الإصحاح الأول

آية (1-7) :-

وكان بعد موت شاول ورجوع داود من مضاربة العمالقة أن داود أقام في صقلغ يومين.
وفي اليوم الثالث إذا برجل آتى من المحلة من عند شاول و ثيابه ممزقة و على رأسه تراب فلما جاء إلى داود خر إلى الأرض و سجد. فقال له داود من أين أتيت فقال له من محلة إسرائيل نجوت. فقال له داود كيف كان الأمر اخبرني فقال أن الشعب قد هرب من القتال
و سقط أيضا كثيرون من الشعب و ماتوا و مات شاول و يوناثان ابنه أيضا. فقال داود للغلام الذي اخبره كيف عرفت انه قد مات شاول و يوناثان ابنه. فقال الغلام الذي اخبره اتفق أنى كنت في جبل جلبوع و إذا شاول يتوكا على رمحه و إذا بالمركبات و الفرسان يشدون وراءه. فالتفت إلى ورائه فراني و دعاني فقلت هانذا.

لم يرسل داود أحداً ليسأل عن نتيجة المعركة فهى معروفة مقدماً. وربما خشى أن يظن أحد أنه متلهف على تولى العرش بموت شاول ورجاله. وهو فعلاً غير متلهف على ذلك.

 

الآيات (8،9) :-

فقال لي من أنت فقلت له عماليقي أنا. فقال لي قف علي و اقتلني لأنه قد اعتراني الدوار لان كل نفسي بعد في.

بحسب التقليد اليهودى فهذا الغلام هو إبن دُواغ الأدومى. هو شعر أن داود سيملك لا محالة فإختلق هذه الرواية الكاذبة المناقصة لما جاء فى الإصحاح السابق ليتملق داود. وهو مزّق ملابسه ووضع عليها التراب. وهو يخبر داود بأن شاول ويوناثان ماتا أى لا وريث للعرش فهنيئاً لك. وحينما أراد أن يخبر داود بأنه قتل شاول لم يقل قتل يوناثان أيضاً فهو يعرف المحبة التى تربط بينهما. وحينما رأى علامات الضيق على داود أكمل "لأنى علمت أنه لا يعيش بعد سقوطه": أى هو كان سيموت سواء فعلت ذلك أم لا وليهنأ داود بالملك يعطيع إكليل شاول وسواره وغالباً كان مع دُواغ الأدومى وشاول فى المعركة وحينما إنتحر شاول أخذهما الغلام معهُ ويُقال أن دُواغ الأدومى هو الذى أوحى لإبنه بهذه الفكرة ليضمن لهُ مكاناً فى بلاط داود. والإكليل: عصابة ضيقة من الذهب حول خوذته. والسوار يوضع على الذراع. هى قصة كاذبة مختلقة لكنه جنى ثمرة كذبه وطمعه "كراهة الرب شفتا كذب " (أم22:12 + يو45:8).

 

أية (10-13) :-

فوقفت عليه و قتلته لاني علمت انه لا يعيش بعد سقوطه و أخذت الإكليل الذي على رأسه و السوار الذي على ذراعه و أتيت بهما إلى سيدي ههنا. فامسك داود ثيابه
و مزقها و كذا جميع الرجال الذين معه. و ندبوا و بكوا و صاموا إلى المساء على شاول و على يوناثان ابنه و على شعب الرب و على بيت إسرائيل لأنهم سقطوا بالسيف. ثم قال داود للغلام الذي اخبره من أين أنت فقال أنا ابن رجل غريب عماليقي.

لم يفرح داود بموت شاول ولم يفكر فى التشفى فيه ولا فى المجد الذى سيعود عليه بموت شاول بل ندبه وبكى وصام إلى المساء لأجل شاول ويوناثان وكل الرجال الذين ماتوا فى هذه الحرب. لذلك نفهم أن داود مع كل هذه الرقة حين يطلب الهلاك لأعدائه فى مزاميره لا يقصد إنتقاماً منهم ولا لمجد شخصى بل لمجد الله. (أم17:24، 18، 5:17) والإنسان الروحى عموماً لا يفرح بما يحل بأعدائه من تعب فهو يطلب سلام الخليقة كلها وهكذا بكى المسيح على أورشليم الساقطة فحمل ظلاً للسيد المسيح.

 

أية (14-17) :-

فقال له داود كيف لم تخف أن تمد يدك لتهلك مسيح الرب. ثم دعا داود واحدا من الغلمان و قال تقدم أوقع به فضربه فمات. فقال له داود دمك على رأسك لان فمك شهد عليك قائلا أنا قتلت مسيح الرب. و رثا داود بهذه المرثاة شاول و يوناثان ابنه.

لم يتوقع الغلام مثل هذا السؤال فصمت وحكم بصمته على نفسه.

 

الآيات (18-27) :-

وقال أن يتعلم بنو يهوذا نشيد القوس هوذا ذلك مكتوب في سفر ياشر. الظبي يا إسرائيل مقتول على شوامخك كيف سقط الجبابرة. لا تخبروا في جت لا تبشروا في أسواق اشقلون لئلا تفرح بنات الفلسطينيين لئلا تشمت بنات الغلف. يا جبال جلبوع لا يكن طل و لا مطر عليكن و لا حقول تقدمات لأنه هناك طرح مجن الجبابرة مجن شاول بلا مسح بالدهن. من دم القتلى من شحم الجبابرة لم ترجع قوس يوناثان إلى الوراء وسيف شاول لم يرجع خائبا. شاول ويوناثان المحبوبان والحلوان في حياتهما لم يفترقا في موتهما أخف من النسور واشد من الأسود. يا بنات إسرائيل ابكين شاول الذي البسكن قرمزا بالتنعم و جعل حلي الذهب على ملابسكن. كيف سقط الجبابرة في وسط الحرب يوناثان على شوامخك مقتول. قد تضايقت عليك يا اخي يوناثان كنت حلوا لي جدا محبتك لي اعجب من محبة النساء. كيف سقط الجبابرة
و بادت آلات الحرب.

هى مرثاة داود على شاول ويوناثان:هذه المرثاة هى قصيدة شعرية تكشف عن مشاعر الحب والإخلاص. وعجيب أن داود الذى عاش فترة طويلة مطارداً من شاول يبكيه كأم تبكى ولدها. وقال أن يتعلم بنو يهوذا: حتى تبقى ذكرى شاول ويوناثان دائمة. وأسماه داود نشيد القوس ربما لسببين :-

1-    ربما من أجل أنه ذكر قوس يوناثان المحبوب لديه (2صم22:1).

2-  ربما إشارة إلى أن الرب رجل الحرب (خر3:15) وقوسه هم رجاله (زك3:9) فكأن يوناثان ببطولته وإيمانه كان قوس فى يد الله يضرب أعداء الرب. (وهكذا كل مؤمن).

سفر ياشر: هو كتاب أدبى وليس من أسفار الكتاب المقدس (يش13:10) ويقال أن ياشر إسم مأخوذ من يشورون وهو إسم التدليل لإسرائيل المحبوبة.

الظبى يا إسرائيل: يقصد يوناثان فسرعة الحركة من أعظم سمات المحارب: ولكن مع سرعته وُجِدَ مقتول على شوامخك: أى على جبال إسرائيل. وداود يتعجب كيف حدث هذا: كيف سقط الجبابرة.
جت:
أعظم مدن الفلسطينيين وأشقلون: المدينة التى فيها أعظم هياكل عشتاروت يا جبال جلبوع لا يكن طل ولا مطر عليكن: هو يطلب من الطبيعة أن تحزن عليهما. ولا حقول ولا تقدمات أى ليكن ما فى الحقول لا يستحق أن يقدم منه لله بل فلتكن بوراً. وهذا كلام شعرى لا يفهم حرفياً بل هو مجرد تصوير عظم المأساة. فى طرح مجن شاول بلا مسح بالدهن: فكانت العادة اليهودية أن يمسح السيف بالدهن قبل إستعماله حتى يلمع. أى شاول قُتِلَ قبل أن يأخذ فرصة للحرب ولإظهار براعته وقوته. وعوضاً عن الدهن تلطخ مجن شاول بدمهِ: من دم القتلى وشحم الجبابرة. وحدث هذا بالرغم من أن شاول ويوناثان كانا جبابرة ولم ترجع قوس يوناثان إلى الوراء وهكذا سيف شاول. ولاحظ أنه يكثر من مديح شاول ونسى كل إساءاته. هذا لنقاوة قلبه. شاول ويوناثان لم يفترقا: إشارة لمحبة يوناثان لأبيه وأميناً لهُ وسنداً لأبيه فى حياته وها هو يموت معهُ ولم يفترقاً. ولقد تجاهل داود كل عيوب شاول ولم يذكر سوى حسناته
البسكن القرمز والذهب بسبب إنتصاراته فى الحروب إستقرت البلاد. والقرمز والذهب هو غنيمة المعارك. وحب يوناثان أعجب من محبة النساء. فالمرأة تترك بيت أبيها لتلتصق برجلها ويوناثان لم يخضع لمشورة أبيه فى قتل داود حتى بالرغم من أنه سيفقد العرش وذلك لمحبته لداود.


 

الإصحاح الثانى

الآيات (1-4) :-

وكان بعد ذلك أن داود سال الرب قائلا ااصعد إلى إحدى مدائن يهوذا فقال له الرب اصعد فقال داود إلى أين اصعد فقال إلى حبرون. فصعد داود إلى هناك هو وامرأتاه اخينوعم اليزرعيلية وابيجايل امرأة نابال الكرملي. واصعد داود رجاله الذين معه كل واحد و بيته و سكنوا في مدن حبرون. واتى رجال يهوذا ومسحوا هناك داود ملكا على بيت يهوذا و اخبروا داود قائلين ان رجال يابيش جلعاد هم الذين دفنوا شاول.

أيقن داود أنه الملك المختار من قبل الرب لكنه لم يصعد إلى يهوذا قبل إستشارة الرب ، ولم يذهب داود متسرعاً يطلب الحكم بل صعد هو ورجاله وسكنوا فى حبرون وفى وسط سبط يهوذا ، سبط داود ، فهم بلا شك الأقرب إليه ويميلون إليه أكثر من غيرهم. ولاحظ أن إنطلاق داود ورجاله إلى يهوذا بعد موت شاول كان شيئاً طبيعياً إلاّ أن من أدرك أهمية طلب مشورة الله فى وقت الضيق وإستجابة الله لا يعود يثق فى أى قرار لهُ حتى فى وقت الفرج إلاّ بعد أن يستشير الله ويصلى. وكانت حبرون من أعظم مدن يهوذا وكانت عاصمة لها فى ذلك الوقت ومقامة على جبال فيسهل الدفاع عنها. وهناك شعر رجال يهوذا برجوع داود وإحتياجهم لهُ فمسحوه ملكاً علانية. وحبرون تعنى إقتران. فمن إقترن بالرب فى ألامه على الأرض سيتمجد معهُ فى السماء. ورجال داود الذين تألموا معهُ وجالوا مطرودين ها هم يتمجدون معهُ فى حبرون.

 

الرموز للمسيح :-

داود

المسيح

29- مُسِحَ 3 مرات

1-    سراً فى بيت أبيه (1صم13:16)

2-    على بيت يهوذا (2صم4:2)

3- على بيت إسرائيل (2صم3:5)

ملكوت المسيح

1-    منذ الأزل فهو الإبن وحيد الجنس

2-    ملك على شعب إسرائيل (عهد قديم)

3-    ملك على العالم الأن (عهد جديد)

وأيضاً كما ملك داود على يهوذا ثم إسرائيل بدأت المسيحية فى أورشليم ثم اليهودية ثم كل الأرض.

30- من تألم مع داود تمجد معه

31- قام فى وجه داود إيشبوشث ومعه إسرائيل

ومن تألم مع المسيح يتمجد معه(رو 17:8)

قام العالم فى وجه المسيح.

 

فملك المسيح مثل ملك داود يمتد عبر مراحل ونحن لا نزال نرى أن الكل غير خاضع له ولكن سيأتى الزمن حين يخضع لهُ الكل (عب8:2 + اكو25:15) ولاحظ أن مسح داود سراً فى بيت أبيه كان هو حصوله على حق الملك بينما مسحهُ على يهوذا كان أخذاً للسلطان على المملكة.

 

الآيات (5-7) :-

فأرسل داود رسلا إلى أهل يابيش جلعاد يقول لهم مباركون انتم من الرب إذ قد فعلتم هذا المعروف بسيدكم شاول فدفنتموه. والآن ليصنع الرب معكم إحسانا و حقا و أنا أيضا افعل معكم هذا الخير لأنكم فعلتم هذا الأمر. والآن فلتتشدد أيديكم و كونوا ذوي باس لأنه قد مات سيدكم شاول و اياي مسح بيت يهوذا ملكا عليهم.

أول عمل قام به داود بعد مسحه ملكاً هو إهتمامه بمن قام بدفن شاول ويوناثان وسنرى كيف رد أهل يابيش جلعاد الجميل لداود فى تمرد إبشالوم. وجميل أن يبدأ عمله الملوكى بتقديم البركة: مباركون أنتم من الرب: وهذه لتشجيعهم والتشجيع أفضل من أن نهاجم الأخرين بالسلبيات. ولم يقف كلام داود عند البركة بل أعطاهم مكافأة: وأنا أيضاً أفعل معكم هذا الخير. وتشجيع الناس يشجعهم أكثر على العمل والعطاء.

 

الآيات (8-11) :-

وأما ابنير بن نير رئيس جيش شاول فاخذ ايشبوشث بن شاول و عبر به إلى محنايم.
وجعله ملكا على جلعاد وعلى الاشوريين و على يزرعيل و على افرايم وعلى بنيامين وعلى كل إسرائيل. و كان ايشبوشث بن شاول ابن أربعين سنة حين ملك على إسرائيل وملك سنتين و أما بيت يهوذا فإنما اتبعوا داود. وكانت المدة التي ملك فيها داود في حبرون على بيت يهوذا سبع سنين و ستة اشهر.

ملك داود على يهوذا      7 سنة بعدها ملك على كل إسرائيل. من الجانب الأخر إنشغل أبنير رئيس جيش شاول فى إسترجاع بعض المدن التى فقدت فى معركة جلبوع وصار يجاهد مدة    5 سنة بعدها أقام إيشبوشث بن شاول ملكاً على إسرائيل ماعدا سبط يهوذا وعبر به محنايم التى جعلها عاصمة لهُ وكان إيشبوشث إبن 40 سنة حين ملك ، وملك لمدة سنتين قضاهما فى متاعب مستمرة وكانت شخصيته ضعيفة جداً وهو لم يشترك فى المعركة مع أبيه فى جلبوع أو ربما هرب منها وبذلك كان الحاكم الفعلى هو أبنير خاصة أنه إبن عم شاول. الأشوريون: وُجِدت الأشيريين (سبط أشير) ونطق الأشيريين هو الأقرب للصحة
(وُجِدَت هكذا فى نسخ عديدة وترجمات عديدة).

 

الآيات (12-17) :-

و خرج ابنير بن نير و عبيد ايشبوشث بن شاول من محنايم الى جبعون. و خرج يواب ابن صروية و عبيد داود فالتقوا جميعا على بركة جبعون و جلسوا هؤلاء على البركة من هنا و هؤلاء على البركة من هناك. فقال ابنير ليواب ليقم الغلمان
ويتكافحوا أمامنا فقال يواب ليقوموا. فقاموا و عبروا بالعدد اثنا عشر لاجل بنيامين وايشبوشث بن شاول و اثنا عشر من عبيد داود. و امسك كل واحد براس صاحبه

وضرب سيفه في جنب صاحبه و سقطوا جميعا فدعي ذلك الموضع حلقث هصوريم التي هي في جبعون. و كان القتال شديدا جدا في ذلك اليوم وانكسر ابنير ورجال إسرائيل أمام عبيد داود.

فى (12) وخرج أبنير:إذا هو الذى إعتدى على يهوذا وبدأ بالعدوان وكان هدفهّ أن يضم يهوذا إلى ملك إيشبوشث. [إيشبوشث هو إيشبعل (1أى33:8) أى رجل البعل أو رجل ذو سيادة ولأن كلمة بعل كانت مكروهة لأنه إله فينيقى فغيروا إسمه ليصير إيشبوشث أى رجل الخزى. وهذا حدث مع مفيبعل       

      مفببِوشث/ يربعل       يربوشث) وحين هاجم أبنير يهوذا إضطر يوآب ورجال داود أن يخرجوا للدفاع وتقابلوا عند بركة جبعون كل على جانب مقابل الأخر. ويبدو أن رجال كل طرف من الطرفين لم يستريحوا لمقاتلة إخوتهم ولو ترك الأمر هكذا لرجع الطرفان كل إلى بيته دون حرب كما قال يوآب لأبنير فيما بعد (أية 27) وحينما وَجَدَ أبنير أن الشعب غير راغب فى القتال أراد أن يلهب الجو فطلب أن يتقاتل بعض الغلمان من هنا ومن هناك. فقام 12 غلام من كل طرف فأمسك كل واحد برأس صاحبه وضرب سيفه فى جنب صاحبه فسقط الـ24 غلاماً. ودُعِىَ الموضع حلقث هصّورين أى صقل السيوف. ولنلاحظ أن أبنير يقول ليلعبوا: يتكافحوا. وهى وحشية قطعاً. وهذا أستعملهُ الرومان مع عبيدهم بعد ذلك أن يتركوهم يتصارعون حتى الموت والجمهور يتفرج ويتسلى. لقد أصبحت النفوس بلا قيمة عندهم. ولنلاحظ أن يوآب لم يعترض فهو أيضاً رجل حرب ذو مزاج دموى فقبل إقتراح أبنير حتى يهتاج الفريقان. ويبدو أن الغلمان كانوا يعرفون أن نفوسهم بلا قيمة عند هؤلاء القادة وأنهم محكوم عليهم بالموت فكانوا يحاربون بلا حمية وبيأس. ولنلاحظ طاعة هؤلاء الغلمان لقادتهم وهى ضد رغباتهم ولا هى فى صالح أحد، ونحن جنود فى جيش المسيح وأوامره بالتأكيد لصالحنا فهل نطيع.

 

الآيات (18-23) :-

وكان هناك بنو صروية الثلاثة يواب وابيشاي وعسائيل وكان عسائيل خفيف الرجلين كظبي البر. فسعى عسائيل وراء ابنير و لم يمل في السير يمنة و لا يسرة من وراء ابنير. فالتفت ابنير إلى ورائه و قال اانت عسائيل فقال أنا هو. فقال له ابنير مل إلى يمينك أو إلى يسارك و اقبض على أحد الغلمان و خذ لنفسك سلبه فلم يشا عسائيل أن يميل من ورائه. ثم عاد ابنير و قال لعسائيل مل من ورائي لماذا أضربك إلى الأرض فكيف ارفع وجهي لدى يواب أخيك. فأبى أن يميل فضربه ابنير بزج الرمح في بطنه فخرج الرمح من خلفه فسقط هناك و مات في مكانه و كان كل من ياتي إلى الموضع الذي سقط فيه عسائيل و مات يقف.

هُزِم أبنير ورجاله أمام رجال داود فهرب أبنير ولكن عسائيل أراد أن يلحقه ويقتله وكان رئيساً لإحدى فرق الجيش وكان عسائيل سريعاً لكنه لم يكن قوياً كأخيه يوآب أو كأبنير. وعسائيل إبن صروية أخت داود. وهو تابع أبنير مستغلاً الحماس الذى حدث من الإنتصار غير مدرك أن هناك فارق بينه وبين أبنير ولكنه كان يطمع فى قتل أبنير ليسلم الملك لداود. وأبنير كان لا يريد قتل عسائيل لأنه خشى من يوآب أخيه لأنه سينتقم منهُ وطلب منهُ أن يبتعد فرفض فضربه أبنير بزج الرمح: ضربه بطريقة لا يتوقعها، إذ طعنهُ بعقب الرمح وهو غير مسنن ويحتاج لضربة قوية جداً ولكن من المؤكد أن أبنير قد تمرن عليها. ولنلاحظ أن ما إعتمد عليه عسائيل لم ينفعه أى سرعته. وعلينا أن لا نعتمد على ذكائنا أو قوتنا بل على الله الذى يحمى. وإذ كان الجميع يحبونه هو ويوآب كان كل من يأتى ويراه ميتاً يقف ليبكى وبهذا تمكن أبنير من الهرب لوقوف الجميع أمام جثة عسائيل.

 

الآيات (24-32) :-

وسعى يواب و ابيشاي وراء ابنير و غابت الشمس عندما أتيا إلى تل أمة الذي تجاه جيح في طريق برية جبعون. فاجتمع بنو بنيامين وراء ابنير وصاروا جماعة واحدة و وقفوا على راس تل واحد. فنادى ابنير يواب و قال هل إلى الأبد يأكل السيف ألم تعلم أنها تكون مرارة في الأخير فحتى متى لا تقول للشعب أن يرجعوا من وراء اخوتهم. فقال يواب حي هو الله انه لو لم تتكلم لكان الشعب في الصباح قد صعد كل واحد من وراء أخيه. و ضرب يواب بالبوق فوقف جميع الشعب و لم يسعوا بعد وراء إسرائيل و لا عادوا إلى المحاربة. فسار ابنير و رجاله في العربة ذلك الليل كله و عبروا الأردن و ساروا في كل الشعب و جاءوا إلى محنايم. و رجع يواب من وراء ابنير و جمع كل الشعب و فقد من عبيد داود تسعة عشر رجلا
و عسائيل. و ضرب عبيد داود من بنيامين و من رجال ابنير فمات ثلاث مئين و ستون رجلا. و رفعوا عسائيل و دفنوه في قبر أبيه الذي في بيت لحم و سار يواب و رجاله الليل كله و اصبحوا في حبرون.

وسعى يوآب وأبيشاى إخوة عسائيل وراء أبنير لينتقما لأخيهما حتى الغروب ووقفا على تلين متقابلين وقال أبنير هل إلى الأبد يأكل السيف: كلام حكيم ولكن للأسف لم يصدر عنهُ إلاّ بعد أن وجد الحرب قد إستدارت ضده أمّا لو كان الشباب يموت فهو لعب. وفى (27) لو لم تتكلم: أى أنت الذى بدأت فى الصباح وتكلمت وطلبت الغلمان أن يتكافحوا فبذلك حمّل يوآب أبنير مسئولية المعركة. وفى (29) الشعب: جمع شعبة وهى صدع فى الجبل يأوى إليه الطير. وعدد القتلى البسيط يدل على أن أصلاً أعداد المتحاربين لم تكن كبيرة. وقبول يوآب وقف القتال كان لأنه يعلم أن داود لا يسعى لأن يملك عن طريق القتال لا ضد شاول ولا ضد إيشبوشث أو ضد أبنير فهو يريد أن الله يأتى له بالملك دون قتال الأخوة. هو ينتظر عمل الله الهادئ. خصوصاً أنه وعد شاول بأنه يعطى الأمان لأولاده فهو قطعاً لن يهاجم إيشبوشث.


 

الإصحاح الثالث

آية (1) :-

و كانت الحرب طويلة بين بيت شاول و بيت داود و كان داود يذهب يتقوى و بيت شاول يذهب يضعف.

داود يذهب يتقوى: بدأ إيشبوشث حربه بتحريض وقيادة أبنير الذى كان يصر أن يبقى الملك فى يد شاول بالرغم من إدراكه أن الله حلف لداود أن يهبه الملك (أية 9) ولذلك كانت الحرب طويلة بين أبنير المعاند وداود المُصّرْ على أن يفى بوعده لشاول ولا يضرب إبنه إيشبوشث ولذلك أستمرت الحرب عامان. وخلال هذه الفترة إجتذب الله الشعب لداود فأحبوه لصفاته وإلتفوا حوله وكان ينتصر فى حروبه ضد أعداء شعبه فيحبه شعبه وينضم إليه الكثيرين. وهذا عكس بيت شاول الذى يذهب يضعف. فلا بركة من الله لمن يقاوم وعدهُ. هكذا يحدث لكل إنسان تائب يملك المسيح على قلبه فتبدأ الحرب بين مملكة المسيح (داود) ومملكة الشر (إيشبوشث) أو الروح ضد الجسد وقليلاً قليلاً تقوى الروح وتنحل مملكة الشر وتضعف. ولاحظ أن داود  كان هو الأضعف بحسب الظاهر فهو سبط واحد وعدوه 10 أسباط لكن قوة داود كانت فى إيمانه بوعد الله عكس إيشبوشث الذى كانت قوته فى إعتماده على أبنير وفارق عظيم بين من يتكئ على ذراع الله ومن يتكئ على ذراع بشر. وعلينا أن لا نتعجل هلاك الأشرار فالله يعطيهم فرص للتوبة ويعلمنا الصبر فنتزكى بالصبر.

 

الآيات (2-6) :-

وولد لداود بنون في حبرون وكان بكره امنون من اخينوعم اليزرعيلية. و ثانيه كيلاب من ابيجايل امرأة نابال الكرملي والثالث ابشالوم ابن معكة بنت تلماي ملك جشور.
والرابع ادونيا ابن حجيث والخامس شفطيا ابن ابيطال. والسادس يثرعام من عجلة امرأة داود هؤلاء ولدوا لداود في حبرون. و كان في وقوع الحرب بين بيت شاول و بيت داود أن ابنير تشدد لأجل بيت شاول.

أنجب داود ستة أولاد أمنون البكر (إرتكب الشر مع أخته) ومات فى حياة داود. ثم كيلاب أو دانيئيل (1أى 1:3) وغالباً فقد مات فى أواخر حياة داود لأن أدونيا هو الذى طلب الملك كبكر وليس كيلاب. ثم إبشالوم وقُتِلَ عقب تمرده على والده ثم أدونيا الذى طلب الخلافة بعد موت أبيه وفى أية (6) :- كان أبنير هو الذى يشجع إيشبوشث على الإنفصال.

 

الآيات (7-11) :-

و كانت لشاول سرية اسمها رصفة بنت أية فقال ايشبوشث لابنير لماذا دخلت إلى سرية أبى. فاغتاظ ابنير جدا من كلام ايشبوشث و قال العلي راس كلب ليهوذا اليوم اصنع معروفا مع بيت شاول أبيك مع اخوته و مع أصحابه و لم أسلمك ليد داود و تطالبني اليوم بإثم المرأة. هكذا يصنع الله بابنير و هكذا يزيده انه كما حلف الرب لداود كذلك اصنع له. لنقل المملكة من بيت شاول و إقامة كرسي داود على إسرائيل و على يهوذا من دان إلى بئر سبع. و لم يقدر بعد أن يجاوب ابنير بكلمة لأجل خوفه منه.

دخل أبنير على سُرّية شاول فعاتبه إيشبوشث بعنف ليس دفاعاً عن الحياة المقدسة بل هو خاف أن أبنير حين يتزوج بزوجة شاول الملك ينسب الملك لنفسه. وتصوّر أيضاً أن أبنير إنما يفعل هذا بالإتفاق مع يهوذا وملك يهوذا داود حتى يتخلصوا من إيشبوشث أى إتهمه بالخيانة. ولكن أبنير رد التوبيخ بتوبيخ أعنف ولم يقدر إيشبوشث أن يجاوبه فهو رجل ضعيف الشخصية. وكان أبنير رجلاً معتداً بذاته فقد حارب الفلسطينيين وأعاد كثيراً من البلدان التى إغتصبوها وهو الذى أقام إيشبوشث. والآن فى حديثه يتصور أنه هو الذى سيعطى الملك لداود ويأخذه من إيشبوشث ومعنى هذا أنه قادر أيضاً أن يأخذه من داود وقتما يشاء. هو يمثل الذراع البشرى المتشامخ الذى يظن أنه قادر أن يقيم ملوكاً ويعزلهم (أمّا داود الذى يعرف عمل الله فرتل (مز146: 3-5 + 8:118 وهو عكس هذا تماماً) أبنير هذا رجل قوى لكنه يرضى شهواته فيدخل على سرية شاول ويعطى الملك لإيشبوشث شاعراً أنه وراء هذا الملك وقد قبل إيشبوشث هذا فهو المستفيد فكان أن إنقلب عليه أبنير فهو بلا مبدأ. وهذا يحدث لكل إنسان يقبل عطية من يد إنسان وليس من يد الله ، فالله وحده هو الذى يعطى بسخاء ولا يعير. لكن عطايا البشر غير ذلك فالإنسان يطالب بمقابل لكل ما يعطيه وعطايا الإنسان لا تثبت. ولكن كان ما حدث عموماً لصالح داود فالأرض تعين المرأة (رؤ16:12) ولقد إستخدم الله أبنير هذا لكى ينفذ خطته فى أن يملك داود. وفى (8) العلى رأس كلب يهوذا هذا يشرح أن إيشبوشث إتهم أبنير بأنه متآمر مع داود ورأس كلب أى خاضع ليهوذا وفى (9) كذلك أصنع لهُ: أى كما حلف الله أن يملك داود سأصنع لهُ وأملكه ومعنى الكلام كلهأأ      أنك إتهمتنى بأننى متآمر مع داود مع أننى لم أسلملك ليده. إذاً سأنفذ ما إتهمتنى وأسلم الملك لداود عقاباً لك على هذا الإتهام.

 

أية (12) :-

فأرسل ابنير من فوره رسلا إلى داود قائلا لمن هي الأرض يقولون اقطع عهدك معي و هوذا يدي معك لرد جميع إسرائيل إليك.

لمن هى الأرض: يعنى أن الأرض هى تحت يد أبنير وهو مستعد أن يملك داود بشرط إقطع عهدك معى: العهد الذى يرد أبنير الأرض لداود وداود يصفح عنهُ ويقبله فى خدمته.

 

آية (13) :-

فقال حسنا أنا اقطع معك عهدا إلا أنى اطلب منك أمرا واحدا و هو أن لا ترى وجهي ما لم تأت أولا بميكال بنت شاول حين تأتى لترى وجهي.

فى مقابل طلب أبنير طلب داود رد زوجته الأولى ميكال وهذا لعدة أسباب :-

‌أ.         حباً لزوجته الأولى وأمانته لها. فإن لم يكن أميناً لزوجته الأولى كيف يكون أميناً على مملكته.

‌ب.    هو رد لكرامته فقد أخذ شاول منهُ إمرأته عنوة بعد مطاردته وهروبه.

‌ج.      حتى تظهر للناس شرعية حكمه فهو زوج بنت الملك السابق (سبب سياسى).

‌د.   حتى لا يعطى لفلطيئيل أى حق أن يطالب بالعرش إعتماداً على زواجه من بنت الملك
(سبب سياسى).

