دروس قرآنية

Qur’anic Studies

ما بين الإنجيل والقرآن

The Gospel And The Qur’an

(Arabic)

الأستاذ الحداد

Professor Youssef Al-Haddad

(Prepared by www.muhammadanism.org)

المحتويات

 

الموضوع

الصفحة

التوبة في الإنجيل والقرآن

1

التشريع ما بين الإنجيل والقرآن

11

صلاة التوحيد في التوراة و الإنجيل والقرآن

30

جوهر النصرانية والإسلام: شخص منـزل أم كتاب منـزل؟

41

موقف النبي محمد والمسيح في يوم الدين

62

موقف النبي محمد والمسيح في يوم الدين

75

موقف محمد والمسيح من الشيطان

86

التوبة في الإنجيل والقرآن

توطئة: التوبة ركن أولي في الدين:

الخطيئة مرض بشري، يسري في البشرية سريان الوباء. فهو ينبع من الأفراد والجماعات ويزداد جيلاً بعد جيل، وتتراكم جراثيمه في الطبيعة البشرية منذ خطيئة الأبوين الأولين. ولم يسلم من هذا الوباء إلا من عَصَم ربك. ولم يعصم الله أحداً، حتى الأنبياء والمرسلين، من هذا الوباء الذي يحمل كل واحد جرثومته في فطرته. والقرآن والحديث لم يعصما من الخطيئة إلا المسيح وأمه: "كل آدمي يطعن الشيطان في جنبه حين يولد- إلا عيسى وأمه عليهما السلام- جُعل بينهما حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ إليهما شيء منه" (الصحيحان).

والغزالي حجة الإسلام، في كتابة الأكبر (احياء علوم الدين)- وإن ردد الحديث القائل "كل مولود يولد على الفطرة" (الجزء 4 ص11 و20و 24)- فإنه يميل إلى الأخذ بنظرية النصرانية في الخطيئة الآدمية وسريانها في البشرية، ويقول: "فلا غرو إن أذنب الآدمي وأجرم فهي شنشنة يعرفها من أجرم: ومن أشبه أباه فما ظلم.... فإن الشر معجون مع الخير في طينة آدم عجناً محكماً لا يخلصه إلا إحدى النارين، نار الندم أو نار جهنم" (4: 2و 3). فكان الرجوع عما سبق إليه على مساعدة الشهوات ضرورياً في حق كل إنسان، نبياً كان أو غبياً.... بل هو حكم أزلي مكتوب على جنس الأنس لا يمكن فرض خلافه ما لم تتبدل السُنّة الإلهية التي لا مطمع في تبديلها (4: 8) فالتوبة فرض عَيْنٌ في حق كل شخص لا يتصور أن يستغني عنها أحد من البشر كما لم يستغنِ آدم: فخلقة الولد لا تتسع لما لم تتسع له خلقة الوالد أصلاً. وأما بيان وجوبها على الدوام وفي كل حال، فهو أن كل بشر لا يخلو عن معصية بجوارحه، إذ لم يخلُ عنه الأنبياء، كما ورد في القرآن والأخبار عن خطايا الأنبياء وتوبتهم وبكائهم على خطاياهم. فإن خلا عن معصية الجوارح، فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب. فإن خلا عن الهم فلا يخلو للتوبة في الإنجيل والقرآن.

عن وسواس الشيطان. فإن خلا عنه فلا يخلو عن غفلة وقصور في العلم بالله وصفاته وأفعاله. ولهذا قال عليه السلام: إنه ليُفانُ على قلبي فاستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة- وقيل مئة مرة" (4: 9).

ولذلك كان لا بد لكل رسالة أو نبوة تدعي أنها سماوية أن تتصدى لهذا الداء البشري الوبيل، فتداويه بالتي هي أحسن.

وفي تاريخ النبوة، من التوراة، إلى الإنجيل، إلى القرآن، نرى رسل الله يجعلون باكورة رسالتهم، الدعوة إلى التوبة، بالرجوع إلى الله. ويجعلون هذه التوبة شرطاً لا بد منه لِتقبل الوحي ورسالات السماء: "ومنذئذ طفق يسوع يتجول ويكرز ويقول: توبوا فقد اقترب ملكوت الله" (متى- لوقا).

فما كان موقف التوراة والإنجيل والقرآن من الخطيئة، المرض البشري العام والخاص، ومن التوبة، طريق الخلاص والإيمان الذي لا بد منه؟

التوبة في التوراة

ملخص شريعة سيناء، كلمات الله العشر التي أنـزلها الله على موسى كليمه دستوراً للحياة الدينية والأدبية. وسائر التشريعات في التوراة تفسير لها. فأحكام الخير والشر الأساسية محددة فيها، واضحة.

والدعوة إلى التوبة تملأ للتوراة والزبور والنبيين.

وهذه التوبة في عهد التوراة شخصية وشرعية.

فالتوبة الشخصية تسمع أنينها وزفيرها وأناشيدها، في الزبور خاصة. ومزامير التوبة من أروع الشعر والصوفية الاستغفارية. وعلى أنغام هذه الندامة الملهمة يعيش اليهود والنصارى في صلواتهم جيلاً بعد جيل. منها:

ارحمني يا الله بعظيم رحمتك، وبكثرة رأفاتك امح مآثمي.

اغسلني كثيراً من إثمي، ومن خطيئتي طهرني...

لو شئت ذبيحة لقدمت، لكنك لا ترضى بمحروقات.

إنما الذبيحة لله روح منسحق!، ولا يرذل الله قلباً منسحقاً ومتواضعاً!

والتوبة الشرعية، بمراسيم شرعية، وأعمال معروفة محدودة، نجد تفاصيلها في الفصول الأولى من سفر الأحبار: نجد فيها رسوم الضحية عن الخطيئة

عند جميع فئات الأمة: كل خطيئة لها ضحية معلومة مرسومة.

وفي الفصل السادس عشر من سفر الأحبار نجد شريعة يوم للتكفير العام، عاشوراء: "في اليوم العاشر من الشهر السابع تذلّلون فيه نفوسكم، ولا تعملون عملاً لأنه في هذا اليوم يكفّر عنكم لتطهيركم، فتطهرون من جميع خطاياكم أمام الله. هو سبت عطلة لكم، تذلّلون فيه نفوسكم رسماً أبدياً. فيكون هذا رسماً أبدياً لتكفير جميع الخطايا عن بني إسرائيل مرة واحدة في السنة" (16: 26- 34).

وتحدّد التوراة بعض العقوبات في بعض الأحيان (تثنية25: 1- 3) ومن أنواع التوبة والتكفير عن الخطايا الكوارث التي تُصيب الأمة: "إن نقضوا سُنني ولم يحفظوا وصاياي أفتقد بالعصا معصيتهم وبالضربات إثمهم" (مزمور 88: 32).

وأنواع البلايا التي تصيب الأفراد هي أيضاً توبة لهم يعترف بها الزبور أمام الله: "يا الله، ما أكثر مضايقي! كثيرون يقومون عليّ" (مز 3).

وهذه التوبة الشخصية والشرعية تفعل فعلها في النفس: يجمع الأنبياء وشعراء الزبور، والحكماء الملهمون على أنها خلق جديد، بتجديد روح مستقيمة في النفس التائبة:

إنضحني بالزوفى فأطهر، اغسلني فأبيض أنصع من الثلج.

قلباً طاهراً اخلق فيَّ يا الله، وروحاً مستقيماً جدد في أحشائي.

التوبة في القرآن

نستقرئ آيات القرآن عن التوبة من خلال الفصول القيمة التي كتبها حجة الإسلام الغزالي في "إحيائه" عن التوبة وشروطها ومفاعيلها.

التوبة واجبة حق على المؤمن: "وتوبوا لله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون" إنها واجب عمومي على كل الناس.

ويقتضي القرآن التوبة النصوح، الخالصة لوجه الله: "يا أيها الذين آمنوا، توبوا إلى الله توبة نصوحاً". والتوبة النصوح لها شرطان: "ليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال: إني تبت الآن.... إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب" :فلا تصميم على الشر، ولا تسويف في التوبة.

وهذه التوبة يقبلها الله دائماً، فهو "غافر الذنب، قابل التوّب". وتوبة الله على عبده، صفة من صفات الرحمن الرحيم: "إنه كان للأولين غفوراً". حتى أن الله ليبشر عبده بها: "بشر المذنبين بأنهم إن تابوا قبلت منهم"، ويعد الله التائب أنه لن يعذبه، "وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون".

وفضل التوبة أنها تجلب رضى الله وحبّه لعبده: "الله يحب التوابين ويحب المتطهرين". وهذا أمر طبيعي لأنه "من يعمل مثقال ذرة شراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره".

ولكن تبقى التزكية، التي تجلبها التوبة، فضلاً من عند الله: "ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحدٍ أبداً. ولكن الله يزكي من يشاء" (نور 21).

والتخفيف من الأحكام سُنَّةٌ في القرآن. والقرآن يخفف على أمَّته من حدة التوبة. يقبل صحة التوبة مع القيام على صغائر الإثم: "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم. وندخلكم مدخلاً كريماً" (نساء30) وذلك لأن "اللَّمم" من المعاصي فطرة في الإنسان تسعها رحمة الله: "الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش- إلاَّ الّلمم- إن ربك واسع المغفرة". ويفسره الغزالي بقوله: "لأن الشر معجون بطينة الآدمي قلما ينفكُّ عنه، وإنما غاية سعيه أن يغلب خيره شره. حتى يثقل ميزانه فترجح كفة الحسنات. فأما أن تخلو بالكلية كفة السيئات فذلك في غاية البعد" (احياء4: 39).

والتخفيف في التشريع القرآني، وأحكام التوبة، بالنسبة للتوراة والإنجيل ضرورة يقتضيها ضعف الطبيعة البشرية: "يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم.... يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً" (نساء25- 27). والتخفيف في شريعة التوبة القرآنية يصل حتى التساهل في صغائر الإثم "إلاّ اللمم" (نساء30). وكان الإنجيل يقول: "كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل" (متى 5: 48). من أنواع التخفيف اللغو في الأيامين: فبينما يقول الإنجيل: "لا تحلفوا البتة، وليكن كلامكم النعم نعم واللاّ لا" يقول القرآن "ولا يؤاخذكم الله باللغو في إيمانكم".

والكبائر التي يندد بها القرآن لم يوضحها. فقد ميز أربعاً بالحدود التي فرضها لها: الشرك بالله الذي لا يغفر أبداً، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، والزنى الني يستحق الحبس أو الجلد، والسرقة التي تعاقب بقطع اليد. قال الغزالي: "اختلف الصحابة والتابعون في عدد الكبائر من أربع إلى سبع إلى تسع إلى إحدى عشرة إلى سبع عشرة". وهذه الكبائر التي يختلفون في إحصائها، لأن القرآن لم يفصلها، تعود، لو يفطنون، إلى كلمات الله العشر التي نـزلت في التوراة وصدقها الإنجيل.

والقرآن لم ينص أيضاً على كيفية التوبة وطقوسها الدينية. فالتوبة في القرآن عمل طبيعي، وعمل شخصي، يقوم به الخاطئ وحده أمام الله وحده بلا وسيط ولا واسطة. ولا ينص القرآن على أعمال التوبة المطلوبة، ولكن يُفهم أن من مفاعيل أركان الإسلام الخمسة: الشهادة والصلاة والزكاة والصوم والحج- أضف إليها الاستشهاد في الجهاد- أنها كفارات عن الآثام. جاء في الحديث "أن الحسنات يذهبن السيئات". ويقول حديث آخر: "الصلوات الخمس كفارات لما بينهنَّ إلا الكبائر"- "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، يكفِّرن ما بينهن إن اجتنبت الكبائر" (احياء4: 43). وهكذا فلا يأتي القرآن بواسطة للتوبة يتأكد منها الخاطئ، الغارق في اللحم والدم ودنيا المحسوسات، سوى الاستغفار الشخصي لله. وهذا صوت الفطرة منذ خطيئة آدم.

والكبائر تتخذ في القرآن صفة اجتماعية، تعاقب بالقصاص (الحبس أو الجلد أو قطع اليد حتى القتل في الفتنة عن الدين) عبرة لمن اعتبر: وهذه العبرة حياة: "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب". وهكذا فالخطيئة في القرآن شر اجتماعي أكثر مما هو شخصي، ويستحق قصاصاً حسياً يكون عبرة للجميع.

ولا يستحق الهلاك الأبدي في النار سوى المُشرك. لأن خطيئة الشرك لا تغتفر: "إن الله لا يغفر أن يُشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" وقد فسر الحديث هذه الآية: "لا يُخلَّد في النار مؤمن. ولا ينجو منها كافر أو مشرك". فالخطيئة الكبرى هي الشرك الذي يهلك إلى الأبد، أكثر مما هي الأعمال الأثيمة الشخصية، التي يسمونها الكبائر.

ومعروف ما اشتد من جدل بين علماء الإسلام على مصير المسلم صاحب الكبيرة: ولخص الغزالي إجماعهم على أنه في منـزلة بين المنـزلتين، ومقام بين المقامين، بين الجنة والنار (احياء4: 27). وهذا الجدل الإسلامي ناتج عن غموض موقف القرآن: فبينا هو يصرح بأن جميع الخلق، حتى المؤمنين منهم، يردون نار جهنم: "وان منكم إلا واردها، كان على ربك حتماً مقضياً، ثم ننجي الذين اتقوا (المسلمين) ونذر الظالمين (المشتركين) فيها جثياً" (مريم)، إذا به يقول: "ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن، فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون فقيراً" (نساء 123). والمؤمن الذي يظلم فقيراً كيف يدخل النار؟ ودخولها بلا استثناء "كان على ربك حتماً مقضياً"؟

والقرآن لا ينسب للنبي العربي سلطة ما على الخطيئة، ولا يجعل منه واسطة بين الله والخاطئ. يقرر له الاستغفار لذنبه وذنوب المؤمنين: "واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات" (محمد 19). ومحمد نفسه يؤمر بالاستغفار لذنبه مثل غيره: "واستغفر لذنبك" (غافر 55). وظل يستغفر حتى غفر له الله: "إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر" (فتح2). فالخطيئة مرض بشري وقع فيه محمد كما وقع فيه غيره من الأنبياء والمرسلين، أوعز إليهم بالاستغفار والتوبة.

فالتوبة في القرآن عود على بدء، إلى ما قبل التوراة، إلى سبيل الفطرة، متخطياً ما جاء في النبيين والزبور والحكمة والإنجيل.

التوبة في الإنجيل

الدعوة إلى التوبة كانت أول أعمال رسالة المسيح في الإنجيل: "ومنذئذ ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا. فقد اقترب ملكوت السماوات" (متى4: 17) والإنجيل يكمل تعليم التوراة، والنبيين، والحكمة، والزبور عن التوبة. يعلم ذلك بالأقوال والأمثال. وشهير في الإنجيل مثل الابن الشاطر الذي يصف الخاطئ، ويمثل رجوعه إلى الله أبيه، بتعابير بكى لها كثيرون. وفيه يصور المسيح الخطيئة أنها ضلال وموت، والتوبة لقاء لله وحياة منه وفيه ومعه: "إن ابني هذا كان ميتاً فعاش وكان ضالاً فوجد" (لوقا15: 24).

وعن فضل التوبة في نظر الله يصرح: "أقول لكم أنه يكون في السماء فرح بخاطئ واحد يتوب أكثر مما يكون بتسعة وتسعين صديقاً لا يحتاجون إلى توبة" (لوقا15: 7). ويكرر: "أقول لكم، أنه يكون فرح عند ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب" (لوقا15: 10).

لذلك قبل أن تكون الخطيئة عملاً "لا شرعياً"، فهي عمل شخصي بين الخالق والمخلوق، والتوبة كذلك شخصية، قيل أن تكون شرعية. نقل الرسول الحبيب: "كل من يعمل الخطيئة يخالف الشريعة. والخطيئة إنما هي مخالفة للشريعة" (يوحنا3: 4). ولكن الخطيئة عمل شخصي بوسوسة الشيطان والطبيعة الفاسدة: "أيها الأولاد لا يضلكم أحد: من يعمل البر فهو بار كما أن ذاك (المسيح) هو بار، ومن يعمل الخطيئة فهو من إبليس، لأن إبليس يخطأ منذ البدء. ولهذا ظهر ابن الله لينقض أعمال إبليس" (1يوحنا3: 8) فالتوبة خلاص من سيطرة إبليس وانتقال من الموت إلى الحياة: "وقد علمنا أننا انتقلنا من الموت إلى الحياة" (3: 13). وهذه الحياة من الروح القدس الذي يناله التائب من الله: "وبهذا نعلم أن الله يثبت فينا، من الروح الذي أعطانا" (3: 24).

وبما أن التوبة النصوح تسكب في النفس حياة الله بواسطة روحه القدوس، فلا يكتفي الإنجيل بتحريم الكبائر، والتخفيف عن الصغائر كما في القرآن. ولا يكتفي بكلمات الله العشر كما في التوراة. بل منذ خطبته الأولى على الجبل يطور دستور الوصايا العشر إلى غاية كمالها، ويكمل أركان الدين (الصلاة والزكاة والصوم) من حسن إلى أحسن، إلى غاية كمالها. وهكذا ينتقل من سلبية التوراة والقرآن إلى الإيجابية التامة. ويختم شريعة الإنجيل الجديدة بهذين المبدأين: بجعل الكمال الإنساني ميزان التعامل بين البشر: "كل ما تريدون أن يفعل الناس بكم فافعلوه أنتم بهم: هذا هو الناموس والأنبياء" (متى7: 12)، وبجعل الكمال الإلهي مثال الكمال الإنساني: "كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي هو كامل" (متى5: 48).

وكما نقل الإنجيل تشريع التوبة من السلبية إلى الإيجابية التامة، نقلها أيضاً من الظواهر إلى النوايا. أجل يقول عن المثل الصالح المفروض: "فليضئ نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الصالحة ويمجدوا أباكم الذي في

السماوات" (متى5: 16)، ولكن هذا الإعلان هو للمثل الصالح، لا للمباهاة الباطلة: "إذا عملت صدقة فلا تهتف قدامك بالبوق... وإذا صمْت فلا تعبس كما يفعل المراؤون، ليظهروا للناس أنهم صائمون...." فأعمال الأركان الخمسة في الدين يجب أن تكون "في الخفية وأبوك الذي يرى في الخفية هو يجازيك" (متى6: 4 و6و 18).

وأعمال الشر ليست فقط الكبائر الظاهرة، بل الصغائر التي يحرمها الإنجيل: "قد سمعتم أنه قيل للأولين: لا تزنِ، أما أنا فأقول لكم: إن كل من نظر إلى امرأة لكي يشتهيها فقد زنى بها في قلبه" (متى5: 28). ويعلم بالتشابيه الواضحة الجلية أن الأعمال بالنيات: "إن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيراً، وإن كانت عينك شريرة، فجسدك كله يكون نيراً. إن شككتك يدك اليمنى، فاقطعها وألقها عنك، فإنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يذهب جسدك كله إلى جهنم" (متى5: 26و 27). وقد سكبوا هذا التعليم الإنجيلي في الحديث المأثور: "إنما الأعمال بالنيات".

وقد رفع المسيح في الإنجيل أساس الدين إلى كماله: نقل علاقة الإنسان مع الله من علاقة عبد مع مولاه كما هي الحال في عهد التوراة والقرآن، إلى علاقة ابن مع أبيه: "كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي هو كامل" (متى5: 4). والصلاة التي هي عنوان الدين، أمر المسيح أن تكون دعاء إلى الله كأب، ويستفتحها بهذه الصفة الرائعة المحببة: "وأنتم فصلوا هكذا: أبانا الذي في السموات...." (متى6: 9).

وقد رفع المسيح أيضاً جوهر الدين إلى كماله: رفعه من الخوف، خوف العبد لمولاه، إلى المحبة. فعلاقة المخلوق مع خالقه صارت علاقة محبة ابن لأبيه؛ وعلاقة المخلوق مع المخلوق صارت علاقة محبة أخ لأخيه. جلس يسوع في هيكل سليمان في أورشليم يباحث علماء الناموس أمام الشعب: "فسأله واحد من علماء الناموس مجرباً له: يا معلم ما أعظم الوصايا في الناموس؟ قال له يسوع: أحبب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل ذهنك: هذه هي الوصية العظمى والأولى. والثانية التي تشبهها: أحبب قريبك كنفسك. بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء" (متى22: 35). فالأخوة بين الناس ليست فقط إنسانية، قومية، دينية؛ بل هي فوق

ذلك كله محبة موحدة، تربط البشرية بعضها ببعض كما يربط ناموس الجاذبية بين ذرات الكون؛ وتربط المخلوق بالخالق، كما يرتبط ابن بأبيه. بنوة المحبة، وأخوّة المحبة هي جوهر الدين المسيحي ومحور التشريع الإنجيلي. ومحبة الابن والأخ أسمى من طاعة العبد.

لذلك جعل المسيح جوهر التوبة ومحورها: المحبة. قد يتوب الإنسان عن خطيته طمعاً أو رهبة كما في التوراة والقرآن: لا شائبة في ذلك. بل كمال التوبة، حسب الإنجيل، في المحبة. يعلم المسيح ذلك بأقواله وأمثاله. قال للخاطئة الشهيرة في المدينة، والتائبة التي تبل قدميه بدموعها: "إن خطاياها الكثيرة مغفورة لها لأنها أحبت كثيراً" (لوقا7: 47). وقد لخص يوحنا الحبيب تعليم معلمه عن التوبة القائمة على المحبة: "الله محبة فمن يثبت في المحبة ثبت الله والله فيه... ونحن قد عرفنا وآمنا بالمحبة التي لنا عند الله... بهذا تتبين محبة الله لنا أن الله أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لنحيا به. وإنما المحبة في هذا أننا لم نكن أحببنا الله بل هو أحبنا أولاً وأرسل ابنه كفارة عن خطايانا... بهذا تُجعل المحبة كاملة فينا حتى تكون لنا ثقة يوم الدين" (يوحنا: الفصل الرابع كله). والتوبة عن محبة وفي المحبة تعطينا حياة الله بواسطة روح الله الذي يحل في النفس معها.

فالتوبة في الإنجيل رجوع من الضلال إلى الصواب، انتقال من الموت إلى الحياة، إلى حياة أسمى من الحياة الشرعية أو الأدبية أو الروحية، إلى شركة في حياة المسيح وبه إلى شركة في حياة الله: "وهذه هي الشهادة أن الله أعطانا الحياة الأبدية وهذه الحياة هي في ابنه: فمن له الابن فله الحياة، ومن ليس له ابن الله فليست له الحياة" (1يوحنا5: 11).

لذلك نسب المسيح مراراً لنفسه في الإنجيل سلطة إلهية على مغفرة الخطايا. كما تؤيد تصريحاته التي تثير العلماء والجماهير "من يقدر أن يغفر الخطايا إلا الله وحده"! (متى- لوقا- مرقس). والمعجزات البينات التي تسيطر على العلماء والجماهير، وترغمهم على الإيمان بأقواله وأعماله وسلطته، مثل شفاء المخلع- الذي يشفيه على مشهد من الجمع المزدحم ليؤيد كلمته "يا بني مغفورة لك خطاياك" تكفي.

وهذا السلطان الإلهي يستعمله المسيح بقوة الروح القدس، كما شهد له الأنبياء والإنجيل والقرآن: "روح الله علي ولذلك أرسلني لأبشر" (اشعياء1). والقرآن يشهد بأن رسالة المسيح امتازت عن سائر الرسالات بتأييد الروح القدس: "تلك الرسل فضلنا بعضهم عن بعض: منهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات، وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس" (بقرة253و 87). وهذه ميزة خاصة للمسيح، بها "يكلم الناس في المهد وكهلاً" (مائدة113). بها يعلم الغيب وبها يخلق الطيور ويحيي الموتى. (بقرة17). فالمسيح وحده، بين الأنبياء والمرسلين، نال السلطان الإلهي على غفران الخطايا، لأن رسالته امتازت بتأييد الروح القدس، كما تشهد التوراة والنبيون والزبور والإنجيل والقرآن.

وهذا الروح القدس الذي أيد الله به المسيح، قد أعطاه المسيح إلى رسله الحواريين لكي يمارسوا السلطان ذاته على مغفرة الخطايا، ويكونوا الواسطة المسيحية لمغفرة الخطايا، ومداواة البشرية من مرضها الأول. في يوم قيامته من بين الأموات يظهر لرسله ويعطيهم ثمرة حياته وموته وقيامته: "السلام عليكم. كما أرسلني الآب كذلك أنا أرسلكم. ولما قال هذا نفخ فيهم وقال لهم: خذوا الروح القدس، من غفرتم خطاياهم تغفر لهم، ومن أمسكتم خطاياهم أمسكت" (يوحنا20: 21).

رسالة الرسل الحواريين امتداد لرسالة المسيح التي من صميمها السلطان الإلهي على مغفرة الخطايا للذين يتوبون حقاً على أساس المحبة!

ي. حداد

التشريع ما بين الإنجيل والقرآن

إنها لتهمة شائعة في هذا العصر تنتشر في الكتب والمجلات ومحاضرات الجامعات أن "لا تشريع في الإنجيل"! إنه كتاب دعوة دينية لا غير.

قال الأستاذ عمر فرّوخ في مقال له على تطور التشريع في العالم القديم: "أما الإنجيل فلم يهتم بالتشريع. وليس فيه من الأحكام إلاَّ ملاحظات عارضة تتعلق بالزواج والطلاق لا تدخل في باب التشريع على الحصر".

فهل من تشريع في الإنجيل؟ وما موقف التشريع القرآني من الإنجيل؟

مبادئ عامة

1-التشريع الكامل الذي يصلح لكل زمان ومكان هو دستور مبادئ عامة لا مجموعة قوانين مبعثرة اقتضتها ظروف البيئة، وتتطور بتغيير البيئة.

قد تقتضي بيئة أن يكون فيها مبدأ تقسيم الإرث "حظ الذكر مثل حظ الانثيين" ثم يأتي يوم تقتضي فيه الحضارة والثقافة أن يكون "حظ الانثى مثل حظ الذكر في الإرث" ومن المعروف والمسلم به أنه "لا ينكر تبدل الأحكام بتغيير الأزمان"فتكون الشريعة القديمة محدودة، بنت بيئتها، لا تصلح لكل زمان ومكان. والتشريع الكامل مبدأ عام يصلح لكل زمان ومكان.

2- الدين والدولة. تشريع التوراة والقرآن تشريع دولة دينية، حيث التشريع جزء من الدين، والوازع فيه، حتى في الأمور الدنيوية، ديني إلهي. أما الإنجيل فقد فصل الدين عن الدولة: "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله" وقرر أن الدين يصلح لكل دولة، وكل دولة يجب أن يكون لها دين. ومبادئ الإنجيل شرائع تصلح لكل دولة عبر الزمان والمكان، لأنها مبادئ عامة دينية لا دولية؛ وكل دولة رهينة لظروف الزمان

والمكان، والدين عام شامل.

3 - التشريع له غاية يتسق معها. والتشريع المنـزل ديني، غايته الدين لا الدولة. والتوراة والقرآن ينشئان دولة دينية، فكان لا بد لهما ولشرائعهما من أن يشملا على السواء شؤون الدين والدولة. أما النصرانية وقد نـزلت ديناً لا دولة، فقد اقتصر تشريع الإنجيل على مبادئ الدين والأخلاق، لا على قوانين تنظيم الدولة وشؤون كيانها وحكمها وجهادها. وهكذا يختلف التشريع الإنجيلي عن التشريع القرآني في الغاية والهدف: غاية التشريع القرآني إقامة دولة الإسلام بالجهاد، بينما غاية التشريع الإنجيلي إنشاء ملكوت الله، الذي ليس من هذا العالم، بل في النفوس بإشراكهم في حياة الله التي في المسيح يسوع.

4- الدين والقانون العام شيء واحد في التوراة والقرآن. فجاء الإنجيل وحيز الدين عن القانون، وترك القانون وتنفيذه لأهل الدنيا يقيمونه حسب روح الدين: "قال للمسيح واحد من الجمع: يا معلم، قلْ لأخي ليقاسمني الميراث! فقال له: يا رجل من أقامني عليكما قاضياً أو مقسِّماً؟ ثم قال لهم: احذروا وتحفظوا من كل طمع لأن الإنسان، وإن كان في سعة، فحياته لا تقوم على ما ملكت يده" (لوقا7: 13). فالدين روح ومعنى يشملان كل شيء في الحياة ولكن لا يتحول الدين إلى كل شيء، ولا يختلط الدين بالقانون وإن استمد القانون من الدين بعض مقوماته.

5- يُلحظ تطور في التشريع القرآني، في الزمان والأحكام. كان القرآن في مكة دعوة للإيمان بالله واليوم الآخر، وجاء في المدينة بتشريعات لأحكام. وهذا التشريع المدني لم ينـزل جملة بل "نجوماً" طيلة العهد وفي كل نواحيه.

قال الأستاذ عمر فروخ: "والأحكام الشرعية في الإسلام تقبل التغير إذا تغيرت الأحوال الاجتماعية التي دعت إليها حتى ما كان منها ألصق بالدين والعبادات قد خضع أيضاً لهذا المبدأ العظيم. فهنالك أمور أقرها الإسلام في أيام الرسول ص. وفي القرآن نفسه تم نسخها وخفف منها أو تشدد في تطبيقها حسب حاجة المسلمين أو طاقتهم وحباً بأمثل الطرق في إصلاح أمرهم".

ومشى التشريع مع الدعوة في الإنجيل منذ الخطبة الأولى على الجبل. وسارا جنباً إلى جنب؛ حتى بعد قيامة المسيح ورفعه إلى السماء "فدنا يسوع وكلمهم قائلاً: لقد دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض: فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به" (متى28: 19).

6-جاء التشريع في التوراة مجملاً وفصله أنبياء بني إسرائيل حسب تطور الأمة: فأخذت شريعة سيناء ثوبها الفضفاض مع الأيام تحت سطوة الوحي والتنـزيل.

وجاء الإنجيل بمبادئ عامة تصلح شِرْعة لكل زمان ومكان وأعطى رسله الحواريين سلطته ليتلمذوا جميع الأمم ويعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصاهم به وشرعه لهم، وهذه السلطة الرسولية تطبق مبادئ الإنجيل على ظروف الزمان والمكان.

أما القرآن الكريم فجاء بمجموعة قوانين محدودة، ولم يعد نبي أو أنبياء بعده يفصلونها فهو "خاتم النبيين". ولم يقم سلطة شرعية تعلّم جميع الأمم كيف يحفظون شريعة القرآن. بل انتقل إلى الرفيق الأعلى تاركاً في القرآن وحده النبوة والشريعة والسلطة. فاضطرت ظروف الحياة المسلمين إلى إيجاد مصادر أخرى بجانب القرآن للتشريع: الحديث الصحيح والسنة الثابتة، ثم الإجماع، ثم القياس والرأي. "أتى الإسلام بنظام شامل للحياة كلها. ولكنه أتى به مجملاً في القرآن الكريم فاقتضى أن يفصله محمد رسول الله ص. في حديثه، وأن تبوبه كتب الفقه وتنسقه. ولقد فتح الإسلام في التشريع باب الاجتهاد على مصراعيه وترك للعقل أن يستدرك كل ما لن يرد ذكره في القرآن أو الحديث. وهذا بين في حديث معاذ بن جبل لما استقضاه رسول الله على اليمن فقال له: يا معاذ بم تحكم؟ قال بكتاب الله. قال فإن لم تجد، قال بسنة رسول الله. قال فإن لم تجد، قال أجتهد برأيي. قال النبي ص. : "الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضاه"

فالتشريع القرآني "مجمل" كالتشريع الإنجيلي، ولم يرد مفصلاً كالتشريع التوراتي. واعجاز القرآن في بيانه لا في تشريعه، كما يزيد بعضهم اليوم: والتشريع المعجز هو التشريع الجامع المانع الذي ليس بحاجة إلى حديث يفصله، أو إجماع يحدده، أو عقل يطوره بالرأي والقياس.

شهادة القرآن للإنجيل أنه شرعة قائمة

ينتظم التشريع القرآني في التشريع الكتابي على الإطلاق: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً- والذي أوحينا إليك- وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تفرقوا فيه" (شورى13). لأنه كان على النبي العربي أن يقتدي بهدى الكتاب بما فيه من تعليم وتشريع: "أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكمة والنبوة- فإن يكفر بها هؤلاء (مشركو مكة) فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين- أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده" (انعام9).

وكان يقتدي بأحكامه العامة بسنن أهل الكتاب، فهو يختم تشريع سورة النساء بقوله: "يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم... (نساء25و 27) أي "طرائق الأنبياء في التحليل والتحريم فتتبعوهم" (الجلالان). فالتشريع القرآني هدى إلى التشريع الكتابي مع تخفيف بتسهيل أعمال الشرع (الجلالان) ويهتدي القرآن في أحكامه الخاصة بأحكام التوراة والإنجيل: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون: أياماً معدودات.... شهر رمضان الذي أنـزل فيه القرآن هدى للناس" (بقرة183- 185). وهنا ليس الاقتداء بالتشريع التوراتي بل بالتشريع الإنجيلي لأنه لم يكن عند اليهود شهر معلوم للصوم، وكان ذلك عند النصارى: فكتب على المسلمين شهر رمضان كما كان على النصارى شهر صوم من قبل.

فكيف يهدي القرآن إلى شريعة الكتاب ويقتدي بسنن التوراة والإنجيل ونـزعم أن لا تشريع في الإنجيل، والكتاب هو أمام القرآن في التعليم والتشريع (احقاق12).

والتشريع المنـزل أُنـزل لاستباق الخيرات: "ولكل وجهة هو موليها:

فاستبقوا الخيرات" (بقرة148). المعنى "كل وجهة الله موليها أهلها" (البيضاوي) "لكل من الأمم قبلة هو موليها وجهه في صلاته" (الجلالان). وفي منتصف العهد بالمدنية يقول: "لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه: فلا ينازعك في الأمر" (حج67) أي "لكل أمة جعلنا شريعة، هم عاملون بها فلا تنازعهم في الأمر" (الجلالان). لكل أمة شريعة: ولأهل الإنجيل شريعة، ولأهل القرآن شريعة: فلا تنازع، ولا نسخ، واختلاف الشرائع ليس اختلافاً في الدين والتوحيد.

وفي آخر العهد بالمدنية يأتي التصريح النهائي على موقف القرآن من شريعة التوراة وشريعة الإنجيل.

