سفر حزقيال

 

كنيسة السيدة العذراء بالفجالة

 

 

المقدمة. 1

الإصحاح الأول. 5

الإصحاح الثانى. 22

الإصحاح الثالث.. 25

الإصحاح الرابع. 29

الإصحاح الخامس.. 32

الإصحاح السادس.. 35

الإصحاح السابع. 38

الإصحاح الثامن. 42

الإصحاح التاسع. 45

الإصحاح العاشر. 48

الإصحاح الحادى عشر. 52

الإصحاح الثانى عشر. 56

الإصحاح الثالث عشر. 59

الإصحاح الرابع عشر. 62

الإصحاح الخامس عشر. 65

الإصحاح السادس عشر. 66

الإصحاح السابع عشر. 73

الإصحاح الثامن عشر. 76

الإصحاح التاسع عشر. 78

الإصحاح العشرون. 80

الإصحاح الحادى والعشرون. 85

الإصحاح الثانى والعشرون. 89

الإصحاح الثالث والعشرون. 93

الإصحاح الرابع والعشرون. 98

الإصحاح الخامس والعشرون. 103

الإصحاح السادس والعشرون. 107

الإصحاح السابع والعشرون. 111

الإصحاح الثامن والعشرون. 114

الإصحاح التاسع والعشرون. 118

الإصحاح الثلاثون. 123

الإصحاح الحادى والثلاثون. 126

الإصحاح الثانى والثلاثون. 131

الإصحاح الثالث والثلاثون. 135

الإصحاح الرابع والثلاثون. 138

الإصحاح الخامس والثلاثون. 141

الإصحاح السادس والثلاثون. 142

الإصحاح السابع والثلاثون. 147

الإصحاح الثامن والثلاثون. 151

الإصحاح التاسع والثلاثون. 156

الهيكل الجديد 160

الإصحاح الأربعون. 164

الإصحاح الحادى والأربعون. 172

الإصحاح الثانى والأربعون. 177

الإصحاح الثالث والأربعون. 180

الإصحاح الرابع والأربعون. 184

الإصحاح الخامس والأربعون. 189

الإصحاح السادس والأربعون. 193

الإصحاح السابع والأربعون. 196

الإصحاح الثامن والأربعون. 200

 

 


 

المقدمة

حينما نقترب من كتابات الأنبياء التى تحدثنا عن المستقبل يتكرر فى أسماعنا ما قيل ليوحنا فى رؤياه (4 : 1) "أصعد هنا فأريك". ونبوة حزقيال التى إشتهرت بصعوبتها تحتاج لفهمها صعوداً بالفكر إلى أعلى وإبتعاداً عن الأرضيات. وكلما نجحنا فى هذا يزداد فهمنا لها وتزداد الأعماق التى يأخذنا إليها الروح القدس، كما تزداد المياه المقدسة عمقاً (حزقيال 47). ففى البداية تبدو هذه المياه وكأننا فى موضع نستطيع أن نسبر غورها ومع التقدم نكتشف كم هى عميقة، ولكن مع هذا العمق يخرج من مجاريها ما يفرح مدينة الله حيث يسكن الله مع شعبه. وكثيرون يهملون دراسة هذه النبوة، ولكن هناك تساؤل يرغمهم على مراجعة أنفسهم.... ماذا لو قابلهم حزقيال فى السماء وسألهم.. هل قرأتم نبوتى ؟.. ماذا يا ترى سيكون جوابهم ؟!!

 

شخص الكاتب

الكاتب هو حزقيال، ومعنى أسمه "قوة الله" أو "تقوى بالله" أو تمنطق بحزام. وهذا الإسم يشير لما عمله النبى فعلاً إذ قد قواه الله وأظهر قوته فيه، وعموماً من يدعوه الله للخدمة يمنحه القوة للتنفيذ، ولكن كان الشعب فى أيام حزقيال فى حالة سيئة جداً، والله أعطاه القوة ليتنبأ بلا خوف لهذا الشعب، وليتنبأ بالخراب على أورشليم بسبب خطايا شعبها، لذلك قال له الله "ها قد جعلت وجهك صلباً مثل وجوههم حز 3 : 8".

وقد تنبأ حزقيال فى أوائل فترة السبى، وكان هو ودانيال ضمن المسبيين. وعاش حزقيال بجوار نهر خابور. وكان متزوجاً. ولد حوالى سنة 623 ق م. وكان والده وإسمه بوزى كاهناً من نسل صادوق. إذاً فقد عايش النبى الخدمة الكهنوتية فى الهيكل، وكان يحلم فى صباه بالكهنوت حينما يصل لسن الثلاثين التى يبدأ فيها الكاهن عمله. ولكن جاء السبى وحطم هذه الأمال.

 

زمن كتابة النبوة ومكان كتابتها

كتبت أثناء سبى بابل حيث استُعبِد إسرائيل. لذلك كتبت للمسبيين هناك. ومن المعروف أن حزقيال ودانيال هما النبيين الوحيدين اللذين تنبآ خارج إسرائيل بإستثناء يونان الذى أرسل ليتنبأ لنينوى. وقد ذهب الشعب للسبى بسبب سقوطهم فى العبادات الوثنية وإحتقارهم للأنبياء وخطاياهم المتعددة. ولكن الله لم يتركهم بل أرسل لهم هذا النبى وسط أحزانهم وألامهم فى السبى ليقنعهم بالتوبة، وليتأكدوا أن ما يحدث لهم ليس هدفه إفنائهم بل تأديبهم. وفى السنة الخامسة من السبى أى الخامسة من ملك صدقيا وقبل خراب أورشليم النهائى سنة 586 ق م. إنفتحت السموات لأول مرة أمام حزقيال ليرى رؤيا الرب والمركبة الإلهية النارية فيبدأ عمله النبوى الذى إستمر 22 عاماً. ولقد بدأ عمله النبوى من السنة الخامسة من السبى (1 : 2) حتى السنة 27 من السبى 29 : 17 وفى السنة 25 كتب الإصحاحات 40 – 48 (40 : 1).

 

 

 

مادة النبوة وموضوعها

كثير منها غامض يصعب فهمه، ولكن بالإتضاع الشديد والإرتفاع عن الأرضيات سوف تخرج بفوائد كثيرة، وما سوف نعرفه من أسرار هذه النبوة سيقوى إيماننا ويوطد رجاؤنا فى إلهنا. وهذا فيما يختص بالرؤى، أما العظات فهى سهلة وتتحدث عن تعديات الشعب على وصايا الله وتدعوهم للتوبة عوضاً عن التذمر ويتضح من النبوة أن الشعب بدأ يصدقه ويلتف حوله عندما وصل رسول من أورشليم ينبئ بسقوط المدينة حسب ما كان حزقيال يتنبأ به. وكان قلب النبى يتمزق من أخبار خراب الهيكل وأورشليم، ولكننا نجد بعد ذلك أن الله الذى يحب أن يعزى أولاده، فتح عينيه ليرى رؤى متعددة عن أورشليم جديدة وهيكل جديد يحمل سمات العصر الماسيانى، عصر الإنجيل وتأسيس مملكة المسيح. ونرى فى نبوة حزقيال أن الله يريه ما يحدث فى أورشليم بالرغم من وجوده فى بابل، ونرى النبى يتنبأ على من فى أورشليم.

والسفر يشتمل على الوعيد بالخراب ثم وعود معزية بأيام بركة، فالله لا يدمر لينتقم بل ليؤدب، وهذا ما قاله لأرمياء 1 : 10. ودائماً هناك بقية تستفيد من التأديب (نوح وفلكه ينجو من الطوفان، ولوط وبناته ينجوا من سدوم).

 

إستشهاده

تقول تقاليد اليهود أن المسبيين قتلوه فى بابل بسبب أمانته وجرأته وتوبيخه لهم، ويقال أنهم سحلوه على الأحجار وظلوا يسحبونه حتى تحطم رأسه.

 

أقسام السفر

1-  تهديدات قبل سقوط أورشليم، وإنذارات بعقوبة الخطية، ودعوة للتوبة إصحاحات (1 – 24)

2-  نبوات ضد الأمم الذين ظلموا شعب الله (25 – 32)

3- نبوات عن الرجوع من السبى، وفضح حالتهم الراهنة، ووصف لرجوع اليهود فى المستقبل وهلاك أعدائهم وسعادتهم الروحية، وهى نبوات تتكلم عن عودة اليهود من بابل، لكنها تشير لزمان ملك المسيح فى كنيسته (33 – 39)

4-  الهيكل الجديد وأورشليم (40 – 48)

 

الخط العام للسفر

فى الإصحاح الأول نرى الله فى مجده، وفى هذا إشارة للحالة التى خلق عليها آدم فى الجنة، إذ كان يرى الله. وبسبب الخطية فقدنا رؤية الله، وهذا ما نلمسه فى الإصحاحات (2 – 24). إذ دخل الفساد والخراب للعالم بسبب الخطية. وفى الإصحاحات (25 – 32) نبوات ضد الأمم وهى ترمز للشيطان وهذه نبوات بضرب مملكة الشيطان. ثم تأتى الإصحاحات (33 – 39) التى تشير لإسرائيل الجديد أى الكنيسة فالله يقلع ليغرس، يقلع إسرائيل القديم ليزرع إسرائيل الجديد أى الكنيسة. يخلع الإنسان العتيق لتحيا الكنيسة كخليقة جديده. وتأتى الإصحاحات 40 – 48 لتشرح هذه الكنيسة بطريقة رمزية فهى تتكلم عن هيكل جديد يتم تأسيسه، والهيكل الجديد هو جسد المسيح

 يو 2 :21

سبى بابل

تم هذا السبى على أربع مراحل. وبدأ سنة 606 ق م وإنتهى سنة 536 ق م.

 

І) السبى الأول      П) السبى الثانى       Ш) السبى الثالث      ІV) السبى الرابع   

وبدأ السبى سنة 606 ق م. فى أيام يهوياقيم الملك وإنتهى سبى بابل بسقوط دولة بابل ومجئ كورش ملك الفرس للحكم، وتحرير السبايا سنة 536 ق م. أى أن مدة السبى كانت 70 سنة حسب ما تنبأ أرمياء النبى 25 : 12 + 29 : 10

1- يوشيا :- بدأت فى عهد هذا الملك الصالح إصلاحات كثيرة، ولكنها للأسف لم تستطع أن تصلح من أحوال الشعب الداخلية، بل إقتصرت الإصلاحات على الممارسات الطقسية دون تغيير فى قلب الشعب الذى كان قد فسد، وبدأت نبوة أرمياء النبى خلال حكم هذا الملك، وإستمر يتنبأ لمدة 18 سنة خلال ملكه، ثم أكمل نبواته لمدة تربو على الأربعين عاماً. وقتل يوشيا فى معركة مع نخو فرعون مصر الذى أقام إبنه يهو أحاز ملكاً على يهوذا.

2- يهو أحاز :- كان شريراً وعزله نخو وأسره إلى أن مات فى مصر. وأقام أخوه يهوياقيم بدلاً منه.

3- يهوياقيم :- كان شريراً جداً، وحدث فى عهده إرتداد للوثنية. وفى سنة 606 ق م. هزم نبوخذ نصر نخو ملك مصر فى معركة كركميش وإستولى على أملاكه ومن ضمنها مملكة يهوذا، وجاء نبوخذ نصر إلى أورشليم وإستولى على جزء من آنية بيت الله، وسبا بعض سكان أورشليم وكان منهم دانيال ورفاقه (وكان هذا السبى الأول) دا 1 : 1. ثم عصى يهوياقيم وتمرد فحذره أرمياء من عاقبة ذلك عليه وعلى الشعب والهيكل وأورشليم، ولكنه حينما رأى الدرج الذى به نبوات أرمياء مزقه وألقاه فى النار. وصعد عليه نبوخذ نصر وأسره فمات فى الطريق كنبوة أرمياء عليه أر 36 : 29 – 31 + 22 : 18، 19. وتم هذا فى 2أى 36 : 6، 7. وكان هذا بعد ما حوصرت أورشليم بجيوش بابل لمدة 18 شهراً. وفى هذه المرة لم يحرق نبوخذ نصر أورشليم ولا هدم الهيكل ولا الأسوار، ولكنه أخذ سبايا (وكان هذا هو السبى الثانى)

4- يهوياكين :- إبن يهوياقيم، وكان شريراً. وحاصر نبوخذ نصر أورشليم ثانية فى أيامه، فإستسلم هو ومن معه، فسباهم نبوخذ نصر إلى بابل مع آخرين. (وكان هذا السبى الثالث). وملك متانيا عمه بإسم صدقيا (2مل 24 : 10 – 16). وفى هذا السبى الثالث تم سبى حزقيال حز 1 : 1، أى بعد دانيال بحوالى ثمان سنوات. وهنا إنكسر قلب حزقيال حينما رأى آنية بيت الرب وقد نهبها الوثنيون، كما حملوا معهم أيضاً خيرة الشباب للسبى وهو منهم

5- صدقيا :- كان شريراً ونجس الهيكل بالعبادات الوثنية، وتمرد بعد ملكه بثمان سنوات على نبوخذ نصر فى السنة التاسعة لحكمه وحاصر أورشليم، وهرب صدقيا وقبضوا عليه، وقتلوا أولاده أمام عينيه ثم قلعوا عينيه، وأخربوا أورشليم وهدموا سورها وهيكلها، وأحرقوا كل شئ، وسبوا سكان أورشليم، ولم يتركوا سوى مساكين الأرض (وكان هذا هو السبى الرابع) 2مل 25 : 1 – 21. وكانت هذه المراحل للسبى، حتى يعطيهم الله فرصاً للتوبة، فالله يطيل أناته لعل طول أناته تقتادنا للتوبة رو 2 : 4. وكان هدم الهيكل وخرابه سبباً لكسر قلب كل يهودى حقيقى، خصوصاً حزقيال النبى. لذلك ولكى يعزى الله حزقيال النبى والكاهن ويعزى المؤمنين الأتقياء، أظهر الله أن الهيكل سيعاد بنائه (إصحاحات 40 – 48) ولكن كان المقصود حقيقة بهذه الإصحاحات، كنيسة المسيح كما سنرى فى حينه   


 

الإصحاح الأول

مدخل النبوة : فى هذا الإصحاح نجد الظروف العامة التى قيلت فيها هذه النبوة وزمانها ومكانها وشخص كاتبها. ومدخل هذه النبوة رؤيا غير عادية لشبه مجد الله ونتلمسه من :

1-  حضور الله وحاشيته فى العالم العلوى حيث عرشه محاط بالملائكة ويسميهم هنا المخلوقات الحية.

2-  العناية الإلهية التى يوليها الله لعالمنا ممثلة فى البكرات (العجلات) وحركتها.

3-  وجه يسوع المسيح على عرشه.

وحينما يتكلم الله فعلينا أن نسمع بإنتباه وتوقير ومن الخطورة ألا نفعل ذلك.

 

الأيات 1 – 3 :- كان في سنة الثلاثين في الشهر الرابع في الخامس من الشهر و انا بين المسبيين عند نهر خابور ان السماوات انفتحت فرايت رؤى الله. في الخامس من الشهر و هي السنة الخامسة من سبي يوياكين الملك. صار كلام الرب الى حزقيال الكاهن ابن بوزي في ارض الكلدانيين عند نهر خابور و كانت عليه هناك يد الرب.

تحديد زمان ومكان النبوة وإسم قائلها يعطيها واقعية ويجعلها جديرة بالثقة، فلا تبدو وكأنها قصة خيالية. ومن المفيد لنا أن نحتفظ بسجل لمعاملات الله الطيبة معنا، كما قال الرب لموسى "اكتب هذا تذكاراً فى الكتاب خر 17 : 14" ويكون حينما نعود لهذه الذكريات المعزية لعطايا الله أننا نمتلئ بأحاسيس الشكر لله وأحاسيس الفرح والثقة فى الله.

فى السنة الثلاثين = قد تكون سن النبى كما قال أوريجانوس، وقد تكون السنة الثلاثين لبدء إصلاحات يوشيا بعد عثوره على نسخة التوراة فى الهيكل، وقد تكون السنة الثلاثين من حكم نبو بلاسر والد نبوخذ نصر ملك بابل. وأغلب الظن أن هذه المناسبات الثلاث قد إجتمعت معاً فى هذه السنة، فالبابليين يحسبون تقويمهم من سنة تملك ملكهم، واليهود يبدأون تقويمهم من زمن بدء إصلاحات ملكهم يوشيا، إشتياقاً لرجوعهم من السبى. وقد توافق هذا التوقيت مع السنة الثلاثين من عمر النبى الذى كان مقرراً أن يبدء عمله الكهنوتى فيها، ولم يحدث بسبب السبى، فدعاه الله لما هو أسمى، أى للعمل النبوى، إذ رأى أمانة قلبه "كنت أميناً فى القليل أقيمك على الكثير مت 25 : 21"

طرق الله فى الرعاية والتأديب :- كانت هذه الرؤيا وسط ظروف كئيبة حتى يعزى الله شعبه المسبى عند نهر خابور. فقد كان هؤلاء المسبيين حسب ما أسماهم أرمياء النبى هم "التين الجيد". وهؤلاء أرسلهم الله لبابل لأجل صلاحهم (أر 24 : 5). ولأجل صلاحهم النسبى لم يتركهم الله فى أورشليم التى كان الله ناوياً أن يضربها ويهدمها، فترك فيها التين الردئ، ولأجل صلاح المسبيين النسبى أقام الله لهم نبياً فى وسطهم ليعلمهم أن التأديب كان لخروجهم عن الناموس، ونلاحظ أن السبى كان عصا للتأديب بينما كان حزقيال شاهداً بكلمة الله حاملاً بها للمسبيين العزاء، فعلينا أن نستمع بجدية لكلمة الله وسط الحزن والألم، فتكون للعزاء وسط الألم، فأن كلمة الله وعصاه يعملان فى تناغم عجيب (هارمونى)، فكلمة الله تعزى وتسند المتألم وتشرح عصا التأديب والعصا تدعيم للكلمة، وكلاهما يعطيان حكمة ويقودان الإنسان المؤمن للكمال. ونلاحظ أن خطايا الشعب ورفضهم تحذيرات الأنبياء، بل سخريتهم منهم كان مدعاه لكى يرسلهم الله للسبى، وبالرغم من هذا فحينما كانوا يئنون من أثار خطاياهم هذه كان الله يشجعهم ويعزيهم. وشئ من هذا قد يصيبنا حينما يلقى الله إلينا بتأديباته من أجل خلاص نفوسنا فنرفضها بغباوة، ونرفض معها دون أن ندرى تعزيات الله. وهذا ما يعنيه مرنم النشيد حين يقول "شماله تحت رأسى (التأديبات) ويمينه تعانقنى (التعزيات) 2 : 6 "وهذا ما يعنيه المرنم أيضاً بقوله عصاك وعكازك هما يعزياننى مزمور 23 : 4

ونلاحظ أن الله أرسل لهم النبى فى السنة الخامسة من السبى وليس قبل ذلك ولقد تركهم الله طويلاً بدون أنبياء ولا تعزية، تركهم ينوحون أمامه وليس من يدلهم، وكان هذا حتى يقدروا النبى الذى سيرسله لهم ويقبلوه ويقبلوا رسالته، ونلاحظ أن الله ترك أرمياء لأهل أورشليم وأرسل حزقيال للمسبيين، فالله يرسل معلم لأولاده فى كل مكان.

كان النبى ضمن المسبيين بجانب أنهار بابل الذين علقوا قيثاراتهم على الصفصاف مز 137 : 1 – 6. وهكذا يسمح الله أن يحمل الراعى النير مع شعبه. وحزقيال وهو من رجال الله الأحباء، بل هو من أحسنهم نجد الله يسمح له بأن يشترك مع شعبه الخاطئ فى نكبته، وهكذا قد نرى كثيرين من أولاد الله الأعزاء يجربون فى النكبات العامة لهذه الحياة، بل يتحملون عقوبات خطايا لم يرتكبوها، وبهذا يتشبهون بالسيد المسيح، فهم بهذا يشعرون بالألام التى تقع على المتألمين، ولكن الفرق بين الصالح والشرير لا يكون فى الأحداث التى تقع على كليهما، بل فى موقفهم من هذه الأحداث، ومقدار العزاء والصبر والسلام الذى به يتلقون هذا الألم. وهذا يؤكد عظم المكافأة التى لهم أيضاً فى السماء. ويحدث هذا كله بسماح من الله، فكلمات الإدانة والنصح والتعزية التى نسمعها فى حياتنا تأتى أوقع حينما نسمعها من الذين يعانون نفس الألام، ولقد قيل عن السيد "فيما هو تألم مجرباً يقدر أن يعين المجربين (عب 2 : 18) فهؤلاء المسبيين البسطاء يتعلمون أفضل من خبرات راعيهم حزقيال رجل الله المسبى والمتألم مثلهم.

ونلاحظ أن النبوة ليست حكراً على أرض إسرائيل وحدها، بل هناك نبوات وسط الكلدانيين مما يعطى إشراقة أمل لكنيسة المسيح التى يشترك فيها الأمم مع اليهود، والله مازال يدعو جميع البشر وينذرهم وأيضاً يقبلهم. ومن هنا نفهم أنه فى أى مكان فى الأرض يمكن أن نظل فى شركة مع الله. إن حالة رجل الله لا تتوقف فى أى زمن على ظروفهم الخارجية أو أوضاعهم فى المجتمع الذى يعيشون أو يكرزون فيه، فقد سمح الرب للرسل أن يقيدوا ويسجنوا... ولكن " كلمة الله لا تقيد 2تى 2 : 9" ففى سجن بولس الرسول لم تقيد كلمة الله، وأيضاً يوحنا الرسول وهو منفى فى بطمس رأى رؤياه، وخدام الله الذين يعانون كانوا يعاملون على أنهم المفضلين وتعزياتهم غير مقيدة (2كو 1 : 5). وهنا نجد أن حزقيال رأى رؤياه العجيبة هذه وهو مسبى فى بابل.

الرؤيا العجيبة

جاءت هذه الرؤيا العجيبة، وفتحت السموات لحزقيال ليرى أموراً سماوية رمزية عجيبة وعظيمة لترفع نفس الشعب الذى تأثر بعظمة البابليين وآلهتهم الوثنية وكانت الرؤيا لحزقيال ليقرره الله كنبى مرسل، وهكذا حدث مع إشعياء (أش 6) وأرمياء (أر 1) وإبراهيم (أع 7 : 2). وبدأ الله مع كل منهم برؤيا عظيمة، حتى لا يحتاجوا كل مرة لرؤيا مع إعلان، فعلى من يخدم الله ويدعو لمحبته أن يعرف أكثر ويدخل إلى العمق ليؤثر فى القلوب، ولهذا أيضاً سمح الرب لتوما أن يضع إصبعه فى جروحه حتى يزول منه كل شك قبل أن يبدأ الكرازة. ولذلك حتى يرسل الله حزقيال بقوة ويعطيه دفعة طول العمر فى خلال مدة خدمته الصعبة فتح الله له السموات، الله بهذا كان يعده إذ يسمع صوت الله فى ملء القوة مباشرة فيذهب ممتلئاً بكل قوة.

وكانت عليه هناك يد الرب = يد الرب تمتد مع كلمته حتى تصبح مؤثرة، أى أن يد الرب كانت عليه لتفتح عينيه وأذنيه فيرى ويسمع ويدخل كل هذا لقلبه فيفهم. ويد الرب كانت عليه لتحفظه فلا يهلك حين يرى مجد الرب كما كانت يد الرب على موسى ليحفظه خر 33 : 22. وكانت يد الرب عليه حتى تقيمة وتدعمه عندما سقط عند قدمى الرب كميت (1 : 28 + 2 : 1، 2) وهذا حدث مع يوحنا رؤ 1 : 17

 

الأيات 4 – 14 :- فنظرت و اذا بريح عاصفة جاءت من الشمال سحابة عظيمة و نار متواصلة و حولها لمعان و من وسطها كمنظر النحاس اللامع من وسط النار. و من وسطها شبه اربعة حيوانات و هذا منظرها لها شبه انسان. و لكل واحد اربعة اوجه و لكل واحد اربعة اجنحة. و ارجلها ارجل قائمة و اقدام ارجلها كقدم رجل العجل و بارقة كمنظر النحاس المصقول. و ايدي انسان تحت اجنحتها على جوانبها الاربعة و وجوهها و اجنحتها لجوانبها الاربعة. و اجنحتها متصلة الواحد باخيه لم تدر عند سيرها كل واحد يسير الى جهة وجهه. اما شبه وجوهها فوجه انسان و وجه اسد لليمين لاربعتها و وجه ثور من الشمال لاربعتها و وجه نسر لاربعتها. فهذه اوجهها اما اجنحتها فمبسوطة من فوق لكل واحد اثنان متصلان احدهما باخيه و اثنان يغطيان اجسامها. و كل واحد كان يسير الى جهة وجهه الى حيث تكون الروح لتسير تسير لم تدر عند سيرها. اما شبه الحيوانات فمنظرها كجمر نار متقدة كمنظر مصابيح هي سالكة بين الحيوانات و للنار لمعان و من النار كان يخرج برق. الحيوانات راكضة و راجعة كمنظر البرق.

ما هو القصد الإلهى من هذه الرؤيا ؟

1- يعطى الله لحزقيال فكرة عظيمة ومؤثرة عن نفسه، ليشعر بشرف خدمة الله وكأنه أصبح أحد ملائكته المرسلين. وليعطى حزقيال قوة قادرة أن تدفعه خلال سنوات خدمته، فلا يعتذر عن هذه الخدمة الثقيلة بسبب غلظة الشعب.

2- يستثير خوف الشعب سواء فى أورشليم أو فى بابل، الشاعرين بالأمان الزائف بالرغم من خطاياهم مستهينين بتحذيرات الأنبياء أن أورشليم ستخرب

3- يعزى الخائفين الذين إرتعدوا من كلامه وتواضعوا أمام يده القديرة. مع أنهم ليسوا فى أورشليم المدينة المقدسة، مع أن هناك كثيرين يتذكرون الله فقط فى المواضع المقدسة، وعندما يغادرونها يعتبرون أنفسهم متحررين من وصايا الله.

4-  يعطى فكرة كإعلان مسبق أن الكنيسة ستكون فى كل مكان ولجميع شعوب الأرض

5- نرى الله هنا مخدوماً بواسطة ملائكته، وهم رسله وخدامه ينفذون أوامره ويصغون لصوت كلمته، فندرك عظمة الله ونثق فيه، ويثق فيه هؤلاء المسبيين فى بابل. بل يدركوا تفاهة أوثان بابل مهما كانت عظمتها.

ريح عاصفة... نار متواصلة... سحابة = فى الإعلان عن مجد الرب، غالباً ما تظهر هذه الأمور الثلاثة كما حدث يوم الخمسين، ريح عاصف يملأ البيت وألسنة نار تحل على التلاميذ أع 2 : 2. والرب كلم أيوب من العاصفة 38 : 1 وراجع خر 24 : 16 – 18 "وحل مجد الرب على جبل سيناء وغطاه السحاب... وكان منظر مجد إلهنا كنار آكلة" + "تث 4 : 24 الرب الهك هو نار آكلة" + "لأن إلهنا نار آكلة عب 12 : 29". والسحاب يلازم ظهور مجد الرب.

ريح عاصفة جاءت من الشمال = قد تكون لتنقية الجو لظهور مجد الله ولكنها تعبر عن الطاقة الإلهية التى تظهر فى حركات الطبيعة وتعلن فيها. وكلمة ريح وكلمة روح هما كلمة واحدة فى العبرية، وقد ربط السيد له المجد بينهما فى يو 3 : 8. فالريح هى إعلان عن عمل الروح القدس، وكما أن الريح لا يراها أحد ولكن نلمس أثارها فيما تحركه بشدة، هكذا الروح القدس لا يراه أحد ولكننا نلمس عمله فى تغيير القلوب بشدة. ونراه يحرك الأحداث كما حرك جيش الكلدانيين الآتى من الشمال ضد أورشليم الخاطئة وسفر أعمال الرسل يسمى سفر أعمال الروح القدس، فالروح القدس دائماً يعمل دون أن نراه ولكننا نلمس عمله :-

1-  فى هز أساسات القلب القديمة ليقيم منه مقدساً جديداً

2-  فى تحريك الأحداث لمجد الله، وهنا يحرك جيش بابل الذى سيغير على أورشليم مثل العاصفة أر 1 : 14

سحابة عظيمة = سبق ورأينا هبوب ريح عاصفة لكى تطرد الضباب الموجود فى المنطقة لتنقى السماء والهواء وليكون هناك صفاء ليظهر مجد الرب وهذا إعلان عن أن الله يلاشى الحواجز التى تمنعنا من أن نراه، فليس المهم أن يلاشى الله الضباب والسحاب حتى يظهر نوره، بل أن الله يميت الخطية فى القلب لنرى مجده، فالخطية هى التى تمنعنا من رؤية الله ومجده. وهذا ما رأيناه سابقاً أن الروح (الريح) تهز أساسات القلب لتقيم منه مقدساً جديداً، فيكون هناك صفاء فى الذهن قادر أن يعاين مجد الله. ومع أن الريح طردت ولاشت السحاب الصادر من الأرض (أى أفكار وشهوات الخطية) إلا أن الريح تلازمت وتزامنت مع سحابة أخرى عظيمة. فبعد صفاء الذهن وسلام القلب نستطيع أن نرى جيداً... ولكن نرى ماذا ؟ بالطبع لن نستطيع أن نرى كل شئ، ولن نستطيع أن نرى مجد الله ونحن فى هذا الجسد. "لا يرانى الإنسان ويعيش  خر 33 : 20". وهذا يكون طالما نحن فى جسد الخطية هذا رو 7 : 14 – 24. لذلك فقد رأى النبى أشباه الأشياء (حز 1 : 5،10، 13، 22، 26، 28). وهذا ما قاله بولس الرسول، أن الأشياء السماوية تكون مستورة عنا لا نستطيع أن نراها بل ما نراه يكون "كما فى لغز كما فى مرآة  1كو 13 : 12". وهذه السحابة التى ظهرت مع الريح العاصفة كانت لتحجب نور الله ومجده عن حزقيال فلا يموت، هى مثل السحاب الذى يحجب نور وحرارة الشمس فلا نرى سوى نوراً بسيطاً هكذا هذه السحابة حجبت عن حزقيال مالا يستطيع أن يراه وإلا يموت، فما رآه حزقيال كان بقدر ما تحتمل بشريته، وحتى ما رآه بعد أن حجبت السحابة معظم نور ومجد الله، ما رآه جعله يسقط كميت (1 : 28 + 2 : 1، 2) إذاً الريح العاصفة كانت لإعداد حزقيال ليرى، والسحابة كانت لتحديد ما يراه حزقيال لكى لا يهلك.

والسحابة لازمت ظهور مجد الله دائماً، فظهرت مع الشعب حين صاحبهم الله فى البرية، وظهرت فى تدشين خيمة الإجتماع والهيكل بعد ذلك فى أورشليم وظهرت السحابة فى صعود الرب، وسيأتى الرب على السحاب. وفى التجلى ظهرت سحابة. والسحاب فى إرتفاعه عن الأرض يشير لمجد الله القدوس المرتفع عن الأرضيات والمتسامى عنها كثيراً، والسحاب مصدر المطر، والمطر هو خير العالم، وأعظم خير لنا من فوق هو الروح القدس. لذلك فالماء فى الكتاب المقدس يشير لعطايا الروح القدس "من آمن بى تجرى من بطنه أنهار ماء حى  يو 7 : 28، 39".

بل أن القديسون تم تشبيههم بالسحاب فى كثرتهم وتساميهم عن الأرضيات "إذ لنا سحابة من الشهود مقدار هذه محيطة بنا عب 12 : 1. والعذراء شبهت بسحابة سريعة أش 19 : 1 هوذا الرب راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر.

نار متواصلة = كان الرب يتراءى لشعبه فى العهد القديم فى جبل سيناء ومنظره يشبه نار آكلة (مز 24 : 16، 17) وكان ظهوره لموسى فى العليقة كنار، وكان غضب الله ينصب أيضاً على الخطاة فى صورة نار تأكلهم

 عد 11 : 1، 2 + عب 10 : 27. والروح القدس حل على التلاميذ على هيئة ألسنة نار.

وقيل أيضاً عن ملائكة الله أنهم " رياحاً وخدامه لهيب نار عب 1 : 7" وخادم الله يجب أن يكون ملتهباً فى خدمته لأنه مكتوب "ملعون من يعمل عمل الرب برخاوة". ويكون ملتهباً أيضاً فى حبه لله، فهناك خطية عظيمة لا يعتبرها بعض الناس هكذا وهى نقص المحبة "عندى عليك أنك تركت محبتك الأولى رؤ 2 : 4 ". وهذه النار المتواصلة إشارة لأن الله قادر أن يملأ قلوب شعبه وخدامه بمحبة نارية إن هم لم يقاوموا عمل الروح القدس فيهم. ومن لا يمتلئ قلبه بالمحبة لا يستطيع أن يعمل لحساب الله.

وهذه النار أيضاً تنقى أولاد الله كما ينقى الذهب من الزغل بالنيران، هى نار تحرق الخطايا فى داخل قلوب شعب الله لذلك يسمى الروح القدس روح إحراق أش 4 : 4. حينما نمتلئ من الروح القدس فهو يحرق صورة الترابى ليعطى لنا صورة السمائى. ومن تحترق الخطية فى قلبه يلتهب قلبه بالحب.

وحولها لمعان = أى حول النار. فنحن لا يمكننا فى بحثنا عن الله أن نراه عياناً، كما لا يمكننا رؤية مجده، ولكن الذى نستطيع أن نراه من بهاء مجده هو هذا اللمعان، هذا هو ما أمكن النبى أن يراه من خلال السحابة. وكما رأى موسى قليلاً من مجد الله (خر 33 : 23)، رأى حزقيال هذا اللمعان، بقدر ما يحتمل.

النحاس = الذهب فى الكتاب المقدس ذكر أولاً تك 2 : 11 وهو يشير لمجد الله الذى كان آدم يعاينه وهو فى الجنة. ولذلك نسمع أن أورشليم السمائية كلها ذهب رؤ 21 : 18، 21 والمعنى أن ما فقده آدم، إذ بخطيته حرم من السماويات سنستعيده ثانية فى الحياة الأبدية وسنعود نرى مجد الله. وبينما ذكر الذهب قبل السقوط، كان أول ذكر للنحاس بعد السقوط فى تك 4 : 22. وقد ذكر مع عائلة قايين. وإستعمل النحاس فى صنع السلاسل التى يقيد بها الأسرى مثل شمشمون وصدقيا قض 16 : 21 + 2مل 25 : 7. وكان تهديد الله لشعبه إذا أخطأ أن السماء تصير نحاساً لهم أى لا تمطر تث 28 : 23 + لا 26 : 9 وهذه لعنة. ونسمع فى أش 48 : 4 أن النحاس يشير للعناد وقساوة القلب. وبهذا نفهم أن النحاس يشير للخطية والدينونة، فالمسيح صار خطية لأجلنا، ليدين الخطية ويدين إبليس، لهذا نرى قدماه نحاسيتان رؤ 1 : 15 ليدك بهما إبليس والخطية، أيضاً كانت الحية النحاسية ترمز للمسيح المصلوب، وكان مذبح المحرقة من نحاس ومذبح المحرقة رمز للصليب الذى به دان السيد إبليس والخطية. وقيد السيد المسيح إبليس بسلسلة رؤ 20 : 1، 2 (راجع أيضاً 2كو 5 : 21 + يو 3 : 14) فالنحاس إذاً يشير بإختصار لدينونة الخطية. وهنا حزقيال يرى من وسط النار كمنظر النحاس اللامع = وفى هذا إشارة لطبيعة عمل الملائكة المزمع أن يقوموا به ضد أورشليم، أى دينونة أورشليم الخاطئة، وسيكون هذا بتحريك جيش بابل ضد أورشليم. فالنحاس اللامع هذا يشير للملائكة فى هذه الرؤيا. وعملهم فى الدينونة نراه واضحاً فى حز 9 : 1 – 7. ونلاحظ فى آية 27 أن المسيح (وهذا سنراه فى حينه) له منظر النحاس اللامع أيضاً أى أن الملائكة يعكسون صورة الله، وأن الله يتصور فيهم. وهذا ما سوف يحدث لنا فى السماء نحن أيضاً فسنكون مثله لأننا سنراه كما هو 1يو 3 : 2 + فى 3 : 21. وهذا يبدأ لنا من الآن، إذ أن بولس يقول "يا أولادى الذين أتمخض بكم إلى أن يتصور المسيح فيكم غل 4 : 19". والمسيح يقول عن نفسه أنا هو نور العالم ويقول لنا أنتم نور العالم.

ومنظر النحاس اللامع من وسط النار يعبر عن التجسد الإلهى وإتحاد اللاهوت بالناسوت. فالنحاس يشير لجسد المسيح والنار تشير للاهوته. ونحن عرفنا أن المقصود فى آية 27 أنه هو المسيح إذ قيل عنه " وعلى شبه العرش شبه كمنظر إنسان" فهو ملك الملوك الذى سيتجسد فى ملء الزمان. ولا يوجد من له عرش تحمله الملائكة سوى الله.

شبه أربعة حيوانات = رأى حزقيال شبه أربعة مخلوقات حية، فكل ما كان يراه هو أشباه الحقائق لأنه يستحيل رؤية السماويات ونحن مازلنا فى هذا الجسد الترابى. وهذه الأربعة الحيوانات هى الكاروبيم كما يتضح من حز 10 : 1 ورآهم أيضاً يوحنا اللاهوتى فى رؤياه (4 : 6 – 8). وقيل عنهم فى الرؤيا أنهم مملوئين عيوناً إشارة لمعرفتهم غير المحدودة لله

إذاً الأربعة حيوانات هم ملائكة، ورآهم حزقيال فى هذا الشبه، كما كان يحدث فى اللغة الهيروغليفية من إستخدام أشكال للتعبير عن معانى الأشياء وهذه هى الأشكال التى رآها الله مناسبة لتصور العقل البشرى، ولنعرف شيئاً عن هؤلاء الملائكة ولنفهم عملهم. ونراهم من رحمة الله ومحبته وأيضاً فى محبتهم هم أيضاً للبشر أنهم أرواحاً خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص عب 1 : 14. وأعداد الملائكة ألوف ألوف وربوات ربوات (دا 7 : 10 ) وهم فى فرحهم بالله لا يكفون عن التسبيح رؤ 4 : 8 – 11 + 5 : 8 – 14 والملائكة لا تموت لو 20 : 36 فهم يستمدون حياتهم من الجالس على العرش وهكذا سنكون نحن فى القيامة. وعددهم أربعة، ولكلٍ أربع وجوه، فرقم 4 يمثل العالم الذى يديره الله بالملائكة، ورقم 4 يدل على أن كل حركة فى الأرض هى تحت سيطرة الله ضابط الكل، فمثلاً فى مت 24 : 31 نسمع أن الملائكة تجمع المختارين من الأربع رياح، وزكريا النبى رأى أربعة مركبات يتحركون خارجين لكل أنحاء الأرض (زك 6 : 1، 5) ويمثلون أرواح السماء الأربع خارجة من الوقوف لدى سيد الأرض كلها، والمعنى أن الله يؤكد سيطرته بعنايته الإلهية الفائقة عن طريق ملائكته الذين ينفذون مشيئته فى كل العالم.

هذا منظرها لها شبه إنسان = كلمة حيوانات غير دقيقة والترجمة الدقيقة "مخلوقات حية" ولهم شبه إنسان، فالحيوانات تنظر لأسفل دائماً، وهذا ما يفرق بينها وبين الإنسان الذى له رأس ينظر لفوق دائماً. وهؤلاء الملائكة إذ لهم شبه إنسان، إذاً هم لا ينظرون لأسفل أى ليس لهم أى شهوة أرضية، بل ينظرون لله ولا يشتهون سواه ولا يطلبون سوى مجد الله فقط فى كل ما يعملون، وفى كل ما يفكرون.

وقطعاً فى قوله شبه إنسان إشارة لأنهم مخلوقات عاقلة مدركة. وفى ظهورهم فى شبه إنسان كرامة للإنسان، ويشير هذا أيضاً أن الله يستخدمهم لتدبير أمور البشر بحسب مشيئته الإلهية. وفى هذه الأيات من سفر الرؤيا نراهم فى وحدة معنا يتكلمون بإسمنا... ألم يوحدنا المسيح بصليبه مع السمائيين وصار رأساً للسمائيين والأرضيين

 أف 1 : 10، والمسيح هو الذى جعل الإثنين واحداً أف 2 : 14  "أى السماء والأرض"

أما شبه وجوهها فوجه إنسان ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر بالإضافة للمظهر الإنسانى العام كان للكاروبيم أربع وجوه نفهمها كالتالى :-

1- حين يستخدمهم الله فى تنفيذ قضائه ضد أعدائه فهم عنفاء وأقوياء كالأسد وهم لهم حدة نظر فى تتبع الفريسة كالنسر. وحين يستخدمهم اللع لخدمة شعبه فهم كالثور فى القوة والتحمل فى العمل وميالين للخدمة، وهم لهم وعى وإدراك كالإنسان، عموماً فمع أن لهم منظر إنسان إلا أن إمكانيتهم تفوق البشر بمراحل. ففى القوة هم كالأسد وفى حدة البصر هم كالنسر... وهم فى تحليقهم فى السماويات كالنسر، ويروا الأسرار الإلهية من بعيد، أى لهم حدة بصر فى الأمور السماوية يعبر عنها بالنسر، ولكن مع أن لهم قوة الأسد وتحمل الثور فهم لهم رقة الإنسان.

2- يرى أباء الكنيسة أن كلمة كاروب تعنى معرفة، لذلك قيل عنهم أنهم مملوئين عيوناً رؤ 4 : 8. والمعنى أنهم يعرفون الله فهم يرونه

وكيف نعرف نحن الله ؟ نعرف الله خلال كلمات الكتاب المقدس. فلقد قيل عن المسيح أنه كلمة الله، والكتاب المقدس هو كلمة الله. والمعنى أنه كلما درسنا وتأملنا كلمة الله المكتوبة نرى كلمة الله إبن الله، ربنا يسوع ونعرفه فتكون معرفته حياة لنا "هذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك ويسوع المسيح الذى أرسلته يو 17 : 3. ونحن سوف نحيا للأبد بمعرفتنا لله، وهذا هو معنى الأكل من شجرة الحياة الأبدية (رؤ 22 : 2) بمعنى أن معرفة الله ستكون لنا حياة أبدية.

ونسمع أن الله جالس على الشاروبيم مز 18 : 1 + مز 80 : 1 + مز 99 : 1 فما معنى أن الله جالس على الشاروبيم ؟ الجلوس معناه الراحة. أى أن الله يرتاح فيهم.. وذلك لأنهم يعرفوه حقاً. والله يرتاح فينا إذا عرفناه، وهذا يأتى عن طريق دراستنا للكتاب المقدس. لذلك شبه الأباء إنجيل متى بالإنسان، أى يرمز لإنجيل متى بوجه الإنسان للكاروبيم (فإنجيل متى أكثر من تكلم عن المسيح كإبن للإنسان) ويرمز لإنجيل مرقس بوجه الأسد (فإنجيل مرقس مهتم بإبراز قوة المسيح للرومان) ويرمز لإنجيل لوقا بوجه الثور (فهو يبدأ بالكهنوت، كهنوت زكريا) وإنجيل يوحنا يرمز له بوجه النسر (إذ يحدثنا عن لاهوت المسيح).

وعن طريق الأربعة الأناجيل نعرف المسيح، وبهذا نتحول لمركبة كاروبية ويرتاح الله فينا. ومن يرتاح الله فيه يحيا إلى الأبد، لذلك فمعرفة الله ومعرفة يسوع المسيح هى حياة أبدية. والمعنى أنه من خلال المعرفة التى نحصل عليها من الأناجيل تصير حياتنا مركبة تحمل فيها الله.

3- ولكن الله لا يستريح إلا فيمن تقدس، وكيف نتقدس ؟ إننا نتقدس بعمل المسيح الفدائى والذى يشير له الأربعة الحيوانات فوجه الإنسان يشير لتجسد المسيح، ووجه الثور يشير لأنه قدم نفسه ذبيحة على الصليب، ووجه الأسد يشير لقيامته، ووجه النسر يشير لصعوده.

4- وماذا يعنى التقديس ؟ يعنى أن تتقدس كل طاقاتنا، أى تعمل لحساب مجد الله، وهذا يشير إليه أيضاً الوجوه الأربعة للحيوانات فوجه الإنسان يشير للقوى العقلية والذهنية فى الإنسان، ووجه الأسد يشير للقوى العضلية، ووجه الثور يشير للقوى الشهوانية ووجه النسر يشير للقوى الروحية. وهذه القوى جميعاً تقدست بعمل المسيح الفدائى. فأصبح الإنسان كمركبة تحمل الله.

5- وحينما يتقدس الإنسان يستطيع أن يشفع فى الخليقة، فالكاروبيم بهذه الوجوه الأربعة يشفعون فى كل الخليقة، فوجه الإنسان يشير لشفاعة الكاروبيم عن البشر، ووجه الثور يشير لشفاعة الكاروبيم عن حيوانات الحقل، ووجه الأسد يشير لشفاعة الكاروبيم عن حيوانات البرية، ووجه النسر يشير لشفاعة الكاروبيم عن الطيور، ولكن لا شفاعة عن الزواحف فمنهم الثعبان (إشارة لمن يتبع الشيطان) ولا شفاعة عن الأسماك (إشارة لمن غرق فى بحر هذا العالم بشهواته). ومن تقدس وعرف الله يستطيع أن يشفع فى الخليقة، فخطية الإنسان لعنت الأرض، والأرض والخليقة تنتظر حرية مجد أولاد الله حتى تعتق من عبودية الفساد رو 8 : 21 وهكذا قيل أنه بسبب الأنبا بولا يفيض نهر النيل فى مصر.

والكاروبيم لهم قصتهم مع الإنسان فبعد الخطيئة، وقف ملاك كاروبيم يمنع البشر من الوصول لشجرة الحياة الأبدية، وذلك معناه أن الله لا يريد أن الإنسان يحيا للأبد وهو مشوه بالخطية. وفى سفر الرؤيا نجدهم يسبحون الله على خلاص الإنسان. فهم مهتمون بخلاصنا وبحياتنا الأبدية ولكن بدون التشوهات التى لحقت بنا بسبب الخطية. ونجد هنا كاروبين مظللين فوق تابوت العهد يكلم الله من خلالهما موسى ورؤساء الكهنة، وكانوا ناظرين للغطاء المغطى بدم الكفارة، وكأنهم شهود على رحمة الله. وبهذا يظهر الله لنا محبة الكاروبيم، وهم فى معرفتهم لله يعرفون محبته للبشر، وهم شهود على رحمته بالبشر.

لكل واحد أربعة أجنحة = الملائكة أرواح وليس لها أجنحة مرئية وتصويرهم هنا بأجنحة إشارة إلى أنهم يطيرون صعوداً لله وينزلون للبشر لتنفيذ مشيئة الله، وبعد أن ينفذوا مشيئة الله يصعدون ثانية ليقدموا حساب عن عملهم لله. وقارن مع أش 6 : 2 حيث نجد أن السرافيم لهم ستة أجنحة بإثنين يغطى وجهه وبإثنين يغطى رجليه وبإثنين يطير. وقارن مع رؤ 4 : 8 حيث نجد أن الكاروبيم لهم أيضاً ستة أجنحة. ومن هذا نفهم أن تغطية وجوههم تعطينا فكرة عن عظمة مجد الله، وأن حتى الكاروبيم لا يحتملونه. وتغطية أجسامهم تعنى الخشوع أمام الله، وأنهم فى تواضع يخفون أنفسهم ليظهر مجد الله فقط لا مجد أنفسهم، فهذه مثل "ينبغى أن هذا يزيد وإنى أنا أنقص كما قال يوحنا المعمدان عن المسيح. والسؤال إذا كان للكاروبيم ستة أجنحة فلماذا رأى حزقيال لهم أربعة أجنحة فقط ؟ الإجابة تتضح بمقارنة مكانهم الذى رآهم فيه أشعياء (6 : 2) حيث قيل أن أشعياء رأى السارافيم فوق العرش أما حزقيال فلقد رأى الكاروبيم تحت العرش، فإذا كانوا فوقه يحتاجون لجناحين يغطون بهما وجوههما، أما لو كانوا تحت العرش فهم لا يستعملون هذين الجناحين. وهناك رأى آخر أن هذين الجناحين هما المقبب الذى فوق رؤوسهم حز 1 : 22

وأجنحتها متصلة الواحد بأخيه = هذا تعبير عن الوحدة بينهم والإتفاق العام حيث أن هناك سلاماً كاملاً فى السموات

أما أجنحتها فمبسوطة = غير مطوية، وهذا إشارة لأنهم فى حالة إستعداد دائم لتنفيذ أوامر الرب فوراً.

أرجلها أرجل قائمة = أى مستقيمة ثابتة، ولا تثنى بسبب صعوبة الخدمة ولا تكل. كما قيل عن عريس النشيد أن ساقاه عمودا رخام نش 5 : 15

أقدام أرجلها كقدم رجل العجل = والعجل يشق الحافر وهذا إشارة لطهارة الحيوان بحسب شريعة العهد القديم. والمقصود طهارة إتجهاتهم وحركاتهم. أى إستعدادهم لتنفيذ مشيئة الله بلا أى تردد أو تمرد، هم رهن المشيئة الإلهية أما من يكون فى حالة تذمر وتمرد على أحكام الله فهذا يكون غير طاهر. والحيوان الطاهر له صفتين بحسب شروط الناموس 1) يشق الحافر  2) يجتر 

والحافر هو الجزء الميت فى جسم الحيوان. وفى تأمل صفات الطهارة نستنتج أن الإنسان الطاهر هو من له نفس الصفات أى :-

1-  يكون الجزء الميت فيه (الجسد) مشقوقاً أى يصلب شهواته رو 12 : 1 + غل 5 : 24

2- أن يجتر ويردد كلام الله وإسم الله طوال اليوم تث 6 : 4 – 9 + 1تس 5 : 17 وهذا ما يعمله هؤلاء الملائكة الطاهرين فهم :- لا يطلبون شيئاً لأنفسهم بل هم يطلبون مجد الله، وهذا نراه فى تغطيتهم لأجسامهم بأجنحتهم أمام الله وهم لا يكفون عن تسبيح الله قائلين قدوس قدوس قدوس أش 6 : 3. بل هم يسبحون الله على عمله وفدائه للإنسان رؤ 5 : 9 – 14 + رؤ 4 : 8 – 11

أيدى إنسان تحت أجنحتها = لا نرى إنسان فى هذا المشهد السماوى إلا ذاك الذى يجلس على العرش (حز 1 : 26) أى إبن الله فى أحد ظهوراته قبل التجسد، وهو يظهر هنا فى شبه إنسان كإشارة  1) أنه سيأخذ جسد إنسان فى ملء الزمان  2) أنه يدبر حياة البشر كضابط الكل، وأنه يهتم بالإنسان ويرسل ملائكته لتنفيذ مشيئته وخطته تجاه البشر، وهذا معنى ظهور أيدى إنسان تحت أجنحتها، فالملائكة تعمل بقوة ذاك الجالس على العرش، وبحسب ما يحركهم، الإبن هو الذى يعطيهم الحركة، ولاحظ أن أيدى الإنسان تحت الأجنحة، والأجنحة وظيفتها الحركة، أى أنه هو الذى يحركهم... وذلك لتدبير كل أمور البشر. وقوله أيدى إنسان تحت أجنحتهم تذكرنا بقول بولس الرسول عن الإبن أنه حامل كل الأشياء بكلمة قدرته عب 1 : 3. والعجيب أننا نرى فى هذا المشهد أن الملائكة تحمل العرش، وأن الله يحمل الملائكة. فالله ليس فى حاجة لمن يحمل عرشه فهو حامل الجميع حتى الملائكة، ولكنه يعطى كرامة للملائكة بأن يجعلهم حاملى العرش، والله ليس فى حاجة لى كإنسان، لكنه يبحث عن قلب طاهر محب له يرتاح فيه ويسكن عنده، ويتحول هذا القلب إلى مركبة كاروبية تحمل الله فى داخلها، وفى نفس الوقت تكون يد الله هى التى تحمل هذا الإنسان وتحركه وتعمل به، وإذا كان الله هو الذى يعمل فى الإنسان ويحركه، فهل يصح أن يفتخر الإنسان بأى نجاح يحققه، راجع 1كو4 : 7 + 1كو 15 : 10 + يع 1 : 16، 17. وهذا هو معنى "لا تعرف شمالك ما تفعله يمينك" وهذا معنى أن أيدى الإنسان تحت الأجنحة أى أن الله هو العامل حقيقة

لم تدر عند سيرها = أى حركة بلا تردد، ولا إلتفات للوراء كإمرأة لوط، وهكذا قيل عن المسيح " وحين تمت الأيام لإرتفاعه ثبت وجهه لينطلق إلى أورشليم لو 51:9 " أما الإنسان، فقد يسير فى طريق الله يوماً منفذاً إرادة الله، ثم نجده يوماً آخر يدور فى إتجاه مضاد باحثاً عن إرضاء شهواته، منشغلاً بأمور تافهة. هذا ما يعبر عنه بالعين البسيطة أى أن الإنسان لا يكون له سوى هدف واحد هو مجد الله، وهكذا هم هؤلاء الملائكة = كل واحد يسير إلى جهة وجهه = حيثما وجهه الله، الذى يده تحت أجنحتهم يوجههم، ينطلقون بلا تردد إلى حيث تكون الروح لتسير تسير = هذا الروح قد تكون روحهم هم وحسب ما يقودهم الروح فإلى هناك يذهبون. فهم أرواح لا أجساد لهم تعوقهم، أما نحن فحينما نريد أن نعيش بالروح، نجد الجسد ضعيف لا يستطيع أن يتابع نشاط الروح، بل أن كلاهما، أى الجسد والروح يقاوم أحدهما الآخر (غل 5 : 17) (على أن هذا ليس مبررا للتكاسل فمن يستجيب لعمل الروح سيجد معونة كافية ولن يكمل شهوة الجسد غل 5 : 16، 25). وكل من يستجيب لضعف الجسد وشهواته لن يستطيع أن يكمل الصلاح الذى يريده الروح أن يعمله. أما الملائكة كأرواح لا يعوقهم أى عجز جسدى، وهكذا سنكون فى السماء حين نلبس الجسد الممجد الذى لن يكون عائقاً لنا، بل حينئذ سنكون كملائكة الله مت 22 : 30

وقد يكون الروح هنا فى هذه الآية هو روح الله القدوس الذى يحركهم. عموماً فهم كأرواح مقدسة، هم خاضعين لقيادة الروح القدس. ونقول أنهم كأرواح مقدسة، قد وضعوا أنفسهم بكل مالهم من حكمة تحت تصرف الإرادة الإلهية ليحققوا خطة الله وينفذوا أوامره فى طاعة وبساطة وهكذا كل من يسلك بالروح، فالروح القدس يقود روحه، وروحه تقود جسده، فيكون بكليته خاضعاً لعمل الروح القدس. وفى حالة الملائكة نجد الصورة المثلى لهذا فالروح القدس يقود أرواحهم بلا أى مقاومة فهم أرواح بلا أجساد.

شبه الحيوانات فمنظرها كجمر نار.. كمنظر مصابيح.. هى سالكة بين الحيوانات فى الترجمة الإنجليزية تزداد الآية وضوحاً وتجئ هكذا "شبه الحيوانات فمنظرها كجمر نار... كمنظر مصابيح، والنار تروح وتجئ بين الحيوانات" وراجع ص 12 لترى أن النار إشارة لعمل الروح القدس النارى فيهم، هو يشعلهم ليصيروا كجمر نار، ويكونوا كمصابيح. الروح القدس وسطهم يحركهم ويشعلهم بالحب فيصرخون قائلين "قدوس قدوس قدوس". الطبيعة النارية لله هى  1) تشعل الحب فى قلوب أولاده، وتحرق أشواك الخطية فيهم وكلما إحترقت أشواك الخطية، كلما إزداد الحب إشتعالاً. 2) أما بالنسبة للخطاة، فالله كنار آكلة، ويصير لهم الله ناراً تحرقهم وتبيدهم وهذا ما سنراه فى تنفيذ العقوبات على أورشليم حز 10 : 2 "إملأ جفنتيك جمر نار من بين الكاروبيم وذرها على المدينة". وهذه المحبة الملتهبة فى قلوب هؤلاء الملائكة تظهر فى تنفيذهم الفورى لأوامر الله، ثم رجوعهم فى إشتياق إلى الله بعد أن ينفذوا أوامره وهذا ما تم التعبير عنه هكذا = الحيوانات راكضة وراجعة كمنظر البرق هم لا يطيقون الإبتعاد عن إلههم سر بهجتهم، ولا يطيقوت أيضاً إلا أن ينفذوا إرادته، فهذا هو الحب، لذلك يذهبون للتنفيذ ويعودون كالبرق، وهل نتعلم منهم سر الفرح الحقيقى، أن ننهى أعمالنا الأرضية سريعاً، ونرجع بأقصى سرعة عائدين لحضن إلهنا الحنون فى مخدعنا. ولاحظ أنهم لإمتلائهم من الروح القدس، فهم صاروا مخلوقات نيرة، نورانية، كمصابيح، أما الشيطان يقال عنه سلطان الظلمة لو 22 :53 وبنفس المفهوم فكل من يمتلئ الآن من الروح القدس يكون نوراً للعالم مت 5 : 14. أما من يسلك فى الخطية ويطفئ الروح القدس الذى فيه فهو فى الظلمة يو 3 : 19 + رو 13 : 12 + أف 5 : 11 + يو 12 : 35

ونلاحظ أن النبى حين تطلع لهذه الحيوانات رآها كلها وجوه وبلا ظهر، إذ يليق بالمخلوق الحامل للعرش الإلهى، وقد تراءى أمام هذا المجد أن يعطى لله الوجه لا الظهر، وأن يكون دائم التطلع لله، ولذلك فحين أخطأ الشعب لله فى القديم عاتبهم قائلاً "حولوا نحوى القفا لا الوجه أر 2 : 27" وطقسياً فالكاهن أو الشماس يخرج من الهيكل ووجهه تجاه المذبح، وبعد تحول الأسرار إلى جسد المسيح ودمه لا يعود الكاهن ينظر للشعب ليباركه حتى لا يعطى ظهره لجسد المسيح ودمه اللذان هما على المذبح. هؤلاء الملائكة هم سماء إذ يحملون عرش الله، والعذراء لأنها حملت المسيح فى بطنها تسميها الكنيسة "سماء ثانية جسدانية" وكل منا يستطيع أن يتحول إلى سماء فى علاقته بالله إذا تشبه بهؤلاء الملائكة.

 

الأيات 15 : 25 :- فنظرت الحيوانات و اذا بكرة واحدة على الارض بجانب الحيوانات باوجهها الاربعة. منظر البكرات و صنعتها كمنظر الزبرجد و للاربع شكل واحد و منظرها و صنعتها كانها كانت بكرة وسط بكرة. لما سارت سارت على جوانبها الاربعة لم تدر عند سيرها. اما اطرها فعالية و مخيفة و اطرها ملانة عيونا حواليها للاربع. فاذا سارت الحيوانات سارت البكرات بجانبها و اذا ارتفعت الحيوانات عن الارض ارتفعت البكرات. الى حيث تكون الروح لتسير يسيرون الى حيث الروح لتسير و البكرات ترتفع معها لان روح الحيوانات كانت في البكرات. فاذا سارت تلك سارت هذه و اذا وقفت تلك وقفت و اذا ارتفعت تلك عن الارض ارتفعت البكرات معها لان روح الحيوانات كانت في البكرات. و على رؤوس الحيوانات شبه مقبب كمنظر البلور الهائل منتشرا على رؤوسها من فوق. و تحت المقبب اجنحتها مستقيمة الواحد نحو اخيه لكل واحد اثنان يغطيان من هنا و لكل واحد اثنان يغطيان من هناك اجسامها. فلما سارت سمعت صوت اجنحتها كخرير مياه كثيرة كصوت القدير صوت ضجة كصوت جيش و لما وقفت ارخت اجنحتها. فكان صوت من فوق المقبب الذي على رؤوسها اذا وقفت ارخت اجنحتها.

البكرات = Wheels  أى عجلات. هذه البكرات أو العجلات تعبر عن تنفيذ المشيئة الإلهية على الأرض. فالعجلات تربط المركبة بالأرض، فالأجنحة من فوق والعجلات من تحت، لأن الله إله السماء والأرض معاً، وللرب طريق فى القدس وطريق فى البحر (مز 77 : 13، 19). ومجد الله يظهر ليس فقط فى عظمة الحاشية السماوية، بل فى ثبات أحكامه هنا على الأرض. وقد رأينا كيف أن الله يحرك الملائكة وجيوشه السماوية لتنفيذ مشيئته، وهنا نرى فى البكرات كيف أن مشيئة الله وخطته التى تصدر فى السماء، تنفذ على الأرض.

ونلاحظ أنه بينما كان النبى ينظر متأملاً فى المخلوقات السماوية، فرضت هذه الرؤيا نفسها عليه، فمن يكون فى حالة نظر للسماويات، ينفتح ليرى المزيد من إعلانات الله، فمن له سيعطى ويزاد، وكأن الله يريد أن يعلن للنبى ولنا أن أعمال الله ومجده لا يظهران فقط فى السماء بل وعلى الأرض، من خلال أحداث حياتنا اليومية.

ففى بعض الأحيان نغوى بالتفكير فى أن مجد الله لا يوجد إلا فى السماء ولكننا نستطيع بعين الإيمان أن نتبين جمال العناية الإلهية وحكمة وقوة الله وصلاحه التى تشرق من خلال إرادته لهذه المملكة الأرضية، ونرى بوضوح أن الله هو الذى يحكم هذه الأرض، وهو ضابط لكل شئ فيها. وكل ما يحكم به يعلن مجده ويعلن عنايته الإلهية.

التدبير الإلهى لشئون العالم، وعناية الله بخليقته يمثلان بهذه العجلات، هى عجلات مركبة الملك العظيم، ملك الملوك الذى خرج غالباً ولكى يغلب، وهو الذى يستطيع أن يدبر كل الأمور بإعجاز فائق عن الإدراك البشرى حتى تعمل معاً للخير للذين يحبون الله.

والبكرات لها دورات متكررة ومستمرة، فكل شئ فى حركة مستمرة عبر العصور وحتى نهاية الدهر، وهذا يصدق على عالم المادة فى الطبيعة، وكذلك على المجالات الأخلاقية والروحية (قابل مع جا 1 : 4 – 7). لذا يقال أحياناً أن التاريخ يعيد نفسه، وهذا القول ليس إلا شرح لتعبير أن العجلات تدور بإستمرار، وهذه الدورات تشير لأن الأحداث عبر التاريخ تتشابه وذلك لأن حكمة الله الذى يتحكم فى الأحداث، هى حكمة واحدة لا تتغير، فالله ليس عنده تغيير ولا ظل دوران يع 1 : 17. وحيث أن البكرات أو العجلات فى حركة دوران مستمرة، فهذا يشير لأن أعمال العناية الإلهية تكون أو تبدو كأنها عالية ويعجب بها الناس، ومرة أخرى يراها الناس غير ذلك، ولكن الشئ المؤكد هو أن أحكام الله ثابتة تدور حول محورها فى نظام محكم وحكمة إلهية، كما تدور الكواكب بطريقة منتظمة.

فنظرت الحيوانات  وإذا بكرة واحدة... منظر البكرات = بعد أن أراه الله قوة الحيوانات وإمكانياتها، وأنها تنفذ أوامره، ها هو يريد بكرة واحدة. ثم يراها كبكرات، والمعنى أن هؤلاء الملائكة المقتدرين والذين يحركهم الله، هم أنفسهم ينفذون مشيئة الله لتنفيذ خطة الله الأزلية على الأرض وسط البشر. وكون أن النبى رآها كبكرات فهذا يعنى أنه قد يبدو لنا أن هناك خططاً كثيرة، لكل مكان خطة، ولكل زمان خطة ولكن قبل أن يرى النبى منظر بكرات، رآها بكرة واحدة، وهذا يعنى أن هناك خطة واحدة أزلية تشمل كل العالم فى كل زمان وفى كل مكان ولأنها تشمل كل العالم قيل أن المركبة لها جوانبها الأربعة = فكما أن للملائكة أربعة وجوه، هكذا للبكرات أربعة جوانب، إعلاناً أن عناية الله هى موجهة لأربعة إتجاهات الأرض.

كمنظر الزبرجد = الزبرجد هو حجر كريم لونه أخضر، واللون الأخضر يشير للحياة. وإرادة الله هى الحياة، لذلك ففى أول آية فى الكتاب المقدس نسمع أنه "فى البدء خلق تك 1 : 1" فالله حى ويعطى حياة ويريد الحياة للبشر. وكون أن البكرات لونها أخضر، فهذا يعنى أن أعمال عناية الله هى بهدف الحفاظ على حياتهم، وليس حياتهم فقط على الأرض، بل أن تكون لهم حياة أبدية، فالبكرات سببت لأيوب ألاماً فظيعة ولكنها كانت سبب حياة أبدية له، وكم تكون الأمراض مثلاً والتجارب سبباً فى عودة الكثيرين لله فتكون لهم حياة أبدية = زبرجد، فالمجاعة للإبن الضال سببت عودته لأحضان أبيه فكان له حياة

صنعتها كأنها بكرة وسط بكرة =... = ولكنها بكرة واحدة. وهذا يعنى كأن أعمال الله، وأعمال عناية الله مبهمة ومتداخلة ومعقدة وغير محسوبة ولكن فى الحقيقة هذا يرجع لجهلنا وإمكانياتنا الضعيفة فى فهم الأحداث وتحليلها. فمن ليس له العين المفتوحة سيرى فى ورطة الشعب وفرعون وراءهم والبحر أمامهم خطأ فى الحسابات ولن يرى فيما حدث لأيوب أى نوع من العناية الإلهية، فأولاده يموتون، وممتلكاته تنهب وصحته تضيع ولكن كان هذا كله وفق خطة إلهية ثابتة هى... حياة أبدية لأيوب أى = منظر البكرات وصنعتها كمنظر الزبرجد = وهى بكرة واحدة فالله له هدف واحد، ألا وهو حياة للبشر هنا على الأرض وحياة أبدية لأولاده فى السماء. وكل الأمور والبكرات تدور حول هذا المحور. وقد لا نفهم كل ما يدور حولنا، ولكن علينا أن نسلم بهذه الحقيقة، وهذا ما عناه السيد المسيح بقوله "لست تفهم أنت الآن ما أنا أصنع ولكنك ستفهم فيما بعد يو 13 : 7"

للأربع شكل واحد = أى عمل الله فى كل أنحاء العالم هو وفق خطة محكمة ثابتة.

لم تدر عند سيرها = إشارة لثبات أحكام الله وعدم تغيرها.

أطرها عالية ومخيفة = أى محيطها واسع جداً، وحينما تحركت وإرتفعت خاف النبى جداً، وهذا يعنى أن حدود أفكار الله عالية عن مستوانا بما لا يقاس رو 11 : 33، 34. والوصول لمخططاته البعيدة هو فعلاً أمر مدهش يعجز عنه العقل البشرى الضئيل العمق والإرتفاع، وسترتعب قلوبنا لو عرفنا جميع مخططاته الإلهية

أطرها ملآنة عيوناً = أى أن عنايته الإلهية كلها فهم وحكمة ورؤية وكل الأحداث تحت سيطرة وتحكم الله، لا شئ يتحرك سوى بسماح منه إن الله إذا إحتمل شر الأشرار، يكون هذا بسماح منه لتنفيذ خطته، مثلاً إحتمل الله ظلم بابل لشعب يهوذا، وذلك حتى يؤدب يهوذا. إذاً علينا أن نثق أن كل شئ تحت سيطرة ذاك الذى معه أمرنا.

تأمل للأباء فى قوله بكرة داخل بكرة = قالوا أن هذه البكرات هى كلمة الله التى قدمت فى العهدين، وكتبت لنا فى لغتنا البشرية، وبكرة داخل بكرة تعنى أن العهد الجديد تم التنبؤ عنه فى العهد القديم وأن العهد القديم يكشف أسرار العهد الجديد. عموماً فالكتاب المقدس هو كشف لعمل الله مع شعبه فى كل زمان ومكان. ونحن نرى فى أعمال الله مع البشر فى الكتاب المقدس، تطبيق عملى لما تعنيه البكرات.

فأذا سارت الحيوانات سارت البكرات بجانبها = أى أن الحيوانات هى التى تعنى بالبكرات لتوجيه حركتها، فالملائكة هم خدام عناية الله فى توجيه المسببات بغرض خدمة الأهداف الإلهية والخطة الإلهية التى يعرفونها. والبشر يكونون كأدوات فى أيدى الملائكة

وإذا إرتفعت تلك عن الأرض = وحينما ترتفع المخلوقات الحية عن الأرض لعمل أى خدمة فوق مستوى القوانين الطبيعيه، وهذا ما نسميه معجزات مثل شق البحر ووقوف الشمس، فإن العجلات تتوافق معها فى تناغم سيمفونى، وتصعد معها، أى تنفذ مشيئتها وإن كان هذا ضد إتجاهها الطبيعى. فالملاحظ أن المخلوقات الأدنى تتحرك وتتصرف وفقاً لما يعمله الملائكة أى بحسب خطة الله، فالملائكة ينفذون أوامره. وهكذا فإن التأثيرات الظاهرة تدار ويتم التحكم فيها بأسباب غير ظاهرة.

لأن روح الحيوانات كانت فى البكرات = أى أن الروح القدس هو الذى يقود الحيوانات، وهى بالتالى تحرك البكرات. وهذا نراه واضحاً جداً فى سفر أعمال الرسل، حيث يحرك الروح القدس كل الأحداث، حتى أنه أطلق على هذا السفر "سفر أعمال الروح القدس". ونحن لو سلمنا أنفسنا لقيادة الروح القدس نصير فى تناغم مع البكرات ومع المخلوقات الحية وهذا ما يملأ النفس سلاماً، حينئذ لن نرى أعمال الله مبهمة، بل كلها مجد.

شبه مقبب = الكلمة المترجمة هنا مقبب تعنى " قبة سماوية" وهى نفسها المترجمة جلد السماء فى تك 1 : 6، 14. والمقصود بالمقبب ما نراه كصورة للسماء التى ترصعها النجوم وتبدو السماء كقبة ( مقبب ) أى بشكل كروى.

         

 

فى هذا نرى أن الله فوق أعلى السماوات عب 26:7، إن كان الملائكة فى السماء مت 36:24 فالله أعلى من السماوات، كما يقال أنه جالس فى سماء السموات1 مل 27:8، أى أن سمو الله هو فوق جميع المخلوقات حتى الملائكة، ولقد قيل أنه ينسب لملائكته حماقة، فمهما إرتفعت حكمة الملائكة عن البشر فهى بالنسبة لحكمة الله حماقة. (أى 4 : 18). والملائكة خاضعة وتسجد له عب 1 : 5 – 8

كمنظر البلور = قد يجرؤ الخطاة ويسألون هل يقضى الله من وراء الضباب أى 22 : 13، وهؤلاء فى عماهم وظلمتهم يتصورون أن الله هو القابع فى ظلام لا يرى ولا يسمع ما يعملونه. والرد عليهم أن ما هو ضباب حسب فهمنا الثقيل هو شفاف كالبلور بالنسبة لله، ولذلك يقال "من مكان سكناه تطلع إلى جميع سكان الأرض (مز 33 : 14). وقوله بلور يشير لإنعكاس مجد الله الجالس على العرش، على ملائكته. فالبلور كمرآة تعكس مجد الله. وهكذا كل مؤمن يقدم طاقاته الجسدية والفكرية.. مقدسة للرب تتحول حياته إلى سماء، وإلى مقبب بلورى، فيحمل هذا المؤمن صورة الرب وسماته. وفى الأبدية وبنفس هذا المفهوم سيكون لنا الجسد الممجد النورانى، الذى يعكس مجد ونور الرب، لذلك سنصير مثله لأننا سنراه كما هو 1يو 3 : 2

سمعت صوت أجنحتها كخرير مياة كثيرة = هكذا يفعل النحل صوتاً بأجنحته ولماذا تصدر الملائكة هذه الأصوات ؟ هذه الأصوات لتلقى الخشوع فى قلب النبى، حتى يستطيع أن يسمع صوت الله إذا تكلم (آية 28) وهذا ما حدث مع إيليا. فقد شعر بريح عظيمة وشديدة قد شقت الجبال وكسرت الصخور، ثم شعر بزلزلة، ثم نار ولم يكن الله فى كل هذه، بل فى صوت منخفض خفيف كلم الله إيليا، فلماذا كان كل هذا ؟ كانت الريح والزلزلة والنار هى صوت أجنحة الملائكة التى أعدت إيليا ليسمع صوت الله، أى تجعله واقفاً فى خشوع أمام الله، ونحن لا نستطيع أن نسمع صوت الله قبل أن نخشع (لذلك نبدأ بالصلوات والتراتيل والتسابيح فى إجتماعتنا قبل سماع الكلمة) راجع 1مل 19 : 11 – 13

كصوت القدير = فى رؤيا يوحنا، سمع يوحنا صوت الله كصوت مياه كثيرة فصوت الملائكة يشبه صوت الله. وهذا معنى القبة البلورية، فهم يعكسون صورة مجد الله فى سماته وصوته ونوره.

وصوت خرير المياه الكثيرة صوت مخيف = صوت ضجة كصوت جيش = هكذا الكنيسة فى قوتها بمسيحها الذى فيها تكون للشيطان مرهبة كجيش بألوية نش 6 : 4.

أرخت أجنحتها = سكتت عن الصوت ليسمع النبى صوت الله (كما حدث مع إيليا) لذلك نسمع بعد ذلك مباشرة فكان صوت من فوق المقبب أى صوت من يجلس على العرش. عمل الملائكة هنا كعمل حاجب المحكمة الذى يصرخ طالباً الهدوء ليسمع الجميع حكم القاضى... ومن له أذنان للسمع فليسمع. عموماً هناك أحداث كثيرة فى حياتنا على الأرض هى بعمل الملائكة، وهذه الأحداث قد تكون مخيفة لنخشع أمام الله، ولكننا لن نسمع صوت الله، إلا إذا دخلنا مخدعنا فى هدوء، فصوت الله لا يسمع سوى فى الهدوء، فهو صوت منخفض خفيف 1مل 19 : 11 – 13

 

الأيات 26 – 28 :- و فوق المقبب الذي على رؤوسها شبه عرش كمنظر حجر العقيق الازرق و على شبه العرش شبه كمنظر انسان عليه من فوق. و رايت مثل منظر النحاس اللامع كمنظر نار داخله من حوله من منظر حقويه الى فوق و من منظر حقويه الى تحت رايت مثل منظر نار و لها لمعان من حولها. كمنظر القوس التي في السحاب يوم مطر هكذا منظر اللمعان من حوله هذا منظر شبه مجد الرب و لما رايته خررت على وجهي و سمعت صوت متكلم

ما سبق وتقدم من هذه الرؤيا كان مقدمة لهذه الأيات، أى إعداد النبى ليسمع صوت الكلمة الإبن الجالس على العرش شبه عرش عليه كمنظر إنسان = ما يراه النبى هو أشباه الأشياء، لأنه وهو فى الجسد لا يستطيع أن يرى الحقائق. وهنا نرى أحد ظهورات الإبن فى شكل إنسان قبل أن يتجسد، كما ظهر لإبراهيم من قبل، ونرى السيد جالساً على عرش إعلاناً لسلطته الملكية له المجد، وهذا ما رآه أيضاً يوحنا فى رؤياه رؤ 4 : 2. ما رآه النبى هنا يعطى كرامة للإنسان، أن يظهر الله فى صورة إنسان، وكان إعلاناً عما سيحدث فى ملء الزمان من تجسده. ولنرى أى كرامة وصل لها الإنسان نسمع وعد المسيح "من يغلب يجلس معى فى عرشى كما جلست أنا مع الآب فى عرشه رؤ 3 : 21

حجر العقيق الأزرق = اللون الأزرق لون السماء، فالمسيح المتجسد قد جاء من السماء وبعد فدائه سيصعد للسماء، وهو دائماً فى السماء يو 3 : 13

النحاس اللامع كمنظر نار داخله = النحاس يشير لناسوته والنار تشير للاهوته وفى هذا إشارة للتجسد. وإتحاد النار بالنحاس إشارة لإتحاد اللاهوت بالناسوت. والنحاس كما قلنا يشير للدينونة، فبالصليب دان المسيح الخطية والشيطان والموت.

