثل الموسوعة البريطانية والأميركية ... الخ.
لقد قُرئ الكتاب المقدس، وتمت ترجمته إلى لغات أكثر من أي كتاب آخر، كما أن النسخ التي أُنتجت منه كله، أو من أجزاء منه، فاقت إنتاج أي كتاب آخر في التاريخ. قد يجادل البعض بأن كتاباً ما وزّع منه - في شهر ما - أكثر من الكتاب المقدس في ذلك الشهر، ولكن الكتاب المقدس مستمر في التوزيع. ولقد كان أول كتاب كبير يُطبع هو الكتاب المقدس في ترجمة الفولجاتا اللاتينية، وطُبع في مطبعة جوتنبرج (4). قال أحدهم إن جمعية الكتاب المقدس، منذ ثلاثين عاما، اضطرت أن تطبع منه نسخة كل ثلاث ثوان، ليلاً ونهاراً، و1369 نسخة كل ساعة ليلاً ونهاراً، و876،32 نسخة كل يوم في السنة. ومن الممتع أن نلاحظ أن هذه الكتب إن وُضعت في 4583 صندوقاً تزن 490 طناً (5). ولـم يحدث لكتاب في التاريخ أن وُزع بهذه الكمية، باستمرار. وقد يقول معارِض : "هذا لا يبرهن أن الكتاب المقدس هو كلمة اللّه !" ولكن هذا يبرهن أن الكتاب المقدس كتاب فريد.

ثالثاً - فريد في ترجمته :
هو أول كتاب تُرجم، فقد تُرجمت النسخة السبعينية، من العبرية لليونانية عام 250 ق.م. (6). واستمرت ترجمات الكتاب المقدس منذ ذلك التاريخ ! قالت الموسوعة البريطانية (المنشورة عام 1970) إن الكتاب المقدس حتى عام 1966 كان قد تُرجم كله إلى 240 لغة ولهجة، كما تُرجم سفر كامل منه أو أكثر إلى 739 لغة أخرى، ونُقلت أجزاء منه إلى 1280 لغة ولهجة. كما قالت الموسوعة إن ثلاث آلاف مترجم كانوا يعملون في ترجمة الكتاب المقدس بين عامي 1950 و 1960.
أما في سنة 1984 فكان الكتاب المقدس قد وصل إلى 1808 لغة ولهجة. ولـم يفقد الكتاب المقدس شيئاً في ترجمته، فمعجزته معجزة معنى ومُحتوى ورسالة. إنه إعلان محبة اللّه للبشر

رابعاً - فريد في بقائه
1 - بقي خلال الزمن لقد كُتب على مواد قابلة للفناء (طالع بداية الفصل القادم)، وكان يجب أن يُنقل بخط اليد على مدى المئات من السنين قبل اختراع المطابع، ولكن هذا لـم ينقص من أسلوبه أو صحته أو بقائه. وتوجد اليوم مخطوطات قديمة من الكتاب المقدس تزيد عن المخطوطات الموجودة لعشر كتب من الروائع القديمة مجتمعة معاً (طالع الفصل الرابع). وقال أحد الكُتَّاب: "هناك ثـمانية آلاف مخطوطة للفولجاتا اللاتينية، وعلى الأقل ألف مخطوطة من ترجمات أخرى. وهناك أربعة آلاف مخطوطة باليونانية و13 ألف مخطوطة لأجزاء من العهد الجديد. فضلاً عن أجزاء بكاملها من العهد الجديد يمكن تجميعها من الاقتباسات المأخوذة عن كتابات المسيحيين الأولين" (7). ولو أننا نظرنا باستخفاف إلى هذا السيل من المخطوطات القديمة لتركنا الكتابات الكلاسيكية القديمة كلها تضيع هباء.
قال أحد الدارسين : "حافظ اليهود على مخطوطات الكتاب كما لـم يحدث مع أي مخطوطة أخرى. لقد حافظوا على شكل وعدد كل حرف ومقطع وكلمة وفقرة. وكانت عندهم طبقة خاصة من الناس متخصصون في نسخ هذه المخطوطات بكل أمانة ودقة، هم جماعة "الكتبة". فأي شخص أحصى حروف ومقاطع وكلمات كتابات أفلاطون أو أرسطو أو شيشرون أو سنيكا ؟ أمّا في العهد الجديد فعندنا 13 ألف مخطوطة كاملة أو ناقصة، باليونانية وبلغات أخرى. ولـم يحدث لأي عمل قديم أن لقي هذا الاهتمام أو الحفظ" (8).
في مقال لمجلة "نورث أمريكان ريفيو" نشر أحدهم مقارنة ممتعة بين كتابات شكسبير والكتاب المقدس، أوضح فيها أن الكتاب لا بد أنه لقي اهتماماً خاصاً يفوق كل اهتمام لقيه أي كتاب آخر. وقال إنه من الغريب أن نصوص شكسبير التي صدرت منذ 208 سنة فقط بها الكثير من المشكوك فيه ومما تناوله التغيير، بينما العهد الجديد الذي عمَّر أكثر من 18 قرناً (عاش خمسة عشر قرناً منها في مخطوطات خطِّية) ليس به هذا العيب. إن كل نصوص العهد الجديد (باستثناء اثنتي عشرة أو عشرين آية) مضبوطة تماماً بإجماع العلماء. ويدور الاختلاف في القراءات حول تفسير الكلمات (المعنى) لا حول الكلمات نفسها. هذا بينما نجد في كل رواية من روايات شكسبير السبع والثلاثين، نحو مئة قراءة مختَلَفٌ عليها، يؤثّر الكثير منها على المعنى المقصود (5).
2 - لقد بقي خلال الاضطهادات العنيفة، إذ لـم يلقَ كتاب آخر مثلما لقيه الكتاب المقدس من اضطهاد. حاول كثيرون أن يحرقوه ويمنعوه، منذ أيام أباطرة الرومان حتى الحكم الشيوعي في العصر الحاضر. وقال الملحد الفرنسي المشهور فولتير (توفي عام 1778) إنه بعد مائة سنة من وقته ستكون المسيحية قد امَّحت وصارت تاريخاً. ولكن ماذا حدث؟ لقد صار فولتير في ذمة التاريخ، وزاد توزيع الكتاب المقدس في كل جزء من العالـم، يحمل البركة أينما وُجد. فمثلاً بُنيت الكاتدرائية الإنكليزية في زنزبار على موقع سوق العبيد القديم. ووُضعت مائدة العشاء الرباني فوق البقعة التي كان العبيد يُجلَدون فيها. وهناك الكثير من مثل هذه الحالة. إنَّ وضْع أكتافنا في عجلة لنمنع دوران الشمس أسهل من أن نُوقف توزيع الكتاب المقدس. ولـم تمض خمسون سنة على وفاة فولتير حتى استعملت جمعية جنيف للكتاب المقدس مطبعته ومنزله لنشر الكتاب المقدس ! (1)
في عام 303 م أصدر دقلديانوس أمراً بالقضاء على المسيحية وكتابها المقدس، بإحراق الكنائس والكتب المقدسة، وحرمان كل مسيحي من الحقوق المدنية. ولكن الامبراطور الذي خَلَفه على العرش كان قسطنطين الذي أوصى يوسابيوس بنسخ خمسين نسخة من الكتاب المقدس على نفقة الحكومة.
إن الكتاب فريد في بقائه، لا يسنده في هذا البقاء إلا ما جاء فيه والإعلان الذي جاء به، لأنه من عند اللّه. وهذا يعني أنه يقف متفردا بين كل الكتب، وعلى كل باحث عن الحق أن يدرس هذا الكتاب الفريد الذي يتميز بهذه الصفات.
3 - بقي برغم النقد. حاول الملحدون على مدى ثـمانية عشر قرناً أن يلقوا بالكتاب جانبا، لكنه بقي كصخرة صامدة، زاد توزيعه، وزاد حب الناس له، لـم يؤثر فيه نقد النقاد كما لا يؤثر خبط مطرقة صغيرة في بناء الهرم. عندما حاول الملك الفرنسي أن يضطهد المسيحيين في دولته قال له محارب قديم من رجال الدولة: "يا سيدي، إن كنيسة اللّه هي السندان الذي أبلى كل المطارق". ولقد حاولت مطارق كثيرة إيذاء الكتاب المقدس، فبليت هي وبقي هو ! ولو لـم يكن هذا هو كتاب اللّه، لدمَّره البشر منذ زمن طويل. لقد حاول ملوك وبابوات، وأباطرة وكهنة، وأمراء وحكام أن يمدُّوا أيديهم إليه بالأذى، فماتوا هم، وبقي هو حياً (5). لقد أعلن البعض، آلاف المرات، موت الكتاب، ورتّبوا جنازته، وجهزوا شاهد قبره، لكن الكتاب ظل حياً، ولـم يحدث أن كتاباً آخر لقي كل هذه الغربلة والطعنات، فأي كتاب من كتب الفلسفة أو المذكرات لقي ما لقيه الكتاب المقدس من تجريح، على كل آية فيه .. ولكن الكتاب المقدس بقي محبوباً من الملايين، يقرأه الملايين ويدرسه الملايين، لأنه يملأ احتياجات الملايين.
وقد جاءت موجة ما سُمِّيت "بالنقد العالي" للكتاب، ولكنها سقطت الآن. قالوا مثلاً إن موسى لـم يكتب الأسفار الخمسة، لأن الكتابة لـم تكن معروفة زمن موسى، فلا بد أن الكاتب جاء بعد زمن موسى. بل إن النقاد قسموا كل آية إلى ثلاثة أجزاء، وعزوا كل جزء إلى كاتب معيَّن، وهكذا بنوا ما دعوه "النقد العالي" !
ولكن العلم اكتشف شريعة حمورابي، الذي كان سابقا لموسى، وسابقاً لإبراهيم (2000 ق.م.) فكانت الكتابة قبل موسى بثلاثة قرون على الأقل، ولا زال العلماء يدرسون "النقد العالي" ولكن باعتبار أنه نظرية خاطئة.