يختلف علماء القرآن في آخر السور نـزولاً. روى الشيخان أن آخر سورة براءة. وأخرج الترمذي والحاكم عن عائشة قولها: آخر سورة نـزلت المائدة فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه. واخرجا أيضاً عن عبد الله بن عمرو قال: "آخر سورة نـزلت: المائدة والفتح. وفي حديث عثمان المشهور براءة من آخر القرآن نـزولاً- فسورة المائدة هي الأخيرة أو قبل الأخيرة. وفيها الشهادة القرآنية الأخيرة على وجود شريعة في الإنجيل قائمة لا تنسخها شريعة القرآن.

يأمر القرآن أهل التوراة أن يحكموا بما أنـزل الله فيها: "إنا أنـزلنا التوراة، فيها هدى ونور.... ومن لم يحكم بما أنـزل الله فيها، فأولئك هم الكافرون" (مائدة47).

ويأمر القرآن أهل الإنجيل أن يحكموا بما أنـزل الله فيه: "وليحكم أهل الإنجيل بما أنـزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الفاسقون" (مائدة50).

ويأمر القرآن محمداً وأهل القرآن أن يحكموا بما أنـزل الله فيه: "وأنـزلنا إليك الكتاب بالحق- مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه: فاحكم بينهم بما أنـزل الله" (51).

ويختم القرآن بالقول الفصل: "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة. ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات

إلى الله مرجعكم جميعاً" (مائدة51). فسَّره الجلالان: "لكل جعلنا منكم أيها الأمم شريعة وطريقاً واضحاً في الدين تمشون عليه. ولو شاء الله لجعلكم على شريعة واحدة، ولكن فرقكم فرقاً ليختبركم فيما آتاكم من الشرائع المختلفة لينظر المطيع منكم والعاصي فسارعوا إلى الخيرات".

وهكذا فقد أقرّ القرآن كل أمة من أمم التوحيد المنـزل على شرعها المختص بها. وهذا الاختصاص بشرع مختلف لا ينقض وحدة الشريعة الأصلية المنـزلة ولا وحدة العقيدة الدينية.

فحسب شهادة القرآن: من الافتراء على الإنجيل الادعاء أنه لا تشريع فيه. ومن الافتراء على القرآن الادعاء بأن القرآن نسخ شريعة التوراة والإنجيل، وهو القائل في سورة المائدة الأخيرة: "قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليكم ومن ربكم" (مائدة 72). ومنها استنتج بعض علماء القرآن ومفسريه: "شرع من قبلنا شرع لنا" (أي للمسلمين) (راجع البيضاوي والزمخشري).

فالقرآن يشهد بأن الإنجيل شريعة، وأنه شريعة قائمة أبد الدهر، لم ينسخها القرآن، إنما خفف منها رحمة بقومه.

التشريع في الإنجيل

في الإنجيل تشريع، وشريعة الإنجيل خلاصة وتتمة شريعة التوراة والنبوة والحكمة. والتشريع في الإنجيل هدف أساسي يظهر منذ الخطبة الأولى على الجبل (متى ف5- 7). وليس في الإنجيل كما في غيره عهد دعوة ثم عهد تشريع وأحكام: بل في الإنجيل يسير التعليم والتشريع معاً لأن شريعة الإنجيل مظهر لدعوته. وهذا التشريع في الإنجيل يتخذ جلال شريعة سيناء، وسلطتها: "سمعتم أنه قيل للأقدمين... أما أنا فأقول لكم". ويرددها مراراً (متى5: 21و 27 و31و 33و 38و 43). ومن علم أن عند اليهود كانت التوراة صورة الله، شعر كم في هذه الكلمات التشريعية "وأنا أقول لكم" من سلطة إلهية تعدل شريعة الله المنـزلة.

ويأتي التشريع في الإنجيل كاملاً، لأنه دستور مبادئ عامة تصلح لكل

زمان ومكان، لا مجموعة قوانين مبعثرة تمليها ظروف الحياة، وتضطرنا ظروف الزمان والمكان إلى تطويرها وتفسيرها بالأحاديث الموضوعة. منذ الخطية الأولى يطوّر أركان التوحيد الإنجيلي من صلاة وصدقة وصوم وحج إلى كمالها، ويحث فيها على استقامة النيات أكثر من الأعمال الظاهرة الخارجية. ومنذ الخطية الأولى أيضاً ينظر إلى دستور الأخلاق والآداب العامة الذي أنـزله الله على موسى في الكلمات العشر، فيطوره أيضاً من الأعمال الظاهرة إلى النيات الخفية، وصية فوصية. وفي هذا يعلق منذ البدء: "إني ما جئت لأنقض بل لأكمل" (متى5: 17).

وهذا التشريع الإنجيل يفترض التشريع الكتابي الذي نـزل في التوراة والأنبياء والزبور والحكمة، ويقبله ويعدّله حسب روح التعليم والتشريع الجديدين ليصل بالتشريع الكتابي كله إلى كماله. ويعلق ذلك منذ البدء بهذا المبدأ العام: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء: إني ما جئتُ لأنقض بل لأكمل. الحق أقول لكم (وهذا صيغة القسم الإنجيلي) أنه إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول من الناموس باء ولا نقطة حرف حتى يتم الكل" (متى5: 17و 18).

فهذا التمام والكمال للناموس هو شريعة الإنجيل.

جاء القرآن تصديقاً للكتاب وتفصيلاً؛ ولكن ترك شريعة التوراة وشريعة الإنجيل على حالها ملزمة لأهلها "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً" (مائدة51) لا بل خفف من سننها (نساء25و 27) رحمة "بأمته الوسط" (بقرة143). بينما الإنجيل شريعة الكتاب كله إلى ذروتها وكمالها، وجعل أساساً لها الكمال الإنساني: "وإذن فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم فافعلوه أنتم أيضاً بهم فذلك هو الناموس والأنبياء" (متى6: 12). وجعل له مثلاً أعلى الكمال الإلهي: "فأنتم إذن كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي هو كامل" (متى5: 47).

فما هو هذا الكمال الإنجيلي في التشريع؟

جاءت الموسوية دولة دينية فكان لا بد لها من تشريع ديني وسياسي ينظمها. وجاء القرآن بعد الإنجيل عوداً على بدء: فبعد دعوة دينية في مكة دعا في المدينة إلى دولة الإسلام بالجهاد الدفاعي ثم الهجومي فكان

لا بدّ له من تشريعاتٍ دينية وسياسية واجتماعية وعسكرية لتنظيم هذه الدولة الدينية.

ولكن جعل المسيح النصرانية دعوةً دينية لا دولةً دينية. فأبعد أحكام الدولة ليُقيم أحكام الدين "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله) (متى22: 21). وشرائع هذا الدين المسيحي تطوّر وتتمّة لشريعة الكتاب (متى5: 17و18). بتمييز الدين عن الدولة، طهّر الإنجيل الدين من شوائب الدنيا، وبتطوّر شرعة الكتاب الدينية إلى كمالها جاء الإنجيل بشريعةٍ كاملةٍ وبشريعةٍ خالدة.

فما هي مبادئ الدستور الإنجيليّ في تشريعه؟

أولاً: التشريع التعبّدي

التشريع التعبّدي يحوي أركان الدين الخمسة: الشهادة، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحجّ إلى بيت الله المخصوص. ويحوي دستور الأخلاق والآداب الأساسية كما وردت في وصايا الله العشر.

في الإنجيل روح التشريع التعبّدي جديد لا عهد للكتاب به، ولا للقرآن من بعده. أجل الله هو القدير القدّوس كما تقول التوراة، وهو الرحمان الرحيم كما يقول القرآن. ولكن فوق هذا كلّه هو "الآب الذي في السماوات" (متى 5: 9) هو أب عام للبشر وأب خاص للمسيح. يرفع الإنجيل علاقة المخلوق بالخالق من العبودية إلى البنوّة . وهذه هي ميزة الإنجيل الخالدة في تعليمه وتشريعه: الله تعالى ، القدير القدّوس، الرحمان الرحيم، هو فوق كل شيء أبونا الذي في السماوات. وعلى أساس هذه النظرة الجديدة السامية يبني الإنجيل قواعد الدين وأركان الإيمان.

ثم يرفع الإنجيل أركان الإيمان الخمسة من أعمالها الظاهرة إلى نيّاتها الباطنة: "احترزوا من أن تصنعوا برّكم قدّام الناس لكي ينظروا إليكم وإلاّ فلا أجر لكم عند أبيكم الذي في السماوات" (متى 6: 1) ويطوّر دستور الأخلاق الدينية من الأعمال المادية إلى الأفكار والشهوات والنيات السليمة. فليس مثلاً العبرة بالوضوء قبل الصلاة أو غسل الأيدي قبل الأكل: العبرة بالطوية السليمة "ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان بل ما يخرج من الفم

هو ينجس الإنسان.. ذلك هو ما ينجس الإنسان وأما الأكل بأيدٍ غير مغسولة فلا ينجس الإنسان" (متى 15: 11و20). فالأصل في أعمال الدين، لا المادة والظواهر بل "الإيمان العامل بالمحبة" (غلاطية5 : 6).

الشهادة لله أنه "أبونا الذي في السماوات" . وهذه الشهادة هي جوهر ديانة الإنجيل والعبادة التي يفرضها. علاقاتنا مع الله يجب أن تكون علاقة أب سماويّ مع بنيه "لكي تكونوا بني أبيكم الذي في السماوات" (متى 5: 45).

الصلاة هي صلاة الابن لأبيه السماويّ: "وأنتم إذن صلّوا هكذا: أبانا الذي في السماوات..." (متى 5: 9-15) استغاثة بقدرته السماوية وأبوّته السامية. ويشرّع لها سلامة النيّة "وفي الصلاة لا تكرروا الكلام عبثاً مثل الوثنيين" (متى 5: 7) والتستّر وعدم الظاهر والرئاء : "وصلّ إلى أبيك الذي في الخفية وأبوك الذي يرى في الخفية هو يُجازيك" (5: 6) ويشرّع لها أيضاً كشرطٍ الغفران للناس زلاّتهم، فلا يستثني من رحمة الله في طلب الهداية إلى الصرط المستقيم "المغضوب عليهم والضالّين" بل يقول: "واترك لنا ما علينا كما نترك نحن أيضاً لمن لنا عليهم" (متى 6: 12) ويفسّرها: "فإنكم إن غفرتم للناس زلاّتهم يغفر لكم أيضاً أبوكم السماويّ زلاّتكم ولكن إن لم تغفروا للناس زلاّتهم فأبوكم لا يغفر لكم زلاّتكم" (6: 14و18: 21).

هذه من تحديدات الصلاة الإنجيلية. "لم يرد في القرآن، مكية ومدنية، تحديد لكيفية الصلاة وعدد ركعاتها وأوقاتها، وكل ما ذكر فيه حالات القيوم والرّكوع والسّجود.. والسنّة النبوية لها أوقاتاً وعدداً وكيفيات.. على مراحل وليس دفعةً واحدة".()

الصدقة والزكاة: يفرض المسيح الزكاة، ولكن الزكاة المستورة التي لا يعلمها إلاّ الله: "فمتى صنعت صدقةً فلا تبوّق بها قدّامك كما يفعل المراؤون في المجامع وفي الشوارع لكي يمجّدهم الناس. أما أنت فلا تعلم شمالك ما تصنع يمينك لكي تكون صدقتك في الخفية وأبوك الذي يرى في الخفية يجازيك". (متى 6: 2و4).

وضرورة الصدقة تصل إلى حدّ قوله: "بيعوا ما لكم وتصدّقوا" فهي من مال الإنسان الذي للسائل والمحروم فيه حقّ معلوم، وليس فقط من فضلات ملكه وماله. "كانت الزكاة صدقة فصارت ضريبةً في المدينة وليس في القرآن تعيين لمقادير الزكاة. وقد تكفّلت السنّة النبوية شأن كثير من الحدود والقواعد كما نبّهنا إليه في المناسبات السابقة() ".

الركن الرابع . يفرض المسيح الصوم، ولكن الصوم البنوي لمجد الله وحده، لا للمباهاة أمام الناس "ومتى صمتم فلا تكونوا معبسين كالمرائين فإنهم ينكرون وجوههم ليظهروا للناس صائمين. أما أنت فمتى صمت فطيّب رأسك واغسل وجهك لكي لا تظهر للناس صائماً بل لأبيك الذي في الخفية. وأبوك الذي يرى في الخفية هو يجازيك" (متى 6: 16).

والركن الخامس، الحجّ إلى بيت الله في القدس أو غيرها فقد ألغاه المسيح كفريضة لما فيه من تكاليف، ولما فيه من حصر العبادة بمكان (). نرى ذلك في حديث المسيح مع السامرية "قالت له المرأة: آباؤنا عبدوا في هذا الجبل وتقولون أنتم أن الموضع الذي تجب فيه العبادة هو في أورشليم. فقال لها يسوع: صدقيني أيتها المرأة، أنها تأتي الساعة التي تعبدون فيها الآب لا في هذا الجبل ولا في أورشليم.. تأتي الساعة وها هي ذي حاضرة حيث العابدون الحقيقيون يعبدون الآب بالروح والحقّ" (يوحنا 4: 19) ، وعبادة الله بالروح والحقّ لا ترتبط بمكان وزمان .

ويختم المسيح أركان الإسلام المسيحي بإعلان الميزة العامة الشاملة لدعوته: التحرر من الأرضيات، والالتفات إلى السماويات في تفكيرنا وعملنا: "لا تكنـزوا لكم كنوزاً على الأرض بل اكنـزوا لكم كنوزاً في السماء" (متى 6: 19). وفي مقطع شعريّ معجز لا مثيل له يحرّضنا على الانفلات من قيود المادة وعبادة ربّ الأرض: المال "لا يقدر أحد أن يخدم سيّدين فإنه إما أن يُبغض الواحد ويحبّ الآخر أو يلزم الواحد ويرذل الآخر:

لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال" (متى 6: 24 – 34). فلا يدعو مثل غيره إلى الاهتمام معاً، بالدنيا والآخرة، بالنفس والجسد، بالدين والدولة ظانين هذا الشمول من الكمال() - فالنفس الأمارة بالسوء ليست بحاجةٍ إلى تحريض من فوق للاهتمام بالدنيا والجسد والدولة وشؤونها. بل يدعو الإنجيل إلى الهرب من ربّ الأرض إلى ربّ السماء: "اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه وهذا كلّه يُزاد لكم" (متى 6: 23).

وهكذا نرى أن الإنجيل منذ اللّحظة الأولى كتاب تشريع سام كما هو كتاب دعوة.

ثانياً: والتشريع التعبّدي الأخلاقي يوجزه الإنجيل في وصايا الله العشر التي نـزلت على موسى في التوراة: "وسأله وجيه قائلاً: أيّها المعلّم الصالح ماذا عليّ أن أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ فقال له يسوع... إنك تعرف الوصايا: لا تزنِ لا تقتل لا تسرق لا تشهد بالزور، أكرم أباك وأمّك. فقال له يا معلّم كل هذا قد حفظته منذ صباي. فحدّق إليه يسوع وأحبّه" (مرقس 10: 17-22).

وهذا التشريع الأخلاقي يطوّره المسيح منذ اللّحظة الأولى من الأعمال إلى النيّات، ومن الحسيات إلى الشهوات والأفكار: "سمعتم أنه قيل للأقدمين: لا تقتل فإن من قتل يستوجب المحاكمة. أما أنا فأقول لكم: إن كلّ من غضب على أخيه يستوجب المحاكمة" أكان الغضب بالأعمال أم بالأقوال. لا يحرم الله فقط في الإنجيل القتل، بل كلّ عملٍ أو قول يوصل إليه أو يُشبهه فالقتل ماديّ ومعنويّ وروحيّ.

"قد سمعتم أنه قيل للأوّلين: لا تزنِ. أما أنا فأقول لكم إن كلّ من نظر إلى امرأةٍ ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه" يمنع الزى وكلّ الأعمال أو الشهوات أو الأفكار التي توصل إليه. فإنه خيرٌ لنا أن نقلع عيننا أو نقطع يدنا أو نقصّ رجلنا إذا كانت سبب عثرةٍ لنا تقودنا إلى الزنى. وهذا أبلغ من قصاص الزاني والزانية مئة جلدة (سورة النور).

بشأن اليمين والأقسام شرع: "سمعتم أنه قيل للأقدمين لا تحنث بل أوفِ الربّ بأيمانكَ. أما أنا فأقول لكم: لا تحلفوا البتّة لا بالسماء لأنها

عرش الله ولا بالأرض لأنها موطئ قدميه، ولا بأورشليم لأنها مدينة الملك الأعظم... فليكن كلامكم: نعم، نعم ؛ لا، لا. وما زاد على ذلك فهو من الشرير". ولا يخفف من ذلك بقوله: "لا يؤاخذكم الله باللّغو في إيمانكم" (مائدة 89).

بشأن معاملة الناس: "سمعتم أنه قيل: عين بعين وسن بسن أما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشرير، بل من لطمك على خدّك الأيمن فقدّم له الآخر أيضاً". تبع القرآن المكّي شريعة المسيح: "وادرأ بالحسنة السيّئة فإذا الذي بينك وبينه خصام، صديق حميم" وعاد القرآن المدني فتبع التوراة: "ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" (بقرة 114).

في العلاقات الاجتماعية والشخصية مشكل دائم في الحياة: قيام الأخصام والأعداء. وتخبّطت الدساتير الدينية والدنيوية في محاولة تشريع مناسب لهذه الحالة الشاذّة الحادّة التي قد تخرج الفرد والجماعة عن الاتّزان. فجاء الكمال الإنجيليّ يقول: "سمعتم أنه قيل: أحبب قريبك وأبغض عدوّك. أما أنا فأقول لكم أحبّوا أعداءكم وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات فإنه يطلع شمسه على الأشرار والصالحين ويُمطر على الأبرار والظالمين" (متى 5: 43). ولوقا يفصّل شريعة محبّة الأعداؤ تفصيلاً جميلاً (6: 27-35).

كانت الشريعة الموسوية تهدف إلى إقامة العدل الضائع بين الناس في أزمان جاهليّتهم فتقول بوجوب المحافظة على حياة الناس وعرضهم ومالهم وسمعتهم. فجاءت الشريعة الإنجيلية وتجاوزت حدود العدل إلى الرحمة: "كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم: لا تدينوا فلا تُدانوا. لا تقضوا على أحدٍ فلا يقضى عليكم. اغفروا يُغفر لكم. أعطوا تعطوا" (لوقا 6: 36).

ونقلت روح التشريع أيضاً من السلبية إلى الإيجابية: "كل ما تريدون أن يفعل الناس بكم فافعلوه أنتم بهم: فذلك هو الناموس والأنبياء" (متى 6: 12).

وأعطى الإنجيل فلسفة التشريع المسيحي في هذا المبدأ الشامل الكامل: سأل المسيح واحد من علماء الناموس: "يا معلّم ما أعظم الوصايا في الناموس؟ فقال له: أحبب الربّ إلهك بكلّ قلبك وكلّ نفسك وكلّ ذهنك. هذه هي

الوصية الكبرى والأولى. والثانية تشبهها: أحبب قريبك كنفسك: بهاتين الوصيّتين يتعلّق الناموس كلّه والأنبياء" (متى22: 34) ونعلم أن الوصية الثانية إنجيلية محضة زادها المسيح على شريعة التوراة لإبلاغها إلى الكمال. وقد حفظ الرسل الحواريون فلسفة الإنجيل في تشريعه: "إن الناموس كلّه يتمّ في هذه الوصية الواحدة: أحبب قريبك كنفسك" (غلاطية5: 14). وفي نشيد المحبة يعلن أن المعجزات والعلم والإيمان والنبوّة ليست شيئاً بدون المحبّة لأنها خالدة عند الله (1كور13).

فهدف التشريع الإنجيليّ ليس التخفيف من شريعة الكتاب بل البلوغ بها إلى الكمال الإلهيّ الذي هو المثل الأعلى: "كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي هو كامل" (متى5: 48).

ثالثاً: التشريع الاجتماعي

لا بدّ للجماعة الدينية من شريعة تنظّم علاقاتها، بعضها مع بعض، ومع الآخرين. وقد أرسل المسيح روحاً جديداً في التشريع الإنجيلي الاجتماعي: لقد بناه على هذين المبدئين: الإنسان ابن الله أبيه، وفي ظلّ هذه البنوّة السامية فالإنسان أخ للإنسان. وهذه الصلة فوق كلّ الروابط القبلية والقومية والدولية والإنسانية.

وهذه القرابة الروحية الجديدة التي تجعل البشر جميعهم أبناء الله بالنعمة والتبنّي، وأخوة بعضهم لبعض، شاؤوا أم أبوا، لا تفرّق بينهم القوميات ولا الأحوال الاجتماعية، ولا المؤسسات الدولية، هذه القرابة الروحية هي أساس التشريع الاجتماعي الإنجيليّ.

ويسوع قد أعطى ذاته مثالاً لها مع قرابته حسب الجسد: كان يخطب مرة ويعلّم الشعب "إذا أمه وأخوته قد وقفوا في الخارج طالبين أن يكلّموه. فأجاب وقال للذي أخبره: مَن أمي وأخوتي؟ ومدّ يده نحو تلاميذه وقال: ها أمي وأخوتي! فإن كلّ من يعمل مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمي" (متى12: 46). يسوع يجعل القرابة الروحية فوق القرابة الطبيعية وأساساً لتعليمه وتشريعه.

 

وقد ابتكر يسوع أمراً لم تبتكره التوراة، ولا القرآن، لقد أسس سلطة تخلفه وتكون أمينةً على تعليمه وشريعته. وهذه السلطة إلهية في مصدرها: "كما أن الآب أرسلني كذلك أنا أرسلكم" (يوحنا20: 21)، "لقد دفع إليّ كلّ سلطان في السماء وعلى الأرض فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم" (متى28: 18). وهذه السلطة روحية في تنفيذها: "وعمّدوهم .. وعلّموهم أن يحفظوا جميع أوصيتكم به" (متى28: 19). وهذه السلطة شاملة كاملة: "الحقّ أقول لكم: كلّ ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء، وكلّ ما تحلّونه على الأرض يكون محلولاً في السماء" (متى18: 18). وهذه السلطة كاملة في قوّتها، لها مفعول على الأرض وفي السماء وفي الجحيم ذاته: "ورجع الاثنان والسبعون فرحين وقالوا: "إن الشياطين أنفسها تخضع لنا باسمك. فقال لهم: ها أنذا أعطيتكم سلطاناً أن تدوسوا الحيات والعقارب وكلّ قوة للعدو وما من شيء يضرّكم. ولكن لا تفرحوا بأنّ الأرواح تخضع لكم بل افرحوا بأنّ أسماءكم مكتوبةٌ في السماوات" (لوقا10: 17) - وهذه السلطة هي التي تنظّم الجماعة المسيحية حسب تعليم المسيح وتشريعه.

وفي الإسلام ليس من سلطة دينية يفرضها القرآن. كانت السلطة الدينية محصورةً في النبيّ وظلّت محصورةً فيه: "إنا أنـزلنا إليك الكتاب بالحقّ لتحكم بين الناس بما أراك الله" (نساء105) وسلطة "أولي الأمر" التي نراها في القرآن إلى جانب النبي هي سلطة سياسية شعبية نتيجة تسليم بالأمر الواقع لا نتيجة تشريع قرآنيّ: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأوّلي الأمر منكم: فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر" (نساء59). فالطاعة أولى من التنازع "وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم" (أنفال46) وهذه الطاعة من الإيمان وضرورية لإحباط حبائل العدوّ: "وإذا جاءكم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به، ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أوّلي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم" (نساء83). والدليل القويّ على أن سلطة أوّلي الأمر هي سلطة الأمر الواقع لا نتيجة تشريعٍ قرآنيّ يقيمها على الله" (آل عمران159). ثم "لو يطيعكم في كثيرٍ من الأمر لعنتم"

(حجرات6). قال الأستاذ دروزة: "فهذه الآيات رمت كما هو المتبادر إلى توطيد السلطان الإسلامي في شخص النبيّ ص. أولاً، وإلى توطيد إطاعة أوليّ الأمر ثانياً"() . وأوّلي الأمر يجب أن يكونوا قوّامين بالقسط (نساء135) وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل (نساء58): إنها سلطة شعبية قائمة بجانب سلطة محمّد النبوية الشخصية.

يرمي التشريع الاجتماعي في الإنجيل إلى إقامة أخوّة مسيحية شاملة لا تقتصر على المسيحيين وحدهم، بينما الأخوة الإسلامية في القرآن تقتصر على المسلمين دون سواهم: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض" (توبة71) (أنفال72). لذلك يأمر قومه "يا أيها الذين آمنوا لا تتّخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين" (نساء144 مائدة55) "يا أيها الذين آمنوا لا تتّخذوا النصارى واليهود أولياء" (مائدة 54) "يا أيها الذين آمنوا لا تتّخذوا آباءكم وإخوانكم إن استحبّوا الكفر على الإيمان ومن يتولّهم منكم فأولئك هم الظالمون" (توبة 23). فالأخوة الإسلامية محصورة في المسلمين دون غيرهم () . بينما الأخوّة المسيحية التي يفرضها الإنجيل على المجتمع هي شاملة تحتضن الأعداء أنفسهم: منذ الخطبة الأولى يعدّل شريعة موسى التي تقتصر المحبة على القومية اليهودية: "سمعتم أنه قيل: أحبب قريبك وابغض عدوّك. أما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات فإنه يطلع شمسه على الأشرار والصالحين" (متى 5: 34) . ويجعل محبة القريب شبيهةً بمحبة الله ومتفرّعة عنها (متى19: 16). فسألوه عن معنى "القريب" وشمول هذه اللفظة فأجاب بمثل السامريّ الرائع، الذي يجعل من عدوّ الدين والقومية قريباً أيضاً (لوقا10: 29).

ومن مساوئ المجتمع الرقّ، وكانت التوراة قد خففت الرقّ على اليهود فيما بينهم. وحذا القرآن حذوها: فالرقّ واقع مقبول في القرآن ولم يبلغه التشريع القرآني، ويستنتج منه أن المسلم لا يمكن أن يسترق (حجرات6: 7) فالرقّ تجارة وغنيمة حرب "والمروي أن الأسرى المسترقّين كانوا يوزّعون

على المسلمين أسوةً بالغنائم" وحصرت الشريعة القرآنية الزواج بأربع حرائر "إلاّ ما ملكت أيمانكم" فلا حدّ له. أما الشريعة الإنجيلية فلا رقّ فيها: فالمسيحية تنقل الإنسان من حالة العبودية إلى حالة أبناء الله : "فأنت إذن لست بعد عبداً بل أنت ابن الله وإذا كنت ابناً فأنت وارث لله" (غلاطية 4:4-7) "لقد حررنا المسيح لكي ننعم بهذه الحرية فاثبتوا إذن فيها ولا تعودوا ترتبطون بنير العبودية... فأنتم إنما دعيتم إلى الحرية ولكن لا تجعلوا هذه الحرية فرصة للجسد بل كونوا بالمحبة خداماً بعضكم لبعض لأن الناموس كله يتمّم في هذه الوصية الواحدة : أحبب قريبك كنفسك" ( غلاطية 5: 1و13) "فليس بعد يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حرّ، ليس ذكر ولا أنثى لأنكم جميعاً واحد في المسيح يسوع" (غلاطية 3:28): الحرية المسيحية ترفع جميع الفوارق بين العبيد والأحرار وبين جميع الأمم، وبين الرجل والمرأة، وهذه الحرية سبيل إلى الوحدة المسيحية (كولوسي2: 11). مع ذلك في التطبيق سار الرسل بحذر لأن العالم المتشرب روح الوثنية لم يكن بعد ناضجاً لمثل هذا الانقلاب: "وأنتم أيها العبيد أطيعوا سادتكم البشر كطاعتكم للمسيح، كأنكم تخدمون الرب لا الناس. وأنتم أيها السادة اسلكوا المسلك نفسه مع عبيدكم: امتنعوا عن التهديد عالمين أن سيدكم وسيدهم واحد هو في السماوات وليس عنده محاباة وجوه" (أفسس6: 5-10) ويحرض العبيد على طاعة الرؤساء ولكن يحرضهم على الحصول على الحرية "لقد اشتريتم بثمن كريم فلا تصيروا عبيداً للناس" (1 كور 7: 21-24) فالنبوة الشاملة والحرية الكاملة والمحبة العامة التي في المسيح كانت السبيل إلى نقض الرِّق وإزالته.

وعن أخلاق الجماعة المسيحية لا يكتفي الإنجيل "بالنهي عن المنكر والأمر بالمعروف" ( آل عمران 104 و110توبة 71 و 112 حج 41 ) والتضامن في البر والخير والتقوى (مائدة 2 مجادلة 9 بلد 7 العصر ) بل يشرع الشريعة التي هي كمال الناموس والأنبياء : محبة القريب (غلاطية 5: 1 و13) في وجهيها السلبي والإيجابي "كلّ ما تريدون أن يفعل الناس بكم فافعلوا أنتم بهم" (متى 6: 12) . وقد علم الرسل الحواريون ذلك بقولهم ومثلهم:

"وبعد أيها الأخوة فكلّ ما هو حق وكرامة وعدل ونقاوة ولطف وشرف، وكلّ ما هو فضيلة وكلّ ما يُمتدح: كلّ هذا فليكن محطّ أفكاركم. وما تعلمتموه وتسلمتموه وسمعتموه مني ورأيتموه فيّ فليكن دأبكم: وعندئذ إله السلام يكون معكم" (فيليبي4: 8) "أما الزنى والنجاسة بكل وجوهها والطمع أيضاً فلا يذكرنَّ حتى في ما بينكم على ما يجدر بالقديسين.كذلك القول عن الكلام القبيح أو السخيف وعن السخرية فجميع ذلك لا يليق... فاسلكوا كأبناء النور فإن ثمر النور لفي كلّ صلاح وبر وحق.... أجل كونوا مقتدين بالله كأبناء أحباء واسلكوا في المحبة على مثال المسيح الذي أحبكم" (أفسس 5: 1 و3 و9) وتتكرر هذه التحريضات على الأخلاق المسيحية المثالية: "أميتوا أعضاءكم الأرضية الزنى والنجاسة والأهواء والشهوة الرديئة والطمع الذي هو عبادة وثن ذلك ما يجلب غضب الله...فالبسوا إذن أنتم مختاري الله وقديسيه وأحباءه أحشاء الرحمة واللطف والتواضع والوداعة والصبر. احتملوا بعضكم بعضاً وتسامحوا وفوق كلّ شيء البسوا المحبة التي هي رباط الكمال" ( كولسي2: 5-15).

رابعاً: التشريع العائلي

التشريع العائلي هو أساس بناء المجتمع الصالح. كان التشريع التوراتي قائماً على إباحة تعدد الزوجات، وإباحة الطلاق. فجاء القرآن بعد الإنجيل، فسار على خطة التوراة لكن بحدود. كان الزواج عند العرب والطلاق لا حدّ له، فجعله بحدود.

أباح القرآن الزواج بأربع نساء معاً مع شرط العدل بينهن "أو ما ملكت ايمانكم" (نساء3- 4) "ولم تحدد الآية الإماء كما لم تشترط لهن مهراً لأنهن ملك يمين صاحبهن، وهذا ما كان جارياً من قبل فأقرّ الأمر على ما كان()" . بينما الإنجيل لم يميز بين الحرائر والإماء، وحصر صحة الزواج بواحدة استناداً إلى مبدأ الخلق: "أما قرأتم أن الخالق من البدء خلقهما ذكراً وأنثى أو أنه قال: لذلك يترك الرجل أباه وأمّه ويلزم

امرأته ويصيران كلاهما جسداً واحداً. ومن ثم فليس هما اثنين بعد بل جسد واحد. وإذن فما جمعه الله فلا يفرّقه إنسان" (متى19: 3) وحفظ الرسل الحواريون هذا التعليم (رومة7: 1-3). فلا تخفيف بحقّ عدد محدود من الحرائر، ولا إباحة بحقّ الإماء "فقد أباح القرآن لمالك الإماء من التسرّي بهنّ من دون مهر وعقد" وحد() .

يشترك القرآن مع الإنجيل بعدم السماح بالزواج مع غير المؤمنين والمؤمنات (بقرة121: قابل 1كور7: 39).

وأباح القرآن الطلاق مثل التوراة. ولكنّ الإنجيل حرّم الطلاق استناداً أيضاً إلى مبدأ وحدة الزواج منذ الخلق: "إنه لقساوة قلوبكم أذن لكم موسى أن تطلّقوا نساءكم ولكن في البدء لم يكن الأمر كذلك. وإني أقول لكم: من طلّق امرأته - إلاّ في حالة الزنى - وتزوّج بأخرى فقد زنى" (متى19: 8-9) "وفي البيت سأله التلاميذ عن ذلك أيضاً فقال لهم: من طلّق امرأته وتزوّج أخرى فقد زنى عليها. وإن طلّقت امرأة رجلها وتزوّجت آخر فقد زنت" (مرقس10: 10) فلا تخفيف ولا إباحة "فمن استطاع أن يحتمل فليحتمل" (متى 19: 12).

وعن الحياة الزوجية، بينما يقول القرآن: "نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم" (بقرة225) تقول شريعة الإنجيل: "ليقضِ الرجل امرأته حقها وكذلك المرأة أيضاً رجلها: إن المرأة لا تتسلّط على جسدها بل الرجل. وكذلك الرجل أيضاً لا يتسلّط على جسده بل المرأة" (1كور7: 3).

وعن العشرة الزوجية بينما يقول القرآن: "الرجال قوامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم... واللاتي تخافون نشوزهنّ فعظوهنّ واهجروهنّ في المضاجع واضربوهنّ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلاً" (نساء34). بينما شريعة الإنجيل تقول: "أريد أن تعلموا أن رأس كلّ رجلٍ هو المسيح وأنّ رأس المرأة هو الرجل" (1كور11: 4). من هذا المبدأ ينتج خضوع المرأة للرجل وحبّ الرجل لامرأته كنفسه: "فأنتنّ أيها النساء اخضعن لرجالكنّ كما للربّ لأن الرجل هو رأس المرأة... وأنتم أيها الرجال أحبّوا نساءكم كما أحبّ المسيح

الكنيسة وبذل نفسه لأجلها... يجب على الرجال أن يحبّوا نساءهم كأجسادهم الخاصة فإنه ما من أحد أبغض قطّ جسده الخاص بل إنما يغذّيه ويعتني به كما يفعل المسيح بالكنيسة.. وهكذا إذن فليحبّ كلّ واحد منكم امرأته كنفسه، ولتهب المرأة رجلها" (أفسس5: 22-33).