لها لمعان من حولها = أى مجد. كمنظر القوس = قوس قزح. وفى الرؤيا رأى يوحنا اللاهوتى قوس قزح يحيط بالعرش رؤ 4 : 3. وهذا إعلان أن الله يذكر وعده أنه لا يعود يغرق العالم بالطوفان ليفنيه، أى أن إرادته هى أن يعطى حياة (نفس معنى الزبرجد). وهذا ما أتى المسيح وتجسد ليفعله، أى ليعطى حياة للذين ماتوا بسبب الخطية. إذاً معنى الرؤيا أن المسيح السماوى الجالس على العرش والملائكة خاضعة له، سيتخذ جسداً (نحاس) يتحد بلاهوته (النار). ويكون هذا التدبير (البكرات) ليعطى حياة للإنسان حتى لا يهلك الإنسان بل تكون له حياة أبدية. ولاحظ أنه يقول لها لمعان كمنظر القوس أى أن مجد الله سيعلن لنا فى إرادته أن تكون لنا حياة، وبتدبيره الفدائى الذى سيعطينا حياة أبدية.

ملحوظات ختامية عن الإصحاح الأول

1- كان ما رآه النبى أشباه الحقائق وليست الحقائق بحسب طبيعتها، فالله فى مجده لا يراه إنسان ويعيش، ولكن ما رآه النبى :-

أ-بحسب ما يستطيع أن يرى

ب- بحسب ما يستطيع أن يصف

ج- وما وصفه كان بحسب محدودية لغتنا البشرية.

2- مع أن ما رآه ليس هو الحقائق، إلا أن ما رآه كان كافياً لأن يجعله يسقط على وجهه، غير قادر أن يقف أمام الله القدوس، وسجد فى تواضع وخشوع، شاعراً بعدم الإستحقاق، وبقدر إتضاعنا وشعورنا بعدم الإستحقاق، وبقدر ما يعلن الله نفسه للمتضع. والعكس صحيح أيضاً فبقدر ما نرى الله ونعرفه نشعر بضآلة حجمنا وأننا لا شئ. ولذلك حينما سقط النبى أمام الله وإتضع تكلم معه الله وأقامه ليسمع.

3- إذا تشبهنا بهؤلاء الملائكة، يرتاح الله فينا ويستخدمنا لمجد إسمه.

4- ولكن كيف نعرف الله ليرتاح الله فينا ؟ هناك قول شائع "هل تعرف فلان... أعرفه.... هل عاشرته ؟.... لا.... إذاً أنت لا تعرفه. وبنفس المنطق، حتى نعرف الله علينا أن نعاشره من خلال الصلوات ودراسة الكتاب المقدس لنسمع صوته ونتعرف عليه وعلى صفاته، وبهذا نحبه ويصبح قلبنا مكاناً يسند فيه إبن الإنسان رأسه ولا يعود قلبنا بعد مكاناً للثعالب ولطيور السماء.وإبن الله قام بدوره الفدائى ليقدسنا، ويتبقى دورنا وهو أن ننفصل عن كل شر فلا شركة للنور مع الظلمة.


 

الإصحاح الثانى

كانت نهاية الإصحاح السابق سقوط النبى على وجهه، وهنا نرى أمر الله له بالقيام وبعد ذلك دخل فيه الروح. وهذا ما حدث أيضاً لبولس الرسول، فهو قد سقط أمام نور المسيح فى الطريق ثم قام، ثم إمتلأ من الروح القدس. بل هذا هو طريق الإمتلاء من الروح القدس دائماً. فالسيد المسيح أرسل لنا الروح القدس بعد أن مات وقام وصعد إلى السماء. وحتى نمتلئ نحن من الروح القدس علينا أن نسلك نفس الطريق أى نبدأ بأن نقف أمام الخطية كأموات رو 6 : 11 ونحيا فى جدة الحياة، أى الحياة المقامة فى المسيح، ونحيا فى السماويات ولا نعود بعد نحيا فى الأرضيات، وقتها سنختبر إمكانيات وقوة القيامة ونمتلئ من الروح القدس، فيرسلنا الله للشهادة لإسمه، كما أرسل الله حزقيال لخدمته. بل تم هنا تلقين حزقيال ماذا سيقول، ووضع له الكلام فى فمه ودلالة هذا كان الدرج الذى أُمِر بأن يأكله 2 : 8 + 3 : 1 وهذا ما عَمِله النبى فعلاً فى الإصحاح التالى 3 : 2، 3. ونلاحظ أن الله ينبه النبى ألا يخاف هذا الشعب المتمرد.

 

الأيات 1 – 5 :- فقال لي يا ابن ادم قم على قدميك فاتكلم معك. فدخل في روح لما تكلم معي و اقامني على قدمي فسمعت المتكلم معي. و قال لي يا ابن ادم انا مرسلك الى بني اسرائيل الى امة متمردة قد تمردت علي هم و اباؤهم عصوا علي الى ذات هذا اليوم. و البنون القساة الوجوه و الصلاب القلوب انا مرسلك اليهم فتقول لهم هكذا قال السيد الرب. و هم ان سمعوا و ان امتنعوا لانهم بيت متمرد فانهم يعلمون ان نبيا كان بينهم.

إستغل البعض قصة سقوط النبى على وجهه ثم دخول الروح فيه بطريقة منحرفة.. إذ إدعوا أنهم قادرون أن ينفخوا فى وجوه الناس فيمتلئون من الروح القدس، ويكون علامة ذلك وقوع الناس على الأرض فى غيبوبة. ويستدلون بما حدث هنا لحزقيال، وكما حدث أيضاً لدانيال 10 : 7 – 11 وكما حدث ليوحنا فى الرؤيا 1 : 17 ونرد على هؤلاء :-

1- حزقيال ودانيال ويوحنا لم يسقطوا نتيجة إمتلائهم بالروح، بل نتيجة ما رأوه من مجد المسيح، فلم يحتملوا. والدليل أن الروح دخل فى حزقيال بعد أن أقامه الرب أيات 1، 2.

2- المسيح نفخ فى تلاميذه وقال لهم إقبلوا الروح القدس.... ولم يسقطوا على وجوههم يو 20 : 22. وهكذا صنع بولس الرسول حينما وضع يديه على المؤمنين المعمدين فى أفسس حل عليهم الروح القدس أع 19 : 6 ولم نسمع أنهم سقطوا على وجوههم. وما زالت الكنيسة تمارس هذا فى سر الميرون ولم نسمع أن كاهنا مسح أحد المعمدين بزيت الميرون ونفخ فيه ليقبل الروح القدس، أن هذا المعمد قد سقط مغشياً عليه.

3- لم نسمع فى الكتاب المقدس كله أن أى حادثة إمتلاء من الروح القدس صاحبها غيبوبة. ولم نسمع هذا فى كل تاريخ الكنيسة

4- فى سر الميرون يحل الروح القدس على المعمد، أما الإمتلاء من الروح القدس، هو مسئولية كل مؤمن، ويتوقف هذا على جهاده أف 5 : 18+ 2تى 1 : 6 فبولس هنا لم يستدعى تيموثاوس ليملأه بالروح القدس بأن ينفخ فيه بعد أن سبق ووضع اليد عليه، بل هو يطلب منه الجهاد ليمتلئ.

يا إبن آدم = تكرر هذا اللقب لحزقيال 85 مرة ليعرف أنه إنسان خاطئ فلا يرتفع بالرغم من كل هذه الرؤى. وهو كإبن آدم مثل الشعب سيدينهم. راجع تفسير (حز 1:20-4)

قم على قدميك = سبق الله وقال لموسى "لا يرانى الإنسان ويعيش" خر 33 : 20" وذلك لأن طبيعتنا ضعفت بسبب الخطية، فأصبحنا لا نحتمل أن نرى الله فى مجده، كما لا تحتمل أعصاب العين أن ترى نور الشمس وإلا تحترق. لذلك فإن الله يعطى قديسيه معونه خاصة حتى يستطيعوا أن يروا جزءاً من مجده، وبحسب ما تحتمل طبيعتهم الضعيفة،ومع هذا فهم حينما يرون ما يرونه يسقطون غير محتملين، وهنا يعطيهم الله قوة ومعونة ليقوموا.

فأتكلم معك... فدخل فىَ روح = لاحظ أن الروح دخله بعد أن كلمه الله فالروح ينتقل إلينا بواسطة كلمة الله يو 14 : 26 + يو 15 : 26 + يو 16 : 7

أنا مرسلك = لاحظ محبة الله الذى يرسل نبياً لشعب يعرف أنه متمرد بل بل هم وأباءهم عصوا علىَ. بل هم قساة الوجوه = فى ترجمة أخرى الوقحون.. ولاحظ أن الإصرار على عدم التوبة يقود للقساوة. هكذا يقول السيد الرب = إذاً الله أعطى له سلطة ليتكلم بإسمه. أما الشعب ستكون له الحرية أن يسمعوا وأن يمتنعوا. ولكنهم على كل حال سيعلمون أن نبياً كان فى وسطهم

أ‌)   فمن سمعوا سيعلمون أنه كان نبياً من الله بإختبارهم للتعزية والإصلاح، هكذا سمى بولس الرسول المؤمنين "ختم رسالتى 1كو 9 : 2" فهم دليل على صدق رسالته بالقوة التى عملت فيهم لتغييرهم

ب‌) والذين إمتنعوا سيعرفون أنه كان نبياً من توبيخ ضمائرهم ثم بقضاء الله العادل ضدهم وسيعرفون هذا من إختباراتهم الحزينه ومن الضربات التى ستأتى عليهم.

 

الأيات 6 – 10 :- اما انت يا ابن ادم فلا تخف منهم و من كلامهم لا تخف لانهم قريس و سلاء لديك و انت ساكن بين العقارب من كلامهم لا تخف و من وجوههم لا ترتعب لانهم بيت متمرد. و تتكلم معهم بكلامي ان سمعوا و ان امتنعوا لانهم متمردون. و انت يا ابن ادم فاسمع ما انا مكلمك به لا تكن متمردا كالبيت المتمرد افتح فمك و كل ما انا معطيكه. فنظرت و اذا بيد ممدودة الي و اذا بدرج سفر فيها. فنشره امامي و هو مكتوب من داخل و من قفاه و كتب فيه مراث و نحيب و ويل 

لا تخف منهم = من يؤدى خدمة لله عليه ألا يخاف، فالله الذى يخدمه قادر أن يحيطه بعنايته. ومن يخاف من الناس ومن أعمالهم فهو بهذا يشكك فى قوة الله وصدق وعوده، وهو بهذا يهين الله، وهذا يرتد على الخادم الخائف بزيادة خوفه وفقدانه لسلامه، لذلك ينبه الله أرمياء النبى بقوله "لا ترتاع من وجوههم لئلا أريعك أمامهم أر 1 : 17". إذاً ليثق كل خادم، بل كل مؤمن فى حماية الله له. وليس معنى هذا أن الخادم أو الكارز لن يصيبه أى ضرر من الأشرار، فها هو الله ينبه النبى بأن هذا الشعب هو شعب مؤذٍ، فهم سلاء = شوك. قريس = ورد برى مملوء بالشوك. ولاحظ أن الشوك هو ثمرة للخطية. بل هم عقارب سامة  (قارن مع سم الأصلال تحت شفاههم رو 3 : 13). فهؤلاء الأشرار قد يلحقون بعض الأذى بخدام الله، وأولاد الله عموماً، ولكن علينا أن نفهم أنه لا سلطان لهم علينا إلا بسماح من الله ( يو 11:19). لذلك لا نخاف بل نثق أننا فى ظل الحماية الإلهية، وما يحدث لنا هو بسماح منه، إذ نحن محفوظين فى يده، بل منقوشين على كفه اش 49 : 16 + رؤ 2 : 1. وحتى إذا سمح الله ببعض الأذى من أشواك الأشرار، فأن تعزياته تدرك أولاده، حاملاً معهم صليبهم كما فعل مع الثلاثة فتية فى أتون النار.

والنبى عليه أن يكلم الشعب بما سيعطيه له الله إن سمعوا وإن إمتنعوا = فهو عليه توصيل الرسالة، وعليه أن لا يهتم بالنتيجة، فالمهم أن يكون أميناً فى رسالته، وأن يوصلها كما إستلمها. ونلاحظ أن عدم إنقياد الشعب لكلام الواعظ ليس سبباً وجيهاً لأن يكف الواعظ عن خدمته. بل أنه إذا إمتنع الخادم أن يتكلم صار متمرداً هو الآخر، لذلك ينبه الله النبى قائلاً لا تكن متمرداً = فعلى الخادم أن يتكلم بكلمة الله لكل إنسان حتى لمن يتصور أنه لا يستحق، أو لمن يتصور أن حالته ميئوس منها، وليثق الخادم أنه ليس هو الذى يقود السامع للتوبة، بل هو عمل الله الخفى. ولاحظ فى قصة يونان غضب الله على تمرده وهروبه من الخدمة الصعبة التى طلبها الله منه. أما ربنا يسوع فقال "إن أمكن أن تعبر عنى هذه الكأس ولكن لتكن مشيئتك" إفتح فمك وكل = موضوع عمله هو كلمة الله التى ينبغى أن يأكلها فتشبع بها أعماقه الداخلية وتكون موضوع تفكيره المستمر ويهضمها بعقله ويختبر قوتها ولذتها ويكون مستعداً أن يخرجها للناس فى أى وقت كإختبار معاش. وعليه أن يجتر فيها اليوم كله ولا تقف عند حد الإقتناع العقلى بل تدخل إلى أعماقه. وهنا يخرج للناس خبراته الحلوة إذ يطبق كلام الله فى حياته. وإذا بيد ممدودة = هناك يد الله الممدوده دائماً تقدم لنا عطاياه فلا يجب أن نتركها ممدودة دون أن نأخذ بشكر، وإذا لن نصنع نصبح متمردون. مكتوب من داخل ومن قفاه = أى مكتوب من على الوجهين، وقد يعنى هذا وعود من ناحية ووعيد من الأخرى، أو كلام له معنى فى الظاهر وله أعماق أخرى، أو خطاياهم وإنذارات الله لأجلها.


 

الإصحاح الثالث

هذا الإصحاح إعداد النبي لمهمته التى دعاه الله إليها، وذلك بأكله الدَرَج (الكتاب) وبعض التعليمات الجديدة، وتشجيعه بإعطائه دفعة قوية حملته لمن أرسله الله لهم.

 

الآيات 1 – 15 :- فقال لي يا ابن ادم كل ما تجده كل هذا الدرج و اذهب كلم بيت اسرائيل. ففتحت فمي فاطعمني ذلك الدرج. و قال لي يا ابن ادم اطعم بطنك و املا جوفك من هذا الدرج الذي انا معطيكه فاكلته فصار في فمي كالعسل حلاوة. فقال لي يا ابن ادم اذهب امض الى بيت اسرائيل و كلمهم بكلامي. لانك غير مرسل الى شعب غامض اللغة و ثقيل اللسان بل الى بيت اسرائيل. لا الى شعوب كثيرة غامضة اللغة و ثقيلة اللسان لست تفهم كلامهم فلو ارسلتك الى هؤلاء لسمعوا لك. لكن بيت اسرائيل لا يشاء ان يسمع لك لانهم لا يشاؤون ان يسمعوا لي لان كل بيت اسرائيل صلاب الجباه و قساة القلوب. هانذا قد جعلت وجهك صلبا مثل وجوههم و جبهتك صلبة مثل جباههم. قد جعلت جبهتك كالماس اصلب من الصوان فلا تخفهم و لا ترتعب من وجوههم لانهم بيت متمرد. و قال لي يا ابن ادم كل الكلام الذي اكلمك به اوعه في قلبك و اسمعه باذنيك. و امض اذهب الى المسبيين الى بني شعبك و كلمهم و قل لهم هكذا قال السيد الرب ان سمعوا و ان امتنعوا. ثم حملني روح فسمعت خلفي صوت رعد عظيم مبارك مجد الرب من مكانه. و صوت اجنحة الحيوانات المتلاصقة الواحد باخيه و صوت البكرات معها و صوت رعد عظيم. فحملني الروح و اخذني فذهبت مرا في حرارة روحي و يد الرب كانت شديدة علي. فجئت الى المسبيين عند تل ابيب الساكنين عند نهر خابور و حيث سكنوا هناك سكنت سبعة ايام متحيرا في وسطهم.

على الخادم أن يتذوق كلمة الله أولاً قبل أن يبدأ خدمته، ومن يتذوقها تصير فى فمه كالعسل = وهذا ما قاله داود مز 119 : 103 وأرمياء أر 15 : 16 ويوحنا رؤ 10 : 9. بل أنه على كل إنسان، خادم أو مخدوم أن يتذوق كلمة الله، وذلك بأن يأكل الدرج كله، أى ينفذ ويعيش طائعاً مختبراً كل وصايا الله، علينا أن نقبل كل كلام الله، ولا نرفض شيئاً، فلا نقبل ما يعجبنا ونترك ما لا يعجبنا (مثل من لا يستريح لوصية دفع العشور فيتركها)

ففتحت فمى فأطعمنى... ثم أطعم بطنك = فيبدو كأن النبى أبقى الكلام فى فمه أولاً ولم يبتلعه، لذلك كان له الأمر التالى إطعم بطنك = وهذا أشبه بالخادم الذى يعظ كثيراً، ولا ينفذ ما يقوله. أو من يعرف معرفة عقلانية دون إختبار ومعايشة لكلام الله، بينما إنجيلنا قوته تظهر حينما يكون إنجيلاً معاشاً، الله يريد أن تكون هذه المعرفة فى الأعماق. وهذا معنى أوعِهِ فى قلبك (آية 10). ونلاحظ إذا أطعنا الوصايا، حتى ما نتصوره منها أنه صعب التنفيذ، سنجد لذلك لذة مثل العسل. لأنك غير مرسل لشعب غامض اللغة = الله أرسله لشعبه الذى يتكلم نفس لغته، بل هو يعيش وسطهم فى السبى شاعراً بألامهم ومذلولاً معهم، ولذلك يستطيع أن يتكلم بلسانهم... وهذا هو المفهوم الصحيح لموهبة الألسنة الآن، أى أن يعطى الروح القدس الكلمات المناسبة فى فم ولسان الخادم، فيكون للكلمة تأثيرها القوى. والروح يعطى للخادم كلمات تعزية للحزين، وكلمات توبيخ للمستهتر، وكلمات تشجيع للنفس اليائسة. وإذا كانت الكلمات من الروح القدس فهى لا تعود فارغة أش 55 : 11، وتكون الكلمات لها تأثيرها المطلوب فى نفس سامعها، أما التكلم باللغات فالكنيسة لا تحتاجه الآن. وهذا الشعب المرسل إليهم لن يقبلوه، ولو أُرسِل إلى شعب غريب ربما يقبلونه كما حدث مع شعب نينوى إذ أرسل الله يونان لهم وهذا يدل على قسوة قلوبهم. ولكن الله يُعِدْ خدامه جيداً فهو جعل النبى صلب الوجه مثلهم = فربما كان حزقيال ذو شخصية وديعة خجولة لا يحب أن يجرح أحد أو يسئ لمشاعر أحد، ولهذا قد لا يتمكن من تحذير هؤلاء القساة القلوب ومواجهتهم بأخطائهم وإنذارهم بالمصائب الآتية، ولأن ما يطلبه الله من النبى يحتاج لشخصية جبارة قوية لتواجه هذا الشعب المتمرد فقد أعطاه الله صلابة الوجه.

إن سمعوا وإن إمتنعوا = فالخادم عليه أن يكلم كل واحد بكلمة الله سواء كان خاطئاًً أو قديساً، ولو إمتنع الخادم أن يكلم القديس إذ يظن أنه لا يحتاج، وإمتنع أيضاً أن يكلم الخاطئ إذ يظن أنه لا فائدة ترجى منه، فلن يكلم أحداً، ولكن على الخادم أن يكلم بأمانة كل واحد.

فسمعت خلفى صوت رعد عظيم = هذا صوت فرحة الملائكة بالنبى الجديد وإرساليته، فهم توقعوا توبة الشعب نتيجة لخدمة هذا النبى، وهو صوت تهليلهم، وأيضاً هو صوت مساندة للنبى ليتقدم بثبات، فهو ليس وحده بل هم يساندونه.

مبارك مجد الرب من مكانه = مبارك مجد الرب من السماء مكانه العلوى، سواء مجده فى هذه الرؤيا نازلاً على الأرض مع ملائكته، أو مجده الذى يغادر الهيكل فالملائكة يعرفون أنه مهما فعل الرب فهو بار، وإن كان الأشرار يهينون الله بأعمالهم إلا أن الملائكة فى السماء يمجدونه، إلا أن هذه التسبحة من الملائكة هنا هى تعبير عن فرحتهم فى أن مجد الله سيظهر فى توبة هذا الشعب بإرسالية هذا النبى، ومجد الله يظهر فى قبول الله لهؤلاء المتمردين، بأن يعمل على توبتهم وتأديبهم فلا يهلكوا بل يكون لهم خلاص، وخلاصنا يفرح الملائكة رؤ 5 : 9، 12 + لو 15 : 10. وحملنى الروح فذهبت مراً فى حرارة روحى = الروح أعطى له دفعة روحية جبارة ترفعه عن الأرضيات، ولكن الجسد كان نافراً من الخدمة لمعرفته بألامها. وأن الشعب المرسل له لن يقبله. وكان يتمنى لو أعفى من هذه الخدمة مكتفياً بما رآه من رؤى مجيده. ولكن يد الله كانت شديده عليه = فلم يستطع إلا أن يذهب وحمله الروح حيث سكنوا = ليسمع ما يقولون ويلاحظ تصرفاتهم ويعايشهم وهناك مكث متحيراً فى وسطهم حين قارن بين جلال الرؤيا وحالهم فى خطيتهم. وتركه الله يبتلع أحزانه بلا رؤى لمدة سبعة أيام، وهذا من حكمة الله حتى لا ينتفخ بل يتضع وهكذا يسمح الله بضيقات لخدامه لفترات حتى يشعروا بضعفهم فيتضعوا بدلاً من أن يرتفعوا، فبداية السقوط الكبرياء (2كو 12 : 7 + أم 16 : 18)

 

الآيات 16 – 21 :- و كان عند تمام السبعة الايام ان كلمة الرب صارت الي قائلة. يا ابن ادم قد جعلتك رقيبا لبيت اسرائيل فاسمع الكلمة من فمي و انذرهم من قبلي. اذا قلت للشرير موتا تموت و ما انذرته انت و لا تكلمت انذارا للشرير من طريقه الرديئة لاحيائه فذلك الشرير يموت باثمه اما دمه فمن يدك اطلبه. و ان انذرت انت الشرير و لم يرجع عن شره و لا عن طريقه الرديئة فانه يموت باثمه اما انت فقد نجيت نفسك. و البار ان رجع عن بره و عمل اثما و جعلت معثرة امامه فانه يموت لانك لم تنذره يموت في خطيته و لا يذكر بره الذي عمله اما دمه فمن يدك اطلبه. و ان انذرت انت البار من ان يخطئ البار و هو لم يخطئ فانه حياة يحيا لانه انذر و انت تكون قد نجيت نفسك.

كان للشعب اليهودى عادة أن يجتمعوا عند الأنهار ليصلوا (أع 16 : 13). وهناك ذهب لهم حزقيال يكلمهم. وهنا لم يرى رؤيا بل أخبر فقط بالكلام، فحياة خدام الله وأنبيائه ليست كلها رؤى. والله عَيَنه رقيباً = والرقيب هو الذى يراقب تحركات العدو وينذر الشعب. وهذا هو عمل الخدام أن يكتشفوا خداعات الشياطين الأعداء وينذروا الشعب. وعلى الخادم أن يسمع من الله فإسمع الكلام من فمى = وبعد أن يسمع من الله عليه أن ينذر الشعب = وأنذرهم من قِبَلى = فالرقيب له عيون وأذان تسمع ولسان يضع الروح القدس كلمات عليه، وحينئذ يكون صوته كبوق إنذار، ليس من عنده، ولكن من عند الرب. ومعنى الكلام هنا أن عليه أن ينذر الشرير ليتوب، فإن لم يتب الشرير يهلك، ولكن النبى ينجو لآنه قام بعمله بأمانة. وإن تاب الشرير ينجو لأنه تاب. ولاحظ أن النفس ثمينة جداً عند الله. وعلى النبى أن ينذر أيضاً الأبرار ولا يمتنع عن وعظهم وهنا نعرف لماذا يعظ الأبرار ؟ لأن هناك إحتمال أن يخطئ البار، ويكون إنذار النبى سبباً فى عدم سقوطه فيحيا. وإن قَصَر النبى أو الخادم فى عمله بحجة أن هذا الإنسان بار، ثم إرتد هذا البار لسبب أو لآخر وهلك هذا الإنسان الذى كان باراً، يدان معه الخادم الذى إمتنع عن وعظه. ونلاحظ أن البار حقيقة سيفرح بكلمة الوعظ، وأن أبر إنسان  فى العالم له خطاياه. وهناك بر يمكن أن يرتد عنه الإنسان،فهو البر المظهرى، وهؤلاء ينطبق عليهم "لأنهم لو كانوا منا لبقوا معنا" مثل هؤلاء لا يخطئوا ليس لأنهم أبرار حقيقة بل لأنه لا توجد فرصة أمامهم ليخطئوا، وإذا وجدت الفرصة لأخطأوا. وهناك أيضاً كثيرين بدأوا بالروح وأكملوا بالجسد غل 3 : 3. هؤلاء أعطوا السماء القفا لا الوجه أر 2 : 27. هؤلاء يقول الله عنهم جعلت معثرة أمامه = الذى قلبه غير مستقيم مع الله، يحب الخطية، ولكن لا توجد أمامه فرصة للخطية، وحب الخطية يملأ قلبه وبالتالى لا يوجد فيه مكان لحب الله، مثل هذا يظن فى كبريائه أنه بار إذ أنه لا يخطئ، والكبرياء تزيد من شروره، وهذا يسمح له الله بأن يسقط، يسمح بوجود عثرات أمامه أى يرفع عنايته عنه، وهنا إحتمالين  1) أن هذا الإنسان إذ يسقط تنكسر كبريائه ويقدم توبة ويكون هذا بداية الشفاء   2) يزداد هذا الإنسان سقوطاً متجاوباً مع قلبه الفاسد وينضج للخراب. وهذا معنى أن الله قسى قلب فرعون وإزدادت ضرباته حتى هلك. ولاحظ أن النبى كان ينذرهم بالخراب والهلاك بيد البابليين حتى يكفوا عن خطاياهم فلا يهلكوا.

 

الأيات 22 – 27 :- و كانت يد الرب علي هناك و قال لي قم اخرج الى البقعة و هناك اكلمك. قمت و خرجت الى البقعة و اذا بمجد الرب واقف هناك كالمجد الذي رايته عند نهر خابور فخررت على وجهي. فدخل في روح و اقامني على قدمي ثم كلمني و قال لي اذهب اغلق على نفسك في وسط بيتك. و انت يا ابن ادم فها هم يضعون عليك ربطا و يقيدونك بها فلا تخرج في وسطهم. و الصق لسانك بحنكك فتبكم و لا تكون لهم رجلا موبخا لانهم بيت متمرد. فاذا كلمتك افتح فمك فتقول لهم هكذا قال السيد الرب من يسمع فليسمع و من يمتنع فليمتنع لانهم بيت متمرد

نجد النبى هنا منسحباً من الخدمة وغير راغب فى العمل، لكن الله يشدده ويريه مجده ثانية. وطلب منه أن يجلس فى بيته كفترة خلوة وإعداد. ولنلاحظ أن سلوكنا الإختيارى، يصنع أحياناً عقابنا، فهو لعدم رغبته فى الخدمة تركه الله فى منزله لفترة. بل أخبره بضيق يأتى عليه وأنهم سيقيدونه ويربطونه إما كمجرم ومكدر للسلام إذ أنذرهم، أو إعتباره أنه رجل مخبول، وهكذا صنع أقرباء المسيح معه (مر 3 : 21) وهكذا صنع فستوس الوالى مع بولس. والصق لسانك بحنكك فتبكم ولا تكون موبخاً = فهم لا يستحقون وجود نبياً يوبخهم فيحيوا، بعد ما صنعوه. ولنلاحظ أن من تقسى قلبه ضد الإدانة والتوبيخ يحرمه الله من سماعهما. ولاحظ أيضاً أن الله لم يعطه أى تأكيدات بالنجاح، بل أكد الله على المسئولية الشخصية = من يسمع فليسمع ومن يمتنع فليمتنع

تعليق على الآية 20 وجعلت معثرة أمامه = هناك من يظن أنه بار ولكن توجد بداخله خطية هو غير شاعر بها أو لا يدركها. حقاً هو لم يرتكب الخطية إنما هذا راجع لعدم وجود جو مهيأ للخطية. فليس معنى أنه لم يرتكب الخطية أنه إنسان بار وكامل.  بل أن وجود الخطية داخله يعرضه للهلاك. مثل هذا فالأفضل له أن يكتشف حقيقة نفسه، والله يمتحنه بتجربة... ولاحظ أن الله لا يمتحنه ليعرف رد فعله وبالتالى يحكم عليه، فالله يعرف كل شئ ويعرف رد فعله أمام التجربة، ولكن الله يمتحنه ليعرف هو حقيقة نفسه، ويكتشف ضعفاته فيتوب ويشفى فيخلص

مثال 1 :- أيوب كان يظن أنه بار فلا يقدم ذبائح عن نفسه، وهذا الكبرياء ظهر بعد التجارب، وتاب أيوب وخلص. هنا الله جعل معثرة أمام أيوب لينجو

مثال 2 :- إنسان يظن أنه وديع ومحب، فهو لا ينفعل، بل يتعامل بلطف مع الناس، والسبب أن من يتعامل معهم أناس لطفاء. مثل هذا يمتحنه الله بجار أو رئيس فى العمل أو زميل مشاكس، وهنا يبدأ فى الإنفعال ويدرك أنه ليس وديعاً حقيقة فيقدم توبة. هنا الله وضع هذا الشخص كمعثرة أمام من يظن فى نفسه أنه بار ليكتشف ضعفه فيتوب وينجو ويخلص

مثال 3 :- هناك من يمتحنه الله ويكتشف حقيقة نفسه ولا يتوب = فإنه يموت  


 

الإصحاح الرابع

كان حكم الله قد صدر بحصار وخراب أورشليم، ولكن اليهود غير المؤمنين لم يصدقوا، وكانوا يوهمون أنفسهم أنهم سيعودون إليها قريباً، وربما فى مراسلات اليهود الباقين فى أورشليم مع أقربائهم فى السبى كانوا يوبخونهم على بقائهم فى السبى، وأن أورشليم ستنتصر على بابل. ولاحظ أن التهديد بخراب بابل لأورشليم كان يقال على فم أرمياء النبى فى أورشليم، وعلى فم حزقيال النبى فى أرض السبى. والشعب المتمرد هنا وهناك رفض كلام كلا النبيين ولكى يكسر الله كبريائهم أعطى للنبى هنا هذه الرؤيا الواضحة عن الحصار العتيد أن يحدث بواسطة بابل لأورشليم وهنا تم تمثيل أمرين :-

 أ) التحصينات التى ستقوم ضد المدينة. وهنا أُمِر النبى بصنع نموذج لأورشليم، وعليه أن يرقد مثبتاً نظره عليها  كمن يحاصرها.

ب) تمثيل المجاعة الرهيبة التى ستتعرض لها أورشليم، وذلك بأن يأكل النبى كمية محدودة من الخبز والماء طوال مدة رقادة التى تمثل مدة حصار أورشليم

 

الأيات 1 – 8 :- و انت يا ابن ادم فخذ لنفسك لبنة و ضعها امامك و ارسم عليها مدينة اورشليم. و اجعل عليها حصارا و ابن عليها برجا و اقم عليها مترسة و اجعل عليها جيوشا و اقم عليها مجانق حولها. و خذ انت لنفسك صاجا من حديد و انصبه سورا من حديد بينك و بين المدينة و ثبت وجهك عليها فتكون في حصار و تحاصرها تلك اية لبيت اسرائيل. و اتكئ انت على جنبك اليسار و ضع عليه اثم بيت اسرائيل على عدد الايام التي فيها تتكئ عليه تحمل اثمهم. و انا قد جعلت لك سني اثمهم حسب عدد الايام ثلاث مئة يوم و تسعين يوما فتحمل اثم بيت اسرائيل. فاذا اتممتها فاتكئ على جنبك اليمين ايضا فتحمل اثم بيت يهوذا اربعين يوما فقد جعلت لك كل يوم عوضا عن سنة. فثبت وجهك على حصار اورشليم و ذراعك مكشوفة و تنبا عليها. و هانذا اجعل عليك ربطا فلا تقلب من جنب الى جنب حتى تتمم ايام حصارك.  

لبنة = تكون من طين ينقش عليه وهو طرى ثم تحرق فتصبح أَجُرَة وأرسم عليها مدينة أورشليم = قال الله قبل ذلك نقشتك على كفى أش 49 : 16 وكانت أسماء أسباط إسرائيل ال12 منقوشة على حجارة كريمة على صدرة رئيس الكهنة. أما الأن فنظراً لخطاياهم البشعة، فهم بمدينتهم أورشليم منقوشون على قالب طوب حقير. وأقام النبى حول هذا النموذج لأورشليم برجاً ومترسة ليمثل أبراج المهاجمين. صاجاً من حديد = إشارة لأن هذا الحصار قوى جداً ولا يمكن الإفلات منه، وهو نهائى، والمحاصرين لن ينسحبوا ما لم يدمروا أورشليم تماماً. هذا الشعب ما عاد يفهم بالكلام لقساوة قلبه، فالله يصور له عن طريق النبى ما سيحدث = تلك آية لبيت إسرائيل إن الأسلوب الذى إتبعه الله عن طريق النبى هنا، هو أسلوب يتبع لمن يخاطب صم وبكم، فالنبى هنا لا يعظ ولا يتكلم، بل هو بنفسه صار آية  = بحصارة لهذا النموذج ونومه على جانبه. وهم صاروا صم وبكم لأن الخطية تفقد الإنسان حواسه الروحيه فلا يعود الخاطئ يسمع ويفهم، بل يحتاج لمثل هذه العلامات، فربما يكون تأثير الصور على العقل أكبر فيفهمون وربما أرسلوا لأقربائهم فى أورشليم أيضاً لتحذيرهم. ولنلاحظ أن النبى نفذ ما طلب منه بالرغم من صعوبته وأيضاً فهو ضد رغبته الشخصية فهو كان يتمنى عدم خراب أورشليم ولا خراب الهيكل.

وكان على النبى أن يرقد على جانبه الأيسر لمدة 390 يوماً أى حوالى 13 شهراً ثم يتكئ على جانبه الأيمن لمدة 40 يوماً. وهذه المدة هى مدة حصار بابل لمدينة أورشليم. ولكن بالرجوع لسفر أرمياء 52 : 4 – 6 نجد أن مدة الحصار كانت 18 شهراً... فما تفسير هذا ؟ بالرجوع إلى أر 37 : 5 – 8 نجد أن جيش بابل قد إنسحب لفترة بعيداً عن أورشليم ليواجه جيش فرعون. فتكون الفترة الإجمالية للحصار هى 18 شهراً شاملة الحصار الفعلى بالإضافة إلى فترة الإنسحاب (أنظر الرسم)

 

 

أى أن البابليين بدأوا حصاراً مدته 390 يوماً إنسحبوا بعده ليواجهوا جيش فرعون ثم عادوا لحصار قصير لمدة 40 يوماً نجحوا بعده فى تحطيم المدينة بعد أن ثغروا السور أر 52 : 7

حاملاً الإثم = ألام النبى فى هذا النوم على جانب واحد هى رمز لألام الشعب التى سيلاقونها فى الحصار. وحاملاً الإثم = أى حاملاً لعقوبة الإثم. هنا نسمع عن برئ يحمل عقوبة إثم الخطاة رمزاً لمن سيحمل أثامنا.

معنى الأرقام :- ال390 يوماً إشارة إلى مدة إنفصال مملكة إسرائيل عن يهوذا على يد يربعام بن نباط، وهذه المملكة إنجرفت فى تيار شرور العبادات الوثنية منذ نشأتها. ومملكة إسرائيل إنشقت حوالى سنة 975 ق. م. أما خراب أورشليم فكان سنة 586 ق.م إذن الفترة من الإنشقاق حتى خراب أورشليم = 390 سنة تماماً. وتكون ال 390 يوماً هى إشارة لكل المدة التى ظل فيها شعب مملكة إسرائيل يمارسون شرورهم منذ إنشقوا عن يهوذا وحتى خراب أورشليم. ولاحظ أن مملكة إسرائيل قد إنتهت على يد أشور سنة 722 ق. م. وهرب من هرب منهم إلى أورشليم ليحتموا بها، ولكنهم أتوا إلى أورشليم بخطاياهم. والله يعاقبهم هنا على كل سنة من خطاياهم بيوم حصار وهذا من مراحم الله. ولكن هناك كلام آخر فى العذاب الأبدى ونعود لعبارة حاملاً الإثم = فلو إستمع هذا الشعب الخاطئ لتحذيرات النبى وقدموا توبة لكان النبى قد حمل إثمهم، بألامه هو فى رقاده ولنجواهم من الهلاك. والمسيح حمل إثمنا على الصليب، وبنفس المفهوم، فلو قدمنا توبة لخلصنا. ومعنى ال40 يوماً :- هذه إشارة لإثم بيت يهوذا (المملكة الجنوبية) وهذه كانت أفضل حالاً من مملكة إسرائيل. ولكن كأس غضب الله قد إمتلأ من ذنبهم خلال أربعين سنة فقط بينما إسرائيل قد ملأت كأسها فى 390 سنة والسبب أن يهوذا كان لهم الهيكل والكهنوت بينما إسرائيل كانت محرومة من كل هذا. ومن له أكثر يدان أكثر. والأربعين سنة غالباً محسوبة منذ العثور على سفر الشريعة أيام يوشيا الملك، أو منذ بدأ أرمياء دعوته ونبوته، حتى حريق أورشليم. والمعلوم أن شعب يهوذا رفض أرمياء ورفضوا إنذاراته، بل عذبوه كثيراً.

وذراعك مكشوفة = كشف الذراع معناه الإستعداد للعمل بهمة. وهذا إشارة لتصميم الله على خراب أورشليم. وإذا فهمنا أن حزقيال (كحامل للإثم يرمز للسيد المسيح، فإن كشف الذراع يشير لتجسد المسيح أش 51 : 9 + أش 51 : 5، 52 : 10

 

الأيات 9 – 17 :- و خذ انت لنفسك قمحا و شعيرا و فولا و عدسا و دخنا و كرسنة و ضعها في وعاء واحد و اصنعها لنفسك خبزا كعدد الايام التي تتكئ فيها على جنبك ثلاث مئة يوم و تسعين يوما تاكله. و طعامك الذي تاكله يكون بالوزن كل يوم عشرين شاقلا من وقت الى وقت تاكله. و تشرب الماء بالكيل سدس الهين من وقت الى وقت تشربه. و تاكل كعكا من الشعير على الخرء الذي يخرج من الانسان تخبزه امام عيونهم. و قال الرب هكذا ياكل بنو اسرائيل خبزهم النجس بين الامم الذين اطردهم اليهم. فقلت اه يا سيد الرب ها نفسي لم تتنجس و من صباي الى الان لم اكل ميتة او فريسة و لا دخل فمي لحم نجس. فقال لي انظر قد جعلت لك خثي البقر بدل خرء الانسان فتصنع خبزك عليه. و قال لي يا ابن ادم هانذا اكسر قوام الخبز في اورشليم فياكلون الخبز بالوزن و بالغم و يشربون الماء بالكيل و بالحيرة. لكي يعوزهم الخبز و الماء و يتحيروا الرجل و اخوه و يفنوا باثمهم

قارن هذه الأيات بالمراثى حيث يصف أرمياء أهوال الحصار مرا 4 : 3، 4. وهنا أُمِر النبى أن يأكل نوعية رديئة من الخبز بكميات قليلة جداً إشارة للمجاعة التى ستحدث، ومعنى الوزن للأكل عدم وفرته وإضطرارهم لتوزيعه بالوزن. وأسوء أنواع الخبز هو المصنوع من الحبوب المذكورة وهو طعام كانوا يستعملونه للخيل وللخنازير. والكمية التى يأكلها كانت = 220 جم تقريباً، ويشرب ما يساوى 1/2 كوب ماء. وهذا إشارة لأهوال الحصار. فعلينا نحن إذاً فى أصوامنا أن نلتزم بأن لا نبحث عن الطعام اللذيذ، فنحن لا نعرف ما سيحدث فى المستقبل. أما طريقة الخَبْزْ.. فعليه أن يخبز الخبز على وقود من خرء الإنسان (برازه) وهذا إشارة لنتائج الخطية التى تنجس، الله بهذا الأمر يشير لنجاسة الشعب إذ أن خرء الإنسان فى العهد القديم يشير للنجاسة، ومن يتلامس معه يتنجس، وإعتذر النبى عن هذا الأمر، وتسامح الله معه، وسمح له بإستخدام روث البقر كما يصنع فى الريف المصرى "هنا النبى لم يكن يعلم أن ما يدخل الفم لا ينجسه بل ما يخرج منه. وكم أنت رحيم يارب فى أن يتنازل عن مطلبه أمام مطلب النبى. هكذا على الأقوياء أن يتنازلوا للضعفاء. ويشير أيضاً الخبز على خرء الإنسان لأن المسبيين سيضطرون فى أثناء وجودهم فى السبى أن يعاشروا الأمم الوثنية ويأكلوا معهم ومن طعامهم وفى هذا نجاسة. ويشير أيضاً لعدم وجود وقود نتيجة للحصار.


 

الإصحاح الخامس

الأيات 1 – 4 :- و انت يا ابن ادم فخذ لنفسك سكينا حادا موسى الحلاق تاخذ لنفسك و امررها على راسك و على لحيتك و خذ لنفسك ميزانا للوزن و اقسمه. و احرق بالنار ثلثه في وسط المدينة اذا تمت ايام الحصار و خذ ثلثا و اضربه بالسيف حواليه و ذر ثلثا الى الريح و انا استل سيفا وراءهم. و خذ منه قليلا بالعدد و صره في اذيالك. و خذ منه ايضا و القه في وسط النار و احرقه بالنار منه تخرج نار على كل بيت اسرائيل.

قارن مع المزمور 133 "هوذا ما أحسن وما أحلى أن يجتمع الإخوة معاً، مثل الدهن الطيب النازل على اللحية" ومعنى المزمور أنه حين يجتمع الإخوة أى شعب الله فى محبة يكونون كلحية حول الرأس، والرأس هو المسيح واللحية هى شعبه الثابت فيه، وطالما الشعب ثابت فى مسيحه ينزل الروح القدس وينسكب من رأس المسيح على شعبه. ولكن إذا عاش الشعب فى الخطية يرفضه الله كمن يحلق شعره ولحيته حينما يتضايق منهما.. هكذا يقول الله "إنى استريح من خصمائى أش 1 : 24" وهنا هو يحلق الكل فلا فائدة من الإصلاح.

أما وزن الشعر فيوضح أن أحكام الله كلها عدل وهو يزن بميزان لا يخطئ كله بر وحق. والبعض سيعاقب بعقوبة والبعض الآخر بعقوبة أخرى، ولكن لاحظ معنى الوزن أن الضربات ليست عشوائية بل بميزان. والموسى الحاد الذى يستخدمه الله هو جيش بابل.

وإحرق بالنار ثلثه وسط المدينة = هذا يشير للجماعة التى ستهلك بالوباء والمجاعة وبحريق المدينة. وخذ ثلثاً وإضربه بالسيف = إشارة لمن يهلك بسيف البابليين. وذر ثلثاً إلى الريح = رمزاً لسبى هذا الثلث وفرار البعض إلى البلدان المجاورة. ولكن ياللهول فسيستل الله سيفاً وراءهم. ولكن هناك بقية قليلة من الثلث الأخير محفوظة والله يهتم بها = صُرَهُ فى أذيالك = رمزاً لحرص الله على حماية هذه البقية، ولكن منهم من أخطأ ولم يعتبر هؤلاء ضربوا أيضاً = خذ منه أيضاً والقه فى وسط النار. وقد يشير هذا للباقين تحت حكم جدليا، ثم فرار البعض إلى مصر.

 

الأيات 5 – 17 :- هكذا قال السيد الرب هذه اورشليم في وسط الشعوب قد اقمتها و حواليها الاراضي. فخالفت احكامي باشر من الامم و فرائضي باشر من الاراضي التي حواليها لان احكامي رفضوها و فرائضي لم يسلكوا فيها. لاجل ذلك هكذا قال السيد الرب من اجل انكم ضججتم اكثر من الامم التي حواليكم و لم تسلكوا في فرائضي و لم تعملوا حسب احكامي و لا عملتم حسب احكام الامم التي حواليكم. لذلك هكذا قال السيد الرب ها اني انا ايضا عليك و ساجري في وسطك احكاما امام عيون الامم. و افعل بك ما لم افعل و ما لن افعل مثله بعد بسبب كل ارجاسك. لاجل ذلك تاكل الاباء الابناء في وسطك و الابناء ياكلون اباءهم و اجري فيك احكاما و اذري بقيتك كلها في كل ريح. من اجل ذلك حي انا يقول السيد الرب من اجل انك قد نجست مقدسي بكل مكرهاتك و بكل ارجاسك فانا ايضا اجز و لا تشفق عيني و انا ايضا لا اعفو. ثلثك يموت بالوبا و بالجوع يفنون في وسطك و ثلث يسقط بالسيف من حولك و ثلث اذريه في كل ريح و استل سيفا ورائهم. و اذا تم غضبي و احللت سخطي عليهم و تشفيت يعلمون اني انا الرب تكلمت في غيرتي اذا اتممت سخطي فيهم. و اجعلك خرابا و عارا بين الامم التي حواليك امام عيني كل عابر. فتكونين عارا و لعنة و تاديبا و دهشا للامم التي حواليك اذا اجريت فيك احكاما بغضب و بسخط و بتوبيخات حامية انا الرب تكلمت. اذا ارسلت عليهم سهام الجوع الشريرة التي تكون للخراب التي ارسلها لخرابكم و ازيد الجوع عليكم و اكسر لكم قوام الخبز. و اذا ارسلت عليكم الجوع و الوحوش الرديئة فتثكلك و يعبر فيك الوبا و الدم و اجلب عليك سيفا انا الرب تكلمت

هذا تفسير لما سبق = هذه أورشليم = إذاً فهذه هى الشعر المحلوق. فبعد أن ميزها الله بأن أقامها وسط الشعوب = أقامها كنور لكل الأمم حولها، تطيع شريعته فيفيض عليها من بركاته، وتصبح كمدينة منيرة موضوعة فوق تل يراها الجميع، فيُعرَف أسم يهوة وسط الأمم التى تحيا فى الظلام. وهذا ما حدث أيام سليمان إذ أتى الغرباء ليسألونه عن سر حكمته والبركة التى يحيا فيها. وهذه هى الكرازة، علينا إذاً أن نطيع فنحيا فى بركات يفيض بها الله علينا، ونكون مستعدين لمجاوبة كل من يسألنا عن سبب الرجاء الذى فينا 1بط 3 : 15. وهذا قصد الله أن يملأنا من الروح القدس فنكون نوراً للعالم ونكون كرازة. ولكن أورشليم لم تحفظ هذا بل كانوا أشر ممن حولهم. ولنلاحظ أن إحتقار كلمة الله يفتح الباب لكل إثم. ولنلاحظ أيضاً أن فرائض الله هى نصوص المعاهدة التى يتعاهد بها الله مع البشر ومن يرفض وصايا وفرائض الله يرفض أيضاً عطاياه ويحرم نفسه منها. وهم حينما خالفوا وصايا الله وشرائعه صاروا أشر من الأمم، فهم إنحدروا لدرجات أسوأ منهم "فالله أسلمهم لذهن مرفوض رو 1 : 28 وهكذا الملح إذا فسد لا يصلح لشئ سوى أن يرمى ويداس من الناس مت 5 : 13. فالأمم حول اليهود كان لكل أمة صنمها الخاص بها، أما أورشليم فعبدت كل أصنام الأمم المجاورة، وهذا لم تصنعه الأمم المجاورة أى تعدد الأصنام أر 2 : 28، 2 : 11 + حز 8 : 9، 10. ولنلاحظ أن أبناء الله وخدامه إذا إرتدوا يصبحوا أشر من الآخرين كمن دخله سبعة أرواح أشر لو 11 : 26 ولننظر عقوبة الله المروعة جزاء الخطية. فالله بنفسه عليها.. ويارب من يصمد أمام غضبك. وقارن، فبعد أن كان الله فى أيام قداستها يدافع هو عنها أصبح الله الآن هو الذى يضربها. وحين يقوم الله على أحد يهيج العالم كله ضده، ليس البابليين هم الذين كانوا ضدهم بل الله. وعلى العكس فإن أرضت الرب طريقل إنسان جعل أعداؤه يسالمونه أم 16 : 7 وهذه الأحكام كان يجب أن تظهر أمام الأمم حتى يظهر لهم بر الله ورفضه وكراهيته للخطية. ولذلك يقول أجرى فى وسطك أحكاماً أمام عيون الأمم = فالله أقامهم وسط الشعوب (آية 5) لتكون نوراً، وكان الله يريد أن يظهر قداسته ببركاته التى يفيض بها عليهم إن التزموا بوصاياه، ولكن نظراً لعنادهم فالله سيظهر قداسته فى عقابهم ورفضه لخطاياهم. فالله لا يحابى شعبه إذا كان شعبه يخطئ. والله يجازى ويقول لا تشفق عينى = هذه الأيات مصممه لتنطبق على العذاب الأبدى للأشرار. ولاحظ أن هناك خطيتان هما اللذان أحزنا قلب الله  1) الوصية المكسورة  2) تدنيس الهيكل  ولاحظ أن الله قبل أن يضرب بهذه الضربات أرسل لهم أرمياء ليحذرهم حتى يتوبوا، ولما لم يتوبوا قرر معاقبتهم علناً أمام عيون الأمم ولاحظ نتائج الخطية تأكل الأباء الأبناء = فحين تتخلى نعمة الله يدب فيهم الفساد والإنقسامات، ويأكل كل عضو الأخر، وأخيراً لا يبقى منهم إلا رماد بعد أن إلتهمت نار غضب الله كل شئ. وإذ كان الأباء يأكلون أبنائهم، فما الذى يحدث بين أفراد المجتمع من جيران وأصدقاء، أو بين من لا يعرفون بعضهم... حقاً انها صورة مخيفة. هذه صورة معاكسة لمزمور 133 فهذا شعب بلا محبة، وهذا الشعب يمثل اللحية التى تنزع وترمى وتحرق  


 

الإصحاح السادس

الآيات  1 – 7 :- و كان الي كلام الرب قائلا. يا ابن ادم اجعل وجهك نحو جبال اسرائيل و تنبا عليها. و قل يا جبال اسرائيل اسمعي كلمة السيد الرب هكذا قال السيد الرب للجبال و للاكام للاودية و للاوطئة هانذا انا جالب عليكم سيفا و ابيد مرتفعاتكم. فتخرب مذابحكم و تتكسر شمساتكم و اطرح قتلاكم قدام اصنامكم. و اضع جثث بني اسرائيل قدام اصنامهم و اذري عظامكم حول مذابحكم. في كل مساكنكم تقفر المدن و تخرب المرتفعات لكي تقفر و تخرب مذابحكم و تنكسر و تزول اصنامكم و تقطع شمساتكم و تمحى اعمالكم. و تسقط القتلى في وسطكم فتعلمون اني انا الرب.

جبال إسرائيل = عادة تشير الجبال للنفوس المرتفعة عن الأرضيات لتسكن مع الله فى السماويات، وهذه تكون راسخة فى إيمانها كالجبال. ولهذا أقام الله أورشليم على جبل إشارة لما يجب أن تكون عليه من حياة سماوية (راجع مزمور 121). ولاحظ أن الملاكان طلبا من لوط أن يهرب للجبال حتى لا يهلك. ولكن جبال إسرائيل هنا لا تشير لهذه المعانى السماوية، فأورشليم فى خطاياها وكبريائها أصبحت جبالاً شريرة مرتفعة بالكبرياء وليس بالقداسة لذلك كانت هذه النبوات ضدها لعلها تدفعهم للتوبة ويذكروا مركزهم الأول كجبال مقدسة. هكذا قال الرب للجبال والأكام = الجبال والأكام هنا إشارة لملوكهم ورؤسائهم وجبابرتهم. للأودية وللأوطئة = وهذه إشارة للشعب العادى. ولكن الكل صار فى فساد.

ونجد هنا تهديد بخراب إسرائيل لوثنيتهم، وهلاك أوثانهم معهم.

مرتفعاتكم = هى الهياكل الوثنية التى كانوا يفضلون إقامتها على المرتفعات شمساتكم = هى الهياكل التى يعبدون فيها الشمس، ويالخزى هذه الأصنام (الشياطين) التى لم تستطع أن تحمى من يعبدها، ولاحظ هذا من قوله وأطرح قتلاكم قدام أصنامكم = وحدث هذا مع سنحاريب الذى أهان الله حول أسوار أورشليم وقت أن حاصر أورشليم فى أيام حزقيا الملك، فحين عاد هذا المغرور لبلده قتله إبناه أمام هيكل نسروخ إلهه، ولم يستطع نسروخ حمايته. وتخرب مذابحكم وتنكسر = ستنكسر كل تماثيلهم ومشغولاتهم القيمة التى دفعوا فيها كل أموالهم كتقدمة لهذه الأوثان. ملحوظة :- كم من خاطئ الأن يضيع صحتة ونقوده ومواهبه التى أعطاها له الله من أجل خطايا وملذات يعرضها الشيطان عليه. فلا يوجد الآن من يعبد الأوثان، ولكن يوجد من يعبد اللذات. فتعلمون أنى أنا الرب = هذه عبارة تتكرر كثيراً فى هذا السفر، فهدف الرب من تأديباته أن نعود للرب مؤمنين به فنتحرر من عبودية إبليس ونعرف الفرح الحقيقى. وأذرى عظامكم حول مذابحكم = هذا إعلان عن

 1) نجاسة أو تنجيس هذه المذابح فالعظام هى نجاسة فى مفهوم العهد القديم، وإذا تم تنجيس هذه المذابح

      فهم  سيكفوا عن إستخدامها للعبادة، وهذا ما فعله يوشيا 2مل 23 : 16

 2) ضعف هذه المذابح التى لم تستطع حمايتهم، لعلهم يدركوا عدم جدوى عبادتهم.

 

الآيات 8 – 10 :- و ابقي بقية اذ يكون لكم ناجون من السيف بين الامم عند تذريكم في الاراضي. و الناجون منكم يذكرونني بين الامم الذين يسبون اليهم اذا كسرت قلبهم الزاني الذي حاد عني و عيونهم الزانية وراء اصنامهم و مقتوا انفسهم لاجل الشرور التي فعلوها في كل رجاساتهم. و يعلمون اني انا الرب لم اقل باطلا اني افعل بهم هذا الشر.

هنا وعد بعودة بقية منهم لله بالتوبة. هنا تفرحنا مراحم الله بعد كل الإنذارات السابقة، فدائماً هناك رجاء إذا كان هناك توبة. والله يضرب ولكن من يجد فيه أمل يتركه فهو لا يطفئ فتيله مدخنة. والمطلوب منهم أن يذكروا الله بين الأمم = والناجون منكو يذكروننى بين الأمم = فهناك من نسوا الله فى أرض سلامهم ولكنهم يذكرونه فى سبيهم مثل الإبن الضال الذى ترك أبيه بينما كان فى مجد بيت أبيه، لكنه ذكره فى حظيرة الخنازير. هذا لم يذكر أبوه إلا حينما عوقب بالجوع فى أرض بعيدة، ولكن تذكره الله كان الخطوة الأولى فى الرجوع. فالخطية تبدأ فى النمو حينما ننسى الله أما التوبة فتبدأ حين نذكر الله. وغرض الله من ضرباته دائماً أن نتوب = أن يكسر قلبهم الزانى = الله يسمح بالحزن وأن ينكسر قلب الخاطئ، وذلك حتى يتوب فيخلص. والنتيجة مقتوا أنفسهم لأجل الشرور التى فعلوها = هم سيمقتوا أنفسهم حين يذكرون أنهم كسروا قلب الله بخطيتهم. والتائب الحقيقى يرى الخطية شئ بغيض جداً، فكل ما يغضب الله يغضبه، وما كان مصدر سرور ولذة للخاطئ سيكون له شئ بغيض حين يتوب. أن علامة التوبة الحقيقية أن التائب يشمئز من نفسه ويمقت نفسه بسبب خطاياه.

 

الآيات 11 – 14 :- هكذا قال السيد الرب اضرب بيدك و اخبط برجلك و قل اه على كل رجاسات بيت اسرائيل الشريرة حتى يسقطوا بالسيف و بالجوع و بالوبا. البعيد يموت بالوبا و القريب يسقط بالسيف و الباقي و المنحصر يموت بالجوع فاتمم غضبي عليهم. فتعلمون اني انا الرب اذا كانت قتلاهم وسط اصنامهم حول مذابحهم على كل اكمة عالية و في رؤوس كل الجبال و تحت كل شجرة خضراء و تحت كل بلوطة غبياء الموضع الذي قربوا فيه رائحة سرور لكل اصنامهم. و امد يدي عليهم و اصير الارض مقفرة و خربة من القفر الى دبلة في كل مساكنهم فيعلمون اني انا الرب

هنا يطلب الله من النبى أن يرثى إسرائيل لنكباتها التى ستحل بها وهنا يطلب منه أن يضرب بيده ويخبط برجله ويتأوه = ليظهر لهم جاداً فيما يقوله، وكأن هذه الضربات قد حدثت فعلاً ورآها. وهذا ما يحدث مع الأنبياء، أن الله يظهر لهم ما سيحدث وهم يتفاعلون بصدق أمام الناس. وكان عليه أن ينوح على شيئين أ) خطايا إسرائيل ب) الأحكام التى ستقع عليها (السيف والمجاعة والوباء وخراب أورشليم والهيكل والسبى) وهكذا بكى يسوع على أورشليم. وهكذا كل خادم حقيقى يبكى على شعبه حين تتملك منهم الخطية، وحين تبدأ ضربات الله ضدهم، بل قبل أن تبدأ الضربات فالخادم الحقيقى يدرك أنها لا بد وستأتى. ولاحظ أن التائب سيكون أكثر شدة حيث المواضع المستخدمة للعبادة الوثنية :- التلال العالية ورؤس الجبال، وتحت ظلال الأشجار وبالذات البلوطة (لأن الوثنيين يفضلون هذه الأماكن لإقامة مذابحهم) حيث كانوا يقربون رائحة سرور لكل أصنامهم = فصارت رائحة موت لهم.

وأصير الأرض مقفرة من القفر إلى دبلة = الترجمة الإنجليزية أكثر دقة وهى "أجعل الأرض مقفرة وخربة، نعم وأكثر خراباً من البرية القفر عند دبلة" ودبلة هذه فى جنوب الشرق للبحر الميت، وهى منطقة قفر وخربة.

ملحوظة :- كان عباد الأصنام، وقد قلدهم اليهود للأسف، يفضلون أقامة معابدهم على المرتفعات والأكام، فى حين كانت عبادة "مولك" فى الأودية والأوطئة. وكانت هذه العبادة الوثنية تسمى زنا روحى وذلك لخيانة العابدين لله، وكانت تشتمل هذه العبادات على الزنا الجسدى.


 

الإصحاح السابع

النبى هنا يتنبأ بالخراب الأتى على أرض إسرائيل، وأنه خراب نهائى وقريب جداً، بل هو على الأبواب ولا يمكن تحاشيه، فقد جلبوه على أنفسهم بخطاياهم ولا يمكنهم الدفاع ضده، لا بقوتهم ولا بثروتهم، بل حتى الهيكل الذى وضعوا فيه ثقتهم سيخرب. إذاً هو خراب عام. وكل هذه الإنذارات ليحثهم على التوبة لأن الناس إعتادت أن تستغل طول أناة الله بطريقة خاطئة، ظانين أن الله لن يؤدب ولن يضرب. وعلى المستوى الشخصى فالله يؤدب كل شخص على خطاياه أما فى حالة أورشليم فلأن الخطية تشمل الجميع فالضربة ستكون عامة وشاملة.

 

الآيات 1 – 6 :- و كان الي كلام الرب قائلا. و انت يا ابن ادم فهكذا قال السيد الرب لارض اسرائيل نهاية قد جاءت النهاية على زوايا الارض الاربع. الان النهاية عليك و ارسل غضبي عليك و احكم عليك كطرقك و اجلب عليك كل رجاساتك. فلا تشفق عليك عيني و لا اعفو بل اجلب عليك طرقك و تكون رجاساتك في وسطك فتعلمون اني انا الرب. هكذا قال السيد الرب شر شر وحيد هوذا قد اتى. نهاية قد جاءت جاءت النهاية انتبهت اليك ها هي قد جاءت.

لاحظ تكرار كلمة النهاية مرتين، فالله أظهر للنبى ما سيحدث من دمار فكان كمن رأى حريق فصرخ "نار.. نار" هم كانوا يمنون أنفسهم بنهاية سعيدة فيها حل لكل مشاكلهم ولكن كيف تكون هناك نهاية سعيدة مع وجود خطية، بل ستكون هناك نهاية مأساوية، وربما طالت المدة لهذه النهاية ولكنها قادمة. والخراب الذين تم على يد الكلدانيين هو عربون للخراب النهائى الذى تم على يد الرومان، والكلمات أيضاً تشير للخراب النهائى للعالم حيث نسمع أن الخراب يشمل زوايا الأرض الأربع. وكلمة النهاية أشار لها الرسول بطرس 1بط 4 : 7 "نهاية كل شئ قد إقتربت" وأشار لنفس المعنى السيد المسيح نفسه فى مت 24 : 14 يُكرز ببشارة الملكوت هذه فى كل المسكونة... ثم يأتى المنتهى" وقوله أن النهاية على زوايا الأرض الأربع = أى أن الخراب يشمل كل الأرض ولن يهرب أحد. شرشر وحيد هوذا قد أتى وكلمة وحيد هنا تعنى فى أصلها "نهائى" أى أن هذا الشر ليس مثله لا من قبل ولا من بعد، أما المستهزئين فهم يتصورون أنه لا نهاية 2بط 3 : 4. والخراب والنهاية الحزينة شئ محزن ولكن هذه نتيجة الخطية (قارن مع أم 6 : 7 أيأخذ الإنسان ناراً فى حضنه ولا تحرق ثيابه). فالخطية هى أشر أنواع الشرور، ولكن المقصود هنا شر الآلام القادمة عليهم بسبب شرورهم

جاءت النهاية      إنتبهت إليك = العبارة هنا فيها جناس فكلمة نهاية هى بالعبرية هَقِص وكلمة إنتبهت هى هِقِيص

 

الآيات 7 – 11 :- انتهى الدور اليك ايها الساكن في الارض بلغ الوقت اقترب يوم اضطراب لا هتاف الجبال. الان عن قريب اصب رجزي عليك و اتمم سخطي عليك و احكم عليك كطرقك و اجلب عليك كل رجاساتك. فلا تشفق عيني و لا اعفو بل اجلب عليك كطرقك و رجاساتك تكون في وسطك فتعلمون اني انا الرب الضارب. ها هوذا اليوم ها هوذا قد جاء دارت الدائرة ازهرت العصا افرخت الكبرياء. قام الظلم الى عصا الشر لا يبقى منهم و لا من ثروتهم و لا من ضجيجهم و لا نوح عليهم.

بلغ الوقت = المحدد لهذا الشر. ويكررها ها هوذا اليوم قد جاء = هذا الذى أبطأ فى قدومه، ها هوذا قد جاء. ويسميه يوم إضطراب. وهذا بدلاً عن هتاف الجبال = إشارة لتسابيح الفرح التى بطلت إذ نُزِعَ الفرح منهم وحل بدله الضيق والإضطراب. ولكن هذا الشر حسب طرقهم ورجاساتهم. لأن رجاساتهم فى وسطهم

فتعلمون أنى أنا الرب = الرب القدوس الذى لا يحتمل هذه الرجاسات ويجازى بعدل. وهدف الله عموماً من ضربانه أن نعرفه ونرجع إليه. وهنا يذكر الله خطيتين بالتحديد وهما الظلم والكبرياء. الظلم مِن مَن هم مفروضاً فيهم العدل أى الملك والحكام والقضاة، الذين فى أيديهم العصا وهذا معنى أزهرت العصا = أى العصا الظالمة فى أيدى الحكام أزهرت هذه الضربات. ونفس المعنى عن الكبرياء أنها أفرخت = فهذه الضربات سببها الظلم والكبرياء. وما يتبرعم ويبدأ نموه فى الخطية سيزهر ويفرخ فى قضاء الله. المعنى أن كل شئ قد نضج للدينونة. وقام الظلم إلى عصا الشر أى الحكام الظالمين الأشرار إستخدموا العصا التى فى أيديهم ظلماً، لذلك لا يبقى منهم ولا من ثروتهم ولا من ضجيجهم = فالضربة هى خراب تام ولن يوجد من ينوح عليهم = ولا نوح عليهم. ودارت الدائرة = فالحاكم الظالم صار مظلوماً أمام جيش بابل، والغنى صار فقيراً، أما الفقراء والمساكين فلقد تركهم جيش بابل ولم يمسوهم بأذى 2مل 25 : 8 – 12

 

الآيات 12 – 15 :- قد جاء الوقت بلغ اليوم فلا يفرحن الشاري و لا يحزنن البائع لان الغضب على كل جمهورهم. لان البائع لن يعود الى المبيع و ان كانوا بعد بين الاحياء لان الرؤيا على كل جمهورها فلا يعود و الانسان باثمه لا يشدد حياته. قد نفخوا في البوق و اعدوا الكل و لا ذاهب الى القتال لان غضبي على كل جمهورهم. السيف من خارج و الوبا و الجوع من داخل الذي هو في الحقل يموت بالسيف و الذي هو في المدينة ياكله الجوع و الوبا.

بلغ اليوم = جاء وقت الدينونة ووقوع الضربة. فلا يفرح الشارى ولا يحزن البائع = عادة يفرح الشارى بما أضافه إلى منزله مثلاً ويحزن البائع لما إضطر أن يبيعه. ولكن مع الخراب العام فلا هذا يفرح ولا ذاك يحزن. ولتلاحظ بطل هذا العالم (وقارن مع 1كو 7 : 29). وهذه الضربات هى على الكل = كل جمهورها. ولأن البائع لن يعود للبيع لأنه لن يجد شيئاً يبيعه هذا إن فُرِض وكان بين الأحياء. لأن الرؤيا على كل جمهورها = أى على الجميع ستكون هذه الضربات. والإنسان بإثمه لا يشدد حياته سيكون عبثاً أن يتحدى أحد الخطاة الله وأحكامه. وهم نفخوا فى البوق = هذه محاولة أخيرة يائسة يحاولون فيها جمع جيشهم لمواجهة العدو ولكن لا ذاهب للقتال فلا يوجد أحد ليحارب = لأن غضبى على كل جمهورهم = والسيف ورائهم فى الداخل والخارج، فى الحقل والمدينة.

 

الآيات 16 – 22 :- و ينفلت منهم منفلتون و يكونون على الجبال كحمام الاوطئة كلهم يهدرون كل واحد على اثمه. كل الايدي ترتخي و كل الركب تصير ماء. و يتنطقون بالمسح و يغشاهم رعب و على جميع الوجوه خزي و على جميع رؤوسهم قرع. يلقون فضتهم في الشوارع و ذهبهم يكون لنجاسة لا تستطيع فضتهم و ذهبهم انقاذهم في يوم غضب الرب لا يشبعون منهما انفسهم و لا يملاون جوفهم لانهما صارا معثرة اثمهم. اما بهجة زينته فجعلها للكبرياء جعلوا فيها اصنام مكرهاتهم رجاساتهم لاجل ذلك جعلتها لهم نجاسة. اسلمها الى ايدي الغرباء للنهب و الى اشرار الارض سلبا فينجسونها. و احول وجهي عنهم فينجسون سري و يدخله المعتنفون و ينجسونه.

حتى مصير الباقين فمأساوى، هو هروب كهروب قايين، فهم مشردين خائفين، أينما ذهبوا تكون ضمائرهم شاعرة بالذنب. وهؤلاء الذين ظنوا أنفسهم يوماً كأسود الجبال فى كبريائهم يصبحون كحمام الأوطئة = أى يكونون فى ضعف الحمام الذى يطير فى هدير مستمر كأنه ينتحب. فمن لم يبكى على خطيته سيبكى نادماً بعد الخراب الذى سيصيبه بسببها. وكل الأيدى ترتخى = فلا يقدرون على الدفاع عن أنفسهم. وكل الركب تصير ماء = أى ضعيفة غير قادرة على الهرب من الرعب. ويتنطقون بالمسح = فلا ملابس لهم. والمسح والقرع علامة الحزن = وعلى رؤوسهم قرع. يلقون فضتهم فى الشوارع فلم يعد لها قيمة، بل هناك خطر منها فالبابليين يقتلون الأغنياء لينهبوهم. هذا المال الذى إتكلوا عليه يوماً وكان لهم ضمان مستقبلهم الآن يرمونه.

ذهبهم يكون لنجاسة = طالما قدموا ذهبهم للأوثان، أى كان لنجاسة، والأن يذهب للبابليين الغزاة الذين سيستخدمونه أيضاً لنجاسة أى لأوثانهم هم. فنبوخذ نصر شيد هياكل مغشاة بالذهب، وتماثيل ذهبية لآلهته من هذا الذهب الذى غنمه من حروبه. وفضتهم وذهبهم لم يعودا قادرين على أن يشبعوهم فلا خبز ولا طعام فى المدينة. لأنهما صارا معثرة إثمهم = فهم قد إستغلوا أموالهم فى الخطية وأعطوها للأصنام، فكان الذهب والفضة لهما عثرة. أما بهجة زينته = أى الهيكل الذى كان فى وسطهم للبهجة، يزين حياتهم، وهم وضعوا فيه فخرهم وإستمدوا منه أمنهم، فلأنهم نجسوه بأصنامهم وتحدوا الله بذلك فالله سيجردهم من هذا الهيكل. الله وضع هذا الهيكل ليحل مجده فى وسطهم = فجعلها للكبرياء = أن أن الله جعل الهيكل وسطهم ليفتخروا ويبتهجوا بالرب الذى فى وسطهم، ولكنهم إستغلوه لكبريائهم، وأهانوه بخطاياهم ووضعوا أوثانهم فيه، فأصبحوا لا يستحقون وجوده وسطهم. وسيدخله الغرباء = المعتنفون = أى الغزاة الذين يتعاملون معه بعنف ويأخذون كل ما كان فيه. ولكن سنلاحظ فيما بعد أن مجد الله قد فارق الهيكل قبل أن يدخله هؤلاء الوثنيين، وهذا معنى أحول وجهى عنهم = أى عن شعبه فينجسون سرى = الغزاة دخلوا قدس الأقداس

 

الآيات 23 – 27 :- اصنع السلسلة لان الارض قد امتلات من احكام الدم و المدينة امتلات من الظلم. فاتي باشر الامم فيرثون بيوتهم و ابيد كبرياء الاشداء فتتنجس مقادسهم. الرعب ات فيطلبون السلام و لا يكون. ستاتي مصيبة على مصيبة و يكون خبر على خبر فيطلبون رؤيا من النبي و الشريعة تباد عن الكاهن و المشورة عن الشيوخ. الملك ينوح و الرئيس يلبس حيرة و ايدي شعب الارض ترجف كطريقهم اصنع بهم و كاحكامهم احكم عليهم فيعلمون اني انا الرب

السلسلة = تشير لذهابهم للسبى فى عبودية. هنا النبى صنع سلسلة إشارة لهذا. ويرث الغرباء بيوتهم = لأنهم ظلموا المساكين. والله سيحرمهم من أى رؤيا أو مشورة لملوكهم وشيوخهم وكهنتهم فيقعون فى حيرة. وماذا يستطيع الإنسان أن يفعل حينما يفارقه الله، بل يكون ضده.


 

الإصحاح الثامن

فيما سبق أعطى الله فكرة عن الضربات، وأنه سمح بخراب الهيكل، وهنا يظهر الله لماذا سمح بهذا، يظهر خطايا الشعب وكيف نجسوا هم الهيكل بأوثانهم، لذلك تركه لهم. وكأن الله حينما يظهر بشاعة خطيتهم للنبى، كأنه يسأل "هل مثل هؤلاء يُرحَمون". الله ما كان سيتخلى عن الهيكل إلا حينما نجسه هؤلاء، فلا شركة للنور مع الظلمة، وحين تركه الله دخله البابليون. وهذا ما حدث مع شاول الملك إذ حينما فارقه روح الرب باغته روح ردئ 1صم 16 : 14

 

الآيات 1 – 6 :- و كان في السنة السادسة في الشهر السادس في الخامس من الشهر و انا جالس في بيتي و مشايخ يهوذا جالسون امامي ان يد السيد الرب وقعت علي هناك. فنظرت و اذا شبه كمنظر نار من منظر حقويه الى تحت نار و من حقويه الى فوق كمنظر لمعان كشبه النحاس اللامع. و مد شبه يد و اخذني بناصية راسي و رفعني روح بين الارض و السماء و اتى بي في رؤى الله الى اورشليم الى مدخل الباب الداخلي المتجه نحو الشمال حيث مجلس تمثال الغيرة المهيج الغيرة. و اذا مجد اله اسرائيل هناك مثل الرؤيا التي رايتها في البقعة. ثم قال لي يا ابن ادم ارفع عينيك نحو طريق الشمال فرفعت عيني نحو طريق الشمال و اذا من شمالي باب المذبح تمثال الغيرة هذا في المدخل. و قال لي يا ابن ادم هل رايت ما هم عاملون الرجاسات العظيمة التي بيت اسرائيل عاملها هنا لابعادي عن مقدسي و بعد تعود تنظر رجاسات اعظم.