ومضى النقاد يقولون إن أسوار أريحا لـم تسقط في مكانها كما ورد في يشوع 20:6. ولكن الحفريات برهنت صدق القصة الكتابية. وقال النقاد إنه لـم يكن هناك شعب اسمه "الحثّيون" لأننا لـم نجد لهم مكاناً في التاريخ العالمي ولكنهم كانوا مخطئين، فقد كشفت الحفريات عن مئات الإشارات إلى الحضارة الحثية التي استمرت نحو 1200 عام. وقد قال العالـم اليهودي نلسون جليك (يُعتبر أحد أعظم ثلاثة علماء للحفريات) : "لقد اتَّهموني أني أعلّم بالوحي الحرفي الكامل للكتب المقدسة، وأحب أن أقول إنني لـم أقل هذا. ولكني لـم أجد في كل بحوثي في الحفريات ما يناقض أي عبارة من كلمة اللّه" (9).
لقد وقف الكتاب وقفة فريدة في وجه النّقاد، لـم يثبت كتاب آخر غير في مثل هذا الموقف كما ثبت هو. وكل من يفتش عن الحق، عليه أن يدرس هذا الكتاب ليجده فوق كل نقد !.

خامساً : فريد في تعاليمه :
1 - فريد في تعاليمه النبوية. قال ولبر سميث، الذي قرأ بضعة آلاف من الكتب، إن هناك اتفاقاً عاماً على أن هذا الكتاب أعظم ما كُتب خلال الخمسة آلاف سنة. فهناك نبوّات متعددة عن الناس والدول والمدن، وعن مجيء شخص هو "المسيّا". ولقد كان عند الأقدمين طرق مختلفة لمعرفة المستقبل، ولكننا لا نجد في كل الآداب اليونانية أو اللاتينية (رغم أنهم يستعملون كلمة نبي ونبوة) أية نبوة هامة صادقة حدثت تاريخياً، كما لا نجد بها أي نبوة عن المخلّص الآتي لينقذ العالـم (10).
2 - فريد في تاريخه. من سفر صموئيل الأول إلى سفر أخبار الأيام الثاني نجد تاريخ بني إسرائيل عبر نحو خمسة قرون. فقد كان اليهود عباقرة في تسجيل تاريخهم، كما أن العهد القديم هو أقدم وثيقة تاريخية. ويقول ولبر سميث: "تعلو الأمة اليهودية على سائر الأمم في تسجيل تاريخها بوضوح معطية سلسلة الأنساب. ونحن لا نجد في كتابات مصر أو بابل أو أشور أو فينيقية أو روما أو اليونان أي شيء مشابه، كما لا نجد ذلك في كتابات الألمان أو الهنود أو الصينيين. فإن هؤلاء جميعاً لا يعطون سلسلة نسب الملك قبل أن يتولى المملكة، ولا يذكرون أن جدوده كانوا رعاة أو من أهل البادية الرحَّل. وقد ذكر الأشوريون أن حكامهم الأولين، الذين لـم يوردوا أية تفصيلات عن أعمالهم أو عن حياتهم، كانوا من سكان الخيام، ولكنهم أغفلوا ذكر : مِن أين جاءوا ! (10).
3 - فريد في شخصياته. قال أحدهم عن الكتاب: "ليس الكتاب المقدس كتاباً يقْدِر إنسان أن يكتبه لو شاء، أو يريد أن يكتبه لو أنه قدر". ذلك أن الكتاب يَذكر خطايا أبطاله وعيوبهم. إقرأ سيَر حياة إنسان اليوم، وانظر كيف يحاول الكاتب تغطية عيوب البطل، متغافلاً عن النواحي الضعيفة فيه. إنهم يصوّرون الناس كالقديسين. ولكن الكتاب المقدس لا يفعـل ذلـك. إنـه ببســاطة