وعن حشمة النساء يقول القرآن: "وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ، ويحفظن فروجهنّ ولا يبدين زينتهنّ" (نور27-31) وتقول شريعة الإنجيل: "وكذلك العجائز فلتكن سيرتهنّ على ما يليق بالقداسة، لا نمامات ولا مستعبدات للإكثار من الخمر بل معلّمات للصلاح لكي يهدين الفتيات بأن يكنّ محبّات لرجالهنّ وأولادهنّ، مترصّنات عفيفات ملازمات بيوتهنّ ، صالحات، خاضعات لرجالهنّ فلا يشنع على كلمة الله" (تيطس2: 3-5).

* * *

هذا غيض من فيض من التشريع الإنجيلي. يكفي لردّ تهمة العصر أنه "لا تشريع في الإنجيل". ونحن نكتفي بتصريح القرآن النهائي: "لكلّ جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً. ولو شاء الله لجعلكم أمةً واحدة. ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً" (مائدة51). وهذا السباق في الخيرات نحو الله بين شرائع التوراة والإنجيل والقرآن، يجعله الإنجيل هدف التشريع المثالي: "كونوا كاملين كما أنّ أباكم السماوي هو كامل" (متى5: 48).

صلاة التوحيد

في التوراة والإنجيل والقرآن

شمع - أبانا - الفاتحة

"أما أنتم فصلوا هكذا"

(إنجيل متى5: 9)

الصلاة هي روح الدين، ومعناه الذي لا يستقيم بدونه. ولا خير في دين لا صلاة فيه، ولا خير في تقوى لا تقوم على الصلاة. لأنّ الصلاة هي صلة الوصل بين الخالق والمخلوق، بها يرتفع المخلوق إلى الخالق، وبها يتنازل الخالق وينـزل إلى عبده. الصلاة هي لقاء الله، ومناجاته روحاً إلى الروح الكلي، وعقلاً إلى العقل الشامل اللاّمتناهي، وقلباً إلى القلب الكامل اللاّمحدود. الصلاة هي الحضور بحضرة الله، والاتّحاد به تعالى، والحياة فيه وبه ومعه سبحانه، والتلاشي فيمن هو الوجود والحقيقة والكمال والجمال.

وفي إحياء علوم الدين للإمام الغزالي حجّة الإسلام مطلع رائع يفتح به درس الصلاة: "أما بعد فإن الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، ورأس القربات وغرّة الطاعات.. وقال صلّى الله عليه وسلّم: الصلاة عماد الدين فمن تركها فقد هدم الدين. وسئل ص. أي الأعمال أفضل؟ فقال: الصلاة لمواقيتها. وقال ص. مفتاح الجنة الصلاة. وقال: ما افترض الله على خلقه بعد التوحيد أحبّ إليه من الصلاة، ولو كان شيء أحبّ إليه منها لتعبّد به ملائكته، فمنهم راكع، ومنهم ساجد، ومنهم قائم، ومنهم قاعد. وقال النبي ص. من ترك صلاةً متعمّداً فقد كفر أي قارب أن ينخلع عن الإيمان بانحلال عروته وسقوط عماده، كما يُقال لمن قارب البلدة أنه بلغها ودخلها. ويروى أن أول ما ينظر الله فيه يوم القيامة، من عمل العبد، الصلاة... وقال ص. أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته... وقال ص. ما تقرّب العبد إلى الله بشيء أفضل من سجود. وقال: ما من مؤمن يسجد

لله سجدةً إلاّ رفعه الله بها درجةً، وحطّ عنه بها خطيئة. وقال أن أقرب ما يكون العبد إلى الله أن يكون ساجداً() ".

لذلك كان التشريع الأول، بعد التوحيد ومع التوحيد، الصلاة، في التوراة والإنجيل والقرآن. وقد تركت لنا الكتب الثلاثة المقدّسة صلاة نموذجية مثال الدين ومعنى الإيمان، ومحور الوحي، وجوهر التنـزيل الذي فيها: فلندرسها ونقارن فيما بينها، لعلمنا وحياتنا.

1- صلاة التوراة: "اسمع يا إسرائيل" (تث6: 4)

تذكر التوراة مراراً عديدة ظهور الله لموسى في سيناء، وتردد الكلمات العشر التي تلقّاها على الجبل المقدّس.

"بكّر موسى في الغداة وصعد إلى جبل سيناء كما أمره الله. فهبط الله في الغمام ووقف عنده هناك ونادى (موسى) باسم الله. ومرّ الله قدّامه ونادى: "الكائن! الكائن! الإله الرحمان الرحيم() "! طويل الأناة كثير المراحم والوفاء... فأسرع موسى وخرّ إلى الأرض ساجداً" (خروج34: 6). ونقل إلى الشعب ما رآه من الحضرة الإلهية على الجبل: "وهذه هي الوصايا والرسوم والأحكام التي أمرني الله إلهكم أن أعلّمكم إياها لتعملوا بها.. اسمع يا إسرائيل: إن الكائن إلهنا هو الله أحد() . فأحبب الكائن إلهك بكلّ قلبك وكلّ نفسك وكلّ قدرتك. ولتكن هذه الكلمات التي أنا آمرك بها اليوم في قلبك. وكرّرها على بنيك وكلّمهم بها إذا جلست في بيتك وإذا مشيت في الطريق وإذا نمت وإذا قمت. واعقدها علامةً على يدك ولتكن عصائب بين عينيك. واكتبها على عضائد أبواب بيتك وعلى أبوابك" (تثنية6: 4-8). فصار هذا التوحيد الخالص صلاةً لإسرائيل مدى أجيالهم. وصاروا يكتبون "شمع" (اسمع) على أبوابهم وعصائبهم عقيدةً وصلاة. وتلكما العقيدة والصلاة قيّدها الله "بالعهد" معهم، وجعل

شروط العهد الكلمات العشر (5: 1-22) "فكلّمكم الله من وسط النار.. وأمركم بعهده الذي أمركم أن تعملوا به، الكلمات العشر التي كتبها على لوحين من حجر" (تث4: 13). فكانت تلك الوصايا العشر الناحية السلبية من "عهد التوحيد" ومحبة الله (تث6: 5) الناحية الإيجابية.

وهذه الناحية الإيجابية من عقيدة التوحيد وعهد التوحيد وصلاة التوحيد هي التي علّمها المسيح علماء إسرائيل - وقد تناسوها - لما سألوه: "أي وصية هي أولى الوصايا جميعاً؟ فأجاب يسوع: الأولى هي: اسمع يا إسرائيل: الكائن إلهنا هو الله واحد: فأحبب الله إلهك بكلّ قلبك وكلّ نفسك وكلّ ذهنك وكلّ قوّتك (وزاد عليها ما تميّز شريعة الإنجيل) والثانية هي هذه: أحبب قريبك كنفسك. وليس من وصيةٍ أخرى أعظم من هاتين" (مرقس12: 28).

وظلّ هذا التوحيد عقيدةً وعهداً وصلاةً - موضوع فخرٍ دائم منذ موسى إلى المسيح. "والآن فسلْ عن الأيام الأول التي سلفت من قبلك منذ خلق الله الإنسان على الأرض من أقصى السماء إلى أقصاها، هل كان قطّ مثل هذا الأمر العظيم كما سمعت أو هل سمع بمثله؟ هل سمت أمة صوت الله يتكلّم من وسط النار كما سمعت أنت وعاشت؟ فقد أريت لتعلم أن الكائن هو الله، لا إله إلاّ هو.. انظروا، إني قد علّمتكم رسوماً وأحكاماً كما أمرني الله إلهي لتعملوا بها. فاحفظوها واعملوا بها فإنها حكمتكم وفهمكم لدى عيون الأمم الذين إذا سمعوا بهذه الرسوم يقولون: لا جرم أن هذا الشعب العظيم هو شعب حكيم فهيم؛ لأنه أية أمة كبيرةٍ لها آلهة قريبة منها مثل الله إلهنا في كلّ ما ندعوه؛ وأية أمةٍ كبيرة لها رسوم وأحكام عادلة كجميع هذه التوراة التي أنا أتلوها عليكم اليوم.. فاعلم اليوم وردّد في قلبك أن الكائن هو الله في السماء من فوق، وفي الأرض من أسفل، لا إله إلاّ هو" (تث4: 5 و33 و39).

وترددت صلاة "شمع" في سفر المزامير، وقرنوا فيها الحمد لله إلى الدّعاء على الأعداء وطلب الثأر منهم: "اللهمّ اسمع صلاتي واصغِ لأقوال فمي: لأن غرباء قد قاموا عليّ.. بحقّك استأصلهم" (مز35) . "اللهمّ اصغِ لصلاتي ولا تعرض عن تضرّعي: إني مضطرب لصوت العدوّ ولمضايقة الكافر..

فليُفاجئهم الموت! وليهبطوا أحياء إلى الجحيم! الظلم في مساكنهم والشرّ في داخلهم" (مز54).

وهكذا كانت صلاة إسرائيل مزيجاً من توحيد، ودعاءً في الضيق، ومن حمدٍ ووعيد.

وانتقلت بتفكيرها وتعابيرها إلى القرآن الكريم.

2- صلاة القرآن : الفاتحة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين

الرحمن الرحيم مالك يوم الدين

إيّاك نعبد وإيّاك نستعين

اهدنا الصراط المستقيم

صراط الذين أنعمت عليهم

غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين.

الفاتحة هي صلاة القرآن، التي يتلوها المسلمون كلّ يوم في الصلوات الخمس. ولها المقام الأسمى في القرآن، بها امتنّ الله على النبيّ العربي: "ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم" (حجر87). وفي الحديث أنها أم القرآن. جاء في صحيح البخاري: "أمّ القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم" كأنها تعدل القرآن. قال الصبري: "صحّ الخبر عن رسول الله ص. قال: هي أمّ القرآن وهي فاتحة الكتاب وهي السبع المثاني" تثنى في كلّ قراءةٍ وفي كلّ صلاة. ونقل الواحدي والثعلبي عن علي بن أبي طالب قول الرسول: "نـزلت من كنـز تحت العرش"() . ونقل البيضاوي عن أبي هريرة أن الرسول قال لأبي: "ألا أخبرك بسورة لم ينـزل في التوراة والإنجيل والقرآن مثلها! قلت بلى يا رسول الله. قال: فاتحة الكتاب، إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" (). وقد لخّص ابن القيّم فضائلها بقوله "في حديث الرقية بالفاتحة: إذا ثبت أن لبعض الكلام خواص ومنافع فما

الظن بكلام ربّ العالمين ثم بالفاتحة التي لم ينـزل في القرآن ولا غيره من الكتب مثلها لتضمينها جميع معاني الكتاب. فقد اشتملت على ذكر أصول أسماء الله تعالى ومجامعها؛ وإثبات المعاد وذكر التوحيد، والافتقار إلى الربّ في طلب الإعانة به والهداية منه، وذكر أفضل الدعاء، وهو طلب الهداية إلى الصراط المستقيم، المتضمن كمال معرفته وتوحيده وعبادته، بفعل ما أمر به اجتناب ما نهى عنه والاستقامة عليه. ولتضمينها ذكر أصناف الخلائق وقسمتهم إلى منعم عليه لمعرفته بالحقّ والعمل به؛ وبغضوب عليه لعدوله عن الحقّ بعد معرفته؛ وضالٍ بعدم معرفته له. مع ما تضمنه من إثبات القدر والشرع والأسماد والمعاد والتوبة وتزكية النفس وإصلاح القلب؛ والردّ على جميع أهل البدع. وحقيق لسورة هذا بعض شأنها أن يستشفى بها من كان ذا داء() ".

هذا عن مضامينها البعيدة. وعن معانيها القريبة نقل الطبري حديثاً عن جابر "قال رسول الله ص. قال الله عزّ وجلّ: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، وله ما سأل. فإذا قال العبد: الحمد لله ربّ العالمين، قال الله: حمدني عبدي. وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى عليّ عبدي. وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجّدني عبدي. قال: هذا لي وله ما بقي() ".

وأسماء الله في الفاتحة هي كما وردت في توحيد التوراة وصلاتها التي ما برح بنو إسرائيل يرددونها منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة. "وروى البيهقي عن ابن عباس قال: أغفل الناس آيةً من كتاب الله لم تنـزل على أحد قبل النبيّ ص. إلاّ أن يكون سليمان بن داود (في كتابه إلى بلقيس ملكة سبأ): "بسم الله الرحمن الرحيم() ". وقد رأيت نـزولها في التوراة. (خروج34: 6). وهي أيضاً أسماء التوحيد التي كانت متفرّقةً بين عرب الجزيرة من الشمال إلى الجنوب، فوحّدها القرآن في بسملته وصلاته لإيلاف عرب الجزيرة كلّهم. فاسم "الله" هو إله التوحيد قبل القرآن في الحجاز بشهادة القرآن. و "الرحمان" هو اسم إله التوحيد في اليمن بعد الحبشة.

و "الرحيم" هو اسم إله التوحيد عند عرب الشمال. و "ربّ العالمين ومالك يوم الدين" صفات إله التوحيد في تدمر والبتراء. والشهادة على ذلك كلّه القرآن الكريم، والنصوص الأثرية التي جمعها الأثريون من تلك البقاع ويقدر كل واحد أن يطّلع عليها() .

والصلاة في ذاتها قائمة في كلمتين: إيّاك نعبد! إيّاك نستعين: اهدنا الصراط المستقيم. وهذه صلاة تجدها في كلّ المزامير من سفر الزبور، وما زال بنو إسرائيل، والنصارى يرددونها يوماً بعد يوم وجيلاً بعد جيل حتى اليوم.

"لك ينبغي التسبيح، يا الله" (مز64).

"رنّموا لمجد اسمه واجعلوا تسبيحه مجيداً" (مز65).

"بمراحم الله أرنّم إلى الأبد. إلى جيل فجيل أعلن أمانتك بفمي" (مز88).

"باركي يا نفسي الله. ويا جميع ما في داخلي اسمه القدوس" (مز 102).

"باركي يا نفسي الله. أيها الكائن إلهي لقد عظمت جداً" (مز103).

وبعد حمد الله والثناء عليه والشكر على نعمائه يأتي طلب الهداية:

"ليُهدني روحك الصالح إلى الصراط المستقيم" (مز142).

"ثبّت خطواتي في سبلك لئلاّ تزلّ قدماي" (مز16).

"عرّفني يا الله طرقك وسبلك علّمني" (مز24).

"كل طرق الربّ رحمة وحقّ لملتمسي عهده وشهاداته" (مز24).

"اهدني يا الله إلى صراطك فأسلك في حقك" (مز85).

وهذه الصلاة المزدوجة التي تعبد الله وتطلب هدايته، تتردد من التوراة إلى الزبور إلى القرآن في أبسط معانيها وأبسط تعابيرها. وفي الزبور والقرآن يقترن الدعاء إلى الله بالدعاء على الأعداء: "صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين" كأنّ الله ليس بربّ العالمين، حتى من نتوهّم أنهم أعداء لنا في الدين والقومية؛ فنحصر رحمة الله في فئة مختارة ونقتصرها على دين معيّن، ونضع لرحمة الرحمان الرحيم حدوداً كأنه ليس بربّ العالمين.

فصلاة القرآن مثل صلاة التوراة والزبور تقتصر على كلمتين بسيطتين: عبادة الله وطلب هدايته، ولا تزيد. لا تفصّل لنا هذه العبادة ولا تهدينا

إلى معاني هذه الهداية. لا تقول لنا مبادئ هذه العبادة، ولا أهداف هذه الهداية.

كان ذلك محفوظاً لصلاة الإنجيل التي علّمها كلمة الله، وروح الله ومسيح الله. "الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو نفسه أخبر" الخبر الأخير عن كيفية عبادة الله وهدايته في صلاة "أبانا الذي في السماوات".

3- صلاة الإنجيل: "أبانا"

" أما أنتم فصلّوا هكذا:

أبانا الذي في السماوات.

ليتقدّس اسمك! ليأتِ ملكوتك! لتكن مشيئتك!

كما في السماء كذلك على الأرض.

خبزنا كفافنا أعطنا اليوم.

واترك لنا ما علينا، كما نترك نحن أيضاً لمن لنا عليه.

ولا تدخلنا في تجربة لكن نجّنا من الشرير" . آمين (متى5: 9-13).

لا ننقل ما يقوله النصارى عن صلاتهم هذه كما نقلنا أقوال غيرهم في صلاتهم لأنها وحدها تكفي.

نستفتح بذكر الآب السماوي. وذكر الأبوّة في الله لنا أبلغ من ذكر الرحمة. وذكر "الذي في السماوات" ذي السيادة المطلقة أوقع في النفس من ذكر "ربّ العالمين مالك يوم الدين": في هذه سيادة محدودة ليست في قولنا "الذي في السماوات" ، فمرجع الدنيا، ويوم الدين والآخرة إلى "الذي في السماوات".

كنا نقول "إياك نعبد". وهنا نفصّل ماهية هذه العبادة. نطلب إلى الآب السماوي أن يتقدّس اسمه على الأرض كما هو مبارك في السماء. نطلب إليه أن يأتي ملكوته على الأرض كما هو منتشر في السماء. نطلب إليه أن تسود مشيئته وشريعته، على الأرض كما هي في السماء. الاسم الذي يُعبد في السماء نعبده على الأرض. والملكوت القائم في السماء نطلب إقامته فينا وفي الأرض كلّها. وشريعته السائدة في السماء نسأل سيادتها على

الأرض. وهذا الاسم الجديد الذي لم ينـزل في التوراة والزبور والقرآن، الذي يعلّمه المسيح، كلمة الله وروحه، هو الذي أوحاه الله في الإنجيل وعلّمنا أن نستفتح به صلاتنا، لأنه يفوق كل اسم من أسماء الله، ويقرّب الله إلينا ويقرّبنا إلى الله : فالآب أقرب إلى أبنائه وإلى عبيده. وهذا الملكوت القائم في السماء نـزل المسيح على الأرض لينشره بين الناس، فنطلب قيامه فينا وفي الدنيا كلّها. وشريعة الله السائدة في السماء، شريعة المحبة التي أعلنها الإنجيل، نطلب أن تشمل العالم بأسره حتى يصير كل البشر "أبناء الله". نعبد الآب السماوي ونطلب إليه أن تنتشر عبادته القائمة في السماء على الأرض وكما هي في السماء. نطلب إلى الله من حنانه الأبوي على أبنائه الذين على الأرض أن تصير الأرض صورةً عن السماء في عبادة الله الآب.

هذا تفصيل "إياك نعبد" - قسمة الله في عبادته.

وتفصيل "إياك نستعين: اهدنا الصراط المستقيم" يعلنه الإنجيل في ثلاث طلبات.

"خبزنا كفافنا أعطنا اليوم" نطلب الكفاف اليومي من الخبز الذي بدونه لا تستقيم الحياة والفضيلة. ووراء القوت الطبيعي لأجسادنا نطلب القوت الروحي لنفوسنا حسب قول الإنجيل: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكلّ كلمةٍ تخرج من فم الله". فالقوت الروحيّ هو كلام الله، غذاء النفس الإلهي، وهو الصراط المستقيم وكلام الله الذي يهدينا إلى صراط الله يأتينا بالروح القدس؛ فسّر يسوع هذه الطلبة بقوله: "إذا كنتم أنتم مع ما أنتم عليه من الشرّ تعرفون أن تمنحوا العطايا الصالحة لأولادكم فكم بالأحرى أبوكم السماوي يمنح الروح القدس لمن يسأله" (لوقا11: 13). وأفضل ما في الخبز الروحيّ الذي نطلبه، كلمة الله ذاته القائل: "أنا الخبز النازل من السماء... أنا خبز الحياة من يقبل إليّ فلن يجوع أبداً، ومن يؤمن بي فلن يعطش أبداً.. أنا خبز الحياة: آباؤكم أكلوا المنّ في البرية وماتوا. هذا هو الخبز الذي نـزل من السماء لكي لا يموت كلّ من يؤمن به. أنا الخبز الحيّ الذي نـزل من السماء: إن أكل أحدٌ من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبز الذي سأعطيه أنا هو جسدي لأجل حياة العالم" (يوحنّا6: 35-51). هذا هو الخبز الذي علّمنا الإنجيل أن نطلبه

في كلّ معانيه. وهذه المعاني أفضل تفصيل للصراط المستقيم الذي نطلب الهداية إليه.

"واترك لنا ما علينا كما نترك نحن لمن لنا عليه": هذه ميزة الصلاة المسيحية: العفو عن الآخرين، السماح للمسيئين إلينا، المغفرة للأعداء. لا ندعو على المغضوب عليهم لنحرمهم من رحمة الله. ولا ندعو على الضالّين لنبعدهم عن الصراط المستقيم. بل نطلب الغفران لنا ولجميع الناس، حتى يهتدوا إلى الصراط المستقيم، صراط الآب الذي في السماوات، فيقدّسون اسمه مثلنا، ويقيمون ملكوته مثلنا، ويعملون شريعته مثلنا، كما نجتهد أن نعملها مثل أهل السماء. وجعل غفران العبد لأخيه شرطاً وميزاناً لمغفرة الله لنا: "واترك لنا ما علينا، كما نترك نحن أيضاً لمن لنا عليه".

وبما أن هذه الطلبة صعبة جداً على الطبيعة البشرية، فهي الوحيدة التي علّق عليها المسيح في شرح صلاته: "فإنكم إن غفرتم للناس زلاّتهم يغفر لكم أبوكم السماوي لكم زلاّتكم" (متى6: 14). وحتى لا يكون فينا أدنى ريب عن الناس، المسيئين إلينا، وأعدائنا، فسرهم لنا المسيح في مثل السامري: كان السامريون أجانب، أقامهم المستعمرون بين ظهراني اليهود لإذلالهم: فهم أعداء الدين وأعداء القومية. حتى لمثل هؤلاء نطلب المغفرة والهداية إلى صراط الآب الذي في السماوات.

"ولا تدخلنا في تجربة لكن نجّنا من الشرير": تجارب الحياة كثيرة. وشكوك الدين عديدة. وأمراض الجسد لا تحدّ. وأوجاع النفس لا تنتهي. وفوق هذه التجارب التي هي من داخل، تترصّدنا تجارب إبليس الشرير، والتي لا تدعنا ليل نهار لتصدّنا عن الهداية إلى صراط الآب السماوي وعبادته. فمن هذه التجارب ومن هذا الشرير نطلب إلى الله الخروج والخلاص. هذه قسمة العبد في صلاته إلى الله أبيه.

فهل في كتب الديانات الأخر صلاة تستوعب ما تستوعبه صلاة الإنجيل؟ هل فصلت الكتب المنـزلة عبادة الله كما فصّلتها صلاة المسيح؟ هل فصّلت الديانات كلّها "الصراط المستقيم" كما فصّله الإنجيل، وعلّمنا المسيح أن نصلّي؟

هذه هي العبادة القائمة في السماء عند الله الآب، نتعبّد بها، ونطلب إلى الله أن تسود الأرض كما تسود السماء. هذه هي الهداية إلى الصراط

المستقيم في أسمى معانيها وأشمل حاجات الإنسان في الدنيا والآخرة، على الأرض وفي السماء.

* * *

قال الطبري في تفسيره: "إن الله تعالى جمع لنبيّنا محمد ص. ولأمته - بما أنـزل إليه من كتاب - معاني لم يجمعهنّ بكتاب أنـزله إلى نبيّ قبله، ولا لأمّة من الأمم قبلهم. وذلك أن كلّ كتاب أنـزله، جلّ ذكره، على نبيّ من أنبيائه قبله، فإنما أنـزله ببعض المعاني التي يحوي جميعها كتابه الذي أنـزله على نبيّنا محمد ص. كالتوراة التي هي مواعظ وتفصيل، والزبور الذي هو تحميد وتمجيد، والإنجيل الذي هو مواعظ وتذكير. لا معجزة في واحدة منها تشهد لمن أنـزل إليه بالتصديق. والكتاب الذي أنـزل على نبيّنا محمد ص. يحوي معاني ذلك كلّه، ويزيد عليه كثيراً من المعاني التي سائر الكتب غيره منها خال() ".

نؤمن - والحمد لله - بالله واليوم الآخر؛ ونعبد الله القدير القدوس (توراة) الرحمن الرحيم (قرآن) ونستهديه الصراط المستقيم (توراة وزبور وقرآن). ونصلّي إليه حسب "الشمع" "والفاتحة" و"أبانا" لأنها جميعاً صلاة التوحيد في التوراة والقرآن والإنجيل.

* * *

ولكن نريد من أمثال الطبري ألاّ يقتصروا على ما عندهم وأن يفتحوا عيونهم على ما عند غيرهم. أمن الحقّ أن يستأثروا بالهدى والإعجاز وهو "في رُبُز الأوّلين"؟ (شعراء192) أي "أن ذكر القرآن المنـزل على محمد لفي كتب الأوّلين كالتوراة والإنجيل" (الجلالان). فحسب "أم القرآن" أن تكون مثل الكتاب "الإمام" (أحقاف12 ، هود12) ذاك الذي يؤمر النبي في قرآنه كلّه أن يهتدي بهداه. "أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوّة... أولئك الذين هدى الله، فبهداهم اقتده" (أنعام90).

"الحمد لله ربّ العالمين، الرحمن الرحيم" (قرآن).

"الكائن القدير القدوس، رب القوات السماوية" (توراة).

الذي تنازل وصار لنا "أبانا الذي في السماوات" (الإنجيل).

صفحة فارغة

جوهر النصرانية والإسلام

شخص منـزل أم كتاب منـزل ؟

"أنا الصراط والحقيقة والحياة"

(يوحنا 14: 6)

الإسلام يعتبر ذاته الدين المنـزل من الله: "إن الدين عند الله الإسلام... ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين" (آل عمران 19). والنصرانية تعتبر ذاتها بشهادة كتابها أنها دين الله وخاتمة الوحي: "إن الله بعد أن كلّم الآباء قديماً بالأنبياء مراراً عديدة وبشتى الطرق، كلّمنا نحن في هذه الأيام الأخيرة بالابن الذي جعله وارثاً لكلّ شيء وبه أيضاً أنشأ العالم. الذي هو ضياء مجده وصورة مجده وضابط كلّ شيءٍ بكلمة قدرته. الذي بعد إذ طهّرنا من خطايانا جلس عن يمين الجلال في الأعالي" (الرسالة إلى العبرانيين 1:1).

والقرآن ذاته يشهد بأن بين القرآن والكتاب والإنجيل انتساباً ونسباً: فالقرآن تصديق للكتاب بين العرب: "وما كان هذا القرآن ليفتري من دون الله، ولكن تصديق الذي بين يديه (قبله) وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من ربّ العالمين" (يونس37). والكتاب هو "إمام القرآن" (أحقاف12، هود17). بهذا الإمام يجب على النبي الآتي أن يهتدي (أنعام90). وعند علماء أهل الكتاب يجب أن يزيل شكوكه في صحة ما ينـزل إليه: "فإن كنت في شكّ مما أنـزلنا إليك فاسأل الذي يقرؤون الكتاب من قبلك: لقد جاءك الحقّ من ربّك فلا تكوننّ من الممترين، ولا تكوننّ من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين" (يونس94) فسّره البيضاوي: فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك، فإنه محقق عندهم ثابت في كتبهم على نحو ما ألقينا إليك. والمراد تحقيق ذلك والاستشهاد بما في الكتب المتقدّمة، وأن القرآن مصدّق لما فيها، ثم وصف أهل الكتاب بالرّسوخ في العلم، بصحّة ما أنـزل إليه من التوحيد والإيمان بالله واليوم الآخر.

مع ذلك فالفارق الجوهريّ ما بين الإنجيل والقرآن، أن النصرانية حسب شهادة الإنجيل شخص منـزل، بينما الإسلام، حسب شهادة القرآن، كتاب منـزل.

أولاً: الإسلام (القرآن): كتاب منـزل

1- صورة التنـزيل تتّضح رويداً رويداً في القرآن

أول وصف لهذه الصورة أنها وحي: "والنجم إذا هوى ما ضلّ صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهدى إن هو إلاّ وحي يوحى. علم شديد القوى، ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى. ثم دنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى" (نجم 1-12). محمد يرى بعين بصيرته وفؤاده ملاك الله ينـزل إليه ويقترب منه وكأنه يبوح إليه بكلامٍ من الله.

إنه وحي سماويّ، لا جنون فيه ولا جنّة: "إنه لقول رسولٍ كريم ذي قوّة عند ذي العرش مكين، مطاعٌ ثم أمين. وما صاحبكم بمجنون. ولقد آتاه بالأفق المبين. وما هو على الغيب بظنين. وما هو بقول شيطانٍ رجيم: فأين تذهبون" (تكوير19-56). ليس القرآن بكلام مجنون، ولا هو من الشيطان، بل القرآن قول رسول كريم مقرّب من الله مطّلع على غيبه تعالى.

أخيراً تتّضح صيغة هذا الوحي الجديد: "وإنه لتنـزيل ربّ العالمين: نـزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسانٍ عربيّ مبين" (شعراء192-195). القرآن تنـزيل من الله بواسطة ملاكٍ أمين: "وما تنـزلت به الشياطين، وما ينبغي لهم وما يستطيعون".

كيفية هذا التنـزيل يصفها بأنها "رؤيا بالفؤاد" (نجم) "وتنـزيل على قلب محمد" (شعراء) بواسطة ملاك الوحي.

ويستقرّ القرآن على وصف وحي الملاك في وجدانه أنه تنـزيل من الله: "الله أعلم بما ينـزل... قل نـزله روح القدس من ربّك بالحقّ ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين" (نحل 98-102).

ويختم في سورة البقرة بالتصريح النهائي عن كيفية وحي القرآن: "قل من

كان عدوّاً لجبريل فإنه نـزله على قلبك بإذن الله مصدّقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين" (97). لقد انتظر محمد حتى المدينة ليعرف اسم ملاك الوحي، "شديد القوى، الرسول الكريم، الروح الأمين إنه جبريل".

2- مضمون هذا التنـزيل القرآني:

كانت الدعوة القرآنية الأولى في مكّة للإيمان باليوم الآخر: "يلقي الروح من أمره على من يشاء من عبادة لينذر يوم التلاق" (غافر15).

وبعد الهجرة إلى الحبشة تطوّرت الدعوة القرآنية إلى تبشير بالتوحيد باسم الرحمان الرحيم: "ينـزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أن لا إله إلاّ أنا فاتّقون" (نحل1).

ليس في القرآن من تنـزيل سوى التوحيد: "قل إنما يوحى إليّ، إنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون؟" (أنبياء 108).

وهذا التوحيد يتوحّد في المدينة ويتبلور على عقيدتين: الإيمان بالله واليوم الآخر. من قبلها من أيّ مذهب كان، صار مؤمناً: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصائبين: من آمن بالله وباليوم الآخر، وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربّهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (بقرة64).

وهذا هو الكتاب المنـزل إلى نبي الإسلام، يكرّر ذلك في مطلع سور عديدة من العهد الوسيط بمكّة: "تنـزيل الكتاب من العزيز الحكيم (زمر)، تنـزيل الكتاب من الله العزيز العليم (غافر) ، تنـزيل الكتاب لا ريب فيه من ربّ العالمين" (سجدة).

والقرآن هو الكتاب الأول ينـزل إليه معلناً في مطلع السور انتساب القرآن للكتاب: "كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم (شورى)، والكتاب المبين: إنا جعلناه قرآناً عربياً (زخرف)، الكتاب المبين: إنا أنـزلناه في ليلةٍ مباركة (دخان) - بهذا القسم وهذا الازدواج في التعبير يظهر أن الكتاب الأول ينـزل قرآناً عربياً: "تنـزيل من الرحمان الرحيم: كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً" (فصلت). ويكرّر في مطلع سورٍ عديدة صلة القرآن بالكتاب: "تلك آيات الكتاب المبين" (شعراء، نمل، قصص، يونس، الحجر، لقمان)، وأن القرآن تعريب الكتاب: "تلك آيات الكتاب المبين: إنا أنـزلناه قرآناً عربياً" (يونس، فصلت، الزخرف).

فالقرآن نقل التوحيد الكتابيّ في أبسط معانيه، إلى العرب. والبساطة هي الإخلاص في التوحيد.

3- غاية التنـزيل القرآني:

غاية التنـزيل القرآني كانت نقل الوحيد الكتابي إلى العرب: "فسْئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبيّنات والزبر. أنـزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نـزل إليهم ولعلّهم يتفكّرون" (نحل 43).

لأنهم غفلوا عن دراسة الكتاب الذي نـزل إلى اليهود والنصارى (أنعام155) نـزل القرآن عن الكتاب بلسانٍ عربيّ مبين: "أن تقولوا إنما أنـزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنّا عن دراستهم لغافلين" (أنعام176). فسّره الجلالان: "إنما أنـزل الكتاب على اليهود والنصارى وإنما كنّا عن قراءتهم لغافلين"، والبيضاوي: "أن تقولوا ، كراهةً أن تقولوا - علّة لإنـزاله- أنـزل على اليهود والنصارى، ولعلّ الاختصاص في "إنما" لأنّ الباقي المشهور حينئذٍ من الكتب السماوية لم يكن غير كتبهم".

أخيراً نـزل ليجمع بين أهل التوحيد جميعاً على "كلمة سواء": "وما أنـزلنا عليك الكتاب إلاّ لتبيّن لهم الذي اختلفوا فيه وهدىً ورحمةً لقومٍ يؤمنون" (نحل64) "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلاّ الله، ولا نشرك به شيئاً، ولا يتّخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله" (آل عمران64). والكلمة السواء هي التوحيد الخالص، الإسلام.

وينقل القرآن إلى العرب مع التوحيد الكتابيّ سنن أهل الكتاب، ويخفّفها بعادات العرب التي تنسجم مع التوحيد: "يريد الله ليبيّن لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم... يريد الله أن يخفّف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً" (نساء 65).

ومن أواخر القرآن نـزولاً قوله: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً" (مائدة4). وهذا الإسلام بشهادة القرآن هو توحيد إبراهيم وموسى وداود وعيسى ومحمد: "لا نفرّق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون" (آل عمران84، عنكبوت46، بقرة 136).

4- كيفية التنـزيل القرآني:

كان التنـزيل القرآني وحياً بالواسطة. محمد لم يرَ الله، ولم يطّلع مباشرةً على غيب الله: "لو كنت أعلم بالغيب لاستكثرت من الخير وما مسّني السوء" . وحي الله نـزل إليه بواسطة رسولٍ كريم (تكوير) شديد القوى (نجم) روح أمين (شعراء) روح القدس (نحل) جبريل (بقرة).