جاء شيوخ إسرائيل الذين فى السبى ليسمعوا من النبى. وهنا رأى النبى رؤيا، والشيوخ لم يروا شيئاً (كما حدث مع بولس فى الطريق). وما لاحظه غالباً هؤلاء الشيوخ، أن النبى فى شبه غيبوبة روحية. أما المنظر الذى رآه فهو منظر كلمة الله المتجسد، الذى هو شبه منظر إنسان له حقوين، ورآه يتقد ناراً من حقويه إلى أسفل ومملوء بهاء من حقويه إلى أعلى. والمعنى من هذه الرؤيا، أن المسيح بتجسده سيدين الخطية (النحاس يشير للدينونة.. أنظر إصحاح 1 آيات 4-14) وهو الذى سيطهر الناس من خطاياهم وهو يطهر النبى نفسه ليرفعه الروح، وليصل إلى هذه الدرجة الروحية، أن يختطف بالروح إلى أورشليم، بينما هو بالجسد فى بابل. الروح هنا وضع النبى فى حالة روحية مثل التى قال عنها بولس الرسول "أفى الجسد أم خارج الجسد لست أعلم" 2كو 12 : 1 – 4. وبهذه الحالة نقله لأورشليم، فلم يكن على الأرض فهو محمول بالروح، وهو لم يصل للسماء فهو مازال فى الجسد = رفعنى الروح بين الأرض والسماء. وهذه هى نفس الحالة التى عبر عنها يوحنا فى رؤ 1 : 10، 4 : 2 مد شبه يد.. ورفعنى روح = اليد هى يد كلمة الله الذى يطهر حزقيال حتى يرفعة الروح لهذه الدرجة. وفى أورشليم رأى النبى نفس ما رآه أولاً من مجد الله، فكان الله بمجده مازال فى الهيكل. وهذا مما يزيد بشاعة خطية يهوذا أنهم يتركون هذا المجد ليعبدوا تمثال الغيرة = وليس من المهم أن نعرف أى إله هذا الذى صنعوا له تمثالاً يعبدونه، فأى صنم يسبب لله غيرة، فهذا تعدى على حقوقه. والله إلهنا إله غيور. ولاحظ انه كان متجهاً للشمال، ومن الشمال جاء البابليون. فالضربات تأتى للأشرار من حيث توجد خطيتهم. ولاحظ أيضاً عبارة لإبعادى عن مقدسى = فحينما يدخل إلى قلوبنا حب آخر غير حب الله يكون هذا كأنه دعوة لإبعاده عن مقدسه أى قلبنا.

 

الآيات 7 – 12 :- ثم جاء بي الى باب الدار فنظرت و اذا ثقب في الحائط. ثم قال لي يا ابن ادم انقب في الحائط فنقبت في الحائط فاذا باب. و قال لي ادخل و انظر الرجاسات الشريرة التي هم عاملوها هنا. فدخلت و نظرت و اذا كل شكل دبابات و حيوان نجس و كل اصنام بيت اسرائيل مرسومة على الحائط على دائره. و واقف قدامها سبعون رجلا من شيوخ بيت اسرائيل و يازنيا بن شافان قائم في وسطهم و كل واحد مجمرته في يده و عطر عنان البخور صاعد. ثم قال لي ارايت يا ابن ادم ما تفعله شيوخ بيت اسرائيل في الظلام كل واحد في مخادع تصاويره لانهم يقولون الرب لا يرانا الرب قد ترك الارض.

أقام هؤلاء الشيوخ، قادة الشعب المرائين، الذين يحكمون ضد عابدى الأوثان، وهو يعبدونها سراً، أقام هؤلاء حائطاً ليستر عملهم، ولكن كان هناك ثقب، فمهما حاول المرائى أن يستر خطيته، فهناك ثقب يظهرها. وإذا إستمر المرائى فى خطيته، فالله يعمل على أن يتسع هذا الثقب ليفضح هذا الخاطئ المرائى، هكذا طلب الله من حزقيال توسيع الثقب. وللأسف كانوا يعبدون فى الداخل وبكل توقير أشكال متعددة ويقدمون لها البخور الذى كان يجب أن يقدم لله. وحزقيال عرف منهم أحدهم بإسمه وذكر أسمه ربما لسابق معرفته به أو لشهرته. وكانوا يقولون الله لا يرانا = وهذا إلى حد بعيد فكر كل من يرتكب خطية أنه لا يشعر بأن الله يراه ويراقبه.إذاً عدم الإيمان العملى أى الإيمان والشعور بأن الله موجود دائماً، هو السبب فى خطايانا. ويقولون الله ترك الأرض = والحقيقة أنهم هم الذين تركوا الله.

 

الآيات 13 – 18 :- و قال لي بعد تعود تنظر رجاسات اعظم هم عاملوها. فجاء بي الى مدخل باب بيت الرب الذي من جهة الشمال و اذا هناك نسوة جالسات يبكين على تموز. فقال لي ارايت هذا يا ابن ادم بعد تعود تنظر رجاسات اعظم من هذه. فجاء بي الى دار بيت الرب الداخلية و اذا عند باب هيكل الرب بين الرواق و المذبح نحو خمسة و عشرين رجلا ظهورهم نحو هيكل الرب و وجوههم نحو الشرق و هم ساجدون للشمس نحو الشرق. و قال لي ارايت يا ابن ادم اقليل لبيت يهوذا عمل الرجاسات التي عملوها هنا لانهم قد ملاوا الارض ظلما و يعودون لاغاظتي و ها هم يقربون الغصن الى انفهم. فانا ايضا اعامل بالغضب لا تشفق عيني و لا اعفو و ان صرخوا في اذني بصوت عال لا اسمعهم

كانت عبادة تموز عبادة كلدانية، يقدمون فيها ذبائح بشرية، وتمارس فى هذه الاحتفالات العلاقات الجنسية كجزء من العبادة وكانوا يقيمون هذه الإحتفالات لتموز مرتين، الأولى فى زمن إشتداد الحر وفيها يبكون موت تموز (وشهور الحر هى يوليو وأغسطس، وطالما هم يبكون هنا، فهم فى حوالى شهر أغسطس = الشهر السادس بحسب التوقيت اليهودى (8 : 1). ثم يقيمون حفلات الفرح بعودة تموز فى شهور الربيع. وهنا كان النساء اليهوديات يشتركن فى هذه العبادة بالبكاء على تموز عوضاً عن البكاء على خطاياهن. وما يأتى هو أسوأ الكل. فهناك 25 رجلاً وغالباً كانوا من الكهنة، كانوا واقفين بين الرواق والمذبح حيث تؤدى أقدس الشعائر الدينية، وكانوا يعبدون الشمس ناظرين للشرق، أى أعطوا ظهورهم للهيكل، لأن الهيكل اليهودى كان متجهاً للغرب لا للشرق، وهذا يتطابق مع قول الله "هذا الشعب أعطانى القفا لا الوجه أر 2 : 27" ويالغباء الإنسان الذى يترك الله أبى الأنوار يع 1 : 17 ويعبد نور الشمس. وهؤلاء يقول عنهم الله أنهم كمن يضع غصناً فى الأنف = وهذه يبدو أنها عادة وثنية، فبعد أن يحضروا الزهور للآلهة يضعون الغصن فى أنوفهم. ووضع الغصن فى الأنف يثير جداً ويدعو للغيظ، وكأنهم حينما يفعلون هذا فهم لا يغيظوا إلا أنفسهم، فالغصن فى أنفهم هم، والمعنى أن ما يفعلوه سيجلب عليهم ضربات تغيظهم وتؤدبهم. ومرعب جداً أن نسمع هذه العبارة = وإن صرخوا فى أذنى بصوت عال لا أسمعهم = هذه تشبه أعطيتها زماناً لكى تتوب.. رؤ 2 : 21. فكان الله يحدد زماناً يقبل فيه التوبة وبعد ذلك لابد وستأتى الضربات. هكذا قيل عن عيسو أنه طلب التوبة بدموع ولكنه رُفِض عب 12 : 17 


 

الإصحاح التاسع

رأى النبى سابقاً شر أورشليم والآن يرى الهلاك المعد. هنا نرى دور الملائكة فى تنفيذ الدينونة. فالنبى رأى ستة ملائكة بيدهم ألاتهم المهلكة ورأى الرب يغادر مكانه إلى عتبة البيت. ورأى شخص أُمِر أو أُرسِلَ ليضع سمة على جباه الأتقياء لتحفظهم من الضربات. فضربات الله محسوبة وهى ليست عشوائية، وليست على الكل.

 

الآيات 1 – 4 :- و صرخ في سمعي بصوت عال قائلا قرب وكلاء المدينة كل واحد و عدته المهلكة بيده. و اذا بستة رجال مقبلين من طريق الباب الاعلى الذي هو من جهة الشمال و كل واحد عدته الساحقة بيده و في وسطهم رجل لابس الكتان و على جانبه دواة كاتب فدخلوا و وقفوا جانب مذبح النحاس. و مجد اله اسرائيل صعد عن الكروب الذي كان عليه الى عتبة البيت فدعا الرجل اللابس الكتان الذي دواة الكاتب على جانبه. و قال له الرب اعبر في وسط المدينة في وسط اورشليم و سم سمة على جباه الرجال الذين يئنون و يتنهدون على كل الرجاسات المصنوعة في وسطها.

صرخ فى سمعى = الذى يصرخ عادة ما يكون ثائراً. والله هنا ثائر على كل هذه الشرور. ومن لا يسمع صوت الله اللطيف سيسمع صوت صراخ غضبه وتهديداته. بصوت عال = حتى يتأثر النبى ويبلغ الرسالة بأمانة. وكلاء المدينة = هؤلاء هم الملائكة الذين كانوا موكلين على إفتقاد وحماية المدينة، وتغيرت مهمتهم الآن بسبب الخطية، فلقد أعطوا مهمة تدمير المدينة. وكان عددهم ستة، فأبواب أورشليم كانت ستة وقادة جيوش البابليين كانوا ستة. إذاً كانوا لكل منهم عدته الساحقة فى يده = والعدة الساحقة هنا كانت قائد من القادة لكل ملاك. ويبدو أن الملائكة كانوا يقودون القادة للتدمير. وهم أتوا من الشمال = حيث كان تمثال الغيرة موجوداً. وهم دخلوا ووقفوا بجانب مذبح النحاس = هنا النحاس كما قلنا يشير للدينونة (صفحة 13). فعملهم الأن تدمير الشعب الذى أهان مذبح الله. وكان وسطهم رجل لابس كتان = الكتان هو ما يلبسه الكهنة علامة البر والقداسة. ودواة الكاتب على جانبه = هذا المنظر هو منظر المحامين القدماء. فمن هو هذا الشخص البار الذى يدافع عن البشر ؟ ليس هو إلا السيد المسيح الشفيع لدى الآب. وهو هنا قد جاء لينقذ خاصته من سيف العدالة الإلهية. ولاحظ أن الله إستدعى الملائكة ولكنه لم يستدعى هذا الشخص. ولكننا نسمع وقال له الرب = هذه تساوى قال الرب لربى مز 110 : 1. وكان طلب الرب من هذا الشفيع أن يضع سمة على جباه الذين يئنون على الرجاسات = وهذا هو نفس ما حدث فى رؤ 7 : 1 – 3. والعجيب أن كلمة سمة فى اللغة الأصلية تعنى علامة لها شكل صليب. فى هذا إشارة لإنقاذ المسيح للأبرار بدم صليبه، وهذا ما تم فى أن خروف الفصح أنقذ من الموت من صبغ أبوابه به. لقد عبر ملاك الموت عن البيوت التى صبغت أبوابها بدم خروف الفصح وهنا فالملائكة المهلكون سيعبروا دون أن يهلكوا مَن عليه السمة التى وضعها الرب. دواة كاتب = المحامى يحتاج لدواة ليكتب بها أوراق دفاعه عن المتهم، أما ربنا يسوع فدواته هى دماء جراحه التى يضع بها سمة على جباه عبيده المؤمنين، وهذه العلامة هى بشكل غير مرئى لنا الآن، لكنها مرئية أمام الملائكة المهلكين. ونفهم أن الروح القدس الذى ختمنا به أف 1 : 13 هو من إستحقاقات دم المسيح. فمن هو ممتلئ من الروح القدس كالعذارى الحكيمات سيكون هنا ظاهراً أمام الملائكة، فالروح القدس هو نار لا نراها نحن، بل يراها الملائكة، وهم سيعبروا دون أن يهلكوا من لا يطفئ الروح الذى فيه، أى حافظ على السمة التى أخذها 1تس 5 : 19 والروح القدس قيل عنه أنه كاتب مزمور 45 : 1. ويكون الرجل الذى دواة الكاتب على جانبه، هو المسيح الذى إذ طعن فى جانبه خرج دم وماء. الدم الذى يقدس، والماء رمز للروح القدس الذى سنختم به فى سر الميرون... لكن على كل مؤمن أن يضرم هذه الموهبة حتى لا تنطفئ 2تى 1 : 6 وإذا إنطفأت تضيع السمة، ويكون مع العذارى الجاهلات. والرب لم يستدع هذا الشخص اللابس الكتان، بل فى قوله قَرِب وكلاء المدينة = هو قول الآب للإبن أن يغير خطة العمل لهؤلاء الملائكة( أليست يده تحت أجنحتهم 1 : 8 ) أى هو الذى يحملهم ويحركهم وهو رأسهم لذلك نراه الأن فى وسطهم = فى وسطهم رجل لابس كتان. ولاحظ أن الله دائماً ينقذ خاصته كما أنقذ لوط وإبنتيه، ونوح وعائلته. وطالما فهمنا أن السمه هى الإمتلاء من الروح القدس (المسيح على جانبه دواة كاتب أى يرسل الروح القدس للمؤمنين) فمن يمتلئ أى تكون له هذه السمة لن ينجو فقط من الضربات، بل تكون له تعزية وسلام وسط الضيقات. ولكن هذه السمة لمن يتنهد على الشرور أى يكرهها وليس فقط لا يفعلها. ولكن لاحظ قبل هذه الضربات أن مجد إله إسرائيل ينتقل من على تابوت العهد بين الكاروبين إلى عتبة البيت. وحينما يغادر مجد الله مكاناً يصير هذا المكان عرضة لكل الضربات. ولاحظ أيضاً طريقة مغادرة مجد الله للمكان فى 9 : 3 ثم 10 : 18، 19 ثم 11 : 22، 23 فالله يغادر المكان الذى أحبه متمهلاً كأنه كاره لهذا، أو كأنه ينتظر أن يدعوه أحد ليبقى فيبقى. وهكذا يعمل الله مع الناس فهو يغادرهم خطوة خطوة.

ملحوظة أخيرة :- رجل لابس الكتان (هذه ملابس الكهنة) فالمسيح هو رئيس كهنتنا الذى قدم ذبيحة نفسه فصار شفيعاً لنا. سِمْ سِمَة هذه تعنى أن المسيح يرسل روحه القدوس لنا يو 14 : 26 + يو 15 : 26 + يو 16 : 7

 

الآيات 5 – 11 :- و قال لاولئك في سمعي اعبروا في المدينة وراءه و اضربوا لا تشفق اعينكم و لا تعفوا. الشيخ و الشاب و العذراء و الطفل و النساء اقتلوا للهلاك و لا تقربوا من انسان عليه السمة و ابتدئوا من مقدسي فابتداوا بالرجال الشيوخ الذين امام البيت. و قال لهم نجسوا البيت و املاوا الدور قتلى اخرجوا فخرجوا و قتلوا في المدينة. و كان بينما هم يقتلون و ابقيت انا اني خررت على وجهي و صرخت و قلت اه يا سيد الرب هل انت مهلك بقية اسرائيل كلها بصب رجزك على اورشليم. فقال لي ان اثم بيت اسرائيل و يهوذا عظيم جدا جدا و قد امتلات الارض دماء و امتلات المدينة جنفا لانهم يقولون الرب قد ترك الارض و الرب لا يرى. و انا ايضا عيني لا تشفق و لا اعفو اجلب طريقهم على رؤوسهم. و اذا بالرجل اللابس الكتان الذي الدواة على جانبه رد جوابا قائلا قد فعلت كما امرتني

الضربات كانت على الشيوخ أولاً أى الكهنة = إبتدئوا من مقدسى (قارن مع 1بط 4 : 17، 18) فمن يعرف أكثر يطالب بأكثر. والأمر هنا أن تكون الضربات بلا شفقة. ولكن الذين كان لهم السمة لا يمسوا. وهذا ما تم مع أرمياء النبى مثلاً، فلقد أكرمه ملك بابل جداً. وملك بابل كما عرفنا هو العدة المهلكة ولكنها ليست موجهة لخاصة الله من الشعب. والضربات بدأت بالكهنة فهم المسئولين عن إفساد الشعب. وبدأت بالهيكل الذى دنسوه، فهذه الضربات إذن هى للتطهير. وهنا وقف النبى فى موقف الشفيع لقلبه الحانى على شعبه. ومن رحمة الله أنه يقبل مناقشة عبيده له. ولكن الأرض كانت قد إمتلأت جنفاً = أى إنحراف وفساد وخطية، ولم يعد هناك من يستحق الرحمة، فهناك شروط لقبول الشفاعة (كشفاعة النبى هنا)، ولكن هذه الشروط لم تكن متوفرة فى هذا الشعب الفاسد. ولاحظ أن الملائكة المخربين لم يقدموا تقريراً عن عملهم لله، فهى أخبار سيئة، وليست سارة لهم ولا لله نفسه ولا للنبى. وهى لم تحدث بعد. أما المسيح فبشر الآب وسمع النبى البشارة أنه وضع ختمه على من يستحق.

بقية إسرائيل = المقصود أورشليم ويهوذا، فالمملكة الشمالية (إسرائيل) كانت قد أنتهت من عشرات السنين فى سبى أشور سنة 722 ق م وأصبح إسم إسرائيل يطلق على يهوذا


 

الإصحاح العاشر

تكلمنا فى الإصحاح الثامن عن التطهير، فالإبن الكلمة النارى يظهر لحزقيال ليطهره فيحمله الروح. وفى الإصحاح التاسع نرى الكلمة الإبن كشفيع يخلص شعبه. ولو تأملنا معظم نبوات حزقيال سنراها تحدثنا عن الخراب الآتى على أورشليم بسبب خطاياها، والله يضرب ليطهر حز 24 : 11. الضربات الآتية ستهلك من لا رجاء فيه، ولكنها ستطهر الباقين، فالله لا يطفئ فتيلة مدخنة و الآيات هنا (1 – 8) تحدثنا عن الضربات الآتية وحريق أورشليم بنار بتدبير الملائكة الكاروبيم، وذلك لتطهير أورشليم، ولكن صيغت هذه الآيات لتظهر عمل التطهير الحقيقى المزمع أن يصنعه الإبن الكلمة بتجسده وألامه. وهذا الإصحاح شبيه تماماً بالإصحاح الأول فلن نكرر مرة أخرى ولكن نستعرض الفروق، وطالما هناك فروق فلابد أن الله يريد أن نلاحظها، فهى تخبرنا بشئ.

 

الآيات 1 – 8 :- ثم نظرت و اذا على المقبب الذي على راس الكروبيم شيء كحجر العقيق الازرق كمنظر شبه عرش. و كلم الرجل اللابس الكتان و قال ادخل بين البكرات تحت الكروب و املا حفنتيك جمر نار من بين الكروبيم و ذرها على المدينة فدخل قدام عيني. و الكروبيم واقفون عن يمين البيت حين دخل الرجل و السحابة ملات الدار الداخلية. فارتفع مجد الرب عن الكروب الى عتبة البيت فامتلا البيت من السحابة و امتلات الدار من لمعان مجد الرب. و سمع صوت اجنحة الكروبيم الى الدار الخارجية كصوت الله القدير اذا تكلم. و كان لما امر الرجل اللابس الكتان قائلا خذ نارا من بين البكرات من بين الكروبيم انه دخل و وقف بجانب البكرة. و مد كروب يده من بين الكروبيم الى النار التي بين الكروبيم فرفع منها و وضعها في حفنتي اللابس الكتان فاخذها و خرج. فظهر في الكروبيم شبه يد انسان من تحت اجنحتها.

وإذا على المقبب الذى على رأس الكروبيم =  هنا يذكر صراحة إسم المخلوقات الحية وأنها هى الملائكة الكروبيم. وفى هذه الآيات نرى نبوة عن الألام التى ستقع على أورشليم وهى كنار. ولاحظ إملأ حفنتيك جمر نار.. وذرها على المدينة = هذا يقال للرجل اللابس الكتان. فما معنى هذا وهو المحامى والشفيع ؟ علينا الآ ننسى أنه أيضاً هو الديان والقاضى. وذر النار إشارة لحريق المدينة بيد بابل. ولقد تم هذا فعلاً سنة 586 ق م. ونلاحظ أن الخطية الأساسية التى يعاقب الله عليها هنا هى العبادة الوثنية (راجع إصحاح 8). ولقد أتى التطهير بثماره فعلاً فاليهود بعد عودتهم من السبى لم يعودوا أبداً للعبادة الوثنية بل تطهروا منها تماماً. وكان هذا التطهير بحسب التدبير الإلهى = ادخل بين البكرات = فالبكرات هى إشارة لتدبير الله الذى ينفذ على الأرض. ولاحظ غضب الكاروبيم من رجاسات أورشليم، فهم واقفون عن يمين البيت = أى ناحية الجنوب فناحية الشمال بها تمثال الغيرة 8 : 3. وإبتعادهم عنه علامة إحتجاج على ما يحدث. فإرتفع مجد الرب عن الكروب إلى عتبة البيت = هنا نرى الله يبدأ فى مغادرة هيكله إعلاناً عن قداسته ورفضه للخطايا التى تحدث فى بيته، فلا شركة للنور مع الظلمة 2كو 6 : 14. ولاحظ مدى الخسارة التى سيخسرها هذا الشعب فلقد صاحب رؤية حزقيال لمجد الله سحابة ملأت البيت و لمعان مجد الله لقد كان الله بمجده وسط هذا الشعب وهم لا يدرون. والسحاب حتى يحجب عن النبى مالا يستطيع النبى أن يراه من مجد الرب وإلا يموت، ولاحظ أن الدار إمتلأت لمعاناً من مجد الرب كما لمع وجه موسى حين رأى مجد الله. ونحن حين نخلع هذا الجسد ونلبس النورانى سنرى الله وجهاً لوجه، فيكون لنا هذا الجسد الممجد اللامع. إذاً هذه النار التى سيذرها لابس الكتان على المدينة هى جيش بابل، الذى سيأتى بتدبير الله كنار مطهرة على أورشليم. ولكن هذه الآيات تنظر أيضاً للتطهير الذى سيصنعه المسيح بدمه، إذ يتجسد وبتجسده يدخل المسيح فى تدبير الله الذى ينفذ على الأرض = ادخل بين البكرات = كان تجسد المسيح بحسب خطة الله الأزلية، والإبن اللازمنى صار زمنياً، وأصبح له بداية زمنية إذ ولد من العذراء تحت الناموس غل 4 : 4 بل صار فى تجسده = تحت الكاروب وهذه تساوى "وضعته قليلاً عن الملائكة عب 2 : 7 فدخل قدام عينى = إشارة لأن المسيح سيصير ظاهراً للبشر بتجسده

وإذا فهمنا أن البكرات تشير أيضاً للعهدين (القديم والجديد)، فيكون دخول الإبن الكلمة بين البكرات هو تطبيق لأن المسيح هو روح النبوة وهو محور العهدين (رؤ 19 : 10). وطريقة التطهير التى إتبعها المسيح هى فدائه على الصليب، وألام الصليب كانت كنار مذبح المحرقة التى تحرق الذبيحة وألام المسيح تم التعبير عنها هكذا. ومد كروب يده من بين الكروبيم إلى النار.. فرفع منها ووضعها فى حفنتى اللابس الكتان. الحفنتين هما يديه، وهذا إشارة لجسده، الذى إحترق بنار ألام الصليب. وكون أن الكروبيم هم الذين يضعون النار فى حفنتيه، فهذا كما فهمنا أن الكروبيم يسيطرون على البكرات، أى يسهرون على تنفيذ خطة الله الأزلية. فتدبير الصليب لم يكن إلا لأن الله يريد هذا، ولذلك نسمع أن الله كان يضحك مز 2 : 4 فالشيطان كان يدبر ويهيج الجموع ورؤساء الكهنة، ولم يكن يدرى أنه إنما ينفذ ما يريده الله تماماً، بل أن بما ينفذه سيهلك هو به. والعجيب أن نسمع فظهر فى الكروبيم شبه يد إنسان من تحت أجنحتهاÅ = يد الإنسان هى يد المسيح الذى يحمل الكل. ولكن هذه الآية فيها إشارة لأن المسيح أو الإبن الكلمة وهو ضابط الكل، كان يخطط لما يحدث ويحرك الملائكة، فهو لم يكن مجبراً على الصليب، بل هو الذى قال عن نفسه "لى سلطان أن أضعها" يو 10 : 18. فهو بسلطانه هذا كان يحرك الملائكة. وطريقة التطهير للبشر ستكون بأن يرسل المسيح بعد فدائه الروح القدس الذى نولد به من جديد ويعطينا أن نثبت فى المسيح فنطهر ونخلص كخليقة جديدة 2كو 5 : 17. وهذا تم التعبير عنه فى آية 2 إملأ حفنتيك جمر نار من بين الكروبيم وذرها على المدينة = فالنار هنا هى إشارة للروح القدس الذى حل بهيئة ألسنة نارية. وهو نار إحراق وتطهير أش 4 : 4. وحينما يتطهر البيت أى الكنيسة جسد المسيح نسمع أن الكروبيم واقفون عن يمين البيت = اليمين إشارة للقوة، فالكاروبيم يساندون جسد المسيح أى الكنيسة بقوة. بل أن المسيح يملأ كنيستة مجداً. إمتلأت الدار من لمعان مجد الرب. وقارن مع زك 2 : 5 "أكون فى وسطها مجداً" ولكن مجد المسيح محتجب لا نراه وهذا معنى وجود السحابة. ونسمع فى أش 6 : 5 – 7 عن الجمرة المأخوذة من على المذبح لتطهر النبى، وهذه إشارة لجسد المسيح ودمه فى سر الإفخارستيا الذى يعطى لغفران الخطايا. ولاحظ صوت الملائكة أنه وصل للدار الخارجية = فى هذا إشارة لأن الكرازة بالمسيح وصلت للأمم، عن طريق الرسل بمساعدة الكروبيم. وهنا صوت الملائكة هو تعبير عن فرحتهم بالكنيسة وبالفداء والخلاص رؤ 5 : 9 أما فى التفسير الأول الذى يحدثنا عن حريق أورشليم لتطهيرها فيكون صوتهم تعبير عن ما سيحدث من أحكام مرعبة ضد أورشليم. وفى كلا التفسيرين فصوتهم إنما هو تعبير عن إعطائهم المجد لله فى كل ما يعمله وقارن آية 2 مع آية 7. فآية 2 نسمع فيها إملأ حفنتيك جمر نار وفى آية 2 هذه فالإبن الكلمة هو الذى يملأ يده ليذر لأنها تتكلم عن إرسال الروح القدس، وهذا لا دخل للملائكة به. أما فى آية 7 فالنار يعطيها الكروب للإبن الكلمة، وهذه ليست عن الروح القدس بل عن الألام التى سيقبلها الإبن المتجسد.

 

الآيات 9 – 22 :- و نظرت و اذا اربع بكرات بجانب الكروبيم بكرة واحدة بجانب الكروب الواحد و بكرة اخرى بجانب الكروب الاخر و منظر البكرات كشبه حجر الزبرجد. و منظرهن شكل واحد للاربع كانه كان بكرة وسط بكرة. لما سارت سارت على جوانبها الاربع لم تدر عند سيرها بل الى الموضع الذي توجه اليه الراس ذهبت وراءه لم تدر عند سيرها. و كل جسمها و ظهورها و ايديها و اجنحتها و البكرات ملانة عيونا حواليها لبكراتها الاربع. اما البكرات فنودي اليها في سماعي يا بكرة. و لكل واحد اربعة اوجه الوجه الاول وجه كروب و الوجه الثاني وجه انسان و الثالث وجه اسد و الرابع وجه نسر. ثم صعد الكروبيم هذا هو الحيوان الذي رايته عند نهر خابور. و عند سير الكروبيم سارت البكرات بجانبها و عند رفع الكروبيم اجنحتها للارتفاع عن الارض لم تدر البكرات ايضا عن جانبها. عند وقوفها وقفت هذه و عند ارتفاعها ارتفعت معها لان فيها روح الحيوان. و خرج مجد الرب من على عتبة البيت و وقف على الكروبيم. فرفعت الكروبيم اجنحتها و صعدت عن الارض قدام عيني عند خروجها كانت البكرات معها و وقفت عند مدخل باب بيت الرب الشرقي و مجد اله اسرائيل عليها من فوق. هذا هو الحيوان الذي رايته تحت اله اسرائيل عند نهر خابور و علمت انها هي الكروبيم. لكل واحد اربعة اوجه و لكل واحد اربعة اجنحة و شبه ايدي انسان تحت اجنحتها. و شكل وجوهها هو شكل الوجوه التي رايتها عند نهر خابور مناظرها و ذواتها كل واحد يسير الى جهة وجهه

أما البكرات فنودى إليها سماعى يابكرة = مع أنها بكرات متعددة أى أحكام مختلفة، قد تدعو البشر للإرتباك وعدم الفهم، إلا أن تدبير الله يكون فى تناسق وتناغم ووحده تعمل معاً وفق خطة أزلية واحدة = يا بكرة.. لتحقيق هدف الله الذى هو حياة للأبرار الذين يستحقون ذلك، لذلك رأينا فى الإصحاح الأول البكرات كشبه الزبرجد (اللون الأخضر هو لون الحياة) وهنا نجد خلاف فى وجه أحد الكروبيم عن الإصحاح الأول، فهنا إستبدل وجه الثور بوجه كروب. والسبب أن الثور يرمز لعمل الذبيحة الكفارى وغفران الخطية، أما الأن فقد صدر حكم الله بالخراب، ولن تقبل ذبائح ولم يقبل الله شفاعة النبى، فقد أغلق الله الباب وهو "إذا أغلق لا أحد يفتح رؤ 3 : 7". وهذا معنى ما جاء فى سفر الرؤيا 15 : 8. وظهر بدلاً من وجه الثور وجه كروب. لأن الكروبيم كانوا مكلفين بتنفيذ أحكام الله ضد أورشليم كما رأينا فى حز 9 : 2. فالله يستخدم الملائكة فى العالم السفلى بأكثر مما نتصور. فكل بكرة لها كاروب، أليست هى أرواح خادمة للعتيدين أن يرثوا الخلاص عب 1 : 14. فالأحداث لا يتم تدبيرها بعجلة الحظ العمياء، بل ببكرات التدبير الإلهى المملوءة عيوناً. ولاحظ أن الملائكة خاضعة للمسيح رأس الخليقة = إلى الموضع الذى توجه إليه الرأس ذهبت وراءه، وهذا يناظر ما ذكر فى 10 : 8


 

الإصحاح الحادى عشر

هذا الإصحاح ينهى الرؤيا التى رآها النبى إبتداء من الإصحاح الثامن، وفيه رسالتين الأولى رسالة غضب ضد الباقين فى أورشليم وفى وقاحة إفترضوا أنهم لن يسقطوا. والثانية رسالة تعزية لهؤلاء الذين حملوا إلى السبى مع وعود رحمة. والأولى تحمل قضاء الله المنتظر وهو يخالف حالة الأمان الزائف الذى يشعرون به، والثانية تحمل وعود بالرحمة عكس حالتهم الراهنة فى بؤسهم. وبعد أن رأينا مجد الله يغادر الهيكل فى الإصحاح السابق، نراه هنا يغادر أكثر وأكثر. فلا شركة للمسيح مع بليعال 2كو 6 : 14

 

الآيات 1 – 13 :- ثم رفعني روح و اتى بي الى باب بيت الرب الشرقي المتجه نحو الشرق و اذا عند مدخل الباب خمسة و عشرون رجلا و رايت بينهم يازنيا بن عزور و فلطيا بن بنايا رئيسي الشعب. فقال لي يا ابن ادم هؤلاء هم الرجال المفكرون بالاثم المشيرون مشورة رديئة في هذه المدينة. القائلون ما هو قريب بناء البيوت هي القدر و نحن اللحم. لاجل ذلك تنبا عليهم تنبا يا ابن ادم. و حل علي روح الرب و قال لي قل هكذا قال الرب هكذا قلتم يا بيت اسرائيل و ما يخطر ببالكم قد علمته. قد كثرتم قتلاكم في هذه المدينة و ملاتم ازقتها بالقتلى. لذلك هكذا قال السيد الرب قتلاكم الذين طرحتموهم في وسطها هم اللحم و هي القدر و اياكم اخرج من وسطها. قد فزعتم من السيف فالسيف اجلبه عليكم يقول السيد الرب. و اخرجكم من وسطها و اسلمكم الى ايدي الغرباء و اجري فيكم احكاما. بالسيف تسقطون في تخم اسرائيل اقضي عليكم فتعلمون اني انا الرب. هذه لا تكون لكم قدرا و لا انتم تكونون اللحم في وسطها في تخم اسرائيل اقضي عليكم. فتعلمون اني انا الرب الذي لم تسلكوا في فرائضه و لم تعملوا باحكامه بل عملتم حسب احكام الامم الذين حولكم. و كان لما تنبات ان فلطيا بن بنايا مات فخررت على وجهي و صرخت بصوت عظيم و قلت اه يا سيد الرب هل تفني انت بقية اسرائيل.

رفعنى روح = كم كان النبى خاضعاً لعمل الروح، لذلك كان يرى كل ما يريده الروح أن يراه. ال25 رجلاً = هؤلاء كانوا غير ال25 الآخرين (8 : 16) فهؤلاء ال25 كانوا رؤساء الشعب فمدينة أورشليم كانت مقسمة إلى 24 حى لكل حى رئيس، ولهم جميعاً رئيس (الإجمالى 25 رجلاً) أما أولئك ال 25 فى (8 : 16) فكانوا كهنة. وهؤلاء الرؤساء مدانين بالفساد والظلم، ويقسون الشعب فى خطاياهم، ويعطون الشعب مشورة شريرة، أن يتغاضى عن إنذارات الأنبياء ويتمردوا على ملك بابل عكس ما كان يطلب منهم أرمياء النبى. وقد تعرف النبى على إثنين منهم بالإسم، ربما لشهرتهم وأنه كان يعرفهم من قبل. وكانوا يقولون ما هو قريب بناء البيوت = هى كلمة سخرية من نبوات أرمياء ونبوات حزقيال بخراب المدينة، ومعنى قولهم أن المدينة لن تخرب قريباً، وبالتالى لن نعيد بناء بيوتنا قريباً، وهذا أمان زائف فيه إستهتار وإستغلال لطول أناة الله. هى القدر ونحن اللحم = سبق أرمياء وتنبأ بأن أورشليم كالقدر أر 1 : 13 وسوف تخرب، وتهكم الشعب عليه، وصنع من نبوتة نكتة يرددونها قائلين نعم أورشليم هى القدر، ولكننا نحن فى داخلها مثل اللحم داخل قدر محيط به نار، وبداخله ماء مغلى، فمن يستطع أن يمد يده، ومن يمد يده داخل القدر ستحترق يداه، أى نحن فى أمان كالقدر المحاطة بالنار والقدر هنا تشير لأسوار أورشليم التى تحميهم، كما أن القدر تحمى اللحم. قد كثرتم قتلاكم = مشورة رؤسائكم وأنبيائكم الكذبة الذين أعطوهم أماناً زائفاً كانت هى السبب فى زيادة عدد القتلى، فهؤلاء الرؤساء إشاروا عليهم بعدم التسليم لملك بابل بحسب مشورة أرمياء الذى طلب التسليم له. قتلاكم.. هم اللحم وهى القدر = الله يستعمل المثل الذى يرددونه فى سخرية بأن أورشليم هى القدر التى تحمى اللحم فى داخلها. والله يقول نعم وسيكون هكذا، فالقتلى سيكونون كذبائح يوضع لحمها داخل القدر. أما الأحياء أخرجكم من وسطها = من لم يكون كلحم وسط القدر، أى يموت داخل أورشليم، سيخرجه الله من وسطها ولن تحميه أسوار أورشليم، بل يخرجه للقتل خارجها بالسيف = فالسيف أجلبه عليكم. ولاحظ أنهم لما أخرجوا الله من بيته، سيخرجهم هو من بيوتهم. وفى تخم إسرائيل أقضى عليكم = البابليين ساقوا رؤسائهم إلى ربلة على الحدود حيث ملكهم نبوخذ نصر وهناك ذبحوهم (راجع إتمام هذا فى 2مل 25 : 18 – 21.

ولاحظ القوة المصاحبة للنبوة أن فلطيا مات = وهناك إحتمالين :-

1- أن يكون فلطيا مات فوراً، ثم وصلت النبوة لأورشليم، ويكون هذا إنذار بأن بقية النبوة ستتم. وموت فلطيا يكون علامة على صدق النبوة.

2-  أن موت فلطيا تم بعد وصول النبوة لأورشليم ليكون هذا إنذاراً لهم.

ونلاحظ أن الله يسمح بأحكام صعبة كموت فلطيا حتى يرتدع الباقين، كما حدث مع حنانيا وسفيرة. وأنظر لمحبة النبى الذى لم يهتم أن نبوته لها هذه القوة، بل بكى متشفعاً فى شعبه.

 

الآيات 14 – 21 :- و كان الي كلام الرب قائلا. يا ابن ادم اخوتك اخوتك ذوو قرابتك و كل بيت اسرائيل باجمعه هم الذين قال لهم سكان اورشليم ابتعدوا عن الرب لنا اعطيت هذه الارض ميراثا. لذلك قل هكذا قال السيد الرب و ان كنت قد ابعدتهم بين الامم و ان كنت قد بددتهم في الاراضي فاني اكون لهم مقدسا صغيرا في الاراضي التي ياتون اليها. لذلك قل هكذا قال السيد الرب اني اجمعكم من بين الشعوب و احشركم من الاراضي التي تبددتم فيها و اعطيكم ارض اسرائيل. فياتون الى هناك و يزيلون جميع مكرهاتها و جميع رجاساتها منها. و اعطيهم قلبا واحدا و اجعل في داخلكم روحا جديدا و انزع قلب الحجر من لحمهم و اعطيهم قلب لحم. لكي يسلكوا في فرائضي و يحفظوا احكامي و يعملوا بها و يكونوا لي شعبا فانا اكون لهم الها. اما الذين قلبهم ذاهب وراء قلب مكرهاتهم و رجاساتهم فاني اجلب طريقهم على رؤوسهم يقول السيد الرب.

إخوتك = هم المسبيين فى بابل مع حزقيال. وهؤلاء يعزيهم الله هنا. قال لهم سكان أورشليم ابتعدوا عن الرب.. لنا أعطيت هذه الأرض ميراثاً = أنظر أية حال رديئة وصل لها هذا الشعب، فمن أبقى فى أورشليم لم يتعاطفوا مع إخوتهم المسبيين، بل فرحوا بإبتعادهم ليرثوا أرضهم. وهم ظنوا أن الرب لا يوجد سوى فى أورشليم، وطالما ذهب إخوتهم بعيداً عن أورشليم الأرض المقدسة فهم إبتعدوا عن الرب. إذاً ليأخذوا هم نصيبهم. ولكن الله يذكرهم بالخير ويعزيهم بأنه هو سيكون لهم مقدساً صغيراً فى الأرض التى يأتون إليها = فالله غادر أورشليم وأصبح الهيكل بناء فقط دون مجد، وذهب وحلَ فى وسط شعبه المسبى خارج أورشليم. وحيث يوجد الله، فهذا المكان يكون مقدساً. فالله ليس محدوداً فى داخل أورشليم. وسبق أرمياء وتنبأ عن أن الذين يذهبون للسبى هم التين الجيد  أما التين الردئ فهو الجزء الباقى فى أورشليم. مقدساً صغيراً = لأن اليهود الذين فى السبى هم قلة. والمقدس هنا ليس هيكلاً من حجارة، بل الله فى داخل كل منهم وهم يقدمون ذبائح تسبيح وصلاة، أى ذبائح غير دموية، فيكون الله مصدر تعزية لهم وهم فى سبيهم. بل أن الله يعدهم أجمعكم ثانية لأرض إسرائيل = وهذه نبوة برجوعهم على يد كورش. ولنلاحظ أن أحكام البشر القاسية (حرمان إخوتهم لهم من الأرض) لا تمنع مراحم الرب (وأجمعكم لأرضكم) بل أن هؤلاء الراجعين سيزيلون كافة الأصنام والرجاسات، أى أن تأديب الله وتطهيره للأرض أتى بثمر قداسة. ويعطيهم قلباً واحداً = أى يطلب الله فقط ولا يطلب الهة كثيرة. أى قلب قرر بثبات أن يختار الله.

وأجعل فى داخلكم روحاً جديداً = أى يتصرفون بمبادئ روحية جديدة. وينزع منهم قلب الحجر = الذى تقسى بالخطية وغير قادر على حمل ثمار صالحة فهو أرض حجرية. ويعطيهم قلب لحم = خلق الله آدم بقلب لحم أى بقلب مكتوب عليه الوصايا، ولم يكن هناك حاجة لوصايا مكتوبة فى الخارج، وسقط آدم فتقسى قلبه، وهكذا سائر بنى آدم، وصارت قلوب البشر حجرية أى لا تشعر إذا أخطأت أنها جرحت مشاعر الله، والسبب بسيط، أن القلوب الحجرية، هى قلوب خالية من المحبة. وهذه القلوب الحجرية إحتاج الله معها أن يكتب لها الوصايا على ألواح حجر. وهذه الآيات تنظر لعمل المسيح الذى سيرسل روحه القدوس ليسكب محبة الله فينا رو 5 : 5. وبهذا الحب تعود الوصايا تكتب على قلوبنا، هذا هو العهد الجديد كما تنبأ عنه أرمياء 31 : 31 – 34. وهذا هو نفسه ما نراه هنا وأجعل فى داخلكم روحاً جديداً = إشارة للروح القدس الذى يسكب محبة الله فى قلوبنا، والذى يحب الله لا يخطئ فى حق الله، بل يحفظ وصاياه يو 14 : 21 وهذا هو قلب اللحم ونتيجته = يسلكوا فى فرائضى.. ويكونون لى شعباً فأنا أكون لهم إلهاً. ههذه الآيات تنظر إلى عمل النعمة فى العهد الجديد بعد تطهير المسيح. ولكن الله يعود وينذر من يرفض عمل المسيح أى لا زال قلبه ذاهب وراء المكرهات والرجاسات فمثل هذا سيجلب طريقه على رأسه. والأن نفهم قول الله لحزقيال آية 15 إخوتك إخوتك = هذه إشارة لليهود والأمم. كل بيت إسرائيل = أى الكنيسة إسرائيل الله غل 6 : 16. وهنا سكان أورشليم التين الردئ هم رمز للشياطين الذين يقولون للبشر إبتعدوا عن الرب. ولقد ظنوا أن البشر صاروا لهم ميراثاً. والله يقول لا وإن كنت قد أبعدتهم بين الأمم = حين أخطأ الإنسان أسلمت الخليقة للباطل رو 8 : 20 ولكن على رجاء. وهذا الرجاء أن المسيح يأتى ونكون مقدساً. ويعيد لنا الله أرضنا أى ميراثنا السماوى

 

الآيات 22 – 25 :- ثم رفعت الكروبيم اجنحتها و البكرات معها و مجد اله اسرائيل عليها من فوق. و صعد مجد الرب من على وسط المدينة و وقف على الجبل الذي على شرقي المدينة. و حملني روح و جاء بي في الرؤيا بروح الله الى ارض الكلدانيين الى المسبيين فصعدت عني الرؤيا التي رايتها. فكلمت المسبيين بكل كلام الرب الذي اراني اياه

هنا يفارق مجد الرب المدينة والهيكل. وهذه الآيات فيها تعزية للمسبيين، فهم خير لهم أن يكونوا فى أرض السبى ومعهم الله مُكَوِناً فيهم مقدساً صغيراً (بالمقارنة مع هيكل سليمان كمقدس كبير) عن أن يكونوا فى أورشليم التى فارقها الرب بسبب شرورها وبالتالى فهى مقدمة على خراب أكيد، فالله الذى كان يحميها قد فارقها، بل هى تحت غضب الله ولعنته الآن. ووقوف مجد الرب على جبل شرق المدينة يذكرنا، بتوقف المسيح على جبل الزيتون ليبكى على المدينة (فجبل الزيتون هو الجبل الذى على شرق المدينة) وقال السيد المسيح "إنك لو علمت أنت أيضاً حتى فى يومك هذا ما هو لسلامك ولكن الأن أخفى عن عينيك، ستأتى أيام يحيط بك أعدائك ويهدمونك وبنيك فيك ولا يتركون حجر على حجر لأنك لم تعرفى زمان إفتقادك " لو 19 : 41 إن وقوف مجد الرب على الجبل الشرقى فيه نفس المعنى، وهو حزن الله على ما سوف يحدث من خراب لأورشليم إذ يتركها.

فهل مازال الله يقول لأحد منا.... لم تعرف زمن إفتقادك


 

الإصحاح الثانى عشر

الآيات 1 – 16 :- و كان الي كلام الرب قائلا. يا ابن ادم انت ساكن في وسط بيت متمرد الذين لهم اعين لينظروا و لا ينظرون لهم اذان ليسمعوا و لا يسمعون لانهم بيت متمرد. و انت يا ابن ادم فهيئ لنفسك اهبة جلاء و ارتحل قدام عيونهم نهارا و ارتحل من مكانك الى مكان اخر قدام عيونهم لعلهم ينظرون انهم بيت متمرد. فتخرج اهبتك كاهبة الجلاء قدام عيونهم نهارا و انت تخرج مساء قدام عيونهم كالخارجين الى الجلاء. و انقب لنفسك في الحائط قدام عيونهم و اخرجها منه. و احمل على كتفك قدام عيونهم في العتمة تخرجها تغطي وجهك فلا ترى الارض لاني جعلتك اية لبيت اسرائيل. ففعلت هكذا كما امرت فاخرجت اهبتي كاهبة الجلاء نهارا و في المساء نقبت لنفسي في الحائط بيدي و اخرجت في العتمة و حملت على كتفي قدام عيونهم. و في الصباح كانت الي كلمة الرب قائلة. يا ابن ادم الم يقل لك بيت اسرائيل البيت المتمرد ماذا تصنع. قل لهم هكذا قال السيد الرب هذا الوحي هو الرئيس في اورشليم و كل بيت اسرائيل و الذين هم في وسطهم. قل انا اية لكم كما صنعت هكذا يصنع بهم الى الجلاء الى السبي يذهبون. و الرئيس الذي في وسطهم يحمل على الكتف في العتمة و يخرج ينقبون في الحائط ليخرجوا منه يغطي وجهه لكيلا ينظر الارض بعينيه. و ابسط شبكتي عليه فيؤخذ في شركي و اتي به الى بابل الى ارض الكلدانيين و لكن لا يراها و هناك يموت. و اذري في كل ريح جميع الذين حوله لنصره و كل جيوشه و استل السيف وراءهم. فيعلمون اني انا الرب حين ابددهم بين الامم و اذريهم في الاراضي. و ابقي منهم رجالا معدودين من السيف و من الجوع و من الوبا لكي يحدثوا بكل رجاساتهم بين الامم التي ياتون اليها فيعلمون اني انا الرب.

ساكن وسط بيت متمرد = المقصود هنا هم المسبيين، فهم مشابيهن فى تمردهم لمن هم فى أورشليم. والله جعل النبى آية للشعب، أى ما يقوم به هو نموذج لما سوف يحدث. فالله طلب منه أن يحمل أمتعته الشخصية كمن يهجر مكانه، ويكون ذلك نهاراً، رمزاً لهجرة الشعب وسبيه إلى بابل. ثم ينقب ليلاً فى الحائط ويهرب رمزاً لما سيفعله صدقيا ملك يهوذا الشرير إذ نقب السور ليهرب، ولكنه سقط فى يد الله، أو الشرك الذى أعده له الله، أى فى يد ملك بابل فيفقأ عينيه وسيُحمل لبابل، ولكنه لن يراها بعد أن فقأت عينيه. والله يطلب من النبى أن يصنع هذا لأنه يتعامل مع شعب فقد حواسه بسبب الخطية، فإستعان بهذه الحركات التصويرية حتى يصدقوا. وهكذا فعل أغابوس مع بولس الرسول ليقنعه أنه سيتم أسره. وقطعا ستثير تصرفات النبى الشعب فيسألونه عن معنى ما يصنعه فيبدأ يشرح لهم. ولاحظ أن الله يؤكد لمن فى السبى أنهم أفضل حالاً ممن فى أورشليم التى ستخرب، بل أن حتى الملك سيحدث له ما سيحدث. وهذا سيقنعهم بألا يفكروا فى العودة إلى أورشليم. وأبسط شبكتى عليه فيؤخذ فى شركى = هذه الشبكة هم يتصورون أنها شبكة نبوخذ نصر ولكنها شبكة الله. وهناك بقية ستبقى من السيف وتذهب للأمم لكى يحدثوا بكل رجاساتهم = هم سيعترفون بخطاياهم وسيعرفون أن كل ما وقع عليهم كان بعدل وتكون هذه كرازة = فيعلمون أنى أنا الرب

 

الآيات 17 – 20 :- و كانت الي كلمة الرب قائلة. يا ابن ادم كل خبزك بارتعاش و اشرب ماءك بارتعاد و غم. و قل لشعب الارض هكذا قال السيد الرب على سكان اورشليم في ارض اسرائيل ياكلون خبزهم بالغم و يشربون ماءهم بحيرة لكي تخرب ارضها عن ملئها من ظلم كل الساكنين فيها. و المدن المسكونة تخرب و الارض تقفر فتعلمون اني انا الرب.

أكل الخبز بإرتعاش وشرب الماء بإرتعاد وغم = هذا ما سيحدث لسكان أورشليم أثناء الحصار من رعب مما سوف يحل عليهم، ولكن ذلك نتيجة طبيعية لشرورهم وظلمهم. وكان النبى يصنع هذا بشعور واقعى بعد أن أعطاه الله أن يرى ويحس بنفس الأحاسيس التى سيشعر بها سكان أورشليم، وليس مجرد تمثيلية، لكن الله يريه ما سوف يحدث وهو ينفعل وينفذ بشعور حقيقى. ولكن ما فائدة كل هذه الألام = فتعرفون أنى أنا الرب = بهذه الألام سيتعلمون كيف يعرفون الله بالحقيقة، كم هو قدوس وعادل إذاً هذه الأحزان هى أحزان مفرحة.

 

الآيات 21 – 28 :- و كان الي كلام الرب قائلا. يا ابن ادم ما هذا المثل الذي لكم على ارض اسرائيل القائل قد طالت الايام و خابت كل رؤيا. لذلك قل لهم هكذا قال السيد الرب ابطل هذا المثل فلا يمثلون به بعد في اسرائيل بل قل لهم قد اقتربت الايام و كلام كل رؤيا. لانه لا تكون بعد رؤيا باطلة و لا عرافة ملقة في وسط بيت اسرائيل. لاني انا الرب اتكلم و الكلمة التي اتكلم بها تكون لا تطول بعد لاني في ايامكم ايها البيت المتمرد اقول الكلمة و اجريها يقول السيد الرب. و كان الي كلام الرب قائلا. يا ابن ادم هوذا بيت اسرائيل قائلون الرؤيا التي هو رائيها هي الى ايام كثيرة و هو متنبئ لازمنة بعيدة. لذلك قل لهم هكذا قال السيد الرب لا يطول بعد شيء من كلامي الكلمة التي تكلمت بها تكون يقول السيد الرب

هنا يقول الله أن هذه الضربات ستأتى سريعاً ولن تتأخر. فهم إستغلوا طول أناة الله، وتصوروا أن الضربات لن تأتى وإن أتت فسيحدث هذا بعد زمن بعيد. وهكذا الشيطان يصور أولاً أن الضربات لن تأتى، ولكن إذا أقتنع الإنسان بأنها آتية، فتكون محاولته الثانية أن يقول.. ولكن ليس الأن بل ستأتى بعد أمد بعيد. وهنا نجد أن الأنبياء الكذبة المنقادين لإبليس قد أشاعوا بعض الأمثال على مستوى شعبى لتشكيك الناس فى النبوات الحقيقية ومنها = قد طالت الأيام وخابت كل رؤيا = أى أن رؤى الأنبياء الحقيقيين مثل أرمياء قد خابت، فلقد إنقضى وقت طويل منذ تنبأ بخراب أورشليم ولم يحدث شئ من هذا. وأيضاً قالوا الرؤيا التى هو رائيها هى إلى أيام كثيرة وهو متنبئ لأزمنة بعيدة = لذلك ينبه الله لا يطول بعد شئ من كلامى. ولنلاحظ أن الله يستعمل وسائل متعددة حتى يوقظهم من حالة الأمان الكاذب واللامبالاة التى هم فيها، ويدفعهم لحالة التوقع بخوف من الأحكام القادمة، فربما دفعهم هذا للتوبة. بل أن الأحكام القادمة التى ستطهر، ستمنع أيضاً الأنبياء والكذبة من مزاولة كذبهم = لا تكون بعد رؤيا باطلة ولا عرافة ملقة فى وسط بيت إسرائيل. وأيضاً فإن تحققت النبوات سيكفون عن أمثالهم الفاسدة = أبطل هذا المثل. ولنلاحظ أن الأمة حين تنحل تستخدم أمثالاً شريرة مثل هذه. ولكن حينما تأتى الأحكام مصدقة لما قاله الأنبياء الحقيقيين سيخجل الجميع، فيخجل الأنبياء الكذبة الذين قالوا المثل، ويخجل الشعب الذى ردد هذا المثل. ولنلاحظ، فإنه ليس عذراً مقبولاً لدى الله أن نردد كلمات أو نعتنق مبادئ فاسدة لمجرد أنها منتشرة. وبالنسبة لنا فلنفتدى الوقت سريعاً ونقدم توبة، فالوقت منذ الأن مقصر فبينما ينام الخطاة فى أمان كاذب فإن النهاية آتية سريعاً ولعنتهم الأخيرة لا تنام.


 

الإصحاح الثالث عشر

بعد أن أشار فى الإصحاح السابق للأقوال التى كان يرددها الشعب بعد أن تعلموها من الأنبياء الكذبة. خصص هذا الإصحاح لإدانة هؤلاء الأنبياء الكذبة لأنهم يتحدون الله ويكذبون على الشعب. وكم عانى أرمياء النبى من هؤلاء الكذبة (أر 5 : 30، 31 + 14 : 13 – 18 + 23 : 9 – 40 + 29 : 8 – 10، 21 – 23.

 

الآيات 1 – 9 :- و كان الي كلام الرب قائلا. يا ابن ادم تنبا على انبياء اسرائيل الذين يتنباون و قل للذين هم انبياء من تلقاء ذواتهم اسمعوا كلمة الرب. هكذا قال السيد الرب ويل للانبياء الحمقى الذاهبين وراء روحهم و لم يروا شيئا. انبياؤك يا اسرائيل صاروا كالثعالب في الخرب. لم تصعدوا الى الثغر و لم تبنوا جدارا لبيت اسرائيل للوقوف في الحرب في يوم الرب. راوا باطلا و عرافة كاذبة القائلون وحي الرب و الرب لم يرسلهم و انتظروا اثبات الكلمة. الم تروا رؤيا باطلة و تكلمتم بعرافة كاذبة قائلين وحي الرب و انا لم اتكلم. لذلك هكذا قال السيد الرب لانكم تكلمتم بالباطل و رايتم كذبا فلذلك ها انا عليكم يقول السيد الرب. و تكون يدي على الانبياء الذين يرون الباطل و الذين يعرفون بالكذب في مجلس شعبي لا يكونون و في كتاب بيت اسرائيل لا يكتبون و الى ارض اسرائيل لا يدخلون فتعلمون اني انا السيد الرب.

أنبياء الله فى كل مكان يقولون نفس الكلام الواحد لأنهم مسوقين من الروح القدس 2بط 1 : 21 والأنبياء الكذبة هم منقادين من الشيطان الذى هو كذاب وأبو الكذاب يو 8 : 44 وهنا يقول عنهم أنبياء من تلقاء ذواتهم فالشيطان إستغل شهواتهم الشخصية للربح القبيح والشهرة فتكلم على لسانهم، لذلك هم من تلقاء ذواتهم يتكلمون، والله لم يرسلهم. وأسماهم أيضاً الحمقى = فهم خدعوا أنفسهم قبل أن يخدعوا الشعب. وهو ذاهبين وراء روحهم = أى يتكلمون من أفكارهم وإختراعاتهم الخبيثة لصالح ذواتهم أو خيالهم المريض فيعطون منفذاً لهلوساتهم = فهم لم يروا شيئاً. وكم من طوائف مسيحية اليوم للأسف تصنع نفس الشئ ذاهبين وراء خيالهم المريض وهذا يعطى فرصة لأعداء المسيحية أن يهاجموا المسيح. وهم مثل الثعالب فى الخرب = مخربون ومولعون بالأذى فى مكر، فهم ماكرين فى كل شئ، هم حكماء ولكن حكمتهم نفسانية شيطانية، عالمية، أى بخبث هذا العالم، لكنهم بلا معرفة إختبارية روحية (قارن مع يع 3 : 15 – 17) وحيثما تكون نبواتهم، فهى تسبب خراباً لمن يصدقها. وهم كالأجير يهرب ويترك القطيع ولكنهم ليسوا أبداً رعاة، وهم لا يحاولون سد أى ثغرة. والتصوير هنا أن هناك حائط أو سور يحمى شعب الله ولكن بسبب الخطايا فهناك ثغر فى هذا السور، ومنها ستأتى الضربات، ولو كان هؤلاء رعاة حقيقيون لحاولوا سد هذه الثغر (قارن آية 5 مع 1صم 25 : 16) ولكنهم لم يحاولوا ولم يقيموا أصلاً حائطاً لحماية الشعب. أما الأنبياء الحقيقيون فهم يدعون للتوبة وهم يصلون ويتشفعون عن الشعب، ولو إستجاب الشعب وتاب لكان هناك سور ولإنسدت الثغر. ولكن هؤلاء بكلامهم الكاذب جعلوا الشعب يتقسى قلبه، فهم يعدونهم بأن هناك سلام، وكيف يكون هناك سلام بينما الشر موجود. لذلك يقول لهم الله ها أنا عليكم = فهم سيقطعون من شركة القديسين. وحتى من صدقوهم سابقاً سيرفضونهم بل سيكونون مرفوضين فى الأبدية وسيسمعون قول الله المرعب "لا أعرفكم". عرافة = الحصول على معرفة للمستقبل بواسطة إلقاء قرعة أو خلافه

آية 9:- كتاب بيت إسرائيل = سجل أحصاء الشعب فى عصر البركة الأتى بعد إنتهاء الأحكام الآتية، والمقصود الذين سينالون الخلاص فى الأبدية

 

الآيات 10 – 16 :- من اجل انهم اضلوا شعبي قائلين سلام و ليس سلام و واحد منهم يبني حائطا و ها هم يملطونه بالطفال. فقل للذين يملطونه بالطفال انه يسقط يكون مطر جارف و انتن يا حجارة البرد تسقطن و ريح عاصفة تشققه. و هوذا اذا سقط الحائط افلا يقال لكم اين الطين الذي طينتم به. لذلك هكذا قال السيد الرب اني اشققه بريح عاصفة في غضبي و يكون مطر جارف في سخطي و حجارة برد في غيظي لافنائه. فاهدم الحائط الذي ملطتموه بالطفال و الصقه بالارض و ينكشف اساسه فيسقط و تفنون انتم في وسطه فتعلمون اني انا الرب. فاتم غضبي على الحائط و على الذين ملطوه بالطفال و اقول لكم ليس الحائط بموجود و لا الذين ملطوه. اي انبياء اسرائيل الذين يتنباون لاورشليم و يرون لها رؤى سلام و لا سلام يقول السيد الرب.

واحد يبنى حائط وهم يملطونه بالطفال = الطفال أى التبييض بالمحارة. هؤلاء غشوا الشعب قائلين سلام وليس سلام للأشرار، وكذبوا قائلين أن الحرب القادمة مع بابل فيها إنتصار يعقبه سلام، فهم شجعوا الشعب على خطاياه وأبعدوه عن التوبة. والتوبة هى الحائط القوى الحقيقى الذى يحميهم من الضربات، ولكن هؤلاء الكذبة، ويبدو أن أحدهم بدأ بفكرة الأنتصار على بابل فأعجبت الناس، فكأنه أقام حائطاً ولكنه حائط هش، مقام على الرمال ومهدد بالسقوط، حائط ضعيف. ثم جاء الآخرون وملطوا الحائط الهش بنبواتهم الزائفة عن السلام بعد الإنتصار على بابل، هم بنبواتهم كأنهم ملطوا الحائط الهش حتى يبدو قوياً بمظهره فقط، أى هم ملطوه ليخفوا عيوبه. ولكن ضربات الله ستأتى كعاصفة مخيفة كالمطر الجارف وحجارة البرد. وهذه العاصفة كان ما أثارها هو غضب الله. وهذه العاصفة ستقلب الحائط فيقع. ويالخجل هؤلاء الكذبة حين يسألهم الشعب أين الطين الذى طينتم به = أى أين نبواتكم بالسلام. وسينكشف أساسه = أى أغراضهم الخاصة. وبناة الحائط سيدفنون فى خرائبه. فأعمى يقود أعمى يقع كلاهما فى حفرة.

 

الآيات 17 – 23 :- و انت يا ابن ادم فاجعل وجهك ضد بنات شعبك اللواتي يتنبان من تلقاء ذواتهن و تنبا عليهن. و قل هكذا قال السيد الرب ويل للواتي يخطن وسائد لكل اوصال الايدي و يصنعن مخدات لراس كل قامة لاصطياد النفوس افتصطدن نفوس شعبي و تستحيين انفسكن. و تنجسنني عند شعبي لاجل حفنة شعير و لاجل فتات من الخبز لاماتة نفوس لا ينبغي ان تموت و استحياء نفوس لا ينبغي ان تحيا بكذبكن على شعبي السامعين للكذب. لذلك هكذا قال السيد الرب ها انا ضد و سائدكن التي تصطدن بها النفوس كالفراخ و امزقها عن اذرعكن و اطلق النفوس النفوس التي تصطدنها كالفراخ. و امزق مخداتكن و انقذ شعبي من ايديكن فلا يكونون بعد في ايديكن للصيد فتعلمن اني انا الرب. لانكن احزنتن قلب الصديق كذبا و انا لم احزنه و شددتن ايدي الشرير حتى لا يرجع عن طريقه الرديئة فيحيا. فلذلك لن تعدن ترين الباطل و لا تعرفن عرافة بعد و انقذ شعبي من ايديكن فتعلمن اني انا الرب

بنات شعبك = حين يغضب الله لا يقول عن الشعب شعبى بل يقول للنبى عن الشعب شعبك (خر 32 : 7). وهنا يدور الكلام عن النبيات الكاذبات. والنساء لهن وسائل مختلفة عن الرجال. فهؤلاء كن يخطن وسائد = وهى أحجبة يصنعنها ليربطها الناس حول أذرعهم لتحميهم من أى أخطار آتية. ويصنعن مخدات لرأس كل قامة = وهذه عصائب يربطها الناس على رؤوسهم. وهذه أعمال سحرية يوهمن بها الناس بالحماية وحل أعمالهم الشياطين كالسحر. ومازال هناك من يخدع الناس ويوهمهم فى ألامهم بأنه سيحل لهم أعمال الشياطين لتذهب عنهم ألامهم، أما رجال الله فلا يعرفون سوى طريقة واحدة لنزع الألام وهى التوبة الحقيقية فيرضى الله على التائب ويملأه سلاماً. ولقد فهم البعض أن النبيات الكاذبات كن يصنعن وسائد ومخدات يضعنها على أذرعهن، ويضع الناس رؤوسهم عليها، ويبدأ النبيات الكاذبات فى أعطائهن وعودهن الكاذبة وهؤلاء كن يكذبن على الناس بخيالاتهن ومقابل شئ تافه حفنة شعير أو فتات خبز فكن فكن يصطدن النفوس كالفراخ لذبحها = بأن شددتن أيدى الشرير بوعودكن الكاذبة. وذلك لتستحيين أنفسكن = أى أتخذتن هذه مهنة تتعيشون منها. وكم كان هذا مصدر حزن للصديق = الذى يرفض طريقهن فيهددونه بالكذب. وهكذا بكذبهن عملوا على إماتة نفوس الصديق وهذه ما كان ينبغى أن يموت و إستحيين نفوس لا ينبغى أن تحيا = أى حكموا على الصديقين بأنهم سيهلكوا، وأعطوا وعوداً كاذبة للأشرار بأنهم سيحيوا. وكان حكم الله عليهن بسبب أعمالهن الشريرة، بأنهن يمتن فى خلال الضربات الآتية = فلا تعدن ترين الباطل أو عرافة.

تنجسننى عند شعبى = هن كن يستخدمن إسم يهوة فى ممارساتهن هذه. كمن يستخدم المزامير الآن بطريقة غير لائقة فى أعمال لا ترضى الله.


 

الإصحاح الرابع عشر

الآيات 1 – 8 :- فجاء الي رجال من شيوخ اسرائيل و جلسوا امامي. فصارت الي كلمة الرب قائلة. يا ابن ادم هؤلاء الرجال قد اصعدوا اصنامهم الى قلوبهم و وضعوا معثرة اثمهم تلقاء اوجههم فهل اسال منهم سؤالا. لاجل ذلك كلمهم و قل لهم هكذا قال السيد الرب كل انسان من بيت اسرائيل الذي يصعد اصنامه الى قلبه و يضع معثرة اثمه تلقاء وجهه ثم ياتي الى النبي فاني انا الرب اجيبه حسب كثرة اصنامه. لكي اخذ بيت اسرائيل بقلوبهم لانهم كلهم قد ارتدوا عني باصنامهم. لذلك قل لبيت اسرائيل هكذا قال السيد الرب توبوا و ارجعوا عن اصنامكم و عن كل رجاساتكم اصرفوا وجوهكم. لان كل انسان من بيت اسرائيل او من الغرباء المتغربين في اسرائيل اذا ارتد عني و اصعد اصنامه الى قلبه و وضع معثرة اثمه تلقاء وجهه ثم جاء الى النبي ليساله عني فاني انا الرب اجيبه بنفسي. و اجعل وجهي ضد ذلك الانسان و اجعله اية و مثلا و استاصله من وسط شعبي فتعلمون اني انا الرب.

جاء للنبى بعض الشيوخ، وغالباً هؤلاء كانوا من أورشليم، وقد جاءوا يسألون مشورة من النبى، ففرح بهم النبى  ولكن الله كشف له حقيقتهم وأنهم عابدى أوثان، وهم جاءوا يسألون الرب كما يسألون الأوثان. هم تعاملوا مع الله كأنه إله من ضمن الآلهة الوثنية التى يعبدونها، وهذا مبدأ وثنى أى قبول تعدد الآلهة. أو هم فى فضولهم أتوا ليشاهدوا النبى الذى طالما سمعوا عنه. والله يقول عن هؤلاء الذى إمتلأ قلبهم من محبة أصنامهم وهم أعطوها جانباً كبيراًً من مشاعرهم وإرتبطوا بها، وهى على عروش قلوبهم تسيطر = لأنهم أصعدوا أصنامهم إلى قلوبهم. هؤلاء يقول عنهم الله = فهل أسأل منهم سؤالاً = أى هم لا يستحقون أن يسمعوا منى كلمة... هل عرفنا الآن لماذا لا يجيب الله حين نسأله ؟ هذا لأن القلب تسيطر عليه محبة العالم وشهواته ولذات الجسد الحسية. فالله يطلب القلب "يا إبنى أعطنى قلبك أم 23 : 26" والله يجيب من يجلس الله على عرش قلبه، وليس أى نوع آخر من الأصنام الروحية. فالله لن يجيب من أصعد أصنامه لقلبه، أو وضع معثرة إثمه أمام وجهه = هؤلاء لم يطرحوا ما يعثرهم من أمامهم ورفضوه لكنهم كانوا كمن وضع حجراً أمام منزله ويتعثر فيه كل يوم. وهؤلاء وضعوا ذهبهم وفضتهم فى أوثانهم وعبدوها لجمالها، فهم إذاً يتعثرون برغبتهم. وكل إنسان يجرب إذا إنجذب من شهوته يع 1 : 14 فكانوا هم مخربين أنفسهم. والله لن يجيب أمثال هؤلاء، وإن أجاب يجيبهم حسب كثرة أصنامهم = أى لن يجيبهم بأقوال بل بعقوبات، وسيسلمهم لشهوات قلوبهم، وسيتركهم لأنفسهم ليصبحوا بالسوء الذى فى ذهنهم. ولنلاحظ أن من يقع فى يد الشيطان (حين يقبل الخطية التى يعرضها عليه) يذله الشيطان، ولكن هم الذين إختاروا ذلك. وسيعاقبهم الله ويسلمهم للضيق، ولن يجيبهم إذا سألوا، فيسألوا أصنامهم فتزداد حيرتهم وضياعهم. حقاً الله فى عدله سيأخذ بيت إسرائيل بقلوبهم = سيتركهم الله للعالم الذى إختاروه دون أن يحميهم فيذهبوا للخراب. وما الحل.. هل ترفضنا يارب للأبد ؟ لا بل هناك رجاء توبوا وإرجعوا عن أصنامكم وعن كل رجاساتكم إصرفوا وجوهكم = وهذا حتى يملك الرب ثانية على القلب. وهذا الكلام منطبق حتى على الغرباء غير اليهود. فأى إنسان أتى ليسأل الرب وأصنامه فى قلبه يجيبه الرب بالحيرة وسيندمون على ذلك، فالمرائى يظن أنه قادر أن يدخل وسط أولاد الله ولكن الله يعلن هنا أنه سيقطعه ويكشفه فتعلمون أنى أنا الرب = الذى أعرف كل شئ.

 

الآيات 9 – 11 :- فاذا ضل النبي و تكلم كلاما فانا الرب قد اضللت ذلك النبي و سامد يدي عليه و ابيده من وسط شعبي اسرائيل. و يحملون اثمهم كاثم السائل يكون اثم النبي. لكي لا يعود يضل عني بيت اسرائيل و لكي لا يعودوا يتنجسون بكل معاصيهم بل ليكونوا لي شعبا و انا اكون لهم الها يقول السيد الرب.

هنا يتكلم الله عن ماذا سوف يحدث لو ذهب إنسان مرائى يسأل نبى كذاب، لأن النبى الحقيقى رفض أن يجيبه لعدم إستحقاقه. فهذا المرائى كان يجب أن يقدم توبة، ولكنه وجد أن الأسهل أن يذهب لأحد الأنبياء الكذبة. هنا يقول الرب أنه يضل هذا النبى الكذاب = أى أن الله سمح لهؤلاء الأنبياء الكذبة أن يفعلوا ذلك ويقسوا الأشرار فى طريقهم التى قرروها. والله طبعاً ليس مصدراً للشر، ولكنه يستخدم شريراً ليعاقب أو يدمر شرير آخر، ويستخدم شريراً ليخدع شرير آخر، فكلاهما خاطئ وكلاهما سيعاقب = ويحملون إثمهم. إن حالة الضلال التى عليها هذا النبى الكاذب سببها حقيقة إنحراف قلبه، ولكن لأن عواقب الخطية هى من ترتيب الله لذلك يقال أن الله أضل هذا النبى، أى سمح الله بهذا لينال عقابه. بل أن الله سيبيد هذا النبى الكذاب = وأبيده من وسط شعبى. فالله يترك الإنسان بسبب خطيته لشهوات قلبه. وقد يكون هذا هو السبب فى مجئ ضد المسيح فى الأيام الأخيرة حيث يزداد الشر جداً، ولا يعود الناس يطلبون الله، بل لا يطلبون سوى العالم وشهواته ولنسمع قول المزمور "الرب يعطك حسب قلبك مز 20 : 4" والعقوبات للبعض هى الإبادة والقطع = وأبيده من وسط شعبى. أما للبعض الآخر فهى تأديب لمنع الخطية = ليكونوا لى شعباً وأكون لهم إلهاً = وطبيعى فهذا لن يحدث إلا لو تابوا.

 

الآيات 12 – 23 :- و كانت الي كلمة الرب قائلة. يا ابن ادم ان اخطات الي ارض و خانت خيانة فمددت يدي عليها و كسرت لها قوام الخبز و ارسلت عليها الجوع و قطعت منها الانسان و الحيوان. و كان فيها هؤلاء الرجال الثلاثة نوح و دانيال و ايوب فانهم انما يخلصون انفسهم ببرهم يقول السيد الرب. ان عبرت في الارض وحوشا رديئة فاثكلوها و صارت خرابا بلا عابر بسبب الوحوش. و في وسطها هؤلاء الرجال الثلاثة فحي انا يقول السيد الرب انهم لا يخلصون بنين و لا بنات هم وحدهم يخلصون و الارض تصير خربة. او ان جلبت سيفا على تلك الارض و قلت يا سيف اعبر في الارض و قطعت منها الانسان و الحيوان. و في وسطها هؤلاء الرجال الثلاثة فحي انا يقول السيد الرب انهم لا يخلصون بنين و لا بنات بل هم وحدهم يخلصون. او ان ارسلت وبا على تلك الارض و سكبت غضبي عليها بالدم لاقطع منها الانسان و الحيوان. و في وسطها نوح و دانيال و ايوب فحي انا يقول السيد الرب انهم لا يخلصون ابنا و لا ابنة انما يخلصون انفسهم ببرهم. لانه هكذا قال السيد الرب كم بالحري ان ارسلت احكامي الرديئة على اورشليم سيفا و جوعا و وحشا رديئا و وبا لاقطع منها الانسان و الحيوان. فهوذا بقية فيها ناجية تخرج بنون و بنات هوذا يخرجون اليكم فتنظرون طريقهم و اعمالهم و تتعزون عن الشر الذي جلبته على اورشليم عن كل ما جلبته عليها. و يعزونكم اذ ترون طريقهم و اعمالهم فتعلمون اني لم اصنع بلا سبب كل ما صنعته فيها يقول السيد الربر

القديسين يصلون عنا دائماً. ولقد قال صموئيل النبى "كيف أخطئ إلى الله وأكف عن الصلاة لأجلكم 1صم 12 : 23. وقطعاً لا شئ يمنعه أن يصلى عنا الآن فى السماء. ولكن صلوات القديسين تسند النفس المجاهدة الراغبة فى التوبة وليس النفس المسترخية. وهؤلاء الأبرار نوح وأيوب ودنيال قطعاً يصلون عن الشعب، ولكن غضب الله على هذا الشعب يجعله لا يقبل شفاعتهم، وهذا حدث مع صموئيل النبى 1صم 16 : 1 إذ قد رفض الرب شاول الملك فطلب الرب منه أن يكف عن الصلاة لأجله. وهذا بنفس المعنى نجده فى الأيام الأخيرة رؤ 15 : 8 حين يسكب الله جامات غضبه ولا ينفع فى هذا شفاعة. وبنفس المفهوم نسمع "أعطيتها زماناً لكى تتوب رؤ 2 : 21" وبعد إنتهاء هذا الزمان، تنتهى فرصة هذا الإنسان وتبدأ الضربات. فشفاعة القديسين تساندنا ولكن العقوبات هى مسئولية شخصية لكل منا إن رفضنا التوبة.