 

الآيات (14-16) :-

وأرسل داود رسلا إلى ايشبوشث بن شاول يقول اعطني امرأتي ميكال التي خطبتها لنفسي بمئة غلفه من الفلسطينيين. فأرسل ايشبوشث وأخذها من عند رجلها من فلطيئيل بن لايش. و كان رجلها يسير معها و يبكي وراءها إلى بحوريم فقال له ابنير اذهب ارجع فرجع.

نجد داود يرسل لإيشبوشث نوعاً من إكرامه فهو ملك وميكال أخته وكتدعيم لطلب أبنير فليس معقولاً أن يطلب أبنير رد ميكال لداود وداود لا يطلب زوجته أو هو لا يريدها. وإنتهاء أبنير لفلطيئيل يشير إلى أن أبنير وراء تدبير الأمر كله. وداود يقول خطبتها لنفسى بمئة غلفة: مع أنه أتى بـ 200 غلفة ولكنه يذكر الرقم الذى طلبهُ أبوها كمهر للزواج.

 

أية (17) :-

و كان كلام ابنير إلى شيوخ إسرائيل قائلا قد كنتم منذ أمس و ما قبله تطلبون داود ليكون ملكا عليكم.

ها هو أبنير يطلب الملك لداود وداود لا يتحرك شعرة ليطلب الملك فهو يريده من يد الله ويظهر من كلام أبنير أن الشعب كان قد طالب قبلاً بأن يملك داود عليهم لكن أبنير كان يعارض.

 

آية (18) :-

فالان افعلوا لان الرب كلم داود قائلا أنى بيد داود عبدي اخلص شعبي إسرائيل من يد الفلسطينيين و من أيدي جميع أعدائهم.

لأن الرب كلّم داود: الكتاب لم يقل ما قالهُ أبنير لكن يُفهم هذا من شجاعة داود خصوصاً من نجاحه ضد جليات ثم توفيقه فى حروبه ضد الفلسطينيين. فالله وعده أن يثبته.

 

آية (19) :-

وتكلم ابنير أيضا في مسامع بنيامين وذهب ابنير ليتكلم في سماع داود أيضا في حبرون بكل ما حسن في أعين إسرائيل وفي أعين جميع بيت بنيامين.

كان من الصعب على سبط بنيامين الذى كان لهُ الملك أن يقبل ملكاً من سبط آخر ولكن أن يتكلم معهم أبنير بالذات وهو بنيامينى وقائد الجيش وقريب شاول الملك فقد قبلوا منهُ.

 

الآيات (22-39) :-

وإذا بعبيد داود ويواب قد جاءوا من الغزو وأتوا بغنيمة كثيرة معهم ولم يكن ابنير مع داود في حبرون لأنه كان قد أرسله فذهب بسلام. وجاء يواب وكل الجيش الذي معه فاخبروا يواب قائلين قد جاء ابنير بن نير إلى الملك فأرسله فذهب بسلام. فدخل يواب إلى الملك وقال ماذا فعلت هوذا قد جاء ابنير إليك لماذا أرسلته فذهب. أنت تعلم ابنير بن نير انه إنما جاء ليملقك وليعلم خروجك ودخولك و ليعلم كل ما تصنع. ثم خرج يواب من عند داود وأرسل رسلا وراء ابنير فردوه من بئر السيرة
وداود لا يعلم. و لما رجع ابنير إلى حبرون مال به يواب إلى وسط الباب ليكلمه سرا وضربه هناك في بطنه فمات بدم عسائيل أخيه. فسمع داود بعد ذلك فقال أنى بريء أنا ومملكتي لدى الرب إلى الأبد من دم ابنير بن نير. فليحل على راس يواب وعلى كل بيت أبيه ولا ينقطع من بيت يواب ذو سيل وابرص وعاكز على العكازة وساقط بالسيف و محتاج الخبز. فقتل يواب وابيشاي أخوه ابنير لأنه قتل عسائيل أخاهما في جبعون في الحرب. فقال داود ليواب ولجميع الشعب الذي معه مزقوا ثيابكم
وتنطقوا بالمسوح والطموا أمام ابنير وكان داود الملك يمشي وراء النعش. ودفنوا ابنير في حبرون ورفع الملك صوته وبكى على قبر ابنير و بكى جميع الشعب. ورثا الملك ابنير وقال هل كموت أحمق يموت ابنير. يداك لم تكونا مربوطتين ورجلاك لم توضعا في سلاسل نحاس كالسقوط أمام بني الآثم سقطت وعاد جميع الشعب يبكون عليه. وجاء جميع الشعب ليطعموا داود خبزا وكان بعد نهار فحلف داود قائلا هكذا يفعل لي الله وهكذا يزيد أن كنت أذوق خبزا أو شيئا أخر قبل غروب الشمس. فعرف جميع الشعب و حسن في أعينهم كما أن كل ما صنع الملك كان حسنا في أعين جميع الشعب. وعلم كل الشعب و جميع إسرائيل في ذلك اليوم انه لم يكن من الملك قتل ابنير بن نير. و قال الملك لعبيده إلا تعلمون أن رئيسا وعظيما سقط اليوم في إسرائيل. وأنا اليوم ضعيف وممسوح ملكا وهؤلاء الرجال بنو صروية أقوى مني يجازي الرب فاعل الشر كشره.

كان أبنير قد ذهب لينظم إستلام داود للعرش لكن أتى يوآب وسَمِعَ أن أبنير خرج بسلام فخاف لسببين:

2-    خاف أن يعطى داود لأبنير قيادة الجيش بدلاً منهُ.

2-  تذكر دم أخيه عسائيل مع أن أبنير برئ من دم عسائيل فهو حذره مرتين وعسائيل لم يقبل التحذير. وحتى فكرة أن يعطى داود القيادة لأبنير فهى مجرد غيرة لا أساس لها. ويكون قتل يوآب لأبنير هو خيانة وغدر. وهو إتهم أبنير بأنه جاسوس وهذا غير حقيقى فما معنى أن يتجسس ليثير الأسباط على داود بيينما الأسباط فعلاً تحت قيادة أبنير الفعلية فما معنى التجسس لذلك لم يرد داود على يوآب لأنه إستخف بفكرته وتظاهر يوآب بأن داود يريد أبنير وأرسل لهُ فعاد فقتله دون أن يشك فى خيانة يوآب (تث24:27). ولكن كل الأمور تعمل معاً للخير. فكان موت أبنير بسماح من الله حتى لا يقال أن أبنير هو الذى ملّك داود. وكان هذا عقاباً لأن أبنير قاوم مملكة داود وهو يعرف أنها من الله. والآن يقاوم إيشبوشث ويؤيد داود إنتقاماً من إيشبوشث. وكم كان داود شهماً ونبيلاً ورقيق القلب فى رثائه لأبنير وكانت طريقته فى الحزن مقنعة للجميع أنه لم يشارك يوآب فى هذه المؤامرة. وهو أمَرَ يوآب أن يمزق ثيابه ويرتدى المسوح وراء النعش كإعتراف علنى بخطئه ولكن كان من المفروض أن يعاقب يوآب على خيانته لكن داود لم يفعل معللاً ذلك بأن يوآب وإخوته أقوى منهُ وهذا لا يصح. حَزِنَ داود على أبنير فهو يحزن على كل طاقة من طاقات شعبه قادرة أن تحارب الوثنيين. كموت أحمق: إذ إئتمن نفسه لدى الغادر يوآب ولم تكن يداه مربوطتين ولا رجلاه بل مات فى خيانة وهذا ممّا يزيد الحزن عليه.


 

الإصحاح الرابع

آية (1) :-

و لما سمع ابن شاول أن ابنير قد مات في حبرون ارتخت يداه و ارتاع جميع إسرائيل.

إبن شاول: لم يذكر إسمه كنوع من الإحتقار فمملكته قامت على أبنير وهو قبل هذا من أجل أن يملك. فلما مات أبنير إرتاح ومعهُ جميع الشعب. وهل يرتاع من يعتمد على الله الحى الذى لا يموت.

 

الآيات (2،3) :-

وكان لابن شاول رجلان رئيسا غزاة اسم الواحد بعنة واسم الأخر ركاب ابنا رمون البئيروتي من بني بنيامين لان بئيروت حسبت لبنيامين. وهرب البئيروتيون إلى جتايم
وتغربوا هناك إلى هذا اليوم.

بعنة وركاب هم جبعونيون وكانوا يسكنون بئيروت وجاء شاول وقتل بعض من الجبعونيين وشردهم ليملك سبطه مكانهم (راجع 2صم1:21). وبعد هذه الحادثة هرب الجبعونيين إلى جتّايم وتغربوا هناك. وإستخدم شاول بعنة وركاب اللذان كانا يحملان حقداً وضغينة على شاول وبيته وأبنائه.

 

آية (4) :-

وكان ليوناثان بن شاول ابن مضروب الرجلين كان ابن خمس سنين عند مجيء خبر شاول
ويوناثان من يزرعيل فحملته مربيته وهربت ولما كانت مسرعة لتهرب وقع وصار اعرج
واسمه مفيبوشث.

حين سُمِعَ خبر موت شاول ويوناثان حملت مربية مفيبوشث إبن يوناثان الولد وهربت مفزوعة فأصيب الولد بالعرج وكان إبن خمس سنين حينما قُتِل أبوه وجده فى الحرب وهذا الخبر مقدمة لأنه بعد موت إيشبوشث لا يصير باقياً من بيت شاول غير مفيبوشث.

 

الآيات (5-8) :-

وسار ابنا رمون البئيروتي ركاب وبعنة ودخلا عند حر النهار إلى بيت ايشبوشث وهو نائم نومة الظهيرة. فدخلا إلى وسط البيت ليأخذا حنطة وضرباه في بطنه ثم افلت ركاب وبعنة أخوه. فعند دخولهما البيت كان هو مضطجعا على سريره في مخدع نومه فضرباه وقتلاه و قطعا رأسه وأخذا رأسه وسارا في طريق العربة الليل كله. أتيا براس ايشبوشث الى داود إلى حبرون وقالا للملك هوذا راس ايشبوشث بن شاول عدوك الذي كان يطلب نفسك و قد أعطى الرب لسيدي الملك انتقاما في هذا اليوم من شاول و من نسله.

نتيجة حقد ركاب وبعنة على بيت شاول وحينما ظهر أن بيت شاول ينهار أرادا أن يتملقا داود فإغتالا إيشبوشث وأتيا برأسه لداود. وهم دخلا البيت وقت الظهيرة بحجة أنهما يطلبان حنطة. وحين أتوا لداود قدّموا لهُ تفسيراً لاهوتياً لعملهم أعطى الرب لسيدى الملك إنتقاماً فى هذا اليوم من شاول ومن نسله. حتى يضمنا مكافأة لأنفسهم.

 

آية (9) :-

فأجاب داود ركاب وبعنة أخاه ابني رمون البئيروتي وقال لهما حي هو الرب الذي فدى نفسي من كل ضيق.

الذى فدى نفسى من كل ضيق: أراد داود أن يؤكد لهما أن الله هو الذى حماه من شاول ومن غيره وأنه ليس فى حاجة لمعونة أشرار مثلهما.

 

الآيات (10،11) :-

أن الذي اخبرني قائلا هوذا قد مات شاول وكان في عيني نفسه كمبشر قبضت عليه وقتلته في صقلغ ذلك أعطيته بشارة. فكم بالحري إذا كان رجلان باغيان يقتلان رجلا صديقا في بيته على سريره فالان أما اطلب دمه من إيديكما وأنزعكما من الأرض.

داود يؤكد لهما أنه لم يقبل أن يكافئ من ظن أنه يبشر داود بقتل شاول بل عاقبه. ونفهم هنا من صيغة كلام داود وكان فى عينى نفسه كمبشر: أن طريقة موت شاول كانت قد ذاعت وعَرِفَ داود أن هذا الغلام الذى بشره كان كاذباً وأنه لم يقتله إنما كان فى عينى نفسه كمبشر بخبر تصوّر أنه يفرح داود. ذلك أعطيته بشارة: أى كانت عقوبته نتيجة بشارته. رجلاً صديقاً: أى لم يصنع بكما شراً بل إستأمنكما على بيته فخنتماه.

 

آية (12) :-

وأمر داود الغلمان فقتلوهما وقطعوا أيديهما وأرجلهما وعلقوهما على البركة في حبرون
وأما راس ايشبوشث فأخذوه ودفنوه في قبر ابنير في حبرون.

وضع الأيدى والأرجل على بركة حبرون أن داود رفض عمل الخائنان وأنه لا يملك بالخيانة وبركة حبرون كان يأتى إليها الناس للإستقاء. فالكل شاهد هذا المنظر.


 

الإصحاح الخامس

الآيات (1-3) :-

و جاء جميع أسباط إسرائيل إلى داود إلى حبرون وتكلموا قائلين هوذا عظمك ولحمك نحن. ومنذ أمس وما قبله حين كان شاول ملكا علينا قد كنت أنت تخرج وتدخل إسرائيل وقد قال لك الرب أنت ترعى شعبي إسرائيل وأنت تكون رئيسا على إسرائيل. وجاء جميع شيوخ إسرائيل إلى الملك إلى حبرون فقطع الملك داود معهم عهدا في حبرون أمام الرب و مسحوا داود ملكا على إسرائيل.

هذه هى المرة الثالثة التى يمسح فيها داود ملكاً وبهذا صار داود ممسوحاً وملكاً على كل الشعب ومنتخباً منهم. وإجتماع الشعب كله تحت ملك داود رمز للمسيح الذى جعل الإثنين واحداً وكان قبل داود كل سبط يحارب وحدهُ لكن الآن الكل صار واحداً فى داود. بل نجد الآف فى حبرون يبايعون داود
(1أى12: 23-40) ويقول لهُ الشعب هوذا عظمك ولحمك نحن  أى نحن أقرباء وإخوة وأنت ستعطف علينا وتبحث عن مصالحنا. قالوا هذا بعد أن رأوا نجاح يهوذا تحت قيادة داود ولنلاحظ كيف درب الله داود ليكون قائداً ناجحاً قبل أن يملك.

1-    علمه الصبر وإحتمال الضيقات فلم يذق داود طعم الراحة بل كان فى جهاد مستمر.

2-    علمه الإتضاع فلم يطلب لنفسه ملكاً ولا مجداً. بل لم يوبخ الشيوخ حين جاؤا لهُ.

3-    علمه عن طريق أبيجايل أن لا ينتقم لنفسه مهما كانت قوته. بل تعلم حب الجميع حتى من قاوموه.

4-    علمه الإتكال على الله فهو لا يصنع شيئاً دون سؤال الله.

هكذا كل الضيقات التى تحيط بنا هى مدرسة لتعليمنا.

 

آية (4) :-

كان داود ابن ثلاثين سنة حين ملك وملك أربعين سنة.

كان داود إبن 30 سنة حين ملك: نفس عُمْر يوسف حين ملك وهو عُمْر الكاهن حين يبدأ خدمته وعمر المسيح حين بدأ فى التبشير. وملك 40 سنة: رقم 40 هو رقم رمزى فى الكتاب المقدس يشير لفترة زمنية محددة أو مهلة يعطيها الله للبشر وبعدها تكون خيرات (إن تابوا) أو لعنات (إن إستمروا فى خطيتهم)  وأمثلة لذلك نينوى/ الطوفان. فنينوى تابوا وإن كانوا قد رفضوا لكانوا هلكوا بعد 40 يوماً. والطوفان إستمر 40 يوماً وفى المقابل نجد أن موسى/ إيليا/ والمسيح صاموا 40 يوماً فهكذا ينبغى أن نحيا زاهدين فى العالم نصوم ونصلى رافضين مملكة إبليس وخداعاته فيملك المسيح على قلوبنا وبعد إنتهاء فترة العالم الـ 40 سنة رمزياً سيأتى المسيح. فمن عاش فى توبة يملك المسيح عليه للأبد فى المجد ، ومن عاش فى عصيان لن يرى مجد المسيح بل لهُ مكان آخر. ويكون ملك داود 40 سنة رمز للحياة الحاضرة فخلال الـ 40 سنة لداود كان هناك من يخضع لهُ وهناك من يتمرد عليه والآن بالنسبة لملك المسيح "لسنا نرى الكل بعد مخضعاً لهُ (عب8:2) فهناك من يخضع للمسيح وأيضاً من يتمرد عليه. وهذه الصورة وقتية ستنتهى بمجئ المسيح الثانى.

 

آية (5) :-

في حبرون ملك على يهوذا سبع سنين وستة اشهر وفي أورشليم ملك ثلاثا وثلاثين سنة على جميع إسرائيل و يهوذا.

وبهذا يصير رمزياً أيضاً أن داود أسس المملكة الموحدة فى 33 سنة وهكذا المسيح أسس كنيسته فترة وجوده على الأرض فى 33 سنة.

 

الآيات (6-10) :-

وذهب الملك ورجاله إلى أورشليم إلى اليبوسيين سكان الأرض فكلموا داود قائلين لا تدخل إلى هنا ما لم تنزع العميان والعرج اي لا يدخل داود إلى هنا. واخذ داود حصن صهيون هي مدينة داود. وقال داود في ذلك اليوم أن الذي يضرب اليبوسيين ويبلغ إلى القناة والعرج والعمي المبغضين من نفس داود لذلك يقولون لا يدخل البيت أعمى أو اعرج. وأقام داود في الحصن وسماه مدينة داود وبنى داود مستديرا من القلعة فداخلا. وكان داود يتزايد متعظما والرب اله الجنود معه.

كانت يبوس أسم أورشليم فى عهد اليبوسيين ولكنها أصغر كثيراً من مساحة أورشليم أيام سليمان. ورأى داود أن موقعها يناسب العاصمة فهى لها موقع منيع للغاية ومرتفعة أكثر من حبرون وحولها جبال وتحيط بها وديان عميقة وهى على حدود يهوذا وبنيامين فبهذا ترضى السبطيين (سبط داود وسبط شاول). واليبوسيين قبيلة كنعانية [تك16:10، 21:15] + (خر8:3) إذاً هم من الشعوب التى وعد الله شعبه إسرائيل أن يحتلوا أرضهم. أعطيت أرضهم لبنيامين (يش28:18) ثم إحتلها يهوذا فهى على تخمهم وأحرقوها (يش8:15 + قض8:1). ويقول يوسيفوس أن اليبوسيين تركوا الأرض لكنهم لم يفقدوا القلعة التى فيها وإنما سكنوا مع بنى يهوذا وبنيامين كغرباء (يش63:15 + قض21:1 ، 11:19) وبقوا فيها حتى بعد أن أخذ داود حصنهم (2صم24: 16-18). وكان اليبوسيين واثقين أن داود لن يتمكن من الإستيلاء على حصنهم بسبب مناعته حتى لو كان من بداخله عمى وعرج. لذا قالوا فى إستخفاف. لا تدخل إلى هنا ما لم تنزع العميان والعرج. فأعلن داود عن مكافأة لمن يضرب المدينة. ويبلغ إلى القناة: وهذه القناة أثبتت الحفريات وجودها. فقد إكتشفوا مجرى عمودى عمقه 40 قدماً ونفقاً أفقياً طوله 60 قدماً حفرها اليبوسيين ليأتوا بالمياه من نبع يدعى = نبع العذراء" كان خارج أسوار المدينة. وكانت جرأة يوآب أنه باغت اليبوسيين الواثقين من أنفسهم عن طريق تلك القناة. فمن يبلغ القناة يدخل إلى الحصن. والذى أرشدهم للحل هو داود إذ قال "إن الذى يضرب اليبوسيين ويبلغ إلى القناة والعرج والعمى. . ولم تكمل الأية هنا بل كُملت فى (1أى6:11). والذى إختصره الكاتب هنا مكافأة من يدخل فهو سيصير رأساً وقائداً. فالمدينة كانت محصنة تماماً لكن يوجد لها مدخل عبر القناة إكتشفه داود وكانت مغامرة صعبة أن يدخل أحد للمدينة من هذه القناة

Text Box:

ولاحظ أن داود أمّن على تسمية اليبوسيين لأنفسهم فأسماهم  

عرج وعمى.

لذلك يقولون لا يدخل البيت أعمى أو أعرج: إذ دخل داود لم يَعُدْ بالمدينة أعمى أو أعرج فهم طردوا اليبوسيين (العمى والعرج) وإحتل المدينة رجال داود الأقوياء المبصرين وهم قادرون على السير والحرب والإنتصار. وبعد هذا لن يدخل يبوسى وثنى ثانية (أعمى وأعرج). وهكذا إذ يملك المسيح على القلب لا يجب أن تدخله محبة وثنية غريبة ولاحظ أنه قيل عن الأوثان (لا تسمع ولا تتحرك ولا ترى ) فكل محبة لخطية تقود للعمى وللعرج. لذلك يقولون: أى صار هذا مثلاً يمكن أن يقولونه على أى إنسان مكروه. وما حدث كان يرمز لما فعله المسيح. فالعالم إحتله إبليس وصيّر البشر عمى وعرج لا يعاينوا ملكوت السموات وغير قادرين على السير والحركة نحوه. وقد ظن الشياطين أنهم محصنون وأن المسيح غير قادر على الحل ولكن دخل المسيح للعالم وأقام بصليبه ملكوته التى سبق وملك عليها عدو الخير ، وأنار عيون من كانوا عمياناً وصرنا نجرى وراءه بعد أن كنا عرجاً. وربما صمت سفر صموئيل عن ذكر إسم يوآب والمكافأة لأنه أراد أن يكون داود وَحْدَهُ فى الصورة، وهو وَحْدَهُ المنتصر فعمل الصليب كان للمسيح فقط لم يتدخل فيه إنسان.

أية (9) :-بنى داود مستديراً من القلعة فداخلا: صارت المدينة لها شكل دائرة بلا بداية ولا نهاية أى أبدية. ولاحظ أن كلمة يبوس: مدوسة بالأقدام. فبعد أن كنّا كشعب الله مدوسين من الشياطين تحولنا لكنيسة يملك عليها للأبد. وفى أية (10) :- الرب إله الجنود داود كان يتزايد فى العظمة لكن الله هو القائد الحقيقى وهو المحارب عنهم ليهبهم النصرة والمجد.

 

آية (11) :-

وأرسل حيرام ملك صور رسلا إلى داود وخشب أرز ونجارين وبنائين فبنوا لداود بيتا.

مع كل نصرة حقيقية يواجه المؤمن أمرين: 1- مقاومة من العدو تؤول به إلى نصرة جديدة. 2- إنجذاب البعض لله العامل فيه وللمجد الذى ظهر فيه والبركة التى صاحبته. وكانت صور فى ذلك الوقت قد بلغت العظمة وبدأ حيرام ملكها فى صداقة لداود دامت حتى أيام سليمان. ولقد إستفاد داود من هذه الصداقة فشعب إسرائيل شعب زراعة ورعى وليسوا بنائين. والآن إذ تثبتت المملكة تحتاج لبناء وتعمير. وأرسل حيرام خشب الأرز الذى لا يُسَوّس لداود ليبنى لهُ بيتاً وأرسل بنائين. وإستخدمت إسرائيل صور كبلد ساحلى تشترى منها وتبيع لها محاصيلها. وصور وصلت للشرق البعيد (الهند وبلاد العرب) عن طريق إسرائيل. فسلامنا مع الله يثمر سلاماً مع الغير وحتى مقاومة الأشرار يحولها الله لنمونا وفرحنا الداخلى.

 

 

 

آية (12) :-

وعلم داود أن الرب قد أتثبته ملكا على إسرائيل وانه قد رفع ملكه من اجل شعبه إسرائيل.

بعد 20 عاماً عَلِم داود أن الله قد أثبته ملكاً (20 عاماً بعد مسحة صموئيل) ولنثق أن وعد الله لابد وسينفذ حتى وإن طال الوقت.

 

الآيات (13-16) :-

واخذ داود أيضا سراري ونساء من أورشليم بعد مجيئه من حبرون فولد أيضا لداود بنون وبنات. وهذه أسماء الذين ولدوا له في أورشليم شموع وشوباب وناثان
وسليمان. ويبحار واليشوع ونافج ويافيع. واليشمع واليداع واليفلط.

ناثان من أسلاف المسيح فى لوقا ، وسليمان من أسلاف المسيح فى متى. ولاحظ عيوب كثرة النساء والسرارى والخلافات التى تنشأ عن هذا. وهل كثرة النساء تحمى الإنسان من الشهوة ، فها هو داود يشتهى بثشبع بعد ذلك. والأخوة لم يشعروا بأخوتهم فزنى الأخ بأخته.

 

الآيات (17-21) :-

وسمع الفلسطينيون انهم قد مسحوا داود ملكا على إسرائيل فصعد جميع الفلسطينيين ليفتشوا على داود ولما سمع داود نزل إلى الحصن. وجاء الفلسطينيون وانتشروا في وادي الرفائيين. وسال داود من الرب قائلا ااصعد إلى الفلسطينيين أتدفعهم ليدي فقال الرب لداود اصعد لاني دفعا ادفع الفلسطينيين ليدك. فجاء داود إلى بعل فراصيم
وضربهم داود هناك وقال قد اقتحم الرب أعدائي أمامي كاقتحام المياه لذلك دعي اسم ذلك الموضع بعل فراصيم. وتركوا هناك أصنامهم فنزعها داود و رجاله.

مع كل نصرة نتوقع حرباً ومقاومة من الخارج أو الداخل لكنها تتحول لنصرة جديدة وغالباً فالفلسطينيين خططوا لضرب داود قبل أن يستكمل جيشه وبناء جيشه من الأسباط العشرة فهى ضربة إجهاض. وجاءت هذه الضربة بعد أن إجتمع الألاف مع داود فى حبرون ثم إنصرفوا عنهُ بعد أن ملكوه وكل واحد عاد إلى سبطه ولم يتبقى سوى عدد قليل أى حرسه الخاص فهاجمه الفلسطينيين وهو غير مستعد فهرب إلى الحصن فى مغارة عَدُلاّم (1أى15:11) وبينما هو فى عدلام نزل الفلسطينيين إلى وادى الرفائيين وإنتشروا هناك. وكان عدد داود ورجاله قليلاً جداً بالمقارنة مع جيش الفلسطينيين ولكنه سأل الله والله سمح بالحرب بعل فراصيم: أى سيد الهزيمات والكلمة تعنى أن داود هو الذى سيسود إذا خرق الطرف الآخر عهوده وسيلحق الهزائم بالطرف الآخر وتركوا هناك أصنامهم: الفلسطينيين فى حروبهم القوا بالهتهم الثقيلة ليسهل هروبهم فهى صارت عبئاً ثقيلاً عليهم وهكذا فالله قادر أن يجعل كل خاطئ يكره خطيته. ولكن الشيطان لا ييأس فبعد أن أنكسر الفلسطينيون وهربوا عادوا وتجمعوا ثانية.

 

الآيات (22-25) :-

ثم عاد الفلسطينيون فصعدوا أيضا وانتشروا في وادي الرفائيين. فسال داود من الرب فقال لا تصعد بل در من ورائهم و هلم عليهم مقابل اشجار البكا. وعندما تسمع صوت خطوات في رؤوس اشجار البكا حينئذ احترص لأنه إذ ذاك يخرج الرب أمامك لضرب محلة الفلسطينيين. ففعل داود كذلك كما أمره الرب و ضرب الفلسطينيين من جبع إلى مدخل جازر.

لاحظ عمل الله فهو يرشد داود عن الخطة الحربية. أشجار البكا: أشجار يتساقط منها عصير يشبه الدموع. صوت خطوات: صوت خطوات عسكرية منتظمة فى رؤوس أشجار البكا: هو صوت ريح فى رؤوس الأشجار. فالله أجرى ريحاً سببت صوت يشبه وقع أقدام جيش ليرعب الفلسطينيين. فنفس الصوت الذى طمأن داود أن الله معهُ أرعب أعداء داود. ونحن علينا ان نجاهد كما حارب داود فى وادى البكاء أى هذا العالم أى نندم على خطايانا ونبكى عليها والله يرعب أعدائنا الشياطين. من جبع إلى مدخل جازر: أى أن الفلسطينيين بعد أن إنكسروا لجأوا فى هروبهم إلى جبع فتابعهم داود فهربوا إلى مدخل جازر وهم منكسرين.

* مادة صمغية لها رائحة عطرية. + المهم أن نعلم أن الله أمامنا فى حروبنا الروحية فلنتشدد.


 

الإصحاح السادس

نلاحظ أن كاتب سفر صموئيل أورد قصة نقل التابوت هنا كاملة بينما أن كاتب سفر الأيام أورد القصة ووضع فى وسطها قصة الإنتصار على الفلسطينيين التى رأيناها فى الإصحاح السابق [1أى13، 14، 15] وتسلسل القصة تاريخياً هو حسب ما ورد فى سفر أخبار الأيام لكن كاتب صموئيل فضل أن يجمع قصة التابوت كوحدة واحدة.

 

الآيات(1،2) :-

وجمع داود أيضا جميع المنتخبين في إسرائيل ثلاثين ألفا. وقام داود وذهب هو وجميع الشعب الذي معه من بعلة يهوذا ليصعدوا من هناك تابوت الله الذي يدعى عليه بالاسم اسم رب الجنود الجالس على الكروبيم.

أراد داود أن يؤكد أن الرب هو الملك الحقيقى الذى يعطى النصرة لذا فكر فى إحضار تابوت العهد إلى أورشليم كعلامة منظورة لقوة الله غير المنظورة. ولاحظ إهتمام داود فهو يحضر 30,000 من المنتخبين: هم انتخبوا لعمل دينى وليس لعمل حربى. وعملهم الإحتفال بإحضار التابوت. داود أراد أن لا ينشغل شعبه بالإنتصار على الفلسطينيين بل ينشغلوا بالرب نفسه. بدأ الموكب من بعلة يهوذا وهى قرية يعاريم حيث وضعوا التابوت بعد عودته من فلسطين يدعى عليه بالإسم إسم رب الجنود: الإسم أى إسم الله والتكرار دليل عظيم الإحترام.

 

آية (3) :-

فاركبوا تابوت الله على عجلة جديدة وحملوه من بيت ابيناداب الذي في الأكمة وكان عزة وأخيو ابنا ابيناداب يسوقان العجلة الجديدة.

على عجلة جديدة: ربما إقتدوا بالفلسطينيين (1صم7:6) لكنهم بهذا خالفوا الناموس إذ يجب أن يحمل التابوت على أكتاف بنى قهات (عد51:1) عزة وأخيو إبنا أبيناداب: غالباً حفيديه.

 

آية (4) :-

فأخذوها من بيت ابيناداب الذي في الأكمة مع تابوت الله وكان اخيو يسير أمام التابوت.