وهذا الوحي القرآني كان في ليلة مباركة: "والكتاب المبين إنا أنـزلناه في ليلةٍ مباركة" (دخان)، ليلة القدر: "إنّا أنـزلناه في ليلة القدر! وما أدراك ما ليلة القدر؟ خير من ألف شهر: تنـزل الملائكة والروح فيها بإذن ربّهم من كلّ أمر" (سورة القدر كلّها): نـزل القرآن الكريم في ليلة القدر كما ينـزل الملائكة والروح فيها بكلّ أمر.

كان النبيّ يستعجل هذا الوحي في رغبته إليه: "لا تحرّك به لسانك لتعجل به: إن علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه. ثم إن علينا بيانه" (قيامة19-19). كذلك في سورة طه: "فتعالى الله الملك الحقّ. ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه. وقل ربّي زدني علماً" (111) .

وكان في تطوّر ظروف الحياة يأتي فيه بالنسخ: "ما ننسخ من آيةٍ - أو ننسها - نأتِ بخيرٍ منها أو مثلها: ألم تعلم أن الله على كلّ شيء قدير" (بقرة106).

وبتعبير الأزمان تتبدّل الأحكام، فكان يبدّل آيةً مكان آية: "وإذا بدّلنا آيةً مكان آية والله أعلم بما ينـزل...." (نحل101).

مع ذلك فهو قرآن مبين (نمل وحجر) "تنـزيل من الرحمان الرحيم: كتاب فصّلت آياته قرآناً عربياً" (فصلت- يوسف- زخرف). وفي مواقف ثلاثة يتحدّى الأنس والجنّ أن يأتوا بمثل القرآن (إسراء88)، أم بمثل عشر سور منه (هود13)، أو بمثل سورةٍ منه: "فأتوا بسورةٍ من مثله" (بقرة23). ولكن يعلن أن فيه آيات محكمات وأُخر متشابهات: "هو الذي أنـزل عليك الكتاب منه آيات محكمات عن أمّ الكتاب وأُخر متشابهات... وما يعلم تأويله إلاّ الله. والرّاسخون في العلم يقولون: آمنّا به، كلٌّ من عند ربّنا" (آل عمران7). وهذه هي الشهادة النهائية في القرآن وإعجازه.

 

وهكذا حسب شهادة القرآن من أوّل سورة إلى آخر سورة، فالإسلام هو توحيد الله في كتاب منـزل... "وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلا" (إسراء85).

ثانياً: المسيحية شخصٌ منـزل

يختلف الإنجيل عن التوراة والزبور والحكمة والنبيين والقرآن في أنّ الوحي فيه والتنـزيل من ربّ العالمين:

شخصٌ منـزل أكثر مما هو كتاب منـزل:

وهذا الشخص المنـزل يتّفق القرآن والإنجيل على تسميته باسم انفرد به في كلّ الكتب المنـزلة دون سائر الأنبياء والمرسلين ؛ إنه:

مسيح الله ، وكلمة الله ، وروح الله:

قال القرآن: ":إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه" (نساء 170).

وقال الإنجيل: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان في الله، وكان الكلمة الله.... والكلمة صارت جسداً، وسكن فيما بيننا، وقد شاهدنا مجده، مجداًَ من الآب لابنه الوحيد الممتلئ من النعمة والحقيقة... فإنّ الناموس قد أعطي بموسى، وأما النعمة والحقيقة فبيسوع المسيح قد حصلا" (يوحنّا 1:1 و14 و17).

فليس الإنجيل في جوهره كتاباً أو توراةً أو زبوراً أو حكمةً أو قرآناً. لا بل هو، حسب شهادته لنفسه، هذا كلّه في شخصٍ منـزل. فالإنجيل ، والعهد الجديد كلّه، يصف نـزول المسيح "من حضن الآب" من السماء إلى الأرض أكثر مما يصف نـزول الوحي المسيحي من الله إلى البشر.

1- حوادث ميلاده تنطق بأنه نازلٌ من السماء:

"في الشهر السادس، أرسل الملاك جبرائيل، من قبل الله، إلى مدينةٍ في الجليل تسمى الناصرة، إلى عذراء مخطوبةٍ لرجل اسمه يوسف من بيت داود، واسم العذراء مريم. فلمّا دخل إليها الملاك قال لها: "السلام عليك

يا ممتلئةً نعمة الربّ معك... ها أنتِ تحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع. إنه سيكون عظيماً وابن العليّ يدعى، وسيُعطيه الربّ الإله عرش داود أبيه... ولن يكون لملكه انقضاء" (لوقا: 26-38).

فهو ابن الله وابن داود معاً، وبشر محض، حتى من سلالة داود يكون لملكه حدّ؛ وابن مريم لن يكون لملكه انقضاء: يحمل قبل الحبل به تأكيد السماء بأزلية النبوّة فيه وأزليّة الملك فيه. وهذه صفات فوق البشرية، وفوق المخلوق، توضح معنى الأسماء التي يسمّيه الملاك بها، أجل وأكثر من ذلك: إنه ابن الله العليّ، لذلك "لن يكون لملكه انقضاء" . ويدلّ الملاك بالقول والعمل على عظمة المولود الجديد بمعجزات الحبل المعجز والحمل المعجز والمولد المعجز "من بتولٍ لم يمسّها بشر" (سورة مريم - آل عمران). "فقالت مريم للملاك: كيف يكون ذلك وأنا لا أعرف رجلاً؟! فأجاب الملاك وقال لها: الروح القدس يأتي عليكِ، وقدرة العليّ تظلّلك . ومن أجل ذلك فالقدّوس() الذي يولد منكِ يدعى ابن الله" (لوقا1: 34). ومعجزات الحبل بعيسى، والمولد لم ينلها أحدٌ في العالمين من سائر الأنبياء والمرسلين.

ومنذ الأيام الأولى للحبل المعجز تظهر مفاعيله الخارقة إنه نازل من السماء لا نابع من الأرض. مريم تزور أم يحيى المعمدان وهي حامل به: "فلمّا سمعت إليصابات سلام مريم ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت إليصابات من الروح القدس، فصاحت بصوتٍ جهير وقالت: مباركةٌ أنت في النساء! ومباركةٌ ثمرة بطنك! من أين لي هذا أن تأتي أمّ ربّي إليّ" (لوقا 1: 39-46). روح القدس - والقدس أو القدوس هو الله - يستولي على الوالدة والولد فسينبئ الأمّ ويبرّر الابن "فيشرح له صدره" وهو جنين، وفي وحي الله يجعل أم يحيى تسمّي مريم، أمّ المسيح: أمّ الربّ. ويؤيّد الجنين "بانشراحه السماوي" أقوال أمّه.

ويولد المسيح بمعجزة لم ترَ لها البشرية مثيلاً، دلالةً على عظمة المولود

الذي ليس كغيره من أبناء النساء. فتنفتح أبواب السماء، وملاك يخبر المستضعفين في الأرض، رعاة بيت لحم: "اليوم في مدينة داود ولد لكم مخلّص هو المسيح الربّ" (لوقا2: 11). ونجم في المشرق يُخبر بلمعانه الغريب أسياد العلم والكهانة والإمارة أي المجوس، فيوافون من بلادهم إلى أورشليم وبيت لحم "ليسجدوا لملك اليهود" (متى2: 1) الذي ليس كغيره من مواليد الملوك. "وانضمّ بغتةً إلى الملاك جمهورٌ من الجند السماويين يسبّحون الله ويقولون: المجد لله في العلى ! والسلام على الأرض للناس أهل المسرّة (الإلهية)!" (لوقا2: 14). في تاريخ السماء والأرض لم تنشد ملائكة السماء لملك أو رسول في مولده، وها هي في مولد المسيح عيسى ابن مريم ترنّم وتنشد أنه قد ظهر المجد لله في العلى والسلام على الأرض لمن يرضى الله عليهم.

"وكان هذا كلّه ليتمّ ما قال الربّ بالنبيّ القائل: ها إن العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعى اسمه عمانوئيل أي: الله معنا" (متى1: 22). مولد المسيح تظهر المعجزات العظام في السماء وعلى الأرض لظهور "عمانوئيل: الله معنا".

فحوادث مولد المسيح عيسى ابن مريم توحي كلّها حسب شهادة الإنجيل الصريحة أنه شخصٌ نازل من عند الله من السماء: أجل هو ابن مريم وابن داود؛ ولكن هو أيضاً المخلّص، القدّوس، ابن العليّ، ابن الله، "الله معنا"؛ الذي تنشد بمولده الرّعاة والمجوس والملائكة، الذي هو جنين يستنبئ، اليشبع "ويشرح" صدر النبيّ يحيى في بطن أمّه، الذي مولده أذان ، بشهادة الملائكة، بحلول مجد الله في العلى، والسلام على الأرض، "ولن يكون لهذا الملك انقضاء".

1- حوادث ظهور المسيح التي توحي بأنه نازلٌ من السماء:

يشهد المسيح للنبيّ يحيى "أنه ليس في مواليد النساء أعظم من يوحنّا المعمدان... أجل إنه نبيّ، بل أقول لكم وأفضل من نبيّ! إنه هو المكتوب عنه: هاأنذا أرسل ملاكي أمام وجهك يهيّئ لك الطريق قدّامك" (لوقا7: 26). شخصية يوحنا أعظم الأنبياء، إنه سابق للمسيح يبشر بظهوره، ويدلّ الناس عليه: "في تلك الأيام ظهر يوحنّا المعمدان يعظ

في برية اليهودية ويقول: توبوا فإن ملكوت السماوات (الله) قريب. ويوحنّا هو الذي تكلّم عنه أشعيا النبيّ إذ قال: صوت صارخٍ في البريّة أعدّوا طريق الربّ... (وكان يقول لكلّ الشعب): "أنا أعمّدكم بالماء للتوبة، وأما الذي يأتي بعدي فهو أقوى منّي، وأنا لا أستحقّ أن أحمل حذاءه فهو يعمّدكم بالروح القدس، النار" (متى2: 3-12). أعظم مواليد النساء وأعظم الأنبياء يهيّئ بالأقوال والأعمال لاستقبال من يهدي إلى الصراط المستقيم، طريق الربّ، الذي يفضي إلى تأسيس ملكوت الله على الأرض، ويتمّ ذلك بتعميد البشر بالروح القدس الذي يستقرّ فيهم، ويطهّرهم كما تطهّر النار كلّ شيء، ويقرّبهم إلى الله باستقرار الروح القدس فيهم.

"وإذ اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع أيضاً" (لوقا 3: 21). "حينئذٍ ظهر يسوع وأقبل من الجليل إلى الأردنّ إلى يوحنّا ليعتمد منه. فأخذ يوحنّا يمانعه قائلاً: أنا المحتاج أن أعتمد منك.. وأنت تأتي إليّ! فأجابه يسوع وقال: دعني الآن، إذ هكذا يليق بنا أن نكمل كلّ برّ. حينئذٍ تركه. فلمّا اعتمد يسوع خرج على الفور من الماء. وإذ السماوات قد انفتحت له، ورأى روح الله ينـزل بشكل حمامة ويحلّ عليه. وإذا صوتٌ من السماء يقول هذا ابني الحبيب الذي به سررت" (متى3: 13-17).

هل شهد الله لنبيّ أو رسول بمثل هذه المظاهر والشواهد؟ عل بدأ نبيّ أو رسول بعثته ورسالته بانفتاح السماء له، وحلول الروح القدس عليه، وشهادة الله له أنه ابنه الحبيب الذي فيه وضع سروره. فالسماوات والأرض تشهدان بأن هذا الرسول ليس فقط ابن الله "مجازاً" - كما يقول الغزالي() - أو "على سبيل الاصطفاء"، كما كان الكتاب في التوراة والزبور والحكمة ينعت الأنبياء والأولياء.

بل الله ذاته يشهد بأنه ابنه الحبيب بطريقة خاصة سيبيّن لنا المسيح ذاته عنها. وقد دلّ عنها المعمدان في شهادته الأخيرة ليسوع: "وفي الغد رأى يوحنّا يسوع مقبلاً إليه فقال: هذا هو حمل الله، الذي يرفع خطيئة العالم. هذا هو الذي قلت عنه أنه يأتي بعدي إنسان تقدّم عليّ

لأنه كان قبلي. أنا لم أكن أعرفه ولكن لكي يظهر لإسرائيل جئت أنا أعمّد بالماء. وشهد يوحنّا قائلاً: إني رأيت الروح نازلاً من السماء بهيئة حمامة، وقد استقرّ عليه. فأنا لم أكن أعرفه إلاّ أن الذي أرسلني لأعمّد بالماء، هو قال لي: إن الذي ترى الروح ينـزل ويستقرّ عليه، هو الذي يعمّد بالروح القدس. فذلك ما قد عاينت: وأشهد أن هذا هو ابن الله" (يوحنا1: 29-34). من ينال روح الله، في ملئه، ويوزّعه على المؤمنين، ألا يكون حسب شهادة النبيّ يحيى "ابن الله" الخاصّ النازل من عنده تعالى؟

3- بدء رسالة المسيح تعلن بأنه هو الرسول الأعظم سيّد الشريعة النازل من السماء:

لم ينتظر المسيح عشر سنوات ونيّفاً حتى يضع أركان شريعة ينسخ منها تارةً، ويبدّل فيها أخرى، معلناً أنه "ما أوتي من العلم إلاّ قليلاً"، (إسراء85). بل منذ الخطبة الأولى على جبل يتّسع لجموعٍ كثيرة من الجليل والعشر المدن، وأورشليم واليهودية وشرقيّ الأردنّ" (متى4: 25) يعلن عقيدة ملكوت الله، وشريعة ملكوت الله، وصوفية ملكوت الله. فينقل عقيدة الكتاب من الإيمان بالله، القدير القدوس، وعقيدة القرآن من الإيمان بالله الأكبر ربّ العالمين، الرحمان مالك يوم الدين، إلى إعلان أبوّة الله، الخاصة للمسيح، العامة للبشر الموحّدين المؤمنين "الآب الذي في السماوات". وينقل شريعة التوحيد في أركانها الخمسة من أعمال ظاهرية إلى الأعمال الباطنية والنيّات. وعن الإنجيل استنّوا الحديث "إنما الأعمال بالنيّات"()ـ وجعل من النيّات روح الأعمال؛ وطور الأحكام من السلبية إلى الإيجابية: كان الكتاب يقول عن علاقات الناس بعضهم ببعض: كل ما لا تريدونه أن يفعل الناس بكم فلا تفعلوه أنتم بهم؛ فأعلن هو في ختام عظته الأولى وشريعته التأسيسية: "وإذن فكلّ ما تريدون أن يفعل الناس بكم فافعلوه أنتم أيضاً بهم: فذلك هو الناموس والأنبياء" (متى6: 2). وينقل صوفية الوحي والتنـزيل من

العبادة بالأعمال الحسية والعقلية إلى الكمال: "فأنتم إذن كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي هو كامل" (متى48). وفي آخر رسالته يعلن أن هذا الكمال هو في الاتّحاد والوحدة مع الله في المسيح: "أيها الآب القدوس.. لقد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحداً كما نحن واحد: أنا فيهم وأنت فيّ: ليكونوا مكمّلين في الوحدة" (يوحنا17: 22).

لذلك يعلن:

أن بينهم أعظم من يونان والأنبياء، وأعظم من سليمان ومن الملوك والحكماء (متى 12: 41و 42).

كان اليهود يعتبرون السبت فخر الشريعة الموسوية، والهيكل رمز تلك الشريعة الخالد؛ فيعلن المسيح منذ الأيام الأولى: "إن ابن البشر هو ربّ السبت" (متى12: 8)، وربّ الهيكل أيضاً: "إني أقول لكم أن ههنا أعظم من الهيكل" (متى12: 6).

يتّخذ لنفسه صفات إلهية، مستعملاً سلطاناً إلهياً على تعديل شريعة سيناء: "قد سمعتم أنه قيل للأوّلين... وأنا أقول..." (متى5: 21و27و31و33و38و43).

يحيي الموتى، لا بإذن الله فقط، بل بسلطانه الخاص دون أدنى عناء أو صلاة أو كلمة أو إشارة: "دخل وأخذ بيد الفتاة (ابنة يائير أحد الرؤساء) فنهضت. فذاع هذا الخبر في تلك الأرض كلّها" (متى9: 18-62).

يغفر خطايا الناس: قبل أن يشفي جسد مخلّع يشفر نفسه بغفران خطاياه "يا بني مغفورة لك خطاياك! فقال قوم من الكتبة: هذا يجدّف فلا يقدر أن يغفر الخطايا إلاّ الله وحده - فقال، لكي تعلموا أن ابن البشر له سلطان على الأرض أن يغفر الخطايا، - حينئذٍ قال للمخلّع: قم احمل فراشك وامضِ إلى بيتك! فنهض ومضى إلى بيته . ولدى هذا المنظر استولى على الجموع خوف شديد ومجّدوا الله الذي آتى إلى الناس سلطاناً كهذا" (متى9: 1-8).

ينفرد بمعرفة ذات الله وحده كما يعرفه الآب وحده: "ليس أحد يعرف الابن إلاّ الآب! ولا أحد يعرف الآب إلاّ الابن، ومن يريد الابن أن يكشف له" (متى11: 27).

قد نال وزاول كلّ سلطان في السماء وعلى الأرض: يقولها في مطلع رسالته: "لقد دفع إليّ أبي كلّ سلطان" (متى11: 27). وفي ختام رسالته: "لقد دفع إليّ سلطان في السماء وعلى الأرض" (متى 28: 18).

* * *

أهذه صفات نبوية؟ أم سلطات ملائكية؟ أم ادّعاءات مخلوق؟ هو الابن الذي يعرف ذات الله الآب وحده، ويكشف عنها للناس، كما أن الله الآب يعرف وحده ابنه.

4- تصاريح المسيح المتعددة المتنوّعة تعلن بأنه شخص نازل من السماء:

في منتصف رسالته، وقد هيّأ رسله الحواريين إلى تقبّل التصاريح الصريحة عن سرّ شخصيّته ومعنى رسالته البعيد، استفرد رسله في شمال فلسطين وسألهم: "ما تقول الناس عنّي؟..، وفي نظركم أنتم من أنا؟ - أجاب سمعان بطرس وقال: أنت المسيح ابن الله الحيّ". يُجيب المسيح ويُعلن للملأ أن بطرس لم يقل ذلك من عنده بل نطق بوحي من الله: "طوبى لك يا سمعان بن يونا فإنه ليس اللحم ولا الدم أعلنا لك هذا بل أبي الذي في السماوات". بنوّة مجازية في المسيح لله، بنوّة معنوية، بنوّة إصلاحية، بنوّة أخلاقية، بنوّة بشرية، بنوّة ملائكية، بنوّة مخلوقة ليست جميعها بحاجة إلى وحي من الله لمعرفتها وإعلانها والإيمان بها؛ بل بنوّة أسمى من هذه كلّها، بنوّة فوق المخلوق، بنوّة إلهية في وحدة الطبيعة الإلهية، وحدها بحاجة إلى وحي من الله الآب لمعرفتها والإيمان بها. والمواعيد التي يُكافئ المسيح بها رسوله والسلطات التي يمنحه إيّاها تعني أنه ابن الله بالحقيقة لا بالمجاز: "وأنا أقول لك: أنت صخر وعلى هذا الصخر سأبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها. وسأعطيك مفاتيح السماوات، فكلّ ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السماوات وما تحلّه على الأرض يكون محلولاً في السماوات". (متى15: 13-20). أُمر محمد أن يتعوّذ من الشيطان الرّجيم في ساعات الوحي والصلاة. وهنا المسيح يُصرّح بأن أبواب الجحيم كلّها لا تقوى على كنيسته وعلى رئيسها - فكم بالحريّ على شخص المسيح؟ -

الله هو سيّد ملكوته على الأرض، والمسيح يتمتّع به ويعطي هذا السلطان لرسوله؛ سلطان مطلق على الأرض، وفي السماء: فكم بالحريّ في السيّد المسيح المعطي؟.

أهذا كلام بشر؟ أم كلام مخلوق؟ لقد أوحى الله إلى الحواريّ وأيّد المسيح صحّة وحقيقة هذا الوحي الإلهيّ: "أنت المسيح ابن الله الحي".

* * *

ومن أغرب ما في الإنجيل إعلان الشيطان لنبوءة المسيح من الله بعد عماده وإعلانه في الأردنّ: "رجع يسوع من الأردن وهو مملتئٌ من الروح القدس (لوقا4: 1)، "وعلى الأثر دفعه الروح القدس إلى البريّة وأقام فيها أربعين يوماً يجرّبه الشيطان وكان مع الوحوش وكانت الملائكة تخدمه" (مرقس1: 12). عند مشهد الأردن ومشهد الصوم الخارق وخدمة الملائكة فهمت الشياطين أن هذا الإنسان الخارق هو ابن الله. وكان إبليس أول من سبر غور هذه الحقيقة بذاته مباشرةً مع المسيح . "فلما انقضى صوم المسيح جاع، فقال له إبليس: إن كنت ابن الله فمر هذا الحجر أن يصير خبزاً! أجابه يسوع: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان... ثم جاء به إلى أورشليم وأقامه على قمة الهيكل وقال له: إن كنت ابن الله فالقِ بنفسك من ههنا إلى أسفل فلقد كتب - إبليس يعرف الكتب ويعرف أنها تنبّأت عن المسيح - إنه يوصي ملائكته بك لكي تحفظك! وأيضاً: إنها تحملك على إيديها لئلاّ تصدم بحجر رجلك. فأجاب يسوع: لقد قيل لا تجرّب الربّ إلهك". ففشل إبليس في تجاربه وتيقّن أن المسيح هو ابن الله. واضطرّ إبليس إلى الجهر بهذه الحقيقة في عدّة مناسبات.

"نـزل يسوع إلى كفرناحوم مدينة في الجليل وكان يعلّم في كفرناحوم". وكان الجميع مبهوتين من تعليمه لأن كلامه كان بسلطان. وكان في المجمع رجل به روح شيطان نجس فصاح بصوت جهير قائلاً: آه ! مالنا ولك! يا يسوع الناصريّ، أو جئت لتهلكنا؟ لقد عرفت من أنت: إنك قدوس الله! فزجره يسوع قائلاً: صهْ واخرج ! فصرعه الشيطان في الوسط وخرج منه ولم يؤذه في شيء. فاستحوذ الذعر على الجميع وطفقوا يقولون في ما بينهم: ما هذا الكلام!... إنه يأمر الأرواح النجسة بسلطان وقدرة، فتخرج!"

(لوقا4: 31-37) - لقد عرف إبليس أن يسوع الناصريّ هو قدّوس الله، عرف ذلك من كلامه الذي كان ذا سلطان إلهيّ، ومن عمله في الشياطين الذي كان ذا سلطان إلهيّ أيضاً.

إن المسيح "قدّوس الله". وفي مناسبةٍ أخرى يزيد إبليس بياناً: انتقل وحواريوه من غرب بحيرة طبرية إلى شرقيها إلى بقعة الجراسيين، "وما أن وصل خرج إلى البرّ حتى استقبله رجل من المدينة به شياطين. فلما أبصر يسوع أخذ يصيح، وخرّ عند قدميه وقال بصوتٍ جهير: مالي ولك يا يسوع ابن الله العليّ؟ ابتهل إليك ألاّ تعذّبني()، فإن يسوع كان يأمر الروح النجس إن يخرج من الرجل...".

فخرج الشياطين من الرجل... فسأله جميع سكان أرض الجراسيين أن يبتعد عنهم لأنّ خوفاً عظيماً قد استحوذ عليهم،" (لوقا8: 26). كانوا مثل سائر البشر يخافون من إبليس وسطوته على الناس، فإذا بهم أمام رجل تذلّ أمامه قوى الشرّ، ويخضع له إبليس ويستصغر، ويعلن للناس أنه قد عرف يسوع من هو: يسوع الناصريّ هو ابن الله العلي.

يسوع يتمتّع بسلطان إلهيّ على إبليس وجنده؛ ونرى في الإنجيل أنه يعطي من هذا السلطان لتلاميذه: "دعا يسوع الاثني عشر وقلّدهم قدرةً وسلطاناً على جميع الشياطين ثم أرسلهم ليُبشّروا بملكوت الله... ورجع الحواريون فرحين يقولون ليسوع: إن الشياطين أيضاً تخضع لنا باسمك" (لوقا 9: 1).

الله يعلن ذلك للناس، وإبليس يعلنه للناس، ويسوع رويداً رويداً يظهر ذلك بأعماله وأقواله.

وكان يسوع مثل كل أتقياء اليهود يصعد في كلّ عيد إلى أورشليم في حجّ موسميّ إلى الهيكل بيت الله. وهناك مع علماء اليهود كانت تصاريح المسيح عن ذاته أصرح وأبلغ. كان المسيح مع الشعب يُعلن عن سرّ شخصيته في إنجيل يوحنا الذي اختصّ بنقل تلك التصاريح العلمية مع العلماء وما كانت عامة الشعب لتفقهها.

في أول عيد للفصح يختلي بنقودمس أحد أعيان اليهود. وانتهت المقابلة الليلية بتصريح المسيح المزدوج عن سرّ شخصيته: "إذا قلت لكم الأرضيات ولا تصدّقون فكيف تصدّقون إن قلت لكم السماويات؟ إنه لم يصعد واحد إلى السماء إلاّ الذي نـزل من السماء، ابن البشر الكائن في السماء" (وأنت تراه على الأرض). وعن سرّ رسالته: "وكما أن موسى قد رفع الحية في البرية، كذلك ينبغي أن يرفع ابن البشر لكي تكون الحياة الأبدية في كلّ من يؤمن به" (يوحنا3: 1-21). يسوع يُعلن لعالم الناموس، عضو السنهدرين، ذي السلطة العليا الدينية والقومية والسياسية عند اليهود، إن ابن البشر الذي يراه قد نـزل من السماء، وهو الآن في وقت واحد في السماء وعلى الأرض. وضحته بذاته في آخرته غايتها استنـزال الحياة الأبدية على المؤمنين ومنحهم إياها. من يقدر أن يعطي الحياة الإلهية الأبدية للمؤمنين هو بالحقيقة نازل من السماء، ولم يزل فيها بآن واحد.

بعد مدة وجيزة جاء عيد العنصرة. فصعد يسوع إلى أورشليم، وكان عند الباب الشرقي بركة، مرّ بها يسوع فوجد مخلّعاً منذ ثمان وثلاثين سنة. فشفاه بكلمة يوم سبت: فحمل فراشه ومشى. وقال اليهود للذي شفي: أنه السبت فلا يحلّ لك أن تحمل فراشك... "فكان اليهود يضطهدون يسوع لأنه كان يفعل هكذا في السبت. فأجابهم: إن أبي يعمل بلا انقطاع وأنا أيضاً أعمل! فازداد اليهود لذلك طلباً لقتله، ليس فقط لأنه كان ينقض السبت، بل أيضاً لأنه كان يدعو الله أباه، مساوياً نفسه بالله" (يوحنا5: 1-18).

وفي خطاب للمسيح في الهيكل، تبرئة لمعجزته هذه وادّعائه البنوّة من الله والمساواة به يُعلن عن الوحدة القائمة بينه وبين الله: إنها وحدة في العمل: "ما يعمله الآب يفعله الابن كذلك: لأن الآب يحبّ الابن ويريه جميع ما يفعل". من هذه الأعمال الإلهية ليس فقط شفاء المخلّع كما جرى بالأمس، بل إحياء الموتى في هذه الدنيا: "فكما أنّ الآب ينهض الأموات ويُحييهم كذلك الابن أيضاً يحيي من يشاء". يؤكّد ذلك مرتين، وفي الثانية بقسم لا يدع مجالاً للشبهة (يوحنا 5: 21و25). ومن هذه الأعمال، كل دينونة إلهية على الأرض: "الآب لا يدين أحدً بل فوّض إلى الابن

كلّ دينونة" . وهذه الوحدة في العمل ناتجة عن وحدة في الحياة والذات: "كما أنّ الآب له الحياة في ذاته كذلك أعطى الابن أن تكون له الحياة في ذاته" . وهذه الوحدة في الحياة الكيانية من اختصاصها إقامة الموتى جميعهم في اليوم الأخير، والسلطان الأوحد في يوم الدين: "وآتاه سلطاناً أن يدين لأنه ابن البشر. فلا تدهشوا من هذا (إنه مالك يوم الدين) لأنها تأتي الساعة التي يسمع فياه جميع من في القبور صوته، فيخرجون منها: فالذين عملوا الصالحات ينهضون للحياة، والذين عملوا السيئات ينهضون للدينونة". ومن وحدة في العمل والحياة الذاتية تنتج وحدة في الكرامة: "لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب: فمن لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله" (يوحنا5: 19-30).

ويؤيّد المسيح في خطابه في الهيكل أمام العلماء، وحدته في العمل والحياة الذاتية والإكرام مع الله الآب بشهادة يحيى بن زكريا، والأعمال الإلهية التي يعملها "وهي شهادة أعظم من شهادة يوحنا" وشهادة الكتب المقدّسة كلّها وشهادة موسى كليم الله (يوحنا5: 31-47).()

* * *

ما بين الأعياد في أورشليم كان يسوع يرجع إلى الجليل. في هذه الفترة صنع معجزتين عظيمتين: من خمسة أرغفة أشبع خمسة آلاف رجل سوى النساء والصبيان، ثم مشى على البحر وخلّص رسله من الغرق. فأخذ المنافقون والمعارضون من العلماء يقللون من قيمة المعجزة في نظر الشعب: إذا كان هو قد كثر الخبزات الخمسة مرة أو مرتين فموسى قد أنـزل المنّ والسلوى أياماً ليقيت الشعب كلّ‍ه في البرية: "إن آباءنا أكلوا المن في البرية على ما هو مكتوب: إنه أعطاهم خبزاً من السماء ليأكلوا‍ أية آية تصنع أنت فنرى ونؤمن بك ‍! ما تصنع" ؟ وفي خطاب حاسم في هيكل كفرناحوم، وقد تألّب حوله الشعب والعلماء اتّخذ من تحدّيهم موضوعاً يُصرّح فيه مراراً في استعارة رائعة أنه هو ذاته خبز الله الذي نـزل من السماء. "فقال لهم يسوع: الحقّ الحقّ أقول لكم

أن موسى لم يعطكم الخبز من السماء ولكن أبي يعطيكم خبز السماء الحقيقي: أنا خبز الحياة... أنا الخبز الحيّ النازل من السماء... أنا خبز الحياة: آباؤكم أكلوا المنّ وماتوا: هذا هو الخبز الذي نـزل من السماء لكي لا يموت كلّ من يؤمن به. أنا الخبز الحيّ الذي نـزل من السماء: إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد" (يوحنا6: 30-59).

ليس أصرح من هذا الكلام: المسيحية ليست كتاباً منـزلاً فحسب مثل غيرها، بل هي شخصٌ منـزل ونازل بذاته من السماء. وينهي المسيح خطابه مقارناً بين ذاته وسائر الأنبياء والمرسلين، وبين عملهم وعمله: "لقد كتب في الأنبياء: يكون جميع من قبلهم تلاميذ الله. وليس أن أحداً رأى الآب (منهم) إلاّ الذي هو من لدن الله: فهذا قد رأى الآب، الحقّ الحقّ أقول لكم إن من يؤمن بي له الحياة الأبدية". جميع الأنبياء لم يروا الله، والمسيح وحده رأى الله، وهو نازل من عنده، رسالة جميع الأنبياء تبليغ الناس كلام الله أي دعوة الحقّ إلى الصراط المستقيم، أما رسالة المسيح فهي نقل "الحياة الأبدية" إلى الناس (يوحنا6: 22).

* * *

وفي عيد المظال في أورشليم أعطى يسوع تصريحات متعددة عن مصدره السماوي، في ردّه على تردّداتهم: "إن هذا قد عرفنا من أين هو، أما المسيح فإذا ما أتى لا يعلم أحد من أين هو". أجاب في خطاب أول، من أول العيد: "صاح يسوع وهو يعلّم في الهيكل وقال: أجل أنتم تعرفونني وتعلمون من أين أنا! مع أني لم آتِ من قبل نفسي، والذي أرسلني حق، وأنتم لا تعرفونه. أما أنا فأعرفه لأني من لدنه وهو الذي أرسلني" (يوحنا7: 25-30). وفي خطاب آخر في آخر العيد قال: "أنا نور العالم من تبعني فلا يمشي في الظلام بل يكون له نور الحياة... أنتم من أسفل وأنا من فوق؛ أنتم من هذا العالم، وأنا لست من هذا العالم... أنا أتكلّم بما رأيت عند أبي... لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني لأني من الله خرجت وأتيت؛ وأنا لم آتِ من نفسي بل هو أرسلني". ويختم بمقارنة ذاته بإبراهيم والأنبياء: "الآن نعلم أن بك شيطاناً: لقد مات إبراهيم والأنبياء أيضاً! وأنت تقول: إن حفظ أحد كلامي فلن يذوق

الموت أبداً! أو تكون أعظم من إبراهيم أبينا الذي مات والأنبياء أيضاً ماتوا فمن تجعل نفسك؟ أجاب يسوع: لئن كنت أنا أمجّد نفسي فمجدي ليس بشيء؛ إنما أبي يمجّدني هو الذي تقولون عنه أنه إلهكم... إبراهيم أبوكم قد ابتهج لأن يرى يومي، ورأى وفرح. فقال له اليهود: ليس لك بعد خمسون سنة وقد رأيت إبراهيم!! فقال لهم يسوع: الحقّ الحقّ أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن! فأخذوا حجارةً ليرجموه غير أن يسوع توارى وخرج من الهيكل" (يوحنّا7: 25-8: 59).

فهم جميع الشعب وعلماء الشريعة أن يسوع يدّعي الأزلية والألوهية والوحدة مع الله، فحاولوا أربع مرّات (يوحنا7: 30و32و44و8: 20) أن يوقفوه ويقضوا عليه ولكنّهم فشلوا. أخيراً عند التصريح الأخير الصريح، حاولوا أن يرجموه ففشلوا أيضاً.