ولماذا هؤلاء الثلاثة نوح وأيوب ودانيال ؟ لأنهم ثلاثة أبرار عاشوا فى جو شرير وثنى خاطئ، ولكنهم إحتفظوا ببرهم، وهذا فيه توبيخ لليهود فهم عندهم الناموس والأنبياء والهيكل، ولكنهم تركوا كل ذلك وعبدوا الأصنام. أما الأدوات التى يستخدمها الله فى ضرباته فهى المجاعات والأوبئة والوحوش والحروب... وإن هرب الإنسان من واحد وقع فى الآخر. كم هى بشعة نتائج الخطية. وهنا نرى الله يرسل على أورشليم كل هذه الضربات مجتمعة. ولاحظ أن الذين يقطعون هم الإنسان والحيوان، فبسبب الخطية التى سقط فيها الإنسان لعنت الأرض قديماً، وما زال الحيوان يتحمل نتائج الخطية منذ أسلمت الخليقة للباطل رو 8 : 20.

 أما البقية التى ستنجو من الضربات سيأتون إليهم فى السبى وسيرى هؤلاء المسبيين أعمالهم الشريرة = فتعلمون أنى لم أصنع بلا سبب = أى سيعرفون لماذا ضرب الله أورشليم. فهذه البقية هى أحسن من كانوا موجودين فى أورشليم. وإذا كان أفضل ما بأورشليم بهذا السوء فكم وكم حال الباقى فحين يرونهم سيبررون الله فيما عمله بأورشليم. تتعزون عن الشر = سترون أن المصائب التى حلت بأورشليم، هى كانت مستحقة لها.


 

الإصحاح الخامس عشر

كثيرا شبهت الأمة اليهودية بالكرم (أش 5). والله هو الذى غرسها. وأعد بكل شئ ليفرح بعصير كرمته. فمسطار الكرمة يفرح الله والناس قض 9 : 13. فعصير الكرمه يشير للفرح. والكرمه تختلف عن باقى شجر الوعر، فهى لها ثمار، أما شجر الوعر فهو بلا ثمر. ولكن هذه الكرمة التى أعدها الله لنفسه أصبحت شريرة وبلا ثمر، بل تعطى عنباً رديئاً. وبينما أن شجر الوعر الذى بلا ثمر يمكن إستخدام أخشابه فى صناعة الأثاث، فالكرمه التى تعطى عنباً رديئاً تقطع وتلقى فى النار، ففروعها لا تصلح كخشب ولا حتى يمكن تعليق شئ على فروعها. الكرمه مشهورة بالعنب فإن لم تعطى عنباً لا يكون لها إستخدام آخر. فبعض الأمم أشتهرت بالفلسفة كاليونان، والبعض بالتجارة كالفينيقيين، والبعض بفنون الحرب كالرومان. أما شعب الله فلم يشتهر بشئ غير قداسته، وهو لا يصلح لشئ سوى عبادة الرب وتسبيحه، وإن فعل يفرح الرب بكرمه، أما إن كان رديئاً فى هذا فهو لابد ويحرق بنار. وهذا ما حدث إذ خان الشعب الله وإرتدوا عنه. ولقد بدأ الحريق فعلاً والغريب أنهم لم يلاحظوا = تأكل النار طرفيه وهذا حدث فلقد أحرق الأشوريون سنة 722 ق م إسرائيل والسامرة، والبابليون بدأوا فى غزو يهوذا فكان السبى الأول سنة 606 ق م. ثم جاء السبى الثانى والثالث. ولم يتبقى سوى حريق أورشليم = ويحرق وسطه. فالطرفين اللذان إحترقا إشارة لحريق السامرة وسبى يهوذا فكان عليهم أن يتوقعوا حريق وسط الفرع أى أورشليم. ماذا يكون عود الكرم فوق كل عود = أى ماذا يميزه سوى ثماره. وبلا ثمار فهو لا يصلح لشئ حتى لتعليق إناء ماء لذلك يطرح أكلاً للنار. فبعد أن إحترقت نهايتى العود كان على الشعب أن يتوقع أن يحرق الله وسط العود أى أورشليم = هكذا سيبذل الله سكان أورشليم أكلاً للنار. وسيعرف أنى أنا الرب حين أجعل وجهى ضدهم = فأنا قدوس لا أحتمل الخطية بل أعاقب عليها بعدل. لماذا إذا رأينا الله يعاقب أحداً على خطاياه لا نتوقع نفس العقوبات علينا بسبب خطايانا ولماذا نتوقع أن الله سيقبل خطايانا وهو قدوس وإلهنا نار آكله عب 12 : 29


 

الإصحاح السادس عشر

لازال الله يبرر نفسه من أجل الخراب الذى سيأتى على أورشليم، فبعد أن شبه أورشليم بعود الكرم الذى سيحرق، يشبهها هنا بعروس زانية خائنة لا تستحق سوى الهجر والتخلى، وهذا الإصحاح من المفيد أن نطبقه على الشعب اليهودى مرة ثم ثانية على الكنيسة ككل. ومرة ثالثة على النفس البشرية. هو إصحاح معاملة الله معى وإنتشالى من الضياع ثم خيانتى له. هذا الإصحاح هو أنشودة الخلاص المجانى حتى نكون عروس مقدسة للمسيح.

 

الآيات 1 – 5 :- و كانت الي كلمة الرب قائلة. يا ابن ادم عرف اورشليم برجاساتها. و قل هكذا قال السيد الرب لاورشليم مخرجك و مولدك من ارض كنعان ابوك اموري و امك حثية. اما ميلادك يوم ولدت فلم تقطع سرتك و لم تغسلي بالماء للتنظف و لم تملحي تمليحا و لم تقمطي تقميطا. لم تشفق عليك عين لتصنع لك واحدة من هذه لترق لك بل طرحت على وجه الحقل بكراهة نفسك يوم ولدت.

عرف أورشليم برجاساتها = بدء الأنشودة هو إكتشاف خطايانا. وهذه الرجاسات يكرهها الله، ويجب أن نكرهها نحن أيضاً، خصوصاً أننا شعبه. ورجاسات أورشليم تفوق رجاسات العالم كله.. لماذا ؟ لأنها ناكرة للجميل. فبعد كل ما قدمه الله لها تسير وراء آخر. وهنا يوضح الله أصلها الحقير. مخرجك ومولدك من أرض كنعان. أبوك أمورى وأمك حثية = كان اليهود يفتخرون بأنهم أولاد إبراهيم يو 8 : 33 + مت 3 : 9. ولكن أولاد إبراهيم حقيقة هم أولاده بالإيمان غل 4 : 11، 12. أما هؤلاء فأعمالهم تشبه الكنعانيين الذين لعنوا من أجل خطاياهم لذلك هم أولاد الكنعانيين، هذا نسب أخلاقى وليس عرقى، كما قيل عن كل من يفعل الخطية أنه إبن لإبليس 1يو 3 : 10 + يو 8 : 44 (الكذاب إبن لإبليس فى هذه الآية). وهنا بهذه الآية كون أنهم أولاد كنعان فلقد نزعت عنهم بنوتهم لإبراهيم يو 8 : 39، 40 وآية 4، 5 صورة مؤلمة للجنس البشرى كله، إذ يولد ورجاساته تعمل فى داخله "هأنذا بالإثم صورت وبالخطية حبلت بى أمى مز 51 : 5". هذا معنى لم تقطع سرتك = فعن طريق السرة يأتى الغذاء للطفل أولاً، والمعنى هنا أن مصادر الخطية، خطية أبائك مازالت تغذيك، فكنت فى نجاسة الخطية الأصلية، ولم يطهرك أحد = ولم تغسلى بالماء للتنظيف. ولم يسترك أحد فظللت عارية، فالخطية تساوى العرى = لم تقمطى تقميطاً = فلا يوجد فى البشر من يغسل أدناسنا أو يحمل عارنا ويسترنا بقماط. ولم تملحى تمليحا الملح يستخدم ليمنع الطعام من الفساد (كالفسيخ مثلاً)، فلم يكن هناك ثلاجات أو ثلج فى ذلك الزمان. فكان الملح علامة عدم الفساد (2أى 13 : 5 + مر 9 : 49، 50 + كو 4 : 6). والمسيح أتى ليفتدينا ويستر علينا ويفيض علينا من نعمته التى تحفظنا من الفساد. لذلك فالكنيسة فى صلاة الحميم تضع ملحاً فى الماء إشارة للنعمة التى سيحصل عليها الطفل فى المعمودية فتحفظه من الفساد (وتضع فى الماء زيتاً إشارة لعمل الروح القدس وحلوله على المعمد فى سر الميرون الذى يعقب سر العماد، فالكنيسة فى صلاة الحميم تعلن إهتمامها بالطفل وأنها فيها بأسرارها كل ما يحتاجه الطفل ليحيا فى عدم فساد). ولم تشفق عليك عين = بل حين ولدت الأمة اليهودية كان ذلك فى مصر فى أرض العبودية، وفرعون كرمز للشيطان أذلهم وإستعبدهم. وطرحت بكراهة نفسك = فالمصريين كرهوهم بل إعتبروهم رجس، ولنلاحظ أن من عروها قد كرهوها، والشيطان يسهل لنا طريق الخطية ليس حباً فينا بل كراهية لنا، وليدمرنا.

 

الآيات 6 – 14 :- فمررت بك و رايتك مدوسة بدمك فقلت لك بدمك عيشي قلت لك بدمك عيشي. جعلتك ربوة كنبات الحقل فربوت و كبرت و بلغت زينة الازيان نهد ثدياك و نبت شعرك و قد كنت عريانة و عارية. فمررت بك و رايتك و اذا زمنك زمن الحب فبسطت ذيلي عليك و سترت عورتك و حلفت لك و دخلت معك في عهد يقول السيد الرب فصرت لي. فحممتك بالماء و غسلت عنك دماءك و مسحتك بالزيت. و البستك مطرزة و نعلتك بالتخس و ازرتك بالكتان و كسوتك بزا. و حليتك بالحلي فوضعت اسورة في يديك و طوقا في عنقك. و وضعت خزامة في انفك و اقراطا في اذنيك و تاج جمال على راسك. فتحليت بالذهب و الفضة و لباسك الكتان و البز و المطرز و اكلت السميذ و العسل و الزيت و جملت جدا جدا فصلحت لمملكة. و خرج لك اسم في الامم لجمالك لانه كان كاملا ببهائي الذي جعلته عليك يقول السيد الرب.

نجد هنا حصراً لما قدمه الله للأمة اليهودية أولنا. مدوسة بدمك = كانوا على حافة الخراب والهلاك فى مصر، مكتوب عليهم الموت فقلت لك بدمك عيشى. قلت لك بدمك عيشى = هذه كقول بولس الرسول "أما أنا فكنت بدون الناموس عائشاً قبلاً رو 7 : 9" وهذه كما يقول المثل العامى عن مريض أو فقير معدم "أهى عيشة والسلام". أى قرر لها الله الحياة، الله نظر إلى هذا العالم فى نجاسته يتمرغ فى دمه (يموت ويهلك) وهو منبوذ مطرود، لكن الله فى صلاحه يريد للبشر الحياة. فقال لهم الله بدمك عيشى أى تعيش كما هى، مجرد حياة لأنه مازال هناك دم فى عروق البشر يبقى عليهم أحياء لفترة من الزمن، ولكنهم فى خطاياهم مدوسين من إبليس = مدوسة بدمك، ومدوسين من خطاياهم، وفاقدين للحياة الأبدية وقول الله هنا بدمك عيشى = أى لتبقى حياتك البشرية لفترة، وعيشى بحالتك ولا تموتى، حتى أتدخل بنعمتى، فتولدى ميلاداً جديداً فى المعمودية بعد الفداء، وذلك فى ملء الزمان، أما الآن فيكفى أنك حية وإنتظرى. وتكرار بدمك عيشى، يعنى توجيه هذه الكلمة للأمم واليهود. والله لم يتركها تحيا فقط بل إهتم بها ورعاها وأعطاها بركات زمنية = فربوت وكبرت ونما الجنس البشرى وإزدهر فى كل مكان = جعلتك ربوة، وبلغت زينة الأزيان = جعلها الله جميلة، فكم من مدن جميلة وحضارات عريقة وفلسفات وعلوم، لم يبخل الله على العالم بشئ (وشئ شبيه بذلك فلقد إستمر العالم الشيوعى يسب الله أكثر من سبعين سنة، والله يفيض عليهم قوة وعلم وغذاء..... الخ). ولاحظ أنه بالرغم من إضطهاد المصريين لشعب الله، قول الكتاب عنهم "ولكن بحسبما أذلوهم هكذا نموا وإمتدوا فإختشى منهم المصريون خر 1 : 12. الله أعطاهم نمواً عددياً. والله أعطى لبقية الشعوب نمواً ونضجاً عقلياً وصار للعالم جمال ونضج وفكر = نهد ثدياك ونبت شعرك = فالتشبيه بعروس، والعروس لا تخطب إلا إذا نضجت وعلامة النضج للفتاة ثدياها، ألن تستعملها فى إرضاع أولادها. والكنيسة ترضع أولادها لينموا فى الإيمان. هذا القول يشير لأن المسيح أيضاً أتى فى ملء الزمان غل 4 : 4 بعد أن صار العالم ناضجاً مستعداً لذلك المجئ. واليهود كان لهم ثديان يرضعان منهما أولادهم وهى الناموس والأنبياء. والكنيسة لها أيضاً ثديان هما العهد القديم والعهد الجديد. عريانة وعارية = تكرار القول فيه إشارة

1)    لأنها مولودة بالخطية فعريانة إشارة للخطية الأصلية. وعارية إشارة لخطاياها الحالية.

2)  عريانة إشارة للخطية، فآدم لم يشعر أنه عريان إلا بعد أن أخطأ وعارية فيه إشارة للشعور بعدم الإحتياج للمسيح رؤ 3 : 17

3)    عريانة إشارة لليهود بسبب تعديهم على الناموس وعارية إشارة للأمم لخطاياهم.

فمررت بك وإذا زمنك زمن الحب = لقد صارت العروس ناضجة الآن، وعلى العريس أن يتقدم لخطبتها. فالشعب اليهودى فى مصر صار ناضجاً ليتحرر فأرسل الله لهم موسى، وبالنسبة للكنيسة فلقد جاء المسيح بنفسه لها. كان موسى مخلصاً للشعب فى زمن حب الله لهم، وكان المسيح فى تجسده أبلغ مثل للحب "ليس حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه يو 15 : 13. وحين مر السيد عليها كانت عريانة بفعل الخطية، فستر السيد عليها = وبسطت ذيلى عليك = هذا ما فعله بوعز مع راعوث إشارة للمسيح عريس نفوسنا (را 3 : 9). فالقدوس لم يستنكف من أن يأخذنا له عروساً. ودخلت معك فى عهد = كان العهد الأول لآدم وحواء "نسل المرآة يسحق رأس الحية" والوعد الثانى لنوح بعدم الهلاك "قوس قزح" والوعد الثالث لإبراهيم بالختان والوعد الرابع مع موسى بالذبائح وخروف الفصح، والوعد الخامس والأخير بدم المسيح. فحممتك بالماء = لليهود بالمرور فى البحر الأحمر، ولنا بالمعمودية (= تطهير) ومسحتك بالزيت = هذا رمز لعمل الروح القدس، فمع اليهود كان هذا للأنبياء والملوك والكهنة. أما فى العهد الجديد فكلنا مسحنا بالميرون وصرنا هياكل للروح القدس. وغسلت عنك دماءك = بالمعمودية نغسل من دماء خطايانا الأصلية التى ولدنا بها والحالية التى إرتكبناها بعد المعمودية. وبعد المسح بالروح القدس نصير له = فصرتِ لى = لاحظ أن المسح بالميرون فيه تكريس للممسوح فيصير قدساً أى مخصصاً لله. وألبستك مطرزة = تلبس أفخر الملابس بعد أن كانت عارية. وأفخر ما نرتديه هو المسيح "البسوا المسيح" فبالمعمودية تصير لنا حياة المسيح الكامل فى صفاته (رو 13 : 14 + فى 1 : 21) ونعلتك بالتخس = كما ألبس الإبن الضال حذاء فى رجليه، هذه حماية لنا لنسير وسط العالم ولا ننحرف عن طريق الله. والكتان = علامة النقاوة والطهارة. والبز = علامة البر. والحلى = هى عربون الروح الذى يكسب النفس جمالاً. ووضع الإسورة فى يديها = هو تقديس طاقات العمل لحساب الملكوت وخزامة فى أنفها وأقراطاً فى أذنيها = لتقديس حواسها. أما تاج جمالها = فهو السيد المسيح نفسه. وتحليت بالذهب = الحياة السماوية. والفضة = كلمة الله مز 12 : 6 وأكلت السميذ = جسد المسيح غذاء للنفس، أما اليهود فأكلوا المن وقد يكون أيضاً لليهود الحلى والذهب والفضة هى ما أخذوها من المصريين. وأكلت العسل = حين أكل حزقيال كلمة الله (الدرج) كان فى فمه كالعسل. وهكذا داود وأرمياء ويوحنا (راجع تفسير إصحاح 3 آيات 1-15). وخرج لك إسم فى الأمم = هكذا جاءت ملكة سبأ لسليمان. والكنيسة دائماً منارة للعالم كله

 

الآيات 15 – 34 :- فاتكلت على جمالك و زنيت على اسمك و سكبت زناك على كل عابر فكان له. و اخذت من ثيابك و صنعت لنفسك مرتفعات موشاة و زنيت عليها امر لم يات و لم يكن. و اخذت امتعة زينتك من ذهبي و من فضتي التي اعطيتك و صنعت لنفسك صور ذكور و زنيت بها. و اخذت ثيابك المطرزة و غطيتها بها و وضعت امامها زيتي و بخوري. و خبزي الذي اعطيتك السميذ و الزيت و العسل الذي اطعمتك و ضعتها امامها رائحة سرور و هكذا كان يقول السيد الرب. اخذت بنيك و بناتك الذين ولدتهم لي و ذبحتهم لها طعاما اهو قليل من زناك. انك ذبحت بني و جعلتهم يجوزون في النار لها. و في كل رجاساتك و زناك لم تذكري ايام صباك اذ كنت عريانة و عارية و كنت مدوسة بدمك. و كان بعد كل شرك ويل ويل لك يقول السيد الرب. انك بنيت لنفسك قبة و صنعت لنفسك مرتفعة في كل شارع. في راس كل طريق بنيت مرتفعتك و رجست جمالك و فرجت رجليك لكل عابر و اكثرت زناك. و زنيت مع جيرانك بني مصر الغلاظ اللحم و زدت في زناك لاغاظتي. فها انا ذا قد مددت يدي عليك و منعت عنك فريضتك و اسلمتك لمرام مبغضاتك بنات الفلسطينيين اللواتي يخجلن من طريقك الرذيلة. و زنيت مع بني اشور اذ كنت لم تشبعي فزنيت بهم و لم تشبعي ايضا. و كثرت زناك في ارض كنعان الى ارض الكلدانيين و بهذا ايضا لم تشبعي. ما امرض قلبك يقول السيد الرب اذ فعلت كل هذا فعل امراة زانية سليطة. ببنائك قبتك في راس كل طريق و صنعتك مرتفعتك في كل شارع و لم تكوني كزانية بل محتقرة الاجرة. ايتها الزوجة الفاسقة تاخذ اجنبيين مكان زوجها. لكل الزواني يعطون هدية اما انت فقد اعطيت كل محبيك هداياك و رشيتهم لياتوك من كل جانب للزنا بك. و صار فيك عكس عادة النساء في زناك اذ لم يزن وراءك بل انت تعطين اجرة و لا اجرة تعطى لك فصرت بالعكس.

نجد هنا حصراً للشر العظيم الذى إرتكبوه فى نكران واضح لجميل الله. كانت جريمتهم هى الوثنية ويسميها الكتاب زنا روحى، فهى خيانة بالقلب، إذ يحب أحداً غير الله. وبدأت العبادة الوثنية فى أواخر أيام سليمان وإستمرت. هنا إنحراف هذه العروس وراء آخر غير عريسها. وفى حالتنا هو إرتباطنا بالأمور العالمية على حساب الله. وبدء السقوط هو الكبرياء = إتكلت على جمالك = فالنفس التى تثق فى جمالها وتظن أنها بارة تقوم بدور الزانية، لأنه فيما تفعله حسناً لا تفعله لإعلان مجد الله بل هى تطلب مجدها الذاتى، وسكبت زناك على كل عابر = أى عبدوا كل أوثان جيرانهم. وأخذت كل ما أعطاهم الله من مواهب وزينة (صحة ومال وإسم...) وزنيت عليها = أى إستخدمت كل شئ فى الخطايا. وبالنسبة لليهود فهم قدموا كل شئ للأوثان. بل قدموا أولادهم ذبائح للأوثان = هم عملوا هذا فعلاً ولكن روحياً كم من أولاد لنا، جسديين أو روحيين كنا سبباً فى هلاكهم. ولاحظ هنا أن الله يقول ذبحت بنىَ = فالأولاد هم أولاده هو، أما الآباء فما هم سوى خدام لله يربون الأولاد لحساب الله. ومما ضاعف خطيتها نكرانها لجميل الله عليها = لم تذكرى أيام صباك = يوم أخرجهم الله من أرض مصر وفاض عليهم ببركاته مظهراً لهم تفاهة أوثان وآلهة الشعوب. وبنيت لنفسك قبة = فىكل مكان صنعوا لأنفسهم مذابح للأوثان. وروحياً فهذا يعنى أينما سار الإنسان لا يهتم سوى بملذاته وشهواته. وهى تدعوا الآخرين للزنا معها أى بالنسبة لليهود يُدخِلون كل أصنام جيرانهم مصر وأشور... الخ. هذا يشبه من تتحول الخطية فى حياته إلى حالة مرضية، يخطئ بلا شبع، وفى خطايا قد تكون متضادة (زنا وكبرياء مثلاً) والنتيجة أنها رجست جمالها = فبالخطية تفقد صورة المسيح فينا. وبنى مصر الغلاظ اللحم = أى المتكبرين. زنيت  معهم = هذه تشير غالباً لإتكالهم على مصر، وعملهم معاهدات وحلف مع مصر لتحميهم، وكانت العادة فى عقد المعاهدات للحماية أن من يطلب الحماية يقدم العبادة لآلهة من يطلب منه الحماية، وهذا حدث أيضاً مع أشور آية 28. ولنلاحظ أنهم عبدوا آلهة الفلسطينيين فأسلمهم الله ليدهم، وهكذا مع مصر وأشور وبابل. وهكذا من يحب خطية تحرقه نيران هذه الخطية. وهى زانية تحتقر الأجرة، بل تعطى من يزنى معها هدايا = هذه إشارة للذهب والفضة التى يدفعونها للشعوب لعقد معاهدات معهم. وهم بعبادتهم لأوثان هذه الشعوب يرتكبون الزنا الروحى. والتشبيه هنا أن من عادة الزوانى أنهن يأخذن أجراً، ولم يسمع أن زانية دفعت هدية لأحد، أما هؤلاء فقد دفعن لآلهة الشعوب المجاورة. أو ليس هذا مثل من يضيع صحته ويصرف أمواله فى سبيل خطاياه. تأخذ أجنبيين مكان زوجها = الزوج هنا هو الرب، وزوجها هو الذى يدافع عنها، لكنها أخذت أوثاناً مكان زوجها.

 

الآيات 35 – 43 :- فلذلك يا زانية اسمعي كلام الرب. هكذا قال السيد الرب من اجل انه قد انفق نحاسك و انكشفت عورتك بزناك بمحبيك و بكل اصنام رجاساتك و لدماء بنيك الذين بذلتهم لها. لذلك هانذا اجمع جميع محبيك الذين لذذت لهم و كل الذين احببتهم مع كل الذين ابغضتهم فاجمعهم عليك من حولك و اكشف عورتك لهم لينظروا كل عورتك. و احكم عليك احكام الفاسقات السافكات الدم و اجعلك دم السخط و الغيرة. و اسلمك ليدهم فيهدمون قبتك و يهدمون مرتفعاتك و ينزعون عنك ثيابك و ياخذون ادوات زينتك و يتركونك عريانة و عارية. و يصعدون عليك جماعة و يرجمونك بالحجارة و يقطعونك بسيوفهم. و يحرقون بيوتك بالنار و يجرون عليك احكاما قدام عيون نساء كثيرة و اكفك عن الزنى و ايضا لا تعطين اجرة بعد. و احل غضبي بك فتنصرف غيرتي عنك فاسكن و لا اغضب بعد. من اجل انك لم تذكري ايام صباك بل اسخطتني في كل هذا فهانذا ايضا اجلب طريقك على راسك يقول السيد الرب فلا تفعلين هذه الرذيلة فوق رجاساتك كلها.

نجد هنا أجرة الخطية. فمن زنوا معهم سيكونوا هم سبباً فى خرابهم. أليس فى الأمراض الجنسية مثالاً لذلك (الزهرى والإيدز). إذاً الشخص يهلك من خطيته. وسيكون تأديبها علنياً = قدام عيون نساء كثيرة = حتى يتعظ الجميع. والنساء الكثيرة هنا هى شعوب كثيرة، فالله يعلن قداسته لباقى الشعوب فى رفضه خطية شعبه. والله يستر كثيراً على خطايانا، فإذا أصر المرء على خطيته تكون فضيحته فربما يتوب. والأمور الخاطئة التى يظن الإنسان أن فيها سعاته يكون فيها خرابه. ويتركونك عريانة وعارية = إننا نفضح أمام الجميع، لو تخلى عنا المسيح الذى يسترنا. أحل غضبى بك. فأسكن ولا أغضب بعد = هذه ضربة إفناء للخطاة، وتطهير لمن بقى فيه رجاء، وعندما يفنى الأشرار ويتطهر الباقين يسكن غضب الله. فإلهنا نار آكلة عب 12 : 29 وأكفك عن الزنا = هذا ناتج عن التطهير إذ سمح الله بتأديبهم. وتاريخياً فاليهود بعد عودتهم من السبى لم يعودوا أبداً لعبادة الأوثان. لاحظ أن خراب الشعب أتى على يد أصدقائه "فإن أرضت الرب طرق إنسان جعل أعداؤه يسالمونه" والعكس إن لم ترضى الرب طرق إنسان جعل أصدقاؤه فى حرب معه. ويسحب الله منه كل ما سبق وأعطاه له من بركات، ويتركه بلا زينة = عريانة وعارية

 

الآيات 44 – 59 :- هوذا كل ضارب مثل يضرب مثلا عليك قائلا مثل الام بنتها. ابنة امك انت الكارهة زوجها و بنيها و انت اخت اخواتك اللواتي كرهن ازواجهن و ابناءهن امكن حثية و ابوكن اموري. و اختك الكبرى السامرة هي و بناتها الساكنة عن شمالك و اختك الصغرى الساكنة عن يمينك هي سدوم و بناتها. و لا في طريقهن سلكت و لا مثل رجاساتهن فعلت كان ذلك قليل فقط ففسدت اكثر منهن في كل طرقك. حي انا يقول السيد الرب ان سدوم اختك لم تفعل هي و لا بناتها كما فعلت انت و بناتك. هذا كان اثم اختك سدوم الكبرياء و الشبع من الخبز و سلام الاطمئنان كان لها و لبناتها و لم تشدد يد الفقير و المسكين. و تكبرن و عملن الرجس امامي فنزعتهن كما رايت. و لم تخطئ السامرة نصف خطاياك بل زدت رجاساتك اكثر منهن و بررت اخواتك بكل رجاساتك التي فعلت. فاحملي ايضا خزيك انت القاضية على اخواتك بخطاياك التي بها رجست اكثر منهن هن ابر منك فاخجلي انت ايضا و احملي عارك بتبريرك اخواتك. و ارجع سبيهن سبي سدوم و بناتها و سبي السامرة و بناتها و سبي مسبييك في وسطها. لكي تحملي عارك و تخزي من كل ما فعلت بتعزيتك اياهن. و اخواتك سدوم و بناتها يرجعن الى حالتهن القديمة و السامرة و بناتها يرجعن الى حالتهن القديمة و انت و بناتك ترجعن الى حالتكن القديمة. و اختك سدوم لم تكن تذكر في فمك يوم كبريائك. قبل ما انكشف شرك كما في زمان تعيير بنات ارام و كل من حولها بنات الفلسطينيين اللواتي يحتقرنك من كل جهة. رذيلتك و رجاساتك انت تحملينها يقول الرب. لانه هكذا قال السيد الرب اني افعل بك كما فعلت اذ ازدريت بالقسم لنكث العهد.

حينما يسقط المؤمن فى الشر يكون أشر من غير المؤمن مت 5 : 13. والله دعاهم أولاً أولاد الحثيين والأموريين، والآن يزيد لها أن أختين هما السامرة (مملكة إسرائيل) وسدوم. وسميت السامرة الأخت الكبرى لأنها كمملكة أكبر من يهوذا. وخطية يهوذا فاقت خطايا أختيها فبررتهم. وهى كرهت زوجها (الله) وبنيها (فقدمتهم ذبائح). وهنا عدد الله خطايا سدوم ولم يذكر خطيتهم البشعة وهى الشذوذ الجنسى، ولكن الخطايا المذكورة هنا هى التى تقود لهذه الخطية الكبرياء و الشبع أى النهم وسلام الإطمئنان أى عدم الخوف من أثار الخطية أو عقوبتها. وظلم الفقير لذلك وصلت بهم الحالة إلى فعل الرجس. هذه الحالة المتردية التى وصل لها الجميع، وصاروا سبايا للخطايا، أى إسرائيل ويهوذا وسدوم... لا علاج لها إلا بمجيء المسيح. فى هذه الحالة فقط يرجع الله يهيمن. ففى المسيح تصير الخليقة جديدة 2كو 5 : 17 = يرجهن إلى حالتهن القديمة = أى إلى حالة ما قبل السقوط والفساد. ولاحظ حالة الكبرياء التى كانت عليها يهوذا، فهى لم تكن تذكر سدوم فى فمها. وذلك قبل أن ينكشف شرها = وقبل أن ينكشف شرها سمح الله بتهديد الأراميين لها وتعيير وإحتقار الفلسطينيين ولاحظ فى هذا 1) الضربات تأتى بالتدريج  2) فى هذا إشارة لإحتقار الشياطين لمن يسقط فى غوايتهم

 

الآيات 60 – 63 :- و لكني اذكر عهدي معك في ايام صباك و اقيم لك عهدا ابديا. فتتذكرين طرقك و تخجلين اذ تقبلين اخواتك الكبر و الصغر و اجعلهن لك بنات و لكن لا بعهدك. و انا اقيم عهدي معك فتعلمين اني انا الرب. لكي تتذكري فتخزي و لا تفتحي فاك بعد بسبب خزيك حين اغفر لك كل ما فعلت يقول السيد الرب

هنا فتح الله باب الرجاء ثانية بالوعد بالمسيح = عهداً أبدياً وحينئذ ستقبل الجميع، وليس بعهدها السابق، حينما كانوا وحدهم شعب الله المختار. ففى المسيح سيقبل الكل وهذا معنى ولكن لا بعهدك = وأيضاً بلا ختان أو دم ذبائح حيوانية. بل بدم المسيح الذى يغفر = أغفر لك


 

الإصحاح السابع عشر

الآيات 1 – 6 :- و كان الي كلام الرب قائلا. يا ابن ادم حاج احجية و مثل مثلا لبيت اسرائيل. و قل هكذا قال السيد الرب نسر عظيم كبير الجناحين طويل القوادم واسع المناكب ذو تهاويل جاء الى لبنان و اخذ فرع الارز. قصف راس خراعيبه و جاء به الى ارض كنعان و جعله في مدينة التجار. و اخذ من زرع الارض و القاه في حقل الزرع و جعله على مياه كثيرة اقامه كالصفصاف. فنبت و صار كرمة منتشرة قصيرة الساق انعطفت عليه زراجينها و كانت اصولها تحته فصارت كرمة و انبتت فروعا و افرخت اغصانا.

 

حاج أحجية = قل لهم لغزاً ليفكروا فيه. نسر عظيم = هو ملك بابل كبير الجناحين = جيشه قوى. ذو تهاويل = وفى ترجمة أخرى متعدد الألوان لأنه يجمع فى جيشه القوى شعوب كثيرة. ولبنان هنا تشير ليهوذا. وأخذ فرع الأرز شجرة الأرز هنا تشير لبيت الملك داود. ولأنه شبه داود وعائلته بأرزة فقال عن يهوذا أنها لبنان، فالأرز لا يوجد سوى فى لبنان. وقد أخذ نبوخذ نصر أعلى فرع وهو الملك يهوياكين وأسره فى بابل (لاحظ التشبيه بشجرة أرز، وذلك لطول شجرة الأرز، وعائلة داود إستمرت تحكم على يهوذا فترة طويلة جداً، تقريباً من سنة 1055 ق م. وهى السنة التى ملك فيها داود وحتى سنة 586 ق م. وهى السنة التى قتل فيها صدقيا أخر ملوك يهوذا على يد نبوخذ نصر). وقصف رأس خراعيبه = الخراعيب هى الأغصان الخضراء إشارة للشباب الصالح للعمل، الذى أخذه نبوخذ نصر فى السبى وجاء بهم إلى أرض التجار = أى بابل. وأخذ من زرع الأرض = أى صدقيا، الذى أخذه نبوخذ نصر وأقامه ملكاً. ونمت المملكة فى حماية نبوخذ نصر الذى دخل فى معاهدة مع نبوخذ نصر، أن يظل خاضعاً له، وحلف له بذلك = وإنعطفت عليه زراجينها = أى دخل صدقيا الملك فى معاهدة فيها يحمى نبوخذ نصر يهوذا ويخضع صدقيا لنبوخذ نصر = وكانت أصولها تحته. ويقول هنا عن يهوذا كرمة منتشرة قصيرة الساق = أى ضعيفة وخاضعة لملك بابل وهذه عكس حالتها الأولى المذكورة فى حز 19 : 11

 

الآيات 7، 8 :- و كان نسر اخر عظيم كبير الجناحين واسع المنكب فاذا بهذه الكرمة عطفت عليه اصولها و انبتت نحوه زراجينها ليسقيها في خمائل غرسها. في حقل جيد على مياه كثيرة هي مغروسة لتنبت اغصانا و تحمل ثمرا فتكون كرمة واسعة.

نسر آخر عظيم = هو فرعون مصر، لكنه هنا ليس كثير الألوان إذ لا توجد أمم كثيرة خاضعة له. فإذا بهذه الكرمة قد عطفت عليه أصولها = حاول صدقيا أن يقيم معاهدة مع فرعون، وحنث بعهده وحلفه لنبوخذ نصر

 

الآيات 9، 10 :- قل هكذا قال السيد الرب هل تنجح افلا يقلع اصولها و يقطع ثمرها فتيبس كل من اوراق اغصانها تيبس و ليس بذراع عظيمة او بشعب كثير ليقلعوها من اصولها. ها هي المغروسة فهل تنجح الا تيبس يبسا كان ريحا شرقية اصابتها في خمائل نبتها تيبس.

هل ينجح صدقيا فى معاهدته مع مصر ؟ قطعاً لا. لأنه أهان الله أمام الوثنيين البابليين بأن كسر وإستخف بالقسم الذى قسمه، وعهده مع ملك بابل الذى أقسم فيه بيهوة إلهه، فنقضه لعهده هو إهانة للإسم المقدس. والسبب الثانى أنه يعتمد على ملك مصر "ومعون من يتكل على ذراع بشر". والنتيجة أن الله سيقلع أصول هذه الأرزة أى عائلة صدقيا.

وليس بذراع عظيمة = الذراع العظيمة هى جيش بابل، ولكن لم يكن خراب صدقيا بسبب عظمة وقوة بابل، ولكن لأن الله قد تخلى عنه لأنه أهانه.

 

الآيات 11 – 21 :- و كان الي كلام الرب قائلا. قل للبيت المتمرد اما علمتم ما هذه قل هوذا ملك بابل قد جاء الى اورشليم و اخذ ملكها و رؤساءها و جاء بهم اليه الى بابل. و اخذ من الزرع الملكي و قطع معه عهدا و ادخله في قسم و اخذ اقوياء الارض. لتكون المملكة حقيرة و لا ترتفع لتحفظ العهد فتثبت. فتمرد عليه بارساله رسله الى مصر ليعطوه خيلا و شعبا كثيرين فهل ينجح هل يفلت فاعل هذا او ينقض عهدا و يفلت. حي انا يقول السيد الرب ان في موضع الملك الذي ملكه الذي ازدرى قسمه و نقض عهده فعنده في وسط بابل يموت. و لا بجيش عظيم و جمع غفير يعينه فرعون في الحرب باقامة مترسة و ببناء برج لقطع نفوس كثيرة. اذ ازدرى القسم لنقض العهد و هوذا قد اعطى يده و فعل هذا كله فلا يفلت. لاجل ذلك هكذا قال السيد الرب حي انا ان قسمي الذي ازدراه و عهدي الذي نقضه اردهما على راسه. و ابسط شبكتي عليه فيؤخذ في شركي و اتي به الى بابل و احاكمه هناك على خيانته التي خانني بها. و كل هاربيه و كل جيوشه يسقطون بالسيف و الباقون يذرون في كل ريح فتعلمون اني انا الرب تكلمت.

هنا تفسير اللغز. وعقوبة صدقيا أنه يُأسَر ويموت فى بابل، وجيشه يضرب، ولن ينفعه جيش مصر لأن فرعون لن يعينه، وجيش صدقيا نفسه يهلك.

 

الآيات 22 – 24 :- هكذا قال السيد الرب و اخذ انا من فرع الارز العالي و اغرسه و اقطف من راس خراعيبه غصنا و اغرسه على جبل عال و شامخ. في جبل اسرائيل العالي اغرسه فينبت اغصانا و يحمل ثمرا و يكون ارزا واسعا فيسكن تحته كل طائر كل ذي جناح يسكن في ظل اغصانه. فتعلم جميع اشجار الحقل اني انا الرب وضعت الشجرة الرفيعة و رفعت الشجرة الوضيعة و يبست الشجرة الخضراء و افرخت الشجرة اليابسة انا الرب تكلمت و فعلت

هذا الغصن الجديد هو المسيح، وكنيسته ستكون عالية سماوية = على جبل عالٍ شامخ = وتكون راسخة ثابتة. والمسيح هو غصن أخذ من شجرة أرز عائلة داود (سمى المسيح غصناً فى أماكن كثيرة فى العهد القديم) والشجرة اليابسه التى ستفرخ هى الأمم. والشجرة الخضراء التى تيبس هى يهوذا. وضعت الشجرة الرفيعة ورفعت الشجرة الوضيعة = هذه تشبه تسبحة العذراء أنزل الأعزاء عن الكراسى ورفع المتضعين لو 1 : 52. الأعزاء هم الشجرة الرفيعة أى الشياطين الذين إنهزموا وإنسحقوا بالصليب، والشجرة الوضيعة هم البشر الذين كانوا مسحوقين مستعبدين لإبليس وجنوده، والمسيح رفعهم ليكونوا جسده من لحمه ومن عظامه أف 5 : 30.


 

الإصحاح الثامن عشر

نجد هنا مثل شرير آخر قاله هؤلاء الأشرار الأباء أكلوا الحصرم وأسنان الأبناء ضرست = أى أن الخراب الذى نحن فيه سببه خطايا أبائنا، فما ذنبنا نحن، إذ أننا لم نخطئ مثلهم. وهذا الكلام فيه إتهام مباشر لله بأنه ظالم. ولاحظ أن الله منذ بداية السفر يقول أن هذا الشعب مستمر فى خطاياه حتى الآن (2 : 3) وهم إستندوا للآية التى تقول "أفتقد ذنوب الأباء فى الأبناء فى الجيل الثالث والرابع من مبغضىَ خر 20 : 5. لكنهم فى مكرهم أخذوا نصف الآية وتركوا كلمة "من مبغضىَ" أى أن ضربات الله ستكون على الأولاد إذا هم إستمروا فى شرور أبائهم، وإستمروا فى بغضهم لله. ولكن نلاحظ أن الله يؤدب الخاطئ بطريقة فردية، ولكن إذا إستمرت الخطية حتى الجيل الثالث والرابع، فهى تصبح كالوباء المنتشر، فحينئذ تكون الضربة عامة وشاملة، لذلك نسمع هنا وفى سفر أرمياء عن ضربة عامة ضد أورشليم ويهوذا ككل لأن الخطية قد تفشت فى وسط الجميع. الله من طول أناته لا يعاقب مباشرة بل يتأنى. وقد يتأنى ثلاثة أو أربع أجيال، فإذا إستمرت البغضة وإنتشرت الخطية تكون الضربة عامة. وفى هذا الإصحاح يركز الله على المسئولية الفردية لكل شخص، ولنا أمثله واضحة فى الكتاب المقدس. فأحاز كان ملكاً شريراً ولكنه أنجب ملكاً قديساً هو حزقيا، ولم يعاقب الله حزقيا بذنب أحاز أبيه، بل بارك الله حزقيا. وحزقيا القديس هذا أنجب منسى أشر ملوك إسرائيل (أى يهوذا التى أصبح يطلق عليها إسم إسرائيل بعد سبى أشور للمملكة الشمالية إسرائيل) وإبن منسى آمون كان شريراً كأبيه، ولكنه أنجب ملكاً باراً هو يوشيا الملك الصالح. وواضح هنا مسئولية كل فرد بالإستقلال عن أبيه. ولكن هذا لا يمنع أن بعض ذنوب الأباء تؤثر على الأبناء، فالأب السكير يضر أولاده. ولكن لا ننسى محاولات الله لدعوة كل إنسان للتوبة، ويكون الإنسان حراً فى أن يستجيب لعمل الروح القدس فيه ويتوب، أو ينجذب من شهوته مقلداً أبيه. والنفس التى تخطئ هى تموت = فموت الجسد هو إنفصال النفس عن الجسد، أما موت النفس فهو إنفصالها عن الله ثم هلاكها أبدياً فى جهنم بعد أن تتحد بجسدها ثانية. ها كل الأنفس هى لى = سيادة الله مطلقة على كل نفس فهو أبو الجميع، وصورته مطبوعة على كل أرواح البشر. فأكيد أن الله يريد الخير لكل نفس ولن يظلم أى أحد، فهو له نفس الأب ونفس الإبن. وليكن ردنا على هذه الآية... يارب نفسى هى لك، فيقول.. يا إبنى أعطنى قلبك ونرد يا أبتاه لك قلبى. ولم يأكل على الجبال = أى لم يشترك فى العبادات الوثنية التى تنتهى بأن يأكل الجميع مما ذبح للأوثان كطقس عبادة وثنى.

ولنلاحظ أن بعض ما يطلبه الله هو إمتناع عن خطايا = لم ينجس إمرأة قريبه والبعض هو أعمال بر إيجابية = بذل خبزه للجوعان. عموماً فالإنسان يخلص بالإمتناع عن الخطايا وبعمل أعمال بر (لذلك فالروح القدس يبكت على خطية وعلى بر، يبكت على خطية لنكف عنها، ويبكت على بر لا نصنعه). أضف لذلك أن نسلك فى فرائضه = أى نكون أمناء مع الله. ولا يظلم إنساناً = أى نكون أمناء مع الناس. وإذا ولد الإنسان البار إبنا معتنفاً = أى عنيفاً فى كسر الوصية وظلم الناس فهذا يموت. ولاحظ الآية الرائعة المعزية هنا والتى تشير لقبول التوبة = فإذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التى فعلها وحفظ كل فرائضى، وفعل حقاً وعدلاً فحياة يحيا. لا يموت.. وأنظر أية محبة يحبنا بها الله = هل مسرة أسر بموت الشرير.. ألا برجوعه عن طرقه فيحيا. وإذا إرتد البار يموت. فهناك كثيرون يحيون فى بر ظاهرى لأنه لا توجد لهم فرصة للخطية، ومتى جاءت لهم فرصة للخطية فإنهم يخطئون ويرتدون، وحينئذ لا ينفعهم ما كانوا فيه من بر ظاهرى.

ولاحظ أية وقاحة وصل لها هذا الشعب فهم يقولون عن الله أن طرقه غير مستوية. وأنظر أية بساطة ومحبة من الله فى إجابته، فبدلاً من أن يميت من قال هذا فوراً، نجد الله يرد عليهم فىبساطة قلب متناهية... بل أنتم طرقكم غير مستوية = أى إله هو إلهنا هذا !! إلهنا هو بسيط جداً ومحبة فائضة، ويعجز الإنسان أن يتصور أية محبة قد أحبنا بها الله. ومازال ندائه توبوا وإرجعوا عن كل معاصيكم. وأنظر لقوة التوبة وأعملوا لأنفسكم قلباً جديداً وروحاً جديدة.


 

الإصحاح التاسع عشر

هنا يقدم مرثاة على ملوك يهوذا الذين أتوا بعد يوشيا وأولهم يهوآحاز الذى ملك 3 أشهر ثم أسره فرعون نخو ملك مصر إلى مصر وملك أخوه يهوياقيم بدلاً منه، وهذا الأخير لشره هو أيضاً أسره نبوخذ نصر ملك بابل وملك إبنه يهوياكين عوضاً عنه، وهذا أيضاً أسره ملك بابل وملك صدقيا مكانه. ولكن هذا الأخير خان عهده مع ملك بابل فحاصر ملك بابل أورشليم. وفى محاولة صدقيا الهرب أمسكوا به وفقأوا عينيه وأقتيد أسيراً إلى بابل. وهنا يشبه بيت داود أولاً بلبؤة والملوك المذكورين بالأسود المفترسة لظلمهم، لكنهم وقعوا فى الشباك، ثم ثانية يشبه بيت داود بكرمة كانت قوية ولكن فروعها كسرت، والمقصود من هذه المرثاة إقناع الناس بنهاية بيت داود، حتى لا يمنوا أنفسهم بالعودة إلى أورشليم.

 

الآيات 1 – 9 :- اما انت فارفع مرثاة على رؤساء اسرائيل. و قل ما هي امك لبوة ربضت بين الاسود و ربت جراءها بين الاشبال. ربت واحدا من جرائها فصار شبلا و تعلم افتراس الفريسة اكل الناس. فلما سمعت به الامم اخذ في حفرتهم فاتوا به بخزائم الى ارض مصر. فلما رات انها قد انتظرت و هلك رجاؤها اخذت اخر من جرائها و صيرته شبلا. فتمشى بين الاسود صار شبلا و تعلم افتراس الفريسة اكل الناس. و عرف قصورهم و خرب مدنهم فاقفرت الارض و ملؤها من صوت زمجرته. فاتفق عليه الامم من كل جهة من البلدان و بسطوا عليه شبكتهم فاخذ في حفرتهم. فوضعوه في قفص بخزائم و احضروه الى ملك بابل و اتوا به الى القلاع لكيلا يسمع صوته بعد على جبال اسرائيل.

اللبؤة الأم = هى العائلة الملكية الأم المُرضِعة. ويسمى الملوك هنا رؤساء فهم لم يعودوا ملوكاً لخضوعهم للآخرين (مصر وبابل) وسمى الرؤساء أشبال. أى علمت هؤلاء الملوك طريق الطغاة لأنها ربت أولادها الملوك وسط الأشبال فتعلموا نفس أساليب الملوك المجاورين فى ظلم شعوبهم، ولم يعودوا بعد رعاة يرعون رعيتهم بل يأكلونها = أكل الناس. وأخذ فى حفرة الأمم = جزاء لأعماله أسره ملك مصر والكلام هنا عن يهوآخاز. وتكررت نفس الصورة، ولكن الآخر ذهب لبابل. وعجيب أن لا يتعلم المرء أبداً أن يد الله على الظالم فيتوب عن شره. ولكن العيب أنهم إمتزجوا بالأمم ولم يعتزلوا عنهم وعن شرورهم. وهذا معنى تربوا وسط الأشبال. وكانت هذه طريقة ملوك الشرق أن يستعبدوا تابعيهم. ولأن ملوك يهوذا أرعبوا شعوبهم، فالله جعلهم يرتعبون من الملوك الذين كانوا يقلدونهم. وعَرَفَ قصورهم = أى نَهَبَ ما أمكنه نهبه من قصور شعبه أى من أغنيائهم. بل من ظلمه جعل البلاد خراباً. فهؤلاء الذين هم مثل إسمعيل يدهم على كل أحد تكون يد كل أحد عليهم تك 16 : 12 ونادراً ما نرى طاغية يموت فى سلام. بل يمكن القول أن طغيان ملوك يهوذا وزمجرتهم كالأسود على شعوبهم جعلت الملوك المجاورين يشعرون بقوتهم فهاجموهم. هم ظنوا أنهم أسوداً بالحقيقة فهاجموهم، وهكذا هم وقعوا فى الحفرة التى صنعوها بأنفسهم

آية 9 :- فوضعوه فى قفص = كانت هذه عادة الملوك الأشوريون، أنهم يضعوا أسراهم من الملوك والأمراء فى أقفاص وعرضهم على شعبهم للتسلية

 

الآيات 10 – 14 :- امك ككرمة مثلك غرست على المياه كانت مثمرة مفرخة من كثرة المياه. و كان لها فروع قوية لقضبان المتسلطين و ارتفع ساقها بين الاغصان الغبياء و ظهرت في ارتفاعها بكثرة زراجينها. لكنها اقتلعت بغيظ و طرحت على الارض و قد يبست ريح شرقية ثمرها قصفت و يبست فروعها القوية اكلتها النار. و الان غرست في القفر في ارض يابسة عطشانة. و خرجت نار من فرع عصيها اكلت ثمرها و ليس لها الان فرع قوي لقضيب تسلط هي رثاء و تكون لمرثاة

هنا مرثاة على شعب إسرائيل الذى كان ككرمة مغروسة على مياه النعمة الإلهية. وكان لها ثمر حلو = كانت مثمرة مفرخة. وكان لها فروع قوية = أى الحكام الأقوياء الصالحين. ولهم قضبان متسلطين = أى لهم أحكام قوية وقرارات قوية لصالح الحكم. وحين كان هناك عدل وخوف الله أرتفع ساقها = أى لم تقف أمامها الأمم. وكانت أورشليم بارزة وسط كل ما حولها. وحتى حينما كان صدقيا ملتزماً بوعوده مع ملك بابل ازدهرت مملكته بالرغم من شرورها. هذه هى طول أناة الله وبطء غضبه. ولكنها إذ تركت إلهها وإرتدت إلى الوثنية إقتلعت من أرضها. فلقد أثير نبوخذ نصر من خيانة صدقيا له، فإقتلعه بعنف ودمر المدينة. وقطع كل فروع العائلة وكأن ريح شرقية يبست ثمارها = هذا يعنى سقوط شبابها بالسيف. كأن الريح الشرقية هى تأديب الله لهم على خطاياهم عن طريق ملك بابل وغرست الكرمة فى القفر = هذا معناه سبى الشعب ليعيش فى بابل، وبابل الوثنية بالنسبة لشعب الله تكون كالقفر (وهذه هى حال كل إنسان يجرى وراء شهواته وملذات قلبه، فهو يُحرَم من مياه الروح القدس المعطية ثماراً وينقل من مركز البنوة لله ليصير بقلبه الشرير فى أرض عدوه إبليس غريباً وأسيراً وتتحطم أغصانه وتصير وقوداً للنار، وتجف أرضه تماماً وتصير مقفرة). وخرجت نار من فروع عصيها = الفرع هنا هو الملك صدقيا نفسه الذى بتمرده على ملك بابل تسبب فى هذه النار التى أحرقت أورشليم. وأورشليم فى شرها جعلت نفسها كقطع الخشب لنيران غضب الله، وكأن أغصانها عَمِلت كوقود خرابها. هى رثاء وتكون لمرثاة = بالرجوع للآية 1 من نفس الإصحاح نفهم أن ما قيل هنا هو رثاء لأورشليم لأجل ما سيحل بها من خراب، وهو مرثاة لكل من يترك إلهه فيحترق مثل أورشليم.


 

الإصحاح العشرون

أتى بعض الشيوخ للنبى ليسألوه. والله يظهر لهم إستياءه منهم، ويظهر لهم تاريخ معاملاته الكريمة معهم، وأيضاً خياناتهم المستمرة، ويعلن لهم أحكامه ضدهم ومراحمه التى يختزنها للبقية وأنه سوف يعيدهم لأرضهم

 

الآيات 1 – 4 :- و كان في السنة السابعة في الشهر الخامس في العاشر من الشهر ان اناسا من شيوخ اسرائيل جاءوا ليسالوا الرب فجلسوا امامي. فكان الي كلام الرب قائلا. يا ابن ادم كلم شيوخ اسرائيل و قل لهم هكذا قال السيد الرب هل انتم اتون لتسالوني حي انا لا اسال منكم يقول السيد الرب. هل تدينهم هل تدين يا ابن ادم عرفهم رجاسات ابائهم.

لاحظ إهتمام النبى بذكر التواريخ، وهكذا كان كل من آمن بالله من هذا الشعب، فهم يعرفون من نبوات أرمياء أن مدة السبى محددة بسبعين سنة. حىٌ أنا لا أسأل منكم = وماذا كان سؤالهم ؟ هم كانوا يسألون.. ما دمنا وسط البابليين الوثنيين وليس لدينا هيكل نعبد فيه الله، وحتى نحظى برضا سادتنا البابليين، فلماذا لا نعبد الهتهم (آية 32). ومع هذه الطبيعة المتمردة لا يجيب الله. فالله لن يجيب إلا إذا قدموا توبة عن هذه الخطايا. أما مظاهر التقوى الجالسين بها أمام الله، فهى لا تنطلى على الله الذى يعرف خبايا قلوبهم وقد كشفها للنبى. هل تدينهم. هل تدين يا إبن آدم = أنت الآن كنبى ولقد كشفت لك ما فى قلوبهم فلا تدافع عنهم كشفيع، بل إعلن الأحكام عليهم، وهذه الأحكام ليس فقط عن خطاياهم بل أكشف لهم أيضاً عن خطايا أبائهم التى أغاظت الله ولذلك فالله سوف يقطعهم. إبن آدم = هنا نفهم معنى قول الله له يا إبن آدم. فهو كبشر وإبن آدم له نفس الظروف التى تجرى على الشعب، فالكل أولاد آدم. ولكنه أستطاع بالرغم من ضعفه البشرى أن يسلك بإستقامة. وإستقامته هذه تكون سبب دينونة لبقية الشعب، إذ ليس لهم عذر (رو 1 : 20، 2 : 1) لذلك فحين يعلن حزقيال أحكام الدينونة يعلنها ضد الشعب كمن هو إبن آدم مثلهم، وهذا معنى أننا سندين العالم 1كو 6 : 2، 3

 

الآيات 5 – 9 :- و قل لهم هكذا قال السيد الرب في يوم اخترت اسرائيل و رفعت يدي لنسل بيت يعقوب و عرفتهم نفسي في ارض مصر و رفعت لهم يدي قائلا انا الرب الهكم. في ذلك اليوم رفعت لهم يدي لاخرجهم من ارض مصر الى الارض التي تجسستها لهم تفيض لبنا و عسلا هي فخر كل الاراضي. و قلت لهم اطرحوا كل انسان منكم ارجاس عينيه و لا تتنجسوا باصنام مصر انا الرب الهكم. فتمردوا علي و لم يريدوا ان يسمعوا لي و لم يطرح الانسان منهم ارجاس عينيه و لم يتركوا اصنام مصر فقلت اني اسكب رجزي عليهم لاتم عليهم سخطي في وسط ارض مصر. لكن صنعت لاجل اسمي لكيلا يتنجس امام عيون الامم الذين هم في وسطهم الذين عرفتهم نفسي امام عيونهم باخراجهم من ارض مصر.   

هنا كشف الله سر عبوديتهم فى مصر، وذلك أن أصنام مصر كانت ترعى فى قلوبهم. إذاً السبب فى ألامهم فى أرض مصر لم يكن هو قساوة قلب فرعون، إنما الخطية الرابضة داخلهم وإنحراف قلبهم وفى نفس الوقت كان الله يعد لهم أرض كنعان. ومع هذا لم يسخط عليهم بل أخرجهم بقوة من أرض مصر. بل هم فى أرض مصر لم يسألوا عن الله، بل هو الذى أعلن ذاته لأجلهم، فالله هو الذى يلاحقنا بإحساناته وإعلاناته. ورفعت لهم يدى = كأنه يقسم أن يخرجهم. ولم يطلب منهم شيئاً سوى أن يتخلوا عن رجاساتهم. وهم كانوا يستحقون أن يسكب الله رجزه عليهم، ولكنه حتى يتقدس إسمه ويتمجد وسط المصريين لم يصنع هذا الشر بهم، حتى لا يقال من المصريين أن الله بدد شعبه أو أنه لم يقدر أن يحافظ على شعبه. ولذلك السبب فنحن مطمئنين على الكنيسة فالله لن يهملها لأجل مجد إسمه

 

الآيات 10 – 26 :- فاخرجتهم من ارض مصر و اتيت بهم الى البرية. و اعطيتهم فرائضي و عرفتهم احكامي التي ان عملها انسان يحيا بها. و اعطيتهم ايضا سبوتي لتكون علامة بيني و بينهم ليعلموا اني انا الرب مقدسهم. فتمرد علي بيت اسرائيل في البرية لم يسلكوا في فرائضي و رفضوا احكامي التي ان عملها انسان يحيا بها و نجسوا سبوتي كثيرا فقلت اني اسكب رجزي عليهم في البرية لافنائهم. لكن صنعت لاجل اسمي لكي لا يتنجس امام عيون الامم الذين اخرجتهم امام عيونهم. و رفعت ايضا يدي لهم في البرية باني لا اتي بهم الى الارض التي اعطيتهم اياها تفيض لبنا و عسلا هي فخر كل الاراضي. لانهم رفضوا احكامي و لم يسلكوا في فرائضي بل نجسوا سبوتي لان قلبهم ذهب وراء اصنامهم. لكن عيني اشفقت عليهم عن اهلاكهم فلم افنهم في البرية. و قلت لابنائهم في البرية لا تسلكوا في فرائض ابائكم و لا تحفظوا احكامهم و لا تتنجسوا باصنامهم. انا الرب الهكم فاسلكوا في فرائضي و احفظوا احكامي و اعملوا بها. و قدسوا سبوتي فتكون علامة بيني و بينكم لتعلموا اني انا الرب الهكم. فتمرد الابناء علي لم يسلكوا في فرائضي و لم يحفظوا احكامي ليعملوها التي ان عملها انسان يحيا بها و نجسوا سبوتي فقلت اني اسكب رجزي عليهم لاتم سخطي عليهم في البرية. ثم كففت يدي و صنعت لاجل اسمي لكيلا يتنجس امام عيون الامم الذين اخرجتهم امام عيونهم. و رفعت ايضا يدي لهم في البرية لافرقهم في الامم و اذريهم في الاراضي. لانهم لم يصنعوا احكامي بل رفضوا فرائضي و نجسوا سبوتي و كانت عيونهم وراء اصنام ابائهم. و اعطيتهم ايضا فرائض غير صالحة و احكاما لا يحيون بها. و نجستهم بعطاياهم اذ اجازوا في النار كل فاتح رحم لابيدهم حتى يعلموا اني انا الرب.

يكشف الرب هنا عن تمردهم عليه فى البرية، ومن محبته لم يذكر كل ما عمله لهم (من / سلوى / ماء من الصخرة / شق البحر وشق الأردن / هزيمة كل أعدائهم...) ولكن ركز الله على أمرين  1) الوصية  2) السبت وإعتبر الله أن هذين الإثنيين هما أفضل عطاياه لهم (آيات 11، 12) فالوصية هى علامة حب الله لنا، حتى لا يسير الإنسان حسب طبيعته المنحرفة فيهلك ويعيش حزيناً. الله قدم للإنسان الحرية، ولكنه وهبه الوصية حتى يضبط بها نفسه بهدوء فلا يهلك. كان الإنسان فى الجنة لا يعرف الخير والشر وكانت الجنة إسمها جنة عدن أى الفرح إشارة للفرح الذى تمتع به آدم فى الجنة قبل أن يسقط، والله ققال له لا تفعل كذا حتى لا تخرج منها، لأن الله يعرف الطبيعة الإنسانية، وهى حين تتذوق الشر تشتهيه، وينقلب الفرح إلى حزن. ولما خرج الإنسان من الجنة، أعطاه الله الوصايا التى بها يستطيع أن يحيا نسبياً فى فرح (كان آدم فى الجنة كمريض بالإيدز وقد وضعوه فى غرفة معقمة، وقالوا له لاتخرج منها وإلا تموت بسبب الأمراض المنتشرة، فلما خرج أعطوه وصايا تطيل عمره مثل لا تأكل دون أن تغسل ما تأكله، لا تخالط المرضى... وإلا تموت) لذلك كانت الوصية هى لضمان حياة سعيدة على الأرض.

أما السبوت ففيها عبادة وإمتناع عن العمل لنذكر الله، فهى إذاً لتقديس الإنسان، وهى تشير للمسيح الذى قدم الفداء فى اليوم السابع، فهو إستراح بخلاصنا. ونحن حصلنا على الراحة فيه فكلمة سبت تعنى راحة. والمسيح فهو سر راحتنا وتقديسنا. فالسبت إذاً فيه إنعزال عن العالم، بلا إنشغال بأموره وإتصال بالله سر راحتنا، وفى إتصالنا بالله فى عبادة السبت نذكر إنتمائنا للسماء وغربتنا فى هذا العالم، فتزيد إشتياقاتنا للسماء وبهذا تكون لنا أبدية سعيدة إذا حفظنا السبوت  

وهم لم يطيعوا الوصية ونجسوا السبت. وكانوا يستحقون أن يسكب الله رجزه عليهم، لكن الله إمتنع من أجل الأمم أيضاً. ولنلاحظ أن الله الذى يعطى بسخاء ولا يعير، هو لا يعيرهم هنا بإحساناته، بل يستعرضها لهم ليعرفوا كم كانوا ناكرين للجميل. فهو حررهم من عبودية مصر، ولكن هذه العبودية يبدو أنها عاشت فيهم فإشتهوا العودة لمصر، الله بهذا يثير فيهم مشاعر الحب والتصالح معه ليعودوا إليه فيتحرروا، لكنه لا يعيرهم. وهم إحتقروا الوصية، مع أن من ينفذها أو من يعمل بها يحيا، ويجد تعزيات كثيرة فى طاعتها. والنتيجة المؤلمة للعبودية الساكنة فيهم أن الله رفع يده ثانية لا ليقسم لهم بأن يحفظهم بل رفع يده ضدهم بأن = لا آتى بهم إلى الأرض = ومات هذا الجيل فعلاً، أما أولادهم فهم الذين دخلوا. فأرض كنعان لا يدخلها سوى من تخلص من عبودية إبليس. ولكن للأسف فإن جيل الأبناء هو أيضاً قد ثار ضد الله = فتمرد الأبناء على. فكانت خطية آبائهم العجل الذهبى، وخطية الأبناء بعل فغور، وإنتشر الوبأ فى المحلة وهؤلاء أعطيتهم فرائض غير صالحة = هذه تساوى (أسلمهم الله لذهن مرفوض رو 1 : 24، 26) وأسلمهم الله لشهوات قلوبهم (مز 71 : 12). فحين يترك الله إنسان لنفسه سيخرب نفسه، وهم حين إندفعوا فى العبادات الوثنية قدموا أبنائهم ذبائح. فالله لا يسمح بالخطية بل هو يجعل الخطية هى عقوبة الخاطئ، فالخطية عقوبتها فى نفسها. وأحكاماً لا يحيون بها = مثل الحيات المحرقة والوباء، وشق الأرض لتبلع الناس.

 

الآيات 27 – 32 :- لاجل ذلك كلم بيت اسرائيل يا ابن ادم و قل لهم هكذا قال السيد الرب في هذا ايضا جدف علي اباؤكم اذ خانوني خيانة. لما اتيت بهم الى الارض التي رفعت لهم يدي لاعطيهم اياها فراوا كل تل عال و كل شجرة غبياء فذبحوا هناك ذبائحهم و قربوا هناك قرابينهم المغيظة و قدموا هناك روائح سرورهم و سكبوا هناك سكائبهم. فقلت لهم ما هذه المرتفعة التي تاتون اليها فدعي اسمها مرتفعة الى هذا اليوم. لذلك قل لبيت اسرائيل هكذا قال السيد الرب هل تنجستم بطريق ابائكم و زنيتم وراء ارجاسهم. و بتقديم عطاياكم و اجازة ابنائكم في النار تتنجسون بكل اصنامكم الى اليوم فهل اسال منكم يا بيت اسرائيل حي انا يقول السيد الرب لا اسال منكم. و الذي يخطر ببالكم لن يكون اذ تقولون نكون كالامم كقبائل الاراضي فنعبد الخشب و الحجر. 

حتى بعد أن دخلوا لأرض الميعاد لم يتركوا عنهم عباداتهم الوثنية، وصنعوا لأصنامهم مذابح على المرتفعات. بل شيوخهم أتوا ليسألوا هل نعبد آلهة بابل. ولذلك يقول الرب فهل أسأل منكم يا بيت إسرائيل. يا من جدف على أباؤكم = أى حينما أعتبروا أحكامى بلا معنى أو أنها لا تستحق الإعتبار. وهم الآن لا يكرمون الله فهم يتصورون أن يعبدوا أوثان بابل ليسترضوا سادتهم ولكن يعبدون الله فى الخفاء. فطريقهم ملتو. ولنلاحظ أن من لا يعطى قلبه بإخلاص لله، بل كل القلب لن يجنى أى فرح من علاقته بالله، بل أن حتى الأمم سيرفضونهم.

 

الآيات 33 – 44 :- حي انا يقول السيد الرب اني بيد قوية و بذراع ممدودة و بسخط مسكوب املك عليكم. و اخرجكم من بين الشعوب و اجمعكم من الاراضي التي تفرقتم فيها بيد قوية و بذراع ممدودة و بسخط مسكوب. و اتي بكم الى برية الشعوب و احاكمكم هناك وجها لوجه. كما حاكمت اباءكم في برية ارض مصر كذلك احاكمكم يقول السيد الرب. و امركم تحت العصا و ادخلكم في رباط العهد. و اعزل منكم المتمردين و العصاة علي اخرجهم من ارض غربتهم و لا يدخلون ارض اسرائيل فتعلمون اني انا الرب. اما انتم يا بيت اسرائيل فهكذا قال السيد الرب اذهبوا اعبدوا كل انسان اصنامه و بعد ان لم تسمعوا لي فلا تنجسوا اسمي القدوس بعد بعطاياكم و باصنامكم. لانه في جبل قدسي في جبل اسرائيل العالي يقول السيد الرب هناك يعبدني كل بيت اسرائيل كلهم في الارض هناك ارضى عنهم و هناك اطلب تقدماتكم و باكورات جزاكم مع جميع مقدساتكم. برائحة سروركم ارضى عنكم حين اخرجكم من بين الشعوب و اجمعكم من الاراضي التي تفرقتم فيها و اتقدس فيكم امام عيون الامم. فتعلمون اني انا الرب حين اتي بكم الى ارض اسرائيل الى الارض التي رفعت يدي لاعطي اباءكم اياها. و هناك تذكرون طرقكم و كل اعمالكم التي تنجستم بها و تمقتون انفسكم لجميع الشرور التي فعلتم. فتعلمون اني انا الرب اذا فعلت بكم من اجل اسمي لا كطرقكم الشريرة و لا كاعمالكم الفاسدة يا بيت اسرائيل يقول السيد الرب.

معنى هذه الآيات أن الله سيؤدبهم بيد قوية لا لينتقم بل ليدخل بهم إلى عهد جديد بعد أن يحاكمهم (أى يجرى عليهم أحكام تأديبيه)

فى برية الشعوب = أى بابل. ويعطيهم بعد ذلك صورة فيها رجاء بعد عودتهم من السبى وإصلاح طبيعتهم الفاسدة. وهو خلاص مجانى لا إستحقاق لهم فيه. هم كانوا يعشمون أنفسهم بصلح بين أورشليم وبابل وعبادة مشتركة تجئ بالخير عليهم، ولكن الله قال أبداً، بل ستضربهم بابل وتخربهم. ويبدأ الله كلامه بقسم حى أنا يقول الرب = as i live لتشديد على أنه سيصنع ما يقول. وكما حاكم أبائهم وأفناهم فى برية سيناء سيكرر نفس الشئ فى برية بابل. وأمركم تحت العصا = تكون لهم بابل كعصا الراعى، فالراعى يضع عصاه ليمر منها القطيع، فيعزل من هو ليس من القطيع، وبابل ستبيد الأشرار ولكن تأديب بابل التى هى كالعصا سيكون تطهيراً للأبرار

إذهبوا أعبدوا كل واحد أصنامه = هذه تساوى تماماً قول إيليا "أن كان الله هو الله فأعبدوه  وإن كان البعل هو الله فأعبدوه ولا تعرجوا بين الفرقتين" فلا تنجسوا إسمى القدوس بعطاياكم = أى لن أقبل عطاياكم وسأفرزكم طالما قلبكم مع أصنامكم. وفى الآيات (40 – 44) نبوة بعودتهم لأرضهم بعد تطهيرهم وإقتناعهم عن عبادة الأوثان. تمقتون أنفسكم = هذه هى علامة التوبة الحقيقية.

 

الآيات 45 – 49 :- و كان الي كلام الرب قائلا. يا ابن ادم اجعل وجهك نحو التيمن و تكلم نحو الجنوب و تنبا على وعر الحقل في الجنوب. و قل لوعر الجنوب اسمع كلام الرب هكذا قال السيد الرب هانذا اضرم فيك نارا فتاكل كل شجرة خضراء فيك و كل شجرة يابسة لا يطفا لهيبها الملتهب و تحرق بها كل الوجوه من الجنوب الى الشمال. فيرى كل بشر اني انا الرب اضرمتها لا تطفا. فقلت اه يا سيد الرب هم يقولون اما يمثل هو امثالا

التيمن = أى الجنوب إشارة لأرض فلسطين. فالنبى الآن فى بابل، وبابل شمال يهوذا. عموماً كان يقال على بابل أنها شمال فلسطين فطريق القوافل كان يجتاز الفرات ثم يتجه إلى الجنوب عبر سوريا. ورأينا فيما سبق أن هناك رجاء فى العودة، لكن لابد من التأديب الذى سيبدأ من التيمن. وهو الحريق الذى سيشعله ملك بابل. وكون أن النبى يوجه نفسه للجنوب، فهذا معناه إصرار الله على التأديب، وسيحترق كل الشجر شجر الوعر = وهذا بلا ثمر = الشجر اليابس. وهذا إشارة للأشرار الذين لا رجاء فى إصلاحهم، فحريقهم هو للهلاك. أما الشجر الأخضر فهو إشارة لمن فيهم رجاء، وهؤلاء حريقهم للتطهير. والكلام واضح جداً ولكن اليهود لعماهم قالوا هذا مجرد مثل


 

الإصحاح الحادى والعشرون

رأينا فى الإصحاح السابق أن الشعب إدعى أنهم لم يفهموا، وقالوا "هذا مثل" لذلك تكلم هنا صراحة عن سيف يأتى الله به ضد أورشليم وشعبها وملكها بعد أن رفضوا إنذاراته.

 

الآيات 1 – 7 :- و كان الي كلام الرب قائلا. يا ابن ادم اجعل وجهك نحو اورشليم و تكلم على المقادس و تنبا على ارض اسرائيل. و قل لارض اسرائيل هكذا قال الرب هانذا عليك و استل سيفي من غمده فاقطع منك الصديق و الشرير. من حيث اني اقطع منك الصديق و الشرير فلذلك يخرج سيفي من غمده على كل بشر من الجنوب الى الشمال. فيعلم كل بشر اني انا الرب سللت سيفي من غمده لا يرجع ايضا. اما انت يا ابن ادم فتنهد بانكسار الحقوين و بمرارة تنهد امام عيونهم. و يكون اذا قالوا لك على م تتنهد انك تقول على الخبر لانه جاء فيذوب كل قلب و ترتخي كل الايدي و تيئس كل روح و كل الركب تصير كالماء ها هي اتية و تكون يقول السيد الرب.

يشتهى الله أن يسكب بركاته على شعبه إذا قدم توبة. وما كانت كل التهديدات السابقة سوى محاولة لحثهم على التوبة. ولما تقست قلوبهم تكلم النبى بوضوح بالتهديد نحو أورشليم = وجِه وجهك نحو أورشليم وأيضاً الهيكل = وتكلم عن المقادس = لاحظ أنها كانت مقدسة ولكنهم نجسوها فإستحقت الحريق. بل ما أفظع ما قيل = ها أنا عليك وأستل سيفى فليس المهاجم إذن نبوخذ نصر بل هو أداة أو سيف فى يد الله. وهكذا نحن حين يريد الله أن يؤدبنا، فقد يسمح بأحد الأشرار أن يؤذينا. والعكس إن كانت طرقنا ترضى الرب نقول مع داود "إن قام على جيش ففى هذا أنا مطمئن" لأن الله يحمينى. فأقطع منك الصديق والشرير = الشرير سيقطع بالقتل أما الصديق فسيقطع من الأرض بذهابه إلى بابل للسبى، وسبق الله وسمى هؤلاء التين الجيد، والله سيرسلهم إلى بابل للخير (ليتنقوا ويتطهروا ثم يعودوا) أر 24 : 5- 7. ولكن فى الحالتين سواء قتلوا أو ذهبوا للسبى فإن يهوذا ستخسر الإثنين أما أنت يا إبن آدم فتنهد = الله يظهر لأنبيائه ما سيكون ويصوره لهم فيتفاعلوا معه. وهنا يتركه الله يفعل الشئ الطبيعى أى أن ينوح ويتنهد على ما سيحدث لشعبه. وحينما يسألونه يجيب بما يعلمه فتزداد الصورة وضوحاً. وحين يسمح الله بحزن النبى فهذا يعنى قطعاً أن الله نفسه حزين على ما سيحدث. قارن مع بكاء المسيح على أورشليم. وأما الأوصاف الموجودة هنا مثل يذوب كل قلب فهى تظهر بشاعة ما سيحدث.

 

الآيات 8 – 17 :- و كان الي كلام الرب قائلا. يا ابن ادم تنبا و قل هكذا قال الرب قل سيف سيف حدد و صقل ايضا. قد حدد ليذبح ذبحا قد صقل لكي يبرق فهل نبتهج عصا ابني تزدري بكل عود. و قد اعطاه ليصقل لكي يمسك بالكف هذا السيف قد حدد و هو مصقول لكي يسلم ليد القاتل. اصرخ و ولول يا ابن ادم لانه يكون على شعبي و على كل رؤساء اسرائيل اهوال بسبب السيف تكون على شعبي لذلك اصفق على فخذك. لانه امتحان و ماذا ان لم تكن ايضا العصا المزدرية يقول السيد الرب. فتنبا انت يا ابن ادم و اصفق كفا على كف و ليعد السيف ثالثة هو سيف القتلى سيف القتل العظيم المحيق بهم. لذوبان القلب و تكثير المهالك لذلك جعلت على كل الابواب سيفا متقلبا اه قد جعل براقا هو مصقول للذبح. انضم يمن انتصب شمل حيثما توجه حدك. و انا ايضا اصفق كفي على كفي و اسكن غضبي انا الرب تكلمت.