بيدر ناخون: أو كيدون (1أى9:13). والبيدر هو موضع دراسة غلال رجل يُدعى ناخون وهناك الثيران إنشمصت: أى ذُعِرَت فأخذت تركض وترفص فحاول عزة أن يمسك التابوت.

 

أية (7) :-

فحمي غضب الرب على عزة و ضربه الله هناك لأجل غفلة فمات هناك لدى تابوت الله.

فمات هناك: هذا بسبب غضب الله والعجيب أن الثيران شعرت به قبل أن يشعر به الإنسان فإنشمصت أى ذُعِرَت بينما لم يُذْعَر البقر الذى وضع الفلسطينيون التابوت عليه. وهناك أسباب عديدة لما حدث أى غضب الله وموت عزة:-

1- هناك أخطاء متعددة وضد الناموس فى حمل التابوت. فلقد منع الله اللاويين من لمس التابوت حتى لا يموتوا وترك هذا لبنى قهات على أن يغطوه بسجف الحجاب وأغطية أخرى (عد4: 4-6). والتابوت ما كان يجب أن يترك بعيداً عن الخيمة كل هذه المدة وهذا إهمال. فالكل أخطأ ، داود والكهنة وعزة. والله الذى يعرف القلوب وَجَدَ أن أكثرهم خطأ هو عزة.

2- سمح الله للفلسطينيين أن يضعوا التابوت على عجلة أمّا لشعبه فيجب أن يحملوه هم. فالله لا يسمح للوثنيين أن يلمسوا مقدساته كذلك يسمح لنا بل هو يريد أن نحمله داخلنا وهو يريد أن نعطيه قلوبنا لا إمكانياتنا (العجلة والثيران هى إمكانيات). فهو يريد أن يحول قلوبنا سماء. عموماً بعد ذلك أصلح داود خطأه (1أى15:15).

3- كان يجب على عُزّة أن يعرف الناموس،4-        خاصة وأن التابوت وُجِدَ فى بيته حوالى 70 سنة وأن من يلمسه يموت (عد15:4) والله يجازى من يعرف أكثر بعقوبة أكبر [الموت لعزة والبواسير للوثنيين].

5- ربما إعتاد عُزّة أن يمد يده إلى التابوت بغير وقار. ونجده هنا قد تجاسر وفعل هذا أمام الجمع. وربما صنع هذا بنوع من التفاخر أى ليظهر للناس أنه عاش مع التابوت كل هذه المدة.

6- الله أراد أن يعلم الجميع مخافة الرب كما حدث مع حنانيا وسفيره فهل نخاف الرب أثناء طقوس الأسرار.

 

الآيات (8-10) :-

فاغتاظ داود لان الرب اقتحم عزة اقتحاما وسمى ذلك الموضع فارص عزة إلى هذا اليوم.
وخاف داود من الرب في ذلك اليوم وقال كيف يأتي إلى تابوت الرب. ولم يشأ داود أن ينقل تابوت الرب إليه إلى مدينة داود فمال به داود إلى بيت عوبيد أدوم الجتي.

إغتاظ داود لأن الفرح تحوّل إلى حزن وتحول غيظه إلى رعب وخاف من نقل التابوت لأنه غالباً لم يعرف سر غضب الرب على عزة. فمال به داود إلى بيت عوبيد أدوم الجتى غالباً جتى راجعة إلى جت رمون فى سبط دان وهذه أعطيت لبنى قهات (يش45:19 + 24:21) وهو من القورحيين من نسل قهات (عد1:16) وراجع (1أى15: 17،18) لتعرف أنه لاوى. ونلاحظ أن داود لم يستشر الرب فى موضوع نقل التابوت ربما لفرحه بنقل التابوت وربما لو سأل الله لأرشده لطريقة نقله وما كان ما حدث قد حدث.

 

آية (11) :-

وبقي تابوت الرب في بيت عوبيد أدوم الجتي ثلاثة اشهر وبارك الرب عوبيد أدوم وكل بيته.

هكذا يبارك الله كل من يقبله ليسكن عنده.

 

أية (12) :-

فاخبر الملك داود وقيل له قد بارك الرب بيت عوبيد أدوم وكل ما له بسبب تابوت الله فذهب داود
واصعد تابوت الله من بيت عوبيد أدوم إلى مدينة داود بفرح.

لقد رأى داود فى موت عُزة غضب الرب لا على عزة فقط بل على كل الشعب ورأى فى بركة الرب لعوبيد أدوم بركة لكل إسرائيل وإن الله إصطلح مع شعبه وغفر لهم. فأراد داود أن ينقل التابوت لأورشليم ليبارك الله فى كل إسرئيل.

 

الآيات (13-15) :-

وكان كلما خطا حاملوا تابوت الرب ست خطوات يذبح ثورا وعجلا معلوفا. وكان داود يرقص بكل قوته أمام الرب و كان داود متنطقا بافود من كتان. فاصعد داود وجميع بيت اسرائيل تابوت الرب بالهتاف و بصوت البوق.

كانوا كلما ساروا ست خطوات ذُبِحَ ثور وعجل: ذبيحة شكر لله الذى أعانهم ولم يصبهم ما حلّ بعزة. وقد إرتدى أفوداً وهى تُلبس تحت الجبة فلم يكن ممكناً أن يرقص وهو يرتدى الجبة. والجبة علامة عظمة وهو يريد أن يتضع أمام الله. ورقص داود لا يعنى أن نرقص الآن فى أفراحنا لكن لكل زمن ولكل شخص طريقته. وفى (مز30) يعبر داود عن فرحه بالتابوت. لأن للحظة غضبه يقصد ما حدث من غضب إلهى على عزة وحياة فى رضاه يقصد أن خلال التابوت تمتع الشعب بالحياة إذ نالوا رضى الله. عند المساء يبيت البكاء فما حدث مع عُزة كان عند المساء والمسيح أسلم الروح عند المساء وفى الصباح الترنم: القيامة حولت نوحى إلى فرح لى: النوح على عزة تحول إلى فرح بعد ذلك. والمسيح حوّل أحزان البشرية لفرح حللت مسحى ومنطقتنى فرحاً: فهو خلع جبته ليفرح أمام التابوت والمسيح حل عنا ثوب خطايانا وألبسنا ثوب البر ففرحنا. هو ألبسنا الثوب الأول. ووضع داود مزامير خاصة بهذا الإحتفال (مز24، 68).

 

آية (16) :-

ولما دخل تابوت الرب مدينة داود أشرفت ميكال بنت شاول من الكوة ورأت الملك داود يطفر ويرقص أمام الرب فاحتقرته في قلبها.

مدينة داود: فى أورشليم حيث يوجد الحصن الذى إستولى عليه داود من اليبوسيين وهناك مسكنه وبعد ذلك مسكن التابوت حتى أقام سليمان الهيكل فيما بعد. إحتقرته فى قلبها داود فى تواضعه أمام الله خلع الجبة أمّا ميكال فتعلق قلبها بالجبة الملوكية أى أمجاد هذا العالم فلما خلع داود الجبة رأته ميكال سفيهاً وعارياً.

 

آية (17) :-

فادخلوا تابوت الرب وأوقفوه في مكانه في وسط الخيمة التي نصبها له داود واصعد داود محرقات أمام الرب و ذبائح سلامة.

الخيمة التى نصبها لهً داود: فى (1أى29:21) يشير إلى المسكن الذى عمله موسى فى البرية ، هذا الآن موجوداً فى جبعون وصار الآن مسكن ثان للرب أقامه داود فى مدينة داود لذلك كان هناك كاهنان أبياثار وصادوق. وكان صادوق فى جبعون وأبياثار فى أورشليم وإستمر هذا الوضع إلى أن أتى سليمان فصار صادوق رئيساً للكهنة (1مل2: 26،27).

 

آية (19) :-

وقسم على جميع الشعب على كل جمهور إسرائيل رجالا ونساء على كل واحد رغيف خبز وكاس خمر وقرص زبيب ثم ذهب كل الشعب كل واحد إلى بيته.

بارك داود الشعب وأعطى كل واحد رغيف خبز (إشارة للشركة بين شعبه) وكأس خمر (يشير لشركة الفرح) وقرص تين (للمحبة بين الجميع). وداود كراعٍ لا يصرف شعبه قبل أن يشبعهم وهكذا المسيح كراعٍ لنا يرعانا فى مراعً خضر.

 

الآيات (20-23) :-

ورجع داود ليبارك بيته فخرجت ميكال بنت شاول لاستقبال داود وقالت ما كان اكرم ملك إسرائيل اليوم حيث تكشف اليوم في أعين إماء عبيده كما يتكشف أحد السفهاء. فقال داود لميكال إنما أمام الرب الذي اختارني دون أبيك ودون كل بيته ليقيمني رئيسا على شعب الرب إسرائيل فلعبت أمام الرب. وأنى أتصاغر دون ذلك وأكون وضيعا في عيني نفسي وأما عند الإماء التي ذكرت فأتمجد. ولم يكن لميكال بنت شاول ولد إلى يوم موتها.

معنى كلام داود أنه عند الله ليس ملك ولا فقير فكلنا سواء ، والله هو الذى أعطانى الملك وحين فعلت هذا فلأنى أحب الله وأشعر بحقارتى أمامه ولنفس السبب أرتفعت فى أعين الإماء فالأمر عكس ما تتصورين فحينما أتواضع أمام الله يرفعنى الله أمام الناس. وقول ميكال ما أكرم ملك إسرائيل: هى تقصد العكس ما أحقر ملك إسرائيل. ورموز داود للمسيح فيما سبق :-

داود

المسيح

 

32-  وحّد كل إسرائيل فصاروا عظمه ولحمهُ

جعل الإثنين واحد. كلنا جسد المسيح عظمه ولحمهُ (أف30:5)

 33- ملك وعمره 30 سنة لمدة 40 سنة

بدأ خدمته وسنه 30 سنة. ويملك الآن بزمن رمزى 40 سنة

34-  حين ملك لم يعاتب الشيوخ على رفضهم لهُ

عندما ملك بصليبه لم يعاتب إنسان على ماضيه

35-  حرر يبوس من الوثنيين (أورشليم)

حرر كنيسته من عبودية الشيطان

 36- يبارك شعبه ويعطيهم خبز وخمر وتين

يبارك شعبه بالخبز (جسده) والخمر (دمه) والتين (محبة)       


 

الإصحاح السابع

الآيات (1-3) :-

وكان لما سكن الملك في بيته وأراحه الرب من كل الجهات من جميع أعدائه. أن الملك قال لناثان النبي انظر أنى ساكن في بيت من أرز وتابوت الله ساكن داخل الشقق. فقال ناثان للملك اذهب افعل كل ما بقلبك لان الرب معك.

وأراحه الرب من كل الجهات: غالباً من ناحية التسلسل الزمنى يأتى هذا الإصحاح بعد الإصحاح الثامن الذى فيه نجد عدة حروب بعدها أراحهُ الرب من كل الجهات. لكن الكاتب هنا لم يراعى التسلسل الزمنى. فنجده يتكلم عن بناء الهيكل فى أعقاب الإصحاح السابق الذى كلمنا عن نقل داود للتابوت. ونرى هنا إشتياق داود لبناء هيكل للرب إذ شعر بإحساناته. ناثان النبى: كان نبياً أميناً لله يحترم الملك حتى فى توبيخه لهُ على خطاياه كان يتكلم بإحترام ولكن بشجاعة (2صم12: 1-15). وقام هو وجاد النبى بترتيب خدمة بيت الرب (2أى25:29). وحين وافق ناثان داود أن يبنى بيتاً للرب كان هذا رأيه الخاص إذ حسبه طلباً صالحاً ولائقاً.

 

آية (4) :-

وفي تلك الليلة كان كلام الرب إلى ناثان قائلا.

يبدو أن الله تحدث مع ناثان النبى خلال رؤيا الليل وقد رفض الله أن يبنى داود البيت.

 

الآيات (5-17) :-

اذهب وقل لعبدي داود هكذا قال الرب اانت تبني لي بيتا لسكناي. لاني لم اسكن في بيت منذ يوم أصعدت بني إسرائيل من مصر إلى هذا اليوم بل كنت أسير في خيمة وفي مسكن. في كل ما سرت مع جميع بني إسرائيل هل تكلمت بكلمة إلى أحد قضاة إسرائيل الذين أمرتهم أن يرعوا شعبي إسرائيل قائلا لماذا لم تبنوا لي بيتا من الأرز. والآن فهكذا تقول لعبدي داود هكذا قال رب الجنود أنا أخذتك من المربض من وراء الغنم لتكون رئيسا على شعبي إسرائيل. و كنت معك حيثما توجهت وقرضت جميع أعدائك من أمامك وعملت لك اسما عظيما كاسم العظماء الذين في الأرض. وعينت مكانا لشعبي إسرائيل وغرسته فسكن في مكانه ولا يضطرب بعد ولا يعود بنو الآثم يذللونه كما في الأول. ومنذ يوم أقمت فيه قضاة على شعبي إسرائيل وقد أرحتك من جميع أعدائك والرب يخبرك أن الرب يصنع لك بيتا. متى كملت أيامك واضطجعت مع آبائك أقيم بعدك نسلك الذي يخرج من أحشائك واثبت مملكته. هو يبني بيتا لاسمي وأنا اثبت كرسي مملكته إلى الأبد. أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا أن تعوج أؤدبه بقضيب الناس وبضربات بني أدم. ولكن رحمتي لا تنزع منه كما نزعتها من شاول الذي أزلته من أمامك. ويأمن بيتك و مملكتك إلى الأبد أمامك كرسيك يكون ثابتا إلى الأبد. فحسب جميع هذا الكلام و حسب كل هذه الرؤيا كذلك كلم ناثان داود.

لماذا رفض الله لداود أن يبنى هو البيت؟ الله ترك هذه المهمة لسليمان إبن داود ليكمل الرمز. فالبيت هو الكنيسة جسد المسيح (عب6:3). والمسيح إبن داود هو الذى يبنيها. والأيات هنا واضحة جداً أنها عن جسد المسيح أى هيكل جسده (1كو3: 9-17 + زك6: 12،13 + يو2: 19-22 + ابط5:2). إذاً ما يمجد الله ليس المبانى الضخمة بل النفوس الحية التى أقامها السيد المسيح من الأموات وتعلن حضوره فى وسطها وملكوته فى داخلها. ولذلك فحين يُظهر الله لداود كيف أقامه من المربض من وراء الغنم ليصير رئيساً لشعبه (أية 8) وكيف أعطاه النجاح ، وكأن مع كل نصرة روحية وكل نجاح داخلى يُعلن بيت الرب المجيد فينا. وبعد ذلك نجد داود قد فهم هذا بطريقة مختلفة فهو قد فهم أن الله منعهُ من بناء البيت لأنهُ رجل دماء لكن حينما نراجع ما قاله الله هنا لا نجد إشارة لهذه الجملة (1أى8:22). فالله لم يمنع داود لأنه رجل دماء بل أعطى لهُ عمل يختلف عن عمل سليمان. فعمل داود كان أن يوسع المملكة ويثبتها ويضع المزامير التى ستستخدم للصلاة فى الهيكل بعد ذلك وينظم كل أمور الخدمة والتسبيح بل هو أعد كل المواد المطلوبة للبناء لكن بناء الهيكل كان لسليمان إبنه. فسليمان إبن داود كان رمزاً للمسيح إبن داود الذى أقام الكنيسة بيتاً روحياً يسكنه الثالوث القدوس. من هذا نفهم أن الله حين يقول لداود أأنت تبنى لى بيتاً لسكناى: فهذا ليس تقليلاً من شأنه بل أن بناء البيت هو عمل نسلهُ ولاحظ فى أية (12) أقيم بعدُك نسلك الذى يخرج من أحشائك" فهو لم يقل أقيم إبنك مباشرة بل نسلك فالمسيح من نسل داود. لذلك يكمل فى (14) أنا أكون لهُ أباً وهو يكون لى إبناً. فالكلام واضح أنه إبن الله الذى سيأتى من نسل داود بالجسد. وقولهُ فى (13) وأنا أثبت كرسى مملكته إلى الأبد. فهل هذا الكلام ينطبق على سليمان الذى ملأ بيته نساءً وثنيات وبخر لألهتهن. لكن الكلام متداخل ما بين المسيح كإبن لله وبالجسد إبن لداود وما بين سليمان كإبن لداود. فبكل المقاييس فداود أفضل من سليمان بمراحل بل أن سليمان مات وأمامهُ علامة إستفهام هل خلصت نفسه أم لا؟ لا نعرف أمّا داود الحلو مرنم إسرائيل فكان هو المرجع الذى يقاس عليه باقى الملوك فيقال مثلاً هذا الملك كان بشروره ليس مثل داود أو هذا الملك كان باراً ولكنه لم يكن مثل داود أبيه. ولأن الكلام متداخل بين المسيح وسليمان ولأن الله يعرف أن سليمان سينحرف قال "إن تعوّج أؤدبه بقضيب الناس" فسليمان كإبن لله إن أخطأ فالله يؤدبه والتأديب علامة محبة الأب الأبوية. على أن المسيح الإبن أيضاً هو الذى تحمل الألام عنا فى جسده. وأيضاً فهذه التأديبات التى تقع على أحد منّا نتيجة لأخطائه إنما توجه لأعضاء جسد المسيح وبجسده فنحن أعضاء جسده. ويكون قوله أثبت كرسى مملكته إلى الأبد هذه موجهة للمسيح فهو الذى ستثبت مملكته للأبد أمّا سليمان فقد إنشقت مملكته بعده ثم إنتهت تماماً بعد عشرات السنين. وحتى الهيكل الذى بناه هدمه نبوخذ نصّر بعد ذلك وفى أية (11) الرب يخبرك أن الرب يصنع لك بيتاً: هو إشارة لأن الله هو الذى يبنى البيت فهو بيد الله وليس بيد إنسان (2كو1:5). ونلاحظ فى (2أى7: 19،20) أن الوعد لسليمان كان مشروطاً أن الله يديم مملكته ويحفظ البيت إن حفظ الناس وصاياه. أما مملكة المسيح فدوامها للأبد هو غير مشروط (أع2: 25-32 + أش9: 6،7 + 11: 1-10 + 55: 1-5 + أر5:23 + حز33:24 + لو1: 31-33 + لو1: 68-72) بالإضافة إلى أن مملكة المسيح مملكة روحية (يو36:18 + زك9:9 + مت28:20). فى أية (11) بيتاً إن فهمت على أنها موجهة لبيت داود فتفهم أن الله سيثبت نسله على الكرسى. وفى (6) كنت أسير فى خيمة وفى مسكن. . . وفى (7) لماذا لم تبنوا لى بيتاً من الأرز. فالله لا يهتم بأن يكون بيته فخماً من الأرز فهو قبل أن يسكن فى خيمة ولم يطلب أن يسكن فى قصور فالسموات والأرض لا تسعهُ (والخيمة أسميت مسكن). بل الله يسكن عند المتواضع (أش15:57). وقولهُ فى (8) هكذا تقول لعبدى داود: هذه علامة إعتزاز الله بداود أن ينسبه لنفسه. وفى (9) عملتُ لك إسماً عظيماً: كان إسم داود كملك إسم عظيم فهو مؤسس المملكة الحقيقى والملوك نسبوا إليه فيقال مملكة داود ولم يقال مملكة سليمان ولا إبن سليمان فداود أعظم ملوك إسرائيل لكن ما يزيد عظمة داود أن المسيح نُسِبَ إليه فيقال المسيح إبن داود. وفى (10) ولا يضطرب بعد: هكذا هو بيت الرب الثابت …… "سلامى أعطيكم سلامى أترك لكم".

 

الآيات (18-29) :-

فدخل الملك داود وجلس أمام الرب وقال من أنا يا سيدي الرب وما هو بيتي حتى اوصلتني إلى ههنا. وقل هذا أيضا في عينيك يا سيدي الرب فتكلمت أيضا من جهة بيت عبدك إلى زمان طويل وهذه عادة الإنسان يا سيدي الرب. وبماذا يعود داود يكلمك وأنت قد عرفت عبدك يا سيدي الرب. فمن اجل كلمتك وحسب قلبك فعلت هذه العظائم كلها لتعرف. لذلك قد عظمت أيها الرب الإله لأنه ليس مثلك وليس اله غيرك حسب كل ما سمعناه بآذاننا. وأية أمة على الأرض مثل شعبك إسرائيل الذي سار الله ليفتديه لنفسه شعبا و يجعل له اسما ويعمل لكم العظائم والتخاويف لأرضك أمام شعبك الذي افتديته لنفسك من مصر من الشعوب وألهتهم. وثبت لنفسك شعبك إسرائيل شعبا لنفسك إلى الأبد وأنت يا رب صرت لهم إلها. والآن أيها الرب الإله أقم إلى الأبد الكلام الذي تكلمت به عن عبدك وعن بيته و افعل كما نطقت. وليتعظم اسمك إلى الأبد فيقال رب الجنود اله على إسرائيل وليكن بيت عبدك داود ثابتا أمامك. لأنك أنت يا رب الجنود اله إسرائيل قد أعلنت لعبدك قائلا أنى ابني لك بيتا لذلك وجد عبدك في قلبه أن يصلي لك هذه الصلاة. والآن يا سيدي الرب أنت هو الله وكلامك هو حق و قد كلمت عبدك بهذا الخير. فالان ارتض و بارك بيت عبدك ليكون إلى الأبد أمامك لأنك أنت يا سيدي الرب قد تكلمت فليبارك بيت عبدك ببركتك إلى الأبد.

وجلس أمام الرب: هذه تعنى جلوس داود على الأرض حانياً رأسهُ فى تواضع ليشكر الله على نعمهُ ولا تفهم أن داود جلس على كرسى المملكة ليصلى. فلكى نقبل أمام الله يجب أن نتواضع. ولن نجد مثل داود فى تواضعه. من أنا يا سيدى: لقد شعر داود بأن كل النعمة التى هو فيها من الله نعمة مجانية لا يستحقها. وفى (19) إلى زمان طويل: ربما لم يفهم داود أولاً ما المقصود بقول الله أن كرسيه يثبت إلى الأبد وأن هذا عن المسيح إنما فهمها أن الله سيثبت كرسيه إلى زمان طويل وهذا حدث فعلاً. وهذه عادة الإنسان أى لقد تعود الإنسان على هذا منك يا رب أن تعطيه من نعمك وهو غير مستحق (1أى17:17) والله فى تنازله نجده يكلم البشر كما يتكلم إنسان لإنسان ، أعطى دالة للإنسان أن تكون لهُ عادة أن يتكلم إلى الله فى دالة. ولنلاحظ أن الإنسان لا يتنازل لإنسان بل الله تنازل ودخل فى عهد مع الإنسان أى لقد تعود الإنسان منك يا رب على محبتك وتنازلك وعطاياك وهل هناك تنازل أكثر من التجسد أو عطية أكثر من هذا. وبماذا يعود داود يكلمك وقد عرفت عبدك: لقد شعر داود بالخجل من أنه يكلم الله والله يعلم كل خفايا قلبه وضعفاته وخطاياه مكشوفة أمامه وفى (21) فما تقدمه يا رب من عطاياك ليس لأننا نستحق بل بحسب وعدك الإلهى وكلمتك الثابتة ومحبتك وفى (23) لأن الله ليس مثله فشعبه أيضاً ليس مثله فهو الشعب الذى فداه فصار الشعب مهوباً. وفى (26) ليتعظم إسمك: كما نقول فى الصلاة الربانية ليأتى ملكوتك وليتقدس إسمك وكيف يحدث هذا أن يأتى ملكوت الله؟ بأن نسلمه الملك على القلب فيقال رب الجنود إله إسرائيل أى يعلم كل إنسان أن رب الجنود صار يملك علّى وأنا واحد من جنوده. وفى (27) وجد عبدك فى قلبه: هذه هى الصلاة التى تفرح الله، أن تكون من القلب وليس من اللسان فقط. ولاحظ أن الله هو الذى وضع الصلاة فى قلبه (رو26:8).


 

الإصحاح الثامن

الآيات (1،2) :-

وبعد ذلك ضرب داود الفلسطينيين وذللهم واخذ داود زمام القصبة من يد الفلسطينيين. وضرب الموابيين وقاسهم بالحبل أضجعهم على الأرض فقاس بحبلين للقتل وبحبل للاستحياء وصار الموابيون عبيدا لداود يقدمون هدايا.

حروب داود النبى ضد الأمم الوثنية التى إنجرفت تماماً فى الرجاسات مع عنف وقسوة ووحشية تشير لجهاد المؤمن ضد الخطية بكل رجاساتها وعنفها. ونجد داود هنا منتصراً دائماً فإذا كان هناك سلام بين الإنسان والله ينجح الإنسان فى كل طرقه. أخذ داود زمام القصبة: بالمقارنة مع المكان الموازى فى (1أى1:18) نجد أن داود "أخذ جت وكل قراها" وذلك لأن جت هى قصبة الفلسطينيين وزمام دولتهم وكانت جت لها قلعة محصنة عالية على تل تشرف منه على دان وعلى يهوذا ومن هنا تضرب إسرائيل وتذلهم. لذلك كانت جت هى أهم مدنهم. وكلمة زمام القصبة جاءت فى الترجمة العبرية "لجام الأمة" فكأن من يسكن جت يمسك بلجام إسرائيل ويحرك إسرائيل كيفما شاء فأمسك داود بهذا اللجام ليتحكم فى الفلسطينيين فقد صارت هذه القلعة فى يده (لو22:11) وفى أية (2) نجد داود يضرب موآب ولقد سبق أن إستودع داود والديه لدى ملك موآب راجع (1صم22: 3،4) فلماذا حدثت هذه الحرب؟ هناك إحتمالين: 1- أن موآب كان يساند داود لمّا كان داود ضد شاول أمّا وقد وصار داود ملكاً فقد حاربه موآب. 2- ويقول اليهود أن داود كان عنيفاً مع موآب لأنهم قتلوا أبوه وأمه الذان تركهما عندهم فى سلام. وداود ضرب موآب وصار موآب يدفع الجزية لإسرائيل حتى زمن موت أخاب حيث ثار موآب ضد إسرائيل وعصاه (2مل3: 3،4). وكانت ضربة داود ضدهم شديدة قاس حبلين للقتل أى أجلسهم على الأرض وقاس الثلثين منهم بجبل فكانوا للموت وبجبل للإستحياء: أى الثلث أبقى عليهم. وهؤلاء الذين قاسهم داود كانوا هم الأسرى فهو قتل الثلثين من الأسرى وأبقى الثلث.

 

الآيات (3-8) :-

وضرب داود هدد عزر بن رحوب ملك صوبة حين ذهب ليرد سلطته عند نهر الفرات. فاخذ داود منه ألفا وسبع مئة فارس وعشرين الف راجل وعرقب داود جميع خيل المركبات وأبقى منها مئة مركبة. فجاء آرام دمشق لنجدة هدد عزر ملك صوبه فضرب داود من آرام اثنين وعشرين ألف رجل. وجعل داود محافظين في آرام دمشق وصار الآراميون لداود عبيدا يقدمون هدايا و كان الرب يخلص داود حيثما توجه. واخذ داود اتراس الذهب التي كانت على عبيد هدد عزر واتى بها إلى أورشليم. من باطح ومن بيروثاي مدينتي هدد عزر اخذ الملك داود نحاسا كثيرا جدا.

أرام من أولاد سام ومنهم من سكن فى دمشق فكان إسمهم أرام دمشق ومن سكن فى صوبة صار أسمهم أرام صوبة ومن سكن بين النهرين صار إسمهم أرام بين النهرين وهكذا. والأراميين هم السوريين. وأرام كانت تضم فى الشمال مملكتين عظيمتين متمايزتين: أرام صوبة (عاصمتها صوبة ويظن أنها حمص) وأرام النهرين (وعاصمتها دمشق). ولقد بدأ داود بمحاربة هددعزر ملك أرام صوبة. وصوبة كانت مملكة أرامية قوية غرب الفرات وإمتد سلطانها يوماً إلى حماة. وكانت دمشق إلى جنوبها (جنوب غرب). ليرد سلطته: ذهب هدد عزر ليرد هيبته عند بعض الملوك الذين كانوا تحت سلطانه وتمردوا عليه. وإنتهز داود الفرصة فضربه وفى (4) قيل هنا أخذ داود 1700 فارس، 20,000 راجل وقيل فى (1أى4:18) 1000 مركبة، 7000 فارس، 20,000 راجل. والأية فى (2صم4:8) يفهم منها أن داود أخذ 1000 مركبة حطم منّها 900 وأبقى 100 مركبة فقط أيضاً فهو يقول أخذ داود ألفاً وسبع مئة فارس …… وأبقى منها مئة مركبة. بينما لم ترِد كلمة مركبة فى الأية كلها ولذلك نفهم أن الأية تكتب هكذا أخذ داود ألف مركبة و700 فارس. وهكذا جاءت الأية فى ترجمات كثيرة ويصبح الخلاف بين سفرى صموئيل والأيام فى عدد الفرسان فهنا 700 وفى الأيام 7000 وهذه لها حلول مقترحة 1- كما قلنا فى المقدمة أن هناك خلاف بين الكتاب فهناك من يأخذ العدد كما هو وهناك من يأخذ عدد الصفوف وكل صف به 10 فرسان ولذلك دائماً نجد الخلاف بين الأيام وغيره من الأسفار فى الأرقام هو خلاف إن وجد فهو (إمّا مقسوم على رقم 10 أو مضروب فى رقم 10) 2- أن هذا التقسيم المشار إليه فى 1- راجع إلى أن كل قائد لهُ مجموعة من 10 فرسان فإذا ذُكِر 700 فارس فهم الـ 700 قائد وإذا ذُكِر 7000 فهو يقصد كل الفرسان بقادتهم. وحينما رأى ملك أرام دمشق ما حدث أتى لنجدة ملك أرام صوبة فضربه داود وأقام محافظين فى أرام حتى لا تتجمع جيوشهم ثانية لمحاربته وألزمهم بدفع الجزية. وفى أية (4) عرقب داود جميع خيل المركبات: عرقب الفرس أى قطع الوتر الذى فوق الحافر فيتحول الحصان إلى  حيوان عاجز لا يستطيع الحرب. والسؤال لماذا لم يأخذ داود الخيل ليحارب بها. داود برجاله كانوا أقوى من أرام بفرسانها لأن الله معهم. فالله لا يريد أن يزيد ملوك إسرئيل من قوتهم العسكرية حتى لا يظنوا أنهم بقوتهم العسكرية يزيدون وينتصرون. وهذا ضد إرادة الله أن يكون لشعبه قوة عسكرية أو شهوة أن تكون لهم قوة عسكرية فهو الذى يحارب عنهم وذلك حتى لا ينتفخوا أو يتركوا الله الذى يحميهم ويحتموا بقوتهم فينفصلوا عن الله. هنا داود طبق الناموس تماماً (تث16:17) وكان غير إبنه سليمان الذى إقتنى من الخيل الكثير. وراجع (مز7:20 + 3:27 + 10:147). وأتراس الذهب والنحاس الذى أتى به داود إستفاد سليمان بها فى الهيكل. ومن باطح وبيروثاى: بيروثاى كانت بين دمشق وحماة. وباطح وبيروثاى هما طبحة وخون فى اللغة الأشورية (1أى8:18).