يذكرها كما هي :
إدانة خطايا الناس (التثنية 24:9).
خطايا الآباء الأقدمين (تكوين 11:12-13، 5:49-7).
يسجل كتاب الأناجيل عيوبهم وعيوب الرسل (متى 31:26-56، 10:8-26، يوحنا 6:10، 32:16، مرقس 52:6، 18:8، لوقا 24:8و25، 40:9-45).
كما يسجلون عيوبنا في الكنيسة (1كورنثوس 11:1، 1:5، 2كورنثوس 4:2 - الخ).

ويسأل البعض : لماذا يورد الكتاب قصة خطية داود مع بثشبع ؟ والجواب : أنه يحكي جوانب القوة كما يحكي جوانب الضعف ! إنه يروي الحقيقة كما هي، الأمر الذي يكشف لنا أنه لـم يَمْشِ على أرضنا شخص كامل واحد إلا المسيح ابن مريم !
سادساً - فريد في تأثيره على الأدب :

قال أحد الأفاضل: "لو أن كل نسخة من الكتاب المقدس أُبيدت، لأمكن استرداد كل الأجزاء الهامة من الكتاب المقدس من الاقتباسات المأخوذة منه في كتب مكتبة المدينة ! وهناك كتب كثيرة توضح كيف تأثر أعظم الأدباء بالكتاب المقدس".
قال المؤرخ فيليب شاف، يصف تفرُّد المسيح: "يسوع الناصري هذا، بدون سلاح ولا مال، هزم ملايين من الناس أكثر ممن هزمهم الاسكندر وقيصر ونابليون وغيرهم. وألقى ضوءاً على الأمور الأرضية والسماوية أكثر مما فعل كل الفلاسفة والمعلمين مجتمعين !
وفي عبارات بسيطة تحدَّث بكلمات الحياة التي لـم ينطق أحد بمثلها، لا قبله ولا بعده وترك تأثيراً لا يدانيه فيه خطيب ولا شاعر. وبدون أن يكتب سطراً واحداً أوحى للكثيرين ليكتبوا، وأعطى أفكار آلاف المواعظ والخطب والمناقشات والمؤلفات وأعمال الفن والترانيم التي سطّرها عظماء الرجال في الماضي والحاضر".
وقال كاتب آخر: "منذ عصر الرسل وحتى عصرنا الحاضر نرى نهراً متدفقاً من الأدب الذي أوحى به الكتاب المقدس، فهناك قواميس الكتاب وموسوعات الكتاب، وفهارس الكتاب، وأطالس الكتاب، ومعاجم الكتاب وجغرافية الكتاب. وهناك آلاف الكتب التي تدور حول اللاهوت والتربية المسيحية والترانيم والمرسليات ولغات الكتاب وتاريخ الكنيسة والشخصيات الدينية والكتابات التعبدية والتفاسير وفلسفة الدين .. وغير ذلك من المؤلفات التي لا تُعد ولا تُحصى" (5).
وقال كنث لا توريت المؤرخ المسيحي العظيم : "من براهين عظمة يسوع وتأثيره الخارق على البشر جميعا، أن هذه الحياة التي لـم يعش مثلها أحد على كوكبنا قد أنتجت مجلدات من الإنتاج الأدبي وسط كل الشعوب وبكل اللغات، ولا زال السيل ينهمر دون توقف" (11).

والخاتمة واضحة :

إن ما قلناه هنا لا يبرهن على صحة الكتاب المقدس، لكنه يبرهن تفرّد الكتاب عن كل ما عداه من كتب. وقد قال لي أحد الأساتذة: "لو أنك إنسان ذكي لقرأت الكتاب الوحيد الذي جذب أعظم الانتباه، هذا إن كنت تفتش عن الحق".

ملحوظة :

كان الكتاب المقدس أول كتاب ديني يؤخذ إلى الفضاء الخارجي، مصوراً على الميكروفيلم. وهو أول كتاب قُرئ هناك، فهو يصف مصدر الأرض. فقد قرأ رجال الفضاء تكوين 1:1 "في البدء خلق اللّه" .. ولكن تأمل كيف قال فولتير إنه لن يأتي عام 1850 إلا ويختفي الكتاب المقدس.
ويمكن أن تقول إن هذا أغلى كتاب، فقد بيعت النسخة من ترجمة الفولجاتا اللاتينية التي طبعها جوتنبرج بمبلغ مائة ألف دولار، وباع الروس نسخة قديمة من الكتاب المقدس (النسخة السينائية) لبريطانيا بمبلغ 510 ألف دولار.
وقد كانت أطول برقية في العالـم هي نص العهد الجديد (في الترجمة الإنكليزية المعروفة بالترجمة المنقحة RV) التي أرسلت من نيويورك إلى شيكاغو (5).