الكلام هنا واضح جداً، أن السيف القادم حُدِدَ وصُقِلَ جيداً حتى يكون الذبح شديد = والمعنى أن جيش بابل قد إستعد وتسلح جيداً وهو قادر على ضرب أورشليم. ولكن هناك سؤال موجه لهم وهو فهل نبتهج = وهذا السؤال معناه أن القلب البشرى يميل أن يقلل من شأن أحكام الدينونة الإلهية ليعطى لنفسه إطمئناناً كاذباً، لذلك فالله يكرر الكلام هنا حتى يثوب الناس إلى رشدهم بدلاً فى الأنغماس فى خطاياهم وهم فى أحساس الأمان الكاذب هذا. ومازال كثيرون للآن يفعلون نفس الشئ، بل يقولوا لن يكون هناك نهاية للأرض ولا مجئ ثان 2بط 3 : 4. عصا إبنى تزدرى بكل عود = الله مازال يسمى إسرائيل إبنى، وهو أتى بهذه العصا لتأديب إبنه إسرائيل، وأما العود فهو حكام وملوك يهوذا (القضبان فى 19 : 11). ولكن عصا الله (بابل) تزدرى بهم. بل هذا السيف هو سيف القتل العظيم وسيلحق بهم وراء كل الأبواب التى ظنوا أنهم يحتمون ورائها. وسيضرب هذا السيف يميناً ويساراً وفى كل أتجاه. أما الآية 13 فلقد ترجمت فى لغات أخرى هكذا لإنه إمتحان. وماذا لو إزدرت العصا بالصولجان، لن يكون هناك صولجان = أى أن العصا وهى جيش بابل هى لمجرد تأديب شعب الله، ولكن الله لن يسمح لها أن تحتقر من فوضها وهو الله، فتتحول إلى قوة إبادة، أو تضرب من نفسها. لكن الضربات ستكون فى حدود ما يسمح به الله. كما كانت ضربات إبليس فى حدود ما يسمح به الله ضد أيوب (أى 1 : 12 + 2 : 6). إذاً فجيش بابل أو الشيطان ليسوا فى حرية مطلقة ضد شعب الله، فهم لا يستطيعوا أن يزدروا بسلطان الله (يو 19 : 11). والله سبق وشرح هذا فى أش 10 : 15. إذا تصورت العصا المؤدبة أن لها سلطان من نفسها أن تفعل فتبدأ فى الأنتفاخ على الله (أش 36 : 18) هنا يوقفها الله عند حدها. أنه إمتحان = ما يصنعه الله ليس أكثر من إمتحان، أى تنقية شعبه وليس أنه رفض شعبه تماماً. لذلك هو يضع رُبُطاً كثيرة على هذه العصا حتى لا تخرج عما حدده لها الله، أو تخرج عن خطة الله.

 

الآيات 18 – 24 :- و كان الي كلام الرب قائلا. و انت يا ابن ادم عين لنفسك طريقين لمجيء سيف ملك بابل من ارض واحدة تخرج الاثنتان و اصنع صوة على راس طريق المدينة اصنعها. عين طريقا لياتي السيف على ربة بني عمون و على يهوذا في اورشليم المنيعة. لان ملك بابل قد وقف على ام الطريق على راس الطريقين ليعرف عرافة صقل السهام سال بالترافيم نظر الى الكبد. عن يمينه كانت العرافة على اورشليم لوضع المجانق لفتح الفم في القتل و لرفع الصوت بالهتاف لوضع المجانق على الابواب لاقامة مترسة لبناء برج. و تكون لهم مثل عرافة كاذبة في عيونهم الحالفين لهم حلفا لكنه يذكر الاثم حتى يؤخذوا. لذلك هكذا قال السيد الرب من اجل انكم ذكرتم باثمكم عند انكشاف معاصيكم لاظهار خطاياكم في جميع اعمالكم فمن تذكيركم تؤخذون باليد.

يبدو أن ملك بابل قد جاء إلى ملتقى طرق وكان أمامه أن يهاجم           

 إما بنى عمون أو أورشليم، وليحدد أيهما يبدأ بها، ألقى قرعة بالطريقة الوثنية وكان على النبى أن يمثل ما يحدث تمثيلاً، فعليه أن يصنع صوة = علامة ثم يرسم منها طريقين، أحدهما يتجه لأورشليم والأخر إلى بنى عمون، ويعمل ذلك أمام الشعب ليشرح لهم ما سيحدث لملك بابل وأنه سيختار بالقرعة أن يبدأ بأورشليم.

صقل السهام والكبد والترافيم = هذه العادات الوثنية فى القرعة تعنى :- صقل السهام = كانوا يكتبون إسم أورشليم على سهم وإسم بنى عمون على سهم آخر والذى يسحبه من الجعبة أولاً يهاجمونه أولاً. الكبد = كان العرافين يعطون ملاحظات على أحشاء الذبيحة، بحسب لون الكبد. ويقولون هل الإختيار يبشر بالفأل الحسن أو الفأل السيئ. الترافيم = كانت عبارة عن تماثيل آلهة تستشار فى المقترحات. والله إستخدم كل هذا ليشير على نبوخذ نصر بأن يهاجم أورشليم أولاً. قطعاً الله لا يوافق على هذه العادات الوثنية لكنه يكلم كل واحد بحسب ما يفهمه (كما كلم المجوس بالنجم). والله يكلمهم بطريقتهم حتى ينفذوا خطة الله فى تأديب شعبه. وما صنعه النبى أمامهم تم فعلاً فلقد بدأ نبوخذ نصر بأورشليم أولاً ثم هاجم بنى عمون بعد ذلك بحوالى خمس سنوات. وهنا يسمى أورشليم المنيعة = فهم كانوا يتصورون هذا. لكن هذا الشعب إذ سمع نبوات حزقيال إعتبروها عرافة كاذبة وربما كانوا يقصدون أن العرافة التى سيلجأ لها نبوخذ نصر هى عرافة كاذبة، ولكن سواء هذا أو ذاك فهم رفضوا تصديق النبى بأن ملك بابل سيبدأ بأورشليم. وما شجعهم على رفض فكرة خراب أورشليم تصورهم أن مصر التى عقدوا معها حلفاً ومعاهدات سوف تحمى أورشليم = الحالفين لهم حلفاً. أو يكون المعنى أنهم حلفوا حلفاً لملك بابل فلماذا يهاجمهم. هنا خطاياهم قادتهم للعمى، فلم يعودوا يعرفوا أين الصالح لهم. وكان القصد من كل ما يفعله النبى أن يقدموا توبة، ولكنهم مع كل هذه الأنذارات لم يفعلوا. وبذلك إستدعوا لذهن الله خطاياهم السابقة = لكنه يذكر الإثم حتى يؤخذوا وفى جميع أعمالكم تنكشف معاصيكم = ففى كل تصرفاتهم تكون خطاياهم شاهد عليهم. وأيضاً ذَكَرت الله بخطايا أبائهم وحيث لا توبة فسيؤخذون باليد أى سيأتى المخرب وستقعون فى يده ولن يمكنكم الهرب. ولنلاحظ أن إحتقارهم للتحذيرات الإلهية كانت خطية جعلت الله يذكر لهم باقى خطاياهم.

 

الآيات 25 – 27 :- و انت ايها النجس الشرير رئيس اسرائيل الذي قد جاء يومه في زمان اثم النهاية. هكذا قال السيد الرب انزع العمامة ارفع التاج هذه لا تلك ارفع الوضيع و ضع الرفيع. منقلبا منقلبا منقلبا اجعله هذا ايضا لا يكون حتى ياتي الذي له الحكم فاعطيه اياه.

الرئس هنا هو صدقيا والله يصفه بأنه نجس وشرير = فهو دنس كل شئ طاهر وشجع الخطية فهو أخطأ وجعل شعبه يخطئ. الذى قد جاء يومه فى زمان إثم النهاية = أى أن إثمه كان لابد ويكون له نهاية حين يمتلئ مكياله. وأخيراً إمتلأ وجاء يومه يوم عقاب الله، والعقاب هو أنه سيخسر تاجه = وإنزع العمامة. أما من ترضى الله أعماله هنا فسيلبس إكليلاً هناك. هذه لاتلك = فى ترجمة أخرى هذه لن تكون "أى لن يستمر ملكه أو تاجه. وسيأتى ملك بابل ويصنع هذا وسيقلب كل شئ رأساً على عقب. فيرفع الوضيع ويضع الرفيع = فهو أسقط الملك وعين واحداً من الشعب رئيساً. وهذا الملك الشرير يصدر الحكم ضده ثلاثياً منقلباً منقلباً منقلباً = فالحكم النهائى صدر ضد عائلة داود. وبسقوط صدقيا لم تقم لعائلة داود قائمة ثانية حتى جاء المسيح الذى من نسل داود ليحكم حتى يأتى الذى له الحكم فأعطيه إياه. فيثبت عرش داود أبدياً فى المسيح.

 

الآيات 28 – 32 :- و انت يا ابن ادم فتنبا و قل هكذا قال السيد الرب في بني عمون و في تعييرهم فقل سيف سيف مسلول للذبح مصقول للغاية للبريق. اذ يرون لك باطلا اذ يعرفون لك كذبا ليجعلوك على اعناق القتلى الاشرار الذين جاء يومهم في زمان اثم النهاية. فهل اعيده الى غمده الا في الموضع الذي خلقت فيه في مولدك احاكمك. و اسكب عليك غضبي و انفخ عليك بنار غيظي و اسلمك ليد رجال متحرقين ماهرين للاهلاك. تكونين اكلة للنار دمك يكون في وسط الارض لا تذكرين لاني انا الرب تكلمت

سبق وقلنا أن نبوخذ نصر فضل أن يبدأ بأورشليم قبل بنى عمون، فلماذا فعل هذا، عَيَر بنى عمون شعب إسرائيل بخرابهم شاعرين كأنهم هم الذين إنتصروا على أورشليم. وهنا يعلن لهم النبى أن تأجيل الحكم ليس معناه العفو وأن الدور آتى عليهم. وآية (29) تشير أنه كان بينهم هم أيضاً أنبياء كذبة يخدعونهم بسلام زائف دائم. وهؤلاء الأنبياء الكذبة جعلوهم يزدادون فى كبريائهم حتى أنهم قاموا على أعناق القتلى من يهوذا. لاحظ أن التعيير الذى يقع على الكنيسة من هؤلاء الذين لهم إحساس مؤقت بالإنتصار عليها، هؤلاء تنقلب الآية ضدهم. فالله يستاء من الإهانات الموجهة لشعبه. فتكون أكلة للنار = فالأشرار يجعلون أنفسهم وقوداً لنار غضب الله. وهم سيخربون فى أرضهم التى يشعرون فيها بالأطمئنان وذلك بواسطة سيف بابل


 

الإصحاح الثانى والعشرون

هنا ثلاث رسائل مختلفة الأولى بيان بخطاياهم (1 – 16) ثم مقارنتهم بزغل المعادن الذى يذهب للنار (17 – 22). والكل وجد مدان، ولا يوجد بار واحد منهم ليشفع فيهم (23 – 31)

 

الآيات 1 – 16 :- و كان الي كلام الرب قائلا. و انت يا ابن ادم هل تدين هل تدين مدينة الدماء فعرفها كل رجاساتها. و قل هكذا قال السيد الرب ايتها المدينة السافكة الدم في وسطها لياتي وقتها الصانعة اصناما لنفسها لتتنجس بها. قد اثمت بدمك الذي سفكت و نجست نفسك باصنامك التي عملت و قربت ايامك و بلغت سنيك فلذلك جعلتك عارا للامم و سخرة لجميع الاراضي. القريبة اليك و البعيدة عنك يسخرون منك يا نجسة الاسم يا كثيرة الشغب. هوذا رؤساء اسرائيل كل واحد حسب استطاعته كانوا فيك لاجل سفك الدم. فيك اهانوا ابا و اما في وسطك عاملوا الغريب بالظلم فيك اضطهدوا اليتيم و الارملة. ازدريت اقداسي و نجست سبوتي. كان فيك اناس و شاة لسفك الدم و فيك اكلوا على الجبال في وسطك عملوا رذيلة. فيك كشف الانسان عورة ابيه فيك اذلوا المتنجسة بطمثها. انسان فعل الرجس بامراة قريبه انسان نجس كنته برذيلة انسان اذل فيك اخته بنت ابيه. فيك اخذوا الرشوة لسفك الدم اخذت الربا و المرابحة و سلبت اقرباءك بالظلم و نسيتني يقول السيد الرب. فهانذا قد صفقت بكفي بسبب خطفك الذي خطفت و بسبب دمك الذي كان في وسطك. فهل يثبت قلبك او تقوى يداك في الايام التي فيها اعاملك انا الرب تكلمت و سافعل. و ابددك بين الامم و اذريك في الاراضي و ازيل نجاستك منك. و تتدنسين بنفسك امام عيون الامم و تعلمين اني انا الرب.

سميت أورشليم هنا بالمدينة سافكة الدم ونجسة الإسم عوضاً عن تسميتها المدينة العادلة المقدسة. ومن أبشع خطاياها القتل فهى سافكة الدم فى وسطها = أى فى وسط المدينة حيث الحكام والقضاة. فالظلم تفشى فى السر والعلن وليس من يحكم على الظالم. والرؤساء سفكوا الدم كل واحد حسب إستطاعته آية (6). وهناك من كان يثير إشاعات كاذبة لسفك الدم (9) ومن أخذ رشوة لأجل ذلك (12). وقد يكون هؤلاء من القضاة وليحكموا على البرئ بالقتل من أجل الرشوة. ويجئ بعد ذلك عبادة الأصنام. فمنهم من يصنع أصناماً. ومنهم من يشترك فى الذبح والأكل على المرتفعات. ولقد إزداد فساد طبيعتهم فوصلت خطيتهم إلى إهانة الأب والأم. وظلموا الغريب والضعيف واليتيم والأرملة. ودنسوا السبت والمقدسات وإزدروا بشريعة الله وأعجبوا بالشرائع الوثنية. وفيك كشف الإنسان عورة أبيه = أى أصبحت له إمرأة أبيه 1كو 5 : 1. ومن إعتزلت لطمثها أذلوها ونجسوها. وصنعوا الخطية مع زوجات أبنائهم = كنتهم، ومع أخواتهم فهل لا يعاقب الله على كل هذا. ولكن هناك سبب لكل هذا، أنهم نسوا الرب (12). ينسون أنهم منه، ويعتمدون عليه، وينسون واجباتهم نحوه، وكم أن غضبه مدمر، ولكل هذا عرضها الله لإحتقار جيرانها = جعلتك عاراً للأمم وسخرية لجميع أراضى = أى يسخرون منها. والله يريدها أن تعلم أنه مستاء جداً من ذلك = فها أنذا قد صفقت بكفى بسبب خطفك = الخطف معناه إستيلائهم على ممتلكات الغير. وكيف يصفق الله بكفيه ؟ هو يصفق لكى ينذر قبل أن يضرب، وهو يستعمل أنبيائه للإنذار ولإعلان مقاصده. وهم قد تقسوا وظنوا أنهم يستطيعون مواجهة أحكام الله، لذلك يقول لهم فهل يثبت قلبك أو تقوى يداك = هل تستطيع أن تواجه غضب الله (مز 130 : 3). قد نستطيع أن نصمد أمام البشر، ولكن من يستطيع أن يصمد أمام غضب الله. ولكن من مراحم الله أن ضرباته ليست للإنتقام بل للتطهير = لأزيل نجاستك

 

الآيات 17 – 22 :- و كان الي كلام الرب قائلا. يا ابن ادم قد صار لي بيت اسرائيل زغلا كلهم نحاس و قصدير و حديد و رصاص في وسط كور صاروا زغل فضة. لاجل ذلك هكذا قال السيد الرب من حيث انكم كلكم صرتم زغلا فلذلك هانذا اجمعكم في وسط اورشليم. جمع فضة و نحاس و حديد و رصاص و قصدير الى وسط كور لنفخ النار عليها لسبكها كذلك اجمعكم بغضبي و سخطي و اطرحكم و اسبككم. فاجمعكم و انفخ عليكم في نار غضبي فتسبكون في وسطها. كما تسبك الفضة في وسط الكور كذلك تسبكون في وسطها فتعلمون اني انا الرب سكبت سخطي عليكم.

نفس الأنشودة المأساوية ولكن تعزف هنا بألفاظ أخرى ليكون لها تأثير أكبر، فهو هنا يظهر أن بيت إسرائيل أصبح كالزغل (أو الخبث أى صدأ المعادن) والزغل يجب أن يحرق. هذه المملكة التى كانت ذهباً أيام داود وسليمان، وحينما إنفصلت أيام رحبعام إبن سليمان صارت كذراعان من الفضة (بحسب تسلسل تمثال دانيال ص2) ولكن هذه المملكة قد إنحطت الآن لمعادن وضيعة لا تقارن بما سبق فهى نحاس وقصدير وحديد ورصاص. ويستخدم البعض أنواع المعادن هذه للتدليل على خطاياهم. فالنحاس يشير للوقاحة (كما يقال. لهم وجوه نحاسية أى لا يخجلون). و الحديد يشير للنزعة الوحشية والطبيعة القاسية. والرصاص يدل على غباوتهم وبلههم فالرصاص مع أنه مرن إلا أنه ثقيل، وهم لا يتحركون فى إتجاه الإصلاح. والقصدير يدل على طبيعتهم كمرائين يدعون القداسة ويغطون بمظهريتهم المخادعة إثمهم، وهى مظاهر بلا جوهر حقيقى فعلى. ومع هذا فهذه المعادن لها إستعمالاتها وفوائدها إلا أن شعب إسرائيل صار بلا فائدة، لذلك تم تشبيهه بالزغل، فهم صاروا غير صالحين لشئ إلا لحرقهم. وهم الآن مجتمعين فى أورشليم كمدينة حصينة ليحتموا بها، ولكن الله يخبرهم بأن أورشليم ستتحول لهم كبوتقة أو فرن حتوى يحترق الزغل الذى فيهم، أما المعادن فتذوب وتطهر من الخبث الذى فيها، ثم تخرج المعادن من الفرن نقية. فدائماً هناك بقية ينقيها الله بهذه التجارب = كما تسبك الفضة = إذاً فما زال هناك فضة، والله ينقيها. وما سيشعل هذه البوتقة هو غضب الله. و أنفخ عليكم فى نار غضبى = والنفخ فى النار يصدر صوتاً عظيماً، وهكذا أحكام الله حينما تنفذ على أورشليم.

 

الآيات 23 – 31 :- و كان الي كلام الرب قائلا. يا ابن ادم قل لها انت الارض التي لم تطهر لم يمطر عليها في يوم الغضب. فتنة انبيائها في وسطها كاسد مزمجر يخطف الفريسة اكلوا نفوسا اخذوا الكنز و النفيس اكثروا اراملها في وسطها. كهنتها خالفوا شريعتي و نجسوا اقداسي لم يميزوا بين المقدس و المحلل و لم يعلموا الفرق بين النجس و الطاهر و حجبوا عيونهم عن سبوتي فتدنست في وسطهم. رؤساؤها في وسطها كذئاب خاطفة خطفا لسفك الدم لاهلاك النفوس لاكتساب كسب. و انبياؤها قد طينوا لهم بالطفال رائين باطلا و عارفين لهم كذبا قائلين هكذا قال السيد الرب و الرب لم يتكلم. شعب الارض ظلموا ظلما و غصبوا غصبا و اضطهدوا الفقير و المسكين و ظلموا الغريب بغير الحق. و طلبت من بينهم رجلا يبني جدارا و يقف في الثغر امامي عن الارض لكي لا اخربها فلم اجد. فسكبت سخطي عليهم افنيتهم بنار غضبي جلبت طريقهم على رؤوسهم يقول السيد الرب

هنا يؤكد أن هذا الوباء حل بالجميع، الأنبياء والكهنة والرؤساء والشعب. وهنا يقول أنبيائها وكهنتها ولا يقول أنبيائى وكهنتى وهذا بسبب غضبه عليهم، فلا يريد أن ينسبهم إليه فى شرهم لأنهم رفضوه. أنت كالأرض التى لم تطهر. لم يُمطر عليها = فنجاستها فيها لم تغسل. هى كمدينة لم يغسلها ماء المطر فتنظف. وما هو المطر الذى ينظف  1) قد يشير لضربات الله كما أمطر الله فى الطوفان ليغرق الأرض، وكما أمطر على سدوم وعمورة كبريتاً وناراً تك 19 : 24، وأخرج الرب من الضربات نوح ولوط (البقية)  2) يشير المطر للروح القدس الذى ينسكب على المؤمنين فيطهرهم فيثمرون أش 44 : 3، 4. والمطر يشير للروح القدس فهو أتى من السماء ليروى أرضنا (أجسادنا) والكل أخطأوا. فهناك فتنة أنبيائها = أى مؤامرات الأنبياء الكذبة، فهم غشوا الشعب وقسوا قلبه، وكانت مؤامراتهم هذه ليست ضد الله فقط بل هى كانت ضد الشعب الذى سيهلك بنبواتهم الكاذبة. هذه مؤامرة مع الشيطان الذى هو كأسد يجول يلتمس من يبتلعه = فى وسطها كأسد. وهم أكلوا نفوساً أى تسببوا فى هلاكها بنبواتهم حين قالوا للخطاه سلام سلام فلم يقدموا توبة، فكانت خطيتهم سبباً فى هلاكهم. وهم إلتهموا أموال الشعب كأجر على نبواتهم الكاذبة هذه = أخذوا الكنز والنفيس بل أن من لم يطعمهم ربما تسببوا فى قتله فأكثروا أراملها فى وسطها. أما الكهنة فخالفوا الشرائع والناموس وتعدوا واجباتهم ودنسوا مقدسات الله ولم يعلموا الناس الفرق بين المقدس والمحلل = المقدس هو المحرم أكله على الشعب والمحلل هو ما يأكله الشعب من الذبائح أو المقدس هو ما يأكله الكاهن والمحلل ما هو مسموح لعائلته أن تأكله. وكان رؤسائهم كذئاب خاطفة = أى ينهبون الشعب بالظلم، فهم كانوا قوة بلا عدالة. فهم جبابرة مستبدين يسهل عليهم سفك الدماء وإهلاك النفوس. والأدهى أن الرؤساء إستخدموا الأنبياء الكذبة فهم طينوا لهم بالطفال = أى إدعوا أنهم رأوا رؤى لصالح الرؤساء، أو أنهم رأوا رؤيا بأنه يجب قتل فلان الذى لا يرضى هذا الرئيس أو ذاك. ولكن هذا الحائط الذى أقامه هؤلاء الأنبياء الكذبة لا يثبت طويلاً. بل حتى الشعب، فكان كل من فى يده سلطة أو قوة إستغلها ضد جاره. فالغنى ظلم الفقير، والسيد ظلم خادمه، وأصحاب الأرض ظلموا المستأجرين، والأباء ظلموا أبنائهم والمشترى ظلم البائع، والبائع ظلم المشترى، إذاً فالمرض وبائى. ولا يبدو أن هناك شفيع = رجلاً يبنى الجدار ويقف فى الثغر أمامى عن الأرض لكيلا أخربها الشفيع هنا كموسى الذى طلب من الله أن لا يهلك الشعب، وكإبراهيم الذى طلب أن لا يهلك الله سدوم، والله يرغب فى أن يظهر مراحمه. ولكن قبل أن يصلى أحد عن هذا الشعب، كان يجب أن يكون هناك قائد يصلح من حال هذا الشعب، كما فعل صموئيل إذ نادى بتوبة عامة وصلاة وصوم. وكان يوجد مثل هذا المصلح وهو أرمياء النبى لكنهم رفضوه. فهم رفضوا الأصلاح ورفضوا التوبة وهم ما كانوا يصلوا، ولا كان من يصلى عنهم فما هو المنتظر = فسكبت سخطى عليهم وأفنيتهم. ونحن الآن لنا فى دم المسيح شفاعة كفارية ولنا فى صلوات القديسين شفاعة توسلية، فهل نقدم توبة فلا يغضب الله علينا.  


 

الإصحاح الثالث والعشرون

هذه هى المرة الثالثة التى يتهم الله فيها شعبه بخيانته والإتكال على شعوب أخرى مثل أشور وبابل ومصر. فهذا يعتبر أهانة لله أن لا يؤمن شعبه بقدرته على خلاصهم وحمايتهم، كما أن إعتمادهم على هذه الشعوب قد فتح الأبواب لدخول أصنام هذه الأمم إلى شعب الله فعبدوها وزادت الخيانة بل أن ما يصاحب العبادات الوثنية من زنا جسدى فاقم الوضع.

 

الآيات 1 – 10 :- و كان الي كلام الرب قائلا. يا ابن ادم كان امراتان ابنتا ام واحدة. و زنتا بمصر في صباهما زنتا هناك دغدغت ثديهما و هناك تزغزغت ترائب عذرتهما. و اسمها اهولة الكبيرة و اهوليبة اختها و كانتا لي و ولدتا بنين و بنات و اسماهما السامرة اهولة و اورشليم اهوليبة. و زنت اهولة من تحتي و عشقت محبيها اشور الابطال. اللابسين الاسمانجوني ولاة و شحنا كلهم شبان شهوة فرسان راكبون الخيل. فدفعت لهم عقرها لمختاري بني اشور كلهم و تنجست بكل من عشقتهم بكل اصنامهم. و لم تترك زناها من مصر ايضا لانهم ضاجعوها في صباها و زغزغوا ترائب عذرتها و سكبوا عليها زناهم. لذلك سلمتها ليد عشاقها ليد بني اشور الذين عشقتهم. هم كشفوا عورتها اخذوا بنيها و بناتها و ذبحوها بالسيف فصارت عبرة للنساء و اجروا عليها حكما.

إمرأتان إبنتا أم واحدة = هما إسرائيل الأخت الكبرى (10 أسباط) ويهوذا الأخت الصغرى (سبطين) وزنتا بمصر. فى صباهما زنتا = بدء سقوطهم كان فى مصر حينما عشقوا العبادة الوثنية بطقوسها المثيرة وأغانيها وموسيقاها والزنا المصاحب لها. وهم تعلموا هذا فى بداياتهم فى مصر (حزقيال 20 : 7، 8). فحزقيال هو أول من كشف أن الشعب فى مصر تعلم العبادة الوثنية. عموماً فهذا يتضح أيضاً من سفر الخروج حيث صنعوا عجلاً ذهبياً ليعبدوه خر 32 : 4. فهم صنعوا فى البرية ما تعلموه فى مصر

تزغزغت ترائب عذرتهما = لشرح هذا نقول أنه حين يولد طفل، فإنه يولد بريئاً لا يعرف شيئاً عن الخطايا فلايشتهيها، ولكن إذا علمه أحد هذه الخطايا فإنها تتلاعب بأحاسيسه العذراوية وتدنسها، ويكون أنه كلما يحاول أن ينسى ذكرى هذه الخطايا الأولى أن ذكراها تثير أحاسيسه بملذاتها الجسدية ثانية. وهذا ما تسميه الكنيسة فى صلاة الصلح للقداس الباسيلى "تذكار الشر الملبس الموت" ويكون عمل المسيح بعد ذلك تقديس النفس حتى تنال قوة لنسيان هذه الخطايا وإستعادة البساطة الطفولية، ومن يستعيد هذه الصورة يخلص أما من يستمر فى حالته التى شوهتها الخطية فهو لا يخلص، وهذا معنى قول السيد المسيح "إن لم ترجعوا وتصيروا مثل هؤلاء الأطفال فلن تدخلوا ملكوت السموات". فاليهود فى مصر إذاً كالأطفال الذين تعلموا الوثنية فلم تقتلع منهم، فهناك فى مصر تزغزغت ترائب عذرتهما = أى أثيرت شهواتهما العذراوية التى كانت غير دنسة من قبل

أوهو لة وأهو ليبة = كلمتان مشتقان من الكلمة العبرية "أوهل" أى خيمة تشير للحياة المؤقتة على الأرض فهى إذن تشير لجسدنا "قارن مع 2كو 5 : 1" وسمت إسرائيل أهولة = أى خيمتها. فهى قد أقامت لها هيكل مستقل عن الله بعد إنفصالها عن يهوذا. أما يهوذا فسميت أهوليبة = أى خيمتى فيها، فالله هو الذى أمر ببناء هيكله فى أورشليم

وواضح أن الكلمات المستخدمة فى هذا الإصحاح قاسية فى تعبيرها عن الزنا ولكن هذه هى بشاعة الخطية، وكم تثير الخطية الله وتغيظه. فإلهنا غيور، وتصور حال رجل يكتشف أن زوجته التى يحبها تخونه مع كل من تراهم، ماذا يكون حال هذا الرجل، وكم تكون ثورته ؟ هذا هو لسان حال الله فى هذا الإصحاح، فهو يعبر عن حزنه من خيانة شعبه الذى فاض عليه ببركاته فتركه وذهب لآلهة أخرى... جرياً وراء شهواته.

ولقد إتضحت الشهوات المنحرفة لهذا الشعب فور خروجهم من أرض مصر حين صنعوا عجلاً ذهبياً لعبادته... ثم قاموا للعب خر 32 : 6. وبعد أن دخلوا أرض كنعان إستمروا فترة بدون عبادة وثنية، إل أن إنفصلت المملكة أيام رحبعام. فبدأت أهولة أى السامرة ممارستها الخاطئة فوراً فهى بلا هيكل ولا كهنة. وهنا كان تذكار الشر الملبس الموت، حين رأت فى أشور وعبادتها ما ذكرها بشهواتها الأولى = وزنت أهولة من تحتى = أى خانتنى بمحبتها لشبان أشور وعباداتهم، وعقد معاهدات مع أشور فيها تقدم لآلهة أشور العبادة. عشقت أشور الأبطال اللابسين... ولقد إنجذبوا لما هو جديد فيهم، ومازال حتى اليوم من أبناء الله من ينجذب للأفكار والتقاليع الجديدة البعيدة عن أفكار الكنيسة التى توارثتها عن الأباء الرسل والنتيجة أن سلمتها ليد عشاقها = فوقعت إسرائيل فى سبى أشور. وهكذا كل من يسلم نفسه لخطية ما تقضى عليه هذه الخطية. مثلاً ما هو معروف الآن، فمن يسلم نفسه للشذوذ الجنسى يقضى عليه مرض الإيدز، ومن يسلم نفسه للقلق والغضب تقضى عليه أمراض القلب....الخ

فدفعت لهم عُقرها = العقر هو أجر الزانية. فلقد سبق فى 16 : 34 أن الله يتعجب من تصرفهم، فهو يشبه إسرائيل بزانية ولكنها على عكس عادة الزوانى، هى تدفع أجراً لمن يزنى معها (بينما أن أى زانية تأخذ أجراً عن زناها). فعبادتها لآلهة أشور هو زنا، وهى تدفع لأشور لكى تحميها. وهنا يقول نفس الكلام أنها تدفع للشعوب الوثنية حولها أجراً. وهنا يسمى أموالهم عقرها = فهم فى حالة زنا، وأموالهم أموال زنا، يحصلون عليها من زنا وتذهب فى زنا (مى 1 : 7)، حصلوا على أموالهم بطريقة غير شريفة، وها هى تذهب لزانية أخرى هى أشور. هم كشفوا عورتها = أزالوا عنها زينتها وسبوا شبانها وفتياتها. فصارت عبرة للنساء = هذه صورة حية لطبيعة الخطية وفاعليتها، أنها مخادعة وجذابة يجرى وراءها الإنسان ظناً منه أنه يجد فيها شبعه الجسدى والنفسى، لكنها سرعان ما تحدره تحت قدميها وتفقده كرامته وتحرمه سلامه، كما أنها تضره جسدياً ونفسياً وروحياً، وتقوده للهلاك.

 

الآيات 11 – 21 :- فلما رات اختها اهوليبة ذلك افسدت في عشقها اكثر منها و في زناها اكثر من زنى اختها  عشقت بني اشور الولاة و الشحن الابطال اللابسين افخر لباس فرسانا راكبين الخيل كلهم شبان شهوة  فرايت انها قد تنجست و لكلتيهما طريق واحدة و زادت زناها و لما نظرت الى رجال مصورين على الحائط صور الكلدانيين مصورة بمغرة منطقين بمناطق على احقائهم عمائمهم مسدولة على رؤوسهم كلهم في المنظر رؤساء مركبات شبه بني بابل الكلدانيين ارض ميلادهم عشقتهم عند لمح عينيها اياهم و ارسلت اليهم رسلا الى ارض الكلدانيين فاتاها بنو بابل في مضجع الحب و نجسوها بزناهم فتنجست بهم و جفتهم نفسها و كشفت زناها و كشفت عورتها فجفتها نفسي كما جفت نفسي اختها و اكثرت زناها بذكرها ايام صباها التي فيها زنت بارض مصر و عشقت معشوقيهم الذين لحمهم كلحم الحمير و منيهم كمني الخيل و افتقدت رذيلة صباك بزغزغة المصريين ترائبك لاجل ثدي صباك.

كانت أهوليبة = يهوذا أفضل نسبياً من أختها، ولذلك فإن الله أعطاها فرصة أخرى أيام حزقيا، فلم تدمر أشور يهوذا بل حطم الله جيش أشور على أسوار أورشليم (يوم ال 185.000) لينقذ يهوذا وأورشليم. ولكن كانت أشور قد حطمت إسرائيل المملكة الشمالية. ولكن يهوذا عادت وفسدت أكثر من إسرائيل، بل أن حزقيا فتح قصره وفتح الهيكل للبابليين لإعجابه بهم وظنه أنهم سيكونون له الحليف القوى، وكان فتح الهيكل والقصر للبابليين بمثابة كشف عورة يهوذا لهم (آية 18) أما الشعب ففرح بملابسهم وفرسانهم وخيلهم، فهم فرحوا بكل ما هو غريب وأجنبى وإزدروا بتقاليدهم وبدينهم وإعتبروه حقيراً بجانب الممارسات المثيرة لهذه الشعوب. بل هم عشقوا صور الكلدانيين، وفرحوا بأن يقيموا أحلافاً معهم. وربما أرسلوا يطلبون صوراً لهياكلهم وأصنامهم ليستخدموها فى عبادتهم. وكانت هذه الصور مصورة بمغرة = المغرة هى مسحوق أكسيد الحديد، ويوجد فى الطبيعة مختلطاً بالطفال، وقد يكون أصفراً أو أحمر بنياً ويستعمل فى أعمال الطلاء.

وجفتهم نفسها = هذه طبيعة عبودية الخطيئة والشيطان فحين نسلم أنفسنا لهم يستعبدوننا فنكرههم لقسوتهم، وللأسف يستمر الخطاة فى السعى وراء شهوتهم من أجل اللذة الجسدية مع أنهم يعلمون أن فى توبتهم الخلاص من العبودية التى هم فيها. (هذه مثل ما قال الشاعر داونى بالتى كانت هى الداء)وعوضاً عن أن تستنجد بإلهها، ذهبت يهوذا للمصريين أيام يكنيا وصدقيا فهى ذكرت أيام صباها التى فيها زنت بأرض مصر = كما لو كانوا يسترجعون متعتهم. بنكهة البصل والكرات التى أكلها الشعب فى مصر، أو بالأحرى أوثان مصر فهم عشقوا معشوقيهم = أى إشتهوا من أحبوهم سابقاً أى المصريين وهم فى نظر الله لكبريائهم وغباوتهم فى وثنيتهم، وتعاملهم مع الشياطين فى ديانتهم كالخيل والحمير، فهى فى زناها كأنها إشتهت أن تزنى مع حيوانات وهذا شئ بالغ النجاسة. فهى إفتقدت رذيلة صباها = أى تذكرت خطايا صباها فإشتهت الخطية مرة ثانية. (راجع أش 30 : 6، 7)

 

الآيات 22 – 35 :-  لاجل ذلك يا اهوليبة هكذا قال السيد الرب هانذا اهيج عليك عشاقك الذين جفتهم نفسك و اتي بهم عليك من كل جهة. بني بابل و كل الكلدانيين فقود و شوع و قوع و معهم كل بني اشور شبان شهوة ولاة و شحن كلهم رؤساء مركبات و شهراء كلهم راكبون الخيل. فياتون عليك باسلحة مركبات و عجلات و بجماعة شعوب يقيمون عليك الترس و المجن و الخوذة من حولك و اسلم لهم الحكم فيحكمون عليك باحكامهم. و اجعل غيرتي عليك فيعاملونك بالسخط يقطعون انفك و اذنيك و بقيتك تسقط بالسيف ياخذون بنيك و بناتك و تؤكل بقيتك بالنار. و ينزعون عنك ثيابك و ياخذون ادوات زينتك. و ابطل رذيلتك عنك و زناك من ارض مصر فلا ترفعين عينيك اليهم و لا تذكرين مصر بعد. لانه هكذا قال السيد الرب هانذا اسلمك ليد الذين ابغضتهم ليد الذين جفتهم نفسك. فيعاملونك بالبغضاء و ياخذون كل تعبك و يتركونك عريانة و عارية فتنكشف عورة زناك و رذيلتك و زناك. افعل بك هذا لانك زنيت وراء الامم لانك تنجست باصنامهم. في طريق اختك سلكت فادفع كاسها ليدك. هكذا قال السيد الرب انك تشربين كاس اختك العميقة الكبيرة تكونين للضحك و للاستهزاء تسع كثيرا. تمتلئين سكرا و حزنا كاس التحير و الخراب كاس اختك السامرة. فتشربينها و تمتصينها و تقضمين شقفها و تجتثين ثدييك لاني تكلمت يقول السيد الرب. لذلك هكذا قال السيد الرب من اجل انك نسيتني و طرحتني وراء ظهرك فتحملي ايضا رذيلتك و زناك.

من إشتهتهم سيكونون هم سبب خرابها. وسيخربها الكلدانيين أى البابليين المكون جيشهم من قبائل مختلفة فقود وشوع وقوع = وهى قبائل من شرق نهر دجلة. وبقايا جيش أشور الذى إنضم إلى بابل بعد خراب أشور بيد بابل. ويقطعون أنفك = أى ملكها الذى كان ينبغى أن يكون فى المقدمة له حاسة التمييز، فيدرك الطريق الآمن ويقود شعبه له لكنه ذهب للطريق الخطر بتحالفه مع مصر. أما لنا فثمر الخطية هو فقداننا روح التمييز الذى به ندرك الحق ونرفض الباطل. وأذنيك = هذا يشير لسبى الكهنة ومشيرى الملك الذين عوضاً عن أن يسمعوا صوت الله ويميزوا إرادته ويستمعوا لأنبيائه إستمعوا لشهوات قلوبهم. أما بقية أورشليم فتهلك بالسيف = إشارة لهلاك الشعب بسبب هذه التصرفات، وهذا يرمز لهلاك الجسد الذى يتدنس ويهلك بسبب حرماننا من نعمة التمييز وعدم سماعنا  لصوت الله. ويأخذون بنيك وبناتك = قد يأخذونهم سبايا أو يقدمونهم محرقات. وهذا يشير لتبديد المواهب والطاقات، فبدلاً أن تقدم لخدمة الله تستخدم لحساب الشيطان. وينزعون عنك ثيابك = الخطية الأولى سببت الإحساس بالعرى، والله من نعمته كسا البشر وستر عليهم، ولكن من يرتد عنه تذهب عنه نعمة الله فيعود للعرى والفضيحة ثانية، إذ حرم نفسه من ستر الله. ويأخذون أدوات زينتك = لقد جعلها الله جميلة وكساها ولكن كل شئ سيذهب للبابليين. وأبطل رذيلتك عنك = إذاً الله سمح بكل هذا ليبطل الرزيلة وليس للإنتقام. وهذا معنى لا تذكرين مصر بعد. وبعد هذه الضربات التى تشربها كما تشرب كأس تحير وخراب. تشربها كما شربت أختها كأسها تجتثين ثدييك = المقصود أنها ستتخلى عن كل ما كان يثيرها وتترك عبادة الأصنام تماماً.

ملحوظة :- خرابها جاء على يد من أحبتهم حباً خاطئاً، وهكذا الحب الخاطئ يتحول لكراهية شديدة (راجع قصة أمنون وثامار أولاد داود.) ولاحظ أن الله يسمح بهذا لعل الخاطئ يكره هذه الخطية ويتركها فيخلص بدلاً من أن يهلك

 

الآيات 36 – 49 :- و قال الرب لي يا ابن ادم اتحكم على اهولة و اهوليبة بل اخبرهما برجاساتهما.لانهما قد زنتا و في ايديهما دم و زنتا باصنامهما و ايضا اجازتا بنيهما الذين ولدتاهم لي النار اكلا لها. و فعلتا ايضا بي هذا نجستا مقدسي في ذلك اليوم و دنستا سبوتي. و لما ذبحتا بنيهما لاصنامهما اتتا في ذلك اليوم الى مقدسي لتنجساه فهوذا هكذا فعلتا في وسط بيتي. بل ارسلتما الى رجال اتين من بعيد الذين ارسل اليهم رسول فهوذا جاءوا هم الذين لاجلهم استحممت و كحلت عينيك و تحليت بالحلي. و جلست على سرير فاخر امامه مائدة منضضة و وضعت عليها بخوري و زيتي. و صوت جمهور مترفهين معها مع اناس من رعاع الخلق اتي بسكارى من البرية الذين جعلوا اسورة على ايديهما و تاج جمال على رؤوسهما. فقلت عن البالية في الزنى الان يزنون زنى معها و هي. فدخلوا عليها كما يدخل على امراة زانية هكذا دخلوا على اهولة و على اهوليبة المراتين الزانيتين. و الرجال الصديقون هم يحكمون عليهما حكم زانية و حكم سفاكة الدم لانهما زانيتان و في ايديهما دم. لانه هكذا قال السيد الرب اني اصعد عليهما جماعة و اسلمهما للجور و النهب. و ترجمهما الجماعة بالحجارة و يقطعونهما بسيوفهم و يذبحون ابناءهما و بناتهما و يحرقون بيوتهما بالنار. فابطل الرذيلة من الارض فتتادب جميع النساء و لا يفعلن مثل رذيلتكما. و يردون عليكما رذيلتكما فتحملان خطايا اصنامكما و تعلمان اني انا السيد الرب

هذا حديث ختامى للأختين يوجهه الرب لهما يكشف فيه شرهما وبشاعته بعبادهم للأصنام وتقديم أولادهم ذبائح لهم. ولنلاحظ أن الله يعتبر أن الأولاد هم له ولدتاهم لى = فالأباء ينجبون الأولاد ويربونهم لحساب الله، فهم لله وليس لأبائهم. وهم تجملوا وأرسلوا لرجال آتين من بعيد = ليرتكبوا معهم الشر ويعبدوا أوثانهم ويقدموا لها زيت وبخور الله = لاحظ أن الله يعتبر أن كل ما فى أيدينا (زيت وبخور... الخ) هو له فهو الذى أعطاه. الله أعطانا الكثير لنمجده به فماذا نفعل بما أعطاه لنا الله ؟ هو الذى يعطى كل شئ، وله كل شئ. هذه الصورة تثبت أنهم لم يسقطوا عفواً ولا نتيجة غواية من الآخرين بل دبرتا خطة الشر بنفسيهما وإستخدمتا حتى المقدسات الإلهية (الزيت والبخور) لتدفع الغير لإرتكاب الشر معها. ويا للعار لقد قبلت من الغرباء إسورة على أيديهما وتاج جمال على رؤوسهما عوض مواهب الله وأكاليله الأبدية فهم قدموا مواهبهم وقدراتهم (أيديهم) للشر. لذلك إستحقوا التأديب الإلهى. ونلاحظ أن الحديث هنا هو للأختين معاً، فبعد سبى أشور لإسرائيل وخراب المملكة الكبرى ذهب الكثير من شعب إسرائيل ليهوذا وعاشوا هناك. وكلمة الله للنبى أتحكم على أهولة وأهوليبة = أى لا تحاول أن تجد لهما أعذاراً بل إصدر عليهما أحكاماً. ولاحظ أيضاً بشاعة خطيتهم فى تقديم أولادهم للنار فهم أحبوا الأوثان أكثر من أولادهم. ولاحظ أيضاً أن الله إعتبر المعاهدات مع البابليين زنا = وجلست على سرير فاخر. فهم تجملوا جداً أمامهم كما تتجمل زانية أمام عاشقيها. بل هم تمادوا حتى يثبتوا للبابليين تسامحهم الدينى بأن قدموا زيتاً وبخوراً لآلهة البابليين، كان يجب أن يقدم لله. وكان هناك فرح كبير من الشعب بهذه المعاهدات كما لو كانت بركة لهم = فكان صوت جمهور مترفهين معاً = فهم أحسوا بالأمان فى المعاهدات. وأتوا بالرعاع والسكارى من البرية = ليفرحوا معهم، والسكارى من البرية هم غالباً شعوب عمون والعرب وآدوم وموآب. مترفهين = مبتهجين، وبلا هَمْ

وفى آية 43 :- الآن يزنون زنا معها وهى = المقصود وهى معهم حسب الترجمة الإنجليزية. وربما تركت الكلمة فى الأصل العبرى دون أن تكتب وذلك كنوع من إظهار التعجب كيف يسقط شعب الله فى خطية كهذه. وفى آية 45 :- رجال صديقون = البقية التى تعرف الرب فى أورشليم وهؤلاء يشجبون سياسة ملوكهم. 


 

الإصحاح الرابع والعشرون

الايات 1 – 14 :-   و كان كلام الرب الي في السنة التاسعة في الشهر العاشر في العاشر من الشهر قائلا. يا ابن ادم اكتب لنفسك اسم اليوم هذا اليوم بعينه فان ملك بابل قد اقترب الى اورشليم هذا اليوم بعينه. و اضرب مثلا للبيت المتمرد و قل لهم هكذا قال السيد الرب ضع القدر ضعها و ايضا صب فيها ماء. اجمع اليها قطعها كل قطعة طيبة الفخذ و الكتف املاوها بخيار العظام. خذ من خيار الغنم و كومة العظام تحتها اغلها اغلاء فتسلق ايضا عظامها في وسطها. لذلك هكذا قال السيد الرب ويل لمدينة الدماء القدر التي فيها زنجارها و ما خرج منها زنجارها اخرجوها قطعة قطعة لا تقع عليها قرعة. لان دمها في وسطها قد وضعته على ضح الصخر لم ترقه على الارض لتواريه بالتراب. لصعود الغضب لتنقم نقمة وضعت دمها على ضح الصخر لئلا يوارى. لذلك هكذا قال السيد الرب ويل لمدينة الدماء اني انا اعظم كومتها. كثر الحطب اضرم النار انضج اللحم تبله تتبيلا و لتحرق العظام. ثم ضعها فارغة على الجمر ليحمى نحاسها و يحرق فيذوب قذرها فيها و يفنى زنجارها. بمشقات تعبت و لم تخرج منها كثرة زنجارها في النار زنجارها. في نجاستك رذيلة لاني طهرتك فلم تطهري و لن تطهري بعد من نجاستك حتى احل غضبي عليك. انا الرب تكلمت ياتي فافعله لا اطلق و لا اشفق و لا اندم حسب طرقك و حسب اعمالك يحكمون عليك يقول السيد الرب.

حدد الله لحزقيال وهو على بعد مئات الكيلومترات بلا وسائل إتصالات  فى ذلك الزمان، اليوم الذى حاصر فيه نبوخذ نصر أورشليم وطلب منه أن يكتب هذا اليوم = حتى إذا ما تحقق الخبر بعد ذلك يظهر صدق النبى. وهذا ما حدث فعلاً (راجع 2مل 25 : 1). وكان الشعب كما قلنا سابقاً يتصورون أنهم فى حماية أسوار أورشليم كما لو كانوا فى قدر نحاس وهم قطع لحم لا يستطيع أحد أن ينال منهم كما لو كانت أسوارهم هى أسوار نحاسية. ولكن الله يقول هنا فعلاَ فأنتم داخل أسوار أورشليم كما لو كنتم داخل قدر نحاس، ولكن سأشعل ناراً حوله، وما هذه النار إلا جيش بابل.. ولكن ما فائدة النار ؟ القدر مليئة بالزنجار = الصدأ رمزاً لخطايا أورشليم العالقة بها ولاحل سوى حرقها لتطهر. والحريق سيشمل الجميع صغاراً وكباراً، عظماء وأدنياء. وهذا معنى وضع كل قطع اللحم حتى القطع الطيبة الفخذ والكتف = فالكل يستحق أن يضرب. ولكن يجب أن نفرق بين قطع اللحم الطيبة والعظام وخيار العظام = والمعنى أن الخطية تحول الإنسان الحى إلى إنسان ميت، والفرق بين الميت والحى أن الأول هو كومة من العظام والثانى يكسوه اللحم (قارن مع إصحاح 37) فمن وصل لدرجة الموت التام بخطيته، فهذا لا أمل فى إصلاحه، هذا سيتم حرقة فى كومة العظام تحت القدر، أما من يكسوه اللحم أو حتى من أصبح عظاماً لكن مازال فى داخله نخاع، هذا ما سماه خيار العظام (فهو فتيلة مدخنة لا يطفئ) = هؤلاء سيكونون داخل القدر لا يحرقون تماماً ويفنون مثل من هم فى خارج القدر، بل سيكونون فى الداخل للتطهير. والماء الذى يغلى داخل القدر هو ماء للتطهير. وفى آية (5) يميز بين خيار الغنم = فهؤلاء هم قادة وأمراء الشعب الأشرار فهم مع كومة العظام تحتها، كلهم للحريق. وسبب هذا أنها مدينة دماء = خطاياها هى زنجارها الذى لم يخرج منها. حتى القطع التى لا أمل فيها أو فى إصلاحها ستخرج للحريق بدون أن تلقى عليها قرعة = فليس مهماً من سيحرق أولاً ومن يأتى عليه الدور ثانياً فالكل سيحرق لماذا ؟ لأن دمها فى وسطها. وقد وضعته على ضح الصخر = أى على قمة الصخرة، فى أعلى مكان بلا خجل  فيرى كل إنسان خطاياها والآن يرى كل إنسان ضرباتها فيعتبر. فالله أقام أورشليم كمثل أمام العالم كله (منظراً للناس) لتكون كرازة، يرى الناس أعمالها الحسنة وقداستها والبركات التى يفيض بها الله عليها فيمجدوا أباها الذى فى السموات. ولكن حين تمتلئ بالدم فسيفضحها الله ويظهر غضبه عليها ويكون تأديبه لها واضحاً فيعرف الكل أيضاً قداسة الله وأنه ضد الخطية. ولنلاحظ أن الله يصبر ويطيل أناته كثيراً على أبنائه الخطاة، ولكن بعد مدة يعلن خطيتهم إن لم يتوبوا ويفضحهم وهذا معنى لم تُرِقه على الأرض لتواريه بالتراب = فلا شئ سوف يستر على خطيتها ما دام الله قد صمم على إعلانها. وأيضاً سيعلن الله عن غضبه، لصعود الغضب لتنقم نقمة = وسوف يظهر لكل إنسان عدالة الله وقداسته فهو لا يقبل أن يكون أولاده خطاة فهو يعاقب الخطية فى كل إنسان حتى أولاده، فالله قدوس وعادل كما أنه رحيم. فى عدله سيعظم كومتها = أى سيجمع كل من يستحق الحريق كومة كبيرة تجعل الحريق عظيماً، وهذا نفس معنى كثر الحطب إضرم النار. وما نتيجة هذه النار ؟ شيئان :- فمن هو مستحق أن يطهر سيطهر وينضج = أنضج اللحم وتبله تتبيلاً فهؤلاء كانوا سابقاً بلا طعم مقبول. وهكذا حولت الألام أيوب إلى رجل كامل. أما العظام لتحرق = فهذه لا أمل فيها. وأما الزنجار = العالق بالقدر ككل مثل العبادات الوثنية وما يتبعها فهذا سيتم حريقه فى النار،  وهذا ما حدث فعلاً، فلم تعد إسرائيل تخطئ هذه الخطيئة بعد سبى بابل. وقد حاول الله كثيراً من قبل أن يخلصها من هذه الخطية ولكن بلا فائدة، فالله لا يضرب ضربة كبيرة ما لم ينذر أولاً ويبدأ بضربات خفيفة ثانياً. فلطالما سَلَط الله عليها الفلسطينيين وغيرهم ثم الأشوريون الذين أحرقوا 46 مدينة من يهوذا وتوقفوا على حدود أورشليم حين هلك منهم 185.000 رجل ولكن لم يطهروا. وهذا معنى بمشقات تَعِبَت ولم تخرج منها كثرة زنجارها فماذا يكون الحل = فى النار زنجارها أى بابل بضربتها الموجعة سوف تشفيها من زنجارها تماماً. ويعاد الكلام ثانية بنفس المعنى فى نجاستك رذيلة لأنى طهرتك = بكل المحاولات التى سبقت ضربة بابل ولكن لم تطهرى. وما الحل أحل غضبى عليك = عن طريق بابل. ولا رجوع فى هذا فأنا الرب تكلمت لا أطلق ولا أشفق ولا أندم = إذاً يارب توبنا فنتوب قبل أن يأتى علينا غضبك.

ملحوظة :- فى آية 7 نجد أن خطية أورشليم علنية، فهى صارت لا تستحى لذلك كانت عقوبتها علنية ليعلن الله قداسته، وهذا يتضح من آية 8. فحين يصل الإنسان فى خطيته أن يعلنها بلا حياء، يعاقبه الله علانية.

 

الآيات 15 – 27 :-  و كان الي كلام الرب قائلا. يا ابن ادم هانذا اخذ عنك شهوة عينيك بضربة فلا تنح و لا تبك و لا تنزل دموعك. تنهد ساكتا لا تعمل مناحة على اموات لف عصابتك عليك و اجعل نعليك في رجليك و لا تغط شاربيك و لا تاكل من خبز الناس. فكلمت الشعب صباحا و ماتت زوجتي مساء و فعلت في الغد كما امرت. فقال لي الشعب الا تخبرنا ما لنا و هذه التي انت صانعها. فاجبتهم قد كان الي كلام الرب قائلا. كلم بيت اسرائيل هكذا قال السيد الرب هانذا منجس مقدسي فخر عزكم شهوة اعينكم و لذة نفوسكم و ابناؤكم و بناتكم الذين خلفتم يسقطون بالسيف. و تفعلون كما فعلت لا تغطون شواربكم و لا تاكلون من خبز الناس. و تكون عصائبكم على رؤوسكم و نعالكم في ارجلكم لا تنوحون و لا تبكون و تفنون باثامكم تئنون بعضكم على بعض. و يكون حزقيال لكم اية مثل كل ما صنع تصنعون اذا جاء هذا تعلمون اني انا السيد الرب. و انت يا ابن ادم افلا يكون في يوم اخذ عنهم عزهم سرور فخرهم شهوة عيونهم و رفعة نفسهم ابناءهم و بناتهم. ان ياتي اليك في ذلك اليوم المنفلت ليسمع اذنيك. في ذلك اليوم ينفتح فمك للمنفلت و تتكلم و لا تكون من بعد ابكم و تكون لهم اية فيعلمون اني انا الرب

ويكون لكم حزقيال آية (24) هنا تموت زوجة حزقيال وعليه أن لا يحزن عليها لا يذرف عليها دمعة ولا يصنع مناحة ولا ينطق بكلمة حزن ولا يأكل من خبز الناس = فهذه عادة فى تلك المناسبات المؤلمة أن يشارك الجيران أهل الميت بإرسال طعام، كتعزية ومشاركة له، وعليه أن لا يأكل مما يقدمونه له. وعليه أن يلبس عمامته = لف عصابتك عليك = كما تعود أن يفعل. وأن يجعل نعليه فى رجليه = ولا يسير حافياً كعلامة حزن ولا يغطى شاربيه = مثلما يفعل الحزانى. وهو سيعد طعامه بنفسه حيث أنه لن يأكل من الطعام المرسل له (فهم يرسلون الطعام لأهل الميت، إذ ليس من اللائق أن يقوم أهل الميت بإعداد طعامهم وهم فى أحزانهم، فما معنى كل هذا ؟

1- زوجة حزقيال هى شهوة عينيه فهو يحبها ولا يستطيع فراقها. وهذا مشابه لوضع الشعب مع أورشليم فهى شهوة عيونهم، يحبونها ويودون لو عادوا إليها لكن الحكم صدر بنهايتها، وعليهم أن يصنعوا مثل حزقيال فلا يحزنوا لأن الأمر صدر من الله

2- أورشليم هى شهوة عينى الله، فالله يحبها، وكان مجده فى هيكله فى وسطها. وهنا النبى مثل أنبياء كثيرين، كان الله يضعهم فى موقفه ليشعروا بمشاعره. فلقد طلب الله من إبراهيم أن يقدم إبنه محرقة ليشرح سر الفداء لإبراهيم ولقد سار إبراهيم مع إبنه ثلاثة أيام، كان قلبه يتمزق فى كل ثانية فيهم إلى أن وصل للموضع الذى سيقدم فيه إبنه. وفى هذا شعر إبراهيم بمشاعر الآب إذ قام بدور الآب الذى قدم إبنه الوحيد كفارة عن خطايانا، هو شعر بأن الآب سيعانى مشاعر مرة وسيتألم بألام إبنه.

وهكذا ليشرح الله إرتباطه بنا ونحن فى خطايانا أمر هوشع ان يتزوج بزانية. وهكذا هنا فى مثال حزقيال، فالله يحب أورشليم قطعاً كما يحب حزقيال زوجته وبهذا تكون مشاعر الله وحزنه على هلاك أورشليم هى نفس مشاعر حزقيال إذ تموت زوجته. وفى عدم تعبير حزقيال عن مشاعره إعلان بأن الله يرى فى خراب أورشليم الحل الوحيد، فهو سيتخذه بلا ندامة.

وفى عدم إظهار حزقيال لمشاعره تجاه وفاة زوجته إظهار أن دمار أورشليم سيكون نهائياً شاملاً، ولن يوجد لأحد من سكانها فرصة لأن يحزن على آخر فالكل إما ميت أو هارب من السيف والنار.

ولكن تنهد ساكتاً = إشارة لحزنه الداخلى وهذا ما يشير لحزن الله أيضاً على خراب أورشليم. وقطعاً إندهش الناس من موقف حزقيال فسألوه ألا تخبرنا = وكان الجواب هانذأ منجس مقدسى = أى قد حكمت على هيكلى بالخراب وبأن تدوسه الأمم. والهيكل هو بالنسبة لكم فخر عزكم شهوة عيونكم حتى بعد ما خرب هذا الهيكل، وقام هيكل بدلاً منه ظل التلاميذ يفتخرون بهيكلهم مت 24 : 1 مع العلم بأن الهيكل الأول الذى دمر فى هجوم بابل أعظم كثيراً من الثانى الذى كان التلاميذ يفتخرون به أمام المسيح. وليس الخراب للهيكل فقط بل أبناءكم وبناتكم يسقطون بالسيف. هى ضربة شديدة موجعة ولكن السبب فى كل هذا الفناء والخراب هو الخطية = وتفنون بأثامكم.

لاحظ أن آلام حزقيال وهو بار تشبه آلام المسيح الذى صلب وهو بلا خطية، إنما الشعب هو الذى أخطأ "وإذا كان هذا قد عُمِلَ بالغصن الرطب فكم يصنع باليابس" وهو فى ألامهم يئنون بعضهم على بعض = فهم لن يجرؤا أن يعلنوا غضبهم أمام الغزاة البابليين. وإذا جاء هذا تعلمون إنى أنا السيد الرب = سبق حزقيال وقال لهم متنبئاً بما سوف يحدث، فإذا ما تم فسيصدقون يؤمنون أنه من قبل الرب حدث هذا ويؤمنون بالرب ويصدقون أن حزقيال هو نبى من عند الرب. ولكن هذا سوف يحدث فى يوم مرعب = أفلا يكون فى يوم آخذ عنهم عزهم = أى قوتهم وما إستندوا عليه باطلاً من تحصينات ورجال وقصور وكل ما وضعوا فيه فكرهم. ومعنى الكلام.... لا تندهش ولا تستغرب ما أعلن لك يا إبن آدم = ولا تكن غير مصدقاً فهو سيحدث. ويبدو أنه كعلامة أن حزقيال بعد ما نقل هذه الأخبار للشعب أنه صمت وجعله الله لا يتكلم (كما حدث مع زكريا أبو يوحنا المعمدان) وسوف يعود ويتكلم حين يأتى منفلت = أى هارب من جحيم أورشليم يخبره ويخبر الشعب بما حدث مصدقاً لنبوات حزقيال التى سبق فأنبأ بها وقد حدث هذا فعلاً (حز 33 : 22) حين جاء المنفلت وتكلم النبى مرة ثانية، وقد يكون موضوع صمته وكلامه له تفسيران.

الأول = أنه صمت عن النبوات بخصوص إسرائيل وبدأ يتنبأ عن الأمم الغريبة وهذا ما بدأه فى إصحاح (25) وأنهاه فى إصحاح (33). أى أن الصمت كان صمتاً فى نبواته الخاصة بشعبه إسرائيل. لأن النبوات عن الأمم تعترض بدء صمته (24 : 27 ) ونهايته (33 : 22)

الثانى = أن يكون صمته حقيقياً طوال هذه الفترة وأن هذه النبوات الخاصة بالأمم إصحاحات (25 – 32) قد سبق وقيلت فى زمان متقدم ولكن وضعت فى هذا المكان، أو قيلت بعد أن فتح فمه ووضعت أيضاً فى هذا الموضع لسبب هام وهو أن الأمم يشيرون لمملكة الشر والشيطان فى العالم. وبدءاً من إصحاح (33) يبدأ النبى فى الكلام عن إسرائيل الجديد. فكأن إصحاح (24) ينتهى بتدمير وموت إسرائيل القديم الخاطئ. ونبدأ إصحاح (33) بالكلام عن إسرائيل الجديد، فكان من حكمة الله أن تجئ النبوات ضد الأمم وهلاكهم فى وسط هذه الإصحاحات كإعلان من الله عن خراب مملكة الشيطان وإندحارها قبل بدئه فى تكوين إسرائيل الجديد. وإذا عرفنا أن كل هذا يرمز لعمل المسيح فتكون إسرائيل القديمة التى خربت هى شعبه قبل مجئ المسيح، وإسرائيل الجديد هى الكنيسة جسد المسيح وهلاك الأمم رمزاً لنهاية سيادة الشيطان "رأيت الشيطان ساقطاً مثل البرق" فهذا يعنى هدماً لمملكة الشر تمهيداً لإقامة مملكة الله. خصوصاً أن الأمم الذين تنبأ حزقيال ضدهم هم 7. وإذا كان رقم 7 يشير للكمال فهذا يعنى كمال تحطيم مملكة الشر (الأمم هى بنى عمون / موآب / آدوم / فلسطين / صور / مصر / صيدون) والرأى الثانى هو المرجح فى موضوع صمت النبى ثم عودته للكلام، فيكون قد صمت فعلاً كآية بعد أن أعلن للشعب بالخراب الذى سيحدث، وعاد للكلام بعد أن جاء هذا المنفلت مصدقاً لما قاله عن خراب أورشليم. وكون أن الخراب يبدأ ببيت الله، فهذا ليس معناه أن الله سيترك باقى الأشرار، ولكن أكثر الناس معرفة يدانون أولاً ويدانون أكثر، فليس عند الله محاباة. والعجيب أن هذه الشعوب (بنى عمون / موآب...) لم يتعظوا بسهولة بسقوط يهوذا. لكن علينا أن نحذر فحينما يحترق بيت الجار فالحريق قد يمتد لبيتنا. وحينما نرى تأديب الله لأحد الخطاة فلنسارع بتقديم توبة. 


 

الإصحاح الخامس والعشرون

هنا نبوات أربعة ضد بنى عمون / موآب / آدوم / فلسطين وهؤلاء عداوتهم قديمة للشعب، ولكنها تزايدت على مر الأيام. هذه الأمم كان يجمعهم شماتتهم فى سقوط الشعب تحت سبى بابل. والله هنا يخبرهم بسقوطهم قريباً. وهؤلاء يشبهون الشيطان الذى فرح بسقوط آدم ونسله. فكأن هذه النبوات هى ضد الشيطان والتنبؤ عليه بنهايته قريباً. ولنلاحظ أن الله ليس ضد هذه الشعوب بل

 1) الله ضد الخطايا التى تمارسها هذه الشعوب خصوصاً الوثنية

2) هذه الشعوب فى كراهيتها لشعب الله صارت كرمز للشيطان. والنبوات ضدها هى نبوات ضد الشيطان فى الواقع، الذى يكره أولاد الله أينما كانوا.

3) لا يجب أن يتصور أحد، حينما يقرأ هذه النبوات أن الله يكره هذه الأمم بسبب محبته لشعبه المختار إسرائيل، وذلك للأسباب الآتية :-

أ - النبوات ضد الأمم إستغرقت آيات قليلة فمثلاً النبوة ضد بنى عمون 7 آيات فقط بينما أن النبوات ضد إسرائيل نفسها إستغرقت 23 إصحاح

ب – الله لم يبيد بنى عمون ولا فلسطين، لكن الله أباد عشرة أسباط من شعب إسرائيل وذلك بعد سبى أشور سنة 722 ق. م.

ج – إذاً فالله ليس ضد أحد بل هو ضد الخطية عموماً.

ء – الله لا يجامل إسرائيل بهذه النبوات، بل هو يرسل رسالة تحذير لهذه الشعوب لعلها تتوب، كما أرسل يونان لشعب نبنوى.

 

الآيات 1 – 7 :- و كان الي كلام الرب قائلا. يا ابن ادم اجعل وجهك نحو بني عمون و تنبا عليهم. و قل لبني عمون اسمعوا كلام السيد الرب هكذا قال السيد الرب من اجل انك قلت هه على مقدسي لانه تنجس و على ارض اسرائيل لانها خربت و على بيت يهوذا لانهم ذهبوا الى السبي. فلذلك هانذا اسلمك لبني المشرق ملكا فيقيمون صيرهم فيك و يجعلون مساكنهم فيك هم ياكلون غلتك و هم يشربون لبنك. و اجعل ربة مناخا للابل و بني عمون مربضا للغنم فتعلمون اني انا الرب. لانه هكذا قال السيد الرب من اجل انك صفقت بيديك و خبطت برجليك و فرحت بكل اهانتك للموت على ارض اسرائيل. فلذلك هانذا امد يدي عليك و اسلمك غنيمة للامم و استاصلك من الشعوب و ابيدك من الاراضي اخربك فتعلم اني انا الرب.

نبوة ضد بنى عمون لاحظ فى آية 3 أن حزقيال يتكلم عن خراب الهيكل على أنه قد حدث فى الماضى = قلت هه على مقدسى لأنه تنجس. وعلى أرض إسرائيل لأنها خربت. فهذه الآيات هى ضد بنى عمون الذين فرحوا بسقوط وموت الشعب وخراب الهيكل وفرحت بكل إهانتك للموت = أى فرحت بموتهم وخرابهم، بل أهنتيهم فى بلوتهم، بل هم إستولوا على بعض مدن يهوذا عند سقوطها أمام بابل أر 49 : 1. وهذا تماماً يساوى شماتة الشياطين وفرحهم بخراب آدم وأولاده الذين هم أولاد الله. ولذلك يقول الله للنبى إجعل وجهك نحو بنى عمون = وهذا إعلان بأن الله هو الذى يوجه وجهه ضدهم، فالنبى يتكلم بإسم الرب = وعلى بنى عمون أن يعرفوا بأن الذى يتكلم هو الله السيد الرب = أى أن الأحكام صدرت من الله ضدهم وضد الهتهم (ملكوم). وبنى عمون هم نسل إبن عمى وهو إبن لوط. وكان بنى عمون فى عداء دائم مع اليهود ويتضح من الكلام هنا فرح بنى عمون بخراب الهيكل، إذاً سبب الخلاف كان الدين. والحكم عليها = هأنذا أسلمك لبنى المشرق = أى بابل. وقد خرب البابليون بلاد العمونيون بعد خراب أورشليم بخمس سنوات. ثم دخل العرب هذه البلاد بموافقة الغزاة البابليين وأقاموا صيرهم فيها = أى خيامهم وقد سكنتها قيائل العرب وأكلوا غلتها وشربوا لبنها. بل جعلوا قصورها مناخاً لإبلهم = أى إصطبلاً وزرائب للإبل. والنتيجة فتعلمون أنى أنا الرب = إذاً فالهدف الأساسى لهذه النبوات هو الإنذار الموجه لهذه الشعوب لكى تترك وثنيتها وأصنامها وتعرف الرب. وياليتنا نعرف الرب ونحن فى فرح وسلام ونقدم توبة عوضاً عن أن يضربنا الله للخراب فنعرفه فى خرابنا.

 

الآيات 8 – 11 :- هكذا قال السيد الرب من اجل ان مواب و سعير يقولون هوذا بيت يهوذا مثل كل الامم. لذلك هانذا افتح جانب مواب من المدن من مدنه من اقصاها بهاء الارض بيت بشيموت و بعل معون و قريتايم. لبني المشرق على بني عمون و اجعلهم ملكا لكيلا يذكر بنو عمون بين الامم. و بمواب اجري احكاما فيعلمون اني انا الرب.

نبوة ضد موآب هذه الآيات ضد موآب فهم فرحوا أيضاً بخراب إسرائيل. وهنا ربط الله خطية موآب بخطية سعير فهم متحدين فى نفس الشر (وبنفس المفهوم نجده يربط معهم عمون آية 10 ويقول أن مصيرهم كلهم الخراب = هذا الكلام موجه للشياطين الشامتين فى سقوط الإنسان، والمتحدين فى هجومهم علينا)، وموآب هو الإبن الثانى للوط من إبنتيه، أما سعير فهى أرض أدوم أو عيسو، فكلمة سعير أى كثير الشعر وهكذا كان عيسو. وماذا كانت خطيتهم المشتركة ؟ هم قالوا هوذا بيت يهوذا مثل كل الأمم = أى أن إلههم غير قادر على خلاصهم كما لم يخلص آلهة الشعوب الأخرى شعوبهم أمام الغزو البابلى. فأين الأمجاد والوعود التى طالما حدثونا عنها التى وعدهم بها أنبيائهم. وأين إلههم الذى يحميهم، هو مثل كل الألهة، ولم يعلموا أن هذه الضربات هى ضد الأشرار، ولكن هناك بقية تقية سيتمجد بها الله. ولنلاحظ أن خطايا إسرائيل (وخطايانا) سببت إهانات توجه لله، وهذا عكس "ليرى الناس أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي فى السموات". ولأجل خطايا موآب هأنذا أفتح جانب موآب من المدن = أى أزيل دفاعاتها فتسقط أمام غزو بابل. وغالباً سيتم هذا عند سقوط بنى عمون فى يد بابل فينفتح الطريق لبابل إلى مدن موآب. وستخرب أجمل مدنها التى هى بهاء الأرض مثل بيت بشيموث وغيرها. وحين يأتى العرب ليمتلكوا بنى عمون سيمتلكوا معها موآب. ولاحظ أن العقوبات هنا هى على موآب وبنى عمون ويلى هذا العقوبات على آدوم.

 

الآيات 12 – 14 :- هكذا قال السيد الرب من اجل ان ادوم قد عمل بالانتقام على بيت يهوذا و اساء اساءة و انتقم منه. لذلك هكذا قال السيد الرب و امد يدي على ادوم و اقطع منها الانسان و الحيوان و اصيرها خرابا من التيمن و الى ددان يسقطون بالسيف. و اجعل نقمتي في ادوم بيد شعبي اسرائيل فيفعلون بادوم كغضبي و كسخطي فيعرفون نقمتي يقول السيد الرب.  

هذه الآيات هى ضد آدوم وحده. فآدوم إشترك مع موآب فى خطيته التى سبق فوردت فى (8 – 11). أما الآن فالله الذى لا ينسى شئ، لم ينسى لأدوم خطية جديدة، فأدوم لم يبتهجوا فقط بخراب يهوذا بل هم إستغلوا حالتهم السيئة وضربوهم وسفكوا دمهم وآذوهم أذى حقيقى بغزواتهم قائلين هدوا هدوا حتى الأساس منها مز 137 : 7. وهم ضربوا وقطعوا الهاربين من يهوذا من أمام وجه بابل. ويظهر أنهم فى عملهم هذا كانوا متوحشين جداً لذلك إستخدم الله هنا إسم أدوم = دموى أحمر وليس سعير كما سبق. وعقابهم سيكون بيد شعبى إسرائيل = وقد قام بهذا يهوذا المكابى حين إستولى على أدوم وأخضعها وأرغم حفيده يوحنا هركالوس الأدوميين على الختان وأدخلهم لشعب الله. إلا أنه لو فهمنا أن أدوم رمز للشياطين "فهذا كان قتالاً للناس منذ البدء يو 8 : 44 وهذا معنى دموى" فالمسيح جاء وضربهم بصليبه، وتركهم عرضة لكل المؤمنين، يضربونهم بإسم المسيح. وهذا معنى أن المسيح خرج غالباً (بصليبه) ولكى يغلب (بمؤمنيه الذين يضربون بإيمانهم وصلواتهم الشياطين، وهذا معنى وعد السيد المسيح لنا بأنه أعطانا سلطان أن ندوس الحيات والعقارب (رؤ 6 : 2 + لو 10 : 19)

 

الآيات 15 – 17 :- هكذا قال السيد الرب من اجل ان الفلسطينيين قد عملوا بالانتقام و انتقموا نقمة بالاهانة الى الموت للخراب من عداوة ابدية. فلذلك هكذا قال السيد الرب هانذا امد يدي على الفلسطينيين و استاصل الكريتيين و اهلك بقية ساحل البحر. و اجري عليهم نقمات عظيمة بتاديب سخط فيعلمون اني انا الرب اذ اجعل نقمتي عليهم

نبوة ضد الفلسطينيين  خطية الفلسطينيين كما يبدو هى نفس خطية أدوم. وعقابهم وأستأصل الكريتيين = والكريتيين هم جماعة أتوا من كريت حوالى سنة 1200 ق. م. إلى فلسطين، فهم نواة شعب فلسطين ولاحظ أن خطية أدوم كانت سفك الدماء وظلم شعب الله. ولقد سمعنا هناك أن نقمة الله ضدهم ستكون بيد شعبه إسرائيل، وقلنا أن هذا تم بأن المؤمنين بالمسيح صاروا بعد الصليب لهم قوة على توجيه الضربات للشيطان. وهنا نرى صفة جديدة للشيطان، فهو فى غيظه مما حدث له بالصليب قد صار ينتقم من أولاد الله، وذلك بأن يخدعهم ليتركوا المسيح، سواء بأن يتركوا الإيمان، أو يتركوا طهارتهم، وسواء هذا أو ذاك فهذا يعرضهم للهلاك "ألم يكن الشيطان وما زال قتالاً للناس منذ البدء، وقتال أى يقتلهم روحياً. وهذا معنى = قد عملوا بالإنتقام هم ينتقمون مما لحقهم.. وإنتقموا نقمة من أولاد الله. بالإهانة = فهم يخدعون أولاد الله بالإغراء بملذات الخطايا، ولكن من يسقط فى حبائلهم، فهذا يهين نفسه. وبعد أن كان له سلطان أن يدوس الشيطان، يصير مهاناً بل يعرض نفسه للدوس من الشياطين، بل إلى الموت للخراب. وما يحدث يجب أن نفهم أنه ناتج عن عداوة أبدية بين الإنسان وإبليس. ولكن فليعلم إبليس أن نصيبه هو البحيرة المتقدة بالنار = وأستأصل الكريتيين (رؤ 20 : 10) ولكن المعنى المباشر، أن الله سيهلك الفلسطينين ذوو الأصل الكريتى وغيرهم بسبب خطاياهم وذلك على يد ملك بابل.

ونلاحظ أن خطية بنى عمون كانت الشماتة والسخرية والفرح فى خراب شعب الله. وكانت خطية موآب وبنى عمون وآدوم المشتركة هى عدم تمييز قوة الله، عدم إدراك أن الله قوى وقادر أن ينتقم، لقد تصورا أن طول أناته مدعاة لإستمرارهم فى شرورهم، أو أنه قابل لشرورهم. وكانت خطية آدوم هى قتل وإهلاك شعب الله. وخطية فلسطين هى الإنتقام من شعب الله. وهذه هى خطايا إبليس تماماً. لذلك نقول أن النبوات ضد الأمم هى فى الحقيقة نبوات ضد إبليس، وهذه الأمم ترمز له، وكما أن إسرائيل ترمز للكنيسة جسد المسيح.