 

الآيات (9-14) :-

وسمع توعي ملك حماة أن داود قد ضرب كل جيش هدد عزر. فأرسل توعي يورام ابنه إلى الملك داود ليسال عن سلامته ويباركه لأنه حارب هدد عزر وضربه لان هدد عزر كانت له حروب مع توعي وكان بيده آنية فضة وانية ذهب وانية نحاس. وهذه أيضا قدسها الملك داود للرب مع الفضة والذهب الذي قدسه من جميع الشعوب الذين أخضعهم. من آرام ومن مواب ومن بني عمون ومن الفلسطينيين ومن عماليق ومن غنيمة هدد عزر بن رحوب ملك صوبه. ونصب داود تذكارا عند رجوعه من ضربه ثمانية عشر ألفا من آرام في وادي الملح. وجعل في أدوم محافظين وضع محافظين في أدوم كلها وكان جميع الادوميين عبيدا لداود و كان الرب يخلص داود حيثما توجه.

أرسل توعى: أو توعو إبنه ليبارك لداود على إنتصاره على هددعزر لأن هددعزر كان عدواً لتوعى. وقبول داود للهدايا أعلن أنه يحب السلام وليس الحرب لكنه كان يهيئ لسليمان إبنه كل الظروف بإخضاع الأمم المقاومة حوله مثل أرام وأدوم … أو بإقامة علاقات سلام وود مع الأمم المسالمة مثل حماة حتى يتفرغ سليمان لبناء البيت. وكان فى حروبه يجمع المواد التى إستخدمها سليمان لبناء البيت مثل الذهب والنحاس … ألخ. وفى (2صم21:5) نجد داود ينزع الأوثان الذهبية. وكلمة نزع هنا أتت بمعنى حطم وحرق ودمّر فهو لم يأخذها لبناء الهيكل ولكن الذهب الذى أتى به من كل مكان غير الأصنام كرسه للهيكل. . . . لماذا؟ الله ليس فى حاجة لأى ذهب وأى فضة فهذا الذى تنجس فى الأوثان لا يريده الله (ومن هذا يتعلم رجال داود أن لا يقدسوا الأوثان بل يحتقرونها) وبالنسبة لنا فكل شهوة داخلنا يجب أن نصلبها ، أمّا قوتنا وصحتنا وأموالنا فيجب إستخدامها لمجد الله. وفى (13) نصب داود تذكاراً: ليذكر كل إنسان عمل الرب.

 

آية (15) :-

وملك داود على جميع إسرائيل وكان داود يجري قضاء وعدلا لكل شعبه.

بعد أن هدأ داود ممن حولَهُ إهتم بشؤن شعبه وإجراء العدل (مزمور72: 2-4).

 

الآيات (16-18) :-

وكان يواب ابن صروية على الجيش ويهوشافاط بن اخيلود مسجلا. وصادوق بن اخيطوب واخيمالك بن ابياثار كاهنين وسرايا كاتبا. وبناياهو بن يهوياداع على الجلادين والسعاة وبنو داود كانوا كهنة.

نجد داود يوزع المسئوليات مسجلاً: يكتب أحكام وأوامر الملك ويحفظها سرايا كاتباً: أى وزيراً ومفتشأ للدولة. الجلادين والسعاة: ينفذون العقوبات فى المذنبين وهم أيضاً حراس الملك. بنو داود كانوا كهنة: كلمة كهنة هنا أى شفعاء. يحكمون مع داود وإذ وجدوا لدى الشعب طلبة يقدمونها إليه. وفى (1أى17:18) يقول بنو داود الأولين بين يدى الملك أى ندمائه المقربين ورؤساء لهم كلمتهم ربما فى القضاء أو الإدارة ووجودهم بين يدى داود يجعلهم تحت عين داود.


 

الإصحاح التاسع

الآيات (1-13) :-

وقال داود هل يوجد بعد أحد قد بقي من بيت شاول فاصنع معه معروفا من اجل يوناثان.
وكان لبيت شاول عبد اسمه صيبا فاستدعوه إلى داود وقال له الملك اانت صيبا فقال عبدك. فقال الملك إلا يوجد بعد أحد لبيت شاول فاصنع معه إحسان الله فقال صيبا للملك بعد ابن ليوناثان اعرج الرجلين. فقال له الملك أين هو فقال صيبا للملك هوذا هو في بيت ماكير بن عميئيل في لودبار. فأرسل الملك داود وأخذه من بيت ماكير بن عميئيل من لودبار. فجاء مفيبوشث بن يوناثان بن شاول إلى داود وخر على وجهه وسجد فقال داود يا مفيبوشث فقال هانذا عبدك. فقال له داود لا تخف فإني لأعملن معك معروفا من اجل يوناثان أبيك وأرد لك كل حقول شاول أبيك وأنت تأكل خبزا على مائدتي دائما. فسجد وقال من هو عبدك حتى تلتفت إلى كلب ميت مثلي. ودعا الملك صيبا غلام شاول وقال له كل ما كان لشاول ولكل بيته قد دفعته لابن سيدك. فتشتغل له في الأرض أنت وبنوك وعبيدك وتستغل ليكون لابن سيدك خبز ليأكل ومفيبوشث ابن سيدك يأكل دائما خبزا على مائدتي وكان لصيبا خمسة عشر ابنا وعشرون عبدا. فقال صيبا للملك حسب كل ما يأمر به سيدي الملك عبده كذلك يصنع عبدك فيأكل مفيبوشث على مائدتي كواحد من بني الملك. وكان لمفيبوشث ابن صغير اسمه ميخا وكان جميع ساكني بيت صيبا عبيدا لمفيبوشث. فسكن مفيبوشث في أورشليم لأنه كان يأكل دائما على مائدة الملك و كان اعرج من رجليه كلتيهما.

من العادات القديمة أن يقتل الملك الجديد كل نسل الملك السابق لئلا يطالبوا بالحكم ويقاوموه. أمّا داود فلم يستلم الحكم من يد إنسان بل من يد الله لذلك فهو لا يخاف إنسان فمن أعطاه الملك سيحفظ كرسيه. ونجد على العكس هو يبحث عن أبناء شاول ليصنع معهم معروفاً (وقارن مع 2مل1:11). وهو لم ينس وعده ليوناثان (1صم20: 14-17) الذى كان منذ حوالى 15 سنة. وكان داود النبى نبيلاً للغاية فى تعامله مع مفيبوشث. وفى أية (3) إحسان الله: أى إحساناً عظيماً. وفى (7) لاتخف فيبدو أن مفيبوشث تصوّر أن داود سيقتله كعادة الملوك. وكان حديث داود ومحبته لمفيوشث كله محبة وود وأثمن من الحقول التى ردها إليه بعد ذلك فهو أراح نفسه الداخلية وأشبعها. ولاحظ أن ما زرعه يوناثان من محبة يجنيه إبنه الآن بعد موت أبيه بسنوات. ولقد قدّم داود حباً عملياً إذ أعاد لمفيبوشث كل أملاك أبيه وطلب من صيبا أن يعمل هو فى الأرض ويعطى العائد لمفيبوشث. بل طلب أن يأكل مفيبوشث على مائدته دائماً. ولم يحتمل مفيبوشث كل هذا الحب فسجد لداود بل شبه نفسه بكلب ميت. ومحبة داود وكرمه وعطائه يرمزان لمحبة المسيح الذى ينزع الخوف منّا ويرد لنا ما فقدناه من نعم بسبب خطايانا ووهبنا أن نجلس معهُ على مائدته السماوية نتناول من جسده ودمه ورد لنا أرضنا أى الفردوس الذى كان قد ضاع منّا بسبب خطايانا. وإذا أعطانا المسيح كل هذا أن نقول مع مفيبوشث يا رب ما أنا إلاّ كلب ميت لا أستحق كل هذا الحب "إن فعلتم كل البر فقولوا أننا عبيد بطالون" أية (11) فقال صيبا للملك حسب كل ما يأمر سيدى الملك …… فيأكل مفيبوشث على مائدتى أى كما قال سيدى الملك أن مفيبوشث يأكل على مائدتى هكذا يكون.


 

الإصحاح العاشر

الآيات (1،2) :-

وكان بعد ذلك ان ملك بني عمون مات وملك حانون ابنه عوضا عنه. فقال داود اصنع معروفا مع حانون بن ناحاش كما صنع أبوه معي معروفا فأرسل داود بيد عبيده يعزيه عن أبيه فجاء عبيد داود إلى ارض بني عمون.

لا نعرف ما هو المعروف الذى صنعه ناحاش لداود، لكن غالباً هو عطف عليه أو أسدى لهُ خدمة حين كان هارباً فى تخوم موآب (1صم22: 3،4) خصوصاً لعداوة ناحاش لشاول فهو إعتبر كل من يعادى شاول صديقاً لهُ. وبدأ داود فى محبته بأن أرسل بعثة عزاء لإبنه.

 

آية (3) :-

فقال رؤساء بني عمون لحانون سيدهم هل يكرم داود أباك في عينيك حتى أرسل إليك معزين أليس لأجل فحص المدينة و تجسسها وقلبها أرسل داود عبيده إليك.

مشيرى حانون أساءوا الظن بداود وسوء الفهم سببه الحكم المتسرع فلعلنا لا نسئ فهم الآخرين حتى لا تكون هناك خسائر كثيرة. فهم ظنوا أن رجال داود جواسيس أتوا للتمهيد لكى يضرب داود المدينة: قَلْبِهاَ أى تدميرها.

 

آية (4) :-

فاخذ حانون عبيد داود وحلق انصاف لحاهم وقص ثيابهم من الوسط إلي استاههم ثم أطلقهم.

إستمع حانون لمشيريه فحلق نصف لحى الرسل وشق ثيابهم: يعتبر هذا العمل عند اليهود وغيرهم إهانة عظيمة ففى الشرق يكرم الرجل بلحيته ويفتخر بها ويقسم بها. ولنلاحظ أن هؤلاء الرسل يمثلون داود شخصياً فهم سفرائه ووزائه. إذاً فأى إهانة تلحق بهم تلحق بداود شخصياً. ونحن سفراء المسيح فكل تعيير يقع علينا يقع على المسيح. وداود إنتقم للإهانة التى حلت برجاله والمسيح سينتقم من كل من يعير ويهين شعبه. ولاحظ أن بعد هذه الإهانة ذهب داود بنفسه لأبواب بنى عمون ليرد لهم الإهانة فى ديارهم فداود قوى وشق الثياب إهانة بالغة وحانون قصد هذا ليصبحوا سخرية بنى عمون وشعبها.

 

آية (6) :-

ولما رأى بنو عمون انهم قد انتنوا عند داود أرسل بنو عمون واستأجروا آرام بيت رحوب وآرام صوبا عشرين ألف راجل ومن ملك معكة ألف رجل و رجال طوب اثني عشر ألف رجل.

شعر بنو عمون أن إهانة سفراء داود موجهة إلى داود ودولته كلها وفهموا أن داود لابد وسينتقم فإستأجروا أرام لمساعدتهم لضرب داود.

 

أية (9) :-

فلما رأى يوآب أن مقدمة الحرب كانت نحوه من قدام ومن وراء اختار من جميع منتخبي إسرائيل و صفهم للقاء آرام.

أدرك يوآب أن خطة أرام وبنى عمون أن يفاجئ أرام جيش إسرائيل من الخلف بينما هم منشغلون بجيش بنى عمون من الأمام، وقسم الجيش ليضرب كلا الجيشين [فعلى الإخوة مساعدة بعضهم].

 

آية (10) :-

وسلم بقية الشعب ليد أخيه ابيشاي فصفهم للقاء بني عمون.

كان رجلاً دموياً لكن بلا شك نجد فى كلماته هنا وفى مواقف أخرى أنه كان إنساناً لهُ إيمان وشهامة وتضحية. والكتاب فى عدالته يعرض كل المواقف. ولولا مواقفه الإيجابية هذه ما إختاره داود ليكون قائداً لجيشه ولا إحتمل

خيانته وغدره مثلاً ضد أبنير. وكانت هذه الحروب وأمثالها فرصة ليسجل لنا داود النبى بعض مزاميره مثل
(2، 20، 21، 60، 110) التى تنبأت عن ثورة الأمم وتآمر الرؤساء عليه فتكون نبوات عن ما حدث للمسيح حين قام عليه الأمم والرؤساء وصلبوه. وكما إنتصر داود إنتصر المسيح على

أعدائه وتمجد وقال داود بروح النبوة "قال الرب لربى إجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك" (مز1:110).

 

آية (13) :-

فتقدم يواب و الشعب الذين معه لمحاربة ارام فهربوا من امامه.

حين رأى أرام يوآب ورجاله الأبطال هربوا إذ هم مستأجرين. وبالتالى خاف بنو عمون وهربوا من أمام أبيشاى لأنهم أضعف من أرام.

 

آية (14) :-

ولما رأى بنو عمون انه قد هرب آرام هربوا من أمام ابيشاي ودخلوا المدينة فرجع يواب عن بني عمون واتى إلى أورشليم.

حينما هرب بنى عمون أمام أبيشاى دخلوا بسرعة وتحصنوا بأسوارهم فلم يلحقهم أبيشاى وهم فضلوا أن يحتموابأسوارهم ويؤجلون الحرب لمدة سنة حتى يستعدوا (2صم1:11).

 

الآيات (15-19) :-

ولما رأى آرام انهم قد أنكسروا أمام إسرائيل اجتمعوا معا. وأرسل هدر عزر فابرز ارام الذي في عبر النهر فأتوا إلى حيلام وأمامهم شوبك رئيس جيش هدر عزر. ولما اخبر داود جمع كل إسرائيل وعبر الأردن و جاء إلى حيلام فاصطف آرام للقاء داود و حاربوه. وهرب آرام من أمام إسرائيل وقتل داود من آرام سبع مئة مركبة وأربعين ألف فارس وضرب شوبك رئيس جيشه فمات هناك* 19 و لما راى جميع الملوك عبيد هدر عزر انهم انكسروا امام اسرائيل صالحوا اسرائيل و استعبدوا لهم و خاف ارام ان ينجدوا بني عمون بعد.

حاول الأراميون أن يردوا إعتبارهم وسمعتهم فتجمعوا من جديد لمحاربة رجال داود. فأرسل هددعزر ليستدعى: فأبرز أرام الذى فى عبر النهر أى إستدعاهم وأبرزهم أى ظهروا فى المعركة ليؤيدوه. وضرب داود جيوشهم وهنا تحققت النبوة لإبراهيم (تك18:15) أن أبنائه سيرثون الأرض حتى حدود نهر الفرات.

وبهذا نجد داود قد تربع على عرشه منتصراً فى عدة حروب (8 حروب).

1- الحرب الأهلية بقيادة أبنير ضده.                   2- الحرب ضد اليبوسيين.                    

3- الحرب ضد الفلسطينيين وحلفائهم.                  4- الحرب ضد الفلسطينيين وحدهم.

5- الحرب ضد الموآبيين.                             6- الحرب ضد هددعزر.

 7- الحرب ضد أدوم.                                         8- الحرب ضد عمون وأرام.


 

الإصحاح الحادى عشر

حتى الآن رأينا داود المحب النقى الراعى الصالح الغيور على مجد الله، الذى قتل أسد ودب ثم جليات وواجه مقاومة شاول بقلب مملوء سماحة وحكمة ولم يتسرع ليملك ورأينا نبله مع مفيبوشث. رأيناه لا يعرف الشماتة مرتلاً المزامير. لذلك كافأه الله على هذه الحياة المقدسة وإنتصر فى كل حروبه. وللأسف فهذه عادة الإنسان حينما يعطيه الله ينغمس فى ملذاته فينسى الجهاد فيسقط وحدث هذا مع أدم أولاً ومع شعب إسرائيل مراراً والآن مع داود الذى بعد أن أستقر ملكه سقط فى لحظة تهاون ليظهر الضعف البشرى فى حياة داود العظيم. وإنحدر من خطية إلى أخرى وإذا بالتأديبات تنهال عليه والألام تتوالى. والله يكشف لنا ضعفات كل إنسان

1- حتى لا نيأس إن نحن أخطأنا بل نتمثل بداود ونقدم توبة. 2- إعلان عن ضعف البشرية وإحتياجنا لمخلص. 3- معرفة أن كل خطية تحتاج إلى تأديب وأن علينا أن نقبل التأديب كأبناء. 4- هى جرس إنذار لكل مؤمن ليعرف أنه حتى وإن كان قائماً ليحذر أن لا يسقط ونحيا جميعاً فى حالة إستعداد وجهاد. 5- سقطات داود ملأتهُ أحزاناً مرة لكن بالتوبة تحولت لمجده، فصارت سيرته ومزامير توبته سر قيام لكثيرين حطمتهم الخطية وهوى بهم اليأس. 6- هى درس لكل إنسان ليعلم أنه بدون الله مهما كان قوياً لابد وأن يسقط. 7- إن سمعنا أن الأخرين سقطوا فى خطايا شنيعة علينا أن نشكر الله لأنه حفظنا فلم نسقط.

 

آية (1) :-

وكان عند تمام السنة في وقت خروج الملوك أن داود أرسل يواب وعبيده معه و جميع إسرائيل فاخربوا بني عمون وحاصروا ربة وأما داود فأقام في أورشليم.

عند تمام السنة: قيل فى (14:10) أن يوآب رجع عن بنى عمون وأتى إلى أورشليم وفى الصيف التالى حارب داود الأراميين (10: 15-19) والحرب المذكورة هنا فى هذه الأية كانت فى الصيف الذى يليه أى بعد (14:10) بسنتين.

ملحوظة :- أخبار هذه الحرب مع بنى عمون توقفت هنا لتدخل قصة سقوط داود وأمّا بقية القصة فنجدها فى (2مل12: 26-31).

فى وقت خروج الملوك: أى فى فصل الصيف الذى يخرج فيه الملوك للحرب فهذا هو الوقت المناسب. فأخربوا بنى عمون: أى البلد كلها فالتجأوا إلى ربة مدينتهم المحصنة فحاصرها يوآب. فى الحرب الأولى أمام أبيشاى حينما ذهب يوآب ليحارب الأراميين إلتجأ بنى عمون داخل ربة المحصنة ولم يكن عدد رجال أبيشاى كافياً لحصار ربة. والآن هم مستعدون وطبعاً هدف الحرب منعهم من أن يهاجموا إسرائيل ثانية فلا يمثلوا خطراً على المملكة طالما نواياهم سيئة.

 

 

 

آية (2) :-

و كان في وقت المساء أن داود قام عن سريره و تمشى على سطح بيت الملك فرأى من على السطح امرأة تستحم و كانت المرأة جميلة المنظر جدا.

داود قام عن سريره وتمشى: يقول المثل العامى "اليد البطالة نجسة" وهذا ما حدث الآن فالجيش يحارب وداود فى قصره لا يحارب. وكان قبل ذلك يجاهد فى صلواته ومزاميره ولكن لا جهاد فى الحرب ولا جهاد فى الصلاة فهو الآن يتمشى ويترك العنان لعينيه تتطلعان فيشتهى إمرأة أخيه. فالخطوة الأولى فى السقوط هى التهاون والأسترخاء ولاحظ أن داود لم يسقط فى هذه الخطية وهو شاب يرعى الغنم ويصلى أو وهو مطروداً من أمام شاول أو وهو يحارب وهذه بركة التجارب والألام. أمّا الآن وهو مستقر بلا جهاد ها هو يسقط. وهناك من قال أن بثشبع قصدت هذا أن تجذب أنظار الملك. هى رأت أنه فخر لها أن تكون زوجة الملك فهى تعلم أن سطوح الملك يكشفها. على أى الأحوال لو كان داود على حالته الطبيعية وفى صلواته وجهاده ما كان قد سقط إلاّ أنه الآن فى حالة تراخى خلق فراغاً فى القلب والحواس وهذا الإنسان يطلب أن يشبع حواسه بالجمال الخارجى.

 

آية (3) :-

فأرسل داود و سال عن المرأة فقال واحد أليست هذه بثشبع بنت اليعام امرأة اوريا الحثي.

بثشبع بنت أليعام وهى بثشوع بنت عميئيل فى (1أى5:3). بثشبع هى بثشوع مع إختلاف النطق وأليعام (شعب إلهى) وعميئيل (إله شعبى) بنفس المعنى ويكون والد بثشبع له إسمين بنفس المعنى.

 

آية (4) :-

فأرسل داود رسلا وأخذها فدخلت إليه فاضطجع معها وهي مطهرة من طمثها ثم رجعت إلى بيتها.

مطهرة من طمثها: هو وقت مناسب للحمل. ولا نجد أنها أعترضت على داود بل هى دخلت عليه لعل داود لم يكن يتوقع فى نفسه أن ينحدر يوماً إلى هذا السقوط الشنيع لكن الخطية خاطئة جداً وكل قتلاها أقوياء وتعرف كيف تصطاد الجبابرة. ولكن بدايتها تراخى فى الجهاد ثم نوم على سرير الكسل ثم مشى على السطوح عوضاً عن الصلاة لأجل نفسه ولأجل رجاله فى الحرب وما يضاعف خطية داود أى خطية الزنا:-

1- سنه الكبيرة فسنه الآن 50 سنة. بالإضافة إلى خبراته الروحية ومزاميره.

2- هو متزوج من كثيرات.

3- هو أخذ من الله كثيراً. وهو مسيح الرب ونبيه.

4- هو الملك الذى يحكم على الزناة بالقتل.

5- المرأة متزوجة.

6- زوجها فى الحرب التى لم يذهب إليها داود،    7-        بل هو أحد أبطال داود. وهو غريب الجنس ومتهود. أوريا: أور يا: نور يهوة وهى حثى من الحثيين.

لقد شلت الشهوة كل تفكير جاد فكان للشهوة أنياب أفتك من أنياب الأسد والدب ولها قوة أكبر من جليات ولننظر أسباب أخرى للسقوط:

i-      التهاون بالثعالب الصغيرة المفسدة للكروم. فهو ظن نفسه قوياً فلم يهرب من النظرة الأولى بل ترك العنان لشهوته. لذلك علينا أن نغلق أبواب حواسنا ونهرب من الشر ولا ندخل فى حوار مع الحية بل نرفضها ونرفض وسائلها (فلا نسقط مثل حواء).

ii-     السبب الثانى هو عدم الشعور بالحضرة الإلهية. فيوسف كانت ظروفه أصعب كثيراً من داود ولكنه كان شاعراً بوجود الرب وهذا الشعور بالحضرة الإلهية يكون كنور يرشد صاحبه لذلك قيل هنا كان وقت المساء أية (2).

iii-    وقت الجهاد والحرب أو الصلاة تحول إلى تمشية على السطوح. فيكون السبب الثالث هو طلب الراحة عوضاً عن الجهاد. فداود إعتاد التنعم والترف ونسى الجهاد.

 

آية (5) :-

وحبلت المرأة فأرسلت وأخبرت داود و قالت أنى حبلى

بحسب الشريعة فهى مستوجبة الموت فأرسلت للملك ليدبر لها وإلاّ تشهر به. كم تذل الخطية أحسن الناس وتفقدهم سمعتهم.

 

الآيات (6-13) :-

فأرسل داود إلى يواب يقول أرسل إلى اوريا الحثي فأرسل يواب اوريا إلى داود. فأتى اوريا إليه فسال داود عن سلامة يواب وسلامة الشعب ونجاح الحرب. وقال داود لاوريا انزل إلى بيتك و اغسل رجليك فخرج اوريا من بيت الملك وخرجت وراءه حصة من عند الملك. ونام اوريا على باب بيت الملك مع جميع عبيد سيده ولم ينزل الى بيته. فاخبروا داود قائلين لم ينزل اوريا إلى بيته فقال داود لاوريا أما جئت من السفر فلماذا لم تنزل الى بيتك. فقال اوريا لداود أن التابوت وإسرائيل ويهوذا ساكنون في الخيام وسيدي يواب وعبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء وأنا أتى إلى بيتي لأكل واشرب واضطجع مع امرأتي وحياتك وحياة نفسك لا افعل هذا الأمر. فقال داود لاوريا أقم هنا اليوم أيضا وغدا أطلقك فأقام اوريا في أورشليم ذلك اليوم وغده. ودعاه داود فأكل أمامه وشرب وأسكره وخرج عند المساء ليضطجع في مضجعه مع عبيد سيده وإلى بيته لم ينزل.

أراد داود أن يخفى الجريمة بأن يطلب أوريا لينزل إلى بيته ويضطجع مع زوجته فينسب الحمل لأوريا وكم كانت عظيمة إجابة أوريا ونفسية أوريا بل كانت إجابته فيها توبيخ لداود الذى لم يذهب إلى الحرب وإكتفى بالتنعم فى قصره. وأوريا حسب أن دخوله على إمرأته هو إهانة لله المرموز لهُ بالتابوت وللشعب وللملك ولقائده وإخوته فى الميدان. فوقت الحرب هو وقت بذل وليس وقت تمتع شخصى. وداد بعد رفض أوريا أسكرهُ ليذهب لبيته ومع هذا رَفَضَ. وفى (8) حصة: أى من طعام الملك.

 

الآيات (14-21) :-

وفي الصباح كتب داود مكتوبا إلى يواب وأرسله بيد اوريا. وكتب في المكتوب يقول اجعلوا اوريا في وجه الحرب الشديدة و ارجعوا من ورائه فيضرب ويموت. وكان في محاصرة يواب المدينة انه جعل اوريا في الموضع الذي علم أن رجال الباس فيه. فخرج رجال المدينة وحاربوا يواب فسقط بعض الشعب من عبيد داود ومات اوريا الحثي أيضا. فأرسل يواب واخبر داود بجميع أمور الحرب. وأوصى الرسول قائلا عندما تفرغ من الكلام مع الملك عن جميع أمور الحرب. فان اشتعل غضب الملك وقال لك لماذا دنوتم من المدينة للقتال أما علمتم انهم يرمون من على السور. من قتل ابيمالك بن يربوشث ألم ترمه امرأة بقطعة رحى من على السور فمات في تاباص لماذا دنوتم من السور فقل قد مات عبدك اوريا الحثي أيضا.

الخطايا تلد خطايا. فحينما ضاق الأمر بداود فكر فى قتل أوريا بمكيدة. وهنا نجد أن داود إستهان بالعدل والأمانة بل يسلم قائده الأمين ومعهُ نفوساً بريئة أخرى للموت ليستر فضيحته. ولكن ليس خفى وإلاّ ويُعلن وما تقولونه فى المضاجع ينادون به على السطوح. وربما لم يُدرك يوآب فى البداية السر وراء طلب داود قتل أوريا الحثى ولكنه نفذ أمر الملك. ولكنه فهم فيما بعد حين وجد داود قد تزوج أرملته. بل أن يوآب نفذ الأمر ببراعة ليتصيد زلة على داود فلا يعود يزله لقتله أبنير. فكل خاطئ يتمنى أن يكون الكل خطاة مثله. فيوآب قطعاً قد إشترك مع داود فى قتل أوريا لأنه فرح بهذا التخطيط من داود. ونجد قول يوآب فى (21) فقل قد مات عبدك أوريا أيضاً: أنه يريد أن يصل لداود أن يوآب فهِمَ أن قتل أوريا هو لمصلحة الملك وسيعطيه السرور. بل أن يوآب غالباً أراد نشر الفضيحة بأن أرسل هذا الخبر مع الرسل لإذلال داود. ولقد شعر داود فعلاً بنوع من الإذلال أمام يوآب فنجد داود لا يتجاسر أن يكلم يوآب وقد حاول عزله من منصبه فلم يقدر فترك الأمر لسليمان بل أوصاه بقتله (1مل2: 5،6). وكم تذل الخطية الإنسان. ولاحظ أن القتل أعقب الزنا فإن القساوة تلتحم مع النجاسة فالإنسان الساقط تحت ثقل النجاسة تجده عنيفاً وقاسياً فى أعماقه. والسؤال كيف لم يتحرك قلب داود لكل هذا، قلبه الذى سبق وضربه على قطع جزء من جبة شاول؟ الإجابة أن الخطية تقسى القلب وتعمى العينين. والعجيب أن ضمير داود ظل مستريحاً عاماً كاملاً.

 

آية (27) :-

ولما مضت المناحة أرسل داود وضمها إلى بيته وصارت له امرأة وولدت له ابنا و أما الأمر الذي فعله داود فقبح في عيني الرب.

فقبح فى عينى الرب: الله يحب داود ولكنه لا يتستر على جريمته فالله ليس عنده محاباة.


 

الإصحاح الثانى عشر

الآيات (1-4) :-

فأرسل الرب ناثان إلى داود فجاء إليه وقال له كان رجلان في مدينة واحدة واحد منهما غني والأخر فقير. وكان للغني غنم وبقر كثيرة جدا. وأما الفقير فلم يكن له شيء إلا نعجة واحدة صغيرة قد اقتناها ورباها وكبرت معه ومع بنيه جميعا تأكل من لقمته وتشرب من كأسه وتنام في حضنه وكانت له كابنة. فجاء ضيف إلى الرجل الغني فعفا أن يأخذ من غنمه ومن بقره ليهيئ للضيف الذي جاء إليه فاخذ نعجة الرجل الفقير وهيا للرجل الذي جاء إليه.

لأن ضمير داود لم يتحرك أرسل لهُ الرب ناثان النبى والله لهُ وسائله المتعددة حتى يجعلنا نستيقظ ونقدم توبة مثل [العظات / موت أحد الأحباء / مرض / تجارب / فشل / آية من الكتاب] ومعنى المثل الذى ضربه ناثان. أن الضيف الجائع هو شهوة داود فالشهوة هى دخيلة على الإنسان وهى جاءت للإنسان فى مساء هذا العالم. وأراد داود الغنى أن يشبع شهوته بإغتصابه بثشبع الصغيرة الوحيدة المحبوبة جداً لدى رجلها، هذه التى عاشت معه تشاركه حياته وأكله وشربه وسرير نومه ومشاعره. والآن يغتصبها داود الغنى جداً الذى لهُ زوجات كثيرات. وبثشبع هذه إفترستها شهوة داود كما أفترسته هو أيضاً.