الفصل الثامن
شهادة الإسلام لصحة التوراة والانجيل


شهد القرآن للأسفار الإلهية بالصحة، وكل من يطالعه يندهش لشهادته الصريحة لصحة ما جاء فيها, وهي شهادة من الوضوح بمكان حتى أنها لا تقبل التأويل،
وقد وردت في عدد من السُّور, منها:

إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا والرَّبَّانِيُّونَ والأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ـ سورة المائدة 5: 44 ـ ,

وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ـ سورة المائدة 5: 46 ـ ,

وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ـ سورة المائدة 5: 48 ـ ,

ففي الآية الأولى يشهد القرآن لصحة التوراة، وأنها هدى من الضلالة، ونور لبيان الأمور التي يحكم بها النبيون بموجب ما استحفظهم الله من كتابه، وكانوا شهوداً أنه حق,

وفي الآية الثانية بيان أن المسيح صدَّق على التوراة أنها حق, وكذلك إنجيله، الذي فيه هدى ونور وموعظة جاء مصدقاً لما قبله من الكتب الإلهية,

وفي الآية الثالثة يؤكد القرآن أنه أُنزل إلى محمد مصدِّقاً لما بين يديه من الكتاب, وأنه مُعيَّن حارساً له, وأنه يوصيه بأن يحكم بموجب ما أنزل الله فيه من تأييد للتوراة والإنجيل,

ويذهب القرآن في تأييده للتوراة والإنجيل إلى حضّ أهلهما على إقامة ما جاء فيهما من تعاليم إذ يقول:

قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ والإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ـ سورة المائدة 5: 68 ـ ,

وكذلك يحض أهل الإنجيل على إقامة أحكام ما جاء في كتابهم، ويصف الذين يهملون ذلك من أهل الإثم، إذ يقول:

وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ ـ سورة المائدة 5: 47 ـ ,

يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ والكِتَابِ الذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ والكِتَابِ الذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً ـ سورة النساء 4: 136 ـ ,


فمما تقدم يتبين لنا:

أولاً: يحثُّ القرآن أهل الكتاب على إقامة أحكام التوراة والإنجيل، وهذا اعتراف ضمني بصحتهما وسلامتهما من التحريف، لأنهما يحكّمان المؤمن للخلاص الذي في البر,

ثانياً: يأمر القرآن جميع المؤمنين بمن فيهم المسلمون أن يؤمنوا بالقرآن وبالكتاب الذي أّنزل من قبل، أي التوراة والإنجيل, وهذه دعوة صريحة للمسلم لكي يؤمن بما جاء في التوراة والإنجيل وهذه الدعوة متفقة فعلاً مع نص القرآن الآتي:

أُولَئِكَ الذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ أُولَئِكَ الذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ـ سورة الأنعام 6: 89 و90 ـ ,

ويعترف القرآن بصلاح الكتاب المقدس للحكم في الأمور الروحية إذ يقول محمد:

وَكَيْفَ يَحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بَا لْمُؤْمِنِينَ ـ سورة المائدة 5: 43 ـ ,

فهذه الآية تبين أن الذين يقيمون أحكام الكتاب المقدس لا يحتاجون إلى كتب أخرى للتحكيم, أما من يتولى عن الكتاب الإلهي بعد معرفة الحق الذي فيه فليس بمؤمن,

قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ـ سورة القصص 28: 49 ـ ,

ففي هذه الآية إرشاد لمحمد إلى ما يجب قوله للذين رفضوا الرسالة التي نادى بها، كما رفضوا موسى من قبله, وذلك بأن يقدموا له كتاباً من عند الله أهدى من الكتاب المقدس والقرآن,

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَا سْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ـ سورة النحل 16: 43 ـ ,

جاء في تفسير الجلالين أن أهل الذكر هم العلماء بالتوراة والإنجيل, فإن كنتم لا تعلمون ذلك، فإنهم يعلمونه, وأنتم إلى تصديقهم أقرب من تصديق المؤمنين بمحمد ـ الجلالين ص 357 ـ ,

والذِّكر هو التوراة والإنجيل، كما جاء في سورة الأنبياء 21: 105 وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ وأيضاً: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ ـ سورة الأنبياء 21: 48 ـ ,

في الواقع أن سورة النحل 16: 43 شهادة صريحة بأن رسل الله وأنبياءه الذين كتبوا الذكر إنما كتبوه بالوحي، مسوقين من الروح القدس, إنها مع مجموعة الآيات التي استشهدنا بها لتؤكد أن القرآن اعتبر كتابنا المقدس هدى ونوراً، وذكراً وحكم الله، ووحياً, وقد أمر المسلمين أن يسألونا في ما لا يعلمون, أليس هذا اعترافاً صريحاً من القرآن بأن أسفارنا المقدسة صحيحة، وبالتالي لم تُحرَّف؟

وأنها لتتفق مع شهادة رسل المسيح، بصحة الكتاب المقدس ووحيه, فقد قال رسول الجهاد العظيم بولس: كُلُّ الكِتَابِ هُوَ مُوحىً بِهِ مِنَ اللّهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ والتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ والتَّأْدِيبِ الذِي فِي البِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللّهِ كَامِلاً، مُتَأَهِّباً لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ ـ 2تيموثاوس 3: 16 و17 ـ ,

لهذا قبل المسيحيون أسفار العهد القديم، التي اكتملت حوالي العام 400 قبل الميلاد, وكان اليهود قد قسموها إلى ثلاثة أقسام:

1 - التوراة، وهي مؤلفة من أسفار موسى الخمسة: التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية, وهي منذ البدء معتبرة ومحترمة ومقدسة، لاحتوائها على وصايا الله العشر، ومواعيده لبني البشر,

2 - الأنبياء، وهو قسمان:

الأول: ويتألف من أسفار يشوع والقضاة وصموئيل والملوك,

الثاني: ويتألف من أسفار: إشعياء، إرميا، حزقيال، هوشع، يوئيل، عاموس، عوبديا، يونان، ميخا، ناحوم، حبقوق، صفنيا، حجي، زكريا وملاخي,

3 - المكتوبات: وتشمل: المزامير، الأمثال، أيوب، دانيال، عزرا، نحميا، أخبار الأيام، نشيد الأنشاد، راعوث، مراثي إرميا، الجامعة وأستير,

أما أسفار العهد الجديد، فقد أجمع العلماء على أنها كتبت، ونشرت أيام كان كثيرون من خاصة المسيح الذين سمعوه ورأوه لا يزالون أحياء, وهي: الأناجيل الأربعة، سفر أعمال الرسل، رسائل بولس، رسائل بطرس، رسالة يعقوب رسائل يوحنا، رسالة يهوذا وسفر الرؤيا,