 

الإصحاح السادس والعشرون

صور مدينة فينيقية شهيرة ظهرت أولاً على الساحل، ولكن مع الزمن ولأسباب دفاعية، وجد أهل صور جزيرة أمامهم فى البحر فأسسوا عليها مدينة أخرى حملت نفس الإسم، وهذه الجزيرة كانت صخرية مساحتها حوالى 142 فداناً. فصار هناك صور الساحلية على البر وصور البحرية فى البحر. وكانت صور مركزاً للتجارة العالمية ومركزاً للمال وتجارها كانوا كالأمراء والرؤساء (أش 23). وحينما سقطت يهوذا فرحت صور بسقوطها وذلك لأن تجارة يهوذا ستتحول إليهم ويزداد غناهم. وهذه المدينة تأسست سنة 2750 ق. م. فهى قديمة جداً. ولكن صور هذه تشير لمحبة المال، وهذه أيضاً خطية قديمة جداً قدم صور نفسها. والسيد المسيح لمعرفته بما للمال من سلطان على النفوس قال "لا يمكن لأحد أن يعبد سيدين الله والمال" وحب المال يقود للطمع، فمن يحب المال لا يشبع. فهو كالماء الذى كل من يشرب منه يعطش والله عبر الإصحاحات 26، 27، 28 يشرح فناء وخراب مملكة المال فى العالم فمن يكنز لنفسه كنوزاً فى العالم ومن يحب المال ويفرح بإكتنازه سوف يخسر خسارة كبيرة حين ينتهى هذا العالم... وهو بلا شك سينتهى أو سنغادره نحن قبل أن ينتهى. أما من وضع كنوزه فى السماء حيث لا لصوص ولا سوس فهذا هو الذى يربح الأبدية. والمال فى حد ذاته ليس خطية ولكن عبادته ومحبته ووضع رجاءنا فيه والطمع وحب الزيادة فى الممتلكات وشهوة التعظم والإفتخار بما لدينا، والإتكال على الأموال... هذه هى الخطايا

ولقد حاصر نبوخذ نصر صور فترة طويلة، نقل خلالها الصوريين كل ممتلكاتهم إلى الجزيرة وتركوها فارغة، فلما دخلها نبوخذ نصر لم يجد أى شئ، ومن غيظه سواها بالأرض ودمرها تدميراً كاملاً. ثم بعد سنين حاصرها الإسكندر الأكبر، ففعلوا نفس الشئ ونقلوا كل شئ إلى الجزيرة ولكن الإسكندر ثغرها ودخلها، ولكنه دمرها وإستغل أنقاضها فى ردم البحر بين المدينة الساحلية والجزيرة ووصل للجزيرة وأسقطها وأخضعها. فى الإصحاح السابق رأينا صورة لحقد الشيطان وشماتته ودمويته ورغبته فى هلاك الإنسان، وهنا نرى وسيلة من وسائله، ألا وهى المال الذى صار صنماً يعبد بدلاً من الله، فصور تمثل مملكة المال فى الأرض، ولكن لنلاحظ أنها ستخرب. وإبليس فعلاً جعل المال إلهاً يتكل عليه الإنسان بدلاً من الله، ويرى فيه الإنسان الأمان والقوة والسلطة، وهدفاً يسعى إليه.

 

الآيات 1 – 14 :- و كان في السنة الحادية عشرة في اول الشهر ان كلام الرب كان الي قائلا. يا ابن ادم من اجل ان صور قالت على اورشليم هه قد انكسرت مصاريع الشعوب قد تحولت الي امتلئ اذ خربت. لذلك هكذا قال السيد الرب هانذا عليك يا صور فاصعد عليك امما كثيرة كما يعلي البحر امواجه. فيخربون اسوار صور و يهدمون ابراجها و اسحي ترابها عنها و اصيرها ضح الصخر. فتصير مبسطا للشباك في وسط البحر لاني انا تكلمت يقول السيد الرب و تكون غنيمة للامم. و بناتها اللواتي في الحقل تقتل بالسيف فيعلمون اني انا الرب. لانه هكذا قال السيد الرب هانذا اجلب على صور نبوخذراصر ملك بابل من الشمال ملك الملوك بخيل و بمركبات و بفرسان و جماعة و شعب كثير. فيقتل بناتك في الحقل بالسيف و يبني عليك معاقل و يبني عليك برجا و يقيم عليك مترسة و يرفع عليك ترسا. و يجعل مجانق على اسوارك و يهدم ابراجك بادوات حربه. و لكثرة خيله يغطيك غبارها من صوت الفرسان و العجلات و المركبات تتزلزل اسوارك عند دخوله ابوابك كما تدخل مدينة مثغورة. بحوافر خيله يدوس كل شوارعك يقتل شعبك بالسيف فتسقط الى الارض انصاب عزك. و ينهبون ثروتك و يغنمون تجارتك و يهدون اسوارك و يهدمون بيوتك البهيجة و يضعون حجارتك و خشبك و ترابك في وسط المياه. و ابطل قول اغانيك و صوت اعوادك لن يسمع بعد. و اصيرك كضح الصخر فتكونين مبسطا للشباك لا تبنين بعد لاني انا الرب تكلمت يقول السيد الرب. 

هه قد إنكسرت مصاريع الشعوب = فرحت صور بإنكسار أبواب أورشليم ودمارها وعلى ذلك فتجار الشعوب سيتحولون عن أورشليم إلى صور قد تحولت إلىَ. امتلئ إذ خَرِبَتْ = أى يزداد غنى صور بخراب أورشليم. ولنلاحظ أن تجار صور هم أغنى تجار العالم ولكنهم لا يكتفون بل يفرحون بخراب أورشليم،مع العلم بأنه لا توجد أى عداوة بين صور وأورشليم، وذلك ليس بسبباً إلا زيادة أرباحهم. ولكن ما هى نهاية مملكة المال والطمع =أُصعد عليك أمما كثيرة = لخرابك. وهذه تساوى تماماً "يا غبى فى هذه الليلة تؤخذ نفسك" وسيكون الأعداء = كما يعلى البحر أمواجه = فحيث إنتظروا من البحر زيادة مراكب التجار أتى لهم بدلاً منها أمواج تغرقهم. وبعد أن كانت صور مدينة جميلة جداً ستخرب تماماً بل أسحى ترابها = أى أزيل حتى ترابها وأكشطه. هو خراب تام وأصيرها ضح ضح الصخر = وتعود صخور عارية. ومبسطاً للشباك = يفرد عليها الصيادون شباكهم. ولقد بدأ نبوخذ نصر هذا الخراب كما ذكرنا قبلاً وأتمه فعلاً بعد ذلك الإسكندر الأكبر. وبناتها يقتلون = هى المدن التى أسستها صور، هذه ستهلك وتخرب إذ تخرب صور نفسها لتوقف التجارة، فصور، هى الأم التى تدير التجارة. ونجد النبى هنا يسمى ملك بابل نبوخذ راصر = وهذا النطق هو الأقرب للإسم البابلى وهو "نبو كدرى أصر أى ليحم نبو حدودى" فكان اليهود يسمونه نبوخذ نصر فى أورشليم، فلما ذهبوا إلى بابل أسموه نبوخذ راصر ولاحظ أن الذى يهدم صور هو جيش جبار يقيم أبراج ومترسة وله أدوات حرب. وهكذا فالعالم به الآن قوة حربية هائلة، وبه قوة إقتصادية مالية جبارة، والبشر فى غى يفرحون بزيادة ممتلكاتهم غير عالمين بأن هذه القوة الحربية ستدمر يوماً كل إقتصاد العالم ومنظره. فهذا العالم سيزول يوماً.

ويغطيك غبارها = تفقد رؤية كل شئ وتخسر جمالها فلا يأتى إليها التجار.

وتسقط أنصاب عزك = الأنصاب هى تماثيل مرتبطة بآلهتهم.

ويبطل أغانيها = لن يضيع فقط شكلها بل أفراحها العالمية، التى كانوا يستخدمون نقودهم فيها. فطوبى لمن كنز أمواله فى السماء، وكان له بدلاً من أفراح العالم أفراحاً روحية، وأوقاتاً روحية تحسب له كمن هو فى السماء

 

الآيات 15 – 21 :- هكذا قال السيد الرب لصور اما تتزلزل الجزائر عند صوت سقوطك عند صراخ الجرحى عند وقوع القتل في وسطك. فتنزل جميع رؤساء البحر عن كراسيهم و يخلعون جببهم و ينزعون ثيابهم المطرزة يلبسون رعدات و يجلسون على الارض و يرتعدون كل لحظة و يتحيرون منك. و يرفعون عليك مرثاة و يقولون لك كيف بدت يا معمورة من البحار المدينة الشهيرة التي كانت قوية في البحر هي و سكانها الذين اوقعوا رعبهم على جميع جيرانها. الان ترتعد الجزائر يوم سقوطك و تضطرب الجزائر التي في البحر لزوالك. لانه هكذا قال السيد الرب حين اصيرك مدينة خربة كالمدن غير المسكونة حين اصعد عليك الغمر فتغشاك المياه الكثيرة. اهبطك مع الهابطين في الجب الى شعب القدم و اجلسك في اسافل الارض في الخرب الابدية مع الهابطين في الجب لتكوني غير مسكونة و اجعل فخرا في ارض الاحياء. اصيرك اهوالا و لا تكونين و تطلبين فلا توجدين بعد الى الابد يقول السيد الرب

بسقوط صور تتزلزل الجزائر = فهى فى عظمتها لم يتصور أحد ما حدث لها، وصارت كل الجزائر حولها مرتعدة من أن يأتى الدور عليها هى أيضاً. والجزائر المقصود بها السواحل والجزر التى تاجرت صور معها.

وتنزل جميع رؤساء البحر عن كراسيهم = من الخوف سيتوارى كبار التجار الذين يعتبرون كما لو كانوا رؤساء البحر. ويخلعون جببهم = فظهورهم بمجدهم وثرائهم سيجعل ملك بابل يحطمهم كما حطم صور الأعظم والأقوى والأحصن. يلبسون رعدات = ويصيرون فى رعدة وحيرة. ويرفعون عليك مرثاة = بينما حين خربت أورشليم لم تجد من يرثيها، ولكن بينما خربت صور نهائياً، عاد الله وأقام أورشليم. فأولاد الله يؤدبهم الله ولا يجدوا من يشفق عليهم ويحن عليهم سوى الله الذى يؤدبهم ثم يرحم. أما الأشرار ففى سقوطهم يرثيهم العالم، ولكن يكون سقوطهم بلا قيام. ونجد أن العالم يحزن لسقوط وزوال الأماكن الشريرة (رؤ 18 : 9). ومما يفاقم الوضع عظمة صور وجمالها السابق ولكن الآن أصيرك مدينة خربة كالمدن غير المسكونة. وأصعد عليك الغمر = كانت الأمواج سابقاً سوراً لها ودفاعاً ولكن الآن حين أراد الله ستصبح هذه الأمواج لخرابها. وأهبطك مع الهابطين فى الجب = هذا مصير مملكة المال والطمع ومحبة العالم، فبقدر ما تبدو جذابة وبراقة ويشتهيها الكثيرون، لكن هذه هى نهايتها الأكيدة. حقاً قال سليمان الحكيم "باطل الأباطيل الكل باطل.. وقبض الريح" ومهما أرتفع شئ فى هذا العالم، فهو سيتضع يوماً، أما من يتواضع أمام الله فسيرفعه الله ويجعله فى السماويات. إذاً هو عالم مخادع كالسراب وكثيرين خدعوا به منذ بدء العالم وكان مصيرهم أسافل الأرض. وهذا سيكون نصيب صور مثل شعب القدم = أى مثل كل من أحب شهوة هذا العالم. المصير هو الخرب الأبدية. والعكس أجعل فخراً فى أرض الأحياء = أرض الأحياء هى الأرض المقدسة. فقد عاد الله لأورشليم وكان فخراً لها حين عادت أورشليم لله. ولكن هناك معنى أبعد من هذا، فإن من أختار الله هنا على الأرض فسيسكن فى أورشليم السمائية حيث مسكن الله مع الناس وحيث يكون المسيح شمس هذه المدينة وفخرها، ومن أختار شهوة العالم فمكانه الخرب الأبدية. وأصيرك أهولاً = فمن العدل أن من ظلموا وأرعبوا غيرهم أن يكونوا فى رعب. بل ولا تكونين = فأين صور العظيمة اليوم، وكم مثلها من ممالك إنتهت وتُطلبين فلا توجدين = حقاً توجد صور اليوم ولكن لا يكاد يعرفها أحد، فأين صور المملكة العظيمة الآن لو طلبها أحد لما وجدها. من أجل هذا الخراب المنتظر أن يحدث فنحن المسيحيين لا نطلب العالم بل ننتظر المدينة الأبدية الباقية.


 

الإصحاح السابع والعشرون

تفسير لبعض الكلمات الواردة فى الإصحاح 1- سنير (5) هو الإسم الأمورى المرادف لحرمون تث 3 : 9   2- البقس (6) شجر كالآس وخشبه صلب ثمين وإستخدامه يدل على العظمة والغنى، خصوصاً بتطعيم العاج فيه   3- كتيم (6) كانت أصلاً تعنى قبرص، ثم صارت تعنى كل جزر البحر الأبيض وسواحله البعيدة. 4- القلافون (9) هم عمال صيانة المراكب أثناء رسوها، فهم يسدون الثغرات ثم يطلونها بالقار. 5 – لود (10) ليديا – فوط (10) ليبيا  ترشيش (12) هى ميناء فى أسبانيا  6- الواحك (5) الألواح التى تصنع منها المراكب  7- حنطة منيت (17) قمح من بلدة فى كنعان إسمها منيت. وكل أرض كنعان كانت أرض حنطة كما ورد فى تث 8:8    8 - حلاوى (17) هو نوع من الحبوب تصنع منها الحلوى.  9 – البلسان (17) راتنج يستخرج من بعض الأشجار ويصنع منه مرهم عطرى ويستخدم كدواء ومسكن للألم.

10 – أصونة مبرم (24) صناديق لحفظ النفائس  11 – معكومة (24) مربوطة  12- المسكتة = (32) المدمره

 

الآيات 1 – 25 :- و كان الي كلام الرب قائلا. و انت يا ابن ادم فارفع مرثاة على صور. و قل لصور ايتها الساكنة عند مداخل البحر تاجرة الشعوب الى جزائر كثيرة هكذا قال السيد الرب يا صور انت قلت انا كاملة الجمال. تخومك في قلب البحور بناؤوك تمموا جمالك. عملوا كل الواحك من سرو سنير اخذوا ارزا من لبنان ليصنعوه لك سواري. صنعوا من بلوط باشان مجازيفك صنعوا مقاعدك من عاج مطعم في البقس من جزائر كتيم. كتان مطرز من مصر هو شراعك ليكون لك راية الاسمانجوني و الارجوان من جزائر اليشة كانا غطاءك. اهل صيدون و ارواد كانوا ملاحيك حكماؤك يا صور الذين كانوا فيك هم ربابينك. شيوخ جبيل و حكماؤها كانوا فيك قلافوك جميع سفن البحر و ملاحوها كانوا فيك ليتاجروا بتجارتك. فارس و لود و فوط كانوا في جيشك رجال حربك علقوا فيك ترسا و خوذة هم صيروا بهاءك. بنو ارواد مع جيشك على الاسوار من حولك و الابطال كانوا في بروجك علقوا اتراسهم على اسوارك من حولك هم تمموا جمالك. ترشيش تاجرتك بكثرة كل غنى بالفضة و الحديد و القصدير و الرصاص اقاموا اسواقك. ياوان و توبال و ماشك هم تجارك بنفوس الناس و بانية النحاس اقاموا تجارتك. و من بيت توجرمة بالخيل و الفرسان و البغال اقاموا اسواقك. بنو ددان تجارك جزائر كثيرة تجار يدك ادوا هديتك قرونا من العاج و الابنوس. ارام تاجرتك بكثرة صنائعك تاجروا في اسواقك بالبهرمان و الارجوان و المطرز و البوص و المرجان و الياقوت. يهوذا و ارض اسرائيل هم تجارك تاجروا في سوقك بحنطة منيت و حلاوى و عسل و زيت و بلسان. دمشق تاجرتك بكثرة صنائعك و كثرة كل غنى بخمر حلبون و الصوف الابيض. و دان و ياوان قدموا غزلا في اسواقك حديد مشغول و سليخة و قصب الذريرة كانت في سوقك. ددان تاجرتك بطنافس للركوب. العرب و كل رؤساء قيدار هم تجار يدك بالخرفان و الكباش و الاعتدة في هذه كانوا تجارك. تجار شبا و رعمة هم تجارك بافخر كل انواع الطيب و بكل حجر كريم و الذهب اقاموا اسواقك. حران و كنة و عدن تجار شبا و اشور و كلمد تجارك. هؤلاء تجارك بنفائس باردية اسمانجونية و مطرزة و اصونة مبرم معكومة بالحبال مصنوعة من الارز بين بضائعك. سفن ترشيش قوافلك لتجارتك فامتلات و تمجدت جدا في قلب البحار.

إرفع مرثاة على صور = صور فى عظمتها ستخرب وتصير كلا شئ، وهذا محزن جداً لله، ولكن هكذا هى الخطية تخرب وتدمر كل شئ. ولذلك نجد الله يطلب من النبى أن يرفع مرثاة على صور، فصور صنع يديه وكان يود لو لم تخرب. هنا يشبه صور بسفينة، فهى دولة بحرية كل تجارتها فى السفن فكان هذا التشبيه مناسباً جداً. وهذه السفينة لها ألواح (آية 5) وسوارى (5) ومجاديف ومقاعد (6) وأشرعة (7) ولها ملاحون (8) وربابنة وقلافون (9). بل لها أسلحة دفاعها وجيشها وأبراجها وأتراسها. ولها تجارة فى كل شئ. فهى فاخرة فى صناعتها وطاقمها ممتاز ولا ينقصها شئ. ولكن من الملاحظ أن فى هذا الإصحاح ذكرت أسماء كثيرة (سنير، لبنان، باشان، كتيم، مصر إليشة، صيدون... الخ) وهذه الأمم تقريباً تشمل العالم المعروف وقتئذ. كلهم إشتركوا فى صنع هذه السفينة، سفينة صور. فماذا تكون هذه السفينة سوى الجنس البشرى، الإنسان، عمل يدى الله محب البشر الذى خلقه وسلطه على كل الخليقة. ولم يرد أن يحرمه من شئ بل أشبعه من كل شئ، ولنقرأ تفاصيل الخيرات الموجودة فى هذا الإصحاح، ولنتأمل خيرات الله التى أفاض بها علينا من أنواع مأكولات ومشروبات، من ألوان وروائح، من خامات فى الأرض وفى باطن البحر، من توابل و.... الخ. وتشبيه السفينة مناسب جداً فهو يشير إلى رحلة الحياة التى يعيشها الإنسان فى العالم ليدخل إلى الميناء فى نهاية رحلة حياته. وكأن المرثاة لم تكن فقط على صور، بل على كل الجنس البشرى بسبب خرابه وما حدث له نتيجة الخطية. ولكن ما هى هذه الخطية التى سقط فيها الجنس البشرى. لقد خلقة الله جميلاً جداً، وسر جماله راجع إلى الله ولكنه سقط حين قال أنا كاملة الجمال (آية 3). أى حين شعر أن جماله راجع لنفسه، وليس راجعاً لله، فوقع فى خطية الكبرياء والإنفصال عن الله. وهذا الإنفصال عن الله هو الذى أدى للموت وفساد الطبيعة البشرية. ولذلك حزن الله الآب المحب على أولاده، وها هو يرثيهم فى هذا الإصحاح. ولاحظ أن الله خلق السفينة أى الإنسان وبها كل ما تحتاجه لتبحر بسهوله وأمان، وأعد لها كل أنواع الأسلحة للدفاع عن نفسها ضد عدوها الشيطان. ولكن للأسف سقطت فى نفس سقطة الشيطان. فسقطة الشيطان أنه شعر بأن جماله وقوته هو مصدرها وليس الله فسقط. ولكن الإنسان بلا عذر فالله أعد له كل شئ. ولكن شكراً لله فلم يكن خراب هذه السفينة نهاية للإنسان بل كانت هناك سفينة أخرى، سفينة نوح التى ترمز للكنيسة أو الإنسانية  المتمتعة بالخلاص الإلهى، والمتجددة خلال صليب المسيح. ولذلك تبنى الكنائس على شكل سفن.

الآيات 11 – 19 :- هنا نرى غرق المركب المشار إليه فى الآيات السابقة أى سقوط صور العظيم، والسبب حماقة ملاحيها حين أتوا بها إلى مياه كثيرة = عميقة وخطيرة. وسقوط صور هنا هو رمز لسقوط الجنس البشرى كله فى مياه الموت العميقة بلا أمل فى نجاة. وسقوط صور كانت المياه العميقة فيه إشارة لحماقة رؤسائها إذ تحدوا نبوخذ نصر فدمرهم. والمياه الكثيرة العميقة للجنس البشرى كانت فى عصيان وصايا الله وبالتالى الإنفصال عنه، والنتيجة الطبيعية هى الموت "إن أكلت موتاً تموت". وكان غضب نبوخذ نصر على صور مثل الريح الشرقية كسرت السفينة. وهذه الريح الشرقية هى رمز لغضب الله على الإنسان. والكل سقط، السفينة بمن فيها. (آية 27). وكان صراخ للربابنة = فهم الذين قادوا السفينة لذلك، وهو صراخ وأنين البشر الآن وهذا يظهر فى علامات الحزن يذرون تراباً ويجعلون فى أنفسهم قرعة = أى يحلقون رؤوسهم كعلامة حزن. ويتنطقون بالمسوح. ولنلاحظ أن هذه الآيات تنطق أيضاً على خراب العالم النهائى فى الأيام الأخيرة (وراجع رؤ 18). وهذه الصورة تتكرر دائماً لكل مكان فيه خطية ولكل نفس خاطئة. ويتحير الناس ويقشعرون وملوكهم يضطربون والتجار يصفرون = متعجبين من الأهوال والخراب. ولكن لا داعى للعجب فياليت كل نفس تعلم أن الخطية نتيجتها الأهوال والدمار، وبدلاً من أن نتحير فلنقدم توبة فنجد سلاماً لنفوسنا. 


 

الإصحاح الثامن والعشرون

تبرز فى هذا الإصحاح شخصيتين، أولها ملك صور الفعلى وثانيهما هو ملك لعين فائق للطبيعة مسيطر على قلب الرئيس الصورى، شحنه بالكبرياء، وإقتاده إلى تحدى جيوش بابل التى أرسلها الله عليه. ونفس الأمر نجده يتكرر فى أش 14 فنرى من هو مسيطر على قلب ملك بابل. وهذا ما قصده معلمنا بولس الرسول حين قال "إن محاربتنا ليست مع لحم ودم بل مع قوات شر روحية (أف 6). فالقوة الفائقة الطبيعة التى تسيطر على البشر هى الشياطين، وهم يحاولون أن يسيطروا على قلوب الرؤساء والملوك لكى يسببوا أقصى الآلام للبشر حتى يجدفوا كما صنعوا مع أيوب، وهم أقوياء جداً (راجع دا 10 : 12، 13) والسيد المسيح يسمى الشيطان رئيس هذا العالم (يو 14 : 30) وفى سفر دانيال نسمع عن رئيس فارس ورئيس اليونان، أى الشياطين التى تحرك رؤساء هذه الأمم (دا 10 : 20). هذه الشياطين تحاول أن تخضع قلوب هؤلاء الملوك لشرورهم، والهدف إلحاق أكبر أذى ممكن بالبشر. وكما فى أش 14 وفى هذا الإصحاح كان الكلام فى بدايته عن ملك أرضى (بابل هناك فى أشعياء، وصور هنا فى حزقيال) ولكن الوحى يدفع النبى هنا أو هناك، أن تتخذ ألفاظه إتجاهاً آخر فيعبر عن الشيطان القوة الخفية التى تحرك هؤلاء الملوك. بل فى أش 14، حز 28 نرى أن هؤلاء الملوك، ملك بابل، وملك صور صارا رمزاً للشيطان.

فملك بابل بقوته الجبارة، وسحقه للشعوب حوله كان يرمز للشيطان فى جبروته وقوته وإذلاله للبشر. وملك صور الذى تجارته موجودة فى كل العالم وهو غنى جداً وتجاره رؤساء، كان يرمز للشيطان الذى تجارته وبضاعته تملأ العالم كله، وبضاعة الشيطان التى يبيعها للناس هى الخطية. وفى غنى ملك صور نرى المال الذى صار إلهاً يتعبد له الناس. ولكننا نرى خراب بابل وخراب صور، وهذه نبوات عن خراب دولة الشيطان وإنتهاء قوته وفساد بضائعة، وهذا بدأ بالصليب

وكما حدث فى هذا الإصحاح حز 28، وفى أش 14 إذ كان الكلام يدور حول ملك أرضى، ثم يتحول الكلام ليصبح عن الشيطان صراحة، سنجد أن نفس المنهج سلكه دانيال النبى فى دا 11 : 26 – 38 إذ كان يتكلم عن ملك أرضى شرير هو أنطيخوس إبيفانيوس الذى إضطهد شعب الله بشرور كثيرة ثم تحول الكلام عن ضد المسيح الذى سيأتى فى أواخر الأيام ويقوم بنفس الشئ، بل سيعطيه الشيطان كل قوته رؤ 13 : 2، 7 وهنا أيضاً كان أنطيوخس إبيفانيوس هذا رمزاً لضد المسيح

 

الآيات 1 – 10 :- و كان الي كلام الرب قائلا. يا ابن ادم قل لرئيس صور هكذا قال السيد الرب من اجل انه قد ارتفع قلبك و قلت انا اله في مجلس الالهة اجلس في قلب البحار و انت انسان لا اله و ان جعلت قلبك كقلب الالهة. ها انت احكم من دانيال سر ما لا يخفى عليك. و بحكمتك و بفهمك حصلت لنفسك ثروة و حصلت الذهب و الفضة في خزائنك. بكثرة حكمتك في تجارتك كثرت ثروتك فارتفع قلبك بسبب غناك. فلذلك هكذا قال السيد الرب من اجل انك جعلت قلبك كقلب الالهة. لذلك هانذا اجلب عليك غرباء عتاة الامم فيجردون سيوفهم على بهجة حكمتك و يدنسون جمالك. ينزلونك الى الحفرة فتموت موت القتلى في قلب البحار. هل تقول قولا امام قاتلك انا اله و انت انسان لا اله في يد طاعنك. موت الغلف تموت بيد الغرباء لاني انا تكلمت يقول السيد الرب.

خطية ملك صور أن = إرتفع قلبك وقلت أنا إله = ولاحظ أن هذه الخطية هى نفسها خطية الشيطان أى الكبرياء. وربما ظن الملك أن صور بل العالم كله يعتمدون عليه، كما يعتمد العالم كله على الله. وأن كلمته قانون إلهى. وعلى الناس أن تسبحه وتكرمه مثل الله. وهو جعل قلبه كقلب الآلهه = هو خدع نفسه مفتكراً أنه قادر أن يحكم العالم كإله. وهو فى مكانه فى صور فى قلب البحار ولكن الله يذكره بأنه إنسان لا إله. وها أنت أحكم من دانيال = واضح أن حكمة دانيال قد ذاعت وإشتهرت فى العالم. سر ما لا يخفى عليك = قد يكون ملك صور قد تصور أنه أحكم من دانيال. عموماً فمن زاد غناه يتصور أنه قادر أن يفعل بماله ما يريد، يرفع من يشاء ويذل من يشاء، ومع الوقت يظن هذا الغنى فى نفسه أنه إله وأنه قادر وأنه حكيم وأنه كل شئ.

ويتضح أنه فى الآيات 1 – 10 أن الكلام عن ملك صور الأرضى والشيطان كلام متداخل، أى يمكن تطبيقه على ملك صور ويمكن أيضاً تطبيقه على الشيطان ولكن فى الآيات 11 – 19 سيكون الكلام متجهاً بوضوح عن الشيطان وحده. ولذلك نأخذ من هذه الآية أنت أحكم من دانيال، حكمة وسر لا يخفى عليك أن الشيطان (وهو من رتبة الكاروبيم المملوئين عيوناً أى حكمة) حكيم جداً، لكن للأسف فحكمته شريرة، ويمكن تسميتها خبث ودهاء. ولا يستبعد أن الكلام كان على ملك صور، وتكون حكمته وكشف بعض الأسرار له عن طريق الشيطان الذى يقوده، وهذا ما قصده معلمنا يعقوب بالحكمة الشيطانية يع 3 : 15. وبهذه الحكمة حصل أموالاً وكنوزاً، فهى حكمة أرضية، أقصى ما تبلغ إليه هو مجد هذا العالم، ولكن هذا العالم سيزول. أما الحكمة التى من فوق فتعلمنا أن نطلب ما هو فوق. وماذا فعل بما إكتنزه ؟ إرتفع قلبك بسبب غناك والعقاب سآتى بغرباء عليك = فمن كل من تعاملوا مع صور لم نجد بابل بينهم. فربما لو تعاملوا معهم لكانوا قد أشفقوا من أن يدمروهم كل هذا التدمير. وهم عتاة الأمم = أى تدميرهم سيكون شديداً. ضد بهجة حكمتك = أى ضد كل ما كان يبهجك وقد صنعته بحكمتك وينزلونك إلى الحفرة = أى تموت. موت القتلى فى قلب البحار = أى بلا دفن. ونحن نعلم من سفر الرؤيا أن نهاية الشيطان تكون فى البحيرة المتقدة بالنار (رؤ 20 : 10) وسيموت ميتة حقيرة كموت الغلف فقد كان الفينيقيون يمارسون الختان ويعتبرون من يموت أغلفاً يكون محتقراً وفى عار عظيم، فهو لن يموت فقط بل يموت فى عار عظيم ويذهب لدرجة مهينة فى الهاوية.

 

الآيات 11 – 19 :- و كان الي كلام الرب قائلا. يا ابن ادم ارفع مرثاة على ملك صور و قل له هكذا قال السيد الرب انت خاتم الكمال ملان حكمة و كامل الجمال. كنت في عدن جنة الله كل حجر كريم ستارتك عقيق احمر و ياقوت اصفر و عقيق ابيض و زبرجد و جزع و يشب و ياقوت ازرق و بهرمان و زمرد و ذهب انشاوا فيك صنعة صيغة الفصوص و ترصيعها يوم خلقت. انت الكروب المنبسط المظلل و اقمتك على جبل الله المقدس كنت بين حجارة النار تمشيت.  انت كامل في طرقك من يوم خلقت حتى وجد فيك اثم. بكثرة تجارتك ملاوا جوفك ظلما فاخطات فاطرحك من جبل الله و ابيدك ايها الكروب المظلل من بين حجارة النار. قد ارتفع قلبك لبهجتك افسدت حكمتك لاجل بهائك ساطرحك الى الارض و اجعلك امام الملوك لينظروا اليك. قد نجست مقادسك بكثرة اثامك بظلم تجارتك فاخرج نارا من وسطك فتاكلك و اصيرك رمادا على الارض امام عيني كل من يراك. فيتحير منك جميع الذين يعرفونك بين الشعوب و تكون اهوالا و لا توجد بعد الى الابد.

واضح جداً أن هذا الكلام لا يمكن أن يقال فى أى رئيس على الأرض. إنما نجد هنا وصفاً لحالة الشيطان الأصلية قبل سقوطه ثم سقوطه. فالله لم يخلق إبليس كما هو، بل خلق كائناً روحياً طاهراً عظيم الحكمة والبهاء. لكن هذا الروح تكبر على الله. وإذا علمنا أن صور تعنى محنة، فيكون الشيطان بعد سقوطه هو سبب المحن التى تعانى منها البشرية. ولاحظ وصف الشيطان قبل سقوطه خاتم الكمال = فقد كان من طغمة الكاروبيم حاملى العرش ملآن حكمة = فالكاروبيم مملوئين عيوناً. كامل الجمال = إذ يعكس بهاء الله عليه. ولكن سقطته جاءت من أنه ظن أنه هو مصدر جماله فإنفصل عن الله. كنت فى عدن جنة الله = هنا سؤال لن نعرف الإجابة عليه الآن.. هل كان الشيطان متولياً أمور هذا العالم قبل سقوطه وظل فيه بعد سقوطه ؟ ولن يستطع أحد أن يجزم بشئ ولكن واضح من الآية أنه كان فى جنة عدن قبل سقوطه، أى كان على الأرض. كل حجر كريم ستارتك = الأحجار الكريمة المذكورة هى إشارة للفضائل التى كان يتحلى بها يوم خلقه الله، وستارتك أى أن هذه الفضائل كانت تغطيك أنشأوا فيك صنعة صيغة الفصوص وترصيعها = وفى ترجمة أخرى صياغة الدفوف الصغيرة والمزامير. أى معنى قيادته للجوقة السماوية فى تسبيحها. ويكون المعنى الرمزى لو فهمنا كلمة عدن بمعناها اللغوى أى بهجة. أنه كان فى فرح سماوى مسبحاً الله طوال الوقت مملوءاً من كل الفضائل. وأقامه الله للخدمة أمامه على جبل الله المقدس = أى يخدم الله فى علو سمائه، فهذا معنى الجبل. وتمشى وسط حجارة النار = الملائكة طبيعتهم نارية عب 1 : 7. وهكذا كان الشيطان. وهنا قوله تمشى وسط حجارة النار، أى كنت وسط الملائكة، الكاروبيم والسيرافيم المتقدون ناراً. إذاً فلم يكن له عذر فى سقوطه، فالملائكة الباقين لم يسقطوا. وكان كاملاً فى طرقه إلى أن وجد فيه إثم = والمعنى أن الله قد خلقه كاملاً والإثم وجد فيه بعد ذلك، وبالتالى يكون هو المسئول عن هذا. وفى الآية 16 نجد ترابطاً وثيقاً بين ملك صور والشيطان. فالشيطان بكثرة تجارته ملأ جوف الملك إثماً وظلماً = فهو حين سقط وطُرِح من جبل الله أخذ يحاول إسقاط الأخرين معه. ولكن تحذير الله أبيدك = فهذا هو مصيره. وسينظره الملوك ويتحيرون أن هذا الجبار سقط مثلهم. وكما خرب ملك صور سيخرب الشيطان يوماً. وتخرج ناراً وتأكله وأصيرك رماداً على الأرض = كم رأى أباؤنا القديسين هذا المنظر، إذ كانوا يرون الشيطان يحترق ويتحول دخاناً بقوة علامة الصليب. ولاحظ رقة قلب الله، فمع كل ما يفعله الشيطان، يبدأ الله هذه الآيات بقوله إرفع مرثاة، فهو يرثى هذا المخلوق الذى كان رائعاً، كما بكى السيد المسيح على أورشليم، وبكى الإنسانية المعذبة على قبر لعازر.

 

الآيات 20 – 23 :- و كان الي كلام الرب قائلا. يا ابن ادم اجعل وجهك نحو صيدون و تنبا عليها. و قل هكذا قال السيد الرب هانذا عليك يا صيدون و ساتمجد في وسطك فيعلمون اني انا الرب حين اجري فيها احكاما و اتقدس فيها. و ارسل عليها وبا و دما الى ازقتها و يسقط الجرحى في وسطها بالسيف الذي عليها من كل جانب فيعلمون اني انا الرب.

هنا نبوات ضد صيدون التى إستغلت خراب أورشليم وهجمت على شعب الرب وباعتهم عبيدأ لليونانيين (يؤ 3 : 6). فكأن النبوة على صيدون تشير أيضاً للشيطان الذى باع أولاد الله للخطية وإستعبدهم، لذلك ستكون نهايتها أيضاً الخراب كباقى أعداء شعب الله.

 

الآيات 24 – 26 :- فلا يكون بعد لبيت اسرائيل سلاء ممرر و لا شوكة موجعة من كل الذين حولهم الذين يبغضونهم فيعلمون اني انا السيد الرب. هكذا قال السيد الرب عندما اجمع بيت اسرائيل من الشعوب الذين تفرقوا بينهم و اتقدس فيهم امام عيون الامم يسكنون في ارضهم التي اعطيتها لعبدي يعقوب. و يسكنون فيها امنين و يبنون بيوتا و يغرسون كروما و يسكنون في امن عندما اجري احكاما على جميع مبغضيهم من حولهم فيعلمون اني انا الرب الهه

وحينما ينهى الله أعداء شعبه الذين باعوهم عبيداً، فلا يكون لهم سلاء ممرر ولا شوكة = السلاء هو ورد به شوك كثير يسبب ألاماً مُرَة. ولن يحدث هذا إلا حينما يشترى الله كنيسته = أجمع بيت إسرائيل من الشعوب = كيف يجمعهم إن لم يشتريهم أولاً. وهو قد إشترانا بدمه. لاحظ أن هذه النبوة أتت بعد نبوة صيدون مباشرة، هذه التى باعت شعب الرب عبيداً وها هو يجمعهم ثانية. ومعنى باقى الكلام = يسكنون آمنين ويغرسون كروماً = هو أن يعيشوا فى سلام، وهذا عمل  الروح القدس فى الكنيسة. والكروم تنتج الخمر إشارة الفرح :- 1) فرح الله بشعبه 2) فرح الشعب بالرب. ووعد الرب بأن لا يكون سلاء ممرر، تم بالصليب، إذ بالصليب أعطى الله لشعبه نعمة فما عادت الخطية تسود عليهم رو 6 : 14 ولا عاد الموت له سلطان عليهم، بل صار شهوة للقديسين 1كو 15 : 55 + فى 1 : 23........ صار الموت إذاً بلا شوكة، بل صار إنتقال لأفراح أبدية


 

الإصحاح التاسع والعشرون

الإصحاحات من (29) إلى (32) عبارة عن نبوات ضد مصر. ومصر هى مكان العبودية لشعب الله، وكان فرعون يرمز فى كبريائه وإستعباده لشعب الله، للشيطان الذى إستعبد جنس البشر فإذلهم خر 1 : 11. وكما أنقذ الله شعبه من عبودية مصر أنقذ شعبه من عبودية إبليس، بفداء المسيح. وفى هذه الإصحاحات يظهر الله ضعف مصر، وأنه سيعاقبها على كبريائها، حتى يدرك اليهود، شعب الله، فى ذلك الوقت بطلان الإتكال على أحد غير الله، لأن اليهود كانوا كثيراً ينظرون إلى مصر على أنها رجائهم فى الحماية سواء من أشور أو غيرها. (أش 31 : 1 – 3). ولاحظ أن فرعون كان ملكاً وإلهاً فى آن واحد، وبهذا فهو يرمز للشيطان رئيس هذا الدهر وإلهه. ونجد فى هذه الإصحاحات خمس نبوات بخمس تواريخ مختلفة، والمهم أن النبوة الأولى ضد مصر كانت فى نفس الوقت الذى جاء فيه ملك مصر لخلاص أورشليم ولكن المصريين لم يحققوا لشعب الله الخلاص الذى إنتظروه منهم. وفى هذه الإصحاحات وغيرها نجد نبوات صعبة ضد مصر مثل "وتكون أرض مصر مقفرة وخربة 29 : 9...تكون مصر أحقر الممالك 29 : 15.. ويأتى على مصر سيف ويكون فى كوش خوف شديد 30 : 4... أبيد ثروة مصر 30 : 10 وغير هذا كثير. ولقد إدعى البعض أن هذه الآيات وما شابهها هى آيات محرفة، زورها ووضعها اليهود فى كتابهم المقدس لكراهيتهم فى مصر ولكن لنلاحظ الآتى :-

1- لم يكن اليهود فى ذلك الوقت كارهين لمصر، بل كانوا محبين لها، يعتمدون عليها، ويريدون عقد حلف عسكرى معها، لتحميهم. أش 30 : 2 – 4 + أش 31 : 1 – 3. وكانوا جانحين للعودة لحماية المصريين وبالتالى لآلهتهم الوثنية هو 11 : 5 + هو 7 : 11 + هو 8 : 13. وكان من شروط المعاهدات أن يقدموا بخوراً وزيتاً أى عبادة لآلهة المصريين (أو غيرهم) الذين يحتمون بهم

2- الله هنا يظهر لشعب إسرائيل ان مصر مهما كانت قوية، فهى غير قادرة على حماية أحد حز 29 : 6، 7. وذلك ليدفع شعبه لأن يثق فيه ويعتمد عليه، وليس على أحد سواه أش 20 : 1 – 6 + أش 30 : 1 – 7، 31 : 1 – 3

3- الله لا يتعامل فقط مع اليهود، بل هو إله العالم كله، فهو يرسل يونان إلى نينوى الوثنية يدعوها للتوبة، ونجد الله يتعامل مع أيوب وأصدقائه ويكلمهم ويفيض عليهم حكمة ورؤى، وهم ليسوا من شعب إسرائيل، ويعطى الله نبوة واضحة جداً عن المسيح لبلعام النبى الوثنى. لذلك فمن المؤكد أن الله كان يتعامل مع المصريين ويحبهم ويدعوهم لترك العبادة الوثنية وليعرفوا الله.

4- بل أنه لم نسمع أن الله قد بارك شعباً سوى إسرائيل وأشور ومصر أش 19 : 25. ودعوة الله هى بلا ندامة رو 11 : 29

5- إذاً لماذا يهدد الله مصر مع أنه يباركها ؟ المشكلة أن فى مصر خطية عظيمة هى الكبرياء "قال نهرى لى وأنا عملته لنفسى" حز 29 : 3 + حز 31 : 10 والله يريد أن يشفى مصر، فلا بركة بدون شفاء من الخطية. وكيف يشفى الله الكبرياء ؟ لا طريق سوى إذلال المصريين، ليس كراهية فيهم بل حباً كبيراً لهم. فمن يحبه الرب يؤدبه عب 12 : 6. ولاحظ طريقة الشفاء تكون مصراً أحقر الممالك حز 29 : 15 +  أكسر ذراعى فرعون.... فيعلمون إنى أنا الرب حز 30 : 24، 25 إذاً الهدف من الضربات هو كسر الكبرياء، وكسر الكبرياء هو بداية طريق الشفاء.

6- حتى فى أيام الضربات العشر بواسطة موسى نلاحظ حب الله لمصر. فالله حين غضب على أشور أو بابل وصور أو حتى إسرائيل (العشرة أسباط.... وهذه موجهة لمن يتهم الكتاب المقدس بأن اليهود قد حرفوه) حكم الله بإبادة هذه الشعوب (نا 1 : 9 + أش 21 : 1 – 5 + أر 51 : 54 – 58 + حز 27 : 26 + 2مل 17 : 5، 6، 24 وبهذه الأحداث إنتهت مملكة إسرائيل إلى الأبد فى سبى أشور سنة 722 ق. م. فهل حرف اليهود كتابهم ليشهدوا ضد أنفسهم ؟!. وعلى العكس مع مصر. نلاحظ الضربات الخفيفة ضد مصر بالمقارنة مع ضربات الإبادة التى وجهت إلى بابل وأشور وصور وإسرائيل فالله ضرب المصريين بتلويث المياة لفترة ثم بالضفادع ثم بالبعوض... ولما إشتدت ضرباته جداً ضرب الأبكار فقط وترك بقية الشعب، إذاً الله كان يؤدب المصريين فقط ليشفيهم، لا ليبيدهم، وذلك ليتركوا كبريائهم ووثنيتهم حز 30 : 18، 13"

7- هدف الشفاء أن تبدأ البركة، وهذه البركة ستأتى حين يأتى المسيح إلى مصر أش 19 : 1 + هو 11 : 1 + مت 2 : 15. ولقد يارك السيد المسيح أرض مصر كلها، وهذا نلاحظه من رحلته الطويلة فى أرض مصر حتى وصل إلى أسيوط. لذلك قيل مبارك شعبى مصر. فالبركة كانت بمجئ المسيح إليها، ولم يكن المسيح سيأتى إلا لو شفيت مصر من كبريائها، وهذا هو هدف الضربات، هى ضربات مباركة، هدفها البركة والحب للمصريين وليس تزويراً فى الكتاب المقدس. ولقد لخص أشعياء كل ما قلناه فى أش 19 : 22 ويضرب الرب مصر ضارباً فشافياً فيرجعون إلى الرب فيستجيب لهم ويشفيهم. فالله لا يسكن سوى عند المنسحقين إش 57 : 15

8- والله هنا يهدد بأن يذهب المصريين ليتشتتوا بين الأمم، ولكنه يعود ويعدهم بالعودة بعد 40 سنة حز 29 : 10 – 14. فهى ليست ضربة إفناء ولكنها ضربة تأديب، وهذا لم يعمله الله سوى مع يهوذا أر 29 : 10 فلقد ذهبت يهوذا للسبى مدة سبعين سنة أيضاً ولكنها عادت لمكانها، وهكذا مصر. أما إسرائيل (مملكة العشرة أسباط) فلقد ذهبت إلى السبى فى أشور ولم تعد وإنتهت من التاريخ كدولة سنة 722 ق. م. فمن الذى يحبه الله أكثر مصر والمصريين أم إسرائيل (ال 10 أسباط) ولاحظ أن الله يؤدب من يحبه، ويكف عن عقاب وتأديب من لا رجاء فيهم هو 4 : 11 – 14

 

الآيات 1 – 7 :- في السنة العاشرة في الثاني عشر من الشهر العاشر كان الي كلام الرب قائلا. يا ابن ادم اجعل وجهك نحو فرعون ملك مصر و تنبا عليه و على مصر كلها. تكلم و قل هكذا قال السيد الرب هانذا عليك يا فرعون ملك مصر التمساح الكبير الرابض في وسط انهاره الذي قال نهري لي و انا عملته لنفسي. فاجعل خزائم في فكيك و الزق سمك انهارك بحرشفك و اطلعك من وسط انهارك و كل سمك انهارك ملزق بحرشفك. و اتركك في البرية انت و جميع سمك انهارك على وجه الحقل تسقط فلا تجمع و لا تلم بذلتك طعاما لوحوش البر و لطيور السماء. و يعلم كل سكان مصر اني انا الرب من اجل كونهم عكاز قصب لبيت اسرائيل. عند مسكهم بك بالكف انكسرت و مزقت لهم كل كتف و لما توكاوا عليك انكسرت و قلقلت كل متونهم.

قارن مع أر 37 : 5. حيث نرى أن الكلدانيين فكوا الحصار عن أورشليم لفترة، ذهبوا فيها ليحاربوا جيش فرعون، وملك مصر فرعون يسميه هنا التمساح الكبير = والتشبيه مناسب فنهر النيل ملئ بالتماسيح. وفرعون هو تمساح كبير بالنسبة لشعبه الذين هم كالسمك، هو مرعب لهم، ولكن من هو بالنسبة لله. وهذا الفرعون كان إسمه خفرع، ويروى عنه هيرودوتس أنه ملك فى رخاء عظيم لمدة 25 سنة، وإرتفع قلبه بسبب نجاحه، فقال "أن الله نفسه لا يقدر أن ينزعنى عن مملكتى" ويبدو أن هذا الملك شدد صدقيا آخر ملوك يهوذا ليثور على ملك بابل، ووعده أنه سيحارب إلى جانبه.

نهرى لى أنا عملته لنفسى = هو أقام نفسه إلهاً، ولكل واحد منا ذاته التى يعبدها، فالعقول الجسدانية تسر وتتعالى بما تملك ناسية أن الملكية لله وحده وما أعطاه لنا، ما هو إلا وكالة استأمننا عليها، فنحن لا نمتلك حتى أنفسنا. وما عقوبة ذلك ها أنا عليك = أى فوقك ومهما إرتفع إنسان فالله فوقة. وسيحكمه بخزائم فى أنفه = كالعبيد. وكل سمكه اللازق بحرشفة = أى جنوده وقواده، وكل من يعتمد عليه، سيخرجهم الله إلى البرية خارج أنهارهم ليموتوا. وهذا ما حدث لهذا الفرعون فهو خرج ليحارب القيروانيين ليساند ملكهم صديقه الذى كانوا قد طردوه من ملكه، فهزمه القيروانيون، فهربت قوات هذا الفرعون، بل تمردت عليه بلده وإستمر مدة فى البرية = فلا تجمع ولا تلم = أى يموت فى البرية ولن يعتنى به أحد كما هى عادة المصريين فى بناء مقابر عظيمة لملوكهم وإهتمامهم بأجسادهم، فهم يحنطون هذه الأجساد. هذه هى ثمرة الكبرياء، أى عار كان لهذا المتكبر ؟ بل جثثهم ستأكلها الطيور وعكاز قصب = حين يستند عليهم اليهود مزق هذا العكاز أيديهم إذ إنكسر وهذا ما حدث، فلقد إنكسرت مصر أمام بابل، ثم عاد نبوخذ نصر وحطم أورشليم. ومَثَلْ عكاز القصب هذا سبق وقاله سنحاريب أش 36 : 6 وغالباً فلقد نقل سنحاريب هذا القول عن أحد أنبياء يهوذا الرافضين التحالف مع مصر

 

الآيات 8 – 16 :- لذلك هكذا قال السيد الرب هانذا اجلب عليك سيفا و استاصل منك الانسان و الحيوان. و تكون ارض مصر مقفرة و خربة فيعلمون اني انا الرب لانه قال النهر لي و انا عملته. لذلك هانذا عليك و على انهارك و اجعل ارض مصر خربا خربة مقفرة من مجدل الى اسوان الى تخم كوش. لا تمر فيها رجل انسان و لا تمر فيها رجل بهيمة و لا تسكن اربعين سنة. و اجعل ارض مصر مقفرة في وسط الاراضي المقفرة و مدنها في وسط المدن الخربة تكون مقفرة اربعين سنة و اشتت المصريين بين الامم و ابددهم في الاراضي. لانه هكذا قال السيد الرب عند نهاية اربعين سنة اجمع المصريين من الشعوب الذين تشتتوا بينهم. و ارد سبي مصر و ارجعهم الى ارض فتروس الى ارض ميلادهم و يكونون هناك مملكة حقيرة. تكون احقر الممالك فلا ترتفع بعد على الامم و اقللهم لكيلا يتسلطوا على الامم. فلا تكون بعد معتمدا لبيت اسرائيل مذكرة الاثم بانصرافهم وراءهم و يعلمون اني انا السيد الرب.

الأنهار ترمز للبركات الكثيرة التى يفيض بها الله على البشر. ولقد تعود المصريون على أن الفيضان يأتى بخيراته سنوياً، حتى إفترضوا أن هذه الخيرات ستظل فى المستقبل كما هى فى الماضى، وهذا يشبه من له مصدر دخل ثابت فيظن أن الله لا دخل له فى ذلك، ولن يستطيع حرمانه منه. ولكن لنسمع هأنذا عليك وعلى أنهارك = يسميها أنهار لتعدد روافد نهر النيل (كفرعى الدلتا، وكان هناك فرع يصل إلى رفح). وفى أش 19 هدد الله بأن النهر ينشف. وبعد أن فك ملك بابل الحصار عن أورشليم فترة أر 37 : 5 ذهب ليضرب ملك مصر، فهجم عل مصر وأخربها تماماً بعد أن أخربتها حربهم الأهلية ضد بعضهم بعد الهزيمة أمام القيروانيون، ولقد هرب الشعب نتيجة لهذه الحروب. وهذا ما تنبأ به حزقيال وأجعل أرض مصر خرباً خربة. ولا تمر فيها رجل إنسان. وهذا ينطبق على كل مكان من مجدل = فى شرق سيناء إلى أسوان جنوباً وإلى تخم كوش = المقصود أرض النوبة. ولكن كما قلنا فالله يحب مصر "مبارك شعبى مصر" فالآخرين مثل صور وبابل بل وإسرائيل (العشرة أسباط) خرابهم نهائى، أما مصر فستعود بعد 40 سنة فالله ينظر لإيمان المصريين بالمسيح فى المستقبل (إيمان أثناسيوس وكيرلس وديسقورس، وأنطونيوس وبولا.... الكنيسة التى ستكون عموداً للرب) إذاً فالله يؤدب ليشفى ثم يبارك. وأشتت المصريين = أى هروبهم من أمام هول الحرب. ولكن فى نهاية ال40 سنة يجمعهم الله إلى أرض فتروس = أى إلى الجنوب. ولكن يكونون مملكة حقيرة = هذا هو الشفاء فالله يسكن وسط المنسحقين أش 57 : 15 فيباركهم. وحينما يكونون مملكة حقيرة لا يعودون للكبرياء ثانية. ونلاحظ أن إبليس فقد السماء بكبريائه، وهكذا آدم بعد أن كان فى الجنة سقط ليعيش حقيراً فى جسد متواضع، إستعداداً ليأتى المسيح ويسكن فيه إنتظاراً لذلك اليوم الذى يغير الله فيه صورة جسد تواضعنا إلى صورة جسد مجده ( فى 3 : 21 ). وفى آية (16) نجد أن بيت إسرائيل أيضاً يشفى من إعتماده على ذراع بشر = فلا تكون مصر معتمداً لبيت إسرائيل. بل مصر فى حالة ضعفها ستذكر إسرائيل بخطيتها السابقة، إذ كانوا يعتمدون على مصر دون الله = مذكرة الإثم. فضربة مصر كانت لشفاء مصر وشفاء إسرائيل.

 

الآيات 17 – 21 :- و كان في السنة السابعة و العشرين في الشهر الاول في اول الشهر ان كلام الرب كان الي قائلا. يا ابن ادم ان نبوخذراصر ملك بابل استخدم جيشه خدمة شديدة على صور كل راس قرع و كل كتف تجردت و لم تكن له و لا لجيشه اجرة من صور لاجل خدمته التي خدم بها عليها. لذلك هكذا قال السيد الرب هانذا ابذل ارض مصر لنبوخذراصر ملك بابل فياخذ ثروتها و يغنم غنيمتها و ينهب نهبها فتكون اجرة لجيشه. قد اعطيته ارض مصر لاجل شغله الذي خدم به لانهم عملوا لاجلي يقول السيد الرب. في ذلك اليوم انبت قرنا لبيت اسرائيل و اجعل لك فتح الفم في وسطهم فيعلمون اني انا الرب

الله أعطى لنبوخذ نصر أجرته عن حصاره وتعبه مع صور. إذاً فالله هو الذى إستأجر ملك بابل ليؤدب هذه الشعوب مثل مصر وصور ويهوذا... الخ. ولقد حاصر نبوخذ نصر صور 13 سنة، هرب فيها أهل صور بكل ما يملكون إلى الجزيرة، فلماذا دخل نبوخذ نصر إلى صور لم يجد شيئاً، فكان تعب بابل بلا فائدة، ولكن طالما أن الله إستأجره فسيعطيه أجرته، وهى خيرات مصر الكثيرة، ولقد دخلها نبوخذ نصر على أنقاض حربها الأهلية وكانت مصر حينئذ بلا ملك قوى فهو هارب، فأخذها كفريسة سهله وغنية كأجر له. وكان قد تعب فى صور لدرجة أن كل رأس قرع = هذا علامة الحزن، ويبدوا أن خسائره كانت كبيرة فى صور. وكل كتف تجردت = من حمل الأحمال. ولاحظ أن الله لا يظل مديناً لأحد، ولكن إذا إستخدم الله رجالاً من العالم يعطيهم أجرتهم أشياء زمنية.

أنبت قرناً لبيت إسرائيل = الله يكسر شوكة مصر مملكة العبودية، التى كانت تستعبد شعب الله، ليعطى لشعبه إسرائيل قوة  1) يخلصهم ممن إستعبدهم  2) يظهر لهم ضعف من إعتمدوا عليه سابقاً  3) فيلجأون لله فيصيروا بالحقيقة أقوياء وهذا ما حدث فى الصليب إذ إندحرت قوة الشيطان فنبت قرن الكنيسة إسرائيل الله غل 6 : 16 وإمتلأت الكنيسة من الروح القدس، فإنفتحت أفواه الرسل بالكرازة = أجعل لك فتح الفم = وكرمز لها ينفتح فم النبى، عربوناً لحصول كنيسة المسيح على الروح القدس وإنفتاح فمها بالكرازة، بعد إندحار قوة إبليس

قرناً لبيت إسرائيل = أعطيتكم سلطاناً أن تدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو. هنا مصر فى إندحارها كانت رمزاً لكسر شوكة إبليس


 

الإصحاح الثلاثون

ينتهى الإصحاح السابق بنهاية معزية. فالله يقيم قرناً لشعبه أى يعطيهم قوة، بها يدوسون على الشيطان، بل ويملأهم بالروح القدس فينفتح فمهم. وما هذا إلا نبوة عن عمل الصليب. ونرى هنا فى هذا الإصحاح الصورة فى الوجه المقابل، الذل والهزيمة للشيطان وكل من إختار أن يحتمى به (ممثلين هنا فى كوش ولود...الخ الذين إحتموا بفرعون) وقارن هذا مع رؤ21،20:19. فبحيرة النار هى نصيب إبليس رؤ 20 : 10. والقتل أى الموت الأبدى نصيب من تبعه، ثم يكون نصيب كل من يتبع إبليس هو نصيب إبليس أى بحيرة النار رؤ 20 : 15

 

الآيات 1 – 19 :- و كان الي كلام الرب قائلا. يا ابن ادم تنبا و قل هكذا قال السيد الرب ولولوا يا لليوم. لان اليوم قريب و يوم للرب قريب يوم غيم يكون وقتا للامم. و ياتي سيف على مصر و يكون في كوش خوف شديد عند سقوط القتلى في مصر و ياخذون ثروتها و تهدم اسسها. يسقط معهم بالسيف كوش و فوط و لود و كل اللفيف و كوب و بنو ارض العهد. هكذا قال الرب و يسقط عاضدو مصر و تنحط كبرياء عزتها من مجدل الى اسوان يسقطون فيها بالسيف يقول السيد الرب. فتقفر في وسط الاراضي المقفرة و تكون مدنها في وسط المدن الخربة. فيعلمون اني انا الرب عند اضرامي نارا في مصر و يكسر جميع اعوانها. في ذلك اليوم يخرج من قبلي رسل في سفن لتخويف كوش المطمئنة فياتي عليهم خوف عظيم كما في يوم مصر لانه هوذا ياتي. هكذا قال السيد الرب اني ابيد ثروة مصر بيد نبوخذراصر ملك بابل. هو و شعبه معه عتاة الامم يؤتى بهم لخراب الارض فيجردون سيوفهم على مصر و يملاون الارض من القتلى. و اجعل الانهار يابسة و ابيع الارض ليد الاشرار و اخرب الارض و ملاها بيد الغرباء انا الرب تكلمت. هكذا قال السيد الرب و ابيد الاصنام و ابطل الاوثان من نوف و لا يكون بعد رئيس من ارض مصر و القي الرعب في ارض مصر. و اخرب فتروس و اضرم نارا في صوعن و اجري احكاما في نو. و اسكب غضبي على سين حصن مصر و استاصل جمهور نو. و اضرم نارا في مصر سين تتوجع توجعا و نو تكون للتمزيق و لنوف ضيقات كل يوم. شبان اون و فيبستة يسقطون بالسيف و هما تذهبان الى السبي. و يظلم النهار في تحفنحيس عند كسري انيار مصر هناك و تبطل فيها كبرياء عزها اما هي فتغشاها سحابة و تذهب بناتها الى السبي. فاجري احكاما في مصر فيعلمون اني انا الرب.

ولولوا يالليوم = وأسفاه على اليوم، اليوم الذى خفنا منه طويلاً، ها هو قد جاء، الذى سيظهر فيه الله إلهاً للنقمة (هذا اليوم هو يوم خراب فرعون ومصر ولكنه يرمى لأبعد من هذا، فهو يشير لليوم الأخير) يوم غيم = يوم كئيب لمن هو فى معسكر فرعون (رمز الشيطان)، يوم لن تشرق فيه شمس تعزية. يكون وقتاً للأمم = الأمم هم الوثنيون الذين عبدوا الشيطان وهذا اليوم سيكون يوم عذاب لهم. يكون فى كوش خوف عظيم = فإذا ضُرِبَت مصر، تخاف كوش مما سيحدث لها، فكوش كانت تحتمى بمصر، وإذا ضرب الشيطان، فكل من تبعه، عليه أن ينتظر نفس المصير (رؤ 20 : 10، 15). وهذا سيحدث لكل من إعتمد على فرعون كوش وفوط ولود =. أما كوب فهى غير معروفة الآن. وكل اللفيف = اللفيف أى الغرباء الذين يعيشون فى بلد ما أو ما يسمى بالأقليات. وبنو أرض العهد = قد تشير لكل من دخل مع مصر فى معاهدات، ولكن هى تشير لليهود الذين هربوا إلى مصر ليحتموا بها من غضب ملك بابل، وأخذوا معهم أرمياء النبى عنوة. هؤلاء الذين إحتموا بمصر سيهلكوا معها (أر 41، 42، 43 وراجع بالذات 42 : 13 – 18) وكل عاضدو مصر يسقطون = ستشرب مصر من نفس الكأس التى أعطتها ليهوذا لتشرب منها. فمصر تظاهرت بأنها تعضد يهوذا ضد بابل وخدعتها، هكذا من تظاهر بأنه سيعضد مصر سيتخلى عنها، بل يسقط غير قادر على أن يفعل شئ. وربما تكون مصر فعلاً قد وعدت يهوذا بصدق أن تعضدها، ولكن بعد أن أنهكت الحرب الأهلية المصريين وهرب ملكهم، ما عادت مصر قادرة أن تعضد أحد وهكذا من تعاهد مع مصر لم يستطع أن يفعل شيئاً لمصر، فهل نتعلم أن لا نلقى رجاؤنا على إنسان كان من كان.

وسيضرم الله ناراً فى مصر = الهنا نار أكلة، وهو الذى سيحرق بناره الخطاة المتكبرين. وأبيد ثروة مصر = الثروة كانت الوزنات أو وكالة الله لها. ولكنها لم تكن أمينة على وكالتها لذلك سينزعها الله منها (راجع مثال الوزنات) وأجعل الأنهار يابسة = هذه التى إتكلوا عليها (أش 19) وهذه تساوى نزع الوزنات. وأبيد الأصنام = هذه الشياطين التى إتكلوا عليها سيظهر خزيها فهى لا تستطيع أن تسند أحد. (وهذا هو هدف الله من ضرباته) ولا يكون بعد رئيس من أرض مصر = فهو هارب فى البرية وسيموت فى البرية. ولكن هذه النبوة العجيبة قد إنطبقت على مصر منذ قيلت وحتى سنة 1952 م سنة قيام الثورة المصرية، فلقد توالى حكام غرباء على مصر من بابل وفارس ثم اليونان والرومان والعرب والأتراك... الخ. وكان أول رؤساء مصريون يحكمون مصر هم قادة الثورة. أى ظلت هذه النبوة سارية لأكثر من 2500 سنة شبان آون يسقطون = تذهب عن مصر كل مصادر قوتها، حتى شبانها وفتياتها. سيكسر الله كل أنيار مصر = أنيار جمع نير، وهو ما يربط حيوانين معاً فى محراث للجر. ومصر التى تمثل عبودية الشيطان لها أنيار ربطت بها عبودية شعب الرب، والله يكسر الأنيار معطياً حرية لشعبه "إن حرركم الإبن فبالحقيقة تكونون أحراراً". ولكن الآية تفهم أيضاً أن الله فى ضربه مصر يكسر الأنيار التى تربطها بالشيطان فيجعلها متكبرة، وعند كسر هذه الأنيار تتحرر مصر من كبريائها = وتبطل فيها كبرياء عزها = وهذا إستعداداً لمجئ المسيح إليها ليباركها. ولتتم النبوة مبارك شعبى مصر. وضربة الله لمصر تصل بها للإنسحاق التام، لدرجة أنها تتخبط فى ظلامها، ولا ترى أمل فى المستقبل = وتغشاها سحابة ويلاحظ هنا ذكر أسماء مدن مصرية كثيرة (نوف / صوعن / فتروس / تحفنحيس.....) وهذه المدن كانت عظيمة جداً، ولكنها مملوءه بهياكل الأوثان حيث تعمل الشياطين بكل قوتها. وكل هذه المدن ستخرب، وهذا يشير لخراب كل مملكة الشيطان والشر فى العالم. وكون أن النهر ييبس فهذا يشير لمصادر الخيرات الزمنية التى يعطيها إبليس لمن يتبعه، وأمجاد هذا العالم التى يغدق بها على كل من يسجد له. وقد يشير قوله فتغشاها سحابة  لمجئ المسيح إلى مصر كما قيل فى أش 19 : 1 وذلك بعد كسر أنيار مصر. وتذهب بناتها إلى السبى = قد يشير هذا للخطايا الناشئة عن الكبرياء، فحين ينتهى الكبرياء تنتهى هذه الخطايا، وينتشر الإيمان = فيعلمون أنى الرب

 

الآيات 20 – 26 :- و كان في السنة الحادية عشرة في الشهر الاول في السابع من الشهر ان كلام الرب صار الي قائلا. يا ابن ادم اني كسرت ذراع فرعون ملك مصر و ها هي لم تجبر بوضع رفائد و لا بوضع عصابة لتجبر فتمسك السيف. لذلك هكذا قال السيد الرب هانذا على فرعون ملك مصر فاكسر ذراعيه القوية و المكسورة و اسقط السيف من يده. و اشتت المصريين بين الامم و اذريهم في الاراضي. و اشدد ذراعي ملك بابل و اجعل سيفي في يده و اكسر ذراعي فرعون فيئن قدامه انين الجريح. و اشدد ذراعي ملك بابل اما ذراعا فرعون فتسقطان فيعلمون اني انا الرب حين اجعل سيفي في يد ملك بابل فيمده على ارض مصر. و اشتت المصريين بين الامم و اذريهم في الاراضي فيعلمون اني انا الرب

هذه النبوة القصيرة عن ضعف قوة مصر كانت تقريباً حينما حاول جيش مصر رفع الحصار عن أورشليم، ولكنه منى بالخيبة وفشل فى محاولاته. وعاد ملك بابل بعد أن فك الحصار لأيام عن أورشليم ليلاقى فرعون، عاد لحصار أورشليم. إنى كسرت ذراع فرعون = أى كسرت قوته، ولكن لم يذكر أنه كسر رقبته، فالله يأتى بأحكامه على البشر على درجات. وهنا الله لم يبد مصر كما أباد صور، بل كسر ذراعها حتى لا تتكبر ثانية عليه. وهذا ما حدث مع صور فملك بابل كسر ذراعا صور ولما لم تتب سمح الله بكسر رقبتها على يد الأسكندر الأكبر، ولم تعد صور ثانية. ولكن لنا نظرة أخرى للآية فما دام فرعون يرمز للشيطان، فالمسيح بصليبه كسر ذراعاه وقيده بسلسلة رؤ 20 : 1 – 3 ولم يعد له سلطان على أولاد الله، ولكنه لم تنكسر رقبته بعد أى لم ينتهى تماماً من حياتنا، فهو موجود، ولكنة بلا ذراعان أى بلا قوة ولا سلطة علينا، بل نحن الذين لنا سلطة أن ندوسه. ولكن رأسه موجودة فكل ما يستطيعه ضدنا، أن يضع فى رؤوسنا أفكاراً خاطئة ولكن نقاومها بإسم يسوع. ولن يعود ملك مصر يمسك السيف ليذل أحداً. بل سيئن أنين الجريح = أمام سيف ملك بابل، كما يئن إبليس الآن من الصليب. ملك بابل كان سيف الله ضد فرعون.   


 

الإصحاح الحادى والثلاثون

الآيات 1 – 9 :- و كان في السنة الحادية عشرة في الشهر الثالث في اول الشهر ان كلام الرب كان الي قائلا. يا ابن ادم قل لفرعون ملك مصر و جمهوره من اشبهت في عظمتك. هوذا اعلى الارز في لبنان جميل الاغصان و اغبى الظل و قامته طويلة و كان فرعه بين الغيوم. و قد عظمته المياه و رفعه الغمر انهاره جرت من حول مغرسه و ارسلت جداولها الى كل اشجار الحقل. فلذلك ارتفعت قامته على جميع اشجار الحقل و كثرت اغصانه و طالت فروعه لكثرة المياه اذ نبت. و عششت في اغصانه كل طيور السماء و تحت فروعه ولدت كل حيوان البر و سكن تحت ظله كل الامم العظيمة. فكان جميلا في عظمته و في طول قضبانه لان اصله كان على مياه كثيرة. الارز في جنة الله لم يفقه السرو لم يشبه اغصانه و الدلب لم يكن مثل فروعه كل الاشجار في جنة الله لم تشبهه في حسنه. جعلته جميلا بكثرة قضبانه حتى حسدته كل اشجار عدن التي في جنة الله.

هوذا أعلى الأرز = مترجمه فى (الكتاب المقدس بشواهد) ترجمة أخرى = "هوذا أشور كان أرزاً". والمقصود إذاً بهذه الأرزة العالية، ملك أشور وذلك لعلو مكانته وسط الملوك. وهذه الترجمة هى نفسها المنصوص عليها فى السبعينية. والدرس الذى يعطيه الله هنا لفرعون أنه كما هلك ملك أشور لكبريائه وسقط، هكذا سيسقط فرعون إن لم يتب عن كبريائه. وكان ملك أشور يفرض سلطانه وحمايته على كل المنطقة. ولقد شبه المثل هنا إمبراطورية أشور بلبنان المملوء أشجاراً، والأشجار هنا هى الملوك الخاضعين لملك أشور وكان ملك أشور يسمى نفسه ملك الملوك، وكذلك ملك بابل يسمى نفسه هكذا حز 26 : 7 + دا 2 : 37 + أش 10 : 8 (الأخيرة عن ملك أشور)، ولأن ملك أشور كان فوق كل الملوك، أسماه هنا أعلى الأرز. فالأرز يشير للملوك (حز 17 : 3) وكل الأرز أى الملوك حوله لم تفقه، بل كانوا بجانبه كأنهم أشجار سرو ودلب وهى أشجار قصيرة بالنسبة للأرز (آية 8). بل كان فى علوه كأن فرعه بين الغيوم وفرض حمايتة على من حوله = أغبى الظل. وكانت خيرات مملكتة وفيرة = قد عظمته المياه. فالأنهار تشير للخيرات الزمنية. وعششت فى أغصانه كل طيور السماء = أى أن كل الملوك حوله إحتموا به، فكان كأنه يظللهم. وكثرت أغصانه = إشارة لإمتداد إمبراطورية أشور. وحسده كل من حوله = حتى حسدته كل أشجار عدن التى فى جنة الله = التشبيه يشير لفرعون، بأن ملك أشور وهو أعظم منه قد هلك، فليحذر هو، فهذا مصير كل متكبر. ولكن هذه الآية الأخيرة والتى تكلمت عن جنة عدن، جنة الله، ربما تشير لأشور كما قلنا وذلك لأن مملكة أشور جغرافياً تحتل مكان جنة عدن. ولكن هذه الآيات السابقة تشير لأبعد من ملك أشور، فالذى خلق فى الجنة هو آدم ولكبريائه سقط. ‘ذاً فهذه المرثاة هى على الإنسان الذى سقط، وحزن الله عليه. فكما حدثنا إصحاح 28 عن سقوط إبليس، وإصحاح 30 عن كسر ذراع إبليس يحدثنا هذا الإصحاح عن سقوط آدم. والله أقام الإنسان كأجمل ما يمكن = جميل الأغصان فهو خلقه على صورته ومثاله، وكان آدم على صورة الله فى المحبة، فالله محبة وأفاض آدم من محبته على الخليقة حوله، وشعرت الحيوانات بمحبته وسلطته فإحتمت به = عششت فى أغصانه كل طيور السماء، وكان سلطانه على كل الخليقة = أغبى الظل. وكان مخلوقاً ينتمى للسماء مترفعاً عن الأرضيات = قامته طويله ولاحظ أن جمال آدم وحواء يوم خُلِقا كان لأنهما كانا ينظران الله وجهاً لوجه. فموسى حين رأى جزء بسيط من مجد الله لمع وجهه خر 20:33-23 + خر 29:34، مع أن موسى لم يرى وجه الله، أما آدم قبل الخطية ما كان شئ يمنعه من أن يرى وجه الله، فكم كان نور وجهه والمجد الذى كان عليه، وكم كان جماله. هذه المرثاة هنا هى على ما فقده آدم من جمال ومجد قامته طويلة = كالأرز أعلى الأشجار وأطولها عمراً أيضاً، إشارة لأن آدم خلق ليكون مخلوقاً سماوياً (أعلى الأشجار) ويحيا للأبد (أطول الأشجار عمراً). وهذه من صفات الله، ألم يكن آدم مخلوقاً على صورة الله. لأن أصله كان على مياه كثيرة = المياه تشير لنعمة الله التى يفيض بها على آدم وبنى آدم. وكانت أكبر نعمة أعطاها الله للإنسان ولا يقاس بجانبها أى شئ آخر هى أن يسكن الروح القدس فى الإنسان. فالمياه رمز للروح القدس. ولكن الإنسان بعد سقوطه حرم من سكنى الروح فيه بسبب خطاياه تك 6 : 3 ولكن بعد المسيح عاد الروح القدس ليسكن عند المؤمنين. ومن جمال آدم والنعم التى حصل عليها حسدته الشياطين = حسدته كل أشجار عدن

فرعه بين الغيوم = يشير للحياة السماوية التى كان آدم يحياها، وفى مجد.

 

الآيات 10 – 13 :- لذلك هكذا قال السيد الرب من اجل انك ارتفعت قامتك و قد جعل فرعه بين الغيوم و ارتفع قلبه بعلوه. اسلمته الى يد قوي الامم فيفعل به فعلا لشره طردته. و يستاصله الغرباء عتاة الامم و يتركونه فتتساقط قضبانه على الجبال و في جميع الاودية و تنكسر قضبانه عند كل انهار الارض و ينزل عن ظله كل شعوب الارض و يتركونه. على هشيمه تستقر جميع طيور السماء و جميع حيوان البر تكون على قضبانه.   