 

الآيات (5،6) :-

فحمي غضب داود على الرجل جدا وقال لناثان حي هو الرب انه يقتل الرجل الفاعل ذلك. ويرد النعجة أربعة أضعاف لأنه فعل هذا الأمر ولأنه لم يشفق.

حمى غضب داود وأصدر حكمه وكأنه يصدر حكماً على نفسه. لذلك علينا أن لا نتسرع ونصدر أحكاماً وندين الآخرين بل نترك الدينونة لله فالإنسان يميل أن يدين الآخرين ولا يدين نفسه بل هو لا يرى خطأ فى نفسه. ويرد النعجة أربعة أضعاف: وهذا بالفعل حدث مع داود فهو قتل أوريا ومات لهُ 4 بنين 1- إبن بثشبع (إبن الخطية) 2- أمنون قتله إبشالوم 3- إبشالوم 4- أدونيا قتله الملك سليمان. وداود زنى بإمرأة أوريا وقد زنا إبنه أمنون مع إبنته ثامار وزنى إبشالوم بسراريه أما حكم داود بالقتل: يقتل الرجل الفاعل: فهذا سامحه الله فيه لأنه إعترف وندم.

 

آية (7) :-

فقال ناثان لداود أنت هو الرجل هكذا قال الرب اله إسرائيل أنا مسحتك ملكا على إسرائيل وأنقذتك من يد شاول.

شجاعة ناثان فى مواجهة داود تشبه شجاعة إيليا فى مواجهة أخاب وهكذا يوحنا المعمدان فى وجه هيرودس. فقد واجه داود بصرامة وصراحة وحزم ولم يحابى الوجوه. ولاحظ ناثان كان يتحدث مع داود خفية ولم يشهر به أمام إنسان لكن الله سمح بنشر هذا فى الكتاب المقدس لتعليمنا. ومن الأفضل أن نفضح هنا فى هذا العالم عن أن نخسر الأبدية. أنا مسحتك … وأنقذتك: لنذكر إحسانات الله علينا فلا نخطئ إليه.

 

الآيات (8-14) :-

وأعطيتك بيت سيدك و نساء سيدك في حضنك وأعطيتك بيت إسرائيل ويهوذا وأن كان ذلك قليلا كنت أزيد لك كذا و كذا. لماذا احتقرت كلام الرب لتعمل الشر في عينيه قد قتلت اوريا الحثي بالسيف وأخذت امرأته لك امرأة واياه قتلت بسيف بني عمون. والآن لا يفارق السيف بيتك إلى الأبد لأنك احتقرتني وأخذت امرأة اوريا الحثي لتكون لك امرأة. هكذا قال الرب هانذا أقيم عليك الشر من بيتك و اخذ نساءك أمام عينيك وأعطيهن لقريبك فيضطجع مع نسائك في عين هذه الشمس. لأنك أنت فعلت بالسر وأنا افعل هذا الأمر قدام جميع إسرائيل وقدام الشمس. فقال داود لناثان قد أخطأت إلى الرب فقال ناثان لداود الرب أيضا قد نقل عنك خطيتك لا تموت. غير انه من اجل انك قد جعلت بهذا الأمر أعداء الرب يشمتون فالابن المولود لك يموت.

كان تأديب داود قاسياً جداً لكن قطعاً كان مطلوباً لأجل خلاص نفسه لا يفارق السيف بيتك: 3 من أولاده ماتوا بالسيف فى أثناء حياته. وحتى نهاية كرسى داود أيام صدقيا لم يفارق السيف بيته فقد مات أولاد صدقيا بسيف نبوخذ نصر أمام عينى أبيهم. وكل هذه الألام هى ثمار طبيعية للخطية. الأسرة المباركة والأباء المباركون يقدمون بركة لأولادهم والعكس صحيح فالأسرة الفاسدة تورث أولادها فساداً ولعنة. وعظمة داود النبى فى أنه لم يجد لنفسه أعذاراً كما كان يفعل شاول بل هو إعترف سريعاً بخطيته وإحتمل تأديب الرب فى صمت لذلك كان حسب قلب الله. فالله يحب أن نخضع بين يديه حتى فى التأديب ولاحظ أن داود كملك عظيم لم يخجل أن يعترف أمام ناثان النبى. وفى (13) لا تموت: أى لا تموت الآن فوراً ولن تقتل فوراً وأيضاً لن تموت الموت الثانى وتهلك بسبب الخطية. ومزامير توبة داود الرائعة التى سجلها فى هذه المناسبة [6، 32، 38، 51، 102، 130، 143].

 

الآيات (15-23) :-

وذهب ناثان إلى بيته وضرب الرب الولد الذي ولدته امرأة اوريا لداود فثقل. فسال داود الله من اجل الصبي وصام داود صوما ودخل و بات مضطجعا على الأرض. فقام شيوخ بيته عليه ليقيموه عن الأرض فلم يشا ولم يأكل معهم خبزا. وكان في اليوم السابع أن الولد مات فخاف عبيد داود أن يخبروه بان الولد قد مات لأنهم قالوا هوذا لما كان الولد حيا كلمناه فلم يسمع لصوتنا فكيف نقول له قد مات الولد يعمل اشر. ورأى داود عبيده يتناجون ففطن داود أن الولد قد مات فقال داود لعبيده هل مات الولد فقالوا مات. فقام داود عن الأرض واغتسل وادهن وبدل ثيابه ودخل بيت الرب  سجد ثم جاء إلى بيته وطلب فوضعوا له خبزا فأكل. فقال له عبيده ما هذا الأمر الذي فعلت لما كان الولد حيا صمت وبكيت ولما مات الولد قمت وأكلت خبزا. فقال لما كان الولد حيا صمت وبكيت لاني قلت من يعلم ربما يرحمني الرب ويحيا الولد. والآن قد مات فلماذا أصوم هل اقدر أن أرده بعد أنا ذاهب إليه وأما هو فلا يرجع إلى.

مرض طفل الخطية فتذلل داود من أجل محبته للطفل ولأنه شعر أن موت الطفل يحمل معنى غضب الله عليه فكان يصلى ويصوم. وكان يرجو شفاؤه كعلامة رضا من الله. ولكنه أعلن تسليمه الكامل لحكم الله حين مات الولد بل مسح نفسه بالدهن علامة الفرح فهو شعر أن الولد عند الله وهذه هى إرادته. وكان يجب أن يموت الولد كعلامة لكل إنسان خاطئ أن كل ما يجنيه من الخطية ممّا يعتبره العالم مكسباً زمنياً لابد وسيضيع. فمن يسرق لا تكون لهُ بركة فى أمواله كذلك من لا يدفع العشور أومن يبحث عن لذة بطريقة خاطئة … وهكذا وفى آية (15) فثقل: مرض مرضاً شديداً.

 

الآيات (24،25) :-

وعزى داود بثشبع امرأته ودخل إليها واضطجع معها فولدت ابنا فدعا اسمه سليمان والرب احبه. وأرسل بيد ناثان النبي ودعا اسمه يديديا من اجل الرب.

سليمان: معناه سالم أو صانع سلام إذ فى أيامه إستراحت المملكة من الحروب فقد أطلق الإسم عليه بطريقة نبوية فهو كرمز للمسيح بانى الهيكل ملك السلام ورئيس السلام كان يجب تسميته بصانع السلام. وربما كان إختيار داود للإسم ليشير أنه وإن كانت الخطية قد أثارت زوابع عديدة إلاّ أنه بالتوبة إستعاد سلامه الداخلى وأنه هو وزوجته أم سليمان عادا لحالة السلام مع الله. وهذا لا يمنع وقوع التأديبات. وأحب الطفل وأرسل ناثان حيث دعاه يديديا ومعناه محبوب الله وهو إشتقاق آخر من كلمة داود التى تعنى المحبوب ليؤكد لوالديه أنه وإن مات الطفل الأول للتأديب فالثانى يعلن محبة الله لهما وغفرانه خطيتهما.

 

الآيات (26-31) :-

وحارب يواب ربة بني عمون واخذ مدينة المملكة. وأرسل يواب رسلا إلى داود يقول قد حاربت ربة وأخذت أيضا مدينة المياه. فالان اجمع بقية الشعب وانزل على المدينة وخذها لئلا اخذ أنا المدينة فيدعى باسمي. فجمع داود كل الشعب وذهب إلى ربة وحاربها وأخذها. واخذ تاج ملكهم عن رأسه  وزنه وزنة من الذهب مع حجر كريم  كان على راس داود  اخرج غنيمة المدينة كثيرة جدا. واخرج الشعب الذي فيها ووضعهم تحت مناشير ونوارج حديد وفؤوس حديد وأمرهم في أتون الأجر وهكذا صنع بجميع مدن بني عمون ثم رجع داود وجميع الشعب إلى أورشليم.

نعود الآن إلى خبر الحرب مع بنى عمون الذى بدأه فى (2صم1:11) فنجد يوآب قد هزم بنى عمون.

ويبدو أن مدينة ربة كان لها سور يحيط بها ويحيط بمدينة صغيرة أى حى صغير ولهُ سور أيضاً يشمل خزان الماء أو الآبار التى تمد المدينة بالماء. وعندما سقطت مدينة المياه فى يد يوآب كان منطقياً أن تسقط مدينة ربة: مدينة المملكة(عاصمتها) بعد إنقطاع المياه عنها. وعندئذ أرسل يوآب يستدعى داود ليأتى ويدخل هو المدينة لئلا يقال أن يوآب هو فاتح المدينة وليس داود. وكل مسيحى عليه أن ينسب إنتصاره للمسيح. بل كل نجاح ينسب للمسيح وليس لنا. وربما حملت كلمات يوآب نوع من التحذير لداود أى إن أردت أن تكون ملكاً فإنزل وحارب. لقد تجرأ يوآب على داود جداً. وفى (30) تاج ملكهم: كان وزنهُ وزنة من الذهب فكيف يضع داود هذا الثقل على رأسه (حوالى 45 كجم).

1- قيل أن إثنان من عظماء داود أمسكا التاج ورفعاه على رأسهِ علامة تسلطه على بنى عمون وقد فعلا هذا لبعض الوقت ثم أنزلاه. وهذا رأى معظم المفسرين.

2- قد يكون التاج خفيفاً ولكنه مملوء جواهر وقيمة الجواهر به تعادل وزنة ذهب.

3- قيل أن كلمة تاج ملكهم هى تاج ملكومهم أى إلههم وهذا تمثال وثن يمكن وضع هذا التاج عليه.

وفى (31) وضعهم تحت مناشير ونوارج حديد: غالباً معنى هذا أنه إستخدمهم فى تقطيع الأشجار بالمناشير والدراس بالنوارج أى إستخدمهم فى عبودية مرة. ولكن فى (1أى3:20) الأية صريحة أن داود نشرهم بالمناشير وهذه بلا شك قسوة ولكنهم يستحقونها فهم كانوا يقدمون أولادهم ضحايا حية لإلههم ملكوم. إذ كانوا يحرقونهم أمامه أحياء. ولكن على كل الأحوال فهى قسوة مرفوضة من داود الذى يرمز للمسيح لكن عادة ما تقترن القسوة مع خطية الزنا. وكان داود خارجاً من خطية الزنا وقتل أوريا ولم يرجع لسابق رحمته بالتوبة بعد ولكن من المؤكد بعد أن عاد لحياة التوبة رجعت لهُ رحمته ومحبته ورقة قلبه.


 

الإصحاح الثالث عشر

الآيات (1-22) :-

وجرى بعد ذلك انه كان لابشالوم بن داود أخت جميلة اسمها ثامار فاحبها امنون بن داود. واحصر آمنون للسقم من اجل ثامار أخته لأنها كانت عذراء وعسر في عيني امنون أن يفعل لها شيئا. وكان لآمنون صاحب اسمه يوناداب بن شمعى أخي داود وكان يوناداب رجلا حكيما جدا. فقال له لماذا يا ابن الملك أنت ضعيف هكذا من صباح إلى صباح أما تخبرني فقال له آمنون أنى احب ثامار أخت ابشالوم أخي. فقال يوناداب اضطجع على سريرك وتمارض وإذا جاء أبوك ليراك فقل له دع ثامار أختي فتاتي وتطعمني خبزا وتعمل أمامي الطعام لأرى فأكل من يدها. فاضطجع امنون وتمارض فجاء الملك ليراه فقال آمنون للملك دع ثامار أختي فتاتي وتصنع أمامي كعكتين فأكل من يدها. فأرسل داود إلى ثامار إلى البيت قائلا اذهبي إلى بيت آمنون أخيك واعملي له طعاما. فذهبت ثامار إلى بيت آمنون أخيها وهو مضطجع وأخذت العجين وعجنت وعملت كعكا أمامه وخبزت الكعك. وأخذت المقلاة وسكبت أمامه فأبى أن يأكل وقال آمنون اخرجوا كل إنسان عني فخرج كل إنسان عنه. ثم قال آمنون لثامار آيتي بالطعام إلى المخدع فأكل من يدك فأخذت ثامار الكعك الذي عملته وأتت به آمنون أخاها إلى المخدع. وقدمت له ليأكل فامسكها وقال لها تعالي اضطجعي معي يا أختي. فقالت له لا يا أخي لا تذلني لأنه لا يفعل هكذا في إسرائيل لا تعمل هذه القباحة. أما أنا فأين اذهب بعاري وأما أنت فتكون كواحد من السفهاء في إسرائيل والآن كلم الملك لأنه لا يمنعني منك. فلم يشا أن يسمع لصوتها بل تمكن منها وقهرها واضطجع معها. ثم ابغضها آمنون بغضه شديدة جدا حتى أن البغضه التي ابغضها إياها كانت اشد من المحبة التي احبها إياها وقال لها آمنون قومي انطلقي. فقالت له لا سبب هذا الشر بطردك اياي هو اعظم من الأخر الذي عملته بي فلم يشا أن يسمع لها. بل دعا غلامه الذي كان يخدمه وقال اطرد هذه عني خارجا واقفل الباب وراءها. وكان عليها ثوب ملون لان بنات الملك العذارى كن يلبسن جبات مثل هذه فأخرجها خادمه إلى الخارج واقفل الباب وراءها. فجعلت ثامار رمادا على رأسها ومزقت الثوب الملون الذي عليها ووضعت يدها على رأسها وكانت تذهب صارخة. فقال لها ابشالوم أخوها هل كان آمنون أخوك معك فالان يا أختي اسكتي أخوك هو لا تضعي قلبك على هذا الأمر فأقامت ثامار مستوحشة في بيت ابشالوم أخيها. ولما سمع الملك داود بجميع هذه الأمور اغتاظ جدا. ولم يكلم ابشالوم آمنون بشر ولا بخير لان ابشالوم ابغض آمنون من اجل انه أذل ثامار أخته.

لقد أعلن ناثان الحكم على داود ونجد فى هذا الإصحاح مباشرة تنفيذ الحكم ونجد أن المتاعب بدأت تحيط بداود وأن نصف فترة حكمه الثانية ليست فى مجد وإزدهار النصف الأول. يا ترى ماذا كان موقف داود أمام رجاله حين أعلنت هذه القصة أن إبنه زنى مع إبنته!! حقاً إن ما يصنع فى الخفاء ينادى به على السطوح. وقصة أمنون هى صورة حية للتمييز بين الحب والشهوة. فالحب يجعل الإنسان يبذل نفسه لأجل من يحبهم ليراهم سعداء وفى التعامل مع الجنس الآخر فمن يحب يشعر أنه يتعامل مع شخص لهُ كيانه ويقدره. أمّا الشهوة فهى ليست سوى إشباع لذة وتعامل مع الجنس الآخر كأداة للمتعة. والحب ينمو يوماً فيوماً ويهب القلب إتساعاً للجميع أمّا الشهوة فتحطم الإنسان وتضيق قلبه وسرعان ما تلهو بالشخص نفسه فينقلب الحب الشهوانى لكراهية. وللأسف فقد إصطلح الناس على تسمية الشهوة حب. ولم يَعُدْ المجتمع قادراً على التمييز بين الكلمتين ولكن منطقياً فكل حب غير قانونى [كحالة داود مع بثشبع أو أمنون مع ثامار] فهو شهوة. وكل حب من هذا النوع مدمّر. وطالماً تكلمنا عن الحب فلا نستطيع أن ننسى أن الله محبة فكل من يشابه الله فى محبته فهذا حب وكل من لا يشبه الله فى محبته فهذه شهوة. والسؤال ما هو شكل محبة الله؟ محبة الله تنبع منهُ للآخرين لتفيض عليهم          فكل من يجد أن حبه يخرج منه ويجعله يتصرف كما تصرف المسيح فهذه محبة وماذا فعل المسيح "ليس حب أعظم من هذا أن يبذل أحد نفسه عن الآخرين. أمّا الشهوة والتى إصطلح الناس على تسميتها حباً فهى على العكس          هى مجرد إشباع للداخل لإرضاء شهوة أنانية لإرضاء الذات. لذلك نقول أن الحب هو تحرر من الأنا ليعطى الإنسان ذاته لبنيان الآخرين ولبنيان نفسه أمّا الشهوة فهى تقوقع حول الأنا. وكل من يتقوقع حول ذاته يشبه دودة القز التى تحيط ذاتها وتتقوقع فتموت. كل من ينحصر فى ذاته ولذاته يموت وكل من ينطلق ويبحث عن الآخرين يحيا فهو يشبه الله. والان هل مؤامرة أمنون ومرضه لأجل شهوته لأخته هل هذا حب؟ قطعاً لا. وفى اللغة العربية هناك كلمة واحدة هى الحب تعبر عن النوعين ولكن فى العبرية وفى اليونانية هناك كلمتين:

1- أغابو وهى تعبير عن الحب السامى المتحرر من الأنا.

2- فيلو وهى تعبير عن الحب العادى وتندرج الشهوة تحته.

وكلمة حب هنا التى إستخدمت لحب أمنون لثامار هى (فيلو) فكلمات الكتاب دقيقة. ولذلك بعد ان نفذ امنون ما أراده تحول حبه أو شهوته إلى بغضة شديدة جداً حتى أنه طرد أخته بعد أن نال منها شهوته. لقد كان أمنون يظن أن ثامار دون سواها هى سر سعادته وإذ نال منها تحقيق شهوته لم يجد فى داخله شبعاً كما كان يظن لذا أبغضها. ونحن كثيراً ما نشتاق للخطية ونظن أن فيها سعادتنا ونظن أنها جيدة للأكل وأنها بهجة للعيون وشهية للنظر ولكن إذ نتذوقها نندم وهذا ما حدث مع آدم وحواء. وفى (2) أحصر أمنون للسقم: وعانى أمنون من المرض وهذا دليل فسادهُ بسبب شهوته وحب الخطية يجعلنا نضعف ونخور حتى الموت. وفى (3) رجلاً حكيماً جداً: لكن للأسف كانت حكمته للشر وليس للخير. وكانت صداقته لأمنون صداقة نتيجتها الموت ولو أظهر لأمنون عواقب شهوته لأنقذه وأنقذ أخته. ثم نجد أن ثامار تكلمت بمنتهى الحكمة مع أمنون. لا يُفعَلْ هكذا بإسرائيل: هذا العمل لا يليق بأمة مقدسة  وسيجلب غضب الله على الشعب كله فهما عضوين بالجماعة. وقالت لأخيها أن الخطية تحطم مرتكبيها فتجعلها هى فى عار وهو كأحد السفهاء وربما أرادت خداعه فقالت لهُ كلّم الملك عنى لأنه لا يمنعنى عنك وربما حسبت أن الزواج بأخ غير شقيق أهون من السقوط فى الزنا أو هى فكرت أن الملك من حقه أن يعطى إستثناءات مبنية على زواج إبراهيم بسارة وهى شقيقة لكن ليست من نفس الأم. ولذلك وبعد أن إغتصبها أمنون تصورت أنه يجب أن يتزوجها لذلك هى إعترضت على أنه طردها وتذللت أمامه ليتزوجها ولا يتركها للعار. وفى (16) لا سبب: أى لا يوجد سبب يدعوك لطردى. ووضعها للرماد … الخ علامة الحزن الشديد كمن فى جنازة ومزقت الثوب الملون علامة فقدها كل مجد وفى (22) إبشالوم يضمر شراً لأمنون.

 

الآيات (23-39) :-

وكان بعد سنتين من الزمان انه كان لابشالوم جزازون في بعل حاصور التي عند افرايم فدعا ابشالوم جميع بني الملك. وجاء ابشالوم إلى الملك وقال هوذا لعبدك جزازون فليذهب الملك و عبيده مع عبدك. فقال الملك لابشالوم لا يا ابني لا نذهب كلنا لئلا نثقل عليك فالح عليه فلم يشا أن يذهب بل باركه. فقال ابشالوم إذا دع أخي آمنون يذهب معنا فقال الملك لماذا يذهب معك. فالح عليه ابشالوم فأرسل معه آمنون وجميع بني الملك. فأوصى ابشالوم غلمانه قائلا انظروا متى طاب قلب امنون بالخمر وقلت لكم اضربوا آمنون فاقتلوه لا تخافوا أليس أنى أنا أمرتكم فتشددوا وكونوا ذوي باس. ففعل غلمان ابشالوم بآمنون كما أمر ابشالوم فقام جميع بني الملك وركبوا كل واحد على بغله وهربوا. وفيما هم في الطريق وصل الخبر إلى داود وقيل له قد قتل ابشالوم جميع بني الملك ولم يتبق منهم أحد. فقام الملك ومزق ثيابه واضطجع على الأرض وجميع عبيده واقفون وثيابهم ممزقة. فأجاب يوناداب بن شمعى أخي داود و قال لا يظن سيدي انهم قتلوا جميع الفتيان بني الملك إنما آمنون وحده مات لان ذلك قد وضع عند ابشالوم منذ يوم أذل ثامار أخته. والآن لا يضعن سيدي الملك في قلبه شيئا قائلا أن جميع بني الملك قد ماتوا إنما آمنون وحده مات. وهرب ابشالوم ورفع الغلام الرقيب طرفه ونظر وإذا بشعب كثير يسيرون على الطريق وراءه بجانب الجبل. فقال يوناداب للملك هوذا بنو الملك قد جاءوا كما قال عبدك كذلك صار. ولما فرغ من الكلام إذا ببني الملك قد جاءوا ورفعوا أصواتهم وبكوا وكذلك بكى الملك وعبيده بكاء عظيما جدا. فهرب ابشالوم وذهب إلى تلماي بن عميهود ملك جشور وناح داود على ابنه الأيام كلها. وهرب ابشالوم وذهب إلى جشور وكان هناك ثلاث سنين. وكان داود يتوق إلى الخروج إلى ابشالوم لأنه تعزى عن آمنون حيث انه مات.

طلب إبشالوم من أخته أن تلتزم الصمت. وكان يريد بذلك أن يهدئ الجو ليخطط للإنتقام. وحين سألها هل كان أمنون معك: فهذا معناه أنه يعرف شهرة أمنون وسمعته الرديئة وخطاياه. وداود سمع ولم يعاقب أمنون إذ كان يدلل أولاده أو لأنه رأى جريمته مع بثشبع متجلية فى أولاده وبالذات فى إبنه البكر. وقطعاً فالله العادل الذى جازى عالى على عدم تربيته لداود لابد أن يجازى داود على فساد إبنه وعدم معاقبته لهُ. وإنتظر إبشالوم سنتين حتى ظن الجميع وظن داود وأمنون أن الموضوع قد نسى. ولمّا جاء وقت جزاز الغنم وهو وقت عيد وأفراح صنع وليمة ودعا لها الملك وإخوته وكان يعلم أن الملك سيعتذر لإنشغاله. ولمّا إعتذر الملك طلب منهُ أن يرسل أمنون وفى (26) سؤال الملك ولماذا يذهب معك: ربما يعنى تخوف داود من شئ تجاه أمنون. ووصل الخبر لداود خطأ نتيجة الإشاعات أن إبشالوم قتل كل أولاد الملك لكن يوناداب هذا الإنسان الحكيم فى الشر يخبر الملك أن إبشالوم قتل أمنون فقط فهو يعلم أن إبشالوم أضمر شراً بسبب ثامار والسؤال إذا كان يعلم فلماذا لم يخبر الملك لكن هذا الإنسان الشرير لم يمنع أمنون من الخطية ولم يمنع عنهُ الموت. ولقد جنى أمنون ثمار نجاسته وأيضاُ ثمن إستسلامه للسكر. ثم هرب إبشالوم إلى جده تلماى بن عميهود ملك جشور وهى مقاطعة وغالباً فهو وثنى. وهذه المقاطعة تقع بين حرمون وباشان ، شرقى الأردن. وإذ هدأ داود إشتاق أن يرى إبشالوم إذ كان يحبه حباً شديداً (2صم18: 5،33) لكن خشى نقد الناس لهُ لأنه قاتل أمنون ولى العهد فكيف يتركهُ وهو قاتل ولا يعاقبه وكيف يعاقبهُ فهو أى داود قاتل أيضاً.


 

الإصحاح الرابع عشر

أراد يوآب أن يكون هو الواسطة لمصالحة داود على إبنه أبشالوم، وكان دافعه:-

1- كان يعلم أن داود يحب إبشالوم جداً. مشتاقاً أن يرده إلى أورشليم ولكنه يخشى نقد الشعب لهُ، لهذا أوجد مجالاً للمصالحة أو على الأقل لرده إلى أورشليم، الأمر الذى يفرح قلب داود حتى وإن تظاهر بغير ذلك.

2-   أدرك أنه وإن طال الزمن لابد وأن الأب سيصالح إبنه فقيامه بهذا الدور يكسبه صداقة الطرفين.

3- يعلم أن لإبشالوم شعبية كبيرة، فإن مات داود ينقسم الشعب على نفسه، كثيرون يريدونه ملكاً وآخرون يتشككون بسبب غضب والده عليه لقتله أمنون وبهذا يحدث شقاق.

4- رجوع إبشالوم قاتل أخيه وصفح داود عنه ينزع مشاعر الضيق من داود تجاه يوآب لقتله أبنير. ولقد إستخدم يوآب فى الأمر أرملة تحكى قصة تتطابق تقريباً مع قصة داود وإبشالوم وهو يعرف أن الملك سيسمعها فهو يعرف رقة قلبه تجاه الأرامل ويعرف أنه سيصدر حكماً بالعفو عن إبنها القاتل حتى لا تعدم الأثنين معاً فيكون قد عفا عن إبنه.

 

الآيات (1-8) :-

وعلم يواب ابن صروية أن قلب الملك على ابشالوم. فأرسل يواب إلى تقوع واخذ من هناك امرأة حكيمةوقال لها تظاهري بالحزن والبسي ثياب الحزن ولا تدهني بزيت بل كوني كامرأة لها أيام كثيرة وهي تنوح على ميت. وادخلي إلى الملك وكلميه بهذا الكلام وجعل يواب الكلام في فمها. وكلمت المرأة التقوعية الملك وخرت على وجهها إلى الأرض وسجدت وقالت اعن أيها الملك. فقال لها الملك ما بالك فقالت أني امرأة أرملة قد مات رجلي. ولجاريتك ابنان فتخاصما في الحقل وليس من يفصل بينهما فضرب أحدهما الآخر
وقتله. وهوذا العشيرة كلها قد قامت على جاريتك وقالوا سلمي ضارب أخيه لنقتله بنفس أخيه الذي قتله فنهلك الوارث أيضا فيطفئون جمرتي التي بقيت ولا يتركون لرجلي اسما ولا بقية على وجه الأرض. فقال الملك للمرأة اذهبي إلى بيتك وأنا أوصي فيك.

فى الأية (7) يطفئون جمرتى: تشبه إبنها الحى بأنه جمرة تضطرم نار [وهكذا سُمّى داود فى (2صم17:21)] ولغاية فى نفوس العشيرة تود أن تطفئ الجمرة لتستولى على الميراث. هذا بالإضافة إلى أنه الإبن الوحيد الذى سيحمل أسم رجلها الميت. ولقد تراءف عليها داود جداً ووعدها أنه يوصى بها كى لا يموت إبنها آية (8).

 

آية (9) :-

فقالت المرأة التقوعيه للملك علي الآثم يا سيدي الملك وعلى بيت أبى والملك وكرسيه نقيان

علّى الإثم: هنا المرأة تعرف أن حكم الناموس يشترط قتل القاتل ولكنها حالة إستثنائية فهى تطلب العفو وعلى أن تكون هى المتحملة لإثم إلغاء الناموس وكان ذلك جائزاً من أجل الرحمة (تث13:9، 7:12) فالله رحمهم بالرغم من إستحقاقهم للموت بل باركهم. وعندئذ وعدها الملك بالعفو.

 

آية (11) :-

فقالت اذكر أيها الملك الرب إلهك حتى لا يكثر ولي الدم القتل لئلا يهلكوا ابني فقال حي هو الرب انه لا تسقط شعرة من شعر ابنك إلى الأرض.

لم تكتف بتوصية الملك وبوعده إذ تظاهرت بالخوف من ولى الدم لئلا يهلك دم إبنها. كل هذا لتستخرج عفواً شاملاً بقسم من الملك ولقد حصلت من الملك فعلاً على:-

‌أ-     وعداً أن يوصى بها وبأمرها فيترفقوا بها (آية 8).

‌ب-الاّ يتعرض لها بأذية أى أحد (آية 10).

‌ج-  العفو عن إبنها وحكم فورى لصالحه آية (11) بل وبقسم (آية 11).

 

الآيات (12-17) :-

فقالت المرأة لتتكلم جاريتك كلمة إلى سيدي الملك فقال تكلمي. فقالت المرأة ولماذا افتكرت بمثل هذا الأمر على شعب الله ويتكلم الملك بهذا الكلام كمذنب بما أن الملك لا يرد منفية. لأنه لا بد أن نموت ونكون كالماء المهراق على الأرض الذي لا يجمع أيضا ولا ينزع الله نفسا بل يفكر أفكاراً حتى لا يطرد عنه منفية. والآن حيث آني جئت لأكلم الملك سيدي بهذا الأمر لان الشعب أخافني فقالت جاريتك اكلم الملك لعل الملك يفعل كقول أمته. لان الملك يسمع لينقذ أمته من يد الرجل الذي يريد أن يهلكني أنا وابني معا من نصيب الله. فقالت جاريتك ليكن كلام سيدي الملك عزاء لأنه سيدي الملك إنما هو كملاك الله لفهم الخير والشر والرب إلهك يكون معك.