هذا موجز عن محتويات الكتاب، الذي أوحى به الله إلى رجاله القديسين, وقد حفظه الله، بعناية فائقة, وكما اختار رجالاً أمناء لكتابة وحيه، هكذا اختار رجالاً أمناء ليترجموه إلى لغات العالم, ومما لا ريب فيه أن وجوده الآن، في ما يقرب الألف وأربعمائة لغة ولهجة دليل على أن الله ساهر على كلمته وحافظ لها إلى الأبد,

نعم وستمضي الأمم، وتنتهي اللغات، ويتغير العالم بأسره, أما الكتاب المقدس العزيز فيبقى حياً إلى الأبد، لأن فيه رسالة الله لكل رجل وامرأة لكل ولد وفتاة، في كل زمان ومكان, أعني بذلك، رسالة الخلاص بيسوع المسيح, وهذه الرسالة، هي للجميع، لا فرق بين أبيض وأسود، أو جنس أو لسان أو أمة, إذ توجد قوة حية في الكتاب الإلهي، تعطي كل من يقبل يسوع مخلّصاً بالإيمان أن يصير ابناً لله,




الفصل الحادي عشر
سؤال لا بد منه


بعد ما تقدم، يحق لنا أن نسأل المدَّعين بتحريف الأسفار المقدسة دليلهم العلمي والتاريخي، عن الزمن الذي جرى فيه هذا التحريف؟

إن قالوا إنه حصل قبل المسيح، قلنا لهم إن المسيح قد صادق على صحة الكتب المقدسة,

أولاً: بالاستشهاد بما جاء فيها من نبوات تتكلم عنه، ومن أبرزها نبوة إشعياء التي تلاها المسيح في مجمع الناصرة حيث مكتوب: رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لِأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لِأُبَشِّرَ المَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لِأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي القَلْبِ، لِأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِا لْإِطْلَاقِ. لِأُنَادِيَ بِسَنَةٍ مَقْبُولَةٍ لِلرَّبِّ، وَبِيَوْمِ انْتِقَامٍ لِإِلَهِنَا. لِأُعَزِّيَ كُلَّ النَّائِحِينَ ـ إشعياء 61: 1 و2 ـ , ويخبرنا لوقا البشير أن المسيح بعد أن تلا هذه النبوة الخاصة به قال للسامعين: ا لْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هذا المَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ ـ لوقا 4: 21 ـ ,

ثانياً: بحضِّه اليهود على تلاوة الأسفار المقدسة ودرسها، إذ قال لهم: فَتِّشُوا الكُتُبَ لِأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ التِي تَشْهَدُ لِي ـ يوحنا 5: 39 ـ ,

ثالثاً: بتوبيخه الصدوقيين لجهلهم الأسفار المقدسة وعدم إقامة أحكامها إذ قال لهم: تَضِلُّونَ، إِذْ لَا تَعْرِفُونَ الكُتُبَ وَلَا قُوَّةَ اللّهِ ـ مرقس 12: 24 ـ ,

رابعاً: باتخاذها سلاحاً ضد تجارب إبليس, إذ نقرأ في الإنجيل المقدس، أن يسوع صدَّ التجارب التي هاجمه بها إبليس في برية الأردن بآيات من الكتاب المقدس, ففي صد التجربة الأولى قال: مَكْتُوبٌ أَنْ لَيْسَ بِا لْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ ـ لوقا 4: 4 مأخوذة عن سفر التثنية 8: 3 ـ وفي صد التجربة الثانية، قال مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ ـ لوقا 4: 8 مأخوذة عن سفر التثنية 6: 13 ـ , وفي صد التجربة الثالثة قال: قِيلَ: لَا تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلهَكَ ـ لوقا 4: 12 مأخوذة عن سفر التثنية 6: 16 ـ ,

وكذلك رسل المسيح، حذوا حذو معلمهم في الاستشهاد بنبوات العهد القديم لدعم كتاباتهم، كقولهم عن هلاك يهوذا الاسخريوطي: لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ المَزَامِيرِ: لِتَصِرْ دَارُهُ خَرَاباً وَلَا يَكُنْ فِيهَا سَاكِنٌ، وَلْيَأْخُذْ وَظِيفَتَهُ آَخَرُ ـ أعمال 1: 20 مزمور 69: 25، مزمور 109: 8 ـ ,

وكقولهم عن حلول الروح القدس، في يوم العنصرة يَقُولُ اللّهُ: وَيَكُونُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ أَنِّي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ، وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤىً وَيَحْلُمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلَاماً. وَعَلَى عَبِيدِي أَيْضاً وَإِمَائِي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي فِي تِلْكَ الأَيَّامِ فَيَتَنَبَّأُونَ ـ أعمال 2: 17 و18، يوئيل 2: 28 و29 ـ ,

فهل يعقل أن المسيح ورسله الأمناء الموحى إليهم يستشهدون لإثبات رسوليتهم وتعاليمهم بآيات من كتب محرفة، ثم يحضّون الناس على تلاوتها وإقامة أحكامها؟ أو هل يتجاسر أحد على القول بأن المسيح ورسله لم يكونوا عالمين بتحريفها، فاستشهدوا بها وهم لا يدرون؟

لو تجرأ إنسان أياً كان مذهبه على الأخذ بزعم كهذا، لطعن في صحة الوحي إلى الرسل والأنبياء, وبالتالي ينسب إلى الله الإهمال في حفظ كلمته, ولعل الطعن يكون أشد على القرآن، لأن القرآن يتضمن عدداً عديداً من الشهادات لصحة الأسفار المقدسة,

وإن قال المدَّعون بالتحريف إن اليهود عبثوا بنصوص العهد القديم بعد المسيح، نقول لهم إن هذا مستحيل، لأن جميع أسفار العهد القديم كانت موجودة في أيدي المسيحيين, فلو أقدموا على مسِّها، لشهَّر المسيحيون بهم,

وإن قال المدَّعون بالتحريف إن المسيحيين هم الذين حرفوها، نقول لهم إن شيئاً كهذا لا يمكن أن يحدث, ولو بالفرض حدث، أما كانت تقوم قيامة اليهود على المسيحيين؟

وإن قال المدعون بالتحريف، إن المسيحيين واليهود تواطأوا معاً على تحريف الكتب المقدسة، لألقوا أنفسهم في السخرية، لأن اليهود المقاومين المسيحية منذ البدء والمنكرين مجيء المسيح، لا يمكن أن يتقربوا من المسيحيين والاتفاق معهم,