كان الله يشتهى أن يراه عالياً جميلاً، أعلى من الغيوم، ولكنه بكبريائه سقط حين إرتفع قلبه بعلوه. قارن مع الآية 3 فى نفس الإصحاح تجد أن الله هو الذى خلقه وفرعه بين الغيوم = فهذه أرادة الله أن نكون فى منتهى العلو. إذن أين الخطية ؟ هى داخل القلب.. هى أن ننسب جمالنا وقوتنا لأنفسنا وليس لله. خذ مثال لذلك :- ملك عظيم تزوج فتاة من فقراء الشعب وتوجها كملكة فسجد لها عظماء المملكة... ما هو المنتظر منها ؟ من المؤكد أن الملك كان ينتظر منها أن تشعر فى داخلها أنها عظيمة به، وأن عظمتها ليست راجعة إلى نفسها، فإن قالت للملك "أنا عظمتى من نفسى.. ليس مثلى فهى تحزن قلب الملك الذى يحبها إذ فصلت نفسها عنه كسر جمالها وعظمتها ومجدها. وهذا ما حدث بين الله وآدم حين قال له الله لا تأكل من هذه الشجرة التى أكل منها الشيطان قبلك فسقط وهلك. فإن أكلت يا آدم ووقعت فى نفس الغواية وإنفصلت عنى بأن تنسب قوتك وجمالك لنفسك لا لله، تموت، فكل ما أنت فيه من نعمة سببها هوالله، والإنفصال عن الله الحى يعنى الموت. وحتى الآن فنحن نقع فى هذه الغواية، ونفضل أن نتكلم عن أنفسنا ونجاحاتنا وذكائنا ولا ننسب هذا لله، ولذلك يقول يعقوب "لا تضلوا.. كل عطية صالحة وكل موهبة هى من فوق نازلة من عند أبى الأنوار يع 1 : 16، 17" ويقول بولس الرسول وإن كنت قد أخذت فلماذا تفتخر كأنك لم تأخذ 1كو 4 : 7. ومن يعطيه الله موهبة فيفتخر بها ويظن فى نفسه شيئاً، فهو يبدأ طريق السقوط والإنفصال عن الله كما سقط آدم من قبل، لذلك يحذر بولس الرسول قائلاً "إذاً من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط 1كو 10 :12"

وكانت نتيجة كبرياء أشور أن ملك أشور سقط أمام ملك بابل = أسلمته إلى يد قوى الأمم فيفعل به فعلاً = أى يذله. وهذا ما حدث للإنسان فالله أسلمه ليد قوى الأمم أى الشيطان فإستعبده

رو 8 : 20. لشره طردته = طرد ملك أشور من ملكه وطرد الإنسان من الجنة. ويستأصله الغرباء عتاة الأمم = البابليون لأشور، والشياطين لآدم، هذا يحدث حين تتخلى نعمة الله عن الإنسان، وسيفقد الإنسان الصورة الجميلة التى خلقه الله عليها، وسيفقد طبيعته المحبة التى جعلت الحيوانات تتآوى تحته = وتتساقط قضبانه = أى تسقط فروعه على الجبال وفى جميع الأودية = أنظر كم كان الإنسان عالياً، فحين بدأت فروعه تتساقط، تساقطت أولاً على الجبال العالية، ثم كانت النتيجة الطبيعية... إستمرار الإنحدار، فسقطت فروعة فى جميع الأودية. وتنكسر قضبانه عند كل أنهار الأرض = أنهار الأرض غير أنهار الله هذه التى تفرح مدينة الله والتى تشير لعمل الروح القدس (مز 46 : 4). أما أنهار الأرض فهى تشير إلى لذات الأرض التى سينجذب إليها الإنسان بعد سقوطه فيزداد إنكساراً لإزدياد إبتعاده عن الله. والنتيجة الطبيعية أن يتركه كل من كان يحتمى به من شعوب الأرض بالنسبة لملك أشور = ينزل عن ظله أى أن ملك أشور فقد سلطانه على كل الملوك الذى كان هو أعلى منهم. وبالنسبة لآدم فقد سلطانه على كل الحيوانات والطيور الذى سلطه الله عليها يوم خلقه مز 8 : 5 – 8. بل على هشيمه تستقر جميع طيور السماء = فجثث جيش أشور تركت للطيور وجميع حيوان البر تكون على قضبانه = أى ذل وصل إليه الإنسان بعد سقوطه

 

آية 14 :- لكيلا ترتفع شجرة ما و هي على المياه لقامتها و لا تجعل فرعها بين الغيوم و لا تقوم بلوطاتها في ارتفاعها كل شاربة ماء لانها قد اسلمت جميعا الى الموت الى الارض السفلى في وسط بني ادم مع الهابطين في الجب.

معناها أن الموت صار علاجاً، الموت كان نتيجة للخطية، ولكن الله سمح بهذا (حتى بعد قيامة المسيح وإنتصاره على الموت) حتى لا ينتفخ أى إنسان حصل على نعمة الله = أى شجرة شاربة ماء. فبدون الموت سينتفخ الإنسان ويضع رأسه بين الغيوم، فيهلك أبدياً. الله سلم الإنسان للموت، ليذكر دائماً نهايته فلا يرتفع ولا ينتفخ = قد أسلمت جميعاً إلى الموت إلى الأرض السفلى وسط بنى آدم = إذاً الأشجار كانت كناية عن بنى آدم

 

آية 15 :- هكذا قال السيد الرب في يوم نزوله الى الهاوية اقمت نوحا كسوت عليه الغمر و منعت انهاره و فنيت المياه الكثيرة و احزنت لبنان عليه و كل اشجار الحقل ذبلت عليه.

فى يوم نزوله للهاوية = ليس المقصود هنا بالهاوية جهنم، ولكن حكم الموت الذى صدر ضد الإنسان. ويا لمحبة الله الذى أقام نوحاً = فقلب الله حَزِن على الإنسان حين مات، لذلك بكى يسوع على قبر لعازر كأنه يود أن يقول لنا "هذه لم تكن إرادتى يا إنسان، بل أنت أخترت هذا الطريق لنفسك" والنتيجة الطبيعية لما وصل إليه الإنسان هى فقدانه لنعمة الروح القدس = فنيت المياه الكثيرة = فخسر ثمار الروح أى الفرح = أحزنت لبنان عليه = أى باقى الشجر وكسوت عليه الغمر = كأن الكل يلبس سواداً. لقد كان إسم الجنة.. عدن أى بهجة، ولكن بعد أن "إختطفت لى قضية الموت" ودخل الموت إلى العالم، فقد العالم الفرح الحقيقى، وحزن الله على ما آل إليه حال الإنسان. ولنتأمل فى محبة الله الذى يحزن على حال البشر "ففى كل ضيقهم تضايق أش 63 : 9 هذه الحالة للطبيعة وللعالم المشبهة هنا هكذا أحزنت لبنان عليه.. كسوت عليه الغمر.. كل أشجار الحقل ذبلت = هى الحالة التى صارت عليها الأرض بعد أن لعنها الله بسبب الخطية تك 3 : 17. ولكن هذه الحالة ستنتهى إذ ستعتق الخليقة من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله رو 8 : 21.

 

آية 16 :- من صوت سقوطه ارجفت الامم عند انزالي اياه الى الهاوية مع الهابطين في الجب فتتعزى في الارض السفلى كل اشجار عدن مختار لبنان و خياره كل شاربة ماء.

أرجفت الأمم = حين يسقط ملك جبار متعظم مثل ملك أشور يرتجف كل واحد، فإن سقط هذا فالدور القادم علىَ أنا الأضعف منه. ونلاحظ هنا صورة أخرى معاكسة فى الهاوية أى مكان إنتظار الأموات حين يدخل هذا العظيم المتكبر يتعزى الباقين. فهذه الأرزة العالية أصبحت مثلهم. فجنود ملك أشور الذين سبق وماتوا فى المعارك سيجدون أن مصير هذا العظيم مثلهم، وأن الله لم يظلمهم ولم يحابى هذا العظيم لمكانته بل الكل واحد.

 

آية 17 :- هم ايضا نزلوا الى الهاوية معه الى القتلى بالسيف و زرعه الساكنون تحت ظله في وسط الامم.

كل جنوده وعظمائه، كل من إحتمى به من الصغار، فالموت هو حادثة واحدة تقع لكليهما جا 3 : 19 أى العظيم والحقير، بل حتى للحيوانات.

 

آية 18 :- من اشبهت في المجد و العظمة هكذا بين اشجار عدن ستحدر مع اشجار عدن الى الارض السفلى و تضطجع بين الغلف مع المقتولين بالسيف هذا فرعون و كل جمهوره يقول السيد الرب

هنا الكلام موجه لفرعون من أشبهت فى المجد = أى حتى لو كنت مثل ملك أشور فى مجده ستحدر معه = أى تموت مثله فى عار = تضجع بين الغلف = هذا عار عند المصريين الذين يهتمون بالختان، والمقتولين بالسيف = بلا دفن، وهذا عار أيضاً عند المصريين الذين يهتمون ببناء المقابر والأهرمات للدفن ومعنى هذه وتلك أنه سيصير فى أدنى الدرجات فى العالم السفلى.

والآيات من 16 – 18 :- موجهة لكل إنسان متكبر، ليذكر النهاية فيتضع، لأن نهاية المتكبر هى عار. ويصبح معنى أرجفت الأمم = أن الله يسمح بميتات صعبة لبعض العظماء والمشاهير حتى نرتجف جميعاً ونتضع فنجد خلاصاً لنفوسنا


 

الإصحاح الثانى والثلاثون

هذا الإصحاح ينهى النبوات الخاصة بمصر. ولكن أن تطول النبوات الخاصة بمصر بهذا الشكل يدفعنا أن نفكر أن الآيات تنظر إلى أبعد من ذلك. فدينونة الرب لمصر وحكمه بهذا بدأت منذ زمن سحيق تك 15 : 14. بسبب إستعباد مصر لشعب الله، وقلنا أن هذا إشارة لإستعباد إبليس لشعب الله. ولكن يبدو أن الأمر يمتد للمستقبل أيضاً حين يطلق إبليس من سجنه ويعطى كل قدرته لضد المسيح فى الأيام الأخيرة رؤ 20 : 3 + رؤ 13 : 2 ونلاحظ أن مملكة ضد المسيح تدعى روحياً مصر (وذلك لأن مصر أيام موسى إشتهرت بالعناد، فالضربات تنهال عليها وهى تعاند، وهذا ما سيحدث لمملكة الدجال، فالضربات تنهال عليها لتتوب ومع هذا ترفض رؤ 9 : 20، 16 : 11 بالإضافة لما إشتهرت به مصر أى الكبرياء وإستعباد أولاد الله ). وهذا الإصحاح الذى يحدثنا عن خراب مصر يصبح خراب لمملكة ضد المسيح، أى يشير لنهاية الأيام. ولذلك نجد العبارات تتجه هذا الإتجاه الذى يشير لنهاية العالم وخراب نهائى لكل عدو متكبر سواء للمسيح أو الكنيسة جسد المسيح.

 

الآيات 1 – 3 :- و كان في السنة الثانية عشرة في الشهر الثاني عشر في اول الشهر ان كلام الرب صار الي قائلا. يا ابن ادم ارفع مرثاة على فرعون ملك مصر و قل له اشبهت شبل الامم و انت نظير تمساح في البحار اندفقت بانهارك و كدرت الماء برجليك و عكرت انهارهم. هكذا قال السيد الرب اني ابسط عليك شبكتي مع جماعة شعوب كثيرة و هم يصعدونك في مجزفتي.

إرفع مرثاة = فالله كان يود لو لم يكن هذا الهلاك والخراب والألم الذى سيحدث بسبب إطلاق الشيطان من سجنه، ولكن الله سيطلقه فى الأيام الأخيرة لأن الناس أصبحت لا تريد الله، بل تريد الخطية "والرب يعطيك حسب قلبك مز 20 : 4. والله سيطلقه للناس ليجربوا ما إشتهاه قلبهم من أنواع الخطايا، وسيتألمون لذلك، فنتائج الخطية دائماً مؤلمة، والله يسمح بهذا الألم لعلهم يدركوا بشاعة ما إختاروا فيتوبون. هى محاولة أخيرة من الله قبل نهاية الأيام، حتى لا تكون هناك فرصة لم يستغلها الله لخلاص البشر. وبذلك ينطبق قول المرنم لكى تتبرر فى أقوالك وتغلب إذا حوكمت مز 51 : 4 وقوله إرفع مرثاة = فهذا قطعاً لآن الله حزين على ما سيحدث للبشر وقتئذ أشبهت شبل الأمم = فرعون ظن فى نفسه أسداً يحمى من حوله، فوعد يهوذا بحمايتها وأنت نظير تمساح = أى حبيس نهرك لا تستطيع أن تخرج منه، إذاً لن تستطيع حماية من هم خارج بلدك. بل أنت تمساح تأكل الأسماك، أى أنت متوحش تأكل شعبك وتقودهم للدمار. وكدرت الماء = حين يتحرك التمساح يكدر الماء وفرعون هذا حين تحرك لمساعدة صديقه فى القيروان دمر جيشه وشعبه فأثار المياه وسبب قلقاً لشعبه. حين إندفقت بأنهارك = أى أندفعت بشده داخل أنهارك فهيجت الطين فيها إشارة للإضطراب الذى أحدثه بالمصريين. وهذا ينطبق على ما عمله الفرعون، وما سيعمله ضد المسيح، يثير الجو ضد الله، ويحاول أن يفرض حمايته على تابعيه، فيكون لهم سمة خاصة بها يشترون ويبيعون، والمقصود أن من له السمة يستطيع أن يتمتع بحماية الدجال رؤ 13 : 16، 17. وتكدير الماء إشارة للضيق الذى ستعانى منه كنيسة المسيح فى تلك الأيام مت 24 : 21، 22. والله لن يترك هذا الوضع طويلاً بل أبسط عليك شبكتى = فالله لا يترك الأشرار للأبد. وكان جيش بابل هو الشبكة التى وقع فيها هذا الفرعون، ولكل طاغية شبكة أعدها الله، وهكذا هناك شبكة لضد المسيح (راجع رؤ 16 : 1، 2 فهذه الضربات موجهة لأتباع ضد المسيح وله هو شخصياً) = عكرت أنهارهم = تصرفاته سببت الضيق الذى وقع فيه الناس. ولاحظ فمن خدعهم وساروا وراءه إذ يكتشفون ضلاله وأنه لم يسبب لهم سوى الألم يقومون عليه = وهم يصعدونك فى مجزفتى = أى شبكتى وبعد أن يخرج من أرضه يلقى كسمكة كبيرة على أرض جافة

 

الآيات 4 – 6 :- و اتركك على الارض و اطرحك على وجه الحقل و اقر عليك كل طيور السماء و اشبع منك وحوش الارض كلها. و القي لحمك على الجبال و املا الاودية من جيفك. و اسقي ارض فيضانك من دمك الى الجبال و تمتلئ منك الافاق.

هذه تشير لحرب شديدة يلقى فيها هو وجنوده مدوسين بدمهم فى البرية، متروكين لطيور السماء ووحوش الأرض، ودمهم يملأ أرضهم = أرض فيضانك (قارن مع رؤ 16 : 14 + رؤ 19 : 17، 18 + حز 39 : 4، 17 – 20)

 

الآيات 7، 8 :- و عند اطفائي اياك احجب السماوات و اظلم نجومها و اغشي الشمس بسحاب و القمر لا يضيء ضؤه. و اظلم فوقك كل انوار السماء المنيرة و اجعل الظلمة على ارضك يقول السيد الرب.

قارن مع مت 24 : 29 + رؤ 8 : 12 فهذه الظلمة تشير للأيام الأخيرة وهى من علامات النهاية، بعد أن تضرب دولة ضد المسيح وتملأ دماء أتباعه الجبال والوديان. وبالنسبة لفرعون تفسر هذه الآيات روحياً بأنها ظلمة النفس فلم يعد لهذا الشرير بصيرة ليرى نور الله، ولم يعد له رجاء فى خلاص من محنته التى وضع نفسه فيها، وستختفى منه كل حكمه إش 19 : 11- 16. وهذه الظلمة حدثت فعلاً فى أيام ضربات الله العشر على يد موسى.

 

الآيات 9، 10 :- و اغم قلوب شعوب كثيرين عند اتياني بكسرك بين الامم في اراض لم تعرفها. و احير منك شعوبا كثيرين ملوكهم يقشعرون عليك اقشعرارا عندما اخطر بسيفي قدام وجوههم فيرجفون كل لحظة كل واحد على نفسه في يوم سقوطك.

سيرتعب الباقون حين يضرب فرعون دولة ضد المسيح (قارن مع رؤ 18 : 9، 10). فبيتك يكون فى خطر حين تشتعل النيران فى بيت جارك. فالحزن سيعم الجميع على خراب دولة ضد المسيح، وسيرتعبون حين يروا هذه الضربات عندما  أخطر بسيقى = أى أستعمل براعتى فى إستعمال السيف (الضربات) لأرعب الأخرين، فلربما يقودهم هذا للتوبة. والسيف كان ملك بابل بالنسبة لفرعون والسيف سيكون الضربات والجامات ضد دولة "ضد المسيح"

 

الآيات 11 – 16 :- لانه هكذا قال السيد الرب سيف ملك بابل ياتي عليك. بسيوف الجبابرة اسقط جمهورك كلهم عتاة الامم فيسلبون كبرياء مصر و يهلك كل جمهورها. و ابيد جميع بهائمها عن المياه الكثيرة فلا تكدرها من بعد رجل انسان و لا تعكرها اضلاف بهيمة. حينئذ انضب مياههم و اجري انهارهم كالزيت يقول السيد الرب. حين اجعل ارض مصر خرابا و تخلو الارض من ملئها عن ضربي جميع سكانها يعلمون اني انا الرب. هذه مرثاة يرثون بها بنات الامم ترثو بها على مصر و على كل جمهورها ترثو بها يقول السيد الرب.

السيف هو ملك بابل الذى سيخرب ملك مصر وقوتها وأبهتها التى تفتخر بها. حتى النهر سيشارك فى الحزن العام الذى خيم على الأمة وبدلاً أن تندفق مياهه تكون كالزيت = بطيئة وثقيلة، أى بلا فيضان، فالفيضان يجعل المياه تندفع بقوة ولا تكون هادئة. وهذا يعنى توقف مصادر الخير، فلأنهم إستخدموا خيراتهم بطريقة خاطئة وكانت سبباً فى كبريائهم، فالله يشفيهم من هذا الكبرياء بأن يحرمهم من الخيرات = فيسلبون كبرياء مصر آية (12)

 

الآيات 17 – 32 :- و كان في السنة الثانية عشرة في الخامس عشر من الشهر ان كلام الرب كان الي قائلا. يا ابن ادم ولول على جمهور مصر و احدره هو و بنات الامم العظيمة الى الارض السفلى مع الهابطين في الجب. ممن نعمت اكثر انزل و اضطجع مع الغلف. يسقطون في وسط القتلى بالسيف قد اسلم السيف امسكوها مع كل جمهورها. يكلمه اقوياء الجبابرة من وسط الهاوية مع اعوانه قد نزلوا اضطجعوا غلفا قتلى بالسيف. هناك اشور و كل جماعتها قبوره من حوله كلهم قتلى ساقطون بالسيف. الذين جعلت قبورهم في اسافل الجب و جماعتها حول قبرها كلهم قتلى ساقطون بالسيف الذين جعلوا رعبا في ارض الاحياء. هناك عيلام و كل جمهورها حول قبرها كلهم قتلى ساقطون بالسيف الذين هبطوا غلفا الى الارض السفلى الذين جعلوا رعبهم في ارض الاحياء فحملوا خزيهم مع الهابطين في الجب. قد جعلوا لها مضجعا بين القتلى مع كل جمهورها حوله قبورهم كلهم غلف قتلى بالسيف مع انه قد جعل رعبهم في ارض الاحياء قد حملوا خزيهم مع الهابطين في الجب قد جعل في وسط القتلى. هناك ماشك و توبال و كل جمهورها حوله قبورها كلهم غلف قتلى بالسيف مع انهم جعلوا رعبهم في ارض الاحياء. و لا يضطجعون مع الجبابرة الساقطين من الغلف النازلين الى الهاوية بادوات حربهم و قد وضعت سيوفهم تحت رؤوسهم فتكون اثامهم على عظامهم مع انهم رعب الجبابرة في ارض الاحياء. اما انت ففي وسط الغلف تنكسر و تضطجع مع القتلى بالسيف. هناك ادوم و ملوكها و كل رؤسائها الذين مع جبروتهم قد القوا مع القتلى بالسيف فيضطجعون مع الغلف و مع الهابطين في الجب. هناك امراء الشمال كلهم و جميع الصيدونيين الهابطين مع القتلى برعبهم خزوا من جبروتهم و اضطجعوا غلفا مع قتلى السيف و حملوا خزيهم مع الهابطين الى الجب. يراهم فرعون و يتعزى عن كل جمهوره قتلى بالسيف فرعون و كل جمهوره يقول السيد الرب. لاني جعلت رعبه في ارض الاحياء فيضجع بين الغلف مع قتلى السيف فرعون و كل جمهوره يقول السيد الرب

هنا نرى صورة متكررة فيها سيهلك الكل مهما كانت عظمتهم. وهذه نهاية مناسبة للإصحاح الذى يتكلم عن نهاية الأزمنة، ونرى هنا نهاية كل جبار متكبر بميتة بشعة تشير للموت فى نجاسة = كالغلف. ونهاية الكل سيهبطون للجب وللأرض السفلى أى الهاوية. ولذلك لم تكن أورشليم وسط هؤلاء، فليس موت لعبيدك يارب بل هو إنتقال. لاحظ تكرار جعلوا رعبهم فى أرض الأحياء = فهذه نهاية كل جبار عاتٍ. وهذه تعزية ويالها من تعزية أن فرعون يجد الكل معه، وسيكون معهم جميعاً ضد المسيح والشيطان نفسه فى بحيرة النار رؤ 20 : 10، 15


 

الإصحاح الثالث والثلاثون

الإصحاحات ما قبل (25) حدثتنا عن خراب أورشليم كعقاب لها وكتطهير. ويلى تطهيرها الإصحاحات التى تحدثنا عن هزيمة الأعداء الخارجيين (25 – 32). والآن تبدأ صفحة جديدة فى العلاقات مع الله. ونجد هنا إعادة لما ورد فى إصحاح (3) فى كون حزقيال رقيباً للشعب، وإعادة للإصحاح (18) فى أن الخاطئ لو قدم توبة يقبله الله  والبار لو أخطأ يموت.. فلماذا التكرار ؟

1-  الله يكرر هذا الأمر الهام، لعل بكثرة التكرار ينتبهون لما فيه خلاص نفوسهم.

2-  يقول لهم الله لو أنكم سمعتم لى وقدمتم توبة لما كانت أورشليم قد خربت.

3- فى إصحاحى (3، 18) يقدم لهم الله الأسباب التى حاكمهم بسببها ثم حكم ضدهم إذ خالفوا وصاياه. أما الآن فالله بصدد تجديدهم وإقامة شعب جديد له. والله هنا  يضع قواعد التعامل مع الشعب الجديد، ونجد أنها هى نفسها القواعد السابقة فيسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد، والله ليس عنده تغيير أو ظل دوران عب 13 : 8 + يع 1 : 17

هنا نرى الله قد عاقب ليحيى ويطهر وها هو يبدأ من جديد مع شعبه.

 

الآيات 1 – 9 :- و كان الي كلام الرب قائلا. يا ابن ادم كلم بني شعبك و قل لهم اذا جلبت السيف على ارض فان اخذ شعب الارض رجلا من بينهم و جعلوه رقيبا لهم. فاذا راى السيف مقبلا على الارض نفخ في البوق و حذر الشعب. و سمع السامع صوت البوق و لم يتحذر فجاء السيف و اخذه فدمه يكون على راسه. سمع صوت البوق و لم يتحذر فدمه يكون على نفسه لو تحذر لخلص نفسه. فان راى الرقيب السيف مقبلا و لم ينفخ في البوق و لم يتحذر الشعب فجاء السيف و اخذ نفسا منهم فهو قد اخذ بذنبه اما دمه فمن يد الرقيب اطلبه. و انت يا ابن ادم فقد جعلتك رقيبا لبيت اسرائيل فتسمع الكلام من فمي و تحذرهم من قبلي. اذا قلت للشرير يا شرير موتا تموت فان لم تتكلم لتحذر الشرير من طريقه فذلك الشرير يموت بذنبه اما دمه فمن يدك اطلبه. و ان حذرت الشرير من طريقه ليرجع عنه و لم يرجع عن طريقه فهو يموت بذنبه اما انت فقد خلصت نفسك.

الرقيب = يعين الرقيب لينذر أهل المدينة بإقتراب جيش معادٍ، وعلى الرقيب أن ينذر، وعلى الشعب أن يستمع ويتجاوب، ويتم تعيين الرقيب عادة إذا كان هناك شعور بخطر مقبل، لذلك عين الله النبى كرقيب ينذر الشعب بإقتراب الخطر، ومن المؤكد أن الخطر سيأتى لأن هناك خطية. وهذا عمل أى خادم لله. وعلى الرقيب أن يكون متنبهاً مستيقظاً، فإذا أنذر فهو خلص نفسه وآخرين، وإذا لم يفعل فالله سيطلب دم كل نفس هلكت منه. ولنلاحظ هذا فجاء السيف وأخذ نفساً منهم فالله يهتم بكل نفس. ولكن ليس عذراً لإنسان أن يقول لم يكن هناك رقيب لينذرنى، فالله لا يبقى نفسه بلا شاهد، والرقيب هو أحد الوسائل التى يستخدمها الله، لكن هناك الكنائس والكتاب المقدس وتبكيت الروح القدس والضمير.

 

الآيات 10 – 20 :- و انت يا ابن ادم فكلم بيت اسرائيل و قل انتم تتكلمون هكذا قائلين ان معاصينا و خطايانا علينا و بها نحن فانون فكيف نحيا. قل لهم حي انا يقول السيد الرب اني لا اسر بموت الشرير بل بان يرجع الشرير عن طريقه و يحيا ارجعوا ارجعوا عن طرقكم الرديئة فلماذا تموتون يا بيت اسرائيل. و انت يا ابن ادم فقل لبني شعبك ان بر البار لا ينجيه في يوم معصيته و الشرير لا يعثر بشره في يوم رجوعه عن شره و لا يستطيع البار ان يحيا ببره في يوم خطيئته. اذا قلت للبار حياة تحيا فاتكل هو على بره و اثم فبره كله لا يذكر بل باثمه الذي فعله يموت. و اذا قلت للشرير موتا تموت فان رجع عن خطيته و عمل بالعدل و الحق. ان رد الشرير الرهن و عوض عن المغتصب و سلك في فرائض الحياة بلا عمل اثم فانه حياة يحيا لا يموت. كل خطيته التي اخطا بها لا تذكر عليه عمل بالعدل و الحق فيحيا حياة. و ابناء شعبك يقولون ليست طريق الرب مستوية بل هم طريقهم غير مستوية. عند رجوع البار عن بره و عند عمله اثما فانه يموت به. و عند رجوع الشرير عن شره و عند عمله بالعدل و الحق فانه يحيا بهما.   و انتم تقولون ان طريق الرب غير مستوية اني احكم على كل واحد منكم كطرقه يا بيت اسرائيل.

حين سقط الشعب تحت عصا التأديب حوربوا باليأس وظنوا أن الله سيفنيهم ولن يحيوا بعد. ولكن الله المحب يلاطفهم هنا ويعلن أنه سوف يقبلهم لو قدموا توبة = فالله لا يسر بموت الشرير. ولكن ما معنى أن بر البار لا ينجيه فى يوم معصيته = هذا يعنى أن المهم هو حاضر المرء وليس ماضيه، ولكن السؤال لماذا يسقط البار ؟ يقول معلمنا بولس الرسول "إذاً من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط 1كو 10 : 12" وبولس نفسه يقول عن نفسه أنه أول الخطاة 1 تى 15:1.وهذا يعطينا إحساس أنه يجب أن نشعر دائماً أننا خطاة، ولو فعلنا كل البر نقول أننا عبيد بطالون.. نقول هذا ونشعر به. فمن له العين المفتوحة يشعر بخطيته، بل ويمقت نفسه حز 36 : 31. أما من يشعر ببره الذاتى، أو أنه باراً فى نفسه وأنه أفضل من غيره يصير كالفريسى الذى صلى ولكنه خرج وهو غير مقبول ويكون هذا بداية سقوط كبير. وهناك أيضاً البر الظاهرى وهو أن إنساناً لا يصنع خطية لأن فرص الخطية غير متوفرة له. مثل هذا لا يجب أن يحسب نفسه باراً، بل يشكر الله الذى حفظه وإن شعر ببره يكون هذا بداية طريق الإنهيار، فمن يشعر ببره كأنه يجعل الله مديناً له وهو يطلب الله بأجره عن بره. بل أن هناك ممن يثقون فى برهم أنهم يشعرون أنهم قادرون أن يدخلوا أى تجربة وينتصروا، أو أن لهم رصيد من البر يسمح لهم بأن يصنعوا بعض الخطايا البسيطة، ويكون هذا بداية للسقوط الكبير. ويكون أن رصيد بره لا ينجيه فى يوم معصيته والعكس فمهما كان شر الشرير فالله يقبله لو تاب. ولننظر فما أسهل أن يتهم الإنسان الخاطئ الله كما صنع آدم وحواء، وهكذا فالشعب الآن يقول إن طرق الله غير مستوية. ولكن الله فى عدله يحكم على كل واحد كطرقه فصحيح أن كلهم فى نار أتون بابل إلا أن الله يتعامل معهم كأفراد وليس كجماعة وهذا ما حدث،  وكمثال لذلك فإن نبوخذ نصر أكرم أرمياء النبى جداً.

 

الآيات 21 – 29 :- و كان في السنة الثانية عشرة من سبينا في الشهر العشر في الخامس من الشهر انه جاء الي منفلت من اورشليم فقال قد ضربت المدينة. و كانت يد الرب علي مساء قبل مجيء المنفلت و فتحت فمي حتى جاء الي صباحا فانفتح فمي و لم اكن بعد ابكم. فكان الي كلام الرب قائلا. يا ابن ادم ان الساكنين في هذه الخرب في ارض اسرائيل يتكلمون قائلين ان ابراهيم كان واحدا و قد ورث الارض و نحن كثيرون لنا اعطيت الارض ميراثا. لذلك قل لهم هكذا قال السيد الرب تاكلون بالدم و ترفعون اعينكم الى اصنامكم و تسفكون الدم افترثون الارض. وقفتم على سيفكم فعلتم الرجس و كل منكم نجس امراة صاحبه افترثون الارض. قل لهم هكذا قال السيد الرب حي انا ان الذين في الخرب يسقطون بالسيف و الذي هو على وجه الحقل ابذله للوحش ماكلا و الذين في الحصون و في المغاير يموتون بالوبا. فاجعل الارض خربة مقفرة و تبطل كبرياء عزتها و تخرب جبال اسرائيل بلا عابر. فيعلمون اني انا الرب حين اجعل الارض خربة مقفرة على كل رجاساتهم التي فعلوها.

قارن مع 24 :26. وهنا تصور الشعب أنه ما دام الله أعطى الأرض لإبراهيم ميراثاً وهو واحد فمن الأولى أن يعطيهم الأرض وهو كثيرون. ولكن الله هنا يظهر لهم أنه وعد إبراهيم لنقاوة قلبه، ولو شابهوا إبراهيم أبوهم لأعطاهم الأرض، ولو إستمروا فى خطاياهم المذكورة سيخربهم. وهنا وفى آية (21) نجد شخصاً إستطاع الفرار من جحيم أورشليم وأتى ليخبر فى بابل بما حدث بأورشليم، وكان ما أخبر به متفقاً مع نبوات حزقيال.

 

الآيات 30 – 33 :- و انت يا ابن ادم فان بني شعبك يتكلمون عليك بجانب الجدار و في ابواب البيوت و يتكلم الواحد مع الاخر الرجل مع اخيه قائلين هلم اسمعوا ما هو الكلام الخارج من عند الرب. و ياتون اليك كما ياتي الشعب و يجلسون امامك كشعبي و يسمعون كلامك و لا يعملون به لانهم بافواههم يظهرون اشواقا و قلبهم ذاهب وراء كسبهم. و ها انت لهم كشعر اشواق لجميل الصوت يحسن العزف فيسمعون كلامك و لا يعملون به. و اذا جاء هذا لانه ياتي فيعلمون ان نبيا كان في وسطهم

يبدو أنه بعد مجئ المنفلت (آية 21) صدق الشعب أن حزقيال كان نبياً من الله، فبدأوا يتوافدون عليه. ولكن ياللأسف فهم لم يأتوا ليسمعوا ويتوبوا، بل أتوا كمن يأتى ليستمع لمغنى ويطرب لما سمعه منه ثم ينسى ما سمعه. لأن قلبهم كان ذاهباً وراء كسبهم. وهذا شأن كثيرين يعجبهم واعظ ما، ويعجبون بكلامه، ولكنهم لا يعملون به. وتكون النتيجة أنهم سيخربون نتيجة عدم التوبة وحينئذ يعلمون أن نبياً كان فى وسطهم      


 

الإصحاح الرابع والثلاثون

لم يسجل تاريخ هذا الإصحاح وما بعده، وربما كان تاريخهم بعد خراب أورشليم ليفسر أسباب هذا الخراب وليعطى رجاء فى المستقبل. ومن ضمن أسباب الخراب إهمال وأنانية الرعاة الذين لم يكونوا رقباء ينذرون الشعب ولا إهتموا بخلاص نفوس الرعية، بل كان كل ما إهتموا به هو كيف يستفيدوا من هذا الشعب مادياً وتمتلئ جيوبهم. لذلك قال السيد المسيح "الذين أتوا من قبلى هم سراق ولصوص" وهم أجراء يهتمون بالأجر ولكن قلبهم ليس على رعيتهم. ويا ويل أمة شعبها خاطئ وكهنتها بهذا الوصف، لهذا خربت يهوذا. ولكن من المعزى أنه فى هذا الإصحاح نسمع وعد بمجئ المسيح الراعى الحقيقى والراعى الصالح للخراف (قارن مع يو 10)

 

آية 2 :- يا ابن ادم تنبا على رعاة اسرائيل تنبا و قل لهم هكذا قال السيد الرب للرعاة ويل لرعاة اسرائيل الذين كانوا يرعون انفسهم الا يرعى الرعاة الغنم.

يرعون أنفسهم = يهتموا بما يعود عليهم من نفع مادى ومعنوى وليس بالشعب

 

آية 3 :- تاكلون الشحم و تلبسون الصوف و تذبحون السمين و لا ترعون الغنم.

الراعى يشرب لبن خرافه، وهذا يعنى أن يكتفى من شعبه بأن يكون فى مستوى مادى معقول. لكن ليس أن يذبح السمين = يأخذوا أجود ما عند الشعب.

 

آية 4 :- المريض لم تقووه و المجروح لم تعصبوه و المكسور لم تجبروه و المطرود لم تستردوه و الضال لم تطلبوه بل بشدة و بعنف تسلطتم عليهم.

هم يطلبون الأغنياء لمصلحتهم الخاصة، فلماذا يطلبون المرضى والضعفاء، وعدم إهتمامهم بهؤلاء الضعفاء الفقراء جعلهم يتشتتون.

 

آية 8 :- حي انا يقول السيد الرب من حيث ان غنمي صارت غنيمة و صارت غنمي ماكلا لكل وحش الحقل اذ لم يكن راع و لا سال رعاتي عن غنمي و رعى الرعاة انفسهم و لم يرعوا غنمي.

عادت فى هذا الإصحاح نغمة حلوة فالله يقول غنمى. ويدين الرعاة الذين لا يرعونهم

 

آية 10 :- هكذا قال السيد الرب هانذا على الرعاة و اطلب غنمي من يدهم و اكفهم عن رعي الغنم و لا يرعى الرعاة انفسهم بعد فاخلص غنمي من افواههم فلا تكون لهم ماكلا.

اكفهم عن رعى الغنم = هذا يعنى أنتهاء الكهنوت اليهودى طالما المسيح الكاهن الأعظم قد أتى. والله سيطلب قطيعه ليرعاه هو بنفسه. أما هؤلاء الأجراء فلن يرعوا حتى أنفسهم فالمسيح راعى الكل

 

آية 13 :- و اخرجها من الشعوب و اجمعها من الاراضي و اتي بها الى ارضها و ارعاها على جبال اسرائيل و في الاودية و في جميع مساكن الارض.

نبوة عن أن الكنيسة التى سيرعاها المسيح ستكون فى إسرائيل وفى كل الأرض

 

آية 14 :- ارعاها في مرعى جيد و يكون مراحها على جبال اسرائيل العالية هنالك تربض في مراح حسن و في مرعى دسم يرعون على جبال اسرائيل.

جبال إسرائيل العالية = تشير لعلو وسمو الكنيسة المرتفعة عن الأرضيات وأبوها سماوى وسيرتها هى فى السماويات فى 3 : 20.

 

آية 16 :- و اطلب الضال و استرد المطرود و اجبر الكسير و اعصب الجريح و ابيد السمين و القوي و ارعاها بعدل.       

سأبيد السمين القوى = تعنى من كان له راحة وعاش فى الخطية يشربها كالماء، هذا لن يرعاه الله.

 

آية 17 :- و انتم يا غنمي فهكذا قال السيد الرب هانذا احكم بين شاة و شاة بين كباش و تيوس.

أحكم بين شاة وشاة = الله هو وحده الذى يستطيع أن يميز بين السمين القوى والخروف الضال

 

الآيات 18، 19 :- اهو صغير عندكم ان ترعوا المرعى الجيد و بقية مراعيكم تدوسونها بارجلكم و ان تشربوا من المياه العميقة و البقية تكدرونها باقدامكم. و غنمي ترعى من دوس اقدامكم و تشرب من كدر ارجلكم.

الله أعطى المياه العميقة = أى فهمم كتب الله وأسراره ومحبته وهذا يعلنه الله لخدامه ليشرحوه لشعبه، والخدام هم خدام المصالحة، عليهم أن يصالحوا الشعب مع الله 2كو 5 : 18. إذاً على الخدام أن يشربوا من المياه العميقة (هى عميقة لأنه مهما حاول الخادم أن يدرك عمقها لن يستطيع، لن يستطيع أحد أن يدرك عمق محبة الله) ويعطوا الآخرين ليشربوا. أن يسمعوا ويفهموا ويفرحوا من نعم الله لهم، ثم يعطوا ويعلموا ويقودوا شعبهم. ولكنهم بتصرفاتهم لوثوا المياه وقدموا لشعبهم معلومات ملوثة، وهذه تعنى :-

1-  إما إهمال تعليم الفقراء، وكلموهم بأى كلام، وبدون إهتمام.

2-  بمحبتهم الضعيفة وإحتقارهم للفقراء أعطوا صورة رديئة للناس عن الله

ترعوا المرعى الجيد = أى ما يأتى منه عائد مادى كبير. وبقية مراعيكم تدوسونها أى يحتقروا الفقراء. ولنلاحظ أن الناس ترى فى الخدام صورة لله. والله يقول = أصغير عندكم هذا = فحتى لو كان صغير عندكم، فهو عندى شئ أثيم جداً سأنتقم منكم بسببه

 

آية 21 :- لانكم بهزتم بالجنب و الكتف و نطحتم المريضة بقرونكم حتى شتتموها الى خارج.

بهزتم = دفعتم جانباً الضعفاء ولم تشفقوا عليهم (كما فعل الكتبة والفريسيين)

 

آية 23 :- و اقيم عليها راعيا واحدا فيرعاها عبدي داود هو يرعاها و هو يكون لها راعيا.

عبدى داود = هو الراعى الحقيقى المسيح إبن داود. الذى قلبه حسب قلب الله. راعياً واحداً = فالمسيح الذى جعل الإثنين واحداً أف 2 : 14. فما عاد هناك قطيعين أو دولتين. الكنيسة هى كنيسة واحدة، كما كانت إسرائيل دولة واحدة أيام داود.

 

الآيات 25 – 30 :- و اقطع معهم عهد سلام و انزع الوحوش الرديئة من الارض فيسكنون في البرية مطمئنين و ينامون في الوعور. و اجعلهم و ما حول اكمتي بركة و انزل عليهم المطر في وقته فتكون امطار بركة. و تعطي شجرة الحقل ثمرتها و تعطي الارض غلتها و يكونون امنين في ارضهم و يعلمون اني انا الرب عند تكسيري ربط نيرهم و اذا انقذتهم من يد الذين استعبدوهم. فلا يكونون بعد غنيمة للامم و لا ياكلهم وحش الارض بل يسكنون امنين و لا مخيف. و اقيم لهم غرسا لصيت فلا يكونون بعد منفيي الجوع في الارض و لا يحملون بعد تعيير الامم. فيعلمون اني انا الرب الههم معهم و هم شعبي بيت اسرائيل يقول السيد الرب.

المسيح ملك السلام أقام سلاماً بين السمائيين والأرضيين وبين الله والإنسان وبين الإنسان والإنسان = وأقيم معهم عهد سلام. وسينزع الوحوش الرديئة = يقيد إبليس بسلسلة رؤ 20 : 1 – 3. وأنزل عليهم المطر أى يفيض الله على شعبه من نعمته. وأكبر نعمة أن يسكن فينا روحه القدوس ومن يسكن فيه الروح القدس يكون كشجرة مغروسة على المياه = تعطى ثمرها إشارة لثمار الروح غل 5 : 22، 23. والمسيح كسر نيرنا مع الشيطان لذلك قال إن حرركم الإبن فبالحقيقة تكونون أحراراً يو 8 : 36 = تكسيرى ربط نيرهم. وحين يسود المسيح علينا كرئيس ويملك علينا لن يجرؤ شيطان = الأمم أن يغتنمنا غرساً لصيت = هو المسيح غصن البر (أر 23 : 5) الذى له إسم فوق كل إسم فى 2 : 9 ويعلمون إنى أنا الرب إلههم = أى كفايتهم وسلامهم وقوتهم وحريتهم وكل شئ لهم. أناس أنتم = بهذا نفهم أن الغنم هم شعب الله.


 

الإصحاح الخامس والثلاثون

هو تقريباً إعادة لنبوة آدوم الواردة إصحاح (25). ولكنها تكررت هنا لأن الإصحاح السابق يحدثنا عن عمل المسيح الرعوى. ومن أهم أعمال رعايته هدم قوى الشر الخارجية أى إبليس الذى يمثله هنا آدوم. فآدوم شمتوا فى يهوذا حين سقطت يهوذا، بل هجموا عليهم وقتلوا منهم فكانوا دمويين (يو 8 : 44). وهم منوا أنفسهم بأن يرثوا أرض يهوذا وإسرائيل = هاتين الأمتين (آية 10) بعد خراب الأمتين. وهذه هى أعمال الشيطان تماماً. ولكن الله يقول أبداً فسأرعى شعبى وأعطيهم أن يفرحوا. وحين يفرحوا سيكون آدوم أو الشيطان قفراً وخراباً. هذا الذى له بغضة أبدية مع شعب الله  ولاحظ دقة إختيار شعب آدوم ليكون رمزاً للشيطان هنا :-

1- بين يعقوب شعب الله وعيسو (آدوم) بغضة أبدية (من البطن) بسبب الميراث. وإختيار إسم آدوم بدلاً من عيسو فأدوم يعنى أحمر إشارة لدموية إبليس الذى كان قتالاً للناس منذ البدء يو 8 : 44 أى أهلكهم. بخداعاته وإسقاطه لهم فى الخطايا.

2-  الحروب المستمرة بين أدوم ويعقوب، إشارة للعداوة بين نسل المرأة والحية.

3-  إنتقام أدوم من شعب الله وقت بليته (حز 25 : 12)

وقت إثم النهاية = أى دفعهم للقتل حين إمتلأ كأسهم من إثمهم وأسلمهم الله للتأديب. فهم هجموا عليهم وقتلوا منهم الكثيرين. فوقت إثم النهاية هو تعبير يعنى أن الله كان يحتمل أخطاء شعبه لفترة طويلة، وبعد ذلك بدأ يؤدب بعقوبات بسيطة، وبدأت العقوبات تتزايد، إلى أن قرر الله فى النهاية أن يخرب شعبه بضربة شديدة نتيجة لأثامهم. ويكون معنى إثم النهاية أى الخطايا التى تفشت فقرر الله فى النهاية ضرب الشعب بسببها. ولاحظ قول الله على من تكلم على شعبه بالإهانة أو تكلم عليه هو بالإهانة أنا الرب قد سمعت.... أنا سمعت (آيات 12، 13) فعلينا أن لا نهتم بمن يهين الله أو مسيحه أو الكنيسة، فالله يسمع، لكنه يتدخل فى الوقت المناسب. وأذا فهمنا أن أدوم هنا يرمز للشيطان فإن قوله هاتين الأمتين = أى اليهود (الذين عرفوا الرب) والأمم (الذين لم يعرفوه). فالشيطان يحارب الجميع


 

الإصحاح السادس والثلاثون

تركنا فى الإصحاح السابق جبل سعير وهو قفر وسيستمر كذلك. الآن نستدير لجبل إسرائيل أى شعب الله الذى كان خراباً لإستعباد الأعداء له، مثل سعير. وهنا نسمع وعد الله بخلاص شعبه. وإستعادة إسرائيل هنا لأرضها بعد أن كانت فى سبى بابل، وسعير شامت فيها، هى رمز لإستعادة الإنسان لميراثه السماوى، بعد أن أُسْلِمنا للشيطان (رمزه بابل وسعير) بسبب الخطية.

 

آية 1 :- و انت يا ابن ادم فتنبا لجبال اسرائيل و قل يا جبال اسرائيل اسمعي كلمة الرب.

هكذا أراد الله أن يكون شعبه = جبالاً مرتفعين عن الأرضيات لهم حياة سماوية، ثابتين كالجبال فى إيمانهم غير مزعزعين كو 2 : 7

 

آية 2 :- هكذا قال السيد الرب من اجل ان العدو قال عليكم هه ان المرتفعات القديمة صارت لنا ميراثا.

شماتة العدو بسقوط أولاد الله وهزيمتهم. وقالوا = المرتفعات القديمة صارت لنا ميراثاً = أى لم يعد هناك مكان مقدس، بل تسيد العدو على كل شئ وقد رأينا سيادة بابل على أورشليم وتخريب الهيكل. ومن قبل رأينا العبادة الوثنية تدخل الهيكل (إصحاح 8). والمرتفعات القديمة هى آدم الذى خلقه الله فى حياة سماوية وبسبب خطيته سقط، فظنه الشيطان أنه صار له ميراثاً أبدياً، لكن الله سمح بأن يسلم الإنسان للباطل فترة للتأديب حتى يأتى المسيح.

 

آية 3 : فلذلك تنبا و قل هكذا قال السيد الرب من اجل انهم قد اخربوكم و تهمموكم من كل جانب لتكونوا ميراثا لبقية الامم و اصعدتم على شفاه اللسان و صرتم مذمة الشعب.

تهمموكم = إبتلعوكم. والمعنى أنه حينما هزمت بابل الشعب صار فريسة لباقى الشعوب مثل سعير، فأخربوه من كل جانب. فصار مذمة الشعوب. وهذا ما حدث بسقوط آدم أن البشر عموماً صاروا فريسة وسخرية لإبليس وهكذا كل من يسقط فى خطية الآن، يجر هذا عليه خطايا أكثر فيصير مذمة للشعوب

 

آية 4 :- لذلك فاسمعي يا جبال اسرائيل كلمة السيد الرب هكذا قال السيد الرب للجبال و للاكام و للانهار و للاودية و للخرب المقفرة و للمدن المهجورة التي صارت للنهب و الاستهزاء لبقية الامم الذين حولها.

هنا نجد وعد الله بأنه سيخلص الجميع، وأنه سيأتى للجميع كباراً وصغاراً قديسين وخطاة = جبالاً وودياناً. فالناس درجات فمنهم الجبال = مثل حزقيال وأرمياء ودانيال...الخ ومنهم درجات أقل فهم أكام ومنهم درجات منخفضة جداً = وديان ومنهم من خربته الخطية = خرب مقفرة وهذه الأخيرة صارت للنهب. ومنهم الذين كانوا معلمين = أنهار

 

آية 5 :- من اجل ذلك هكذا قال السيد الرب اني في نار غيرتي تكلمت على بقية الامم و على ادوم كلها الذين جعلوا ارضي ميراثا لهم بفرح كل القلب و بغضة نفس لنهبها غنيمة.

أعداء الله وضعوا أياديهم الدنسة على شعبه = أرضه وظنوها ميراثاً لهم وبكل بغضة نفوسهم ضد شعبه فرحوا بقلوبهم لهذا. لكن الله لن يسكت فهذا أثار نار غيرته على شعبه

 

آية 6 :- فتنبا على ارض اسرائيل و قل للجبال و للتلال و للانهار و للاودية هكذا قال السيد الرب هانذا في غيرتي و في غضبي تكلمت من اجل انكم حملتم تعيير الامم.

لنلاحظ أنه حين يقوم الأمم بتعيير شعب الله أى أهانتهم فهذا يثير غضبه وغيرته.

 

آية 7 :- لذلك هكذا قال السيد الرب اني رفعت يدي فالامم الذين حولكم هم يحملون تعييرهم.

الله هنا يقسم = رفعت يدى = علامة القسم أن الأمم سيلاقون نفس المصير أى التعيير. فالكأس التى أعدوها لشعب الله سيشربونها، فالصليب الذى أعده هامان صلب عليه هو (قصة إستير). إذاً لا داعى للشكوى من أى إضطهاد فكلما زاد الإضطهاد تزيد مراحم الله.

 

الآيات من 8 – 11 :- اما انتم يا جبال اسرائيل فانكم تنبتون فروعكم و تثمرون ثمركم لشعبي اسرائيل لانه قريب الاتيان. لاني انا لكم و التفت اليكم فتحرثون و تزرعون. و اكثر الناس عليكم كل بيت اسرائيل باجمعه فتعمر المدن و تبنى الخرب. و اكثر عليكم الانسان و البهيمة فيكثرون و يثمرون و اسكنكم حسب حالتكم القديمة و احسن اليكم اكثر مما في اوائلكم فتعلمون اني انا الرب.

وعد برجوع الشعب إلى أرضه ويكونون فى حرية ويكون لهم ثمر. وهذا اليوم قريب الإتيان = وهناك يوم رمزى وهو عودة الشعب من السبى ويوم حقيقى، هو يوم الصليب. تحرثون وتزرعون = هنا يشبه الله الإنسان بالأرض، التى يجب أن تحرث ليتم تنقيتها، وتزرع لتأتى بثمر. ونحن بالمعمودية نتنقى إذ يموت إنساننا العتيق، ويزرع فينا إنسان جديد على شكل المسيح، لأن المسيح يعطينا حياته رو 6 : 4 – 8 الإنسان والبهيمة = حين تكثر أعدادهم فهذا يشير لزيادة الخير والبركات. لكن الإنسان يشير للسالك بالروح والبهيمة تشير لمن يسلك بحسب شهواته. والروح القدس يقدس كليهما. وأحسن إليكم أكثر من أوائلكم = فنعمة المسيح وعمله جعلتنا فى وضع أفضل من آدم.

 

الآيات 12 – 15 :- وأمشى الناس عليكم شعبى إسرائيل فيرثونك فتكون لهم ميراثاً ولا تعود بعد تتكلهم. هكذا قال السيد الرب من أجل أنهم قالوا لكم أنت أكالة الناس ومثكلة شعوبك. لذلك لن تأكلى الناس بعد ولا تتكلى شعوبك بعد يقول السيد الرب. ولا أسمع فيك من بعد تعيير الأمم ولا تحملين تعيير الشعوب بعد ولا تعثرين شعوبك بعد يقول السيد الرب.

هنا وعد لشعب الله أن يعود لأرضه. فالكلام هنا للجبال = وأمشى عليكم شعبى إسرائيل. أى يكثر الله الناس داخل الكنيسة، ويكونون فى حالة حركة بلا توقف، ولا يقترب الموت إليهم. وكانت سخرية الأمم على إسرائيل أنها أكالة الناس بالسيف والجوع والوبأ والحصار. ولكن بنعمة المسيح بطل كل هذا.

 

الآيات 16 – 19 :-وكان إلى كلام الرب قائلاً يا آدم إن بيت إسرائيل لما سكنوا أرضهم نجسوها بطريقهم وبأفعالهم كانت طريقهم أمامى كنجاسة الطامث فسكبت غضبى عليهم لأجل الدم الذى سفكوه على الأرض وبأصنامهم نجسوها فبددتهم فى الأمم فتذروا فى الأراضى كطريقهم وكأفعالهم دنتهم

الله يذكرهم هنا بأن تأديبهم راجع لخطاياهم. فهم نجسوا الأرض المقدسة.

 

آية 20 :-فلما جاءوا إلى الأمم حيث جاءوا وأنجسوا إسمى القدوس إذ قالوا لهم هؤلاء شعب الرب وقد خرجوا من أرضه

حتى حينما أرسلهم الله للسبى فى أرض غريبة إستمروا فى خطاياهم فنجسوا إسم الله القدوس، وهذه عكس "ليرى الناس أعمالكم الصالحة ويمجدوا أباكم الذى فى السموات"

 

الآيات 21، 22 :- فتحننت على أسمى القدوس الذى نجسه بيت إسرائيل فى الأمم حيث جاءوا. لذلك فقل لبيت إسرائيل هكذا قال السيد الرب ليس لأجلكم أنا صانع يا بيت إسرائيل بل لأجل أسمى القدوس الذى نجستموه فى الأمم حيث جئتم

هذه الآيات لا تعنى أن الله لا يهتم بنا، أو يهتم فقط بمجد إسمه القدوس، بل تعنى أن لا شئ فينا يستحق نعمته، بل هو يعمل فينا بمحبته ولأجل مجد إسمه القدوس.

 

الآيات 23 – 25 :- فأقدس أسمى العظيم المنجس فى الأمم الذى نجستموه فى وسطهم فتعلم الأمم أنى أنا الرب يقول السيد الرب حين أتقدس فيكم قدام أعينهم وآخذكم من بين الأمم وأجمعكم من جميع الأراضى وآتى بكم إلى أرضكم وأرش عليكم ماء طاهر فتطهرون من كل نجاستكم ومن كل أصنامكم أطهركم

حين يؤدب الله شعبه ثم يرفعهم يتعلم الآخرين الدرس فيتقدس الله قدام أعين الأمم. وفى 24 نبوة بدخول الأمم للكنيسة جسد المسيح مع اليهود. وحين يجمع الله شعبه يطهرهم. وهذه نبوة عن عمل المعمودية أى غسل الخطايا القديمة.

 

آية 26 :- وأعطيكم قلباً جديداً وأجعل روحاً جديداً فى داخلكم وأنزع قلب الحجر

أنظر شرح الآية حز 11 : 19 صفحة 65. والقلب الجديد، هو القلب المختون بالروح رو 2 : 29 الذى مات منه إنسان الخطية أى شهوة الخطية. فالروح القدس يمنحنا طبيعة جديدة منفتحة على الله عوضاً عن الطبيعة الفاسدة المنفتحة على الشر

 

آية 27 :- وأجعل روحى فى داخلكم وأجعلكم تسلكون فى فرائضى وتحفظون أحكامى وتعملون بها

هذه نبوة عن سر الميرون الذى به يسكن الروح القدس فى المؤمن المعمد فيعينه على حفظ الوصايا. وذلك بأن يسكب محبة الله فى قلبه رو 5 : 5.

 

آية 28 :- وتسكنون الأرض التى أعطيت آباءكم إياها وتكونون لى شعباً وأنا أكون لكم إلهاً. 

الله يذكر عهده لأبائهم بأن يعطيهم الأرض، وهذا ما حدث يعد العودة من السبى ولكن هذه الآية تنظر لما هو أبعد من ذلك. فهى تشير لإستردادنا الميراث السماوى فمن يسكن الكنيسة الآن سيرث السماء.

 

الآيات 29 31 :- وأخلصكم من كل نجاساتكم وأدعو الحنطة وأكثرها ولا أضع عليكم جوعاً وأكثر ثمر الشجر وغلة الحقل لكيلا تنالوا بعد عار الجوع بين الأمم فتذكرون طرقكم الرديئة وأعمالكم غير الصالحة وتمقتون أنفسكم أمام وجوهكم من أجل آثامكم وعلى رجاساتكم

حين يسكن الله وسط كنيسته فهو يبارك ببركات روحية بل ومادية أيضاً. ولاحظ أنه فى حالة القداسة والبركة، لو تذكر التائب خطاياه يمقت نفسه لأنه أهان الله يوماً. بل مهما وصلنا لدرجة عالية من القداسة سنظل نمقت أنفسنا إذ نكتشف دائماً وجود خطايا داخلنا 1تى 1 : 15 وهذه علامة التوبة الحقيقية.

 

آية 32 :- لا من أجلكم أنا صانع يقول السيد الرب فليكن معلوماً لكم فأخجلوا وأخزوا من طرقكم يا بيت إسرائيل

فأخجلوا = الله غفر حقاً، لكن لنقل خطيتى أمامى فى كل حين فلا نسقط فى الكبرياء.

 

الآيات 33 – 35 :- هكذا قال السيد الرب فى يوم تطهيرى إياكم من كل آثامكم أسكنكم فى المدن فتبنى الخرب. وتفلح الأرض الخربة عوضاً عن كونها خربة أمام عينى كل عابر فيقولون هذه الأرض الخربة صارت كجنة عدن والمدن الخربة والمقفرة والمنهدمة محصنة معمورة

النفس التى يفارقها الله تصبح خراباً موحشة، وحين يعود لها الله تصبح جنة

 

آية 36 :- فتعلم الأمم الذين تركوا حولكم  أنى أنا الرب بنيت المنهدمة وغرست المقفرة أنا الرب تكلمت وسأفعل

الله أب للجميع فهو يصلح من حال شعبه ويجعلهم كجنة، ولكن عين الله أيضاً على الأمم. وحين يرى الأمم عمله مع شعبه   يؤمنون به فيتحولون هم أيضاً لجنات.إذاً "لنسعى كسفراء للمسيح كأن المسيح يعظ بنا" فهذا واجب كل مؤمن.

 

آيات 37، 38 :- هكذا قال السيد الرب بعد هذه أطلب من بيت إسرائيل لأفعل لهم أكثرهم كغنم أناس. كغنم مقدس كغنم أورشليم فى مواسمها فتكون المدن الخربة ملآنة غنم أناس فيعلمون أنى أنا الرب.

حينما تمتلئ النفس من بركة ونعمة ومحبة الله يقدم الإنسان نفسه كذبيحة حية، كغنم سيقت للذبح رو 8 : 36 والآيات تشير لإزدياد عدد المؤمنين فى الكنيسة


 

الإصحاح السابع والثلاثون

نجد هنا صورة رائعة للفرق بين عمل المعمودية وعمل سر الميرون. فما حدث نتيجة خطية آدم أن الإنسان مات وتحول إلى عظام يابسة، وتحولت الأمم إلى أمم ميتة كعظام يابسة بلا حياة، وبلا ثمر. وكرمز لهذا فها هى أمة إسرائيل بسبب خطاياها، هى فى السبى، وكأنها عظام يابسة. وكما تعود إسرائيل من السبى إلى أرضها لتدب فيها الحياة مرة أخرى، هكذا بالمسيح سيحيا الإنسان ثانية. فالمسيح جاء وحول الموت إلى حياة، وبالمعمودية نولد من جديد، وبالميرون

 (أو وضع اليد) يدب فينا الروح. وكرمز لهذا كانت العودة من السبى. ونرى فى  أع 19 : 1 – 6 شرح للفرق بين المعمودية وحلول الروح القدس.

ونلاحظ أن حالة العظام اليابسة يرتد لها كل من يرتد للخطية ويتقسى قلبه.

 

آية 1 :- كانت على يد الرب فأخرجنى بروح الرب وأنزلنى فى وسط البقعة وهى ملآنة عظاماً

يد الرب = إشارة للمسيح الذى بقيامته سيعطى حياة. رو 6 : 4- 8. واليد تشير للمسيح فهو قوة الله 1كو 1 : 24 + أش 59 : 1 + أش 51 : 9 – 11 + أش 51 : 1. فأخرجنى بروح الرب = الروح القدس الذى يعمل فى الكنيسة إنسكب على الكنيسة بإستحقاقات دم المسيح المخلص، وهو يعطى الميلاد الجديد فى المعمودية (فالمعمودية ميلاد من الماء والروح يو 3 : 5) ثم يحل على المعمد ليعطيه قلباً جديداً، ويثبته فى المسيح 2كو 1 : 21. ومن يثبت فى المسيح يصير خليقة جديدة حية 2كو 5 : 17. إذاً العمل هو عمل مشترك للإبن الكلمة (يد الرب) والروح القدس. ولأن النبى يرمز لهذا العمل، فهو سيتنبأ لتقوم العظام ويدب فيها الحياة، ونرى هنا يد الرب وروحه القدوس يعملان فى النبى رمزاً لعمل أقنومى الإبن والروح القدس فى إعطاء حياة جديدة للإنسان الذى مات بالخطية. وأنزلنى = فالخطية أنزلتنا من فوق  ملآنة عظاماً = لا أمل فى قيامتها ثانية. وهى ملأنة فكل بنى آدم ماتوا.

 

الآية 2 :- وأمرنى عليها من حولها وإذا هى كثيرة جداً على وجه البقعة وإذا هى يابسة جداً

يابسة جداً = إنقضى على موت أصحابها زمن طويل، أى منذ سقط آدم

 

الآيات 3 – 5 :- فقال لى يا إبن آدم أتحيا هذه العظام فقلت يا سيد الرب أنت تعلم فقال لى تنبأ على هذه العظام وقل لها أيتها العظام اليابسة أسمعى كلمة الرب هكذا قال السيد الرب لهذه العظام هأنذا أدخل فيكم روحاً فتحيون

الإجابة المنطقية للسؤال فى آية 3 هى لا. فهل يعقل أن يقوم إنسان قد ألقى فى قبر، أو هل هناك أمل فى عودة اليهود لأورشليم بعد أن تشتتوا فى السبى، أو هل هناك أمل فى توبة خاطئ أثيم. لكن إن كان عقل الإنسان قد حكم بأن إجابة السؤال السابق بلا، لكن كلمة الرب، الإبن أى المسيح بعمل فدائه قادر أن يعطى حياة للموتى ولإسرائيل ولكل خاطئ فيحيا وهذا معنى = إسمعى كلمة الرب. فمن يسمع صوت إبن الله يحيا يو 5 : 24، 25 قال السيد الرب... أدخل فيكم روحاً = هذه تساوى "ومتى جاء المعزى الذى سأرسله إليكم أنا من الآب روح الحق الذى من عند الآب...

 يو 15 : 26" قال السيد الرب = أى الإبن الكلمة الذى سيرسل روحه يدخل فينا فيعطى حياة = فتحيون

 

آية 7 : -فتنبأت كما أمرت وبينما أنا أتنبأ كان صوت وإذا رعش فتقاربت العظام كل عظم إلى عظيمة

فتنبأت = حقاً إن الروح هو الذى يعطى حياة، ولكن الله يطلب خداماً يتكلمون والروح يضع فى أفواههم ما يقولونه "أطلبوا من رب الحصاد" (مت 9 : 38) أن يرسل فعلة إلى حصاده. فكان يمكن أن الروح يقيم هذه العظام بدون أن يتكلم النبى، ولكن الله يريد أن يظهر كرامة وأهمية الخدمة "عظ وبخ إنتهر فى وقت مناسب وغير مناسب 2تى 4 : 2". وبينما أنا أتنبأ كان صوت هذا هو صوت الروح القدس الذى ينبه القلوب الميتة فتقدم توبة وتزلزل كيان الخاطئ وإذا رعش = هكذا أرتعد بولس حينما كلم الرب أع 9 : 6 وهكذا أرتعب فيلكس حينما كلمه بولس أع 24 : 25 فتقاربت العظام = هذا ما سيحدث مع اليهود حين يجمعهم الله من كل أنحاء السبى إلى بلادهم، كما يجمع العظام لجسد واحد. وهكذا سيحدث مع كنيسة المسيح. فيتكامل الجسد الذى هو كعظام مرتبطة بمفاصل بالمسيح الرأس أف 5 : 30 + كو 2 : 19 + أف 4 : 15، 16.

 

آية 8 :- ونظرت وإذا بالعصب واللحم كساها وبسط الجلد عليها من فوق وليس فيها روح

هنا العظام تحولت إلى جسد من جديد. هذه هى الولادة الجديدة بالمعمودية

 

آية 9 :- فقال لى تنبأ للروح تنبأ يا إبن آدم وقل للروح هكذا قال السيد الرب هلم يا روح من الرياح الأربع وهب على هؤلاء القتلى ليحيوا

هنا وربما هذه هى المرة الوحيدة التى يصلى فيها أحد فى الكتاب المقدس للروح القدس، ونحن نصلى للروح القدس ليملأنا ويسكب فينا محبة الله، وهكذا تعلمنا الكنيسة فى صلوات الساعة الثالثة "أيها الملك السمائى المعزى روح الحق..." وقوله الرياح الأربع فيه إشارة لأن الروح القدس سيملأ كل العالم.

 

آية 10 :- فتنبأت كما أمرنى فدخل فيهم الروح فحيوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جداً جداً

هذا تشبيه نفخة الكاهن فى وجه المعمد قائلاً "إقبل الروح القدس" فبعد ولادته الجديدة يأخذ نعمة الروح القدس فيحيا. وقاموا جيش عظيم جداً جداً هكذا أولاد الله هم مرهبين للشياطين بالروح القدس الذى يسكن فيهم وبالمسيح الذى يثبت فيهم. "هم كجيش بألوية" المسيح يغلب بهم نش 6 : 10 + رؤ 6 : 2

 

الآيات 11 – 14 :- ثم قال لي يا ابن ادم هذه العظام هي كل بيت اسرائيل ها هم يقولون يبست عظامنا و هلك رجاؤنا قد انقطعنا. لذلك تنبا و قل لهم هكذا قال السيد الرب هانذا افتح قبوركم و اصعدكم من قبوركم يا شعبي و اتي بكم الى ارض اسرائيل. فتعلمون اني انا الرب عند فتحي قبوركم و اصعادي اياكم من قبوركم يا شعبي.و اجعل روحي فيكم فتحيون و اجعلكم في ارضكم فتعلمون اني انا الرب تكلمت و افعل يقول الرب.

المقصود أن الله سيعطى حياة ثانية لشعبه إسرائيل، ولكن هذا يرمز لقيامة النفس الخاطئة وقيامة كنيسة العهد الجديد والقيامة الأخيرة من الأموات يو 25:5-29 (وفى هذه الآيات نرى قيامتين للمؤمنين)

 

الآيات 15 – 27 :- و كان الي كلام الرب قائلا.و انت يا ابن ادم خذ لنفسك عصا واحدة و اكتب عليها ليهوذا و لبني اسرائيل رفقائه و خذ عصا اخرى و اكتب عليها ليوسف عصا افرايم و كل بيت اسرائيل رفقائه. و اقرنهما الواحدة بالاخرى كعصا واحدة فتصيرا واحدة في يدك. فاذا كلمك ابناء شعبك قائلين اما تخبرنا ما لك و هذا. فقل لهم هكذا قال السيد الرب هانذا اخذ عصا يوسف التي في يد افرايم و اسباط اسرائيل رفقاءه و اضم اليها عصا يهوذا و اجعلهم عصا واحدة فيصيرون واحدة في يدي. و تكون العصوان اللتان كتبت عليهما في يدك امام اعينهم. و قل لهم هكذا قال السيد الرب هانذا اخذ بني اسرائيل من بين الامم التي ذهبوا اليها و اجمعهم من كل ناحية و اتي بهم الى ارضهم. و اصيرهم امة واحدة في الارض على جبال اسرائيل و ملك واحد يكون ملكا عليهم كلهم و لا يكونون بعد امتين و لا ينقسمون بعد الى مملكتين.و لا يتنجسون بعد باصنامهم و لا برجاساتهم و لا بشيء من معاصيهم بل اخلصهم من كل مساكنهم التي فيها اخطاوا و اطهرهم فيكونون لي شعبا و انا اكون لهم الها. و داود عبدي يكون ملكا عليهم و يكون لجميعهم راع واحد فيسلكون في احكامي و يحفظون فرائضي و يعملون بها. و يسكنون في الارض التي اعطيت عبدي يعقوب اياها التي سكنها اباؤكم و يسكنون فيها هم و بنوهم و بنو بنيهم الى الابد و عبدي داود رئيس عليهم الى الابد. و اقطع معهم عهد سلام فيكون معهم عهدا مؤبدا و اقرهم و اكثرهم و اجعل مقدسي في وسطهم الى الابد.و يكون مسكني فوقهم و اكون لهم الها و يكونون لي شعبا.فتعلم الامم اني انا الرب مقدس اسرائيل اذ يكون مقدسي في وسطهم الى الابد

خلق الله الإنسان وفى ذهنه أن يكون هناك وحدة، فحواء جزء من آدم والأولاد أجزاء منهما كليهما أى الكل جزء من آدم. ولذلك فكل الخليقة هى جسد آدم. وكانت خطة الله أن يكون هناك وحدة بينه وبين آدم ( لو أكل من شجرة الحياة). ولكن الخطية دمرت هذه الوحدة فإنفصل آدم عن الله وتحول إلى عظام، بل قتل الأخ جسده (قايين وهابيل) فهم جسد واحد. أى أن الخطية كسرت هذه الوحدة. وجاء المسيح ليعيد هذه الوحده بيننا كجسد واحد، وبيننا وبينه (يو 17 : 20 – 24). وفى هذه الآيات يرمز لهذا الإنفصال بين الإخوة بالإنفصال بين يهوذا وإسرائيل. ولكن عمل المسيح سيعيدهم إلى الوحدة ثانية. وتم تمثيل هذا بربط عصوين واحدة ترمز ليهوذا وواحدة ترمز لإسرائيل لجعلهما عصا واحدة ثانية. ومن خلال هذه الوحدة سيحكم داودعبدى = أى المسيح يملك على الكنيسة الواحدة. فهو الذى جعل الأثنين واحداً أف 2 : 14 وإختيار داود كرمز للمسيح هنا :- 1- لأن المسيح إبن داود  2- كانت المملكة أيام داود مملكة واحدة بلا إنقسام، فحيث الشقاق والخصومة لا يستطيع المسيح أن يملك (مز 133 ).وفى المسيح يجتمع الكل وهو يكون رأساً لهم حتى السمائيين والأرضيين أف 1 : 10 ومن خلال هذه الوحدة أقطع عهد سلام = فلا سلام بدون حب. بل قد تكون العصوين قد جمعتا على شكل صليب، فتكون كل هذه البركات من عمل صليب المسيح أف 2 : 16 


 

الإصحاح الثامن والثلاثون

رأينا فى الإصحاحات السابقة قيام الكنيسة، ونرى هنا أن هناك حروباً ستنشأ ضد هذه الكنيسة. فالحروب قائمة ضد شعب الله فى كل زمان ومكان، دائماً هناك حرب ضد شعب الله أياً كان (شعب إسرائيل فيما قبل المسيح أو الكنيسة فيما بعد المسيح). وهذه الحروب هى تنفيذ لما قاله الله للحية "أضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها تك 3 : 15". ولكن شكراً لله أن النبوة لم تنتهى هكذا بل نسمع "هو يسحق رأسك" فدائماً تنتهى هذه الحروب بأن يتدخل الله فى الوقت المناسب لهزيمة أعداء الكنيسة. بل إن الله يستخدم هذه الحروب فى تنقية كنيسته، وتطهير مؤمنيه وزيادة إيمانهم وثباتهم فيه، فقد رأينا الله يسمح للشيطان بأن يضرب أيوب لينقيه، ويسمح للشيطان أن يضرب بولس الرسول ليحميه من أن ينتفخ 2كو 12 :7

والنبوات تكتب بطريقة مرنة جداً وإعجازية بحيث يمكن تطبيقها عدة مرات. وهذه النبوة التى تشمل الإصحاحين 38، 39 تتكلم عن حرب رهيبة ضد شعب الله يبدو فى أولها أن النصر لهم، ولكن سرعان ما ينقلب الحال، إذ أن الله يتدخل لحماية شعبه بعد أن تكون الحرب قد أثمرت الثمرة المطلوبة منها مثل تنقية البعض وإيمان البعض... الخ.

ومناسبة هذين الإصحاحين فى هذا الجزء من حزقيال أن النبى كان قد أشار فى الجزء الأول لخراب أورشليم بسبب خطاياها ثم أشار فى الإصحاحات 25 – 32 لهلاك كل أعدائهم. ثم بدأت الوعود بتأسيس أورشليم جديدة. ولكن إنه لمنطق ضعيف أن يتصور أحد أن لنا سلام دائم فى هذا العالم، فهذا لن يكون قبل أن نصل للسماء. والضيقات القديمة لا تعفينا من ضيقات جديدة يسمح بها الله ضد كنيسته ولكنها تحت سيطرته الإلهية. وهذا ما يشير إليه النبى هنا، فبعد أن عادت إسرائيل وعاشت فترة فى سلام جاء عليها الغزو اليونانى الذى إنتهى بأبشع أنواع الإضطهاد أيام أنطيوخس إبيفانيوس الذى هزمه المكابيون وأنهوا حكم اليونان.

 وهذه الحرب هى رمز للعداوة المستمرة ضد ملكوت الله يو 15 : 18، 19. فبعد أن أتى المسيح بالسلام لكنيسته أثار عدو الخير ضدها كل أنواع الحروب، فبدأ بالإضطهاد الدموى وفشل، ثم حاول بالهرطقات التى أثارت الإنشقاقات، ولكن فى الأيام الأخيرة يبدو أنه سيثير حرباً رهيبه ضد شعب الله ويبدو أيضاً أن النصر سيكون حليفه فى أولها، ولكن الآية تنقلب عليه ويهلك جيشه بأسلحته لأن الله هو الذى يحمى كنيسته. وهذه الحروب الأخيرة تشير لها أيضاً النبوات الواردة فى زك 14 : 1- 5 + رؤ 14 : 19، 20 + رؤ 16 : 12 – 16 + رؤ 20 : 7 – 9 وهذه الحرب الأخيرة أسماها سفر الرؤيا حرب جوج وماجوج ضد الكنيسة، وبهذا تصبح التسمية جوج وماجوج هى إسم رمزى للعدو الذى سيثير حرباً ضد الكنيسة خاصة فى الأيام الأخيرة. ولكن مصير هذا العدو الهلاك. وكأن ما حدث حول أسوار أورشليم حين زحف جيش أشور الجبار ضدها مُحطِماً فى طريقه عدة مدن من يهوذا حارقاً إياها، ثم حاصر أورشليم أخيراً، لكن الله أهلك 185000 من هذا الجيش، هذا سوف يتكرر ثانية حين يزحف أعداء الله على كنيسته، وفى طريقهم سيضربون كل ما هو خارج أورشليم أى خارج الكنيسة، فمن هو داخل الكنيسة لن يفقد إيمانه، لأن الله يحميه، هو يكون سوراً من نار حول كنيستة زك 2 : 5

 

آية 2 :- يا إبن آدم إجعل وجهك على جوج أرض ماجوج رئيس روش ماشك وتوبال وتنبأ عليه

جوج = هو إسم لملك بربرى متوحش ودموى فى حروبه وقد يرمز لأنطيوخس إبيفانيوس، أو كل من يثير حرباً وحشية ضد شعب الله، كما سيحدث فى أيام النهاية (أيام ظهور ضد المسيح). ويقول البعض أنه رئيس روسيا، حيث أنه مذكور هنا أنه رئيس روش ماشك وتوبال. فيفسرون روش على أنها روسيا وماشك على أنها موسكو وتوبال على أنها توبولسك وكل هذا فى روسيا. ولكن الأقرب للصحة أن روش وماشك وتوبال هى قبائل كانت تقطن فى مناطق البحر الأسود وبحر قزوين. جوج أرض ماجوج ماجوج هو إبن يافث، وغالباً فماجوج هى الأرض التى يسكنها جوج، كما نقول فرعون والمصريين أو فرعون وأرض مصر.

 

آية 3 :- وقل هكذا قال السيد الرب هأنذا عليك يا جوج رئيس روش وتوبال

هذا مما يعطينا ثقة كبيرة فى النصرة الأكيدة، أن الله على هذا المتوحش جوج. ومن المعزى أن الله قبل أن يعطى فكرة عن وحشيته يعطى هذا التأكيد.

 

آية 4 : - وأرجعك وأضع شكائم فى فكيك وأخرجك أنت وكل جيشك خيلاً وفرساناً كلهم لابسين أفخر لباس جماعة عظيمة مع أتراس ومجان كلهم ممسكين السيوف

وأرجعك  و أضع شكائم فى فكيك   وأخرجك = لاحظ أنه قبل أن يقول أخرجك يقول أرجعك. وهذا يعنى أولاً :- أنه خروج بسماح من الله ومحكوم علية مقدماً بالرجوع وهو خاسر، بل أن حكم الرجوع يسبق حكم الخروج. فكأن الله يريد أن يقول "ولو جاء عليكم هذا كله فلا تخافوا" فهو محكوم عليه بالهلاك. وثانياً : - فهذا العدو لم يخرج ضد الكنيسة من نفسه بل لأن الله ضابط الكل سمح له بذلك. قارن هذا مع رد السيد المسيح على بيلاطس "لم يكن لك على سلطان البتة إن لم تكن قد أعطيت من فوق" وثالثاً :- فهذا العدو ليس مطلق السلطة ضد أولاد الله ولكنه مقيد فالله وضع شكائم فى فكيه ليسيطر عليه.. إذاً علينا أن لا نخشى فنحن أولاً وأخيراً فى يد الله. ولكن لماذا يسمح الله بالضيقات المذكورة؟ المعروف أن الضيقات تقود الإنسان للتوبة وإلى اللجوء لله. ولنتأمل فى وصف جيش الأعداء فى هذه الآية.. فهم فى منتهى القوة ومسلحين بل لابسين افخر الثياب.. ولكن فالعبرة دائماً بالنهاية.