هنا المرأة تفصح عن المقصود هو إبشالوم. وفى تشبيهها فهى شبهت الشعب بالأم المحبة لإبنها إبشالوم دون تجاهل للقتيل أمنون. والملك هو ولى الدم ومن حقه أن يطالب بالدم لكنه يلزم أن يترفق بشعبه الذى يطلب العفو عن إبشالوم. وداود إستغل هذه القصة فهو يتوق لأن يعفو عن إبنه ويعود يراه. وفى آية (13) لماذا إفتكرت بمثل هذا الأمر على شعب الله: كأنها تقول إن كنت تتراءف على أرملة فتعفو عن إبنها القاتل فكم بالأولى أن تتراءف على شعب بأكمله. وواضح من الكلام أن الشعب كان يحب إبشالوم وقد برأه الشعب من دم أمنون لزنا أمنون مع أخته بل ربما رأوه بطلاً إذ إنتقم لشرف أخته وقتل الزانى. وقولها لماذا إفتكرت بمثل هذا الأمر على شعب الله أى لماذا أفتكرت هذا الفكر الردئ على شعب الله أنك حرمتهُ من إبشالوم الذى أحبوه. ويتكلم الملك بهذا الكلام كمذنب: أى موقفك هذا بأن تظل حارماً الشعب من إبشالوم يجعلك كمذنب. وعليك أن تدين نفسك عندما تصدر مثل هذا الحكم على إبشالوم. بما أن الملك لا يرد منفيه: أى أن خطأ الملك الذى يجعله مذنب أنه لا يريد أن يرد إبنه المنفى. وفى (14) لابد أن نموت: ربما قصدت أن أيامنا جميعاً قليلة للغاية فلنحتمل بعضنا بعضاً وليسامح أحدنا الآخر وهل موت إبشالوم سيرد الحياة لأمنون. والكل سيموتون. وكان أمنون لابد وسيموت حتى ولو لم يقتله إبشالوم وبالتالى عليك أن تصفح. وكلنا سنموت ولكن الله يدبر بشتى الطرق حتى لا يقطع عنهُ منفيه: بل يفكر أفكاراً حتى لا يطرد عنهُ منفيه ولا ينزع الله نفساً: وهذه العبارة حلوة جداً بل هى نبوة وتعبير يكشف عن فهم روحى دقيق لطرق الله ومحبته فالله لا يسر بموت الخاطئ مثل أن يرجع ويحيا (حز23:18) وحزقيال قال هذا بعد قول المرأة بمئات السنين. والله لم ينزع إبشالوم ويقتله فإن كان الله لم يعاقبه فلماذا يقتله الملك. ومحبة الله للإنسان جعلته يتجسد ويصلب حتى يردنا نحن المنفيين وحتى لا ينزع نفوساً. فقد كنا مستحقين الموت ولكن الله فكر أفكاراً (وهذه تشير للأقنوم الثانى عقل الله وقوته) حتى لا نبقى فى الموت. وربما أيضاً ذكرها للموت هنا فيه إستعجال للملك حتى يُسرع ويأتى بإبنه قبل أن يموت بلا صلح فلا أحد يضمن حياته. بل فى قولها لا ينزع الله نفساً: تذكرة لداود أنه هو نفسه قد أخطأ فى موضوع أوريا ولم ينزع الله نفسه ويقتله بل سامحه وإن كان قد أدبّه. آية (15) لأن الشعب أخافنى: لم تكن لتزعج الملك بهذه الرواية لولا أنها خافت من الشعب وهى خائفة أن ترجع للشعب وهى قد فشلت فى إقناع الملك وهى الآن أتت لعّل الملك يسمع ويفعل كقول أمته فواضح أن الشعب متعاطف جداً مع إبشالوم ومجنون به وربما هى تلح أن الشعب قد يثور إن لم يرجع إبشالوم وفى (16) عادت للرمز مرة أخرى ومعنى الكلام أنها غامرت وثَقّلَتْ على الملك وهى تعلم أنها معرضة للعقاب إن هى أَزْعَجَتْ الملك وقد يعاقبها هى وإبنها أو ينفيها فتحرم من الميراث هى وإبنها وتضطر أن تعيش فى أرض غريبة وسط الوثنيين،  ولكنها أتت واثقة أن الملك سيسمع منها وهى المرأة البسيطة ويلبى طلبها ولا يحرمها من ميراثها. والكلام هنا عن حرمانها هى وإبنها يشير قطعاً لإبشالوم (هو الإبن) المحروم حالياً من أن يعيش وسط إسرائيل ووسط شعبه وها هو مضطر أن يعيش وسط الوثنيين ويشير لها كأم وهى رمز للشعب الذى لا يريد أن يُحرم من إبشالوم. وهى تخيف داود بأن إبنه يعيش الآن وسط الوثنيين وربما تأثر بعاداتهم وديانتهم بل عودته ربما تقوده للتوبة. وقطعاً فالرجل الذى تتكلم عنهُ هو الملك نفسه: لينقذ أمته من يد الرجل وفى آية (17) ليكن كلام سيدى عزاء: أى ياليتنى أسمع كلمة مفرحة من سيدى وتوافقنى على طلبى وبحكمة ختمت المرأة حديثها بمدحها له: لأن سيدى إنما هو كملاك الله. صحيح أن يوآب هو الذى أرسلها لكن كل هذه الحكمة والكلام المملوء حباً بل رؤية نبوية ومعرفة روحية ليس كلام يوآب الدموى بل كلامها هى وهى تستحق كل مديح لحكمتها المملوءة إتضاعاً.

 

الآيات (18-24) :-

فأجاب الملك و قال للمرأة لا تكتمي عني امرأ أسألك عنه فقالت المرأة ليتكلم سيدي الملك. فقال الملك هل يد يواب معك في هذا كله فأجابت المرأة وقالت حية هي نفسك يا سيدي الملك لا يحاد يمينا أو يسارا عن كل ما تكلم به سيدي الملك لان عبدك يواب هو أوصاني وهو وضع في فم جاريتك كل هذا الكلام. لأجل تحويل وجه الكلام فعل عبدك يواب هذا الأمر وسيدي حكيم كحكمة ملاك الله ليعلم كل ما في الأرض. فقال الملك ليواب هانذا قد فعلت هذا الأمر فاذهب رد الفتى ابشالوم. فسقط يواب على وجهه إلى الأرض وسجد وبارك الملك و قال يواب اليوم علم عبدك أنى قد وجدت نعمة في عينيك يا سيدي الملك إذ فعل الملك قول عبده. ثم قام يواب وذهب إلى جشور وأتى بابشالوم إلى أورشليم. فقال الملك لينصرف إلى بيته ولا ير وجهي فانصرف ابشالوم إلى بيته ولم ير وجه الملك.

فهم داود أن وراء هذا الأمر يوآب والمرأة إعترفت بهذا وأمر داود يوآب أن يذهب ويأتى بإبشالوم على أن لا يراه 1- حتى لا يظهر داود أنه تهاون فى حق أمنون. 2- لكى يتضع إبشالوم ويتوب. 3- حتى لا يكتسب إبشالوم مزيداً من الشعبية وهو يريد أن يكون العرش لسليمان.

 

الآيات (25-27) :-

ولم يكن في كل إسرائيل رجل جميل وممدوح جدا كابشالوم من باطن قدمه حتى هامته لم يكن فيه عيب. وعند حلقه رأسه إذ كان يحلقه في أخر كل سنة لأنه كان يثقل عليه فيحلقه كان يزن شعر رأسه مئتي شاقل بوزن الملك. وولد لابشالوم ثلاثة بنين و بنت واحدة اسمها ثامار وكانت امرأة جميلة المنظر.

لم يمدح إبشالوم إلاّ فى جمال جسده الذى جذب قلوب الشعب. وكان شعره غزيراً جداً وجميلاً يدهنه بالأطياب ويُزَيّنهُ بالذهب (برادة الذهب) ممّا زاد فى جماله وزاد فى وزنه (وقد كتب يوسيفوس أن هذه عادة يهودية أن يرش الشعر ببرادة الذهب) وكان يحلق شعره سنوياً ويزنه (وهذه عادة دينية فلسطينية). كان جماله هو الذى أعطاه شعبية ولكنه كان بلا قداسة فلم ينفعه مديح الناس بل كان السبب فى هلاكه. هو يمثل من يفتخرون بأجسادهم (قوتها وجمالها) لأنه ليس عندهم سوى هذا يفتخرون به. شعر رأسه 200 شاقل بوزن الملك: هو وزن الشعر والأطياب والزيوت وبرادة الذهب. على أن الشاقل المستخدم مختلف عليه ممّا يجعل الـ 200 شاقل يتراوحوا بين      -      1 كجم. وتضيف السبعينية على أية (27) أن ثامار بنت إبشالوم كانت زوجة لرحبعام وأنجبت لهُ أبيا (هذا نفس كلام يوسيفوس).

 


 

الآيات (28-33) :-

وأقام ابشالوم في أورشليم سنتين ولم ير وجه الملك. فأرسل ابشالوم إلى يواب ليرسله إلى الملك فلم يشا أن يأتي إليه ثم أرسل أيضا ثانية فلم يشا أن يأتي. فقال لعبيده انظروا حقله يواب بجانبي وله هناك شعير اذهبوا واحرقوه بالنار فاحرق عبيد ابشالوم الحقله بالنار. فقام يواب وجاء إلى ابشالوم إلى البيت وقال له لماذا احرق عبيدك حقلتي بالنار. فقال ابشالوم ليواب هانذا قد أرسلت إليك قائلا تعال إلى هنا فأرسلك إلى الملك تقول لماذا جئت من جشور خير لي لو كنت باقيا هناك فالان أنى أرى وجه الملك وأن وجد في آثم فليقتلني. فجاء يواب إلى الملك واخبره ودعا ابشالوم فأتى إلى الملك وسجد على وجهه إلى الأرض قدام الملك فقبل الملك ابشالوم.

بقى إبشالوم عامين فى أورشليم دون أن يتعلم الإتضاع أو يقدم توبة وأستمر عنيفاً فى أعماقه. وأرسل يستدعى يوآب فلم يذهب لأن يوآب خشى أن يعرف داود ويغضب. وكان طلب إبشالوم إمّا أن يعفو داود عنهُ أو يقتله وهو عَرِفَ نقطة ضعف أبيه أنه لا يمكن أن يقتله، وهناك نقطة أخرى فداود خشى أن يشهر به إبنه فى موضوع أوريا. ونجح إبشالوم فى العودة إلى القصر للتخطيط لثورة ضد أبيه الملك وإغتصاب العرش.


 

الإصحاح الخامس عشر

الآيات (1-6) :-

وكان بعد ذلك أن ابشالوم اتخذ مركبة وخيلا وخمسين رجلا يجرون قدامه. وكان ابشالوم يبكر ويقف بجانب طريق الباب وكل صاحب دعوى آت إلى الملك لأجل الحكم كان ابشالوم يدعوه إليه ويقول من أية مدينة أنت فيقول من أحد أسباط إسرائيل عبدك. فيقول ابشالوم له انظر أمورك صالحة ومستقيمة ولكن ليس من يسمع لك من قبل الملك. ثم يقول ابشالوم من يجعلني قاضيا في الأرض فيأتي إلى كل إنسان له خصومة ودعوى فانصفه. و كان إذا تقدم أحد ليسجد له يمد يده ويمسكه ويقبله. وكان ابشالوم يفعل مثل هذا الأمر لجميع إسرائيل الذين كانوا يأتون لأجل الحكم إلى الملك فاسترق ابشالوم قلوب رجال إسرائيل.

أتخذ مركبة وخيلاً. وخمسين رجلاً يجرون أمامه: هذا ما تعلمه إبشالوم من جده الوثنى كيف يبدو مهيباً فى مركبات وخيول. والله طلب أن لا يفعل ملوك إسرائيل هذا حتى لا يجرون وراء الكرامات الزمنية وحتى لا يعتمدون على قوتهم الذاتية بل على قوة الله. والرجال الذين يجرون أمامه غالباً كان لهم زى خاص. وغالباً فقد فرح شعب إسرائيل بهذه الصورة وفضلها عن صورة داود المتواضع. ويكشف هذا التصرف عن هدف إبشالوم من العودة إلى أورشليم، فهو أتى بروح محبة المجد الباطل والعجرفة ليغتصب عرش أبيه وركب مركبات وخيلاً ورجال يجرون أمامهُ بينما أبوه يركب بغلاً. داود هيأ ملكه بسنوات ضيق كثيرة وصلوات وجهاد وهذا يأتى ليملك خلال المجد الباطل والمظاهر الخارجية. والعجيب أن زادت شعبيته بهذا. ولم يكتفى بهذا بل صار فى خداع يمالئ الشعب. يقف عند باب المدينة ليمنع المتقاضين من الوصول إلى أبيه ويعطى إهتماماً لكل واحد فيسأله عن مدينته وسبطه ثم يقول لهُ فى نفاق دون فحص لقضيته ودون أن يعرف من هو البرئ ومن هو الظالم بل يقول لكل الطرفين أنظر أمورك صالحة ومستقيمة أى الحق معك. ثم يقول كاذباً لكن ليس من يسمعك من قبل الملك فالملك صار عجوزاً لا يهتم بالقضاء فليس لديه وقت فهو يظهر أبوه أنه غير صالح ليظهر أنه وحده القادر على الملك وعلى التقاضى. هو لم يكن يريد أن يقضى بل أن يثير الناس على أبيه الملك. ثم يقول من يجعلنى قاضياً فشهوة قلبه الرئاسة. بل فى رياء كان يقبل أى إنسان يأتى ليسجد لهُ كإبن الملك. وبهذا إستمال إبشالوم قلوب الناس.

 

الآيات (7-9) :-

وكان بعد ذلك أن ابشالوم اتخذ مركبة وخيلا وخمسين رجلا يجرون قدامه. وكان ابشالوم يبكر ويقف بجانب طريق الباب و كل صاحب دعوى آت إلى الملك لأجل الحكم كان ابشالوم يدعوه إليه ويقول من أية مدينة أنت فيقول من أحد أسباط إسرائيل عبدك. فيقول ابشالوم له انظر أمورك صالحة ومستقيمة ولكن ليس من يسمع لك من قبل الملك. ثم يقول ابشالوم من يجعلني قاضيا في الأرض فيأتي إلى كل إنسان له خصومة ودعوى فانصفه. وكان إذا تقدم أحد ليسجد له يمد يده ويمسكه ويقبله. وكان ابشالوم يفعل مثل هذا الأمر لجميع إسرائيل الذين كانوا يأتون لأجل الحكم إلى الملك فاسترق ابشالوم قلوب رجال إسرائيل.

فى نهاية 40 سنة: الكتاب لم يحدد متى بدأ حساب الأربعين سنة وغالباً هى منذ مُسِحَ داود ملكاً على يد صموئيل فهذا الحدث من الأحداث الهامة التى يدونها التاريخ. وذهب إبشالوم كاذباً إلى داود بأنه نذر نذراً إن أرجعه داود لأورشليم وعفا عنهُ يذهب إلى حبرون ويقدم ذبائح وداود فرح بالتأكيد لتدين إبنه فسمح لهُ.

 

الآيات (10-12) :-

وأرسل ابشالوم جواسيس في جميع أسباط إسرائيل قائلا إذا سمعتم صوت البوق فقولوا قد ملك ابشالوم في حبرون. وانطلق مع ابشالوم مئتا رجل من أورشليم قد دعوا وذهبوا ببساطة ولم يكونوا يعلمون شيئا. وأرسل ابشالوم إلى اخيتوفل الجيلوني مشير داود من مدينته جيلوه إذ كان يذبح ذبائح وكانت الفتنة شديدة وكان الشعب لا يزال يتزايد مع ابشالوم.

وضع إبشالوم خطته لإنتزاع العرش وقد أحكمها تماماً.

1-   هو بدأ سابقاً بإستمالة الجماهير.

2-   يعلن توليه الحكم فى حبرون حيث ملك داود      7 سنة وهناك يجمع كل من يؤيده.

3- صوت البوق هو بديل التليفون والتليغراف الآن فهناك نافخى أبواق فى كل مكان وحينما يضرب بالبوق فى حبرون تضرب كل الأبواق وينتشر الخبر فى دقائق فى كل إسرائيل وحينما يُسمع البوق فالجواسيس المنتشرون يقولون أن إبشالوم قد ملك ويفرح الناس بمن أحبوه وربما تصوّر الناس أن داود مات أو تنازل عن الحكم لإبنه إبشالوم. فينادى به كل إسرائيل ملكاً فى وقت واحد.

4- أخذ إبشالوم معهُ إلى حبرون 200 من عظماء المملكة فيبدو أمام الناس فى حبرون أنهم موافقين على ملكه أى أن داود قد وافق بالإضافة إلى أنه يحرم داود من التشاور مع رجاله المخلصين فى هذه الساعات الحرجة.

5- إستعان إبشالوم بشخص ذكى جداً هو أخيتوفل توسم فيه الرغبة مع القدرة على خيانة داود، وهو فى هذا يشبه بيهوذا فى خيانته لسيدة كما تشابها فى طريقة موتهما (مز9:41 + يو18:13). وغالباً فإن داود كان قد أستغنى عن أخيتوفل لأنه إكتشف مكره ودهائه. وغالباً فإن أخيتوفل هو العقل المدبر لهذه المؤامرة. وغالباً فأخيتوفل هو جد بثشبع وربما حزن لمؤامرة داود ضد أوريا زوجها
(2صم 3:11 + 2صم 34:32)

6-   يهجم إبشالوم على قصر داود ويقتله ويعلن موته.

الآيات (13،14) :-

فأتى مخبر إلى داود قائلا إن قلوب رجال إسرائيل صارت وراء ابشالوم. فقال داود لجميع عبيده الذين معه في أورشليم قوموا بنا نهرب لأنه ليس لنا نجاة من وجه ابشالوم أسرعوا للذهاب لئلا يبادر ويدركنا وينزل بنا الشر ويضرب المدينة بحد السيف.

داود المملوء من روح الله أدرك الخطة وهرب سريعاً قبل أن يقتل فوجود داود حياً وهو يعلن أنه لم يتخلى عن العرش سيسبب مشاكل لإبشالوم.

ولكن بالتأكيد فداود فى هذه اللحظات الصعبة تذكر النبوة "لا يفارق السيف بيتك" ومن الناحية الأخرى كانت خطة داود ناجحة إذ أعطته الوقت ليجمع قواته فى مواجهة إبشالوم ويضرب المدينة بحد السيف: داود فى ضيقته يهتم بالمدينة وأن لا تسيل دماء بريئة.

 

آية (17) :-

وخرج الملك وكل الشعب في أثره ووقفوا عند البيت الأبعد.

البيت الأبعد: خرج الملك وكل رجاله فى أثره ووقفوا عند آخر بيت من بيوت المدينة ليعبر أمامهُ كل رجاله ويطمئن عليهم، هو أخذ معهُ كل من يريد أن يتبعه ومن لا يريد تركه لإبشالوم المعجب به ومن المؤكد أن من إختار إبشالوم سيعانى منه كثيراً بعد ذلك. وهكذا المسيح يريدنا أن نهرب معهُ من خطايا العالم ومن الشيطان ولكن من يريد أن يبقى مع الشيطان فليفرح به للحظة ولكن بعد ذلك تقع عليه الآلام. ومن تبع داود فى ضيقته هم عبيده الأمناء الذين حملوا معهُ الصليب وهم سيتمجدون معهُ. ولقد رتل داود المزمور الثالث فى هذه المناسبة.

 

الآيات (18-22) :-

وجميع عبيده كانوا يعبرون بين يديه مع جميع الجلادين والسعاة وجميع الجتيين ست مئة رجل أتوا وراءه من جت وكانوا يعبرون بين يدي الملك. فقال الملك لاتاي الجتي لماذا تذهب أنت أيضا معنا ارجع وأقم مع الملك لأنك غريب ومنفي أيضا من وطنك
. إمسا جئت واليوم اتيهك بالذهاب معنا وأنا انطلق إلى حيث انطلق ارجع ورجع اخوتك الرحمة والحق معك. فأجاب اتاي الملك وقال حي هو الرب وحي سيدي الملك انه حيثما كان سيدي الملك أن كان للموت أو للحياة فهناك يكون عبدك أيضا. فقال داود لاتاي اذهب واعبر فعبر اتاي الجتي وجميع رجاله وجميع الأطفال الذين معه.

عندما هرب داود إلى جت نظم جيش قوامه 600 جندى وأقام لهم إتاى الجتى قائداً لهم وغالباً إستمرت هذه الفرقة مع داود فى ملكه على حبرون ثم على أورشليم على كل إسرائيل وكانوا يتكونون من إسرائيليين وجتيين. وهناك من رأى أن إتاى الجتى هو إبن أخيش ملك جت الذى أحب داود. وفى فترة إقامة داود فى جت إنجذب إليه إتاى وتبعه هو ورجاله الجتيين ثم تهودوا بعد أن ملك داود. ولاحظ رقة مشاعر داود وأنه لا يريد أن يرهق إتاى معهُ وهو غريب ولكن إتاى رفض أن يترك داود فى ضيقته فتشبه براعوث. وعزى الله قلب داود على عقوق إبنه بإخلاص إتاى. ومن ناحية الرمز فإبشالوم ومن معهُ يشبهون اليهود الذين رفضوا المسيح وإتاى ورجاله يشبهون الأمم الذى قبلوا الآلام مع المسيح ولم يتركوه بل خرجوا معه خارج المحلة يحملون عاره. (عب13:13). وفى أية (18) بين يديه: كان داود قائداً منظماً محنكاً حتى فى ساعة الهرب يرتب جيشه ويمرون بين يديه كقائد يرتبهم ولا يعبر إلاّ بعدهم وفى (19) أقم مع الملك: عجيب أن يسمى داود إبشالوم الملك فهو الملك الآن ومعنى أية (20) لا يليق أن أحملك بكل هذه الأتعاب والمخاطر.

 

آية (23) :-

وكانت جميع الأرض تبكي بصوت عظيم وجميع الشعب يعبرون وعبر الملك في وادي قدرون
 وعبر جميع الشعب نحو طريق البرية.

الشعب يبكى وداود يعبر وادى قدرون. وبنات أورشليم بكوا والمسيح يحمل الصليب كما عبر إبن داود أيضاً وادى قدرون لينطلق للآلامات (يو1:18).

 

الآيات (24-29) :-

وإذا بصادوق أيضا  جميع اللاويين معه يحملون تابوت عهد الله فوضعوا تابوت الله
وصعد ابياثار حتى انتهى جميع الشعب من العبور من المدينة. فقال الملك لصادوق ارجع تابوت الله إلى المدينة فان وجدت نعمة في عيني الرب فانه يرجعني و يريني إياه
 ومسكنه. وأن قال هكذا أنى لم اسر بك فهانذا فليفعل بي حسبما يحسن في عينيه. ثم قال الملك لصادوق الكاهن اانت راء فارجع إلى المدينة بسلام أنت واخيمعص ابنك ويوناثان بن ابياثار ابناكما كلاهما معكما. انظروا أنى اتوانى في سهول البرية حتى تأتى كلمة منكم لتخبيري. فارجع صادوق وابياثار تابوت الله إلى أورشليم وأقاما هناك.

أتى الكهنة بالتابوت وراء داود لعلمهم أن داود يملك بأمر الله عكس هذا المتمرد إبشالوم ولكن داود رفض تحريك التابوت وراءهُ مؤمناً أن الله إن كان يريده سيعيده ثانية لأورشليم مستسلماً إستسلاماً كاملاً لإرادة الله. وهو خشى أن يصيب التابوت شئ وفى (27) أأنت راءٍ: راءٍ هنا ليست بمعنى نبى إنما تعنى أن يكون لداود كعين ليرى ماذا يفعل إبشالوم ويخبر داود. وجاءت الترجمة فى أماكن كثيرة ألست أنت راءٍ أى ألست أنت قادر أن ترى ماذا يحدث وفى (28) يتضح كلام داود أن صادوق يرى ماذا يحدث ويُرسل له فى سهول البرية من يخبره وداود سوف يتوانى أى ينتظر بعض الوقت حتى تأتى رسالة من صادوق.

 

الآيات (30-37) :-

وأما داود فصعد في مصعد جبل الزيتون كان يصعد باكيا ورأسه مغطى ويمشي حافيا
وجميع الشعب الذين معه غطوا كل واحد رأسه وكانوا يصعدون وهم يبكون. واخبر داود وقيل له أن اخيتوفل بين الفاتنين مع ابشالوم فقال داود حمق يا رب مشورة اخيتوفل.
ولما وصل داود إلى القمة حيث سجد لله إذا بحوشاي الاركي قد لقيه ممزق الثوب
والتراب على رأسه. فقال له داود إذا عبرت معي تكون علي حملا. ولكن إذا رجعت إلى المدينة وقلت لابشالوم أنا أكون عبدك أيها الملك أنا عبد أبيك منذ زمان والان أنا عبدك فانك تبطل لي مشورة اخيتوفل. أليس معك هناك صادوق وابياثار الكاهنان فكل ما تسمعه من بيت الملك فاخبر به صادوق وابياثار الكاهنين. هوذا هناك معهما ابناهما اخيمعص لصادوق ويوناثان لابياثار فترسلون على أيديهما إلى كل كلمة تسمعونها. فأتى حوشاي صاحب داود إلى المدينة وابشالوم يدخل أورشليم.

صعد داود باكياً: فالموقف صعب، ولم نسمع أن داود بكى حينما هرب من شاول لكنه قطعاً يبكى لخيانة إبنه لهُ وإبنهُ الذى يحبه. وهو قال "خطيتى أمامى فى كل حين" لذلك نفهم أن بكاء داود كان لأنه علم أن كل هذه الآلام بسبب خطيته وقلب مثل هذا يغفر لهُ الله "حولى عنى عينيك فإنهما قد غلبتانى". وفى (31) يظهر أن داود يعرف دهاء أخيتوفل ويصلى أن يحمق الله مشورته وفى (32) داود يسجد فهو إعتاد الصلاة وعجيبة الإستجابة الفورية لصلاته إذ إستجاب الله بإرسال حوشاى الأركى الذى سيبطل مشورة أخيتوفل. ولاحظ صلاة داود أن يحمق الرب مشورة أخيتوفل فى آية (31) وفى آية (32) الإستجابة السريعة لله. وعموماً فهذه حكمة إلهية عند داود أن يرسل رجلاً حكيماً مثل حوشاى ليبطل مشورة رجل داهية مثل أخيتوفل. ويبدو أن حوشاى كان غائباً حين هرب داود وحينما علم بالخبر أتى إليه فى حزن شديد ولكن داود أقنعه أن بقائه بجانب أخيتوفل وإبشالوم أفضل، فضلاً عن أن سنه الكبير سيعوق حركتهم وكانت محبة حوشاى بلسماً لجراح داود.

عموماً فالمزامير التى أنشدها داود أثناء هربه تظهر أنه لم يفقد رجاءه فى الرب مدركاً أن كل هذه الآلام إنما هى تأديب لهُ، هذا التسليم لإرادة الله هو سر عظمة داود.


 

الإصحاح السادس عشر

الآيات (1-4) :-

ولما عبر داود قليلا عن القمة إذا بصيبا غلام مفيبوشث قد لقيه بحمارين مشدودين عليهما مئتا رغيف خبز ومئة عنقود زبيب ومئة قرص تين وزق خمر. فقال الملك لصيبا ما لك وهذه فقال صيبا الحماران لبيت الملك للركوب والخبز والتين للغلمان ليأكلوا والخمر ليشربه من اعيا في البرية. فقال الملك وأين ابن سيدك فقال صيبا للملك هوذا هو مقيم في أورشليم لأنه قال اليوم يرد لي بيت إسرائيل مملكة أبى. فقال الملك لصيبا هوذا لك كل ما لمفيبوشث فقال صيبا سجدت ليتني أيجد نعمة في عينيك يا سيدي الملك.

كانت هذه مؤامرة من صيبا ليغتصب أملاك مفيبوشث. لقد أدرك صيبا أن داود رجل قوى وأن محنته هى عابرة ولذا أسرع لهُ بهدية حمارين محملين وقولهُ للغلمان: أى الهدية بسيطة لا تستحق أن تقدم للملك بل هى لعبيده وقولهُ غلمان نوع من الإحترام لهم. ثم شوه صورة مفيبوشث أمام داود. وكلمات صيبا غير معقولة فكيف يستلم الحكم وهو أعرج أمام إبشالوم المحبوب جماهيرياً ذو الشكل الجميل وبقوته وسلطانه بل الذى عَرِفَ كيف يغتصب الحكم من داود نفسه وإنطلقت الحيلة على داود فأعطى صيبا كل الحقول. وما فائدة هذه التجربة لداود:-

1- داود شرب من كأس الخيانة التى سقاها لأوريا فهو خان أوريا والآن الكل يخونه.

2- إكتشف داود بعد ذلك خداع صيبا لهُ فتعلم أن لا يصدر أحكاماً متسرعة.

3- إستخدم الله صيبا إعالة داود ورجاله فى وقت حرج كما عال الغراب إيليا.

الآيات (5-14) :-

ولما جاء الملك داود إلى بحوريم إذا برجل خارج من هناك من عشيرة بيت شاول اسمه شمعي بن جيرا يسب وهو يخرج. ويرشق بالحجارة داود وجميع عبيد الملك داود وجميع الشعب وجميع الجبابرة عن يمينه وعن يساره. و هكذا كان شمعي يقول في سبه اخرج اخرج يا رجل الدماء ورجل بليعال. قد رد الرب عليك كل دماء بيت شاول الذي ملكت عوضا عنه وقد دفع الرب المملكة ليد ابشالوم ابنك وها أنت واقع بشرك لأنك رجل دماء. فقال ابيشاي ابن صروية للملك لماذا يسب هذا الكلب الميت سيدي الملك دعني اعبر فاقطع رأسه. فقال الملك ما لي ولكم يا بني صروية دعوه يسب لان الرب قال له سب داود ومن يقول لماذا تفعل هكذا. وقال داود لابيشاي و لجميع عبيده هوذا ابني الذي خرج من احشائي يطلب نفسي فكم بالحري الان بنياميني دعوه يسب لان الرب قال له. لعل الرب ينظر الى مذلتي و يكافئني الرب خيرا عوض مسبته بهذا اليوم. وإذ كان داود ورجاله يسيرون في الطريق كان شمعي يسير في جانب الجبل مقابله ويسب وهو سائر ويرشق بالحجارة مقابله ويذري التراب. وجاء الملك وكل الشعب الذين معه وقد اعيوا فاستراحوا هناك

كان بين شمعى وبين داود ورجالهُ وادٍ وكان يرشقهم بالحجارة وغالباً كانت الحجارة لا تصل لداود لكن هى علامة غيظ، أمّا الكلمات فمسموعة وكلها كذب وكراهية مسموعة فداود لم يغتصب الملك من شاول ولم يقاتله ولم يسفك دم إنسان من بيت شاول بل أكرم مفيبوشث وقتل قاتل إيشبوشث ومن إدعى أنه قتل شاول. ومنع داود أبيشاى من قتل شمعى وحَسِب شتائم شمعى إهانات هو يستحقها وإن كان بريئاً منها فهو برئ من دم شاول لكنه ليس بريئاً من دم أوريا لذلك قال "الرب قال لهُ سب داود". وعدم إنتقام داود ممن أهانه يشبه منع المسيح لبطرس من إستعمال سيفه. إهانات شمعى لداود كانت بالنسبة لداود دواء يتقبله برضى وشكر ليغتصب مراحم الله. وكلمات صيبا المتملقة أضرت داود فأصدر حكماً خاطئاً أمّا إهانات شمعى فإعتبرها  علامة محبة من الله لأن من يحبه الرب يؤدبه وحسب الفرصة فرصة تذلل أمام الله ليطلب مراحمه. وكان لهُ منطق إن كان إبشالوم إبنى خاننى وأنا لا أريد الإنتقام منه فلماذا أنتقم من هذا البنيامينى (شمعى قطعاً سبب حقده أن المُلْك فارق بيت بنيامين).