ولو افترضنا أن المستحيل حصل، أفما كان اليهود يشترطون حذف كل النصوص التي تمجد المسيح وتتكلم عن لاهوته، وكل النبوات التي تتكلم عن تجسُّده وولادته المعجزية من عذراء، وكل الأقوال النبوية عن آلامه وموته وقيامته؟ أما وكل هذه النصوص التي تمجِّد المسيح ما زالت باقية، فكل ادعاء في هذا الأمر يسقط,

وهناك حقيقة لا يستطيع أي مدَّعٍ بالتحريف أن يتجاهلها، وهي أنه منذ فجر المسيحية كانت أسفار العهد القديم موجودة لدى اليهود والمسيحيين بذات اللغة التي كتب بها رجال الله القديسون, وقد أجرى العلماء عدة مقابلات دقيقة بين النسخ المحفوظة عند الفريقين، فوجدوا أنها في غاية الاتفاق,

وكذلك لنا الحق أن نسأل مَن يدعون التحريف: متى حدث تحريف الإنجيل، هل قبل القرآن أم بعده؟

إن قالوا قبل القرآن، يوقعهم القرآن نفسه في إشكال، لا قِبَل لهم على الخروج منه، لأن القرآن يأمر محمداً أن يستعين بالذين يقرأون الكتاب المقدس للتخلص من الشكوك, إذ يقول: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الذِينَ يَقْرَأُونَ الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ ـ سورة يونس 10: 94 ـ ,

وبما أن الله محيط علماً بكل شيء، فلا يليق بجلاله أن يحيل محمداً إلى قارئي كتاب محرف لكي يزيل الشكوك,

ويمضي القرآن في شهادته لصحة الكتاب المقدس فيقول: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِا لْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ـ سورة المائدة 5: 48 ـ ,

فالهيمنة هي الحراسة، والحراسة تعني الحفاظ على ما في كتاب الله من حقائق وشرائع إلهية, فإن كان التحريف المزعوم حصل بعد القرآن، فإن المدعي التحريف، يعني بقوله، إن القرآن أحبط في وظيفته كحارس,

وفي تعبير آخر، إن كان الإنجيل والتوراة قد حرفا بعد القرآن، يكون الادعاء بذلك اتهاماً صريحاً لأهل القرآن في التفريط بأهم الواجبات التي جاء القرآن لتأديتها, إذ كان عليهم على الأقل، أن يحتفظوا بنسخة أو أكثر من التوراة والإنجيل قبل تحريفهما، لأن الحراسة توجب وجود ما يُحرَس,

هكذا فعل المسيحيون، لما رأوا في التوراة نبوات عن المسيح سيدهم، فأقاموا أنفسهم حراساً عليها، وبذلوا الجهد في سبيل نشرها في العالم, حتى صارت اليوم تُقرأ بأكثر من 1400 لغة, فلماذا لم يفعل المسلمون هكذا، طالما هم يعتقدون بأن التوراة والإنجيل يحتويان على نبوات ودلائل عن محمد؟

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ـ سورة الحجر 15: 9 ـ ,

وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ـ سورة الأنعام 6: 34 ـ ,

لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ـ سورة يونس 10: 64 ـ ,

سُنَّةَ اللَّهِ التِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ـ سورة الفتح 48: 23 ـ ,

وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ـ سورة الأنعام 6: 115 ـ ,

وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ـ سورة الكهف 18: 27 ـ ,

هذه المجموعة من الآيات تحتوي وعوداً من الله بأنه لا يستطيع أحد أن يبدل كلمته، لأن الله أنزلها وهو حافظ لها,

ولعلنا بعد ما تقدم يجب أن نطرح هذا السؤال: لو أن نفراً من المسلمين الذين يقيمون القرآن بدقة أرادوا الذهاب إلى أهل الكتاب ليسألوهم عن بعض الأمور الإلهية، صادفوا في طريقهم فريقاً من المدعين بالتحريف، وقالوا لهم إننا وفقاً لتعليم القرآن ذاهبون إلى أهل الذكر لنسألهم عن بعض الأمور، فهل يتجاسر أولئك المدَّعون على القول لهم: لا تذهبوا لأن ذكرهم محرف؟ ولو بالفرض أنهم تجاسروا، فماذا يكون موقف أولئك الأتقياء؟ هل يصدقون مَن يدعون التحريف، أم يصدقون قول القرآن: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ـ سورة النحل 16: 43 ـ ,

والسؤال الأول يفرض أن نطرح سؤالاً آخر وهو: ماذا يكون حال المدعين بالتحريف، لو أن الملحدين، الذين بثوا فيهم فكرة تحريف التوراة والإنجيل، رموا القرآن بما رموا به التوراة والإنجيل، وقالوا إنه محرف؟ فبماذا يردّون عليهم، وأي سلاح يشهرونه في وجه الملاحدة، بعد أن يكونوا قد طرحوا السلاح الوحيد الذي أوجده الله في أيديهم، وهو وعده بحفظ كتبه المقدسة من كل عبث وتحريف؟

وهناك سؤال ثالث وهو: ما هو موقف عامة المسلمين الذين أخذوا بادعاء المدعين بالتحريف من قول القرآن:

الم ذَلِكَ الكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الذِينَ يُؤْمِنُونَ بِا لْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ والذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلكَِ وَبِا لَآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَّبِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ـ سورة البقرة 2: 1-5 ـ ,

قُولُوا آمَنَّا بِا للَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ والأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ـ سورة البقرة 2: 136 ـ ,

فكيف يأمر القرآن الذين آمنوا بما أنزل فيه بأن لا يفرقوا بين قرآنهم وبين الكتاب الذي من قبل، وهو عارف بأن الذي أنزل من قبل محرف ومتغير ألا يكون الادعاء بالتحريف اتهاماً لبر الله وصدقه وأمانته؟


خذ الحقيقة من التاريخ

كل من قرأ التاريخ رأى أن المسيحيين منذ بداية العصر الرسولي إلى بداية القرن الرابع الميلادي عانوا الاضطهاد والتنكيل من الوثنيين واليهود, واحتملوا العذابات بأقسى ألوانها بصبر أدهش العالم، حتى معذبيهم أنفسهم, وهذا الاحتمال العجيب نشأ عن إيمانهم بالإنجيل المقدس، وتمسكهم بمبادئه الإلهية,