* * *

"ووقع عيد التجديد في أورشليم وكان شتاء. وكان يسوع يذهب ويجيء في الهيكل في رواق سليمان. فتحلّق اليهود حوله وقالوا له: حتى مَ تريب أنفسنا؟ إن كنت أنتَ المسيح فقله لنا جهراً! أجابهم لقد قلته لكم ولا تصدّقون، والأعمال التي أعمل باسم أبي هي تشهد لي... (وتشهد أني أكثر من المسيح الذي تنتظرونه)... أنا والآب واحد! فتناول اليهود من جديد حجارةً ليرجموه... فأجابهم يسوع: أنا الذي قدّسه الآب وأرسله إلى العالم تقولون لي: إنك تجدّف لأني قلت: أنا ابن الله! إن كنت لا أعمل أعمال أبي فلا تصدّقوني ولكن إن كنت أعملها ولا تريدون أن تصدّقوني، فصدّقوا هذه الأعمال، لكي تعلموا وتعترفوا أن الآب فيّ وإني أنا في الآب" (يوحنا10: 22-42). يسوع يصرّح عن كيفية الوحدة القائمة بينه وبين الله: الآب فيه وهو في الآب؛ ووجود اللاّهوت الواحد الفرد فيه هو تقديس الآب له؛ والمعنى البعيد لقوله: إنه شخص نازل من حضن الآب.

شهادة المسيح لنفسه إما كفر محض، وإما الحقّ الخالص - ولم يجرّب أحد على المسيح الكفر والضلال والوهم والتضليل، بل الاتّزان الكامل والصدق الكامل والإخلاص الكامل: فهو حقاً من يقول ويفي؛ التوراة والأنبياء

والحكمة والزبور تقول أن الله هو مالك يوم الدين، والمسيح في وصف اليوم الآخر يقول عن نفسه أنه هو مالك يوم الدين، أو ديّان العالمين (متى25: 31).

* * *

وفي عشاء الوداع يأتي التصريح النهائي عن مصدر يسوع وسرّ شخصيّته ولغز رسالته: "أنتم تعرفون الطريق إلى حيث أذهب. قال له توما: يا ربّ لسنا نعرف إلى أين تذهب فكيف نعرف الطريق! قال له يسوع: أنا الصراط والحقيقة والحياة: لا يأتي أحد إلى الآب إلاّ بي... إن كنتم عرفتموني فستعرفون الآب أيضاً، بل من الآن تعرفونه وقد رأيتموه. قال له فيلبّس أرنا الآب وحسبنا! قال له يسوع: أنا معكم كلّ هذا الزمان ولا تعرفني! يا فيلبّس، من رآني فقد رأى الآب. فكيف تقول أنت: أرنا الآب! فلا تؤمن أني أنا في الآب والآب فيّ؟ الأقوال التي أكلّمكم بها لا أتكلّم بها من نفسي، بل الآب المقيم فيّ هو يعمل أعماله. صدّقوني أني أنا في الآب والآب فيّ، وإلاّ فصدّقوا من أجل الأعمال" (يوحنا14: 1-14). المسيح هو الصراط والحقيقة والحياة لأنه هو والآب واحد، الله الآب فيه وهو في الآب، وأعماله وأقواله هي أعمال وأقوال الآب ذاته. لقد اتّضح نهائياً من تصريح المسيح كيف هو شخص نازل من حضن الآب. "لقد خرجت من الآب وجئت إلى العالم والآن أترك العالم وأمضي إلى الآب" (16: 28).

5- أخيراً محاكمة يسوع الدينية والمدنية واستشهاده يوضحان أنه شخص نازل من السماء:

هنا لا نطيل. اجتمع السنهدرين وأحضر يسوع للمحاكمة الدينية. واتّهموه بأنه قال أنه إله نازل من السماء من حضن الآب، وهو جرم في الناموس يستوجب الموت. ولما فشل اليهود في نقل كلام المسيح، استحلفه رئيس المحفل فقال: "أستحلفك بالله الحيّ أن تقول لنا: هل أنت المسيح ابن الله الحي؟ - فقال يسوع: أنت قلت. وأيضاً أقول لكم إنكم منذ الآن تبصرون ابن البشر جالساً عن يمين القدرة وآتياً على سحاب السماء. عندئذٍ

شقّ رئيس الكهنة ثيابه وقال: لقد جدّف! فما حاجتنا بعد إلى شهود. ها إنكم سمعتم تجديفه فماذا تريدون؟ - أجابوه: إنه يستوجب الموت!، (متى26: 57-67).

وكان تنفيذ الإعدام من حقّ الوالي الروماني. فقادوا يسوع إلى الوالي الروماني. فحقق في الجرم وحاول تخليص يسوع. فهددوه برفع قضيّتهم إلى قيصر: "إن لنا ناموساً وبحسب ناموسنا هو مستوجب الموت لأنه جعل نفسه ابن الله"! فأمر بيلاطس بتنفيذ الإعدام صلباً. فصلب يسوع ومات وقام في اليوم الثالث. وارتفع إلى السماء. وجلس عن يمين الآب.

* * *

فهذه الخاتمة، شهادته في المحكمة - الدينية والمدنية - واستشهاده في سبيل دعوته وادّعائه، كما لم تشهد له البشرية مثيلاً، وقيامته من الموت بسلطانه الذاتي مما لم يجرِ لمخلوق، وصعوده إلى السماء ليجلس عن يمين القدرة، كلّ هذا يؤكّد أنه هو مسيح الله، وكلمة الله ألقاها إلى مريم، وروح من الله ومع الله وفي الله.

- "إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه" (نساء170).

- "في البدء كان الكلمة والكلمة كان في الله، وكان الكلمة الله. والكلمة صار جسداً وحلّ فيما بيننا. وقد شاهدنا مجده، مجداً من الآب لابنه الوحيد، الممتلئ من النعمة والحقيقة. الناموس قد أعطي بموسى وأما النعمة والحقيقة فبيسوع النمسيح قد حصلا... الله لم يره أحد قطّ: الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو نفسه أخبر" (مطلع إنجيل يوحنا1:1 و14و17و18).

فالمسيح كلمة بكلامه، وأظهر الآب في ذاته.

أخبر عن الله بكلامه، وأظهر الآب في ذاته.

كان الوحي الرباني كلاماً، فصار شخصاً "كلمة الله النازل من حضن الآب". قال الرازي: "وسمي عيسى كلمة الله من وجوه: 1- أنه تكلّم في الطفولة، وآتاه الله الكتاب في زمان الطفولة فكان في كونه متكلّماً، بالغاً مبلغاً عظيماً، فسمي كلمة أي كاملاً في الكلام. 2- إن الإنسان يسمى فضل الله ولطف الله، فكذا عيسى عليه السلام كان اسمه العلَم "كلمة الله وروح الله". 3- واعلم أن كلمة الله هي كلامه على قول أهل السنة صفة قديمة

قائمة في ذات الله (آل عمران39). وأضاف: "سمي كلمة الله، كأنه صار عين كلمة الله بوجوده المعجز أو لأنه أبان كلمة الله أفضل بيان" (آل عمران45).

فهو كلمة الله الذاتية، وكلام الله الحيّ المنـزل والنازل. وبما أنه كلمة الله الذاتية والمحكية قال وحده بين المخلوقين: "أنا الصراط والحقيقة والحياة" (يوحنا14: 6).

القرآن يهدي إلى الصراط المستقيم، ويعلم أتباعه أن يطلبوا كل يوم ومرات في اليوم الهداية إلى الصراط المستقيم. والمسيح يقول عن ذاته أنه هو "الصراط"! الصراط النازل من السماء والمصعد إلى السماء.

التوراة، وما ينبثق عنها من نبوّة وحكمة وزبور، تدعو إلى كلام الله الحقيقة المنـزلة من السماء. والمسيح يقول عن نفسه أنه هو "نور العالم"، وأنه هو "الحقيقة" بالذات، النازلة من السماء والقائدة إلى السماء.

ويزيد الإنجيل على القرآن والكتاب أن المسيح هو "الحياة" بالذات؛ ويعطي الحياة الأبدية.

تلك هي شهادة الإنجيل عن المسيح:

وعليه فإذا كان القرآن، على حدّ قوله، كتاباً منـزلاً، فالمسيحية، حسب شهادة الإنجيل، شخص إلهيّ منـزل "كلمة الله القائمة في ذات الله". يقول عن نفسه: "أنا الصراط والحقيقة والحياة": الصراط المستقيم الذي يقود إلى الحقيقة الإلهية التي تعطي الحياة الأبدية الخالدة.

إما أنها كذبٌ وكفر! - ولا يقول بذلك إلاّ الملحدون.

وإما أن الإنجيل تلفيق وتحريف وتضليل وأوهام، ولا يقول بذلك إلاّ المغرضون الذين في قلوبهم مرض.

وإما هي شهادة صحيحة وحقيقية.

موقف النبيّ محمّد والمسيح

في يوم الدين

- "الحمد لله، ربّ العالمين، الرحمن الرحيم ملك يوم الدين" (الفاتحة).

- "قل لله الشفاعة جميعاً" (زمر 44)

من صفات الربوبية والسيادة والألوهية التي يستقلّ بها الخالق عن خلقه أنه "ملك يوم الدين". وهذا الإيمان بالله "ملك يوم الدين" إيمان مشترك بين التوراة والإنجيل والقرآن.

في "السبع المثاني والقرآن العظيم" منذ الفاتحة النبي محمد والمسلمون من بعده يعبدون "ملك يوم الدين" ويستعينون به أن يهديهم الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة: مٌلْك يوم الدين والحكم فيه صفة ينفرد بها الله الواحد القهّار على عباده حتى الأنبياء والمرسلين.

وفي الإنجيل يُصرّح المسيح مراراً بأنه هو "ملك يوم الدين": "متى جاءؤ ابن البشر (لقب المسيح في الإنجيل) بمجده وجميع الملائكة معه، حيئذٍ يجلس على عرش مجده، وتحشد لديه جميع الأمم، فيفصل بعضهم عن بعض كما يفصل الراعي الخراف من الجداء" (متى25: 31).

فما هو موقف محمد من يوم الدينونة حسب القرآن ؟

وما هو موقف المسيح من يوم الدينونة حسب الإنجيل ؟

بحث أول:

في إحياء علوم الدين للغزالي فصلٌ عن "صفة يوم القيامة ودواهيه وأساميه" يجمع فيه أوصاف يوم الدين كما وردت في القرآن.

يصف أولاً أهوال القيامة:

"فاستعدّ يا مسكين لهذا اليوم العظيم شأنه، المديد زمانه، القاهر سلطانه القريب أوانه. يوم ترى السماء فيه قد انفطرت، والكواكب من هوله قد

انتثرت، والنجوم الزواهر قد انكدرت، والشمس قد كُدّرت، والجبال قد سيرت، والعشار قد عُطلت، والوحوش قد حشرت، والبحار قد سجرت، والنفوس إلى الأبدان قد زوجت، والجحيم قد سعرت، والجنة قد أُزلفت، والجبال قد نُسفت، والأرض قد مدّت. يومَ ترى الأرض زلزلت فيه زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها، يومئذٍ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم. يوم تحمل الأرض والجبال فدكتا دكّة واحدة، فيومئذٍ وقعت الواقعة، وانشقّت السماء فهي يومئذٍ واهية، والملك على أرجائها يحمل عرش ربّك فوقهم يومئذٍ ثمانية. يومئذٍ تعرضون لا تخفى منكم خافية. يوم تسير الجبال وترى الأرض بارزة. يوم ترجّ الأرض فيه رجاً، وتبسّ الجبال بسّاً، فكانت هباءً منبثّاً. يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، وتكون الجبال كالعهن المنفوش. يوم تذهل كلّ مرضعةٍ عمّا أرضعت، وتضع كلّ ذات حمْلٍ حمْلها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكنّ عذاب الله شديد. يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسماوات، وبرزوا لله الواحد القهّار. يوم تنسف فيه الجبال نسفاً، فتترك قاعاً صفصفاً، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً. يوم ترى الجبال تحسبها جامدة، وهي تمرّ مرّ السحاب؛ يوم تنشقّ فيه السماء فتكون وردة كالدهان: فيومئذٍ لا يسأل عن ذنبه أنس ولا جان. يوم يمنع فيه العاصي من الكلام ولا يُسأل فيه عن الإجرام، بل يؤخذ بالنواهي والأقدام، يوم تجد كلّ نفسٍ ما عملت من خيرٍ محضراً، أو ما عملت من سوءٍ تودّ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً، يوم تعلم فيه كلّ نفسٍِ ما أحضرت، وتشهد ما قدّمت وأخّرت، يوم تخرس فيه الألسن، وتنطق الجوارح. يوم شيّب ذكره سيّد المرسلين إذا قال له الصديق رضي الله عنه: أراك قد شبت يا رسول الله! - قال شيّبتني هود وأخواتها (وهي الواقعة، والمرسلات، وعمّ يتساءلون، وإذا الشمس كورت). فيا أيها القارئ العاجز، إنما حظّك من قراءتك أن تمجمج القرآن وتحرّك به اللّسان؛ ولو كنتَ متفكّراً فيما تقرؤه لكنت جديراً بأن تنشقّ مرارتك مما شاب منه سيّد المرسلين."

ثم يعدّد أسامي القيامة في القرآن للتعريف بها:

"قد وصف الله بعض دواهيها، وأكثر من أساميها، لتقف بكثرة أساميها على كثرة معانيها. فليس المقصود بكثرة الأسامي تكرير الأسامي والألقاب، بل الغرض تنبيه أولي

الألباب: فتحت كلّ اسم من أسامي القيامة سرّ، وفي كلّ نعتٍ من نعوتها معنى، فاحرص على معرفة معانيها. ونحن الآن نجمع لك أساميها، وهي: يوم القيامة، يوم الحسرة، ويوم الندامة، ويوم المحاسبة، ويوم المساءلة، ويوم المسابقة، ويوم المنافسة، ويوم الزلزلة، ويوم الدمدمة، ويوم الصاعقة، ويوم الواقعة، ويوم القارعة، ويوم الراجفة، ويوم الردافة، ويوم الغاشية، ويوم الداهية، ويوم الآزفة، ويوم الحاقة، ويوم الطامة، ويوم الصاخة، ويوم التلاق، ويوم الفراق، ويوم المساق، ويوم القصاص، ويوم التناد، ويوم الحساب، ويوم المآب، ويوم العذاب، ويوم الفرار، ويوم القرار، ويوم اللّقاء، ويوم البقاء، ويوم القضاء، ويوم الجزاء، ويوم البلاء، ويوم البكاء، ويوم الحشر، ويوم الوعيد، ويوم العرض، ويوم الوزن، ويوم الحقّ، ويوم الحكم، ويوم الفصل، ويوم الجمع، ويوم البعث، ويوم الفتح، ويوم الخزي، ويوم عظيم، ويوم عقيم، ويوم عسير، ويوم الدين، ويوم اليقين، ويوم النشور، ويوم المصير، ويوم النفخة، ويوم الصيحة، ويوم الرجفة، ويوم الرجّة، ويوم الزجرة، ويوم السكرة، ويوم الفزع، ويوم الجزع، ويوم المنتهى، ويوم المأوى، ويوم الميقات، ويوم الميعاد، ويوم المرصاد، ويوم القلق، ويوم العرق، ويوم الافتقار، ويوم الانكدار، ويوم الانتشار، ويوم الانشقاق، ويوم الخروج، ويوم الخلود، ويوم التغابن، ويوم عبوس، ويوم معلوم، ويوم موعود، ويوم مشهود، ويوم لا ريب فيه، ويوم تبلى السرائر، ويوم لا تجزي نفس عن نفس شيئاً، ويوم يدعون إلى نار جهنّم، ويوم يسحبون في النار على وجوههم، ويوم تقلب وجوههم في النار، ويوم لا يجزي والد عن ولده، ويوم يفرّ المرء من أخيه وأمه وأبيه، ويوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون، ويوم لا مردّ له من الله، ويوم هم بارزون، يوم هم على النار يفتنون، يوم لا نفع مال ولا بنون، يوم لا مردّ له من الله، يوم لا تنفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار، يوم ترد فيه المعاذير، وتبلى السرائر وتظهر الضمائر، وتكشف الأستار، يوم تخشع فيه الأبصار، وتسكن الأصوات، ويقلّ فيه الالتفات، وتبرز الخفيات، وتظهر الخطيئات، يوم يساق العباد ومعهم الأشهاد، ويشيب الصغير، ويسكر الكبير.

"فيومئذٍ وضعت الموازين، وتغيّرت الدواوين، وبرزت الجحيم، وأغلي الحميم، وزفرت النار، ويئس الكفار، وسعرت النيران، وتغيّرت الألوان وخرس اللّسان، ونطقت جوارح الإنسان، فيا أيها الإنسان ما غرّك بربّك الكريم؟ ... ثم يكون أحسن أحوالنا أن تتّخذ دراسة هذا القرآن عملاً، فلا نتدبّر معانيه ولا ننظر في كثرة أوصاف هذا اليوم وأساميه، ولا نستعدّ للتخلّص من دواهيه. فنعوذ بالله من هذه الغفلة، إن لم يداركنا الله بواسع رحمته" (الغزالي: إحياء علوم الدين4: 438-439) ().

فيوم الدين هو يوم الله الواحد القهار، "يوم لا تجزي نفس عن نفس شيئاً، ويوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً، ويوم لا يجزي والد عن ولده، ويوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه.... يوم شيَّب ذكرُه سيّد المرسلين": فهو إذن يوم، فيه محمد سيد المرسلين، والأنبياء، وسائر البشر، سواء بسواء، في المحاسبة على أعمالهم، وفي العبودية لله، وهو "يوم الفصل" و "القول الفصل".

1)- القرآن ينفي كلّ شفاعة يوم الدينونة:

أهل الكتاب وبنو إسرائيل كانوا يعتدّون بشفاعة الأنبياء، فخاطبهم بقوله: "واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفسٍ شيئاً، ولا يقبل منها شفاعة، ولا يؤخذ منها عدل، ولا هم ينصرون" (بقرة48). قال البيضاوي: "أريد بالآية نفي أن يدفع العذاب أحدٌ عن أحد، من كلّ وجه محتمل... وقد تمسّكت المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر؛ وأجيب بأنها مخصوصة بالكفارة للآيات والأحاديث الواردة في الشفاعة؛ ويؤيّده أن الخطاب معهم والآية نـزلت رداً لما كانت اليهود تزعم أن آباءهم تشفع لهم". أجل الخطاب خاص ولكنه في صيغة عامة تتسق مع القرآن كلّه.

ويُهاجم العرب المشركين على اتّخاذهم معبوداتهم شفعاء عند الله حيث يقولون: "ما نعبدهم إلاّ ليقربون إلى الله زلفى" (زمر3)؛ فيجيب: "أم اتّخذوا من دون الله شفعاء؟ قل أو لو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون! قل لله الشفاعة جميعاً: له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون" (زمر43-44). جواب خاص يُقصد به تعليم عام "قل لله الشفاعة جميعاً".

وفي خطاب للمسلمين يحصر القرآن الشفاعة في الخالق وحده: بما أنه الخالق فهو الديّان وحده وهو الشفيع وحده: "الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش: مالكم من دونه ولي ولا شفيع، أفلا تذكرون" (سجدة4). هنا يقصد الشفاعة بكلّ معانيها في الدنيا والآخرة: "ما لكم إذ جاوزتم رضى الله أحد ينصركم أو يشفع لكم. أو ما لكم سواه ولي ولا شفيع، بل هو الذي يتولّى مصالحكم وينصركم... فإذا خذلكم لم يبقَ لكم وليّ ولا ناصر" (البيضاوي).

2)- القرآن ينفي الشفاعة عن الرسل والأنبياء للبشر أو لأمتهم:

فالرسل يوم الدين يُسألون مثل تابعيهم الله الرسل عن تبليغ وحي الله، وأممهم عن البلاغ الواصل إليهم: "فلنسألنّ الذين أرسل إليهم، ولنسألنّ المرسلين: فلنقصّ عليهم بعلم وما كنا غائبين. والوزن يومئذٍ الحق. فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون" (أعراف5-8). فالرسل يدانون مثل المؤمنين، عليهم محاسبة، ولهم ميزان، وعليهم كما على غيرهم القضاء الحق: "من ثقلت

موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم" هذه الدينونة لهم وللمؤمنين على السواء.

ويخصّ القرآن الرسل بالمحاسبة على رسالتهم في صورة المائدة: "يوم يجمع الله الرسل، فيقول: ماذا أجبتم؟ - قالوا: لا علم لنا، إنك أنت علام الغيوب" (112). فالرسل يحاسبون مثل سائر البشر، ويفزعون من هول يوم القيامة مثل غيرهم، ولشدّة فزعهم يسألون عن جواب أمتهم لهم فيقولون: لا علم لنا! . قال الغزالي معقّباً: "فيا لشدّة يوم تذهل فيه عقول الأنبياء وتنمحي عقولهم من شدّة الهيبة" (أحياء4: 440). فالرسل والأنبياء بما أنهم مسؤولون يوم الدين وخاضعون لحكم الحق فيهم، فهم بحاجة إلى شفاعة الله قبل أن يشفعوا في غيرهم.

والقرآن يعطينا في إبراهيم الخليل، جدّ الأنبياء والمؤمنين، مثلاً رائعاً على حاجته إلى المغفرة والشفاعة يوم الدين: "ربّ العالمين... الذي خلقني فهو يدين... والذي يمتني ثم يحييني. والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين... ربِ واجعلني من ورثة جنة النعيم... ولا تحزنّي يوم يبعثون: يوم لا ينفع مال ولا بنون... واطمع أن يعفر لي خطيئتي يوم الدين" (77-90). فمن كان بحاجةٍ إلى شفاعة ومغفرة، مثل جدّ الدين الحنيف، لا يقدر أن يشفع في غيره. ما يقوله القرآن عن إبراهيم، ينطبق بحجة أولى على خلفائه من الأنبياء والمرسلين، حتى على النبي العربي "سيد المرسلين".

لا يذكر القرآن لمحمّد شفاعة في يوم الدين، أسوةً بسائر الرسل:

النبي محمّد، في يوم الدين، مثل غيره من المحاسبة، والافتقار إلى رحمة الله: يحضر الله الأمم ورسلهم للحساب: يوم يحشرهم... ولكل أمة رسول، فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط، وهم لا يظلمون . ويقولون: متى هذه الوعد إن كنتم صادقين؟ - قل لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً، إلاّ ما شاء الله... ويستنبؤونك: أحقّ هو؟... قل إي وربي إنه لحقّ وما أنتم بمعجزين" (يونس45-55). قال البيضاوي: "قل: لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً فكيف أملك لكم، فاستعجل في جلب العذاب لكم، إلاّ ما شاء الله أن أملكه، ولكن ما شاء الله من ذلك كائن". لا يعرف النبي

محمد متى يكون يوم الدين وإن أقسم أنه لحقّ، ولا يملك لنفسه منه شيئاً، فكيف يملك لغيره؟!.

ومحمد مثل إبراهيم الخليل قد يُخطئ وتعوزه، يوم الدين، رحمة الله وشفاعته "فيطمع أن يغفر له خطيئته يوم الدين". قبل بعثه كانت له أوزار مثل سائر البشر (شرح31)، وفي أيام رسالته سبقت له ذنوب، تبعتها ذنوب: "إنما فتحنا لكل فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر" (فتح2). وقد شعر محمد بحاجة دائماً إلى الاستغفار: "واصبر إن وعد الله حقّ: واستغفر لذنبك" (غافر55). ويؤمر مراراً وتكراراً بالاستغفار: "واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً" (نساء106). طلب الغفران والشفاعة لدى الله حاجة ملحّة فيه كما في سائر المؤمنين: "واستغفر لذنبك للمؤمنين وللمؤمنات، (محمد19). فالخطيئة مرض بشريّ وقع فيه محمد كما وقع فيه غيره من الأنبياء والمرسلين.

فالقرآن ينسب الخطيئة إلى كلّ الأنبياء: إلى آدم (بقرة3، طه121، أعراف22) وإلى نوح (نوح28) وإلى إبراهيم (أنعام76، بقرة 26، أنبياء64) وإلى موسى (قصص16، شعراء19، أعراف149) وإلى داود (ص24) وإلى سليمان (ص29-40). وكلّهم مثل إبراهيم ومحمد بحاجةٍ إلى الاستغفار والشفاعة يقولون مع إبراهيم: "ربّنا اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين يوم يقوم الحساب" (إبراهيم41).

وفي حديث عن ابن عباس، كان محمد يتوب على ما فرط منه في رسالته من أعمال الإيمان والإسلام: "اللهمّ إليك أسلمت وبك آمنت وعليك توكّلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت: فاغفر لي ما قدّمت وما أخّرت، وأسررت وأعلنت، أنت إلهي لا إله لي غيرك" (صحيح البخاري4: 186). من كان بحاجةٍ إلى الغفران والشفاعة لا يشفع في غيره.

وفي آخر البخاري: "قال أم العلاء، امرأة من الأنصار لما مات عثمان بن فطعون: لقد أكرمك الله! فقال رسول الله ص. وما يدريك أن الله أكرمه؟ فقلت بأبي أنت يا رسول الله، فمن يكرمه الله؟ فقال رسول الله ص. أما هو فوالله لقد جاءه اليقين والله إني لأرجو له الخير. ووالله ما أدري، وأنا رسول الله، ما يفعل بي! فقالت: واللهِ لا أزكّي بعده أحداً أبداً".

ويطلب الغزالي لمحمّد (إحياء4: 448) "شواهد الشفاعة في القرآن والأخبار" فلا يجد في القرآن سوى قوله: "ولسوف يعطيكَ ربّك فترضى" (إحياء4: 447). ولا تستوعب الآية معنى الشفاعة التي ينفرد بها محمد دون الأنبياء والمرسلين. ويجد الشواهد كثيرةً في الحديث ونسبة الشفاعة لمحمّد أو لغيره من الأنبياء يُعارض القرآن كلّه، وهو الشاهد العدل الوحيد: فلا عبرة بالأحاديث والأخبار، لتعارضها بعضها ببعض، مع تناقضها للقرآن.

4)- لا يستثني القرآن من حقّ الاستشفاع لدى الله يوم الدين سوى الملائكة:()

لا يذكر القرآن أن الله يأذن بالشفاعة يوم الدين إلاّ للملائكة ولمن ارتضى له منهم الشفاعة في خلقه: فالبشر والأنبياء لا يتكلّمون بحضرة الله الديان، ولا يتكلّم من الملائكة إلاّ من أذن له الرحمن: "ربّ السماوات والأرض وما بينهما، الرحمن، لا يملكون منه خطاباً. يوم يقوم الروح صفاً لا يتكلّمون إلاّ من إذن له الرحمن وقال صواباً" (النبأ37-38).

والملائكة أنفسهم، وهم واسطة الوحي بين الله والرسل، وبين الله ومحمد، لا يتكلّمون بحضرة الله ولا يستشفعون لأحدٍ إلاّ من بعد أن يأذن الله لهم، وذلك لشدّة هول يوم الدين. قال الغزالي: "قال رسول الله ص. إن لله ملكاً ما بين شفريّ عينيه مئة عام، فما ظنّك بنفسك إذا شاهدت مثل هؤلاء الملائكة أرسلوا إليك ليأخذوك إلى مقام العرض، وتراهم على عظم أشخاصهم منكسرين لشدّة اليوم، ومستشعرين مما بدا من غضب الجبّار على عباده. وعند نـزولهم لا يبقى نبيّ ولا صدّيق ولا صالح إلاّ ويخرّون لأذقانهم خوفاً من أن يكونوا هم المأخوذين: فهذا حال المقرّبين فما ظنّك بالعصاة المجرمين؟" (إحياء4: 440).

فالملائكة مثل غيرهم من المخلوقين قاصرون بالفطرة عن إدراك قضاء الله، ويخشونه مثل غيرهم: "وخشعت الأصوات للرحمن، فلا تسمع إلاّ همساً.

يومئذٍ لا تنفع الشفاعة إلاّ ممن أذن له الرحمن ورضي له قولاً. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً. وعنت الوجوه للحيّ القيوم" (طه108-111).

وبعد إذن ربّهم لا يشفعون إلاّ لمن ارتضى، لأنّهم عبادٌ مثل غيرهم قاصرون، من خشية الله مشفقون: "وقالوا اتّخذ الرحمن ولداً (من الملائكة!) سبحانه! بل عباد مكرمون. لا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعملون. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم. ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى، وهم من خشيةٍ مشفقون" (أنبياء26-28). وهذا يعطّل معنى الشفاعة كما تتبادر إلى الذهن.

والقضية في القرآن قضية عفو لا قضية شفاعة، وعن ابن عباس: "يوم حساب الخلائق، هو يوم القيامة، يدينهم بأعمالهم إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشرّاً إلاّ من عفا عنه، وقال: ألا له الخلق والأمر" (أعراف54).

وهذه الشفاعة الملائكية استغفار لعفو الله أكثر مما هي شفاعة أي جاه ودالة على الله. إنها رحمة من الله، لا استحقاق من مخلوق ولو كان ملاكاً "تكاد السماوات يتفطّرن من فوقهنّ، والملائكة يسبّحون بحمد ربّهم، ويستغفرون لمن في الأرض، إلاّ أن الله هو الغفور الرحيم... يدخل من يشاء في رحمته، والظّالمون ما لهم من وليّ ولا نصير. أم اتّخذوا من دونه أولياء! فالله هو الولي، وهو يُحيي الموتى! وهو على كلّ شيء قدير". (شورى5-10).

وهذه الشفاعة الملائكية المحدودة مقرونة بشهادتهم على الناس في الحياة الدنيا، فكلّ بشر له حفيظ منهم: "ونفخ في الصور، ذلك يوم الوعيد وجاءت كلّ نفسٍ معها سائق وشهيد" (ق20-21) كما كان الشيطان قريناً في الدنيا للظالمين لذكرهم في العذاب معه يشتركون". (زخرف26-39).

ولكن الشهادة الحقّة والشفاعة الحقّة لله وحده: "والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً" (نساء165)؛ و "قل لله الشفاعة جميعاً" (زمر44). يوم الدين لا كلام لنبيّ أو ملاك ولا شفاعة: "يوم هم بارزون، لا يخفى على الله منهم شيء. لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهّار... اليوم تجزى كلّ نفسٍ بما كسبت: لا ظلم اليوم! إن الله سريع الحساب... ما للظالمين

من حميم ولا شفيع يُطاع" (غافر15-18).

5)- والقرآن يخصّ المسيح وحده بين الرسل بالشفاعة:

يعطي القرآن المسيح صفتين، أجمع المفسّرون أنهما تعنيان الشفاعة يوم الدين: "إن الله يُبشّرك (مريم) بكلمةٍ منه اسمه المسيح عيسى بن مريم: وجيهاً في الدنيا والآخرة، ومن المقرّبين." (آل عمران45).

أجمع المفسّرون أن وجاهة الآخرة هي الشفاعة، قال البيضاوي: "الوجاهة في الدنيا النبوّة وفي الآخرة هي الشفاعة". قال الجلالان: "وجيهاً أي ذا جاه في الدنيا بالنبوّة وفي الآخرة بالشفاعة والدرجات العلى". قال الزمخشري: "الوجاهة في الدنيا النبوّة والتقدّم على الناس، وفي الآخرة الشفاعة وعلوّ الدرجة في الجنة". قال الرازي: "الوجاهة في الدنيا هي النبوّة أو استجابة دعائه أو براءته من العيوب، وفي الآخرة بالشفاعة أو علوّ درجته ومنـزلته أو كثرة ثوابه".

وأجمعوا على أن وصف المسيح بأنه من "المقرّبين "تنـزيله الملائكة، وفي ذلك تمثيل لشفاعته كما يستغفرون هم للذين آمنوا (غافر7-8). قال الزمخشريّ والبيضاوي: "إشارةً إلى علوّ درجته في الجنّة، أو رفعه إلى السماء، وصحبة الملائكة". وقال الرازي: "جعل ذلك كالمديح العظيم للملائكة فألحقّه بمثل منـزلتهم". وذلك كما شبّه حاله بحالهم في قوله: "لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله، ولا الملائكة المقرّبون" (نساء171). ففي قوله: "ومن المقرّبين" رفع المسيح إلى منـزلة الملائكة، وبالتالي إلى درجة الشفاعة في يوم الدين. قال الطبري: "وأما قوله: ومن المقرّبين - فإنه يعني أنه ممن يقرّبه الله يوم القيامة فيُسكنه في جواره ويدنيه منه كما حدّثونا عن قتادة وعن الربيع: من المقرّبين عند الله يوم القيامة". فالقربى من الله في القيامة وفي السماء دليل دالة على الله ومقام شفاعة واستغفار للمخلوقين.

وفي القرآن صفة ثالثة للمسيح تلمح إلى شفاعته يوم الدين: "وإنه لَعلَمٌ - لَعِلْمٌ - للساعة فلا تمترُنّ بها واتبعونِ: هذا صراط مستقيم" (زخرف61). قال الزمخشري: "وإنه لعِلْم للساعة أي شرط من أشراطها يُعلم بها فسمي الشرط علماً لحصول العلم به". وقرأ ابن عبّاس "لَعَلمٌ" وهو

العلامة. قال الجلالان: "وإنه، عيسى، لَعِلْم للساعة تُعلم بنـزوله". قال البيضاوي: "وإن عيسى لعِلْم للساعة لأن حدوثه ونـزوله إشراط الساعة يعلم به دنوّها، وقرئ لَعَلَم أي علامة". والقولان يتقاربان: فالمسيح بظهوره ثانيةً في آخر الدنيا علامة على دنوّ الساعة وعِلْم أي معرفة لها بظهوره وتعليمه. والمسيح وحده بين الأنبياء والمرسلين يسند إليه القرآن والإنجيل رسالة ونبوّة في ساعة الدينونة، وفي هذه الرسالة يوم الدين إشارةٌ إلى دور الشفاعة. وفي ذلك صدى لاعتقاد النصارى عن ظهور المسيح ثانيةً قبل يوم الدين وشفاعته في المؤمنين، مقالة الإنجيل والحواريين: "كذلك المسيح سيظهر ثانيةً، لا ليكفّر الخطيئة، بل لخلاص الذين ينتظرونه" (عب9: 28).

