الفصل الثالث:

كمال المسيح الأخلاقي

ذكر القرآن للمسيح مركزاً ممتازاً وخاصاً به في الكمال، فبينما نراه قد سجل على جميع البشر نقصهم الأخلاقي، وسقوطهم تحت سلطان الإثم بلا تفريق بين الأنبياء والرسل جميعاً، نراه قد أقرّ للمسيح بالتنزيه عن الآثام والعصمة من الشرور والخطايا. فالقرآن قد صرّح بأن البشر أجمعين سقطوا تحت سلطان الخطية وكانوا من الآثمين، وهذا واضح من قوله: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً (سورة مريم 19: 71) كما أنه سجل على جميع الأنبياء سقوطهم في الشر المبين، ماعدا المسيح وحده، فقد أقرّ له بالعصمة والتنزيه.

وها نحن نورد على سبيل المثال شيئاً من تلك التصريحات العديدة التي سجل فيها القرآن خطايا الأنبياء والمرسلين. فقال عن آدم: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (سورة طه 20: 121) وقال عن نوح: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً (سورة نوح 71: 28) فقد أثبت عليه هنا الإستغفار، ولا يستغفر إلا آثم. كما سجل على إبراهيم الكذب في حادثة تكسير الأصنام، إذ يقول: فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ,,, قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسَأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (سورة الأنبياء 21: 58-63) وكذلك: وَالّذي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (سورة الشعراء 26: 82) وأثبت على موسى الضلال بقوله: قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالّينَ (سورة الشعراء 26: 20) وشهد عن داود بسقوطه العظيم ثم استغفاره وتوبته: وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (سورة ص 38: 24 و25)

ونكتفي بهذا القدر القليل الذي أوردنا على سبيل المثال عن اعتراف القرآن بسقوط الأنبياء والمرسلين،فالإسلام صرّح بنقص البشر الأخلاقي، وسجل على أفاضل الناس وخيرة الأنبياء والمرسلين ارتكاب الأوزار وإتيان الخطايا، وطلبهم الصفح والغفران.

أما المسيح الممجد فالقرآن يرفعه إلى أسمى عليين، ويخلع عليه مقاماً خاصاً ومركزاً ممتازاً، إذ يثبت له عصمته من الآثام وحده دون البشر أجمعين، ويقرّ له بتنزيهه عن الشرور، فلا يسجل له خطية ولا يذكر له وزراً كباقي الرسل والأنبياء. ومن الجهة الأخرى يورد عنه عصمته وكماله، فقد ذكر على لسانه: وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً (سورة مريم 19: 31 ، 32) وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (سورة آل عمران 3: 36)

وقال الرازي في تفسيره لكلمة المسيح: في ذلك مذاهب نأتي بملخص بعضها. منها أنه مُسح من الأوزار والآثام ... ومنها أنه مسحه جبريل بجناحه وقت ولادته ليكون ذلك صوناً له عن مس الشيطان. كما قال عند تفسيره آية: وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين إنه وجيه في الدنيا بسبب أنه مبرَّأ من العيوب، وفي الآخرة بسبب كثرة ثوابه وعلو درجته عند الله (الرازي مجلد 3 وجه 676). وهذه كلها تنطق ببراءة المسيح من الذنوب وعصمته عن الآثام والشرور، وتثبت له في الإسلام مركزاً ممتازاً من جهة كماله الأخلاقي، وتفرد له مقاماً خاصاً من دون البشر جميعاً.

يُضاف إلى هذا، ويؤيده بكيفية قاطعة تلك الأحاديث التي تشهد بعصمته دون جميع الأنبياء والمرسلين، فقد ورد عن أبي هريرة: سمعت رسول الله يقول ما من مولود من بني آدم إلا نخسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً من نخسه إياه إلا مريم وابنها. وروى البخاري هذا المعنى فقال: كل ابن آدم يطعنه الشيطان في جنبه بأصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم، ذهب ليطعن فطعن في الحجاب .

وقال الغزالي: لما وُلد عيسى ابن مريم عليه السلام أتت الشياطين إبليس فقالت: لقد أصبحت الأصنام منكسة الرؤوس. فقال: هذا حادث قد حدث، مكانكم، حتى أتى خافقي الأرض فلم يجد شيئاً. ثم وجد عيسى عليه السلام قد وُلد، والملائكة حافين به، فرجع إليهم فقال: إن نبياً قد وُلد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا أنا حاضرها إلا هذا، فايْأسوا أن تُعبد الأصنامُ بعد هذه الليلة، ولكن ائْتوا بني آدم من قبل العجلة والخفة (أحياء العلوم للغزالي جزء 3 وجه 37) .

وكل هذا إقرار صريح بعصمة السيد المسيح، وانفراده وحده بالعصمة والكمال. ولم يكن الإسلام في هذه الآيات والأحاديث والتأويلات وما يشبهها إلا مصدقاً لما بين يديه في التوراة والإنجيل من الشهادات العديدة عن كمال المسيح وبراءته من كل ذنب أو تجريح فهو الّذي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلَا وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ (1 بطرس 2: 22) وهو الذي استطاع أن يتحدى خصومه قائلاً: مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ (يوحنا 8: 46)

فإذا كان الإسلام قد أقرّ للمسيح بأنه هو الواحد الأحد الذي عاش منذ مهده بريئاً من كل إثم، نقياً من كل دنس، كاملاً معصوماً. في الوقت الذي حُكم فيه على جميع البشر بما فيهم الأنبياء والرسل بالسقوط والتدنس. إذا كان هذا مركز المسيح الأخلاقي في الإسلام، وإذا ذكرنا أن العصمة هي لله وحده المنفرد بالكمال دون شريك أو شبيه، فهل نخطئ حين نقول إن الإسلام يقر للمسيحية بصحة عقيدتها عن لاهوت المسيح الممجد؟

الخلاصة

ميّز الإسلام المسيح عن جميع البشر واعترف له بالعصمة والكمال، مما يدفع إلى الاعتقاد بلاهوته، لأنه لا كامل إلا الله.

الصفحة الرئيسية