والتاريخ يروي لنا أنهم أقبلوا على الاستشهاد بفرح حباً بالمسيح، وطاعة لأمره القائل: كُنْ أَمِيناً إِلَى المَوْتِ ـ رؤيا 2: 10 ـ وأن كثيرين منهم ضوعفت عذاباتهم، لأنهم أبوا أن ينكروا المسيح، أو يرفضوا إنجيله، حباً بالنجاة, مفضلين بالأحرى، أي نوع من الموت، على التمتع الوقتي بالحياة,

افتح سجلات المسيحية، ترى ذكراً لسحابة من الشهود، الذين عُذبوا ولم يقبلوا النجاة لكي ينالوا قيامة أفضل, فهل يصدق أحد أن المسيحيين الذين قدموا هذه التضحيات الرائعة وتجرعوا مر الآلام لأجل مبادئ الإنجيل، يقدمون على تحريف إنجيلهم؟

وهل يسمح المسيحيون لأحد، أياً كان شأنه، أن يبدل كلمة من إنجيل الله، ولهم تلك الوصية الرسولية القائلة: وَلكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلَاكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا أي مرفوضاً ـ غلاطية 1: 8 ـ ,

وإني لأسأل كل مدَّعٍ بالتحريف: ما هو الباعث للمسيحيين على تحريف كتبهم المقدسة؟ هل يكون هذه الباعث أفضل من حياتهم الأبدية؟ إن ربهم وفاديهم الذي عبدوه بأرواحهم ودمائهم، وكل عزيز وثمين لديهم، قد ختم عهده معهم برسالة بلغها بواسطة رسوله الأمين يوحنا: لِأَنِّي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالَ نُبُوَّةِ هذا الكِتَابِ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى هذا يَزِيدُ اللّهُ عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ المَكْتُوبَةَ فِي هذا الكِتَابِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْذِفُ مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ هذهِ النُّبُوَّةِ يَحْذِفُ اللّهُ نَصِيبَهُ مِنْ سِفْرِ الحَيَاةِ، وَمِنَ المَدِينَةِ المُقَدَّسَةِ، وَمِنَ المَكْتُوبِ فِي هذا الكِتَابِ ـ رؤيا 22: 18 و19 ـ ,

أما إذا قالوا إن التحريف حدث بعد القرآن، فإن الواقع يدحض زعمهم بالاستناد على الحقائق التالية:

ـ 1 ـ إن الديانة المسيحية كانت منتشرة في بلدان عديدة، كالأناضول وبلاد العرب، وشمالي إفريقيا وإيران، والهند، وإيطاليا، وفرنسا، وإسبانيا، وإنجلترا، وألمانيا، فهل يسلم العقل السليم بأن المسيحيين المنتشرين في هذه البلدان المتعددة والمتباعدة، اجتمعوا يوماً في مكان واحد للاتفاق على تحريف الإنجيل؟

ـ 2 ـ إن الذين اعتنقوا المسيحية في تلك البلدان، لم تكن لهم لغة واحدة، بل لغات مختلفة, والكتاب العزيز كان منتشراً في لغاتهم مما يجعل اتفاقهم على تزوير الكتابات المقدسة أمراً مستحيلاً, سيما أنهم كانوا يجهلون لغات بعضهم البعض,

ـ 3 ـ إن المسيحيين في القرن الرابع، كانوا منقسمين إلى طوائف عديدة، يباعد بينها بعض العقائد المذهبية, وكل فريق يجتهد لدعم وجهة نظره بآيات الكتاب المقدس, فكثرت المناقشات حول التفسير, وعقدت مجامع بحثت فيها الخلافات العقائدية، وأشهرها مجمع نيقية الذي انتهى بشجب بدعة آريوس وأتباعه, ولهذا يسقط الادعاء بأن المسيحيين اتفقوا على تحريف الإنجيل, ولعله من الحق الصريح أن نسأل المدعين بالتحريف أن يذكروا لنا متى وأين حصل التحريف، ومن هم الذين حرفوه، وكيف حصل الاتفاق بينهم؟

إن العالم لم يخل يوماً من مؤرخين أمناء، دأبهم أن يدوّنوا الحوادث في سجلاتهم, فهل يستطيع أحد أن يذكر لنا اسم مؤرخ وثني أو يهودي أو مسلم، ذكر ولو تلميحاً أن مؤتمراً عُقد بين شعوب العالم المعتنقة اليهودية والمسيحية والمختلفة في العقيدة واللغة، وجرى فيه العبث بكلام الله؟ وإن كان هذا قد حدث، أفلم يكن في استطاعة أحد أن يحتفظ ولو بنسخة واحدة، لتبقى شاهداً على تواطؤ اليهود والمسيحيين؟

ويقيناً أنه لو حدث تواطؤ كهذا، لكان معناه أن الخصومات بين اليهود والمسيحيين قد زالت، وكان الثمن تحريف شريعة الله,


الفصل الثاني عشر
قول أعلام المسلمين في موضوع التحريف


رأينا في ما تقدم، أن القرآن يعتبر التوراة والإنجيل كلام الله, وأنه أكد أن كلام الله لا يمكن أن يبدل أو يغير, فإن كانت هاتان الشهادتان صحيحتين، كانت النتيجة ضرورة عدم تحريف التوراة والإنجيل، لا قبل القرآن ولا بعده,

والواقع أن علماء المسلمين في الهند، لما فحصوا هذه المسألة بتدقيق، على ضوء معطيات القرآن، اقتنعوا بأن أسفار الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد لم تتبدل ولم تتغير، ولم تتحرف حسب مفهوم العامة, وإنما هناك إشارات إلى تصرف بعض اليهود بالتفسير تصرفاً سيئاً,

ولعل هؤلاء العلماء الأمناء، بنوا اقتناعهم على تفاسير العلماء لبعض آيات القرآن، كالرازي والجلالين وأبي جعفر الطبري,

منها:

مِنَ الذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بَأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ ـ سورة النساء 4: 46 ـ ,

وخلاصة تفسير الرازي لهذه الآية، أن قوماً من اليهود اعتادوا أن يدخلوا على محمد ليسألوه المسألة، فيجيبهم عليها, ومتى خرجوا من عنده يحرفون كلامه,