وفي القرآن ميزة رابعة للمسيح على جميع الأنبياء والمرسلين: بينما جميعهم ماتوا، وينتظرون يوم يبعثون، المسيح وحده - مات أم لم يمت - رفعه الله إليه حياً: "وما قتلوه يقيناً، بل رفعه الله إليه، وكان الله عزيزاً حكيماً" (نساء157). قال البيضاوي: "ردّ وإنكار لقتله، وإثبات لرفعه". قال الرازي: "ورفع عيسى عليه السلام إلى السماء ثابت بهذه الآية. ونظير هذه الآية قوله في آل عمران: إني متوفّيكَ ورافعك إليّ. ودلّ ذلك على أن رفعه إليه أعظم في باب الثواب من الجنة ومن كلّ ما فيها من اللّذات الجسمانية. وهذه الآية تفتح عليك باب معرفة السعادات الروحانية". وفي رفع المسيح حياً إلى السماء إشارة إلى دوام رسالته في السماء: فالمسيح حيّ في السماء، ورسالته حية معه لأنها من شخصيّته، وكما كانت رسالته في الدنيا النبوّة، فهي في السماء وفي القيامة الشفاعة. وهكذا يصدّق القرآن قول الكتاب الذي يقرن رفع المسيح إلى السماء بالشفاعة في المخلوقين: "إن المسيح لم يدخل إلى أقداسٍ صنعتها الأيدي رموز للحقيقة بل دخل إلى السماء بعينها ليتراءى الآن أمام الله من أجلنا... فإنه بعد أن قرب عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس عن يمين الله إلى الأبد: فمن ثم يقدر أن يخلّص على الدوام الذين يتقرّبون به إلى الله، إذ هو حيّ كلّ حين ليشفع فيهم" (عب7: 25و9: 25).

* * *

ودور الشفاعة يوم الدين الذي يذكر القرآن للمسيح - بعد الإنجيل - لا يذكره لمحمّد. ولكن ما سكت عنه القرآن استدركه الحديث والفقه الإسلامي.

يذكر الغزالي في (إحيائه)() الشفاعة العظمى لمحمد بأحاديث تختلف عن موقف القرآن: "وقال ص. إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم من غير فخر!... وقال ص. لواء لحمد يومئذٍ بيدي، وأن أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر!... وقال ص. إني أقوم بين يديّ ربي عزّ وجلّ فاكسى حلّة من حلل الجنة ثم أقوم عن يمين العرش، ليس أحدٌ من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري". ليس في القرآن من هذا شيء.

ويميّزه الله يوم الدين على سائر النبيين: "وقال ص. إن إبراهيم خليل الله وهو كذلك. وموسى نجي الله وهو كذلك. وعيسى روح الله وكلمته وهو كذلك. وآدم اصطفاه الله وهو كذلك. إلاّ وأنا حبيب الله ولا فخر. وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر. وأنا أول شافع وأدل مشفع يوم القيامة ولا فخر. وأنا أول من يحوك حلق الجنة فيفتح الله لي فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر. وأنا أكرم الأوّلين والآخرين ولا فخر".

وفي الحديث يشفع محمد في أمّته جميعهم حتى الذين نـزلوا إلى النار، يُقال له يوم الدين: "يا محمد ارفع رأسك تعط، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: أمتي! أمتي! فيقال: يا محمد أدخل من أمّتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب... حتى أن مالكاً خازن النار يقول: يا محمد ما تركت النار لغضب ربّك في أمتك من بقية" - وفي القرآن من يعمل خيراً يجز به ومن يعمل شراً يجز به.

وفي يوم الدينونة تهون الشفاعة على محمد في أمّته فقد نقل الحديث عنه: "من شهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار"! وأيضاً: "أمّتي أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة"!. ومن حقّ عليه الهلاك من أصحاب الكبائر من المسلمين يستبدل به الله من غير أمة: "قال رسول الله ص. يتجلّى الله لنا يوم القيامة ضاحكاً فيقول: أبشروا معشر المسلمين فإن ليس منكم أحدٌ إلاّ وقد جعلت مكانه في النار يهودياً أو نصرانياً. وهو مُسلّم به من حديث أبي موسى: "إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كلّ مسلم يهودياً أو نصرانياً فيقول: هذا فداؤك من

النار" (إحياء4: 464) - وليس في القرآن من هذا المعنى شيء.

وشفاعة محمد في المسلمين يوم الدين تمتدّ إلى الأنبياء والصّالحين في جميع المؤمنين. قال الغزالي: "اعلم أنه إذا حقّ دخول النار على طوائف من المؤمنين فإن الله تعالى بفضله يقبل فيهم شفاعة الأنبياء والصدّيقين، بل شفاعة العلماء والصالحين؛ وكل من له عند الله تعالى جاه وحسن معاملة، فإن له شفاعة في أهله وقرابته وأصدقائه" (إحياء4: 447)() وليس في القرآن من هذا المعنى شيء.

فالشفاعة التي ينكرها القرآن على الصالحين والأنبياء ومحمد يذكرها الحديث لهم في أحاديث متفاوتة متعارضة.

وأقصى ما يمكن أن يستنتج من القرآن والحديث أن محمداً عبد الله ورسوله له في يوم الدين ميزة القربى من الله والشفاعة في المؤمنين، كما يعترف الإنجيل والقرآن بذلك للمسيح. وبكلمة: محمد رسول الله في الحديث عبد مشفع يوم الدين.

أما صفة الديان، فهي صفة إلهية من خصائص الله وحده لا يُشاركه فيها سواه من المخلوقين. هي صفة "الواحد القهّار" التي بها نتعبّد له نصلّي إليه: "الحمد لله ربّ العالمين، الرحمن الرحيم مالك يوم الدين() . إياكَ نعبد وإياك نستعين: إهدنا الصراط المستقيم". (الفاتحة). قال الطبري: "لله الملك يوم الدين خالصاً دون جميع خلقه، الذين كانوا في الدنيا ملوكاً جبابرة ينازعونه الملك، ويدافعونه بالكبرياء والعظمة والسلطان والجبرية (الجبروت) يقهر عباده على ما أراد من أمرٍ ونهي". (طبري1: 149).

موقف النبي محمد والمسيح

في يوم الدين

بحث ثانٍ:

فماذا يقول الإنجيل عن موقف المسيح من يوم الدين؟

شهادة الإنجيل المتواترة أن المسيح هو "ملك يوم الدين":

في آخر صفحة من رسالة المسيح، قبل "رفعه"، يُعلن الإنجيل ذلك، بعد أن مهّد له طويلاً، بمشهدٍ رائع لا مثيل له في وصف يوم الدين: "مثلما أن البرق ينبثق من المشرق ويلمع حتى المغرب كذلك يكون مجيء ابن البشر (اسم المسيح في الإنجيل)... وعندئذٍ تظهر علامة ابن البشر في السماء. وعندئذٍ أيضاً تنوح جميع قبائل الأرض، ويُشاهدون ابن البشر آتياً على سحاب السماء في كثيرٍ من القدرة والمجد.

"ويُرسل ملائكته بالبوق العظيم، فيجمعون مختاريه من مهاب الرياح الأربعة من أقصى السماوات إلى أقصاها" (متى74: 27-31).

"ومتى جاء ابن البشر بمجده، وجميع الملائكة معه، حينئذٍ يجلس على عرش مجده وتحشر لديه جميع الأمم. فيفصل بعضهم عن بعض كما يفصل الراعي الخراف عن الجداء. ويُقيم الخراف عن يمينه والجداء عن يساره".

"حينئذٍ يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملك المعدّ لكم منذ إنشاء العالم. لأني جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني. كنت غريباً فآويتموني وعرياناً فكسوتموني. وكنت مريضاً فعدتموني ومحبوساً فأتيتم أليّ.

"وحينئذٍ يُجيبه الصدّيقون قائلين: يا ربّ متى رأيناك جائعاً فأطعمناك أو عطشاناً فسقيناك. ومتى رأيناكَ غريباً فآويناكَ أو عرياناً فكسوناكَ. ومتى رأيناكَ مريضاً أو محبوساً فأتينا إليك؟.

"فيُجيبهم الملك قائلاًَ لهم: الحقّ أقول لكم إنّ كلّ ما صنعتموه إلى واحدٍ من أخوتي هؤلاء، إلى واحدٍ من الأصاغر، فإليّ قد صنعتموه.

"ثم يقول أيضاً للّذين عن يساره: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية التي أعدّت لإبليس وملائكته: فقد جعت فلم تطعموني، وعطشتُ فلم تسقوني، وكنتُ غريباً فلم تؤووني، وعرياناً فلم تكسوني. وكنتُ مريضاً ومحبوساً فلم تزوروني. - فيُجيبونه هم أيضاً ويقولون: يا سيّد متى رأيناكَ جائعاً أو عطشاناً، غريباً أو عرياناً، مريضاً أو محبوساً ولم نخدمكَ؟ - حينئذٍ يُجيبهم قائلاً: الحقّ أقول لكم إن كلّ ما لم تصنعوه إلى أحد هؤلاء الصغار، فإليّ أيضاً لم تصنعوه.

"ويذهب هؤلاء إلى عذابٍ أبديّ، والصدّيقون إلى حياةٍ خالدة". (متى25: 31-46).

في هذا المشهد الرائع يظهر المسيح "ملك يوم الدين" وليس فقط عبد الله ورسوله، أقصى كراماته أن يشفع في أمّته.

المسيح هو ديّان العالم كلّه، يجيء بمجده أي بكثير من المجد والقدرة. وجميع الملائكة معه. ويجلس على عرش مجده وتحشر لديه جميع الأمم. وتشاهده جميع قبائل الأرض آتياً على سحاب السّماء في كثيرٍ من القدرة والمجد. وعند هذا المشهد تنوح قبائل الأرض التي لم تؤمن به. المسيح هو الملك السيّد، فلا يصعق من هول يوم الدين مثل سائر البشر والمرسلين. ولا يشيّبه ذكر الحساب كما شيّب محمداً "سيّد المرسلين" . ففي يوم الدّين يظهر المسيح سيّد البشر والمرسلين. ويظهر سيّد الملائكة أيضاً يعملون بأمره "يُرسل ملائكته فيجمعون مختاريه".

يجلس على عرش مجده، وملائكة السّماء معه كالحاشية له، وتحشر لديه جميع الأمم، ويقف أمامه الأنبياء والأولياء كالعبيد للحساب. إذا كان "سيّد المرسلين لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً في يوم الدين"، فالمسيح يلفظ الحكم الأبديّ على العالمين بالهلاك الأبدي أم بالحياة الأبدية.

والحكم يوم الدين يُصدره المسيح على العالمين حسب عملهم مع البشر بالنسبة للمسيح: "الحقّ أقول لكم أن كلّ ما صنعتموه إلى واحدٍ من

أخوتي فإليّ قد صنعتموه". فهو غاية الإيمان والثبات والأعمال، هو هدف حياة البشر الدينية.

اختصر المسيح في تعليمه وتشريعه الكتاب والأنبياء والزبور والحكمة في شريعة محبّة الله ومحبّة القريب. ويظهر في يوم الدين أنه هو محور محبة الله والقريب لأنّ البشرية تُدان على محبة الله ومحبّة القريب بالنسبة للمسيح: "القّ أقول لكم إن كلّ ما لم تصنعوه إلى أحد هؤلاء الصغار فإليّ أيضاً لم تصنعوه".

أخيراً يظهر أنّ السعادة الأبدية تُقاس بالنسبة للمسيح: "تعالوا إليّ يا مباركي أبي رثوا الملك المعدّ لكم منذ إنشاء العالم". والشقاء الأبديّ يُقاس بالنسبة للابتعاد عن المسيح: "اذهبوا عنّي يا ملاعين إلى النار الأبديّة".

وهكذا فالبشر والأولياء والأنبياء والمرسلون، عبيدٌ في يوم الدين يحضرون في هولٍِ وجزعٍ ليُدانوا. ومحمد "سيّد المرسلين" أقصى كراماته في يوم الدين أن "يُبعث مقاماً محموداً" ويشفع بأمّته إذا "إذِن له الرحمن وقال صواباً".

فحسب القرآن محمد عبدٌ يُدان في اليوم الأخير، مثل غيره من الأنبياء والمرسلين. وحسب الإنجيل فالمسيح هو السيّد يدين العالمين لأنه مَلك يوم الدّين () .

* * *

ذاك المشهد الرّائع فصّله الإنجيل طيلة رسالة المسيح.

1)- المسيح هو ملك يوم الدين بسبب وحدة العمل والحياة بينه وبين الله الآب:

في مطلع رسالته، يصنع المسيح في أورشليم معزةً عظيمةً بشفاء مخلّع سقيمٍ منذ ثمانٍ وثلاثين سنةً... عند باب الغنم قرب بركة بيزاتا التي لها

خمسة أروقة حيث كان مضطجعاً جمهور كثير من المرضى والعميان والعرج ويابسي الأعضاء... فقال له يسوع: انهض واحمل فراشك وامشِ! وفي الحال برئ الرجل وحمل فراشه وطفق يمشي. وكان ذلك اليوم سبتاً" (يوحنا5: 1-10) فاتّخذ الربّانيون، خصوم يسوع، عطلة السبت حجّةً على تعطيل سمعة يسوع ونفوذه. فأجابهم "إنّ أبي يعمل بلا انقطاع، وأنا أيضاً أعمل" (17). يسوع ربّ السبت أيضاً ويعمل فيه كما أنّ الله الآب ربّ السبت أيضاً ويعمل فيه (متى12: 8). تطوّر الجدال والخصام، فكان لا بدّ من تصريحٍ تؤيّده الأعمال الإلهيّة لإيضاح ذاك الادّعاء الضخم: وحدة العمل بين الله والمسيح تستند إلى وحدة الحياة بينهما: "ما يفعله الآب يفعله الابن كذلك" (19) يشهد بذلك القدرة الإلهية التي في المسيح على إحياء الموتى() منذ هذه الدنيا "فكما أنّ الآب يُنهض الأموات ويُحييهم، كذلك الابن أيضاُ يُحيي من يشاء" (21) ويقسم على ذلك بقوله: "الحقّ الحقّ أقول لكم: إنها تأتي الساعة - وها هي ذي حاضرة - التي يسمع فيها الأموات صوت ابن الله، والذين يسمعون يحيون" (25) يؤيّد هذا الادّعاء الذي لا حدّ له إقامة ابن الأرملة في نائين (لوقا7: 11-17) وإحياء ابنة يائير رئيس مجمع كفرناحوم (مرقس5: 21) وإقامة لعازر من القبر بعد أربعة أيام من موته في بيت عنيا قرب أورشليم (يوحنا11). وقد أجمل الإنجيل إقامات أخرى متعددة (11: 5) يشهد بذلك أيضاً السلطان الإلهي على إجراء الدينونة على البشر منذ هذا العالم: "لأن الآب لا يدين أحداً بل فوّض إلى الابن كلّ دينونة" (22). ثم يؤكّد وحدة الحياة بين الآب والمسيح مؤيّداً ذلك بالسلطان الإلهيّ الذي فيه لإجراء الدينونة العامّة يوم الدين والقدرة الإلهية على بعث الأموات في اليوم الآخر

بكلمته: "فكما أن الآب له الحياة في ذاته كذلك أعطى الابن أن تكون له الحياة في ذاته. وآتاه السلطان أن يدين لأنه ابن البشر. فلا تدهشوا من هذا لأنها تأتي الساعة التي يسمع فيها جميع من في القبور صوته فيخرجون منها: الذين عملوا الصالحات ينهضون للحياة، والذين عملوا السيّئات ينهضون للدينونة" (26-29). ويخصّ به بقيامة أفضل ودينونةٍ أرحم: الحقّ أقول لكم: إن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني له الحياة الأبدية، ولا يخضع لدينونة لكنّه قد انتقل من الموت إلى الحياة" (24). ويستنتج: "لكي يكرّم الجميع الابن كما يكرّمون الآب: فمن لا يُكرّم الابن لا يُكرّم الآب الذي أرسله" (23). ثم يُعطي على ذلك براهينه: شهادة يحيى المعمدان (31-35)، وشهادة المعجزات الإلهية التي يُجريها (36-38)، وشهادة الكتب المقدّسة التي سبقته (وهي التي تشهد لي" (39-47).

فالمسيح بسبب وحدة العمل والحياة مع الله فهو "ملك يوم الدين".

2- تختصر دعوة المسيح الظاهرة إلى إنشاء ملكوت الله على الأرض واستكماله في السماء:

ولكي يقرب ذلك إلى عقول الشعب مثله مراراً كثيرة بأمثال، كان يوضحها في الخلوة لتلاميذه. منها مثل الزرع الذي يفسده عدو يزرع الزؤان وسط الحنطة: "وضرب لهم مثلاً آخر قائلاً: يُشبه ملكوت السماوات بإنسانٍ زرع في حقله زرعاً جيداً...." (متى13: 24-30). "ولما ترك الجموع وجاء إلى البيت، تقدّم إليه تلاميذه وقالوا: فسّر لنا مثل زؤان الحقل، فأجاب قائلاً:

"الذي يزرع الزرع الجيد هو ابن البشر (لقب المسيح في الإنجيل). والحقل هو العالم، والزرع الجيد بنو الملكوت. والزؤان بنو الشرير. والعدوّ الذي زرعه هو الشيطان. والحصاد منتهى الدهر. والحصّادون هم الملائكة.

فكما أن الزؤان يجمع ويُحرق بالنار، كذلك يكون في منتهى الدهر: يُرسل ابن البشر ملائكته، فيجمعون من مملكته كلّ أهل المعاثر وفاعلي الإثم، ويلقونهم في أتون النار (جهنّم). هناك يكون البكاء وصريف الأسنان. وعندئذٍ يُضيء الصدّيقون كالشمس في ملكوت أبيهم. - من له أذنان فليفهم" (متى11: 36-43).

في هذا المشهد يظهر المسيح ليس فقط "ملك يوم الدين" بل سلطان الدهور، فالأمر أمره "له الخلق والأمر" (أعراف54) والعالم "حقله" الذي يزرع فيه ملكوت الله (متى13: 24و38). وملكوت الله الذي يؤسسه في حقل العالم هو "مملكته" (41) والزرع الجيّد هو الإنجيل، والمؤمنون به هم بنو ملكوت الله (37و38). والحصّادون هم الملائكة أي "ملائكته" (39و41) فالملائكة هم جنود المسيح الملك وخدّامه: خدّامه في مملكته على الأرض، وخدّامه في حصاد يوم الدين، وخدّامه مع الصدّيقين في ملكوت السماء ملكوت أبيهم، "أهراء" المسيح (30و39و41). والفاصل بين بني الملكوت، وبني الشرير أي الشيطان هو "إنجيل الملكوت": "وسيُبشّر بإنجيل الملكوت هذا في المسكونة كلّها، شهادةً لجميع الأمم، وعندئذٍ يأتي المنتهى" (متى23: 14). فالمسيح "يدبّر الأمر" في العالم، "وله الأمر" في يوم الدين: "يُرسل ابن البشر ملائكته فيجمعون من مملكته كلّ أهل المعاثر وفاعلي الإثم ويقلونهم في أتون النار، وعندئذٍ يُضيء الصدّيقون كالشمس في ملكوت أبيهم" (41-42). فالمسيح، بما أنه سيّد ملكوت الله على الأرض وفي السماء، فهو "ملك يوم الدين".

3- المسيح يجعل نفسه في الإنجيل محور الحياة الدينية مع الله:

أجل الله وحده محور الحياة الدينية وغايتها. لقد خذل المسيح الشيطان لما جاء يجرّبه في مطلع رسالته بقوله له: "إليك عنّي يا شيطان، فإنه مكتوبٌ للربّ إلهك تسجد، وإيّاه وحده تعبد" (متى3: 10) ووحي الله هو غذاء الروح والإيمان: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بكلّ كلمةٍ تخرج من فم الله" (متى3: 4).

ولكن شيئاً فشيئاً بأعماله وأقواله يظهر أنه هو كلمة الله الذاتية ظهر للناس (يوحنا1: 1و14) ليظهر فيه الله لهم: "الله لم يره أحدٌ قطّ، الابن الوحيد، الذي في حضن الآب هو أخبر" (1: 18) "من رآني فقد رأى الذي أرسلني" (يوحنا12: 45). وأنه هو "نور العالم" (8: 12) وأنه هو "الصراط والحقيقة والحياة" (14: 6) لأنه "هو والآب واحد" (10: 30) "أنا في الآب والآب فيّ، لذلك فالأقوال التي أكلّمكم بها لا من نفسي، بل الآب المقيم فيّ هو يعمل

أعماله. صدّقوني أنا في الآب والآب فيّ، وإلاّ فصدّقوا من أجل الأعمال" (14: 10). لذلك كان يقول أيضاً: "من رآني فقد رأى الآب" (14: 9). "فالحياة الأبدية هي أن يعرفوك، أنت الإله الحقيقي الوحيد، ورسولك يسوع المسيح" (17: 3) - فالحياة الدينية على الأرض وفي السماء، الحياة الخالدة، هي معرفة الله الآب، والمسيح الذي ظهر فيه الله.

سأل شابٌ يسوع: "يا معلّم ماذا عليّ أن أعمل من الصّلاح لأحرز الحياة الأبدية؟ قال له إن شئتَ أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا... وإن شئتَ أن تكون كاملاً، فتعالَ اتبعني ... عندئذٍ أجاب بطرس وقال له: ها نحن قد تركنا كلّ شيءٍ وتبعناكَ، فماذا، ترى، يكون لنا؟ فقال لهم يسوع: الحقّ الحقّ أقول لكم، إنّكم أنتم الذين تبعتموني، متى جلس ابن البشر، في عهدٍ التجديد، على عرش مجده، تجلسون أنتم أيضاً على اثني عشر كرسيّاً لتدينوا أسباط إسرائيل الاثني عشر(). (وأضاف) الحقّ أقول لكم أنه ما من أحدٍ يترك بيتاً أو أخوةً أو أخوات أو أباً أو أماً أو بنين أو حقولاً لأجلي ولأجل الإنجيل - أي لأجل ملكوت الله - إلاّ يأخذ الآن في هذا الزمن مئة ضعف، حتى ما بين الاضطهادات، وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية" (متى19: 16-30 ومرقص10: 28-30).

ويعرف المسيح أن دعوته مبنية على الزهد والكفر بالذات، فكان يقول أن نتيجة ذلك الخلاصُ في يوم الدين: "من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني. لأنه ماذا ينفع الإنسان أن يربح العالم كلّه، إذا خسر نفسه؟ أم ماذا يعطي الإنسان فداءً عن نفسه؟ فإن ابن البشر سوف يأتي في مجد أبيه، مع ملائكته، وعندئذٍ يُجازي كلّ أحدٍ بحسب أعماله" (متى16: 24-28).

فالمسيح بما أنه محور الحياة الدينية مع الله فهو "ملِكُ يوم الدين".

4- ويظهر المسيح أيضاً في الإنجيل سيّد تاريخ البشرية الديني وهدفه:

منذ مطلع رسالته، في خطبته الأولى على الجبل، على ملأٍ من الشعب

المجتمع لديه من كلّ أطراف فلسطين ينصّب نفسه مشترعاً للحياة الدنيا والآخرة تجاه إله سيناء: "قد سمعتم أنه قيل للأوائل.... أما أنا فأقول لكم" (متى5: 21و27و32و38و43) ويعدّل دستور الأخلاق، وأركان الدين، لينقلها إلى الكمال (متى5: 48). كان النبي يوشع يقول: "إنما المشترع والديّان واحد، وهو قادر أن يخلّص وأن يُهلك" (4: 12).

وفي ختام رسالته، في هيكل أورشليم، يعلن للشعب ورؤسائه أن الله الذي ائتمنهم على التوحيد والشريعة والعهد، سوف ينقل أمانته منهم لأنهم رفضوا الكمال الذي نـزل في الإنجيل عن التوحيد المسيحي. وذلك في مثل رائعٍ يصف تاريخ البشرية الديني، وبعثة الأنبياء على أجيال وبها تختتم بعثة المسيح لأنه الابن الوحيد.

"اسمعوا مثلاً آخر. كان إنسانٌ ربّ بيت.

"غرس كرماً وحوّطه بسياج، وحفر معصرةً وبنى برجاً وسلّمه إلى كرّامين وسافر.

"ولما حان أوان الثمر أرسل غلمانه إلى الكرّامين ليأخذ الثمار. غير أن الكرّامين قبضوا على الغلمان: فجلدوا بعضاً وقتلوا بعضاً ورجموا بعضاً فأرسل أيضاً غلماناً آخرين أكثر من الأوّلين ففعلوا بهم كذلك.

"وفي الآخر أرسل إليهم ابنه قائلاً سيهابون ابني. فلمّا رأى الكرّامون الابن قالوا في ما بينهم: هذا هو الوارث ! هلمّوا ! نقتله ونستولي على ميراثه ! فقبضوا عليه وطرحوه خارج الكرم وقتلوه.

"فإذا جاء ربّ الكرم، فماذا يفعل بأولئك الرّامين؟ - قالوا له: إنه يُهلك أولئك الأردياء شرّ هلاك، ويدفع الكرم إلى كرّامين آخرين يؤدّون إليه الثمر في أوانه.

"حينئذٍ قال لهم يسوه: أما قرأتم قطّ في الكتب أن الحجر الذي رذله البنّاؤون هو صار رأساً للزاوية؟ (مزمور117: 22) من قِبَل الربّ كان ذلك وهو عجيبٌ في أعيننا. من أجل ذلك أقول لكم: إن ملكوت الله يُنـزع منكم ويُدفع إلى أمّةٍ تستثمره" (متى21: 33-43).

فالمسيح هو وراث الله على الأرض، وهو ابن ربّ الكرم، وهو خاتمة الأنبياء والمرسلين، يتصرّف بملكوت الله تصرّف المالك في ملكه يُعطيه لمن يشاء وينـزعه عمّن يشاء، وفي آخر الدّهر يدين الجميع على موقفهم من ملكوت الله والمسيح.

يتصرّف هذا التصرّف الإلهيّ لأنه بموته وقيامته نال السلطان الإلهيّ على كلّ الخليقة. يُعلن في ختام الإنجيل: "لقد دفع إليّ كلّ سلطانٍ في السماء وعلى الأرض" (متى28: 18) بهذا السلطان صار أيضاً ديّان الأحياء والأموات والمسيح بما أنه وارث الله في كرم البشرية، وابنه الوحيد بين الأولياء والمرسلين والذي يتصرّف بملكوت الله على الأرض وفي السماء، فهو "ملك يوم الدين".

5- في التوحيد المسيحي، حسبا الإنجيل، المسيح هو العهد الجديد الأزليّ بين الله والبشر:

يتّخذ التوحيد في الكتاب والإنجيل صفة عهد بين الله والبشر، وشروطه الشريعة المنـزلة.

ففي التوراة، منذ إبراهيم الخليل يُقيم الله التوحيد في صورة عهد بين الله وخليله ونسله (تكوين17). وفي سيناء يُجدّد الله العهد مع الشعب بواسطة موسى النبيّ، ويُعطيه شروطه في "الكلمات العشر" على "ألواح العهد" (تث9: 11) قال الكتاب: "وكلّمكم الله من وسط النار... "وأمركم بعهده الذي أمركم أن تعملوا به، الكلمات العشر التي كتبها على لوحين من حجر" (تث4: 13).

"وأخذ موسى كتاب العهد وتلاه على مسامع الشعب... وأخذ الدم ورشّه على الشعب وقال: هذا هو دم العهد الذي عاهدكم الله به على جميع هذه الأقوال" (خروج24: 7-8). فالدين المنـزل توحيد، وشريعة، وعهد، وضحية يكمل بعضها بعضاً.

وفي الأنبياء يعدّ الله "بعهدٍ جديد" فيه الشريعة الحية وغفران الخطايا: "ها إنها تأتي أيام، يقول الله، أقطع فيها عهداً جديداً، لا كالعهد الذي قطعته مع آبائهم. ولكن هذا العهد الذي أقطعه بعد تلك الأيام، يقول الله، هو أني أجعل شريعتي في ضمائرهم، وأكتبها على قلوبهم وأكون

لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً" (إرميا31: 31)().

وفي الإنجيل يجدّد المسيح في ذاته التوحيد، والشريعة والعهد والتضحية، مكمّلات التوحيد المسيحي المنـزل، ويُجدّد دين الله في صورة عهد، بشكل رمزيّ في القربان() الذي يُعطيهم إيّاه قبل استشهاده ورفعه: "خذوا فكلوا: هذا هو جسدي...اشربوا من هذا كلّكم: هذا هو جسدي... اشربوا من هذا كلّكم: هذا هو دمي، دم العهد الجديد، الذي يهراق عن الكثيرين لمغفرة الخطايا" (متى26: 26) ويجدّده بشكلٍ واقعيّ في استشهاده على الصليب ضحيةً عن البشرية جمعاء لله الآب: "ليس لأحدٍ حبٌّ أعظم من هذا: أن يبذل نفسه عن أحبّائه... إن أبي يحبّني لأني أبذل حياتي لكي أسترجعها أيضاً: لن ينتزعها أحدٌ مني، وإنما أنا أبذلها باختياري. فلي سلطان أن أبذلها، ولي سلطانٌ أن أسترجعها أيضاً: تلك هي الوصيّة التي تلقّيتها من أبي" (يوحنا10: 17).

وكان المسيح قد جمع الذبيحة الرمزية والذبيحة الفعلية، ومفاعليهما معاً في قوله:

"أنا خبز الحياة... والخبز الذي سأعطيه أنا هو جسدي لأجل حياة العالم.

"هذا هو الخبز الذي نـزل من السماء لكي لا يموت كلّ من يأكل منه.

"أنا الخبز الحيّ الذي نـزل من السماء: من يأكل من هذا الخبز يحيا إلى الأبد.

"من يأكل جسدي ويشرب دمي فله الحياة: وأنا أُقيمه في اليوم الأخير (يوحنا6: 35-38).

ففي التوحيد المسيحي يجدّد المسيح العهد بين الله والبشر في دمه، رمزياً في القربان، تلك المائدة النازلة من السماء عيداً أبدياً للمؤمنين، وحقيقة على الصليب. بهذه الضحية جدّد دين الله إلى يوم الدين. يُقارن الرسول بولس ضحيّة المسيح على الصليب وفي القربان بضحايا اليهود، والأميين، ومفعولها الخلاصيّ إلى يوم الدين فيقول: "إن كان دم ثيران وتيوس (وجمال وخراف)،

ورماد عجلة يرشّ على المنجّسين فيُقدّسهم لتطهير الجسد، فكم بالأحرى دم المسيح، الذي بروحٍ أزليّ قرّب لله نفسه بلا عيب يطهّر ضميرنا من الأعمال الميتة لنعبد الله الحيّ... وكما حتّم على الناس أن يموتوا مرةً واحدة، وبعد ذلك تكون الدينونة، كذلك المسيح هو أيضاً بعد أن قرّب نفسه ليرفع خطايا الكثيرين، سيظهر ثانيةً لا ليُكفّر الخطيئة بل لخلاص الذين ينتظرونه" (عب9: 13و27). وقد أخذ الرسل الحواريون عن المسيح هذه الوصيّة: "لقد أوصانا أن نكرز للشعب ونشهد بأنه هو الذي أقامه الله ديّاناً للأحياء والأموات" (أعمال10: 42).

* * *

نختم بتلاوة فاتحة القرآن لأنها مختصر القرآن والإسلام، وصلاة النبيّ العربي وأمّته مدى أجيالهم: "الحمدُ لله ربّ العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين. إيّاكَ نعبد وإيّاك نستعين: اهدنا الصراط المستقيم".

فالقرآن دعوة متواصلة "للصراط المستقيم" وصلاة النبيّ العربي وأمّته المتواصلة هي طلب الهداية إلى هذا الصراط. وفي الإنجيل يقول المسيح: "أنا الصراط والحقيقة والحياة: لا يأتي أحدٌ إلى الله إلاّ بي" (يوحنّا 14: 6). هو "الصراط" وليس صراطاً كغيره بل الصراط المستقيم الذي يقود إلى الحقيقة: "أنا الحقيقة". وهذه الحقيقة تعطي الحياة: "أنا الحياة". كلماتٌ ثلاث لا يمكن لمخلوقٍ أن ينطق بها، وتصدّقه البشريّة، إلاّ المسيح.

والقرآن منذ فاتحته يصف الله الرحمن الرحيم في أخطر مواقفه، بأعظم صفاته، أنه "ملك يوم الدين". ونرى المسيح في الإنجيل يختم حياته ورسالته بوصف موقفه من البشرية والخليقة كلّها في اليوم الأخير بأنه هو "ملك يوم الدين": "ومتى جاء ابن البشر بمجده، وجميع الملائكة معه، حينئذٍ يجلس على عرش مجده، وتحشر لديه جميع الأمم... فيقول الملك للّذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملْكَ المعدّ لكم منذ إنشاء العالم... ثم يقول أيضاً للّذين عن يساره: اذهبوا عنّي يا ملاعين إلى النّار الأبدية".

فالقرآن يُظهر محمّداً في يوم الدين، عبداً (مشفعاً) يُدان مثل سائر المرسلين. والإنجيل يُظهر المسيح ديّاناً للعالمين، لأنه "ملك يوم الدين".

 

موقف محمّد والمسيح

من الشيطان

"وقل: ربّ أعوذ بك من همزات الشيطان وأعوذ بك ربّ أن يحضرون" (مؤمنون68).

 

"عندئذٍ قال له يسوع: إليك عنّي يا شيطان! فتركه إبليس وإذا ملائكةٌ أقبلت وصارت تخدمه" (متى3: 10).

"وإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرّجيم" (نحل98).

 

"تقول الشياطين للمسيح: أستحلفكَ بالله ألاّ تعذّبنا"! (مرقس5).

سرّان في الإنجيل والقرآن يُدهشان: سرّ موقف محمّد من الشيطان؛ وسرّ موقف المسيح من الشيطان. أو هما سرّان في واحد: موقف إبليس من المسيح ومحمّد.

وقوة هذا اللّغز الخفيّ تظهر من ترداد النبيّ والمسلمين الاستعاذة بالله من الشيطان الرّجيم قبل كلّ تلاوةٍ من القرآن الكريم: "وإذا قرأتَ القرآن، فاستعذ بالله من الشيطان الرّجيم" (نحل98). ويردّدون هذه الاستعاذة بالله من الشيطان في مطلع كلّ صلاةٍ، حتى قبل الاستفتاح "باسم الله الرحمان الرحيم"!.

يظهر إبليس، أو الشيطان، في مطلع الكتاب (تكوين1) ومطلع الإنجيل (متى3) ومطلع القرآن (بقرة36) مثل "إله الشرّ" أو القوة الخفيّة الشريرة التي تعرض عمل الخالق في خليقته، وتفسد عليه مقاصده وأعماله، وتحول الخليقة البشرية من سلطان الله إلى سلطانها.

ومنذ قصص الخليقة، الذي انتشر في كلّ الأمم والديانات، أخذ الناس كلّما ابتعدوا عن الوحي الفردوسيّ، وعن التوحيد، بتأليه إبليس، تلك القوة الكامنة وراء الطبيعة وفي خفاياها، والتي استحوذت، قبل المسيح، على تفكير الإنسان وتدبيره، حتى صار يُحسب لها كلّ حساب.