 

الآيات (15-19) :-

وأما ابشالوم وجميع الشعب رجال إسرائيل فأتوا إلى أورشليم واخيتوفل معهم. ولما جاء حوشاي الاركي صاحب داود إلى ابشالوم قال حوشاي لابشالوم ليحي الملك ليحي الملك. فقال ابشالوم لحوشاي أهذا معروفك مع صاحبك لماذا لم تذهب مع صاحبك. فقال حوشاي لابشالوم كلا ولكن الذي اختاره الرب وهذا الشعب وكل رجال إسرائيل فله أكون
ومعه أقيم. وثانيا من اخدم أليس بين يدي ابنه كما خدمت بين يدي أبيك كذلك أكون بين يديك.

أية (18) تظهر حكمة حوشاى فهو يقصد داود، لكن من يسمعه يظن أنه يقصد إبشالوم فهو لم يكذب ولكنه بحكمة أجاب. ومن المؤكد أن إبشالوم لم يختاره الرب لكنه لكبرياء قلبه ظن أن الكلام لهُ وأنه أصبح مختار الرب وإقتنع إبشالوم بمبررات حوشاى.

 

الآيات (20-23) :-

وقال ابشالوم لاخيتوفل أعطوا مشورة ماذا نفعل. فقال اخيتوفل لابشالوم ادخل إلى سراري أبيك اللواتي تركهن لحفظ البيت فيسمع كل إسرائيل انك قد صرت مكروها من أبيك فتتشدد أيدي جميع الذين معك. فنصبوا لابشالوم الخيمة على السطح ودخل ابشالوم إلى سراري أبيه أمام جميع إسرائيل. وكانت مشورة اخيتوفل التي كان يشير بها في تلك الأيام كمن يسال بكلام الله هكذا كل مشورة اخيتوفل على داود وعلى ابشالوم جميعا.

عند الأمم الوثنية يأخذ الملك المنتصر سرارى الملك المهزوم وزوجاته ولكن لم يحدث أن أخذ إبن سرارى أبيه فهذا إنحطاط لم يحدث حتى عند الوثنيين. وفى (23) كمن يسأل بكلام الله: كان إبشالوم يسمع لأخيتوفل حاسباً مشورته كمن يسأل كلام الله (2صم23:16) مع أنها كانت مشورات شريرة من قبل إبليس تحمل حكمة أرضية شهوانية. والشئ الكريه أن يحدث ما حدث أمام الجماهير على السطح فى خيمة على السطح نصبوها خصيصاً لذلك ليشاهد الشعب إبشالوم داخلاً على سرارى أبيه (وهذا شئ لا يحدث حتى بين بعض الحيوانات) وحكمة أخيتوفل الشيطانية أنه أراد أن يظهر أن الكراهية بين إبشالوم وأبيه داود بلغت أشدها وأنه لا مصالحة بينه وبين أبيه وأنه الملك المسيطر على كل شئ حتى على سرارى أبيه. ولعل أخيتوفل أقنع إبشالوم بهذا لكنه كان يضمر شيئاً آخر فهو أشار بهذا خشية أن يحن الإبن يوماً لأبيه ويتصالحوا فيصير موقفه هو حرجاً كخائن لداود وبهذه المشورة صار السيف قوياً فى يد إبشالوم ضد أبيه وفى يد داود ضد إبنه. ولاحظ أن هذا حدث على السطح حيث تمشى داود ليختلس النظر إلى بثشبع. ونلاحظ أن داود كان يستشير الله وكهنته يسألون لهُ ولم نسمع أن إبشالوم صلّى أو سأل الله بل كان يسأل أخيتوفل وحوشاى ومشورات أخيتوفل كلها شر (وزنا) ومشورات حوشاى كانت بحكمة ضده وهو لا يعرف. لذلك فلنسأل الله ولا نسأل إنسان.


 

الإصحاح السابع عشر

الآيات (1-4) :-

وقال اخيتوفل لابشالوم دعني انتخب اثني عشر ألف رجل وأقوم وأسعى وراء داود هذه الليلة. فأتى عليه وهو متعب ومرتخي اليدين فأزعجه فيهرب كل الشعب الذي معه واضرب الملك وحده. وأرد جميع الشعب إليك كرجوع الجميع هو الرجل الذي تطلبه فيكون كل الشعب في سلام. فحسن الأمر في عيني ابشالوم وأعين جميع شيوخ إسرائيل

 

ملك داود على حبرون        7 سنة دون أن يتعجل الحكم على كل إسرائيل مع أنه لهُ وعد من الله ولكنه بإيمان

واثق فى الله إنتظر أن يحقق الله وعده أمّا هذا الشاب العاق فتعجل كل شئ حتى قتل أبيه. وكانت مشورة أخيتوفل لتحقيق هدف إبشالوم ألا وهو قتل داود هى أن يسرعوا باللحاق بداود وهو متعب هو والشعب الذين معهُ وبسبب الإرهاق الشديد والمفاجأة وقبل أن يستقر داود لينظم جيشه ويدبر أموره يضطرب الكل ويتركونه، فيبقى داود وحدهُ: فأُزعجه فيهرب كل الشعب الذى معهُ وأضرب الملك وحدهُ: أى يقتله. ويرجع باقى الشعب إلى إبشالوم أى بقية الرجال وبقية الشعب الذين كانوا مازالوا وراء داود حين يجدونه قد مات يرضوا بالأمر الواقع ويدينوا بالولاء لإبشالوم [وكان فى تصوّر أخيتوفل أن الأمر لا يحتاج سوى لـ 12,000 رجل]. كرجوع الجميع هو الرجل الذى تطلبه: لأن موت الرجل الذى تطلبه معناه رجوع الجميع للإلتفاف حولك. فيكون الشعب فى سلام: لأن قتل داود سيتسبب فى أن يتفرق رجاله ويتشتتوا ولا تصير هناك حرب طويلة كالتى كانت بين بيت شاول وبيت داود. وفى أية (14) يقول الكتاب أن هذه المشورة كانت صالحة. وصالحة ليست معناها أنها بحسب إرادة الله ولكن بمعنى أنها صائبة وكانت ستؤدى فعلاً لمقتل داود فداود كان منهك فعلاً هو ورجاله وكانوا غير قادرين على الحرب وكانت المفاجأة ستكون قاتلة لهم. ولكن صلاة داود أبطلت هذه المشورة وحمقتها أى جعلت حكمة أخيتوفل حماقة ولم يؤخذ بها. والعجيب أن يقول أخيتوفل أرد جميع الشعب: فهو إعتبر أن من وراء داود هم خارجين عن القانون ومرتدين عن الملك إبشالوم. وهناك تأمّل روحى فى قول أخيتوفل أن موت داود يكون فيه سلام للشعب وداود كرمز للمسيح كان موتهُ سلاماً للعالم والله إستخدم هذا الشرير أخيتوفل: أخ الحماقة ليعلن هذه النبوة كما إستخدم قيافا رئيس الكهنة لإعلان نبوة مماثلة (يو11: 49-52).

 

آية (5) :-

فقال ابشالوم ادع أيضا حوشاي الاركي فنسمع ما يقول هو أيضا.

هذا تدبير الله فالله له أدواته ويرسل الله مع التجربة المنفذ. وبحكمة تكلم حوشاى.

 

الآيات (7-13) :-

فقال حوشاي لابشالوم ليست حسنة المشورة التي أشار بها اخيتوفل هذه المرة. ثم قال حوشاي أنت تعلم أباك ورجاله انهم جبابرة وأن أنفسهم مرة كدبة مثكل في الحقل وأبوك رجل قتال ولا يبيت مع الشعب. هاهو الان مختبئ في إحدى الحفر أو أحد الأماكن ويكون إذا سقط بعضهم في الابتداء أن السامع يسمع فيقول قد صارت كسرة في الشعب الذي وراء ابشالوم. أيضا ذو الباس الذي قلبه كقلب الأسد يذوب ذوبانا لان جميع إسرائيل يعلمون أن أباك جبار والذين معه ذوو باس. لذلك أشير بان يجتمع إليك كل إسرائيل من دان إلى بئر سبع كالرمل الذي على البحر في الكثرة وحضرتك سائر في الوسط. و نأتي إليه إلى أحد الأماكن حيث هو وننزل عليه نزول الطل على الأرض ولا يبقى منه ولا من جميع الرجال الذين معه واحد. وإذا انحاز إلى مدينة يحمل جميع إسرائيل إلى تلك المدينة حبالا فنجرها إلى الوادي حتى لا تبقى هناك و لا حصاة.

حوشاى أراد أن يعطى فرصة لداود لينظم نفسه وفرصة ليخبره فلا يفاجأ. وبحكمة أجاب حوشاى أى كان كلامهُ مقنعاً لمن سمعوه وملخص ما قاله:-

1- أن داود رجل حرب وهو بالتأكيد أعد عدته لمثل مشورة أخيتوفل ومؤكد أنه لن يبيت وسط رجالهُ بل سيختفى فى شق أو مغارة فى الجبل يصعب إكتشافها وستقوم حرب طاغية بين رجال داود ورجال إبشالوم بلا فائدة لأنهم لم يجدوا داود ويبقى داود لينغص على إبشالوم فهناك جمهور مؤيد لداود.

2- أن إبشالوم يواجه داود وهو رجل حرب يخطط جيداً فينبغى التروى حتى لا ينهزم جيش إبشالوم فيفقد الشعب الثقة فيه. وخبر أى هزيمة ينتقل بسرعة (هذا معنى أية 9).

3- أن داود الجريح ورجاله الآن ليسوا ضعفاء فهم أنفسهم مرة كدبة مثكل فى الحقل والجندى الجريح نفسياً يحارب بقوة وضراوة. فإذا كان أصلاً جبار (أية 10) فكم وكم تكون قوتهم. والهزيمة الأولى ستلقى الرعب فى قلوب رجال إبشالوم (أية 10).

4- إبشالوم الآن كملك شعبه يمتد من دان إلى بئر سبع فليستخدم إمكانياتهم ويعد جيش كبيراً جداً ولا يكتفى بـ 12,000 حتى لا يتعرضوا للهزيمة وينزل كالطل على الأرض (مثل يدل على كثرة عدد الجيش). وإن إختبأ فى مدينة: وإذا إنحاز إلى مدينة: أى إذا إختبأ داود داخل أسوار مدينة فليدمروا هذه المدينة ولا يتركوا حجراً على حجر (معنى أية 12) وعجيب أن يفرح إبشالوم بهذا الحل أن يدمر مدينة بشعبها. وداود هرب من أورشليم حتى لا يضربها إبشالوم بحد السيف، هذا هو الفارق بين الراعى الحقيقى والذئب (يو10: 10-12).

5- حتى يجد الكلام صدى فى نفسية هذا الشاب المتكبر الأرعن ضرب حوشاى على وتر حساس. فبعد أن تجمع يا مولاى هذا الجيش الجبار وحضرتك سائر فى الوسط (أية 11) وتركه يتيه فخراً وزهواً بنفسه متصوراً هذا المنظر العظيم أنه فى وسط جيش من مئات الألوف يقودهم ليبيدوا كل رجال داود ولا يبقى منهم واحد (أية 12) ومن السهل جداً أن يُخدع الإنسان المتكبر، فقط بأن تقول لهُ ما يشبع كبرياءهُ أمّا المتواضع فلا يمكن خداعه بهذا.

هذه النقاط التى أثارها حوشاى أرعبت إبشالوم من التسرع وأشبعت كبرياءهُ ولم يُدرك أن كثيرين مازالوا متعلقين ببطلهم داود لكى يتعلق الكل به فهذا يحتاج لوقت طويل. فالله الذى سمح بمشورة أخيتوفل ها هو يبطلها  بمشورة حوشاى ليعطى النصرة لداود ورجاله الأمناء، هذه هى يد الله العاملة عبر الأجيال لحساب مؤمنيه.

 

الآيات (15،16) :-

وقال حوشاي لصادوق وابياثار الكاهنين كذا وكذا أشار اخيتوفل على ابشالوم وعلى شيوخ إسرائيل و كذا وكذا أشرت أنا. فالان أرسلوا عاجلا واخبروا داود قائلين لا تبت هذه الليلة في سهول البرية بل اعبر لئلا يبتلع الملك وجميع الشعب الذي معه.

نفذ حوشاى الجزء الأول من الخطة وأبطل مشورة أخيتوفل والآن يُرسِلْ لداود خبراً بكل ما حدث خلال الكهنة، وقد إستخدم الله الشعب والكهنة الرجال والنساء، الشيوخ والشبان لتحقيق هذا الهدف، ليعلن أن الكنيسة جسد واحد. ولقد طلب حوشاى من داود أن يهرب هذه الليلة ويعبر الأردن ولا يبيت فى شرق الأردن لأنه خاف أن يعود إبشالوم ويقبل خطة أخيتوفل.

ملحوظة:- الذى يبدو على الظاهر أن إبشالوم قد إمتلك وهو الأقوى والذين هم لداود هم قلة هاربين منهكين ومن الذى يسانده الآن فى أورشليم حوشاى والكاهنين وجارية وغلام كما سنرى ولكن ليس كل هؤلاء الذين يساندون داود بل الله هو الذى يحرك كل هؤلاء لذلك قال إليشع "الذين معنا أكثر من الذين علينا".

 

آية (17) :-

وكان يوناثان واخيمعص واقفين عند عين روجل فانطلقت الجارية وأخبرتهما وهما ذهبا واخبرا الملك داود لأنهما لم يقدرا أن يريا داخلين المدينة.

إنطلقت جارية من قبل الكاهنين الشيخين صادوق وأبياثار إلى إبنيهما الكاهنين الشابين الذين كانا واقفين عند عين روجل. وهى تظاهرت بأنها ذاهبة لتستسقى. والكاهنين لم يقدروا أن يظهرا فى أورشليم داخل المدينة حتى لا يثير خروجهما إستفسارات أو ربما منعوهما من الخروج. وكانت خطة محكمة أن يختبئ الكاهنان الشابين عند العين. وحوشاى يبلغ الكاهنين الكبيرين وهما يرسلان الجارية إلى خارج أورشليم عند العين لتستسقى وتبلغهم وهم يذهبون إلى داود. والكاهنين الشابين لم يقدروا أن يريا: لأنهما كانا معروفين أنهما من رجال داود وتابعيه.

 

آية (18) :-

فراهما غلام واخبر ابشالوم فذهبا كلاهما عاجلا ودخلا بيت رجل في بحوريم وله بئر في داره فنزلا إليها.

ومع كل هذا فإن غلام (جاسوس غالباً) رآهما وأخبر رجال إبشالوم فإنطلقوا وراءهما ليمسكوهما، وكأن مع كل عمل نتوقع مقاومة من عدو الخير من حيث لا ندرى، لذا لن تنجح أى خطة بشرية مهما أحكمت ما لم تتدخل عناية الله ونعمته. ولهُ بئر فى دارِهِ: البئر هى مكان لحفظ ماء المطر وتخزينه يناظر الصهريج الآن. وهى كانت جافة.

 

آية (20) :-

فجاء عبيد ابشالوم إلى المرأة إلى البيت و قالوا أين اخيمعص ويوناثان فقالت لهم المرأة قد عبرا قناة الماء ولما فتشوا ولم يجدوهما رجعوا إلى أورشليم.

واضح أن المرأة كذبت والكذب لا يمكن تبريره. وكان الله يمكن أن يعمل بالصدق فمثلاً كان يمكن أن تقول لا أعلم كما قال المسيح حين سألوه عن اليوم الأخير.

 

آية (22) :-

فقام داود وجميع الشعب الذي معه وعبروا الأردن وعند ضوء الصباح لم يبق أحد لم يعبر الأردن.

لم يبق أحد لم يعبر الأردن: إذا فهمنا أن داود يرمز للمسيح فهذه تشبه "الذين فى يدى لم يهلك منهم أحد". المهم أن نتبعه كما تبعه أولئك.

 

آية (23) :-

وأما اخيتوفل فلما رأى أن مشورته لم يعمل بها شد على الحمار وقام وانطلق إلى بيته إلى مدينته وأوصى لبيته وخنق نفسه ومات ودفن في قبر أبيه.

أخيتوفل أى أخ الحماقة وأى حماقة أكثر من أن يموت الشخص منتحراً. وهو إنتحر من أجل كرامته الذاتية فقد قبلوا مشورة حوشاى وتركوا مشورته والأهم أنه علم أن مشورة حوشاى ستؤدى إلى هلاك إبشالوم ويعود داود ليعاقبه كخائن. وصار أخيتوفل هذا رمزاً ليهوذا الذى خان سيده وخنق نفسه وأوصى لبيته: كتب وصيته.

 

آية (24) :-

وجاء داود إلى محنايم وعبر ابشالوم الأردن هو وجميع رجال إسرائيل معه.

عبر داود ورجاله نهر الأردن إلى محنايم وهى مدينة عند تخم جاد الشمالى ومدينة مناسبة لداود بسبب حصونها.

 

 

آية (25) :-

وأقام ابشالوم عماسا بدل يواب على الجيش وكان عماسا ابن رجل اسمه يثرا الإسرائيلي الذي دخل إلى ابيجايل بنت ناحاش اخت صروية أم يواب.

قيل فى ناحاش أنه إسم آخر ليسى أو هو إسم زوجة يسى ولكن الحل المتفق عليه من الأغلبية أنهُ بعد موت ناحاش أخذ يسى أرملته فولدت لهُ داود وإخوته فكانت أبيجايل وصروية أختيهم لأمهم وليس لأبيهم.

 

الآيات (27-29) :-

وكان لما جاء داود إلى محنايم ان شوبي بن ناحاش من ربة بني عمون وماكير بن عميئيل من لودبار وبرزلاي الجلعادي من روجليم. قدموا فرشا وطسوسا وآنية خزف وحنطة وشعيرا ودقيقا وفريكا وفولا وعدسا وحمصا مشويا. وعسلا و زبده و ضانا و جبن بقر لداود و للشعب الذي معه لياكلوا لانهم قالوا الشعب جوعان ومتعب وعطشان في البرية.

قدم محبى داود لهُ مائدة فترنم بالمزمور (23) "ترتب لى مائدة تجاه مضايقىّ". داود أخطأ كثيراً فى قضية أوريا. والله حقاً غفر له ولكن الله يؤدب من يحبه. فالزنا دخل بيته والسيف دخل بيته وها هو شمعى يشتمه وابشالوم ابنه يقوم بثورة دموية ضده. وأخيتوفل يخونه والشعب يتخلى عنه وهو يهرب حافياً بل ويمرض بعد ذلك (مز 41،55). وابن الخطية يموت. ولكن الله يعطى مع التجربة المنفذ فشماله تحت رأس (التأديب) ويمينه تعانقنى (التعزيات) والتعزيات هى مسكنات للنفس المتألمة وسط التجارب. فلقد أظهر حوشاى الأركى وأتاى الجتى محبتهم وكذلك صادوق وابياثار. وهنا نجد من يحبونه ويقابلونه بطعام له ولرجاله الجائعين.   


 

الإصحاح الثامن عشر

فى خلال أسلبيع قليلة من مُلك إبشالوم كان قد جمع جيشاً جراراً من كل إسرائيل وعبر الأردن (14:17) لمحاربة داود ورجاله طالباً قتل داود بالذات. لذلك قيل لا يوجد مثيل لكراهية إبن لأبيه مثل كراهية إبشالوم ولا يوجد مثيل لحب أبوى مثل حب داود لإبشالوم فنحن نرى أن إبشالوم لا يطلب قتل أحد سوى داود وداود مع كل هذا يوصى رجاله بإستحياء إبشالوم (5:18). وخرج داود ظافراً من هذه المعركة رمزاً لإنتصار المسيح فى معركة الصليب فكما هاج إبشالوم على أبيه وجمع كل هذا الجيش الضخم ضده هكذا فعل إبليس المتكبر وهزمه المسيح بصليب تواضعه.

 

الآيات (1-5) :-

وأحصى داود الشعب الذي معه وجعل عليهم رؤساء ألوف ورؤساء مئات. وأرسل داود الشعب ثلثا بيد يواب وثلثا بيد ابيشاي ابن صروية أخي يواب وثلثا بيد اتاي الجتي وقال الملك للشعب أنى أنا أيضا اخرج معكم. فقال الشعب لا تخرج لأننا إذا هربنا لا يبالون بنا وإذا مات نصفنا لا يبالون بنا والآن أنت كعشرة آلاف منا والآن الاصلح أن تكون لنا نجدة من المدينة. فقال لهم الملك ما يحسن في أعينكم افعله فوقف الملك بجانب الباب وخرج جميع الشعب مئات وألوفا. وأوصى الملك يواب وابيشاي واتاي قائلا ترفقوا لي بالفتى ابشالوم وسمع جميع الشعب حين أوصى الملك جميع الرؤساء بابشالوم.

كان داود هنا يحصى رجاله لا لمعرفة عددهم بل لتنظيم جيشه فى محنايم، ويقدر يوسيفوس عددهم بحوالى 4000 نسمة بينما يذهب البعض أنه وصل العدد إلى 10,000 بناء على قول الشعب والآن أنت كعشرة الآف منّا (3) والمقصود بهذا أن إبشالوم وجيشه سيفرحون بقتلك أكثر ممّا سيفرحون بقتل 10,000 من رجال داود. وداود قسم الجيش ثلاث فرق وكان يريد أن يخرج هو للحرب على رأس القادة الثلاث (يوآب وأبيشاى وإتّاى) إنى أيضاً أخرج معكم. ولكن الشعب أى رجاله منعوهُ لأنهم عرفوا مشورة أخيتوفل وتوصيته بقتل داود شخصياً وأنه لو سقط داود لسقط الجيش كله. ولكن إن حدث وهُزِم الجيش يرسلون لداود فى المدينة فيسارع بتدبير نجدة تصل لهم ويسندهم بمشورته وتدبيره: والآن الأصلح أن تكون لنا نجدة فى المدينة. وكان هذا بتدبير إلهى لأن الله أراد أن يعاقب إبشالوم بالقتل ولو وُجِدَ داود فى الميدان لمنعهم من قتله، وقد وافق داود على عدم الذهاب لكنه أوصى رجالهُ بأن يترفقوا بإبشالوم وهذه وصية أب وليست وصية قائد عسكرى. فعسكرياً قتل إبشالوم ينهى المعركة. وإذا كانت  هذه هى مشاعر داود نحو إبنه فكم وكم تكون مشاعر أبينا السماوى. وطلب داود العفو عن إبنه يشبه طلب المسيح المغفرة لصالبيه.

 

 

 

الآيات (6-8) :-

وخرج الشعب إلى الحقل للقاء إسرائيل وكان القتال في وعر افرايم. فانكسر هناك شعب إسرائيل أمام عبيد داود وكانت هناك مقتلة عظيمة في ذلك اليوم قتل عشرون ألفا. وكان القتال هناك منتشرا على وجه كل الأرض وزاد الذين أكلهم الوعر من الشعب على الذين أكلهم السيف في ذلك اليوم.

وخرج الشعب إلى الحقل: لقد طلب داود لجيشه أن يكون القتال خارج محنايم حتى لا يصيب أهل محنايم أى إضطراب وقد إستضافوه هو ورجاله، هذه هى رقة مشاعر داود وهذه هى تصرفات الراعى الصالح. وكان القتال فى وعر إفرايم إفرايم غرب الأردن وهذا المكان شرق الأردن فلماذا سمى كذلك؟ فى هذا المكان إنهزم الإفراميون حينما حاربوا يفتاح وأهل جلعاد (قض6:12). وزاد الذين أكلهم الوعر: الوعر المقصود به الوحوش والحفر والأشجار مثلما حدث لإبشالوم  نفسه ولماذا لم يضر الوعر ويهلك رجال داود؟ السبب أن الله ضدهم فهم فى ثورة على ملك إختاره الله وهى ثورة بلا سبب وكأن الطبيعة ذاتها ثارت ضد هذا الشرير كما حدث أثناء الصليب من ظلمة وخلافه.

 

آية (9) :-

وصادف ابشالوم عبيد داود وكان ابشالوم راكبا على بغل فدخل البغل تحت أغصان البطمة العظيمة الملتفة فتعلق رأسه بالبطمة وعلق بين السماء والأرض والبغل الذي تحته مر.

يقول يوسيفوس أن شعر إبشالوم تشابك بأغصان بطمة عظيمة بسبب طوله وغزارته. وربما قد حدث هذا إلاّ أن الكتاب لم ينص صراحة على أن شعره هو الذى تعلق بأغصان البطمة بل رأسه ويبدو أن رأسه إنحشر فى أغصان البطمة ممّا عرضه للموت فقد مرت البغلة من تحته وظل جسمه معلقاً فى الهواء كما المشنوق ومن المؤكد أنه ظل يحاول أن يتعلق بيديه لكن كان موقفه صعباً وكاد أن يموت ويوآب هو الذى أجهز عليه فهو حين ضربه بالسهام كان بعد حى (أية 14) وقولهُ كان بعد حى يشير إلى أنه لو كان قد تُرِكَ لمات وحده مخنوقاً.

 

الآيات (10-15) :-

فراه رجل واخبر يواب وقال أنى قد رأيت ابشالوم معلقا بالبطمة. فقال يواب للرجل الذي اخبره انك قد رايته فلماذا لم تضربه هناك إلى الأرض وعلي أن أعطيك عشرة من الفضة ومنطقة. فقال الرجل ليواب فلو وزن في يدي ألف من الفضة لما كنت أمد يدي إلى ابن الملك لان الملك أوصاك في آذاننا أنت وابيشاي واتاي قائلا احترزوا أيا كان منكم على الفتى ابشالوم. وإلا فكنت فعلت بنفسي زورا إذ لا يخفى عن الملك شيء وأنت كنت وقفت ضدي. فقال يواب أنى لا اصبر هكذا أمامك فاخذ ثلاثة سهام بيده ونشبها في قلب ابشالوم وهو بعد حي في قلب البطمة. وأحاط بها عشرة غلمان حاملو سلاح يواب وضربوا ابشالوم وأماتوه.

غضب يوآب من الذى أخبرهُ أنه رأى إبشالوم هكذا لأنه لم يقتله فيوآب يعرف أن بقاء إبشالوم فيه خطر على حياة داود وموته ينهى الحرب ويأتى بالسلام فقال للرجل أنه مستعد أن يعطيه 10 شواقل فضة: وهذه أجرة كاهن ميخا فى السنة (قض10:17) إذاً هى مبلغ محترم. ومنطقة مطرزة: هذه مثل الوسام العسكرى الآن. وإلاّ فكنت فعلت بنفسى زوراً: هذه تعنى لو كنت قتلت إبشالوم لكنت عرضت حياتى للخطر، أو إرتكبت فى حق حياتى شخصياً شئ خاطئ فأنا أعلم أن الملك منع قتل إبشالوم لا يخفى عن الملك شئ: هى شهادة عن حكمة داود وفطنته بالإضافة أن الكل سيخبرون الملك بما حدث. وأنت كنت وقفت ضدى: هى شهادة أن يوآب لا يمكن الوثوق به، أى أن الملك حين يحقق فى مقتل إبشالوم ربما شهد يوآب ضد هذا الجندى وقد ينفذ فيه الإعدام بنفسه. وفى (14) أنى لا أصبر هكذا أمامك: يوآب يدرك قيمة الوقت فلم يريد إضاعة الوقت فى الحديث. وفى (15) عشرة غلمان يضربونه: من المؤكد أن ضربة يوآب وحدها كانت كافية فهو كان شبه ميت فلماذا يأمر عشرة رجال بضربه. من المؤكد أن هذا حتى تضيع المسئولية فضربة من هى التى قتلته وداود لا يمكن أن يأمر بإعدام 11 فرد منهم قائد الجيش.

 

هزيمة إبشالوم ورجاله أمام داود ترمز لمعركة الصليب

1- بقى إبشالوم بين السماء والأرض معلقاً على شجرة (خشبة) والخشبة إشارة إلى الصليب الذى جعل الشيطان معلقاً بين السماء والأرض إذ ليس لهُ مكان فى السماء ولا الأرض باقية لهُ.

2- لقد قام رب المجد يسوع على الصليب بكل العمل وترك الشيطان معرضاً لسهام كل المؤمنين (يوآب يمثل الجبابرة والغلمان يمثلون البسطاء فى الإيمان). ضرب المجد بصليبه لم يقتل وينهى الشيطان تماماً بل كما كان بقاء إبشالوم خطراً ينبغى أن يواجهه يوآب وغلمانه بسهامهم هكذا قَيّدَ رب المجد إبليس تاركاً إياه لسهام صلوات وإيمان شعبه.

3- الشعر (الجسد الجميل) الذى كان لإبشالوم كان سبب هلاكه. هكذا لو أسأنا إستخدام أجسادنا وأستسلمنا لإرضاء غرائزنا يكون جسدنا سبب هلاكنا.

4- كان مكان الحرب خارج المدينة ونحن فلنخرج خارج المدينة حاملين عاره (عب13:13) أى نعتزل المجتمع الشرير، نعتزل خطاياه ولا نتشبه به ونقبل أى إهانة تأتى إلينا حاسبين أن كل إهانة هى مجد لنا.

 

آية (16) :-

وضرب يواب بالبوق فرجع الشعب عن اتباع إسرائيل لان يواب منع الشعب.

طالما مات إبشالوم فلا داعى لمزيد من الدماء وإلاّ تحولت لحرب أهلية طاحنة. ومن الناحية الرمزية فبعد الصليب كان هناك بوق الكرازة ببشارة الخلاص ونهاية عدو الخير.