ونقرأ في تفسير الجلالين لهذه الآية، أن قوماً من اليهود، يغيرون الكلام الذي أنزل الله في التوراة، من نعت محمد، عن مواضعه التي وضع عليها, يقولون له إذا أمر بشيء سمعنا قولك وعصينا أمرك واسمع غير مسمع، بمعنى الدعاء, أي لا سمعت, ويقولون له راعنا، وهي كلمة سب في لغتهم, ليّاً أي تحريفاً بألسنتهم وطعناً في الإسلام ـ الجلالان 112 ـ ,

ونقرأ في تفسير الطبري أن اليهود كانوا يسبون محمداً ويؤذونه بأقبح من القول, ويقولون له: اسمع منا غير مسمع، كقول القائل للرجل يسبه: اسمع لا أسمعك الله, أما كلمة راعنا فقد فسرها بالإسناد عن ابن وهب، بأن الراعن هو الخطأ من الكلام,

وبناء على هذه التفاسير، لا يكون اليهود حذفوا شيئاً من نصوص الكتاب، أو زادوا شيئاً، بل حوروا معنى الكلام بلي اللسان ـ الطبري ـ ,

يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ـ سورة المائدة 5: 15 ـ ,

قال الإمام الرازي في تفسير هذه الآية إن اليهود فيما يقرأون التوراة ـ تثنية 22: 23 و24 ـ لووا ألسنتهم وبدلوا معنى الرجم بالجلد,

أما الطبري فيقول في تفسير هذه الآية إن اليهود جاءوا إلى محمد يسألونه عن الرجم، واجتمعوا في بيت, قال: أيكم أعلم؟ فأشاروا إلى ابن صوريا، فقال: أنت أعلمهم؟ قال: سل عما شئت! قال: أنت أعلمهم؟ قال: إنهم ليزعمون ذلك! فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى، ورفع الطور، وناشده بالمواثيق التي اتخذت عليهم، حتى أخذه أفكل ـ رعدة ـ فقال إن نساءنا نساء حسان فكثر فينا القتل، فاختصرنا، فجلدنا مئة جلدة وحلقنا الرؤوس, فحكم عليهم بالرجم ـ الطبري ـ ,

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكِتَابَ الذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً ـ سورة الأنعام 6: 91 ـ ,

يتفق البيضاوي والرازي والطبري أن المراد بالتحريف هنا تشويه الحقائق بكتمان بعضاً من نصوص التوراة, بمعنى أنهم يعزون إلى اليهود أنهم كتبوا التوراة في قراطيس وأظهروا للناس كثيراً مما كتبوا, وأخفوا كثيراً مما ثبتوه في القراطيس فيُسرِّونه ويكتمونه الناس,

ونحن نقول إن عملهم شائن وممقوت، ولكن إخفاء القراطيس يختلف عن تبديل النص,

أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ـ سورة البقرة 2: 75 ـ ,

جاء في تفسير الطبري أن بعض أهل العلم، قالوا لموسى: يا موسى قد حيل بيننا وبين رؤية الله عز وجل، فاسمِعنا كلامه حين يكلمك, فطلب ذلك موسى إلى ربه، فقال: نعم، فمُرهم فليتطهروا وليطهروا ثيابهم، ويصوموا, ففعلوا, ثم خرج بهم حتى أتى الطور, فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى فوقعوا سجوداً, وكلّمه ربه، فسمعوا كلامه، يأمرهم وينهاهم حتى عقلوا ما سمعوا, ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل, فلما جاءوهم حرَّف فريق منهم ما أمرهم به,

فمما تقدم نفهم أن فريقاً من علماء اليهود حوروا معنى الكلام الذي سمعوه وعقلوه, ولكن الفريق الآخر تقيد بما سمع ـ الطبري ـ ,

وَمِنَ الذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ـ سورة المائدة 5: 41 ـ ,

جاء في تفسير الجلالين أن هذه الآية قيلت في جماعة من يهود خيبر، زنى فيهم محصنان، فكرهوا رجمهما, فبعثوا جماعة من قريظة ليسألوا محمداً عن حكمهما الذي في التوراة كآية الرجم, والتحريف الذي اتهموا به، هو أن يهود خيبر قالوا للذين أرسلوهم، إن أفتاكم محمد بالجلد فاقبلوه, وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا أن تقبلوه ـ الجلالان 150 ـ ,

ولعله من المناسب أن نطرح هذا السؤال: مَن مِنَ اليهود حرف التوراة، وفي أي عصر؟ يقول الإمام الرازي، إنهم معاصرو محمد بالذات, إلا أنه يقول في المجلد الثالث من تفسير القرآن، إن المراد بالتحريف هو إلقاء الشُّبه الباطلة والتأويلات الفاسدة، وصرف اللفظ عن معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه الحيل اللفظية، كما يفعل أهل البدع في كل زمان بالآيات المخالفة لمذاهبهم,

نحن لا ندافع هنا عن نزاهة اليهود، وإنما نود أن يعلم الناس أن اليهود لم يتجاسروا على تبديل آيات التوراة, وهذا الأمر لم يرد في اتهامات القرآن, وهنا أمر يجب أن نشير إليه، وهو أن القرآن لم يتهم المسيحيين، بأنهم حرفوا الإنجيل,

وعلى أي حال نقول لكل إنسان يدعي بتحريف الكتاب المقدس في نصوصه، أو يزعم أن الكتاب الصحيح غير موجود، نقول له إن مزاعمه تجعله مخالفاً لنصوص القرآن الصريحة التي تشهد بالكتاب المقدس بأنه حق، لا يأتيه الباطل، من بين يديه، ولا من خلفه, وقد تأكدنا أن من أهم أغراض القرآن أنه جاء ليكون مصدقاً للكتاب المقدس,

ويقيناً أنه ليس من أحد، يؤمن بالله وكتبه ورسله، يقدر أن ينسب إليه تعالى أنه أنزل القرآن مصدقاً لكتاب مزور ومشوش، في العقائد الدينية التي جاءت فيه,


مراجع الكتاب


اتفاق البشيرين تأليف القس كلهون

مخطوطات البحر الميت تأليف ا, ديبون سومير

مخطوطات قمران تأليف إبراهيم مطر

الحجارة تتكلم تأليف الدكتور الدر

ميزان الحق تأليف الدكتور فاندر

علم اللاهوت المطبعة الأميركية

تفسير القرآن تأليف الجلالان

تفسير القرآن تاليف أبو جعفر الطبري

تفسير القرآن تأليف فخر الدين الرازي

truth4islam@hotmail.com

عودة للصفحة الرئيسية