بحث أول:

الشيطان عقيدة مشتركة بين الإسلام والمسيحية:

1- وجود الشيطان:

لا معنى للتوراة والإنجيل والقرآن بدون حقيقة وجود إبليس والشياطين، وعملهم الخفيّ الشرير على البشرية. في كلّ صفحة من صفحات الإنجيل والقرآن تقريباً يرد ذكرهم والتحذير منهم.

وتلك السيطرة الشيطانية على العالم. يصوّرها الإنجيل أروع تصوير. فالمسيح يسمي إبليس "سلطان هذا العالم" (يو12: 31و14: 30، متى12: 29). والرّسول بولس يلقّبه "إله هذا الدهر" (2كو4:4) ويسمّي جنود إبليس "الرئاسات والسلاطين وولاة هذا العالم، عالم الظلمة والأرواح الشريرة" (أف6: 12).

ويعدّد العهد الجديد صفات ذاك السلطان الجهنّمي: "إنه سلطان الظلمة" (1كو1: 13و15) أو كما يقول يسوع "سلطان الظلمات" (لو22: 53) والذي يتبعه "عينُه مظلمة" (لو11: 34-36) لأنه "فضّل الظلمات على النور" (يو3: 19) ولذلك فهو "يعيش في الظلمات" (يو8: 12و 12: 35و46). وأنه "سلطان الهواء" (أف2:2) و"سلطان البحر" لويثان، التنين العظيم الهائل (أش27: 1 ثم رؤ20: 2) و "سلطان البرّ" حيث يطوف في أمكنةٍ قاحلة طلباً للراحة (متى12: 43)() ومن حيث يأتي بأعوانه لمهاجمة الصالحين (لوقا11: 24، متى12: 43). أخيراً يسمّيه "سلطان الموت" (عبر2: 14-15).

وهذا السلطان على البشرية والمسكونة، يتبجّح به الشيطان حتى على المسيح فيعتبر "ممالك العالم ومجدها ملكاً له" (متى4: 8-9)؛ والمسيح يعترف له بهذا السلطان قبل أن يُزيله منه (متى12: 26). لأن المسيح

إنما جاء ليُحرّر العالم من هذا السلطان الشيطاني ويخرج الناس من هذه المملكة المظلمة القاسية (يو12: 31 متى12: 29) إلى حرية أبناء ملكوت الله .

وقد حذّر المسيح الحواريّون الناس من حبائل إبليس. فقد رآه المسيح "ساقطاً من السماء مثل البرق" (لو10: 18) ليغوي المسكونة؛ "وقد سأل أن يغربل الناس كما تغربل الحنطة" (لو22: 31). وحذّر منه رسل المسيح: "اصحوا واسهروا فإن إبليس خصمكم كالأسد الزائر يجول ملتمساً من يبتلعه" (1بطر5: 8-9).

ولذلك يُسمّيه المسيح ورسله إبليس (يو8: 44) المجرّب (متى4: 30) الخصم والمقاوم (1بطر5: 8) والروح النجس (متى12: 43). وينعته المسيح في "الصلاة الربيّة" التي أمر بتلاوتها دائماً "بالشرير"، مصدر كلّ شرّ، لكي يعرفوه ويحذروه وينجوا منه بصلاتهم (متى5: 13، أعمال19: 12 ثم 1 يو2: 17).

وقد أورد القرآن قصّة آدم وإبليس سبع مرّات: ستاً منها في سور مكيّة وهي الأعراف (10-18) والحجر (28-44) والإسراء (61-65) والكهف (50) وطه (116-123) وص(71-85) وواحدة في سورة البقرة المدنية"() حيث يصف القرآن عمل إبليس مع آدم وذريّته منذ فجر الخليقة إلى يوم الدين، بأوصاف متقاربة متماثلة: "وإذا قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم ! فسجدوا إلاّ إبليس" وجنده (طه20) فأهلكهم الله في جهنّم "فكبكبوا فيها هم والغاوون، وجنود إبليس أجمعين" (شعراء94) وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنّة وكلا رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين. فأزلّهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه؛ وقلنا: اهبطوا بعضكم لبعضٍ عدوّ ولكم في الأرض مستقرّ ومتاع إلى حين" (بقرة36) قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو لكم في الأرض مستقرّ ومتاعٌ إلى حين. (أعراف23).

فقال إبليس متحدّياً الله: "بما أغويتني لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم ثم لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن إيمانهم وشمائلهم، ولا تجد أكثرهم

شاكرين (أعراف15-16) قال ربّ بما أغويتني لأزيننّ لهم في الأرض ولأغوينّهم أجمعين (حجر39).

فجاء تحذير الله لآدم وذريّته من إبليس وذريّته: "يا بني آدم لا يفتنّنكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنّة ينـزع عنها لباسهما ليُريهما سوآتهما: إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهمَ إنا جعلنا الشياطين أولياء الذين لا يؤمنون" (بقرة66) واستفزز من استطعتَ منهم بصوتكَ واجلب عليهم بخيلك ورجلِك، وشاركهم في الأموال والأولاد، وعدّهم: وما يعدّهم الشيطان إلاّ غرورا (إسراء64) فالشيطان هو عدوّ الإنسان المبين: "ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألاّ تعبدوا الشيطان إنه هو عدوّ مبين" . "إن الشيطان لكم عدوّ، فاتّخذوه عدوّاً، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير".

ويسود الشيطان على الناس: "قال "ربّ بما أغويتني لأزيننّ لهم في الأرض، لأغوينّهم أجمعين: إلاّ عبادكَ منهم المخلصين" (حجر39-40) وقليلاً ما هم: "قال: أرأيتكَ هذا الذي كرّمت عليّ: لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأختنكنّ (أستأصلنّ) ذريّته إلاّ قليلا" (إسراء62).

2- شخصيّة إبليس أو الشيطان:

هذه الشخصية واضحة كلّ الوضوح في الإنجيل: إنه ملاكٌ سقط ورفقته من مجد الله لتمرّدهم عليه؛ قال يسوع: "رأيت الشيطان ساقطاً من السماء مثل البرق" (لوقا10: 18) وسبب هلاكهم خطيئتهم: "إن الله لم يشفق على الملائكة الذين خطئوا، بل أهبطهم إلى أسافل الجحيم، وأسلمهم إلى سلاسل الظلمة ليوم الدين" (2بطر2: 4 ثم يهوذا 6). فطبيعته ملائكية أي روح لا جسد له. والاسمان إبليس والشيطان علم لشخصية واحدة: "نشب قالٌ في السماء: ميخائيل وملائكته قاتلوا التنين. والتنين وملائكته انشبوا القتال؛ ولكنّهم لم يقووا ولا وجد لهم موضع بعد في السماء. وطرح التنين العظيم، الحية القديمة، المسمّى "إبليس" و "الشيطان" فضل المسكونة بأسرها - طرح إلى أسافل الأرض وطرحت ملائكته معه" (رؤيا11: 7-9).

ولكن هذه الشخصية الشريرة في القرآن غامضة.

الشيطان في القرآن والقواميس اسم جنس يُطلق على الجن والإنس والحيوان: في قصص امتحان الملائكة بالسجود لآدم يُسمّيه "إبليس" (بقرة34)، وفي قصص تجربة آدم وسقوطه يُسمّيه "الشيطان" (بقرة 36). ثم يطلقها في قوله: "وكذلك جعلنا لكلّ نبيّ عدوّاً: شياطين الإنس والجنّ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً" (أنعام112). من هنا يأتي الغموض: هل إبليس هو الشيطان؟ وهل إبليس والشيطان ملاك هالك أم جنّ أم ماذا؟

في قصص الملائكة وخطاب الله لهم يرد استثناء إبليس من السّجود، ستّ مرات (أعراف حجر إسراء طه ص بقرة)، مما يوحي بأنّ إبليس من الملائكة "فسجدوا كلّهم أجمعون إلاّ إبليس أبى أن يكون مع الساجدين" (حجر31) ولكن في آية الكهف يأتي تقرير مناقض يجعله من الجنّ صراحةً في قوله: "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس كان من الجنّ () ففسق عن أمر ربّه أفتتّخذونه وذريّته أولياء من دوني؟" (50) هنا يصير إبليس من الجنّ وتصير له ذريّته! "وهذا ما يوهم التناقض بين اختصاص الله الملائكة بالخطاب واستثناء إبليس الذي لم يكن موضوع خطاب لو كان من الجنّ. ولقد عزا بعض المفسّرين قولاً إلى ابن عباس بأن الجنّ في هذه الآية قبيل من الملائكة. بينما تسمية القرآن "الجن" لنوع من الخلق وتسميته "الملائكة" لنوعٍ آخر قطعية؛ وقد جاءت التسميتان متميّزتان في سبأ: "ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول الملائكة: أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون؟ قالوا: سبحانكَ أنت وليّنا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن" (40-41)() .

وقال الجلالان في تفسير آية الكهف: "قيل الجنّ نوع من الملائكة، فالاستثناء متّصل؛ وقيل منقطع، وإبليس هو أبو الجنّ فله ذريّة ذكرت معه، والملائكة لا ذريّة لهم". وقال ابن زيد: إبليس هو أبو الجنّ كما آدم أبو الإنس! وينقل الطبريّ الأقوال المتضاربة عن ذات إبليس وحقيقته (بقرة34) ويختم بقوله: "اختلف أهل التأويل هل إبليس من الملائكة أم هو من غيرها" (1: 502). لهذا التعارض في القرآن والتفسير عن هوية إبليس والشيطان والجان، يقول حجّة الإسلام الغزالي: أما معرفة ذات إبليس وصفاته وحقيقته... فلا يحتاج في علم المعاملة إلى معرفته (إحياء3: 25). ويرى ابن خلدون أن هوية إبليس والشيطان والجان من المتشابهات في القرآن.

3- عمل الشيطان في البشرية:

كان عمله إفساد البشرية من أصلها، ومتابعة ذاك الإفساد إلى يوم الدين، فالشيطان على أصل الفساد في البشرية، بإغواء الحية رمز الشيطان، كما يختتم الكتاب بذلك في آخر صفحة من الوحي المسيحي (رؤيا11: 7-9). ويفتتح القرآن في سورة البقرة بقصّة سقوط آدم: "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس أبى واستكبر فكان من الكافرين. وقلنا يا آدم: اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين. فأزلّهما الشيطان فأخرجهما مما كانا فيه. وقلنا: اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ. ولكم في الأرض مستقرّ ومتاع إلى حين. قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينّكم من هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (34-38). ويتوارد هذا القصص في ستّ سور مكيّة. والشيطان يوسوس بالشرّ لآدم فيزلّه ويخرجه مما كان

فيه من سعادة وبرٍّ، وهو نبيّ في حالة النعمة والعصمة، فكيف تفلت من وسوسته ذريّته وسائر الأنبياء بعد جدّهم؟

والقرآن هنا يصدّق ما جاء في التنـزيل المسيحي عن "الخطيئة الأصلية" وسريانها إلى ذريّة آدم كلّها. قال الكتاب: "إنها بإنسانٍ واحد دخلت الخطيئة إلى العالم، وبالخطيئة الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى كلّ الناس لأنهم جميعهم قد خطئوا .. بزلّة واحدٍ مات المثيرون" (رومة5: 12-15). وقال القرآن: "والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين: إنّا خلقنا الإنسان في أحسن تقويم؛ ثم رددناه أسفل سافلين" (سورة التنين). فهذا التحويل من التقويم الحسن إلى أسفل سافلين هو ما يعنيه النصارى "بالخطيئة الأصلية التي سرت إلى كلّ البشر". وتعابير سورة البقرة تؤيّد ذلك: هبوط من الجنة إلى الأرض، هبوط معنويّ لأن الجنّة كانت على الأرض (تكوين3: 23) "فأخرجهما مما كانا فيه" من نعيمٍ جسّي وروحيّ.

ثم قال "بعضكم لبعض عدوّ" فهي عداوة متأصّلة بين إبليس وذريّته، وآدم وذرّيّته، متواصلة إلى يوم الدين: وليست هذه العداوة، وسيطرة إبليس على الناس إلاّ من نتائج الخطيئة الآدمية الأولى. ويختم القرآن قصص خطيئة آدم بوعد البشرية بالهدى والخلاص: "فإمّا يأتينّكم من هدى، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (بقرة38). وفي هذا الوعد يصدّق القرآن الكتاب: "وأجعل عداوةً بينكِ وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها: فهو يسحق رأسكِ بينما ترصدين عقبه" (تكوين3: 15).

أفسد إبليس أصل البشرية؛ وتابع عمله إلى يوم الدين() . وهذا العمل الشيطانيّ المتواصل يصفه القرآن والإنجيل على السّواء.

في القرآن: "قال (إبليس) بما أغويتني لأزيننّ لهم في الأرض ولأغوينّهم أجمعين إلاّ عبادكَ منهم المخلّصين. قال: هذا صراطٌ عليّ مستقيم إن عبادي ليس لكَ عليهم سلطانٌ إلاّ مَن اتّبعك من الغاوين" (حجر39). وهذه فكرة إنجيلية تدور عليها صوفية بولس الرّسول: "ال1ين سبق فحدّدهم، إياهم دعا أيضاً؛ والذين دعاهم، إيّاهم برّر أيضاً؛ والذين برّرهم، إيّاهم مجّد أيضاً" (رومة8: 30).

في القرآن: "قال (إبليس) أرأيتك هذا الذي لا كرّمت عليّ، لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأختنكنّ (أستأصلنّ) ذرّيّته إلاّ قليلاً! قال: اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنّم جزاؤكم جزاءاً موفوراً... إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان" (إسراء62-65). وهذه أيضاً فكرة إنجيلية؛ قال يسوع في الإنجيل: "ادخلوا من الباب الضيّق فإنه واسعٌ الباب، ورحبة الطريق التي تؤدي إلى الهلاك، وكثيرون هم الذين ينتهجونها! ما أضيق الباب وما أحرج الطريق التي تؤدي الحياة، وقليلون هم الذين يجدونها" (متى7: 13).

ولكن في نهاية المطاف "لا سلطان لإبليس على عباد الله المخلصين" كما يردّد القرآن. لأن "إله السلام يسحق الشيطان عاجلاً تحت أقدامهم" كما يعلّم الإنجيل والرسل الملهمون بعده (رومة16: 20).

ويصف القرآن والإنجيل هكذا عمل إفساد الشيطان للبشرية:

فهو على أصل الكفر: إله هذا الدهر (إبليس) قد أعمى بصائر الكفرة لئلاّ تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله" (2كو4:4). "رئيس سلطان الهواء هو الروح الذي يعمل الآن في أبناء الكفر" (أف2:2). "ويضلّ المسكونة كلّها" (رؤ12: 9). ويذكر القرآن سلطان الشيطان هذا على الكفرة بقوله: "كمثل الشيطان إذا قال للإنسان: اكفر ! فلما كفر قال: إني بريء منك! إني أخاف ربّ العالمين" (حشر16).

وإبليس يزرع الضلال والكذب بين الناس، أظهره المسيح بمثل الزارع وفي قوله: "إذا تكلّم بالكذب فإنما يتكلّم بما هو له، لأنه كذوبٌ وأبو الكذب" (يو8: 44). وقد وصفه القرآن هكذا: "ومن الناس من يُجادل في الله بغير علمٍ ويتبع كلّ شيطانٍ مريد" (حج4).

ويزرع إبليس الخطايا بين الناس. قال الإنجيل: "أنتم من أب هو إبليس، وشهوات أبيكم تبتغون أن تعملوها. هو من البدء قتّال الناس، ولم يثبت على الحقّ لأنه لا حقّ فيه" (يو4: 44). ويقول القرآن: "ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدوّ مبين: إنما يأمركم بالسوء والفحشاء، وإن تقولوا على الله ما لا تعلمون... الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء" (بقرة168و268).

والشيطان يزرع الشرور في العالم، ويخلق الصراع بين الخير والشرّ. قال الكتاب: "إن مصارعتنا ليست ضدّ اللّحم والدم، بل ضدّ الرئاسات والسلاطين وولاة هذا العالم، عالم الظلمة والأرواح الشريرة في السماويات" (أف6: 12). ويقول القرآن: "إنما يُريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة: فهل أنتم منتهون؟" (مائدة91).

والشيطان هو الذي يعوق التبشير بكلام الله لخلاص الناس. قال الإنجيل: إنه هو الذي يخطف الكلمة من قلب المؤمن فلا يفهمها ولا يعمل بها (متى13: 19) ويذهب بالكلمة من قلوبهم لئلاّ يؤمنوا فيخلصوا (لو8: 12) ويعوق الرسل في سبيل تأدية رسالاتهم (أفس2: 18) ويُثير الاضطهادات على المؤمنين ليلقوهم في السجون (رؤ2: 10) وتصل به الحيلة إلى أن يتّخذ هيئة ملاك النور ليصل إلى أهدافه الأثيمة: "إن الشيطان نفسه يغيّر هيئته إلى هيئة ملاك نور" (2كو11: 14) . وقال القرآن: "وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليُجادلوكم وإن أطعمتموهم إنكم لمشركون" (أنعام121) "وزيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدّهم عن السبيل فهم لا يهتدون" (نحل24). "يا بني آدم لا يفتننّكم الشيطان كما أخرج أبوكم من الجنّة.. إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم: إنّا جعلنا الشياطين أولياء الذين لا يؤمنون" (أعراف26).

فاسم الشيطان "الوسواس" وعمله الدائم "الوسوسة" فيطلب القرآن الاستعاذة "من شرّ الوسواس الخنّاس، الذي يوسوس في صدور الناس" (سورة الناس). ويؤيّد الحديث تعليم القرآن: "ما من أحدٍ إلاّ له شيطان"، "وإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم". ولذلك علّمنا المسيح في صلاته أن نسأل الله: "ولا تُدخلنا في تجربة، لكن نجّنا من الشرير".

بحث ثانٍ:

محمد والشيطان في القرآن:

في حديثٍ عن ابن مسعود أن محمداً، مثل غيره من البشر، كان له شيطانه: "قال رسول الله: ما منكم من أحدٍ إلاّ وله شيطانه. قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا! إلاّ أن الله أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمر إلاّ بخير" (إحياء3: 24)() .

1- محمد يولد مثل سائر البشر، وقد مسّه الشيطان في الحبل به والولادة، كما جاء في الحديث الصحيح المأثور: "ما من مولود يولد إلاّ مسّه شيطان حين يولد، فيستهلّ صارخاً، إلاّ مريم وابنها، رواه الشيخان البخاري ومسلم". ونقله الجلالان والزمخشريّ والرّازي والطبري تفسيراً لقول القرآن على لسان أم مريم العذراء تحمل بأم المسيح: "وإني أعيذها بكَ وذريّتها من الشيطان الرّجيم" (آل عمران36). أليس في هذا القرآن وهذا الحديث شهادةٌ على مسّ الشيطان لكلّ مولودٍ منذ تكوينه، وبرهان على تأثير الشيطان في نسل آدم، وإغوائهم منذ وجودهم والسيطرة عليهم؟ وهذا كلّه يعني الولادة البشرية في حال من الخطيئة. ولا نجد في القرآن ولا الحديث شاهداً على عصمة محمد وأمّه، من مسّ الشيطان وأذاه، كما نجده في الإنجيل والقرآن بحقّ المسيح وأمّه .

2- وعن حداثة محمّد، تجد السيرة النبوية أثراً في القرآن لتطهير محمد في صباه من "مسّ الشيطان وطعنته في ولادته" في آية الشرح: "ألم نشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك، الذي انقض ظهرك، ورفعنا لك ذكرك" (شرح1-4) فنقلت هذا الحديث: "إنّ نفراً من أصحاب رسول الله ص. قالوا له: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك. قال: نعم، أنا دعوة إبراهيم، وبشرى عيسى ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نورٌ أضاء لها قصور الشام. واستُرضعتُ في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخٍ خلف بيوتنا نرعى بَهْماً لنا، إذ أتاني رجلان

عليهما ثيابٌ بيضٌ بطشت من ذهبٍ مملوءةً ثلجاً، ثم أخذاني فشقّا بطني، واستخرجا قلبي فشقّاه، فاستخرجا منه علقةً سوداء فطرحاها. ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه" () . ولكن التفسير المتواتر لا يرى ذلك. وقد أوجز البيضاويّ تفاسيرهم في قوله: "ألم نشرح لك صدرك: ألم نفسحه حتى وسع مناجاة الحقّ ودعوة الخلق. أو أوَلم نفسحه بما أودعنا فيه من الحكم وأزلنا عنه ضيق الجهل. أو بما يسّرنا لك تلقّي الوحي بعد ما كان يشقّ عليك. وقيل إنه إشارة إلى ما روي أن جبريل أتى رسول الله ص. في صباه أو يوم الميثاق فاستخرج قلبه فغسله ثم ملأه إيماناً وعلماً. ولعلّه إشارة إلى نحو ما سبق". فشرح الصدر مجازيّ أكثر مما هو واقعيّ كما ترى: فلا تعني الآية معنى تطهير النبي من الخطيئة الآدمية التي يولد فيها كلّ ذريّة آدم لحبس الشيطان لهم في حال تكوينهم وولادتهم. فقد أجمعوا على أن آية الشرح تعني الانشراح المعنويّ أي الاتّساع للنبوّة؛ قال الجلالان: "شرحنا لك صدركَ بالنبوّة وغيرها". قال الزمخشريّ: "ومعنى شرحنا صدرك، فسحناه حتى وسع عموم النبوّة ودعوة الثقلين جميعاً. أو حتى احتمل المكاره التي تعرض لك بها كفار قومك وغيرهم ، أو فسحناه بما أودعنا من العلوم والحكم، وأزلنا عنه الضيق والحرج الذي يكون مع العمى والجهل".

3- وآية الشرح تلك تصف حالة محمد قبل البعثة: "ووضعنا عنكَ وزرك الذي انقض ظهرك". قال الزمخشري: "والوزر الذي انقض ظهره - أي حمله على النقيض، وهو صوت الانتقاض والانفكاك لثقله - مثل لما كان يثقل على رسول الله ص. ويغمّه من فرطاته قبل النبوّة. أو من جهله بالأحكام والشرائع. أو من تهالكه على إسلام أوّلي العناد من قومه وتلهّفه. ووضعه عنه: إن غفر له، أو علم الشرائع، أو مهّد عذره بعد ما بلغ وبلغ." واختصره البيضاوي بقوله: "ووضعنا عنكَ وزرك عبأك الثقيل؛ الذي انقض ظهرك: وهو ما ثقل عليه من فرطاته قبل البعثة".

4- وبعد البعثة، وفي أثناء النبوّة والرسالة، دام ذاك التأثير الشيطانيّ بالفرطات

والذنوب. بعد صلح الحديبية الذي سهّل لمحمد دخول مكّة وإسلام الحجاز والجزيرة، في ذروة الدعوة للإسلام والنجاح فيها يُصرّح القرآن: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر" (فتح1). جاء عن ابن عبّاس في تفسيره: "ليغفر لك الله: لكي يغفر لك الله ما سلف من ذنوبك قبل الوحي وما تأخّر وما يكون بعد الوحي إلى الموت؛ ويتم نعمته، منتهٍ عليك بالنبوّة والإسلام والمغفرة". فالذنوب ومغفرتها لا تتنافى مع النبوّة والإسلام بل يتخلّلها. قال البيضاوي: "ليغفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر: جميع ما فرط منك مما يصحّ أن يعاتب عليه. قال الزمخشري: "ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر: يريد جميع ما فرط منك. وعن مقاتل: "ما تقدّم في الجاهلية وما بعدها. وقبل ما تقدّم من حديث ماوية وما تأخّر من امرأة زيد... فإن قلت كيف جعل فتح مكة علّة للمغفرة؟ قلت: لم يجعل علّة للمغفرة ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة: وهي المغفرة وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز. ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث أنه جهاد للعدوّ، سبباً للغفران والثواب والفتح والظفر بالبلد الحرام". وقد جمع الجلالان بين الآيتين آية الشرح وآية الفتح اللّتين تنسبان الخطيئة إلى محمد في صغره وكبره: "ووضعنا، حططنا عنك وزرك الذي أثقل ظهرك؛ وهو كقوله: ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر". وسيطرة الشيطان على ابن آدم، مهما خفيت وخفت تظهر من فرطاته وذنوبه.

5- والقرآن يشهد بأنّ محمداً كان عرضةً مثل غيره لهمزات الشيطان ووساوس الخنّاس. كان يستعيذ بالله من همزات الشياطين وحضورهم عنده: "وقل ربّ أعوذ بك من همزات الشيطان، وأعوذ بل ربّ أن يحضرون" (مؤمنون68). وأمر هو وأمته أن يقول: "قل أعوذ بربّ الناس، ملك الناس، إله الناس، من شرّ الوسواس الخنّاس الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس"! (سورة الناس، خاتمة القرآن). وقد نقل البخاري عن عائشة مداومة النبيّ على الاستعاذة بالله من الشيطان، في حال المرض: "كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوّذات وينفث. فلما اشتدّ وجعه، كنت أقرأ عليه وأمسح بيده، رجاء بركتها". وفي حال

الصحة والعافية: "كان إذا أوى إلى فراشه، كل ليلة، جمع كفيه، ثم نفث فيهما، فقرأ فيهما (قل هو الله أحد) و(قل أعوذ برب الفلق) و(قل أعوذ برب الفلق) و(قل أعوذ برب الناس). ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده: يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده. ويفعل ذلك ثلاث مرات"فلولا خوف محمد من سطوة الشيطان وحضوره وتأثيره، لما أمره القرآن بالاستعاذة المتواصلة منه، ولما وصف الحديث سنة الرسول في كيفية الاستعاذة الدائمة من الشيطان.

6) ظهر سنة 1958 للدكتور صبحي الصالح، أستاذ في كلية الآداب بدمشق "مباحث في علوم القرآن"فيه تعليق جريء على ما ينسبه القرآن من عتاب وتأديب وتهديد للنبي "في الآيات التي يعتب فيها الله على نبيه عتاباً خفيفاً أو شديداً أو يعلمه فيها بعفوه عنه وغفرانه ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فمن العتاب الخفيف الذي يشوه عفو الله عن رسوله وخطابه له في شأن من أذن لهم بالقعود عن القتال في غزة تبوك: عفا الله عنك لِمَ أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا، وتعلم الكاذبين" (توبة43). ومن المعلوم أن العفو لا يكون إلا عن ذنب، كما أن المغفرة إلا بعد ذنب، وقد صرحت الآية بهذا في سورة الفتح: "إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر" (فتح1- 2). فمن العجيب، بعد هذا القول القرآني الصريح، أن يحاول بعض المفسرين- كالرازي- أن يثبتوا أن لفظ العفو لا يوحي بالذنب، وأن الذي عاتب الله به نبيه إنما كان في ارتكابه خلاف الأولى. "وهو- كما يقول السيد رشيد رضا- جمود مع الاصطلاحات المحدثة والعرف الخاص في معنى الذنب، وهو المعصية. وما كان ينبغي لهم أن يهربوا من إثبات ما أثبته الله تعالى في كتابه تمسكاً باصطلاحاتهم وعرفهم المخالف له ولمدلول اللغة أيضاً" (تفسير المنار10/ 465).

"وأما العتاب الشديد فقد نطقت به آيات الفداء في سورة الانغال، ووجهته عنيفاً صادعاً منذراً متوعداً إلى الرسول ص وجمهور صحابته الذين

أشاروا عليه بأخذ الفداء من أسرى بدر، مؤثرين عرض الحياة الفاني على نصرة الدين، في أول معركة في الإسلام لم يثخنوا قبلها في الأرض، ولم يعظم بعد شأنهم فيها. ولذلك صيغ العتاب صياغة عامة تشعر بتقدير مبدأ في صفات الأنبياء والرسل، فلم يوجه الله خطابه إلى الرسول رأساً بل استهل الآية بكون منفي تلته عبارة نستعظم هذا الفداء يصدر عن نبي من الأنبياء "وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض: تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة، والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم" (أنغال67- 68) (قابل تفسير المنار وتفسير زيد).

"ويقرب من هذا العتاب... ما أدب الله به محمداً في قصة الأعمى عبد الابن أم مكتوم "عندما جاءه وهو يدعو أكابر قريش إلى الإسلام وقد لاح له بارقة رجاء في إيمانهم، يتحدثون معه فإنه ص. علم أن إقباله عليهم ينفرهم ويقطع عليه طريق عودتهم، وكان يرجو بإيمانهم انتشار الإسلام في جميع العرب فتولى عنه وتلهى بهذه الفكرة، ولم يكن يعلم قبل إعلام الله تعالى أن سنته في البشر أن يكون أول من يتبع الأنبياء والمصلحين فقراء الأمم وأوساطها، دون أكابر مجرميها المترفين ورؤسائها" (منار10- 473) ففي هذا أنـزل الله هذه الآيات من سورة الأعمى: "عيسى وتولى أن جاءه الأعمى، وما يدريك لعله يزكي؟ أو يذكر فتنفعه الذكرى؟ أما من استغنى فأنت له تصدى، وما عليك ألا يزكي؟ وأما من جاءك يسعى، وهو يخشى فأنت عنه تلهى: كلا إنها تذكرة" (أعمى1- 11).

"وأشد من هذا كله ما يوجه إلى الرسول ص من الإنذار والتهديد في مثل قوله تعالى: "ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً: إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً" (إسراء74). وهذا الإنذار يبلغ القمة فيستصغر بعده كل تهديد وكل وعيد حين يقول الله: "ولو نقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحد عنه حاجزين" (حافة44). وفي تفسير هذه الآيات يقول الزمخشري: "والمعنى: ولو ادعى علينا شيئاً لم نقله لقتلناه صبراً كما يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم معاجلة بالسخط

والانتقام: فصور قتل الصبر بصورته ليكون أهول، وهو أن يؤخذ بيده وتضرب عنقه".

"ومن خلال هذه الآيات المتوعدة المنذرة، وتلك العاتبة، المؤدبة، يبدو لنا رسول الله ص مخلوقاً ضعيفاً بين يدي ربه ذي القدرة القاهرة، والقوة الكبرى والإرادة التي لا معقب لها".

7) ومن أحرج ما ورد في القرآن، القول بإمكانية تدخل الشيطان في الوحي الرباني، وتحريفه وإفساده.

قال الجلالان في حديث الفرانيق: "قرأ النبي ص. في سورة النجم بمجلس من قريش بعد "أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى" بإلقاء الشيطان على لسانه من غير علمه به ص. "تلك الفرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى". ففرحوا بذلك ثم أخبره جبريل بما ألقاه الشيطان على لسانه من ذلك، فحزن فسلي بآية الحج52". أخرجه البخاري عن ابن عباس، وأورد ابن اسحاق في السيرة. وقال السيوفي في (أسباب النـزول): "كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلاً".

قد يكون لقصة الفرانيق أصلاً وقد تكون مدسوسة. وإنما المشكل المحرج ما ورد تعليقاً عليها في سورة الحج: "وما أرسلنا من قبلك من رسول أو نبي إلا إذا تمنى (قرأ) ألقى الشيطان في أمنيته. فينسخ الله ما يلقي الشيطان فتنة "للذين في قلوبهم مرض" (حج52). فهذه الآية تؤكد إمكانية "إلقاء الشيطان في قراءة النبي ما ليس من القرآن" (الجلالان). وتؤكد أيضاً أن هذا جرى لمحمد في سورة النجم، ولم ينتبه له حتى أخبره جبريل. وتؤكد، تعزية لمحمد، أن هذا السهو في النبي، وهذا التدخل الشيطاني في الوحي قد حدث فعلاً لسائر الرسل والأنبياء، وهذا التدخل الشيطاني في الوحي قد حدث فعلاً لسائر الرسل والأنبياء: "وما أرسلنا من قبلك من رسول، ولا نبي، إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته". فالقضية ليست على ما يظهر قضية إمكانية فقط بل قضية واقع تاريخي، يسجله القرآن على كل الأنبياء والرسل، على كل واحد منهم "ألقى الشيطان في أمنيته أي في قراءته". وبعد فترة تحصل فيها الفتنة التي من أجلها أذن الله للشيطان بإفساد الوحي "ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض" يعود الله "فينسخ ما يلقي الشيطان ثم يحكم آياته".

للشيطان إذن سيطرة حتى على الوحي الرباني، وقد خبر ذلك محمد وسائر الأنبياء على حد قول القرآن: "سُنّة من قد أرسلنا من قبلك من رسلنا، ولا تجد لسنة الله تحويلاً" (إسراء77).

وقد يتخذ إبليس عند فتنته الأنبياء في تلقي الوحي وتبليغه أعواناً من الناس. كما جرى لمحمد في فتنته عن القرآن وفي فتنته بهجرة إلى الشام: "وإن كادوا ليفتنوك عن الذي أوحينا إليك لنفتري علينا غيره، وإذاً لاتخذوك خليلاً. ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً... وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها: وإذاً لا يلبثون خلافك إلا قليلاً: سنةَ من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلاً" (إسراء73- 77). وعن ابن عباس "كادوا ليفتنوك، ليستفزوك، لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً: لقد هممت أن تميل إليهم شيئاً قليلاً". قال البيضاوي "والمعنى أنهم قاربوا بمبالغتهم أن يوقعوك في الفتنة بالاستنـزال، عن إلي أوحينا إليك، من الأحكام لنفتري علينا غير ما أوحينا إليك. وقد قاربت أن تميل إلى اتباع مرادهم، والمعنى أنك كنت على صدد الركون إليهم لقوة خدعهم وشدة احتيالهم لكن أدركتك عصمتنا".

وتدخل الشيطان في إفساد الوحي والنبوة والرسالة سنَّةُ الله في رسله، أذن بها لفتنة من يريد، وعصمة من يريد. يتأسى محمد بمثل من أرسل قبله من الرسل حتى آدم الذي نـزل عليه الوحي الأول فأنساه إياه الشيطان وأفسده وأغرى آدم وأزله: "ولا تعجلْ بالقرآن من قبل أن يُقضى إليك وحيُه، وقل ربي زدني علماً: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً" (طه114).

وبالنتيجة، تعرض محمد، مثل سائر الأنبياء، في القرآن للخطأ والخطيئة، بوسوسة الشيطان وسيطرته. وقد يعصمهم الله من الخطأ في البلاغ والتبليغ، إن لم يعصمهم من الخطيئة.

ولذلك علم القرآن محمداً وأمته الاستعاذة من الشيطان في قراءة القرآن: "فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم" (نحل98). أمر غريب، وأيمُ الحق، أن يأمر القرآن محمداً بالاستعاذة من الشيطان قبل قراءة الوحي! ولولا سلطان الشيطان على التنـزيل، لا يُفهم هذا الأمر.