 

آية 5 :- فارس وكوش فوط معهم كلهم بمجن وخوذة

هنا نسمع عن الدول المتحدة مع هذا الجوج المتوحش وهى فارس وكوش وفوط = فارس هى إيران، أما كوش فهناك مكانين يسميان كوش فى الكتاب المقدس، أولهما هى المنطقة من النوبة وحتى أثيوبيا والثانية هى فى أراضى العراق أو الجزيرة العربية تك 2 : 13 أما فوط فهى ليبيا

 

آية 6 :- وجومر وكل جيوشه وبيت توجرمة من أقاصى الشمال مع كل جيشه شعوباً كثيرين معك

جومر = قبائل سكنت فى كبادوكيا (شرق تركيا) بعد أن هاجرت من روسيا

توجرمة = غالباً هؤلاء سكنوا جنوب شرق أرمينيا.

 

آية 7 :- استعد وهيىء لنفسك أنت وكل جماعاتك المجتمعة إليك فصرت لهم موقراً

هذا الجوج عدو شعب الله أياً كان هو، نجده وقد صار موقراً وسط كل هذه الشعوب المذكورة سابقاً وصارت تحت إمرته، وهكذا حدث أن إجتمعت معظم هذه الجيوش فعلاً متضامنين مع جيش أنطيوخس إبيفانيوس. فهذه الآيات تطبق أولاً على اليهود، وكأنها نبوة عن قيام أعداء لهم بشن حروب ضدهم بعد أن يعودوا من السبى، وتطبق هذه الآيات ثانية على الأيام الأخيرة

 

آية 8 :- بعد أيام كثيرة تفتقد فى السنين الأخيرة تأتى إلى الأرض المستردة من السيف المجموعة من شعوب كثيرة على جبال إسرائيل التى كانت دائمة خربة للذين أحرجوا من الشعوب وسكنوا آمنين كلهم

هذه قد تعنى تجمع شعب اليهود فى أرض إسرائيل بعد عودتهم من سبى بابل، ليعمروا أورشليم ويهوذا التى كانت قد صارت خربة على يد البابليين. وهذه الآية تشير لدخول الأمم للإيمان بعد أن كانوا فى وثنيتهم = كانت دائماً خربة. وهؤلاء دخلوا إلى الكنيسة السماوية العالية  = جبال إسرائيل. وهؤلاء جمعهم الله من الشعوب الكثيرة = فالأمم الذين أمنوا بالمسيح كانوا من كل العالم. ولقد إستردهم المسيح من يد إبليس = الأرض المستردة من السيف. وقد تعنى تجمع شعب إسرائيل الحالى إستعداداً لإيمانهم، وهذه إشارة لأيام النهاية. وفى كل هذه المرات، حينما يجمع الله شعبه يثور عليه الأعداء (الأيات 9 وما بعدها)

 

آية 9 :- وتصعد وتأتى كزوبعة وتكون كسحابة تفشى الأرض أنت وكل جيوشك وشعوب كثيرون معك

يثور العدو عليه كزوبعة، فبعد رجوعهم من السبى ثار عليهم أنطيوخس وفى زمن الإيمان بالمسيح ثار على الكنيسة اليهود والوثنيين. وفى أيام النهاية يثور الشيطان ضد الكنيسة فى شخص ضد المسيح، فتكون هناك الحرب الرهيبة المشار إليها سابقاً.

 

الآيات 10 – 13 :-هكذا قال السيد الرب ويكون فى ذلك اليوم أن أموراً تخطر ببالك فتفكر فكراً رديئاً وتقول إنى أصعد على أرض أعراء آتى الهادئين الساكنين فى أمن كلهم ساكنون بغير سور وليس لهم عارضة ولا مصاريع لسلب السلب ولغنم الغنيمة لرد يدك على خرب معمورة وعلى شعب مجموع من الأمم المقتنى ماشية وقنية الساكن فى أعالى الأرض شبا وددان وتجار ترشيش وكل أشبالها يقولون لك هل لسلب سلب أنت جاء هل لغنم غنيمة جمعت جماعتك لحمل الفضة والذهب لأخذ الماشية والقنية لنهب نهب عظيم

فى ذلك اليوم = يوم تدبير الشر ضد أولاد الله. يظن عدو الخير أن شعب الله هو أرض أعراء = أى بدون أسوار، فيظن أنه قادر أن ينهب منها ما يشاء. فى الحروب العادية ينهب الأعداء الممتلكات أما فى الحروب الروحية فالشيطان يسلب نفوس أولاد الله. الخرب المعمورة = أورشليم بعد سبى بابل صارت خرب، وحينما عاد الشعب عُمِرَت من جديد. ونفوس البشر كانت خراباً وهى تحت عبودية الشيطان، وبعد المسيح صارت أرضاً معمورة. شبا وددان = هذه قبائل عربية. وتجار ترشيش = ترشيش غالباً تشير لأسبانيا أو بريطانيا. وكاأشبالها = أى تابعيهم حينما يرون هذا الهجوم سيسألون هل أتيت لنهب الأرض = فهم حينئذ سيتضامنون معه. وحين جاء قائد جيش أنطيوخس ليحارب اليهود، إتحدت معه الأمم المجاورة 1مك 3 : 41 لتشترك فى النهب. ويبدوا أنه فى هذا الهجوم الأخير ستتحد دولاً كثيرة مع هذا الجوج فى هجومه على شعب الله، سيكونون فى منتهى العنف.

 

الآيات 14 – 16 :- لذلك تنبأ يا ابن آدم وقل لجوج هكذا قال السيد الرب فى ذلك اليوم عند سكنى شعبى إسرائيل آمنين أفلا تعلم وتأتى من موضعك من أقاصى الشمال أنت وشعوب كثيرون معك كلهم راكبون خيلاً جماعة وجيش كثير وتصعد على شعبى إسرائيل كسحابة تغشى الأرض فى الأيام الأخيرة يكون وآتى بك على أرضى لكى تعرفنى الأمم حين أتقدس فيك أمام أعينهم يا جوج

هنا تكرار للجزء الأول، وحينما يكرر الله جزء معين، فهو يقصد أن نلتفت إليه لأهميته. أفلا تعلم = كأن الله يريد أن يقول ألا تعلم أن شعبى يسكن آمنين لأنى أنا أحميهم. حين أتقدس فيك = قد تعنى أنه حين تنزل ضربات الله عليه، يؤمن بالله غير المؤمنين الذين غالباً ما سيكونوا قد إنخدعوا فى شخص ضد المسيح وتبعوه، ولكنهم يرجعوا عنه مؤمنين بالمسيح

 

آية 17 :- هكذا قال السيد الرب هل أنت هو الذى تكلمت عنه فى الأيام القديمة عن يد عبيدى أنبياء إسرائيل الذين تنبأوا فى تلك الأيام سنيناً أن آتى بك عليهم

يقول السيد المسيح لتلاميذه "قلت لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون يو 14 : 29". فحينما نعلم أن الله يخبرنا بما سيحدث قبل حدوثه يزداد إيماننا بأنه ضابط الكل، وأننا فى يده محفوظين فنمتلئ سلاماً وسط هذه الضيقات التى أخبرنا أنها ستحدث، فمن يعلم بحدوثها هو قادر أيضاً أن يسيطر عليها. هل أنت هو الذى تكلمت عنه فى الأيام القديمة لقد تنبأ دانيال عن شخص ضد المسيح (راجع دا 11 : 31 – 39) وتنبأ عنه زكريا (11 : 15 – 17) وعن الضيقة العظيمة التى ستكون فى أيامه تنبأ دانيال فى (12 : 1). وعن إنتقام الله من أعداء شعبه تنبأ موسى تث 32 : 43 وداود مز 9 : 15 ويوئيل 3 : 1 – 3 وإشعياء 27 : 1

 

آية 19 :- وفى غيرتى ونار سخطى تكلمت أنه فى ذلك اليوم يكون رعش عظيم فى أرض إسرائيل

رعش عظيم = هذه نبوة بزلزلة رهيبة ستصاحب أحداث النهاية وهذا الزلزال سيصاحب ضربات الله ليلقى الرعب فى القلوب من يد الله القوية، وهذا ليقود البعض للتوبة. وهذا الزلزال يشير إليه أيضاً زكريا النبى 14 : 1 – 5 ويوحنا فى رؤياه 16 : 18. ويبدو من نبوة زكريا أن هذا الزلزال سيكون سبباً فى نجاة المؤمنين زك 14 : 5

 

آية 20 :- فترعش أمامى سمك البحر وطيور السماء ووحوش الحقل والدبابات التى تدب على الأرض وكل الناس الذين على وجه الأرض وتندك الجبال وتسقط المعاقل وتسقط كل الأسوار إلى الأرض

من هول ما سيحدث، نجد أنه حتى الحيوانات سترتعب، ولكن نلاحظ أن ضربة الزلزال ستكون السبب فى إنهيار دفاعات ضد المسيح = تسقط المعاقل وتسقط كل الأسوار إلى الأرض. ولاحظ سقوط ضد المسيح هذا فى حرب أهلية، وتحت عقوبات كثيرة (آيات 21، 22)


 

الإصحاح التاسع والثلاثون

آية 2 :- و اردك و اقودك و اصعدك من اقاصي الشمال و اتي بك على جبال اسرائيل

الله هو الذى يرده ويقوده ويصعده = فهو لم يتحرك هكذا لأنه هو أراد ذلك، بل لأن الله أراد. أقاصى الشمال = فاليونانيون والرومان جاءوا من الشمال وهكذا الأشوريون والبابليون من قبل. وهكذا فى أواخر الأيام سيحدث أن يأتى الأعداء على إسرائيل من الشمال. ولاحظ سآتى بك على جبال إسرائيل = جبال إسرائيل تشير للكنيسة المرتفعة العالية الثابتة كالجبل. والله هو الذى سيأتى به، ولكن لماذا يسمح الله بأن يأتى هذا العدو على الكنيسة فى هذا الوقت ؟ ذلك لأن محبتها بردت لكثرة الإثم مت 24 : 12 فيكون ذلك ليدفع الله كنيسته للتوبة فلا تهلك. وقد يتحقق هذا حرفياً فى نهاية الأيام، فتحضر جيوش إلى أورشليم فعلاً، وتكون أورشليم فى ذلك الوقت مؤمنة بضد المسيح (الذى سيكون مقره أورشليم رؤ 11 : 8) وتضرب هذه الجيوش أورشليم ولا يستطيع ضد المسيح هذا أن ينقذ من آمن به وتبعه، وهنا يتدخل الله وينقذهم ويعرفوا المسيح الحقيقى ويؤمنوا به، قارن مع آية 27 فى نفس الإصحاح. وفى زك 14 : 1 – 5 نجد هذا المفهوم، بل نفهم أن الزلزال الرهيب الذى سيحدث سيكون وسيلة ينقذ بها المسيح شعبه فيعرفوه ويخلصوا

 

الآيات 3 – 5 :- و اضرب قوسك من يدك اليسرى و اسقط سهامك من يدك اليمنى. فتسقط على جبال اسرائيل انت و كل جيشك و الشعوب الذين معك ابذلك ماكلا للطيور الكاسرة من كل نوع و لوحوش الحقل. على وجه الحقل تسقط لاني تكلمت يقول السيد الرب

الله هو الذى سيضرب سلاحه، بل يضرب جيشه كما حدث يوم ال 185000. ويكون القتلى كثيرين حتى تشبع منهم الطيور الكاسرة والوحوش رؤ 19 : 17 – 21. وروحياً فالمؤمنين يكونون كالطيور المحلقة فى السماويات وكالوحوش الكاسرة فى حربهم ضد العدو وضد الخطية، أما النار التى تحرقه فهى نار الروح الإلهى الساكن فينا ويطهرنا من كل خطيئة، فهو روح الإحراق والتطهير أش 4 : 4. هذه هى النار التى تنزل على ماجوج (آية 6). والله دائماً يسقط سلاح عدونا إبليس من يده

 

آية 6 :- وارسل نارا على ماجوج و على الساكنين في الجزائر فيعلمون اني انا الرب

الساكنين فى الجزائر آمنين = كلمة آمنين تفترق تماماً عن معنى من يعيش فى سلام داخلى. فالسلام الداخلى هو عطية من الله. وأما الإحساس بالأمن الكاذب نتيجة القوة العسكرية أو الإقتصادية.... الخ فهذا راجع لإيحاءات وخداعات الشياطين، فهم يخدعون البشر بأن كل شئ على ما يرام، فالمال متوفر، والمستقبل سعيد، والإستجابة لكل شهوة موجودة فى العالم. والجزائر محاطة بماء البحر المالحة، وهى عادة خصبة أى غنية، ولكن إحاطتها بمياه البحار يشير للغارقين فى شهوات العالم شاعرين بالأمان الكاذب... فهل تعنى الجزائر الدول الغربية ؟؟ وهذه الأماكن سيرسل الله عليها ضرباته فيعلمون أنى أنا الرب. وعلينا أن نعلم أن السبيل الوحيد للأمان الحقيقى والسلام الداخلى هو التوبة.

 

آية 7 :- و اعرف باسمي المقدس في وسط شعبي اسرائيل و لا ادع اسمي المقدس ينجس بعد فتعلم الامم اني انا الرب قدوس اسرائيل

الله بضرباته سيعرف شعبه أنه هو المسيح الحقيقى = بإسمى المقدس ولا أدع إسمى المقدس يتنجس بعد = حين يتخلوا عن إيمانهم بضد المسيح فتعلم الأمم = الله فى محبته، عينه على الجميع، فهو يريد إيمان الأمم والشعوب الذين لم يؤمنوا به حتى الآن. ولنلاحظ أن من يعرف إسم الله القدوس لا يجرؤ على تدنيسه. وبسبب الخطية والجهل به يكون البعض فى جرأة بل هم يستخفون بإسم الله. والله له طرق متعددة منها هذه الضربات لنعرف إسمه القدوس، أى لنترك خطايانا ونرجع إليه.

 

آيات 8، 9 :- ها هو قد اتى و صار يقول السيد الرب هذا هو اليوم الذي تكلمت عنه.ويخرج سكان مدن اسرائيل و يشعلون و يحرقون السلاح و المجان و الاتراس و القسي و السهام و الحراب و الرماح و يوقدون بها النار سبع سنين

ها هو قد آتى وصار = هذا اليوم الذى يتكلم عنه هو يوم النهاية، ولكنه يذكره هنا بصيغة الماضى، كأن هذا قد تم، لأن ما سيحدث هو أكيد. هذا هو اليوم الذى تكلمت عنه = يوم إنكسار آخر أعداء كنيسة الله. ويدخل المؤمنون حالة سلام نهائى، إذ يلقى إبليس فى النار الأبدية، ويدخل المؤمنون الملكوت الأبدى، ولا يعود إبليس يحاربهم ويغويهم، أى لا يوجد عدو بعد، وبالتالى فلا داعى لوجود أسلحة، فيحرقون كل الأسلحة. وهناك نوعان من الأسلحة :-

أولاً :- الأسلحة التى بها يحارب شعب الله الشيطان (أف 6 : 11). والآن لا حروب

ثانياً :- أسلحة الشيطان التى بها يحارب الشيطان شعب الله، وهذه إنتهت فعاليتها فى السماء، فلم يعد لنا جسد ضعيف يتأثر بشهوات العالم

وبالتالى فسواء هذا النوع أو ذاك النوع من الأسلحة، فلا يوجد كلاهما فى الأبدية. مع ملاحظة أن رقم 7 هو رقم الكمال، فكونهم يحرقون هذه الأسلحة 7 سنين، أى هم يحرقونها وللأبد، فلم يعد لها إستعمال، بل تكون هذه الأسلحة أى الخطايا والشهوات التى أغوى بها الشيطان البشر هى نفسها وقود جهنم وبحيرة النار التى يلقى فيها الشيطان وتابعيه رؤ 20 : 15

 

آية 10 :- فلا ياخذون من الحقل عودا و لا يحتطبون من الوعور لانهم يحرقون السلاح بالنار و ينهبون الذين نهبوهم و يسلبون الذين سلبوهم يقول السيد الرب

هذه النار أبدية ووقودها أسلحة العدو نفسه (الخطايا) فالخطايا تحرق "أياخذ أنسانا ناراً فى حضنه ولا تحترق ثيابه" أم 6 : 27 – 29 ولن يحتطب أحد ليبقيها موقده فهى ستظل هكذا وللأبد. ويسلبون الذين سلبوهم = طالما قام الشياطين بسلبنا على الأرض، وفى السماء سنسلبهم نحن ونأخذ نصيبهم فى الأمجاد السماوية.

 

آيات 11 – 16 :- و يكون في ذلك اليوم اني اعطي جوجا موضعا هناك للقبر في اسرائيل و وادي عباريم بشرقي البحر فيسد نفس العابرين و هناك يدفنون جوجا و جمهوره كله و يسمونه وادي جمهور جوج. و يقبرهم بيت اسرائيل ليطهروا الارض سبعة اشهر. كل شعب الارض يقبرون و يكون لهم يوم تمجيدي مشهورا يقول السيد الرب.و يفرزون اناسا مستديمين عابرين في الارض قابرين مع العابرين اولئك الذين بقوا على وجه الارض تطهيرا لها بعد سبعة اشهر يفحصون. فيعبر العابرون في الارض و اذا راى احد عظم انسان يبني بجانبه صوة حتى يقبره القابرون في وادي جمهور جوج. و ايضا اسم المدينة همونة فيطهرون الارض

القبور تشير للموت والنجاسة لأن الموت كان نتيجة الخطية وهذه الأرض التى كانت شهوة أعداء الله ستكون لهم قبوراً ونجاسة. وهذه القبور ستكون فى وادى عباريم. وهذا الوادى خارج الأرض المقدسة شرقى نهر الأردن، ويفصله عن النهر سلسلة من الجبال منها جبل نبو الذى رأى منه موسى أرض الموعد دون أن يدخلها. والمعنى أن أعداء الله لن يدخلوا أرض الراحة، ويكون لهم قبور خارجها ومدفونين فى نجاسة أما شعب الله الذى لم يطيق أن يبقى فى هذه الأرض وصعد إلى الجبل ورأى أرض الموعد وإشتاق إليها وإحتقر الزمنيات فهذا يستطيع أن يدخل للأقداس السماوية. والمكان الذى يدفنون فيه يسمى همونة أى جمهور فالهالكين كثيرين. وقطعاً فهذا يشير أيضاً لهلاك الجيوش المعادية فى أزمنة النهاية فى الحرب الأخيرة. فيسد نفس العابرين = لنتأمل هذا العالم الذى كان شهوة للنظر وأصبح يسد نفس العابرين. وهكذا أولاد الله إكتشفوا أن العالم نفاية، هكذا أسماه سليمان "باطل الأباطيل" وأسماه بولس نفاية (فى 3 : 8). ويقبرهم بيت إسرائيل ليطهروا الأرض سبعة أشهر = هذا واجب سكان الأرض أن يطهروا العالم من الخطية. وهناك أشخاص مفرزون = أناساً مستديمين = عملهم التنقية (هم خدام الله... إكليروس وخدام). حتى العابرون = أى كل واحد من الشعب فكلنا فى الأرض مسافرون عابرون فى طريقنا للأقداس السماوية. فحتى هؤلاء العابرون إذا رأى أحد منهم عظم يبنى بجانبه صوة = هذا عمل الشعب أن ينبه الخدام لأماكن الخطية أو ينبه لإنحراف أى إنسان حتى يقوموا بدورهم بدعوته للتوبة فيقبروا نجاسته ويطهروا الأرض. وهذا إشارة للتطهير النهائى، فنحن ننتظر التبنى فداء أجسادنا رو 8 : 23 حين نلبس أجساداً ممجدة نورانية ونتطهر تماماً من الخطية التى سكنت أجسادنا الأرضية رو 7 : 17 – 20 وهذا لن يتم بالكامل سوى فى الحياة الآتية.

 

الآيات 17 – 22 :- و انت يا ابن ادم فهكذا قال السيد الرب قل لطائر كل جناح و لكل وحوش البر اجتمعوا و تعالوا احتشدوا من كل جهة الى ذبيحتي التي انا ذابحها لكم ذبيحة عظيمة على جبال اسرائيل لتاكلوا لحما و تشربوا دما.تاكلون لحم الجبابرة و تشربون دم رؤساء الارض كباش و حملان و اعتدة و ثيران كلها من مسمنات باشان و تاكلون الشحم الى الشبع و تشربون الدم الى السكر من ذبيحتي التي ذبحتها لكم.فتشبعون على مائدتي من الخيل و المركبات و الجبابرة و كل رجال الحرب يقول السيد الرب.و اجعل مجدي في الامم و جميع الامم يرون حكمي الذي اجريته و يدي التي جعلتها عليهم. فيعلم بيت اسرائيل اني انا الرب الههم من ذلك اليوم فصاعدا

يتضح هنا حجم الأهوال وضخامة عدد القتلى فى هذه المعركة الأخيرة. فهذا العدو سيذبحه الله وتأكله الطيور والوحوش رؤ 19 : 17 – 21 ويرى الناس مجد الله وحكمه. وأما بيت إسرائيل فيعلم إن المسيح هو الرب إلههم من الآن فصاعداً. وكثير من النبوات تشير لإيمان إسرائيل فى الأيام الأخيرة. وربما تكون هذه المعركة إثباتاً لهم أن المسيح الذى صلبوه كان هو المسيح الحقيقى. وإيمان إسرائيل فى نهاية الأيام يشير له بولس الرسول فى رسالته إلى رومية الإصحاح 11.

 

الآيات 23، 24 :- و تعلم الامم ان بيت اسرائيل قد اجلوا باثمهم لانهم خانوني فحجبت وجهي عنهم و سلمتهم ليد مضايقيهم فسقطوا كلهم بالسيف.كنجاستهم و كمعاصيهم فعلت معهم و حجبت وجهي عنهم.

هذه الآيات توكد ما سبق، فإسرائيل حين خان الله وصلبوا المسيح، حكم الله عليهم بالخراب "ها بيتكم يترك لكم خراباً" فهذه الأحداث الأخيرة والأهوال التى سيعانون منها، ستكون سبباً فى أنهم يفهمون أن كل ما حدث لهم من خراب على يد الرومان سنة 70 م ثم تشتتهم فى العالم أجمع، كان سببه غضب الله عليهم إذ صلبوا رب المجد. أجلوا بإثمهم = أى جعلهم الله يغادرون أرضهم ويتشتتوا فى العالم كله وسلمتهم ليد مضايقيهم = أسلمهم الله ليد الرومان سنة 70 م فضربوهم ضربة رهيبة. وكان هذا كله لأن الله حجب وجهه عنهم. فسقط من سقط بالسيف والباقى هرب وتشتت فى كل أنحاء العالم.

 

الآيات 25 – 29 :- ذلك هكذا قال السيد الرب الان ارد سبي يعقوب و ارحم كل بيت اسرائيل و اغار على اسمي القدوس. فيحملون خزيهم و كل خيانتهم التي خانوني اياها عند سكنهم في ارضهم مطمئنين و لا مخيف. عند ارجاعي اياهم من الشعوب و جمعي اياهم من اراضي اعدائهم و تقديسي فيهم امام عيون امم كثيرين.يعلمون اني انا الرب الههم باجلائي اياهم الى الامم ثم جمعهم الى ارضهم و لا اترك بعد هناك احدا منهم. و لا احجب وجهي عنهم بعد لاني سكبت روحي على بيت اسرائيل يقول السيد الرب

رأينا أعداء الله يموتون على جبال إسرائيل وتأكلهم الوحوش. أما شعب الله فيؤدبه الله لوقت معين حتى يتوب. ولذلك نجد الله هنا يعيد تجميع شعب إسرائيل و يسكنهم مطمئنين ولا مخيف بعد أن يجمعهم من الشعوب ويعطيهم هذا الدرس الأخير حتى يؤمنوا به مسيحاً أتى من أجل خلاصهم فرفضوه. وهو هنا سيعلن لهم نفسه بطريقة ما. ويتقدس فيهم أمام عيون أمم كثيرين = وهذا معناه الواضح إيمانهم بالمسيح مخلصاً وفادياً، وهذه من علامات نهاية العالم. وتأتى آية 29 بطريقة معزية جداً، فكل من حل عليه روح الله لن يعود الله يحجب وجهه عنه فلنجتهد أن لا ينطفئ فينا روح الله القدوس  بل نضرمه فينا.


 

الهيكل الجديد

نظرة شاملة على السفر كله

يبدأ سفر حزقيال برؤيا مجيده لمجد الله يراها النبى، وحول عرش الله رأى المخلوقات السماوية التى عملها هو تنفيذ مشيئة الله، والله هو الذى يدبر أمور هذا العالم بحكمة عجيبة (البكرات كانت مملوءة عيوناً). وقصد الله دائماً حياة الناس والخير للناس. ورأينا أن مجد الله كان موجوداً  داخل هيكله فى أورشليم. ثم رأينا خطايا إسرائيل البشعة التى تسببت فى:

1- هم بسبب خطاياهم فقدو الحس، فلم يشعروا بهذا المجد حالاً فى وسطهم فإزدروا به عابدين آلهة أخرى تعلقت بها قلوبهم.. وهذا تسبب فى

2-  مفارقة الله لهيكله ولأورشليم

3- حكم الله بحريق أورشليم وكأننا أمام حكم الله عبى شاول الملك إذ فارقه روح الرب وباغته روح ردئ من قبل الرب

ولكن يالعمق محبة الله، فالله لا ينتقم للأبد، بل هو يضرب ليؤدب ويطهر فكل من يحبه الرب يؤدبه عب 12 : 6 ثم بعد التطهير يرفع الله من أمام شعبه عصا التأديب بأن يحكم على كل الأمم التى إستعبدتهم بأن تنتهى ولا تكون (إصحاحات 25 – 32). وبعد هذا يبدأ فى الوعود بتأسيس شعبه على أسس جديدة. ثم يعرض لما يحدث فى المستقبل من أن هذا الشعب سيخونه حينما يأتى متجسداً فيشتته ويجمعه ثانية ليتقدس فيهم ويؤمنوا به. وينتهى السفر بهيكل يؤسسه الشعب فى أورشليم. وهذا يعطيهم رجاءً فى العودة ليؤسسوا هذا الهيكل.

وهناك رؤية لهذا السفر، فالمجد الذى رآه حزقيال هو إشارة لما كان آدم يتمتع به فى الجنة إذ كان يرى الله، وبسبب خطيته سقط ففارقه هذا المجد، ثم وعد من الله بهزيمة الشيطان (إصحاحات 25 – 32 فالأمم الوثنية ترمز للشيطان). ثم وعد بتأسيس كنيسة جديدة ولكنها ستقابل بعض الألام ونجد فى هذا الهيكل (إصحاحات 40 – 48) مواصفات هذه الكنيسة.

 

نظرتين مختلفتين لهذا الهيكل

هناك مدرستين فى تفسير هذه الإصحاحات.

المدرسة الألفية :- وهؤلاء من بعض الطوائف البروتستانتية الذين يؤمنون بأن المسيح سيأتى ليحكم العالم حكماً زمنياً لمدة 1000 سنة، وهم يقولون أن مركز حكمه يكون فى أورشليم. وأنه سيبنى هذا الهيكل فى أورشليم بالمقاييس المذكورة هنا ليكون مركزاً لحكمه، فهم إذاً يقومون بتفسير هذه الإصحاحات تفسيراً حرفياً ولذلك يهتمون جداً برسومات الهيكل، وكتب تفسيرهم منصبة على التفسيرات الهندسية، وحاولة حل مشكلات الأبعاد، ولذلك حتى يسهل إنشاء هذا الهيكل خلال الحكم الألفى ولكن هذا التفسير مرفوض تماماً، فما معنى أن نقيم هيكل تقدم فيه ذبائح حيوانية دموية (ذبيحة خطية وذبيحة إثم وذبيحة محرقة) بعد أن قدم المسيح فعلاً على الصليب. لقد كانت الذبائح الدموية رمزاً، وحين أتى المرموز إليه أى المسيح يبطل الرمز. بل أن هذا الهيكل يصعب تماماً تنفيذه فمثلاً نجد أن هناك حجرات محيطة بالهيكل، وأبعاد هذه الحجرات 2متر × 2 متر بينما سمك الحوائط 3 متر، فما معنى هذا ؟ وما كيفية الدخول لهذه الحجرات وكيف يمكن تهويتها، وكيف يمكن الأستفادة من حجرات بهذه الأبعاد.

المدرسة الأرثوذكسية :-ونحن نرى أنها الأدق، فى ضوء فهمنا لهذا السفر. وكنيستنا ترى أن هذه الإصحاحات تفسر رمزياً وروحياً، وهذا الهيكل يشير لكنيسة العهد الجديد، سواء المجاهدة أو المنتصرة، فكلاهما كنيسة واحدة يفصلها الإنتقال. فالنبوات عينها على عمل المسيح فى تأسيس الكنيسة، سواء الكنيسة المجاهدة على الأرض أو الكنيسة المنتصرة فى السماء. ويؤيد وجهة النظر هذه قول السيد المسيح "مملكتى ليست من هذا العالم.. يو 18 : 36" ولنسمع قول بولس الرسول "وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد، لكن الأن لا نعرفه بعد 2كو 5 : 16

معانى الأرقام

طالما سنعتمد مدرسة التفسير الرمزى، فعلينا أن نفهم رموز الأرقام :-

رقم (1) هو رقم الوحدة والأولوية، هو لا يمكن تقسيمه، لذلك يشير لله الواحد ونحن نؤمن بإله واحد. ويشير للأقنوم الأول.. الآب.

رقم (2) يشير لأن هناك آخر، وهذا الآخر قد يختلف أو يتفق مع الأول. لذلك هو يشير للإنقسام الذى دخل إلى العالم بالخطية. ولكنه يشير للتجسد لأن الإبن هو الأقنوم الثانى، وهو بتجسده جعل الأثنين واحداً أف 2 : 14 – 16

رقم (3) يشير لله مثلث الأقانيم ويشير للروح القدس الأقنوم الثالث.ويشير للقيامة التى حدثت فى اليوم الثالث.

رقم (4) يشير للعالم بجهاته الأربعة. ولذلك أيضاً يشير للعمومية.

رقم (5) يشير للمسئولية، فنحن لنا 5 أصابع فى اليد ومثلهم فى القدم، 5 حواس. ويشير للنعمة فالمسيح أشبع 5000 بخمس خبزات. فبجهادنا تنسكب فينا النعمة

رقم (6) يشير للإنسان الناقص الذى خلق فى اليوم السادس.

رقم (7) يشير للكمال 7 = 4 + 3 أى الله (3) خلق الإنسان على صورته + (4) أى الإنسان المأخوذ من تراب الأرض = (7) أى الإنسان الكامل. 7 = 6 + 1 (الإنسان الناقص (6) بالله الواحد (1) يصير كاملاً.

رقم (8) هو الأول فى مسلسل جديد أو أسبوع جديد لذلك يشير للأبدية.

رقم (9) يشير للدينونة.

رقم (10) يشير للكمال التشريعى فهو رقم الوصايا العشر. ويشير لكمال البر والسعادة حين يلتصق الإنسان الكامل (7) بالله مثلث الأقانيم (3)

رقم (11) يرمز للتعدى على وصايا الله وبره. فالخاطئ يطلب ما هو خارج حدود البر.

رقم (12) يرمز لملكوت الله فى العالم أى من هم لله (12 سبط + 12 تلميذ)

رقم (30) يشير للنضج. فالكاهن يبدأ كهنوته فى سن 30، والمسيح بدأ خدمته فى سن الثلاثين 30 = 5 × 6 (عمل النعمة فى الإنسان الناقص)

رقم (50) فى العهد القديم يرمز لليوبيل وفيه يتم التحرير، فهو رقم الحرية وفى العهد الجديد يرمز لحلول الروح القدس.

رقم (60) هو إشارة لحماية الله لكنيستة، هم الستون جباراً المحيطين بالكنيسة نش 3 : 7. 60 = 5 × 12 عمل النعمة فى شعب الله فيتحولوا لجبابرة فى مواجهة أعداء الكنيسة.

رقم (100) يشير لقطيع المسيح، القطيع الصغير، الذى لو فقد منهم واحد يسعى المسيح ليرده. ويشير الرقم لعطايا المسيح لمن يترك بإرادته أباً أو أماً... لأجل المسيح فيعطية المسيح 100 ضعف

رقم (1000) هو إشارة للسماويات فالملائكة الوف الوف وربوات ربوات دا 7 : 10

رقم (1/2) يشير للمهر الذى يدفعه العريس لعروسه تك 24 : 22 ويشير لفضة الكفارة خر 30 : 16 وبهذا فرقم 1 / 2 يشير لدم المسيح الذى دفعه كمهر لنصير عروسه، هو دم الفداء. ولكن المجد الذى نحصل عليه هنا هو لا شئ أمام ما سيكون لنا فى السماء 1مل 10 : 7

 

الفروق بين هيكل سليمان وهيكل حزقيال

1- تقدم فى هيكل حزقيال ذبيحة صباحية فقط ولا تقدم ذبيحة مسائية. وكان فى هيكل سليمان تقدم ذبيحة صباحية وذبيحة مسائية. فأيام هيكل سليمان كان الشعب فى ليل إيمانهم (العهد القديد) أو ما يسمى بظل الخيرات العتيدة كو 2 : 17. وبعد مجئ المسيح شمس البر صارت الكنيسة فى نور دائم، فلا داع للذبائح المسائية. ولذلك لا تقيم الكنيسة قداسات مسائية، وقداسات الأعيات تقام فجراً.

2- لا يوجد هنا رئيس كهنة لأن رئيس الكهنة الحقيقى هو المسيح وهو موجود بنفسه، وهناك تقليد جميل فى الكنيسة  أن الأسقف أو الأب البطريرك يحمل عصا الرعايا معه دائماً، وفى أثناء خدمة القداس يحمل أحد الشمامسة عصا الرعاية (الموضوع عليه ثعبان) طوال مدة الصلاة. ولكنها تحمل بعيداً بعد كلمات التقديس، والتحول إلى الجسد والدم، فرئيس الكهنة الحقيقى موجود

3- الأعياد هنا لا تشير إلى عيد الخمسين وهو رمز لحلول الروح القدس لأن الرمز قد تحقق، والروح القدس يعمل بنفسه فى كنيسته. ولنفس السبب لا توجد بالهيكل الجديد (هيكل حزقيال) منارة، فهى أيضاً كانت ترمز لما سيعمله الروح القدس فى أسرار الكنيسة (كنيسة العهد الجديد). وهذا قد حدث ويحدث فعلاً فلا داع للرموز.

4- لا يذكر هنا عيد الأبواق الذى فيه يذكر الله شعبه بعهوده ومواعيده للأباء وأن المسيح خلاصهم سيأتى (شهادة المسيح هى روح النبوة رؤ 19 : 10) والمسيح قد أتى فعلاً.

5- لا ذكر أيضاً ليوم الكفارة. فالمسيح قدم ذاته كفارة عنا. وطالما حدث المرموز إليه فلا داع لتكرار الرمز. ومن المعروف أن طقس عيد الكفارة كان يشير لموت المسيح وقيامته.

6- لا ذكر لتابوت العهد هنا فالتابوت يمثل حضور الرب وسط شعبه رمزياً. والله موجود وسط شعبه الأن (مت 28 : 20) فلا داع للرموز. وأيضاً لا ذكر لمائدة خبز الوجوه. فالمسيح موجود بجسده ودمه على المذبح ولا داع للرمز أيضاً. ولا ذكر لدار الأمم فكل الأمم قبلوا فى المسيح.

7- لا ذكر هنا للفضة والذهب. فالفضة ترمز لكلمة الله الحية والفعالة، وكلمة الله مسيحنا، وكلمة الله المكتوبة فى الأنجيل معنا دائماً تعطينا حياة. وأما الذهب فهو يرمز للسماويات. والكنيسة تحيا الأن فى السماويات، وسيرتنا هى فى السماويات أف 2 : 6 + فى 3 : 20


 

الإصحاح الأربعون

بعد أن فارق مجد الله أورشليم حزناً على خطاياها. نجد هنا راجعاً لكنيسته، كنيسة العهد الجديد. يقيم فى وسطها للأبد مت 18 : 20 "إذا إجتمع إثنين أو ثلاثة بإسمى فهناك أكون فى وسطهم + مت 28 : 20. بل يكون من يصنع وصاياه منزلاً للأب والإبن يو 14 : 23 هذا هو مفهوم الهيكل فى العهد الجديد، لقد صار المؤمنين هيكلاً لله والروح القدس يسكن فيهم 1كو 3 : 16. وصار المؤمنين حجارة حية فى هيكل الكنيسة 1بط 2 : 4، 5. والسيد المسيح قال لتلاميذه عن جسده كنبوة عن موته وقيامته "إنقضوا هذا الهيكل وفى ثلاثة أيام أقيمه.. وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده

يو 2 : 19، 21. وجسد المسيح هو الكنيسة أف 5 : 30. إذاً فالهيكل هو جسد المسيح أى كنيسته. لذلك وبهذا المفهوم يقول بولس الرسول "مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية، الذى فيه كل البناء مركباً معاً ينمو هيكلاً مقدساً فى الرب. الذى فيه أنتم أيضاً مبنيون معاً مسكناً لله فى الروح أف 2 : 20 – 22 وقارن مع أف 4 : 12، 16. هذا هو مفهوم الهيكل الأن.

 

آية 1 :- في السنة الخامسة و العشرين من سبينا في راس السنة في العاشر من الشهر في السنة الرابعة عشرة بعدما ضربت المدينة في نفس ذلك اليوم كانت علي يد الرب و اتى بي الى هناك

فى رأس السنة = كان لليهود بدايتان للسنة  1) السنة المقدسة الدينية  2) السنة المدنية. والسنة المقدسة بدايتها شهر أبيب. وفى العاشر منه يقدم خروف الفصح أى يبدأ حفظه حتى يوم الرابع عشر فيذبح. أما السنة المدنية فالعاشر من أول شهورها هو عيد الكفارة. فرأس السنة فى هذه الآية قد يكون رأس السنة الدينية أو رأس السنة المدنية، وكلاهما يشير لصليب المسيح (سواء الفصح أو يوم الكفارة). والمعنى أن تأسيس الكنيسة مبنى على ذبيحة الصليب. فالعاشر من أول شهور السنة المدنية أو العاشر من أول شهور السنة المدنية، كلاهما يشير للصليب (فصح أو الكفارة). وفى سنة اليوبيل يتحرر كل عبد أو كل مرهون، وسنة اليوبيل كانت تبدأ بيوم الكفارة وهكذا فالإبن حررنا من أسر الشيطان بدم صليبه.

 

آية 2 :-  في رؤى الله اتى بي الى ارض اسرائيل و وضعني على جبل عال جدا عليه كبناء مدينة من جهة الجنوب

جبل عال جداً = فكأن الله رفع النبى بالروح القدس إلى السماويات التى ستكون فيها الكنيسة. كبناء مدينة = أى تشبه مدينة لأنها فيها منازل كثيرة يو 14 : 2. وهى ليست من صنع إنسان بل من صنع الله، المسيح أقامها بنفسه، الآن على الأرض هناك مدينة هى الكنيسة بمنازلها الكثيرة، وفى السماء هناك مدينة أورشليم السماوية، المدينة المقدسة رؤ 22 : 19 + عب 11 : 10. وهذه المدينة السماوية أعدها المسيح بنفسه يو 14 : 2 + عب 11 : 10. وهذ المدينة كانت هيكل هكذا ضخم كأنه مدينة. ولاحظ أن أورشليم الجديدة لا يوجد داخلها هيكل رؤ 21 : 22. وهنا المدينة كلها هيكل. فهى مدينة للبشر ليسكنوا فيها وهى هيكل لله ليسكن فيه. لأنه فى الكنيسة جسد المسيح، الله يسكن مع الناس رؤ 21 : 2، 3 وهى من جهة الجنوب = لأن الشعب الأن مسبى فى بابل أى فى الشمال. وهذا وعد لهم بأنهم سيعودون أحراراً لأرضهم. والكنيسة هى أورشليم الأرضية هنا وهى أورشليم السماوية فى الأبدية.

 

آية 3 :- و لما اتى بي الى هناك اذا برجل منظره كمنظر النحاس و بيده خيط كتان و قصبة القياس و هو واقف بالباب

رجل منظرة كمنظر النحاس = راجع تفسير 4:1-14 فالنحاس يشير للدينونة أما هذا الرجل فهو إبن الله الذى تجسد. وهكذا رآه يوحنا فى رؤياه 1 : 15 رجلاه شبه النحاس النقى كأنهما محميتان فى الأتون، فالنار رمز للاهوت والنحاس رمز للناسوت، والنحاس المحمى فى النار يشير لإتحاد اللاهوت بالناسوت. ولماذا النحاس بالذات ؟ فالنحاس معدن ثقيل وقوى وكان يستخدم فى صنع الأسلحة، وسلاح المسيح كان فدائه على الصليب الذى به دك معاقل الشيطان لذلك كان مذبح النحاس فى خيمة الأجتماع حيث تقدم الذبائح (خطية ومحرقة... الخ) كان يرمز للصليب. فبالصليب دان المسيح الخطية والشيطان وداس الموت بموته جسدياً. والمسيح أخذ جسداً أيضاً ليبنى الكنيسة أى هذه المدينة أو هذا الهيكل. وكان بيد المسيح خيط كتان وقصبة القياس = الكتان رمز للطهارة، وهذا عمل المسيح مع المؤمنين 1يو 1 : 7 + رؤ 7 : 14. وقصبة القياس تشير أن المؤمنين من أبناء الله هو يحفظهم ولا أحد يخطفهم من يده يو 17 : 12. وهؤلاء معروفون عنده (تحت القياس) (هذا معنى أن يكون عدد السمك فى شبكة بطرس محدد بعدد 153 سمكة (يو 21). وهذا العدد المحدد هو من قال لهم المسيح "لا تخف أيها القطيع الصغير فإن أباكم قد سر أن يعطيكم الملكوت". والمسيح هو الذى يبنى كنيسته، وهو الطريق. والروح القدس هو الذى به يعترف كل إنسان بالمسيح أنه رب (1كو 12 : 3) والآب يجتذب المؤمنين يو 6 : 44. إذاً بقياس دقيق يجتذب الآب إنساناً، والإبن يقرع على باب قلبه رؤ 3 : 20 ويظهر له نفسه أنه هو نفسه الطريق. والروح القدس يشهد فى داخل هذا الإنسان للمسيح ليؤمن هذا الإنسان بالمسيح فيصير حجراً حياً فى هيكل جسد المسيح. والقياس يعنى أن المسيح سيمتلكنا فمن يريد أن يمتلك شيئاً يقيسه، وهو إشترانا بدمه.

 

آية 4 :- فقال لي الرجل يا ابن ادم انظر بعينيك و اسمع باذنيك و اجعل قلبك الى كل ما اريكه لانه لاجل اراءتك اتي بك الى هنا اخبر بيت اسرائيل بكل ما ترى

أنظر بعينيك وإسمع بأذنيك وإجعل قلبك = الله يقصد أن على النبى أن يفهم بوعى قلبى داخلى المعانى الموجودة وراء ما يراه فيفرح هو ويتعزى، ثم يعزى غيره، وهذا واجب كل خادم أن يتذوق هو أولاً قبل أن يخدم.

 

آية 5 :- واذا بسور خارج البيت محيط به و بيد الرجل قصبة القياس ست اذرع طولا بالذراع و شبر فقاس عرض البناء قصبة واحدة و سمكه قصبة واحدة

القصبة ست أذرع وشبر = هذه القصبة هى التى يتم بها قياس المبنى. وقد يفسر هذا بأن القصبة = 6 وحدات + وحدة = 7 وحدات قياس. أى أن عمل الله فى قياس المبنى أى تحديد المؤمنين هو عمل كامل. وقد تعنى ال 6 وحدات (أذرع) عمل الله فى الإنسان الناقص، فرقم 6 هو رقم الإنسان، والذراع يشير لعمل المسيح فى تجسده وفدائه أش 59 : 1 + أش 51 : 5، 9. أما الوحدة (السبر) فهى نصيب الإنسان فى العمل، وهذا ما تسميه الكنيسة الجهاد والنعمة، فيجب أن نعمل ونجتهد حتى الدم وذلك لتعمل فينا نعمة الله فنخلص عب 12 : 4 فالله يريد أن الجميع يخلصون ولكن ليس الجميع يخلصون لأنهم لا يجاهدون أو لا يعملون أو لا يريدون (1تى 2 : 4 + مت 23 : 37). ولنلاحظ أن إستخدام القصبة فى القياس كان فى الخارج، أما فى الداخل (راجع إصحاحات 40، 41، 42) فيندر إستخدام القصبة أو الشبر، والوحدة المستخدمة فى الداخل هى الذراع. فالعمل الداخلى فى بناء الكنيسة أو النفس هو عمل الله وحده (مر 4 : 26 – 29) فالله هو الذى ينمى 1كو 3 : 7. ومعنى هذا أن إقترابى لله هو عمل مشترك بينى وبين الله، الله يجتذب وأنا أجاهد. ولكن بناء الداخل، وكذلك بناء الكنيسة الداخلى هو عمل الله وحده.

وإذا بسور = هذا أول ما رآه النبى. فالله هو سور خلاصنا، وهو المحامى والمدافع عنا كسور من نار (زك 2 : 5). ولاحظ فلقد ظن أعداء الكنيسة أنها أرض أعراء أى أنها بلا سور (حز 38 : 11). وهذا السور يعنى أيضاً إنعزال شعب الله عن الخطية التى فى العالم كما بسور.

عرض البناء قصبة وسمكه قصبة = عرض المبنى 500 قصبة وطوله أيضاً 500 قصبة. فما معنى هذه العبارة ؟ ربما يكون حل هذه المشكلة فى الآية 41 : 8 حيث يقول "أسس الغرفات قصبة تامة". والمعنى أن القصبة هنا إشارة للعمل الكامل، فسواء الطول أو العرض أو الأساس فعمل الله كامل. هو الذى يؤسس الهيكل والهيكل مؤسس عليه، أى هو أساس الهيكل أف 2 : 20- 22. وهو الذى يحمى المؤمنين. ودور المؤمن هو أن يبقى تحت حمايته.

ملحوظة :- فى حسابات أبعاد المبنى سنعتبر القصبة = 6 ذراع بإهمال الشبر

 

الآيات 6 – 16 :- ثم جاء الى الباب الذي وجهه نحو الشرق و صعد في درجه و قاس عتبة الباب قصبة واحدة عرضا و العتبة الاخرى قصبة واحدة عرضا.و الغرفة قصبة واحدة طولا و قصبة واحدة عرضا و بين الغرفات خمس اذرع و عتبة الباب بجانب رواق الباب من داخل قصبة واحدة.و قاس رواق الباب من داخل قصبة واحدة.و قاس رواق الباب ثماني اذرع و عضائده ذراعين و رواق الباب من داخل. و غرفات الباب نحو الشرق ثلاث من هنا و ثلاث من هناك للثلاث قياس واحد و للعضائد قياس واحد من هنا و من هناك. و قاس عرض مدخل الباب عشر اذرع و طول الباب ثلاث عشرة ذراعا. و الحافة امام الغرفات ذراع واحدة من هنا و الحافة ذراع واحدة من هناك و الغرفة ست اذرع من هنا و ست اذرع من هناك.ثم قاس الباب من سقف الغرفة الواحدة الى سقف الاخرى عرض خمس و عشرين ذراعا الباب مقابل الباب.و عمل عضائد ستين ذراعا الى عضادة الدار حول الباب.و قدام باب المدخل الى قدام رواق الباب الداخلي خمسون ذراعا. و للغرفات كوى مشبكة و للعضائد من داخل الباب حواليه و هكذا في القبب ايضا كوى حواليها من داخل و على العضادة نخيل.


 

نجد هنا تفاصيل الباب الرئيسى وهو الباب الشرقى المؤدى للأقداس. على أنه يوجد هناك بابان آخران أحدهما من جهة الشمال والآخر من جهة الجنوب لهما ذات المقاييس التى للباب الشرقى.

ورقم 3 يشير للثالوث القدوس فبه وخلاله ندخل إلى هذه المدينة أى الكنيسة جسد المسيح. إذ يتحد الإنسان مع الآب فى إبنه بواسطة الروح القدس. وفى الرسم المقابل تفاصيل كل باب. وتوجد بكل باب 6 حجرات ثلاثة على كل جانب وهى حجرات صغيرة ومتساوية تستخدم فى الحراسة وتشير للحراسة المستمرة للنفس من كل جانب "إسهروا إذن لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة التى يأتى فيها إبن الإنسان" مع العلم بأن المبنى كله يشير للنفس المتحدة مع الله وعلى ذلك فهذه الحجرات تشير للحراسة المستمرة من كل جانب من ال3 جوانب للإنسان (الروح والنفس والجسد). والحجرات متعددة وكثيرة "ففى بيت الآب منازل كثيرة" يو 14 : 2 وهذه الغرف لها عضائد. فالمسيح الذى صنعها هو يعضدها ويضع لها عضائد. وإذا كان هناك ثلاث أبواب خارجية وثلاث أبواب داخلية بمجموع 6 أبواب ولكل منها 6 غرف فيصبح المجموع 36 غرفة، ألا يتفق هذا مع 36 رشم للميرون لكل أجزاء الجسم فيحرس الله إبنه الجديد الداخل للإيمان. ورقم 36 = 3 × 12 ورقم 12 يشير للكنيسة. ويكون المعنى أن الثالوث الأقدس هو الذى يحفظ شعبه ساهراً عليهم ولهذه الحجرات كلها عضائد أخرى حولها وحول رواق الباب الداخلى طولها 60 ذراعاً هى طول العضادات ورقم 60 يشير للستون جبار المحيطين بالكنيسة ورقم 60 = 5 × 12 ورقم 5 يشير للحواس فكأن شعب الله عليه أن يقدس حواسه. أيضاً رقم 5 يشير للنعمة الفائضة (الخمس خبزات) فما على الإنسان إلا أن يبدأ جهاده والله يبارك بنعمته فى تقديس الحواس. الكوى = هى شبابيك ضيقة للإستنارة ولكنها ضيقة لأننا الآن ننظر للسماء كما فى لغز كما فى مرآه 1كو 13 : 12 ورؤيتنا الآن لا تقارن بما سنراه فى السماء لأننا حينئذ سنراه كما هو 1يو 3 : 2. ولنلاحظ أن المدخل كله طوله يساوى 50 ذراعاً ورقم خمسين يرمز لسنة اليوبيل التى كان يحدث فيها التحرير. فمن دخل عن طريق هذا الباب يتحرر  أى من يتحد بالإبن ويؤمن به يحصل على الحرية. وكانت العضائد تزين بالنخيل = قارن مع "الصديق كالنخلة يزهو" مز 92 : 11. فكل من يدخل ويسنده المسيح ويعضده يصير صديقاً ويتبرر. وسقف الحجرات عل شكل قبو لتشير أن كل ما فى الإنسان ينبغى أن يحمل الطابع السماوى

 

الآيات 17 – 26 :- ثم اتى بي الى الدار الخارجية و اذا بمخادع و مجزع مصنوع للدار حواليها على المجزع ثلاثون مخدعا.و المجزع بجانب الابواب مقابل طول الابواب المجزع الاسفل و قاس العرض من قدام الباب الى الاسفل الى قدام الدار الداخلية من خارج مئة ذراع الى الشرق و الى الشمال الباب الشمالي و الباب المتجه نحو الشمال الذي للدار الخارجية قاس طوله و عرضه. و غرفاته ثلاث من هنا و ثلاث من هناك و عضائده و مقببه كانت على قياس الباب الاول طولها خمسون ذراعا و عرضها خمس و عشرون ذراعا.و كواها و مقببها و نخيلها على قياس الباب المتجه نحو الشرق و كانوا يصعدون اليه في سبع درجات و مقببه امامه.و للدار الداخلية باب مقابل باب للشمال و للشرق و قاس من باب الى باب مئة ذراع. ثم ذهب بي نحو الجنوب و اذا بباب نحو الجنوب فقاس عضائده و مقببه كهذه الاقيسة.و فيه كوى و في مقببه من حواليه كتلك الكوى الطول خمسون ذراعا و العرض خمس و عشرون ذراعا.و سبع درجات مصعده و مقببه قدامه و له نخيل واحدة من هنا و واحدة و من هناك على عضائده.

المجزع = هو رصيف الرواق وسمى مجزع لأن الكلمة تشير إلى نوع من الرخام المجزع الذى فى لون الفحم المشتعل. لأن الذى يدخل داخلاً يجب أن يضع كل أمجاد العالم تحت قدميه وهو يقترب من الله. وإذا كان الرصف بهذا اللمعان فكيف يكون مجد البيت نفسه "المجد الذى لى أعطيته إياكم" يو 17 : 22. والمخادع هى الغرفات التى يقيم فيها الشعب فى الأعياد. وكل باب كان له سبع درجات ليصعدون إليه = رقم 7 يشير للكمال فكأننا يجب أن نكون كاملين كما أن أبانا الذى فى السموات هو كامل. ولكن لاحظ الآية (34) فهناك 8 درجات أخرى نصعد بها للأقداس ورقم 8 يشير للحياة السماوية فعلى من يريد أن يدخل للأقداس أن يصير سماوياً. ورقم 8 يشير لليوم الثامن أى القيامة. أليس هذا ما قاله بولس الرسول "أقامنا معه وأجلسنا معه فى السماويات". ولنلاحظ أن كلمة مخادع = مكان للنسك والخلوة

 

الآيات 27 – 37 :- و للدار الداخلية باب نحو الجنوب و قاس من الباب الى الباب نحو الجنوب مئة ذراع. و اتى بي الى الدار الداخلية من باب الجنوب و قاس باب الجنوب كهذه الاقيسة. و غرفاته و عضائده و مقببه كهذه الاقيسة و فيه و في مقببه كوى حواليه الطول خمسون ذراعا و العرض خمس و عشرون ذراعا. و حواليه مقبب خمس و عشرون ذراعا طولا و خمس اذرع عرضا. و مقببه نحو الدار الخارجية و على عضائده نخيل و مصعده ثماني درجات. و اتي بي الى الدار الداخلية نحو المشرق و قاس الباب كهذه الاقيسة و غرفاته و عضائده و مقببه كهذه الاقيسة و فيه و في مقببه كوى حواليه الطول خمسون ذراعا و العرض خمس و عشرون ذراعا. و مقببه نحو الدار الخارجية و على عضائده نخيل من هنا و من هناك و مصعده ثماني درجات. و اتى بي الى باب الشمال و قاس كهذه الاقيسة.غرفاته و عضائده و مقببه و الكوى التي له حواليه الطول خمسون ذراعا و العرض خمس و عشرون ذراعا.و عضائده نحو الدار الخارجية و على عضائده نخيل من هنا و من هناك و مصعده ثماني درجات

 المسافة بين الباب الخارجى والباب الداخلى دائماً 100 ذراع من كل ناحية وهذا ينطبق على أبواب الشمال والجنوب والشرق. ففى إتجاهنا للأقداس علينا أن نترك كل محبة أرضية "وكل من ترك أباً أو أماً........ يأخذ مئه ضعف." والدار الداخلية آية 32 تشير لمن دخل للعمق فصار من القطيع الصغير.

ولنلاحظ أن بوابات الدار الداخلية متشابهة تماماً مع بوابات الدار الخارجية. وهم جميعاً لهم نفس المقاسات ونفس الغرف والأروقة ونفس الحفريات على الأعمدة هى نفسها. لأن عمل النعمة فى كل أولاد الله واحد سواء الذين نموا أم الذين مازالوا فى بداياتهم، لكن إستجابة كل منهم تختلف. الخلاف الوحيد هو فى عدد الدرجات لكل باب

 

 

الآيات 38 – 49 :- و عند عضائد الابواب مخدع و مدخله هناك يغسلون المحرقة.و في رواق الباب مائدتان من هنا و مائدتان من هناك لتذبح عليها المحرقة و ذبيحة الخطيئة و ذبيحة الاثم.و على الجانب من خارج حيث يصعد الى مدخل باب الشمال مائدتان و على الجانب الاخر الذي لرواق الباب مائدتان.اربع موائد من هنا و اربع موائد من هناك على جانب الباب ثماني موائد كانوا يذبحون عليها. و الموائد الاربع للمحرقة من حجر نحيت الطول ذراع و نصف و العرض ذراع و نصف و السمك ذراع واحدة كانوا يضعون عليها الادوات التي يذبحون بها المحرقة و الذبيحة. و المازيب شبر واحد ممكنة في البيت من حوله و على الموائد لحم القربان.و من خارج الباب الداخلي مخادع المغنين في الدار الداخلية التي بجانب باب الشمال و وجوهها نحو الجنوب واحد بجانب باب الشرق متجه نحو الشمال. و قال لي هذا المخدع الذي وجهه نحو الجنوب هو للكهنة حارسي حراسة البيت.و المخدع الذي وجهه نحو الشمال للكهنة حارسي حراسة المذبح هم بنو صادوق المقربون من بني لاوي الى الرب ليخدموه. فقاس الدار مئة ذراع طولا و مئة ذراع عرضا مربعة و المذبح امام البيت.و اتي بي الى رواق البيت و قاس عضادة الرواق خمس اذرع من هنا و خمس اذرع من هناك و عرض الباب ثلاث اذرع من هنا و ثلاث اذرع من هناك. طول الرواق عشرون ذراعا و العرض احدى عشرة ذراعا عند الدرج الذي به كانوا يصعدون اليه و عند العضائد اعمدة واحد من هنا و واحد من هناك

 

 

 

وجدت ثمانية موائد تذبح عليها المحرقة وذبيحة الإثم وذبيحة الخطية وهى تشير للمسيح ذبيحتنا وشفيعنا للأبد فرقم 8 يشير للحياة السماوية. وواضح أن هذه الذبيحة مرتبطة بالباب الشمالى. والشمال مرتبط بالقضاء والدينونة فمن جهة الشمال جاء أشور وبابل واليونان والرومان. إذاً يذكرنا بالدينونة مقابل خطايانا. ولكن ذبيحة المسيح أبعدت الدينونة. والذبيحة غير الدموية التى نقدمها على مذبح الكنيسة تعطى لمغفرة الخطايا. وحين نأتى لنشترك فى مائدة الرب فنحن نعترف بصورة عامة بالإيمان وإعترافنا بالإيمان هو دخولنا فى الدار الداخلية. مخدع غسل المحرقة = إذا فهمنا كلمة مخدع بأنها = كلمة منسك أو ما يشابه القلاية عند الرهبان أو ما يعنى مكان الخلوة "وإذا أردت أن تصلى فإدخل مخدعك وصلى" ففى هذه الخلوة فى مخدعنا نكتشف كم أن المسيح قدوس وبلا خطية وقادر أن يقدسنا. فغسل المحرقة يخرجها نقية والمسيح هكذا قال عن نفسه "من منكم يبكتنى على خطية". والمآزيب شبر واحد = مآزيب تعنى خطاطيف التى تعلق منها وتمسك منها الذبيحة. والمعنى أنه يجب أن نتمسك بالمسيح ذبيحتنا كما قالت عروس النشيد "أمسكته ولم أرخه" ومقاسها شبر واحد. فهذا التمسك بالمسيح هو عملى وجهدى أنا، فإذا لم أريد أن أتمسك به تركته ولن يرغمنى هو على شئ وهى ممكنة فى البيت من حوله = أى الإمكانيات متوفرة ولكن هل نتمسك نحن بالمسيح كذبيحة تقدسنا

إستعمال المخادع السابق ذكرها. بعض يستخدمه المغنين (آية 44) والبعض الآخر يستعمله الكهنة (45) وقد إرتبطت ذبيحة العهد الجديد بالتسبيح المستمر. والتسبيح هو لغة الذين تحرروا. ولذلك نلاحظ المزمور على أنهار بابل.... هناك علقنا قيثاراتنا... هناك سألنا الذين سبونا أقوال التسبيح.. كيف نسبح تسبحة الرب فى أرض غريبة. فمن هو فى عبودية الشيطان أو الخطية لا يكون قادراً على التسبيح. ومن تحرر يسبح بفرح. ولا يوجد فرح أكبر من وجود المسيح على المذبح وسطنا ولذلك إرتبطت الذبيحة بالتسبيح. وهنا فى كنيستنا طقس للتسبحة قبل أى قداس.

الكهنة هم بنو صادوق = قارن مع 1صم 2 : 35. وصادوق = بر. وخدمة كهنة العهد الجديد هى خدمة بر. فهم يخدمون خدمة البيت نظافة وصيانة. وهذا يعنى خدمة دعوة الناس للتوبة حتى يتبرروا. ويقدم الناس إعترافاتهم ويحصلوا على الغفران.

رواق البيت = أنظر الرسم فى الصفحة المقبلة. وهذا الرواق من خلاله ندخل إلى المقدسات، حتى لا يقترب أحد إلى الله بتهور وتسرع، إنما بوقار فيعبر فى الرواق كفرصة لينسى كل أفكاره الزمنية ويستعد للتأمل فى السماويات والإلهيات. وهكذا نمر فى طريقنا للأقداس على الدار الخارجية فالداخلية والأبواب ورواق البيت.

وعند العضائد أعمدة، عمودان هى غالباً للتثبيت والتجميل كما كان هناك فى هيكل سليمان عمودان "ياكين وبوعز" ومعناها "يثبت"، "بقوة" وهكذا فالله يثبت هذا البناء الذى أقامه بقوة

 

آية 42 :- المائدة 1.5 × 1.5 × 1 ذراع = وجود رقم 0.5 هنا يشير لأن ما نحصل عليه هنا فى التناول من جسد الرب ودمه هو عربون للإتحاد الكامل فى السماء.

 

آية 47 :- الدار الداخلية أبعادها 100 × 100 ذراع. ورقم 100 يشير للقطيع الصغير، فالدار الخارجية هم كل المدعوون، أما الدار الداخلية فهم الذين يعرفهم المسيح بالعدد وإن فقد منهم واحد يذهب وراءه ليرده.   


 

الإصحاح الحادى والأربعون

 

                                                                           

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يلاحظ فى الرسم السابق أنه غريب بعض الشئ عن المألوف فسمك الحوائط أكبر من عرض الحجرات. وهذا مما يعطى أحساس بإستحالة تنفيذه عملياً كما كما يتصور مفسرى الملك الألفى فما معنى تكديس حجرات 4 × 4 ذراع وتصور أنها محاطة بحوائط أسمك منها فكيف الدخول إليها وكما يلاحظ أنه فى هذا الهيكل لا يحدد إرتفاعات ولذلك يبدو منطقياً أن نلجأ للتفسير الروحى فهذا هو المقصود بهذه الأبعاد ولنتأمل فى هذا :-

1- هناك غرف فى الدار الخارجية وتسمى مخادع وهناك بجانب المقادس توجد مخادع أخرى. والمعنى إذا فهمنا أن المخادع تشير لمكان الخلوة مع الله أن هناك مستويات للعمق فى هذه اللقاءات مع الله. فهناك من يتقابل مع الله فى الدار الخارجية وهناك من يتقابل مع الله فى العمق ويعرفه عن قرب. وكلما إزددنا عمقاً إزددنا حباً لله.

2- لا يوجد إرتفاع فإرتفاع العلاقة مع الله لا حدود له فهو يصل إلى كمال الآب مت 5 : 48. إذاً معرفة الله غير محدودة هنا فى هذا العالم وهناك فى السماء. لأن الله غير محدود وكل يوم يمر فى السماء سنعرف عنه شيئاً جديداً يعطينا فرحاً أعمق وأعتقد أن هذا هو ما يشير إليه فى رؤ 22 : 2

3- الحوائط أسمك من الغرف. والحوائط هى دعامات المبنى والمعنى أن الله يدعم العلاقة معنا على أسس قوية. ولكن من الملاحظ أن هناك ثلاثة طوابق للمخادع وسمك الحائط يقل كلما إرتفعنا مما يعطى فرصة لإزدياد حجم الحجرات وهذا يشير لإتساع القلب بالحب كلما زاد العلو وتتسع النفس بالأكثر ليسكن الرب فيه بكل ملكوته ومجده "هاملكوت الرب فى داخلكم"

 

الآيات 1 – 11 :- و اتى بي الى الهيكل و قاس العضائد عرضها من هنا ست اذرع و من هناك ست اذرع عرض الخيمة.و عرض المدخل عشر اذرع و جوانب المدخل من هنا خمس اذرع و من هناك خمس اذرع و قاس طوله اربعين ذراعا و العرض عشرين ذراعا.ثم جاء الى داخل و قاس عضادة المدخل ذراعين و المدخل ست اذرع و عرض المدخل سبع اذرع.و قاس طوله عشرين ذراعا و العرض عشرين ذراعا الى قدام الهيكل و قال لي هذا قدس الاقداس.و قاس حائط البيت ست اذرع و عرض الغرفة اربع اذرع حول البيت من كل جهة.و الغرفات غرفة الى غرفة ثلاثا و ثلاثين مرة و دخلت في الحائط الذي للبيت للغرفات حوله لتتمكن و لا تتمكن في حائط البيت.و اتسعت الغرفات و احاطت صاعدا فصاعدا لان محيط البيت كان صاعدا فصاعدا حول البيت لذلك عرض البيت الى فوق و هكذا من الاسفل يصعد الى الاعلى في الوسط. و رايت سمك البيت حواليه اسس الغرفات قصبة تامة ست اذرع الى المفصل.عرض الحائط الذي للغرفة من خارج خمس اذرع و ما بقي ففسحة لغرفات البيت. و بين المخادع عرض عشرين ذراعا حول البيت من كل جانب. و مدخل الغرفة في الفسحة مدخل واحد نحو الشمال و مدخل اخر نحو الجنوب و عرض مكان الفسحة خمس اذرع حواليه.

  فى ختام الإصحاح السابق (آية 48، 49) أى وصفاً لرواق البيت كمقدمة ليدخل إلى البيت نفسه وقطعاً الوصف صعب جداً ولكن هذه مجرد محاولات للفهم

آية 1 :- بالرجوع للآيات (48، 49) من الإصحاح السابق نفهم معنى عرض الخيمة = فعرض الخيمة (خيمة الإجتماع) حسب ما ورد فى خر 26 : 16، 22، 25 يساوى 12 ذراع وهنا فالرواق أى مدخل المقادس عرضه 12 ذراع حسب الترجمة السبعينية وكأن المعنى أن عرض الخيمة فى العهد القديم يساوى عرض باب العهد الجديد. أى أن العهد القديم كان مدخلاً للعهد الجديد. وأتى بى = بعد أن رأى الخارج يجب أن يدخل للعمق هذا واجب كل منا

 

آية 2 :- عرض المدخل عشر أذرع = رقم عشرة يشير للوصاية. وهى مذكورة فى الناموس. ولكن لنا فى العهد الجديد ناموس جديد هو ناموس المحبة "من يحبنى يحفظ وصاياى" والمعنى أننا بالحب والحب وحده ندخل لمقادس الله ونحفظ وصاياه. والجوانب 5 أذرع = والجوانب تدعم المدخل ورقم 5 يشير للنعمة (الخمس خبزات). والمسيح يسندنا بنعمته لكى ندخل ولنعلم أن باب الناموس الطقسى ضيق بينما أن باب ناموس المحبة واسع. لاحظ القدس = 20 × 40

 

آية 3، 4 :-ذكرت فى الآية السابقة مقاييس القدس وفى آية 4 مقاييس قدس الأقداس 20 × 20 وهى نفس مقاييس هيكل سليمان. ففى عمق الأقداس نجد الله وإله العهد القديم هو إله العهد الجديد. ولنلاحظ أن مدخل قدس الأقداس ليس مغلقاً بحجاب مثل العهد القديم بل مدخله = 6 أذرع ورقم 6 يشير للكمال الإنسانى وهو ناقص. ولكن أصبح للإنسان الناقص الخاطئ الشرير فرصة لدخول الأقداس وهو فى ضعفه فمجئ المسيح كَمَله ليستطيع الدخول ولنلاحظ أن عرض المدخل 7 ذراع فعمل الله كامل وسمكه 2 ذراع ورقم 2 يشير للتجسد. فدخول المقادس أى لأعماق العلاقة مع الله أصبح متاحاً للجميع ومدعماً بعمل المسيح. ولاحظ فى آية 3 أن حزقيال لم يدخل لقدس الأقداس لأنه قال ثم جاء إلى داخل = فالأقداس لم يدخلها سوى رئيس كهنتنا بدمه أى المسيح عب 9 : 12 ونحن ندخل أيضاً فيه عب 10 : 19 وأما فى العهد القديم فلم يكن هذا ممكناً للنبى.

 

آية 6 :- الآية تقرأ هكذا والغرفات كانت ثلاثة طوابق كل منها فوق الأخرى ثلاثون غرفة بكل طابق. وهى مستقرة على حواف (رف أو إفريز) وهذه الحواف لكل الغرف الجانبية حتى تدعم أو تحمل الغرفات ولكن لا تثبت الغرفات فى الحوائط  آية 7 :- وكلما صعدنا لأعلى تتسع الحجرات لأن هذه الحواف متصاعدة كأنها سلم ولذلك كانت الغرفات تتسع                                      

من الدور الأسفل للعلوى مروراً بالأوسط وإتساع الغرف كلما صعدنا هو علامة إتساع ملكوت الله داخلنا ومن الملاحظ أن أقصى عرض للغرفة 6 ذراع. نعود ثانية لرقم 6 فما يحد إتساع ملكوت الله داخلنا هو نقص كمالنا الإنسانى لتتمكن ولا تتمكن to be supported but not fastened. أى تؤيد وتدعم وتستند على الحوائط ولكن لا تثبت فيها وربما يكون المعنى أننا طالما نحن فى العالم فنعمة الله فقط تسندنا إن رغبنا فى ذلك. والله لا يجبرنا أن نقبله داخلياً فلو شاء أحد الإنفصال ينفصل "ديماس تركنى إذ أحب العالم الحاضر".

 

آية 8 :-وأساس هذه العلاقة قصبة تامه وكما رأينا سابقاً القصبة تشير للنعمة والجهاد

آية 9 :-هناك فسحة (5 أذرع) حول الغرفات للدخول منها. أى الدخول فيه إتساع وبنعمة الله 

آية 11:- هناك مدخلين للغرفات من الشمال ومن الجنوب = فلو فهمنا الشمال على أنه المكان الذى نأتى منه الضربات أى التجارب والضيقات والجنوب يشير لمصر جنة الله بنعمها " كما رأى لوط سدوم وعمورة كجنة الله كأرض مصر" إذاً الجنوب يشير لنعم الله. وبكليهما التجارب. وأما لنا فنعم الله هى دخول الأعماق. المداخل (راجع الرسم بجانب تفسير الآيات 27:40-37  خمس أذرع = الدخول بالنعمة

 

الآيات 12 – 15 :- البناء الذي امام المكان المنفصل عند الطرف نحو الغرب سبعون ذراعا عرضا و حائط البناء خمس اذرع عرضا من حوله و طوله تسعون ذراعا.و قاس البيت مئة ذراع طولا و المكان المنفصل و البناء مع حيطانه مئة ذراع طولا. و عرض وجه البيت و المكان المنفصل نحو الشرق مئة ذراع. و قاس طول البناء الى قدام المكان المنفصل الذي وراءه و اساطينه من جانب الى جانب مئة ذراع مع الهيكل الداخلي و اروقة الدار.

هذا البناء 70 × 90 ذراع ويضاف له سمك الحوائط والمكان المنفصل كما بالرسم فيصبح الإجمالى 100 × 100 نفس رقم البيت الآخر أنظر الرسم فى مقدمة الإصحاح. والمعنى أن هذا المبنى الجديد يشير لكنيسة الأمم التى سيضمها الله ولكنها للآن لم تنضم وقت رؤيا حزقيال فنجد أن هناك مكاناً منفصلاً حول كليهما لأنهم معزولين عن بعضهم. ولكن

 كنيسة الأمم فى فكر الله ومحجوز لها مكان فى الداخل ولها نفس الأبعاد فالكل أولاد لله وكما أهتم بشعب إسرائيل إهتم بأشور وأرسل لهم يونان النبى. ولكن هذا المبنى هو نبوة عن مستقبل دخول الأمم وكليهما 100 × 100 ورقم 100 يشير كما قلنا لجزاء الله عن تركى لمحبة العالم "من يترك... يأخذ 100 ضعف" فمن ترك محبة العالم والتصق بالله سواء من اليهود أو الأمم سيأخذ 100 ضعف وأما الآن وقد أصبح الكل واحداً فى المسيح فلم يعد هناك مكان منفصل "والحاجز المتوسط هدمته والعداوة القديمة نقضتها" ومعنى كلمة أساطينه = أروقته. ورقم 100 يشير لقطيع المسيح الصغير والأمم صاروا من هذا القطيع الصغير

 

آية 16 :- العتبات و الكوى المشبكة و الاساطين حوالي الطبقات الثلاث مقابل العتبة من الواح خشب من كل جانب و من الارض الى الكوى و الكوى مغطاة

الكل مغطى بالخشب ولم يذكر أنه مغشى بالذهب كما فى هيكل سليمان. فالذهب والخشب إشارة للاهوت وناسوت السيد المسيح وكان كل ما فى الهيكل ويشير للسيد المسيح مصنوع من الخشب المغشى بالذهب. إشارة لإتحاد الطبيعتين بلا إمتزاج ولا تغيير. ولكن المقصود هنا الكلام عن الكنيسة جسد المسيح التى أسسها بدم صليبه الخشبى

 

آية 18 :- و عمل فيه كروبيم و نخيل نخلة بين كروب و كروب و لكل كروب وجهان

ذكر فى إصحاح (1) معنى الكاروبيم وسبق أيضاً ذكر معنى نقش النخيل. والمعنى هنا أن الكاروبيم عيونهم على الأبرار لحمايتهم وظهر هنا وجها الإنسان والشبل. فهما مهتمان بالإنسان ويحمونه كما لو كانوا أسوداً فى مواجهة إبليس الأسد الزائر. وأيضاً هما يعبران هنا عن عمل الله كملك يملك على نفوس الأبرار من البشر. هذه زينة الهيكل الحقيقية ملك الله على نفوس وقلوب أولاده. هذه زينة القلب الداخلية. ولاحظ أن البيت كله هكذا

 

آية 22 :- المذبح من خشب ثلاث اذرع ارتفاعا و طوله ذراعان و زواياه و طوله و حيطانه من خشب و قال لي هذه المائدة امام الرب

هذا مذبح البخور وهو من خشب وغير مغشى فهو يرمز للصلاة "لتستقيم صلاتى كالبخور قدامك" مزامير النوم "ثم سماه المائدة التى أمام الرب = المائدة تشير لذبيحة المسيح عنا. وصلواتنا لا تقبل إن لم تكن بالمسيح يسوع ربنا. أو تشير لأن الإنسان يجب أن يقدم نفسه ذبيحة حية مرضية أمام الله.