وجرت العادة أن يستفتحوا بالاستعاذة من الشيطان الرجيم قبل الاستفتاح بالبسملة "باسم الله الرحمان الرحيم".

بحث ثالث

موقف المسيح في الإنجيل من الشيطان

لا نرى في الإنجيل مطلقاً أن المسيح استعاذ أو علم الاستعاذة من الشيطان في قراءة الإنجيل. فموقف المسيح في الإنجيل من الشيطان يتغير تغيراً كاملاً، ويسمو سمواً لا مثيل له عند سائر الأنبياء والمرسلين. ولا يتخذ الموقف في الإنجيل شكل وسوسة للشر، وفتنة في الوحي؛ بل يتخذ موقف المسيح من الشيطان، في الإنجيل، موقف صراع جبار بين "إله الخير وإله الشر"- وإن كنا لا نؤمن إلا بإله واحد-.

في بحث سابق رأينا أن آخر صفحة من صفحات الإنجيل تظهر المسيح "ملك يوم الدين". واليوم نرى أن أول صفحة من رسالة المسيح ترينا في نبي الإنجيل أنه "ملك إبليس والشياطين" يسيطر عليهم في الدنيا والآخرة سيطرته في يوم الدين.

تتخذ رسالة المسيح في الإنجيل صورة تختلف عن سائر الرسالات: إنها تمثل الصراع الأكبر بين المسيح والشيطان على مُلك البشرية وسيادتها. يظهر من الكتاب المقدس أن إبليس اغتصب من الله الملك والسيادة على البشرية، فنـزل المسيح ليؤسس بين الناس "ملكوت الله" ويطرد إبليس من سيطرته على العالم.

أولاً: في مولد المسيح وحياته لا سلطان للشيطان عليه. وفي رسالته، وهي صراع هائل على ملك العالم، للمسيح على الشيطان كل سلطان.

تفرَّد المسيح بين سائر البشر، ودون سائر الأنبياء والمرسلين بولادته من "بتول لم يمسَها بشر" (سورة مريم). ويتفق الإنجيل والقرآن بتأكيد هذه الحقيقة، ويتفقان أيضاً على عصمة المسيح وأمه من الخطيئة الآدمية التي يُولد بها سائر بني آدم، لا يُستثنى منهم أحد: "قالت مريم

للملاك: كيف يكون ذلك وأنا لا أعرف رجلاً؟ فأجاب الملاك وقال لها: الروح القدس يأتي عليك، وقدرة العلي تظللك، ومن أجل ذلك، فالقدوس الي يولد منك يُدعى ابن الله" (لوقا1: 34). تمثل لها الملاك "بشراً سوياً" (سورة مريم) تحف به ملائكة لا يُرون: "إذ قالت الملائكة: يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح، عيسى، ابن مريم، وجيهاً في الدنيا الآخرة، ومن المقربين. قالت: أنى يكون لي ولد ولم يمسني بشر؟ قال: (هو) كذلك! الله يخلق ما يشاء؛ إذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن! فيكون" (آل عمران47). بمعجزة إلهية، بقدرة العلي التي تغشاك وتظللك تحبلين وتلدين وأنت بتول لم يمسها بشر.

بشهادة الإنجيل والقرآن لم يكن للشيطان سلطان على جسد المسيح في مولده ولا على نفسه: فقد عصمه الله من الولادة البشرية المعتادة، وعصمه من الخطيئة الآدمية، التي تتوارث عن آدم بالتناسل بمس الشيطان وطعنته وإغوائه. وقد أعطى الله ولادة المسيح البتولية المُعجزة، دليلاً على عصمة النفس من أذى الشيطان وسلطانه على المرسلين كما على سائر الآدميين. وكان لهاتين المعجزتين، الفريدتين في تاريخ البشرية والنبوءة، أعظم صدى في القرآن والحديث. جاء في الصحيحين: ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً- إلا مريم وابنها. نقله المفسرون لإيضاح ما خفي من الآية "وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم" (آل عمران 36). أليس في هذه الآية والحديث صدى لعقيدة النصارى بعصمة مريم أم المسيح من الخطيئة الأصلية التي تتوارثها البشرية من آدم؟ أليس في هذين القرآن والحديث تعليم صريح على عصمة المسيح في مولده، أكثر من أمه من مس الشيطان يطمع في إغواء كل مولود بحيث يتأثر منه إلا مريم وابنها فإن الله تعالى عصمهما ببركة الاستعاذة". ونقل الغزاليهذا الحديث: "روى أنه لما وُلد عيسى ابن مريم عليه السلام أتت الشياطين إبليس فقالوا: أصبحتِ الأصنام قد نكست رؤوسها! فقال هذا

حادث قد حدث. مكانكم! فطار حتى أتى خافقي الأرض فلم يجد شيئاً. ثم وجد عيسى عليه السلام قد ولد: وإذا الملائكة حافين به! فرجع إليهم فقال: أن نبياً قد ولد البارحة، ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا وأنا حاضرها إلا هذا! فأيسوا من أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة!".

وهذه العصمة المبدئية دامت مع المسيح طيلة حياته: فلا الإنجيل ولا القرآن ينسب له خطيئة أو إثماً أو ذنباً. وكان المسيح يتحدى خصومه في هيكل أورشليم على مشهد ومسمع من السلطات والشعب: "إن أباكم أنتم هو إبليس، ورغبات أبيكم تبتغون أن تحققوا: إنه من البدء قتال الناس، ولم يثبت على الحق لأنه لا حق فيه. فإذا ما نطق بالكذب فإنما يتكلم بما عنده لأنه كذوب وأبو الكذب، وأما أنا فلأني أقول الحقيقة لا تصدقوني: من منكم يثبت عليّ خطيئة؟!" (يوحنا8: 44- 47) يتحداهم بقداسته الخارقة، بدون أدنى خطيئة أو ذنب أو وزر، في إثبات شخصيته ونبوته ورسالته؛ ولم يرد أحد منهم التحدي. وقد شهد له بهذه العصمة من الخطيئة الشياطين أنفسهم: في أول ظهور له في مجمع كفرناحوم، صاح رجل به روح شيطان نجس، بصوت جهير: لقد عرفتك من أنت: "إنك قدوس الله"! (مرقس4: 34). وشهد الرسل الحواريون الذين تتلمذوا له، وعاشوا معه نحو ثلاث سنوات في رسالة شاقة: "إنه قدوس بريء زكي متنـزه عن الخطأة، قد صار أعلى من السماوات" (عب7: 47). "لقد جُرّب في كل شيء مثلنا ما خلا الخطيئة" (عبر 4: 15) "لم يصنع خطيئة ولم يوجد في فمه مكر" (1بط 2: 22). أجل "إن الذي لم يعرف الخطيئة جعله الله خطيئة" (أي ذبيحة خطيئة) من أجلنا لكي نصير نحن برَّ الله فيه" (2كو 5: 21) "وقد علمتم أنه ظهر ليرفع خطايانا وهو لا خطيئة فيه" (1يو3: 5).

وقد اعترف القرآن والحديث والتفسير بعصمة المسيح المبدئية والفعلية من الخطيئة فلا تنسب له في مولده وحياته وآخرته إثماً أو وزراً كما تنسب إلى جميع الأنبياء، إلى "سيد المرسلين" محمد. فالملاك الذي يبشّر به يبشر بغلام زكي: "إنما أنا رسول ربك ليهبَ لكِ غلاماً زكياً" (مريم19) أي "طاهراً من الذنوب نامياً على الخير، مترقياً من سن إلى سن على الخير والصلاح" (البيضاوي). وهذه البشرى من قبل أن يُحبل به، فهي توكيد من السماء لطهارته، ونبوة بقداسته الخارقة. وهذه القداسة المعجزة قد وهبه الله إياها طيلة حياته، حسب شهادته ونبوءته في مولده: "وجعلني مباركاً أين ما كنتُ! وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمتُ حياً! وبَراً بوالدتي! ولم يجعلني جباراً شقياً!" (مريم30- 32). وهناك حديث صحيح مشهور: "وذكروا لنا أنهما (المسيح وأمه) كانا لا يصيبان من الذنوب كما يصيب سائر بني آدم". يشهد له الحديث بعد القرآن بالعصمة الفعلية مدى الحياة كما شهد له بالعصمة المبدئية. ونجد في انتصار المسيح على الموت، برفعه حياً إلى السماء، تفسيراً كاملاً لعصمته في حياته من سلطان الشيطان والخطيئة.

ثانياً: لم يكن للشيطان من سلطان على المسيح في حياته، ولم يكن له في نبوّته ورسالته.

ظهر المسيح على الأرض لتأسيس ملكوت الله بدل ملكوت إبليس على العالم منذ الخطيئة الأولى. وقد علم إبليس وملائكته وجنوده أنهما المعركة الفاصلة في السيطرة على العالم. ومنذ بدأ المسيح رسالته تصدّى له إبليس فبدأ الصراع الهائل.

تظهر رسالة محمد في القرآن صراعاً على التوحيد مع المشركين، مثل سائر الأنبياء والمرسلين. والمسيح ظهر في أمة موحّدة كأشد ما يكون التوحيد. فالتوحيد مفروض في رسالة المسيح ومفروغ منه (مرقس12: 29، يوحنا17: 3). فرسالة المسيح في الإنجيل صراع على خطين: في الخط الأمامي صراع على نشر ملكوت الله الروحي يلاحظه الجميع؛ وصراع أقوى وأدهى في الخط الخلفي من مسرح الدنيا والبشرية، مع إبليس "سلطان هذا العالم". وهذا الصراع الثاني، الإلهي- الشيطاني، تميّز به الإنجيل عن القرآن وعن سائر النبوات والرسالات.

1)تجربة المسيح الأولى: عَرْض سلطان الدنيا عليه

علم الشيطان، من مولد المسيح الخارق، ومن عيشة الخَلوة في الناصرة المدهشة، ومن عماد المسيح في الأردن وظهور الله له بشكل صوت من السماء، ورفرفة حمامة غريبة، ومن هذا الصوم المذهل في البرية، مدة أربعين يوماً بلا زاد ولا ماء، أن يسوع قد يكون هو المسيح ابن الله الذي ينتظرونه لتأسيس ملكوت الله في العالم وزحزحة إبليس عن سيطرته وملكه. فحضر إبليس إلى يسوع ليسبر سرّ شخصيته، ويحوّل مجرى رسالته: "وعلى أثر العماد دفعه الروح القدس إلى البرية، فأقام في البرية أربعين يوماً بلا زاد ولا ماء، إن يسوع قد يكون هو المسيح ابن الله الذي ينتظرونه لتأسيس ملكوت الله في العالم وزحزحة إبليس عن سيطرته وملكه. فحضر إبليس إلى يسوع ليسبر سرّ شخصيته، ويحوّل مجرى رسالته: "وعلى أثر العماد دفعه الروح القدس إلى البرية، فأقام في البرية أربعين يوماً يجربه الشيطان، وكان مع الوحوش وكانت الملائكة تخدمه" (مرقس1: 12) "وكان يقوده الروح في البرية أربعين يوماً وهو يجرّب من إبليس" (لوقا4: 1) أخيراً، وقد أنهك الصوم قواه، حضر إبليس لتجربة فاصلة: "قال له إبليس: إن كنت ابن الله فمر هذه الحجارة أن تصير أرغفة. فأجابه يسوع قائلاً: مكتوب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة من الله!" (لو1: 3، متى4: 2) فشل إبليس، ولم يعرف شيئاً. "ثم أخذه إبليس إلى المدينة المقدسة وأوقفه على جناح الهيكل،

وقال له: إن كنت ابن الله فألقِ بنفسك إلى ما أسفل لأنه مكتوب: أنه يوصي ملائكته بك فتحملك على أيديها لئلا تصدم بحجر ما رجلك! فقال له يسوع: مكتوب أيضاً: لا تجرب الرب إلهك". فشل إبليس أيضاً ولم يستفد شيئاً: فشل في معرفة شخصية المسيح الحقيقية، فحاول أن يغيّر اتجاه رسالته للتسلّط عليه وإغرائه بسلطان الدنيا: "فأخذه أيضاً إبليس إلى جبل عال جداً، وأراه جميع ممالك الدنيا ومجدها في لحظة وقال له: أعطيك كل هذا السلطان، ومجد هذه الممالك- فإنها لي وأنا أعطيها لمن أشاء- فإن أنت سجدتَ أمامي فهي لك بأجمعها. عندئذٍ قال له يسوع: إليك عني يا شيطان! فإنه مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد. حينئذٍ تركه إبليس وإذا ملائكة أقبلت وصارت تخدمه" (لوقا4 متى4). في التجربة الثالثة تجرأ إبليس وعرض عليه أن يسجد له ويخضع له، ويسير تحت سيطرته وهو يعطيه السلطان على جميع ممالك الأرض: فطرده يسوع بازدراء ولم يفلح الشيطان بإغوائه والتسلّط عليه، ولم يعرف من هو في سر شخصيته. فأيُّ نبي عُرِض عليه مثل هذا العرض ولم يُفتن؟ كاد يفتن محمداً بأهون من ذلك، بكسب أهل مكة إلى التوحيد، "فقد أقبلت وأخذت تخدمه"، وسيد الشياطين، فقد هزمها في أخطر تجاريبها وإغراءها.

2)إبليس والشياطين تعرف قبل البشر من هو يسوع

يذكر الإنجيل في حوادث ثلاثة تطور الشيطان في معرفة يسوع منذ مطلع رسالته.

-كان السبت الأول في كفرناحوم، ووقت الصلاة: "فدخل يسوع المجمع وأخذ يعلّم. فبهتوا من تعليمه لأنه كان يعلّم كمن له سلطان، لا كالكتبة (علماء الشريعة). وكان في المجمع رجل به روح نجس فصاح قائلاً: ما لنا ولك يا يسوع الناصري: لقد أتيت لتهلكنا! إني أعرف من أنت: إنك قدوس الله! فأمره يسوع قائلاً: "اخرسْ واخرج

من هذا الرجل!" فهزه الروح النجس في عنق، وصاح بصوت جهير وخرج منه. فذهل الجميع حتى سأل بعضهم بعضاً قائلين: ما هذا! تعليم جديد! بسلطان! إنه يأمر الأرواح النجسة فتطيعه!" (مرقس1: 21- 28).

لقد توصل إبليس إلى معرفة يسوع معرفة ابتدائية: "إنه قدوس الله". والمسيح يظهر منذ أول معركة مع إبليس والشياطين أمام الشعب أنه سلطان عليهم. وعرف الشيطان هدف رسالة يسوع: "لقد أتيتَ لتهلكنا!". وقد بدأ هذا الإهلاك بأمرٍ سامٍ لا مرد له، بخروج الشيطان، بكلمة، من رجل، في وسط المجمع، أمام حشد المدينة للصلاة.

-في مساء هذا السبت الأول في كفرناحوم، وقد انقضت عطلته: "ولما غربت الشمس أخذ جميع الذين لهم مرض بشتى العلل، يأتون بهم إليه. فكان يضع يده على كل واحد منهم ويشفيهم. وكانت الشياطين تخرج من كثيرين وهي تصرخ قائلة: "أنت ابن الله". فكان ينتهرها ولا يدعها تتكلم لأنها كانت تعلم أنه المسيح" (لوقا4: 38- 41 مرقس1: 21- 34).

هنا ازداد الشيطان معرفة ليسوع أنه المسيح. تأكد ذلك من السلطان المعجز الفريد الذي يشاهده في يسوع: بلمسة يد يشفي جميع المرضى، وبكلمة يخرج الشياطين من كثيرين، مما لم يره إبليس وجنوده من أحد في تاريخ النبوءات.

- بعد مدة وجيزة "انصرف يسوع مع تلاميذه إلى البحر وتبعه جمع غفير من الجليل. وسمع جمع كثير من اليهودية وأورشليم وأدوم وعبر الأردن، وضواحي صور وصيداء، بكل ما صنع فأقبلوا إليه. وأمر تلاميذه أن تلازمه سفينة خشية أن يزحمه الجمع. فإنه كان قد شفى كثيرين. ولذلك كان من كان به داء كان يتهافت ليلمسه لأن قوة كانت تخرج منه وتشفي الجميع. وكانت الأرواح النجسة، إذا رأته تخرّ له وتصرخ قائلة: "أنت ابن الله!" وكان ينتهرها كثيراً ألا تشهره" (مرقس3: 7- 12، لوقا6: 17- 19). أخيراً تأكد الشيطان أن يسوع هو ابن الله.

كان إبليس في البدء يطمع أن يسجد له يسوع. وهنا إبليس تأكد من شخصية يسوع "أنه ابن الله" فيسجد هو للمسيح: يسجد إبليس أمام

هذه القوة الخارقة التي لا قبل له بها، التي تشفي جميع الأمراض بلمسة، وتقهر الشياطين بكلمة وترغمهم على التخلي عن ضحاياهم والخروج منها. فصارت الشياطين بمجرد مرأى المسيح تسجد له وتعترف به ابن الله فإبليس والشياطين عرفوا يسوع واعترفوا به قبل البشر.

3)استخذاء إبليس أمام يسوع والإقرار بسلطان المسيح عليه

رأينا "أن الأرواح النجسة كانت، إذا رأته، تخرُّ له وتصرخ قائلة: أنت ابن الله"! (مرقس3: 12 لوقا6: 19) وقد عرفوا غاية رسالته: "لقد أتيت لتهلكنا"! (لوقا4: 40) فاستذلوا واستخذوا أمامه.

"وأفْضَوا من كفرناحوم إلى عبر البحر إلى أرض الجراسيين، وما أن خرج من السفينة حتى استقبله من القبور إنسان به روح نجس. وكان يسكن في القبور، ولم يكن بوسع أحد أن يضبطه حتى بسلسلة. وكان قد سُد مراراً بقيود وسلاسل، فقطَّع السلاسل وحطَّم القيود، ولم يقوَ أحد على قمعه. وكان على الدوام، ليلاً ونهاراً، في القبور وفي الجبال يصيح ويهشم نفسه بالحجارة. فلما رأى يسوع من بعيد بادر إليه وسجد له، وصرخ بصوت جهير: "مالي ولك يا يسوع ابن الله العلي؟ ... أجئت إلى هنا أيضاً قبل الأوان لتعذبنا (متى8: 29).... ناشدتك الله أن لا تعذبني!" ... وطلب إليه بإلحاح أن لا يرسلهم إلى خارج البقعة. قال له: اخرج أيها الروح النجس من هذا الرجل" فخرج. (مر5).

بدأ جندُ إبليس يشعرون بسلطان المسيح عليهم، ويستخذون أمامه، وعندما يلمحونه من بعيد يُهرولون إليه ويسجدون له، ويستذلون من ملاحقته لهم: "أجئت أيضاً إلى هنا قبل الأوان لتعذبنا". ولشدة فزعهم من المسيح كانوا "يستحلفونه بالله أن لا يعذبهم!". كان الشيطان سلطان العالم، وجاء "سيد المرسلين، النبي العربي" يتقي شره بالاستعاذة منه في

كل وجع، وفي كل مساء، وقبل كل صلاة وقراءة للقرآن. وفي الإنجيل، عندما يرى الشيطان المسيح مقبلاً يصغُر، ويَذِلّ، ويخاف من سلطانه، ويشعر بالعذاب من مجرد وجوده وظهوره: "فتعجب الجموع قائلين لم يظهر قط مثل هذا في إسرائيل"! (متى9: 33). مع أن الأنبياء قد مَلأوا تاريخ إسرائيل بالمعجزات، فلم يَرو الكتاب مثل هذا السلطان على الشيطان.

وجال يسوع جولة في الشمال وجولة في الجنوب حتى دنا يوم فاصل في كشف المسيح لرسله عن سر شخصيته في التجلي: يسوع يتجلى أمامهم فيصير وجهه منيراً كالشمس وثيابه أبيض من الثلج. ويظهر موسى سيد الشريعة، وإيليا سيد النبوة يؤديان الطاعة له، ويكشفان للرسل بحديثهم مع المسيح سر نبوءاتهم عن مسيح الصليب. وإذا غمامة- علامة حضور الله في الكتاب- قد ظللتهم، وصوت من الغمامة يقول: "هذا هو ابني الحبيب، فاسمعوا له". ثم نـزلوا من الجبل فوجدوا باقي التلاميذ والشعب في ضجة وحيرة لحضور شاب يصرعه شيطان "فسأل أباه منذ كم من الزمن يصيبه هذا؟ فقال منذ صباه، وكثيراً ما ألقاه في النار أو في الماء ليهلكه... فقال يسوع: أيها الروح الأصم الأبكم، أنا آمرك اخرج منه ولا تعد إليه من بعد!- فصرخ الروح وهز الولد في عنف شديد وخرج" (مرقس9: 14- 29). مشهد رائع لا مثيل له في تاريخ النبوة: السيد يأمر العبد فيطيع.

بالحقيقة أن المسيح في الإنجيل سيدٌ على "سلطان هذا العالم" إبليس وجنوده.

4)يسوع يعطي من سلطانه على الشياطين لرسله، دليلاً على ملئه فيه وفيضه

أرسل المسيح تلاميذه في جولات رسولية تدريبية، وزودهم بالسلطات التي تؤيد رسالتهم لدى الشعب: "ثم دعا تلاميذه الاثني عشر وقلدهم سلطاناً لكي يطردوا الأرواح النجسة ويشفوا كل مرض وكل سقم" (متى10: 1). أعطى المسيح رسله معجزة تشهد لهم، فكانت إعجازاً في العمل، لا إعجازاً في البيان وجوامع الكلم: والإعجاز بالكلم للخاصة لا للعامة؛ ولكن الإعجاز في الخوارق يلمسه كل الشعب من كل أمة ولغة. أعطاهم معجزة في سلطان لا مثيل له على أمراض البشر، وعلى الشياطين

لكي يطردوها. وعلى إحياء الموتى (متى10: 8) وسلمهم أيضاً سلطانه في الوحي والتعليم "لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم هو المتكلم فيكم" (10: 20) فأعطاهم سلطانه المعجز في القول والعمل، لا في القول وحده.

مرة أخرى أرسل مع رسله الاثني عشر، بعضاً من تلاميذه نحو اثنين وسبعين: "وبعد ذلك عيّن الرب أيضاً اثنين وسبعين تلميذاً آخرين وأرسلهم اثنين اثنين، أمام وجهه إلى كل مدينة وكل موضع كان مزمعاً أن يقدم إليه... ورجع الاثنان والسبعون فرحين وقالوا: أن الشياطين أنفسها تخضع لنا باسمك! فقال لهم: لقد رأيت الشيطان ساقطاً من السماء كالبرق... فها أنا ذا قد أعطيتكم سلطاناً أن تدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة للعدو، وما من شيء يضركم... أجل فقد دفع إلي أبي كل سلطان!" (لوقا10).

سلطان المسيح على إبليس وذريته سلطان إلهي مطلق يقدر أن يسلّم منه رسله وتلاميذه. وقد فرحوا في جولاتهم التدريبية لخضوع الشياطين لهذا السلطان المسيحي. وفرحوا أكثر فأكثر، بعد ارتفاع المسيح إلى السماء وحلول الروح القدس الفارقليط على الرسل: "وكان الجمع يبادرون من المدن المجاورة لأورشليم حاملين المرضى والمعذبين بالأرواح النجسة، وكانوا جميعهم يشفون" (أعمال5: 16) قال الرسول الحبيب: "أجل من امتلائه نحن كلنا أخذنا، ونعمة فوق نعمة" (يو1: 16).

5) مؤامرة إبليس الأخيرة للقضاء على المسيح

دخل يسوع إلى أورشليم عاصمة الدين والدولة اليهودية، دخول الفاتحين تنفيذاً لنبوة عن المسيح الملك، أتمها في ذاته وأظهر للسلطات والشعب أنه سيد الموقف وأنه لو أراد لأنشأ المُلك الذي بعضهم يخشون، وبعضهم ينتظرون. ولكن كان مقدراً في أسرار الله التي يحملها المسيح معه أن يحكُم المسيح بالصليب، وأن يخلص العالم من سلطان الشيطان والخطيئة والضلال بآلامه وموته. وقد مَثَّلَ لذلك كثيراً في أقواله. منها في هذا المساء الحافل وقد باشرت بوادر الأمم تأتي إلى يسوع فقال: "لقد حانت الساعة التي فيها يمجد ابن البشر! الحق الحق أقول لكم: إن حبة الحنطة

التي تقع في الأرض، إن لم تمت فإنها تبقى وحدها، وأما إن ماتت فإنها تأتي بثمر كثير!" (يو 12: 23- 24)

وأمام هذه الذكرى، ذكرى موته الذي فيه الحياة والخصب يرتعش المسيح ويقول: "الآن نفسي قد اضطربت....ماذا أقول؟ .....يا أبتاه، أنقذني من هذه الساعة....ولكن لأجل هذه الساعة قد جئت.... أيها الآب مجّد اسمك! فجاء صوت من السماء: قد مجّدته! وسأمجّده أيضاً! وسمع الجمع الواقف هناك فقالوا: هو رعد ! وقال آخرون: قد كلّمه ملاك! فأجاب يسوع وقال: ليس من أجلي كان هذا الصوت، بل من أجلكم.... الآن دينونة هذا العالم! الآن رئيس هذا العالم يلقى خارجاً! ...وأنا متى رفعت عن الأرض اجتذبتُ إليَّ الجميع. – قال يسوع ليدل على أية ميتة كان مزمعاً أن يموتها" (يو 12: 23- 33). ويتمثل الصراع الأخير مع إبليس أمام المسيح، فيقول باستعلاء: "الآن سلطان هذا العالم يأتي! ولكن ليس له عليَّ سبيل!".

يسوع يعلن أن المعركة الفاصلة بينه ونين إبليس قد حضرت، وأن النصر النهائي قد لاح.

يتخذ الشيطان أعوانه في هذه المحاولة الأخيرة اليائسة للقضاء على يسوع من السلطات اليهودية التي شهد بيلاطس، الوالي الروماني، أنهم إنما أسلموه إليه للإعدام، حسداً من عند أنفسهم لا غيرة على العقيدة والشريعة الموسوية. كان يسوع يقول لهم دائماً: أبوكم ابليس وتعملون دائماً أعمال أبيكم (يو 8: 44). والواسطة الثانية المباشرة هو يهوذا الخائن، تلميذ المسيح: "ودخل الشيطان في يهوذا الملقب بالاسخريوطي الذي كان من عداد الاثني عشر. فمضى وفاوض رؤساء الكهنة وقواد الحراس على طريقة تسليمه إليهم:

ففرحوا واتفقوا أن يعطوه فضة، فقبل، وأخذ يترقب فرصة مؤاتية ليسلمه إليهم على غير علم من الجميع" (لوقا 22: 3) وفي عشاء الوداع رأى يهوذا أن الفرصة مؤاتية في هذه الليلة "إذ كان إبليس قد ألقى في قلب يهوذا بن سمعان الاسخريوطي العزم على تسليمه" (يوحنا 13: 2). وبعد أن تناول اللقمة، لقمة المحبة، من يد يسوع "دخل فيه الشيطان. فقال له يسوع: ما أنت فاعله، فافعله عاجلاً!" (13: 27). "فلما خرج يهوذا قال يسوع: الآن تمجّد ابن البشر و تمجّد ابن الله فيه. إن كان الله قد تمجد فيه فالله أيضاً يمجّده في ذاته وسيمجّده عن قريب" (13: 31). فالمسيح يرى في آلامه وموته مجد الله ومجده، والنصر المبين على ابليس وأعوانه. في استشهاد يسوع يظهر أن الشيطان هو الغالب ولكن في الواقع هو المغلوب: لأن موت المسيح، في تدبير الله، كان الضحية التي يطلبها الله عن البشرية لتحريرها من سلطان إبليس: "بموت المسيح كان القضاء على سلطان هذا العالم" (يوحنا 16: 11) هذا ما أعلنه يسوع لتلاميذه في وداعه لهم.

لم يستسلم يسوع عن عجز وضعف! بل في ساعة الخيانة، في بستان الزيتون، يصرع على الحضيض يهوذا مع المتآمرين، بكلمة. ويقول لبطرس الذي حاول المقاومة وهم يسمعون: "قفوا عند هذا الحد! الكأس الذي أعطاني الآب، الا أشربها؟ ....أتظن أني لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبي فيرسل إليّ أكثر من اثني عشر جيشاً من الملائكة؟..... ولكن هذه ساعة سلطان الظلمة وساعة أعوانه". ضحية المسيح على الصليب واستشهاده، ضحية المحبة والرضى المتبادل بين الله الآب والمسيح ابنه، وبين المسيح والبشرية رعيته: "إن أبي يحبني لأني أبذل حياتي لكي أسترجعها أيضاً. لن ينتزعها أحد مني وإنما أنا أبذلها باختياري: فلي سلطان أن أبذلها ولي سلطان أن استرجعها أيضاً. تلك هي الوصية التي تلقيتها من أبي" (يو 10: 17).

ظن إبليس وأعوانه أنهم قضوا على المسيح بصلبه وقتله؛ ولكنه كان استشهاداً، وضحية عن البشرية لتحريرها من سلطان إبليس: "محا الصك المكتوب علينا الذي كان ضدنا بأحكامه، وأزاله مسمّراً إياه على الصليب.

وجرّد الرئاسات والسلاطين وشهرهم إذ سيّرهم في موكبه الظافر" (كولسي 2: 14).

وبسبب استشهاده وضحيته "نرى يسوع مكللاً بالمجد والكرامة لكونه قد قاسى ألم الموت، حتى يكون الموت الذي قاساه مفيداً لكل أحد بنعمة الله" (عبر 2: 9).

صارع يسوع، بدل البشرية، التي كان يتسلط عليها إبليس، صراعها الأكبر مع إبليس وملائكته وجنوده: "إن مصارعتنا ليست ضد اللحم والدم! بل ضد الرئاسات ضد السلاطين، ضد ولاة عالم الظلمة هذا، ضد أرواح الشر المنبثة في الهواء: فاتخذوا سلاح الله الكامل لتتمكنوا من المقاومة في يوم الشر، ومن الثبات حتى تمام الظفر" (أفسس 6: 12). فاستسلم يسوع المسيح للآلام والموت، حتى باستشهاده يصرع نهائياً إبليس ويحرر البشرية من سلطانه: "فكما أنه بزلة واحد كان القضاء على جميع الناس، كذلك ببر واحد يكون لجميع الناس تبرير الحياة. لأنه كما جُعِلَ الكثيرون خطأة بمعصية إنسان واحد (آدم) كذلك بطاعة واحد (المسيح) يجعل الكثيرين أبراراً" (رو 5: 18- 19).

وهكذا "فقد برهن الله عن محبته لنا بأن المسيح قد مات عنا ونحن بعد خطأة. فكم بالأحرى ونحن مصالحوه نخلص بحياته. وليس هذا فحسب فإنا أيضاً نفتخر بالله بربنا يسوع المسيح الذي به نلنا به الآن المصالحة" (رو 5: 10). مصالحة عامة شاملة حررت الخليقة كلها من سيطرة إبليس: "ففي المسيح قد ارتضى الله أن يحل الملء كله، وأن يصالح به، لنفسه، كل ما على الأرض وفي السماوات، بإقراره السلام بدم صليبه" (كولسي 1: 19).

إذا كانت ضحايا الحيوانات في هيكل سليمان، وإذا كانت ضحايا الحيوانات على جبل عرفات قرب مكة، تقرب إلى الله، فكم بالأحرى ضحية المسيح كلمة الله وروح الله تقرب الله إلينا وتقربنا إلى الله؟ "هذا هو السر الذي كان مكتوماً منذ الدهور والأجيال، والذي أعلنه الله لقديسه في الإنجيل"

(كولسي 1: 26). فقد قال المسيح قبل ضحيته: "هذا هو دمي، للعهد الجديد، يهراق عنكم وعن الكثيرين لمغفرة الخطايا".

* * *

قبل المسيح كان إبليس وملائكته سلاطين هذا العالم. فكانت رسالة المسيح صراعاً واستشهاداً لتحرير البشرية من سلطان إبليس.

القرآن الكريم يُظهر محمداً مثل سائر الأنبياء والمرسلين، في خوف وحذر من سلطان إبليس عليهم. فكان محمد يصلي، وعَلَّمَ أمته أن تصلي قبل كل عمل وكل صلاة وكل قراءة للقرآن: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم": استعاذة دائمة لاتقاء شره. والإنجيل المقدس يُظهر المسيح سلطان إبليس، والشياطين يرجفون منه هلعاً، ويخرون له ساجدين. وكان موت المسيح الضربة القاضية على سيطرة إبليس وجنوده على العالم (يوحنا 16: 11).

كان إبليس "سلطان هذا العالم" (يو 12: 31، متى 12: 29) و"إله هذا الدهر" (2 كو 4: 4) يخشاه الناس أجمعون، والأنبياء والمرسلون. وكان محمد يستعيذ بالله دائماً من سلطان إبليس ويقول: "رب أعوذ بك من همزات الشيطان وأعوذ بك رب ان يحضرون". والمسيح وحده ظهر سلطاناً على "سلطان هذا العالم" وإلهاً على "إله هذا الدهر".

يظهر لنا الإنجيل هذا السلطان على الشيطان في حياة المسيح ورسالته، وخصوصاً في يوم الدين، حيث يتجلى المسيح سلطان الملائكة والشياطين، ويقضي على إبليس وملائكته القضاء الأبدي:

"ومتى جاء ابن البشر بمجده وجميع الملائكة معه، حينئذ يجلس على عرش مجده وتحشر لديه جميع الأمم. حينئذ يقول الملك للذين عن يساره: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية التي أعدت لإبليس وملائكته... فيذهب هؤلاء إلى العذاب الأبدي". ملك يوم الدين له السلطان على إبليس والشياطين.

* * *

يتلخص موقف محمد من الشيطان في القرآن: نبي ورسول يخشى إبليس،

ويستعيذ بالله من حضور الشياطين في كل سانحة (مؤمنون 68) حتى في نـزول الوحي وتلاوة القرآن "وإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم" (نحل 98).

ويتلخص موقف المسيح من إبليس وجنوده أن له السلطان عليهم في الدنيا وفي الآخرة. في الدنيا يستخذون أمامه ويتوسلون إليه: "أستحلفك بالله ألا تعذبنا" (مرقس 5) فإبليس يهرب منه وملائكة الله تخدمه (متى 2: 10). وفي يوم الدين، هو ملك يوم الدين، يقضي عليهم القضاء الأبدي مع أوليائهم: "اذهبوا عني يا ملاعين، إلى النار الأبدية التي أعدت لإبليس وملائكته"....

عبد يخافهم! وسيد يخيفهم!

الصفحة الرئيسية