 

الآيات (17،18) :-

واخذوا ابشالوم وطرحوه في الوعر في الجب العظيم وأقاموا عليه رجمة عظيمة جدا من الحجارة وهرب كل إسرائيل كل واحد إلى خيمته. وكان ابشالوم قد اخذ وأقام لنفسه وهو حي النصب الذي في وادي الملك لأنه قال ليس لي ابن لأجل تذكير اسمي ودعا النصب باسمه وهو يدعى يد ابشالوم إلى هذا اليوم.

لقد أقام إبشالوم نصباً تذكارياً لنفسه مجداً لهُ وهو يدّعى يد إبشالوم لأنه أقيم بيد إبشالوم أى بقوة إبشالوم لذلك ربما صوروا عليه صورة يد. والآن ماذا تبقى سوى رُجمة من الحجارة شهادة لنهايته الإليمة عقوبة لهُ لجحوده وتمرده وصار النصب تذكاراً وعبرة للحادثة ولكل من تسول له نفسه ممارسة العقوق. وهكذا كل إبن عاق على الله أبيه يفقد كرامته كإبن للملك.

 

الآيات (19-33) :-

وقال اخيمعص بن صادوق دعني اجر فابشر الملك لان الله قد انتقم له من أعدائه. فقال له يواب ماأنت صاحب بشارة في هذا اليوم في يوم أخر تبشر وهذا اليوم لا تبشر من اجل أن ابن الملك قد مات. وقال يواب لكوشي اذهب واخبر الملك بما رأيت فسجد كوشي ليواب وركض. وعاد أيضا اخيمعص بن صادوق فقال ليواب مهما كان فدعني اجر أنا أيضا وراء كوشي فقال يواب لماذا تجري أنت يا ابني وليس لك بشارة تجازى. قال مهما كان اجري فقال له اجر فجرى اخيمعص في طريق الغور وسبق كوشي. وكان داود جالسا بين البابين وطلع الرقيب إلى سطح الباب إلى السور ورفع عينيه ونظر وإذا برجل يجري وحده. فنادى الرقيب واخبر الملك فقال الملك أن كان وحده ففي فمه بشارة وكان يسعى ويقرب. ثم رأى الرقيب رجلا أخر يجري فنادى الرقيب البواب وقال هوذا رجل يجري وحده فقال الملك وهذا أيضا مبشر. وقال الرقيب أني أرى جري الأول كجري اخيمعص بن صادوق فقال الملك هذا رجل صالح ويأتي ببشارة صالحة. فنادى اخيمعص وقال للملك السلام وسجد للملك على وجهه إلى الأرض وقال مبارك الرب إلهك الذي دفع القوم الذين رفعوا أيديهم على سيدي الملك. فقال الملك إسلام للفتى ابشالوم فقال اخيمعص قد رأيت جمهورا عظيما عند إرسال يواب عبد الملك وعبدك ولم اعلم ماذا. فقال الملك در وقف ههنا فدار ووقف. وإذا بكوشي قد أتى وقال كوشي ليبشر سيدي الملك لان الرب قد انتقم لك اليوم من جميع القائمين عليك. فقال الملك لكوشي إسلام للفتى ابشالوم فقال كوشي ليكن كالفتى أعداء سيدي الملك وجميع الذين قاموا عليك للشر. فانزعج الملك وصعد إلى علية الباب وكان يبكي ويقول هكذا وهو يتمشى يا ابني ابشالوم يا ابني يا ابني ابشالوم يا ليتني مت عوضا عنك يا ابشالوم ابني يا ابني.

Text Box:

واضح هنا محبة أخيمعص الكاهن لداود فهو يريد أن يكون أول من يبشره بالإنتصار. ولكنه لا يريد أن يحزنه على موت إبنه فقال ولم أعلم ماذا (29) ولذلك ولأن يوآب يعلم محبة داود لإبنه أراد أن يرحم أخيمعص الكاهن من غضبة داود. وأرسل كوشى وهو عبد ليوآب من كوش. ولاحظ أن أخيمعص جرى من طريق الغور: هو طريق وعر ولكنه أقصر وهو فضل هذا ليصل إلى داود  

أسرع. وكان داود جالساً بين البابين باب المدخل فكان مسقوف لهُ بابين

أحدهما تجاه البرية والآخر تجاه المدينة وطلع الرقيب إلى سطح الباب:

لينظر من بعيد ماذا يأتى من البرية وفى (25) إن كان وحدهُ ففى فمه بشارة: لأنه لو حدثت هزيمة لجيش داود لكان الهاربين كثيرين. وفى (27) هذا رجل صالح: هو رجل صالح ساعدهُ وأيدهُ فى محنته وهو عَرِف أن يوآب سيستخدم رجل صالح ليرسل ببشارة (الأخبار الطيبة) ونرى هنا مشاعر الأبوة. وهل من بكى على شاول ويوناثان وعلى أبنير لن يبكى على إبنه وربما بكاء داود عليه أنه مات دون توبة وربما لشعوره أنه أخطأ فى تربيته إذ دلله كثيراً.


 

الإصحاح التاسع عشر

الآيات (1-8) :-

فاخبر يواب هوذا الملك يبكي وينوح على ابشالوم. فصارت الغلبة في ذلك اليوم مناحة عند جميع الشعب لان الشعب سمعوا في ذلك اليوم من يقول أن الملك قد تأسف على ابنه. وتسلل الشعب في ذلك اليوم للدخول إلى المدينة كما يتسلل القوم الخجلون عندما يهربون في القتال. وستر الملك وجهه وصرخ الملك بصوت عظيم يا ابني ابشالوم يا ابشالوم ابني يا ابني. فدخل يواب إلى الملك إلى البيت وقال قد أخزيت اليوم وجوه جميع عبيدك منقذي نفسك اليوم وانفس بنيك وبناتك وانفس نسائك وانفس سراريك. بمحبتك لمبغضيك وبغضك لمحبيك لأنك أظهرت اليوم انه ليس لك رؤساء ولا عبيد لاني علمت اليوم انه لو كان ابشالوم حيا وكلنا اليوم موتى لحسن حينئذ الأمر في عينيك. فالان قم واخرج وطيب قلوب عبيدك لاني قد أقسمت بالرب انه أن لم تخرج لا يبيت أحد معك هذه الليلة ويكون ذلك اشر عليك من كل شر أصابك منذ صباك إلى الان. فقام الملك وجلس في الباب فاخبروا جميع الشعب قائلين هوذا الملك جالس في الباب فأتى جميع الشعب أمام الملك وأما إسرائيل فهربوا كل واحد إلى خيمته.

إعتبر يوآب حزن داود المفرط على إبنه العاق إبشالوم إهانة للشعب الذين خاطروا بحياتهم فى الحرب من أجله، وكانوا يتوقعون كلمة شكر وإحتفالاً بالإنتصار بفرح وبهجة، لذلك دخل يوآب إلى الملك ليتحدث معهُ ولكن بكلمات جارحة وفى غير لياقة بل بالغ فى كلامه إذ قال أن داود أبغض محبيه (6) فهذا لم يحدث وداود لم يبغض أحداً ولكنه صدق فى أنه أحب مبغضيه: فإبشالوم ورجاله أبغضوا داود ولو كان إبشالوم قد إنتصر لقتل داود وكل رجاله ونساؤه وأولاده. والحقيقة أن داود كان يليق به أن يتخلى عن المشاعر الشخصية والعائلية فحزنه الشديد على إبنه حطّم نفسية رجاله فهم ما كانوا يتوقعون ذلك. ولقد خشى يوآب أن تصرفات داود هذه تتسبب فى أن يهجره كل رجاله. لذلك هو هدد قائلاً لا يبيت أحد معك هذه الليلة (7): أى سنتخلى عنك كملك ونتركك. وفى (8) حين قام الملك وجلس كعادته عند الباب أتى جميع الشعب أمام الملك: ليفرحوا معهُ والمقصود بالشعب هنا مؤيدوه وجيشه الذين حاربوا إبشالوم. وأمّا إسرائيل فهربوا: المقصود بإسرائيل باقى الشعب الذى ناصر إبشالوم من يهوذا أو من الأسباط.

 

الآيات (9،10) :-

وكان جميع الشعب في خصام في جميع أسباط إسرائيل قائلين أن الملك قد أنقذنا من يد أعدائنا وهو نجانا من يد الفلسطينيين  الان قد هرب من الأرض لأجل ابشالوم. وابشالوم الذي مسحناه علينا قد مات في الحرب فالان لماذا انتم ساكتون عن إرجاع الملك.

وكان جميع الشعب فى خصام: كل يلقى اللوم على الآخر ويحملهُ مسئولية الموقف المربك الذين هم فيه الآن. فهم تذكروا الآن دور داود منذ صباه وكيف دافع عنهم ثم خدماته للشعب كملك ومع هذا إذ ثار عليه إبشالوم إنضموا إليه. وهم قد مسحوا إبشالوم رافضين داود. ولقد كان أكثرهم غيرة فى رفض داود سبط يهوذا نفسه والآن مات إبشالوم وداود غير موجود والأرض بلا ملك. والكل الآن فى حيرة كيف يتصرف وهم فى خجل من داود كيف يقابلونه بعد الذى فعلوه والفتنة التى أشعلوها. وكان داود قادراً أن يدخل أورشليم على رأس جيشه المنتصر ويأخذها بالقوة ولكنه فضّل أن يدخل كملك محبوب وليس كملك يملك عنوة، وهذا هو موقف المسيح بعد أن إنتصر لنا على إبليس "هأنذا واقف على الباب وأقرع، إن سمع أحد صوتى وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معهُ وهو معى (رؤ20:3). وفضل داود أن يدخل فى سلام ويملك فى حب لشعبه ومن شعبه وهذا لا يأتى بالسيف فهو حررهم ولا يكون مناسباً أن يستعبدهم ثانية حتى وإن كان لهُ. هو يتمنى أن يدخل دون أن يجد مقاومة من الشعب. يدخل فى كرامة وليس على رأس جيش بل بين أذرع شعبه. ونلاحظ هنا أن إسرائيل (الأسباط العشرة) كانوا أسبق من يهوذا فى قرارهم بعودة داود وقبوله ملكاً عليهم. ولقد شعر الملك بهذا فماذا يفعل الملك الحكيم ليجذب شعبه؟ (أية 11) (نش4:5).

 

الآيات (11-15) :-

وأرسل الملك داود إلى صادوق وابياثار الكاهنين قائلا كلما شيوخ يهوذا قائلين لماذا تكونون آخرين في إرجاع الملك إلى بيته وقد آتى كلام جميع إسرائيل إلى الملك في بيته. انتم اخوتي انتم عظمي ولحمي فلماذا تكونون آخرين في إرجاع الملك. وتقولان لعماسا أما أنت عظمي ولحمي هكذا يفعل بي الله وهكذا يزيد أن كنت لا تصير رئيس جيش عندي كل الأيام بدل يواب. فاستمال بقلوب جميع رجال يهوذا كرجل واحد فأرسلوا إلى الملك قائلين ارجع أنت وجميع عبيدك. فرجع الملك وأتى إلى الأردن وأتى يهوذا إلى الجلجال سائرا لملاقاة الملك ليعبر الملك الأردن.

لقد فعل داود ما يفعلهُ الروح القدس الآن عن طريق خدام الله فهو يدعو كل نفس قد أخطأت فى حق المسيح وفى حالة خجل من الرجوع، يدعوها للمصالحة مع الله (2كو5: 18-21). لذلك أرسل داود الكاهنين صادوق وأبياثار [المسيح يرسل كهنته وخدامه من أجل نفس المهمة] فيهوذا فى موقف حرج لكن داود يبدأ ويزيل الحرج. بل يرسل لعماسا قائد الجيش الذى حاربهُ يتصالح معهُ وواعداً أن يعينه قائداً مكان يوآب. هو يريد أن يتصالح مع الجميع ويحاول أن يستميل قلوب الجميع. ويذكر الكل أنه من عظمه ولحمه (وهكذا يقول المسيح لنا) ولقد إستجاب يهوذا وتحرك الملك للأردن.

ملحوظة :- ربما أراد داود أن يتخلص من يوآب لقتله أبنير وإبشالوم ثم حديثه معهُ بطريقة خشنة، ولأنه يحمل ذلة على داود فى موضوع أوريا أعطته أن يفعل هذا.

تأمل :- من كان فينا كعماسا لهُ دور قيادى شرير لحساب إبليس (إبشالوم) فالمسيح قادر على أن يحولهُ بنعمته الإلهية ليصير قائداً لحساب ملكوت المسيح. هكذا فعل المسيح مع بولس الرسول.

 

الآيات (16-23) :-

فبادر شمعي بن جيرا البنياميني الذي من بحوريم ونزل مع رجال يهوذا للقاء الملك داود.
ومعه ألف رجل من بنيامين وصيبا غلام بيت شاول وبنوه الخمسة عشر وعبيده العشرون معه فخاضوا الأردن أمام الملك. وعبر القارب لتعبير بيت الملك ولعمل ما يحسن في عينيه وسقط شمعي بن جيرا أمام الملك عندما عبر الأردن. وقال للملك لا يحسب لي سيدي أثما ولا تذكر ما افترى به عبدك يوم خروج سيدي الملك من أورشليم حتى يضع الملك ذلك في قلبه. لان عبدك يعلم أنى قد أخطأت وهانذا قد جئت اليوم أول كل بيت يوسف ونزلت للقاء سيدي الملك. فأجاب ابيشاي ابن صروية وقال إلا يقتل شمعي لأجل هذا لأنه سب مسيح الرب. فقال داود ما لي ولكم يا بني صروية حتى تكونوا لي اليوم مقاومين اليوم يقتل أحد في إسرائيل افما علمت أنى اليوم ملك على إسرائيل. ثم قال الملك لشمعي لا تموت وحلف له الملك.

ومعهُ 1000 رجل: شمعى بن جيرا هو الذى شتم داود فى محنته نجده الآن معهُ 1000 رجل إذاً هو كان زعيم قوى. وصيبا وأولاده خاضوا الأردن أمامه: عبروا من الغرب إلى الشرق حيث داود ليكونوا فى صحبة داود وهو عائد إلى الغرب. وقطعاً هم فعلوا هذا لأن شمعى خائف من إنتقام داود وصيبا خائف من إنكشاف خدعته لداود فى موضوع مفيبوشث [فى يوم مجئ المسيح فى مجده نجد أن الخطاة الذين أنكروه والذين أهانوه يقولون للجبال والصخور أسقطى علينا وإخفينا عن وجه الجالس على العرش (رؤ6: 16،17)]. ولقد رأى أبيشاى أن الوقت مناسب للإنتقام من شمعى، أمّا داود فحسب أن الوقت هو وقت فرح وتضميد للجراح وقت حب وسماحة وعفو وهو بعفوه عن شمعى إكتسب قلوب كل شعب بنيامين. وإستراحت قلوب الأسباط الأخرى لأنه لو بدأ داود بالإنتقام ممن شتمه فسينتقم من كل من أثار الفتنة ولصارت حرب أهلية دموية، هذه هى حكمة الملوك المملوئين من روح الله فهم لا يحولون كل نجاح أو إنتصار لطلب سلطة بل يحول السلطة إلى حب ورعاية ويثور هنا سؤال. ولماذا إذ عفا داود هنا عن شمعى بن جيرا يعود ويطلب من سليمان إبنه حين ملك أن يقتل شمعى عقاباً لهُ. (1مل2: 8،9).

1- داود سامح بشخصه أى سامح شمعى على الإهانة التى لحقت بشخصه ولكنه كمسيح الرب لا يجوز إهانته فإهانته إهانة للرب. فهنا العقوبة لأنه سب مسيح الرب (لو16:10 + جا20:10). وهكذا عاقب الله مريم أخت موسى مع أن موسى سامحها. داود يرمز للمسيح على الأرض الذى قال ما جئت لأدين أحد وسليمان يرمز للمسيح فى مجده فى السماء والآب قد أعطى كل الدينونة للأبن.

2- من الناحية الرمزية :- لقد طلب سليمان بحكمته (التى أخذها من الله) أن يقيم شمعى داخل أورشليم وإن خرج منها يُقتل. فحين خرج قُتِلَ. هنا نرى أن داود حين سامح شمعى يمثل المسيح الذى سامح صالبيه قائلاً: "يا أبتاه إغفر لهم" فهل غفر الله لكل من سامحهُ المسيح على الصليب؟ قطعاً لا. فالمسيح أعطى إمكانية الغفران بدمِه لمن يستحق. ومن هو الذى يستحق؟ هو من يتوب توبة حقيقية. وهل تاب شمعى؟ بالقطع لا فهو يفعل ما يفعله مجرد خوف وتظاهر بالإحترام للملك فقط خوفاً من بطش الملك ربما وصل للملك داود أخبار عن رفض شمعى لهُ بعد ذلك أو سخريته منهُ. وداود حين طلب أن يعاقب شمعى يمثل المسيح فى مجده كديان للجميع يعاقب كل من لم يحيا حياة التوبة. فهو على الصليب أعطى إمكانية الغفران وأمّا حين يطلب العقاب فى مجده حين يأتى على السحاب كديان فهو سيعاقب كل من لم يستفيد بإمكانية هذا الدم. وكيف نستفيد؟ أن نبقى داخل جسد المسيح ثابتين "إثبتوا فىّ وأنا أيضاً فيكم" ورمز ذلك هنا أن يبقى شمعى داخل أورشليم وتكون عقوبته إن خرج.

 

الآيات (24-30) :-

ونزل مفيبوشث ابن شاول للقاء الملك ولم يعتن برجليه ولا اعتنى بلحيته ولا غسل ثيابه من اليوم الذي ذهب فيه الملك إلى اليوم الذي أتى فيه بسلام. فلما جاء إلى أورشليم للقاء الملك قال له الملك لماذا لم تذهب معي يا مفيبوشث. فقال يا سيدي الملك أن عبدي قد خدعني لان عبدك قال اشد لنفسي الحمار فاركب عليه و اذهب مع الملك لان عبدك اعرج. ووشى بعبدك إلى سيدي الملك وسيدي الملك كملاك الله فافعل ما يحسن في عينيك. لان كل بيت أبى لم يكن إلا أناسا موتى لسيدي الملك وقد جعلت عبدك بين الآكلين على مائدتك فآي حق لي بعد حتى اصرخ أيضا إلى الملك. فقال له الملك لماذا تتكلم بعد بامورك قد قلت انك أنت وصيبا تقسمان الحقل. فقال مفيبوشث للملك فليأخذ الكل أيضا بعد أن جاء سيدي الملك بسلام إلى بيته.

هنا تكشفت خدعة صيبا لداود. فهو ترك مفيبوشث العاجز دون دابة يركبها أو يعينه فهو أعرج وذهب ليكذب على داود. وداود عاتب مفيبوشث على عدم خروجه معهُ ومن محبته أعطاه الفرصة للدفاع عن نفسه. وحينما أدرك داود ما حدث لم يُصّر على موقفه بل أعاد تقسيم الحقول بينهما وداود لم يعاقب صيبا بل أعطاه نصف الحقول لأنه لم ينحاز لصف إبشالوم بل حمل لهُ طعاماً وتبعه فى ضيقته. فهو إذ صنع معهُ معروفاً وقت شدته يذكرهُ لهُ حتى وإن إستعمل الخداع. ولاحظ محبة مفيبوشث لداود فهو لم يعتنى برجليه العاجزة ولا بلحيته حزناً على ما حدث لداود وها هو يستقبله فَرِحاً مفضلاً أن يذهب كل شئ لصيبا لكن أن يكون داود سالماً.

 

الآيات (31-39) :-

ونزل برزلاي الجلعادي من روجليم وعبر الأردن مع الملك ليشيعه عند الأردن. وكان برزلاي قد شاخ جدا كان ابن ثمانين سنة وهو عال الملك عند أقامته في محنايم لأنه كان رجلا عظيما جدا. فقال الملك لبرزلاي اعبر أنت معي وأنا أعولك معي في أورشليم. فقال برزلاي للملك كم أيام سني حياتي حتى اصعد مع الملك إلى أورشليم. أنا اليوم ابن ثمانين سنة هل أميز بين الطيب والرديء وهل يستطعم عبدك بما أكل وما اشرب وهل اسمع أيضا أصوات المغنين والمغنيات فلماذا يكون عبدك أيضا ثقلا على سيدي الملك. يعبر عبدك قليلا الأردن مع الملك ولماذا يكافئني الملك بهذه المكافأة. دع عبدك يرجع فأموت في مدينتي عند قبر أبى وأمي وهوذا عبدك كمهام يعبر مع سيدي الملك فافعل له ما يحسن في عينيك. فأجاب الملك أن كمهام يعبر معي فافعل له ما يحسن في عينيك و كل ما تتمناه مني افعله لك. فعبر جميع الشعب الأردن والملك عبر و قبل الملك برزلاي وباركه فرجع إلى مكانه.

داود هنا كرمز للمسيح نراه يهتم بكل النفوس :-

1- يهوذا :-          الكنيسة ككل التى هى جسده من لحمه ومن عظمه.

2- عماسا :-          كل من تمرد ضده حتى وإن كان قائداً لفتنة يريد أن يجعله خادماً لهُ.

3- شمعى :-          ويمثل النفوس الساقطة التى تابت.

4- صيبا :-           ويمثل النفوس التى كذبت وخدعت وها هى أتية بالتوبة.

5- مفيبوشث :-       ويمثل النفوس المحطمة والمظلومة.

6- برزلاى :-                 ويمثل النفوس التقية المنشغلة بخروجها من هذا العالم.

7- كمهام :-          ويمثل النفوس حديثة الإيمان.

وبالنسبة لبرزلاى فقد أراد داود أن يكافئه على حسن صنيعه معهُ (2صم17: 27-29) ولكن برزلاى إعتذر لكبر سنه وأرسل إبنه كمهام عوضاً عنهُ. وقد أوصى داود به سليمان (1مل7:2) ويبدو أنه جعلهُ حاكماً فى بيت لحم (أر17:41).

 

الآيات (40-43) :-

وعبر الملك إلى الجلجال وعبر كمهام معه وكل شعب يهوذا عبروا الملك وكذلك نصف شعب إسرائيل. وإذا بجميع رجال إسرائيل جاءون إلى الملك وقالوا للملك لماذا سرقك اخوتنا رجال يهوذا وعبروا الأردن بالملك وبيته وكل رجال داود معه. فأجاب كل رجال يهوذا رجال إسرائيل لان الملك قريب إلى ولماذا تغتاظ من هذا الأمر هل أكلنا شيئا من الملك أو وهبنا هبة* 43 فأجاب رجال إسرائيل رجال يهوذا وقالوا لي عشرة اسهم في الملك وأنا أحق منك بداود فلماذا استخففت بي ولم يكن كلامي أولا في إرجاع ملكي و كان كلام رجال يهوذا أقسى من كلام رجال إسرائيل.

لقد تأخر رجال يهوذا حتى أرسل لهم داود ربما لخجلهم ولكن حين قرروا رجوعه تعجلوا وأتوا وأخذوه قبل أن يصل شيوخ إسرائيل (10 أسباط) ممّا تسبب فى فتنة جعلت شيوخ الأسباط يقولون أنتم سرقتموهُ لأنهم حسبوا ذهاب يهوذا وعبور الملك مع يهوذا نهر الأردن دون إنتظارهم إهانة لهم وإستخفافاً بهم. وكان رد رجال يهوذا قاس جداً سجله الكتاب لسببين :- 1- الله لا يحب الردود القاسية ويسجلها لنعرف عدم رضائه عن ذلك.

2- الردود القاسية تسبب شقاقاً بين الأخوة وهذا ما حدث. وكان هذا بداية لشقاق بين يهوذا وباقى الأسباط. لأن الملك قريب لى هو من سبط يهوذا سبطنا فهو قريب لنا بالجسد. هل أكلنا شيئاً من الملك أو وهبنا هبة: إننا لم نَسْتفِدْ منهُ شيئاً شخصياً ولا هو أطعمنا بزيادة. هو رد جاف مثير للغيظ وقد حدث.


 

الإصحاح العشرون

الآيات (1،2) :-

واتفق هناك رجل لئيم اسمه شبع بن بكري رجل بنياميني فضرب بالبوق وقال ليس لنا قسم في داود ولا لنا نصيب في ابن يسى كل رجل إلى خيمته يا إسرائيل. فصعد كل رجال إسرائيل من وراء داود إلى وراء شبع بن بكري وأما رجال يهوذا فلازموا ملكهم من الأردن إلى أورشليم.

ها هو السيف لا يرضى أن يفارق بيت داود تأديباً لهُ على قتل أوريا فنجد المأساة تلو المأساة. فبسبب مشكلة يهوذا مع باقى الأسباط (19: 40-43) وردهم القاسى ولاحظ أن إسرائيل يقولون نحن أسباط: لى عشرة أسهم فى الملك (43:19) وأمّا أنتم فسبط واحد. ويهوذا يردون ونحن الأقرب. لذلك نشأ الخلاف الذى أدى لهذا التمرد. وربما لهذا السبب ثار شبع بن بكرى البنيامينى ضد داود وأثار إسرائيل بسرعة فائقة ليبقى رجال يهوذا وحدهم مع داود. ولكن يبدو أن من تبع شبع عدد قليل. وقول شبع ليس لنا قسم فى داود هى رد على قول يهوذا أن داود هو قريب إلىّ (42:19) لقد قالوا سابقاً لنا 10 أسهم ولكن بذور الشقاق كانت قد وضعت. وشبع بن بكرى هو بنيامينى المولد لكنه كان ساكناً فى جبل إفرايم (2صم21:20). كل رجل إلى خيمته: إلى مسكنه والمعنى رفض حكم داود على الأسباط العشرة. ولكنهم لم يذهبوا إلى بيوتهم بل تجمعوا للحرب. وقَوْلِهِ إتفق هناك: أى فى الجلجال حيث حدثت الخصومة بين يهوذا وإسرائيل واضح أن ما يحدث ليس بالأمر الطبيعى فالشعب يتقلب بسرعة عجيبة فهم كانوا وراء داود وإنقلبوا عليه وتبعوا إبشالوم ثم عادوا لداود ثم تبعوا شبع. فالبشر لهم ميول متقلبة وهم ليسوا بروح واحد لكن لماذا يحدث ذلك؟ هو بسماح إلهى لأجل تأديب داود وحتى تبقى الخطية التى سقط فيها مَرّةّ فى فمه مُرّةْ فلا يعود لها ثانية.

 

آية (3) :-

وجاء داود إلى بيته في أورشليم واخذ الملك النساء السراري العشر اللواتي تركهن لحفظ البيت
وجعلهن تحت حجز وكان يعولهن ولكن لم يدخل إليهن بل كن محبوسات إلى يوم موتهن في عيشة العزوبة.

حبس داود السرارى لأنهن غالباً إستسلّمن لإبشالوم ببساطة حاسبات أن داود ذهب للأبد. وعموماً كان من غير اللائق أن يرجعن إليه بعد أن دخل عليهن إبشالوم.

 

آية (4) :-

وقال الملك لعماسا اجمع لي رجال يهوذا في ثلاثة أيام واحضر أنت هنا.

كلّف داود عماسا بجمع جيش سريعاً من يهوذا، على أن يتم هذا فى غضون 3 أيام فداود كقائد محنك رأى أن هذه الفتنة إن لم تضرب سريعاً جداً لصارت كالورم السرطانى ينتشر فى الأمة كلها فتضيع الأمة كلها. والأمر خطير لا يحتمل أى تأخير. ونجد أن داود وفّى بوعده لعماسا أن يجعله قائداً للجيش وعموماً فخلافاته مع يوآب معروفة، بل ربما أن إختياره لعماسا قائد جيش إبشالوم يعطى صورة لداود أنه القائد المتسامح الذى عفا فتتحسن صورته أمام العشرة أسباط.

 

الآيات (6-10) :-

فقال داود لابيشاي الان يسيء الينا شبع بن بكري اكثر من ابشالوم فخذ أنت عبيد سيدك
واتبعه لئلا يجد لنفسه مدنا حصينة وينفلت من أمام أعيننا. فخرج وراءه رجال يواب الجلادون والسعاة وجميع الأبطال وخرجوا من أورشليم ليتبعوا شبع بن بكري. ولما كانوا عند الصخرة العظيمة التي في جبعون جاء عماسا قدامهم وكان يواب متنطقا على ثوبه الذي كان لابسة وفوقه منطقة سيف في غمده مشدودة على حقوي فلما خرج اندلق السيف. فقال يواب لعماسا أسالم أنت يا أخي وأمسكت يد يواب اليمنى بلحية عماسا ليقبله. وأما عماسا فلم يحترز من السيف الذي بيد يواب فضربه به في بطنه فدلق أمعاءه إلى الأرض و لم يثن عليه فمات وأما يواب وابيشاي أخوه فتبعا شبع بن بكري.

كان كل تأخير فى جمع الجيش وضرب شبع بن بكرى يزيد خطورة الأمر فتزداد قوة شبع. فلماّ تأخر عماسا طلب داود من أبيشاى أن يلحق هو بشبع. فخرج أبيشاى مع يوآب ورجالهما. وفى (8) جاء عماسا قدامهم: كان عماسا قد جمع جيشاً فى بنيامين بعدما كان قد جمع رجال يهوذا وكان راجعاً إلى أورشليم فإلتقى الجيشان عند الصخرة العظيمة التى فى جبعون. فلما خرج إندلق السيف دبّر يوآب هذا بوضعه السيف بطريقة تجعله ينزلق وهو متقدم لمقابلة عماسا وحين تقدم ليقبل عماسا إندلق السيف وإنحنى ليلتقطه فلم يشك عماسا فى شئ فهجم عليه وقتله. فلأن داود لم يعاقبه على قتل أبنير ها هو يكرر نفس الشئ مع عماسا وبنفس الوضاعة. والعجيب أن الوقت الذى قتل فيه عماسا هو وقت غير مناسب على الإطلاق فهو وقت حرب وليس وقت إثارة فتنة قد تعرضهم للإنشقاق. بل إن ما عمله فيه تحدٍ واضح للملك الذى عيّن عماسا قائداً للجيش ولكن حسد يوآب طغى على كل شئ. وداود لا يستطيع أن يعاقب فهو قد إستخدمه فى قتل أوريا. وشخصية يوآب شخصية محيرة فهو مع كل دمويته وعنفه فهو أمين جداً تجاه الملك والمملكة بل قتل إبشالوم ولم يبالى بأوامر الملك لأن قتل إبشالوم فيه فائدة للمملكة.

 

الآيات (11-13) :-

ووقف عنده واحد من غلمان يواب فقال من سر بيواب ومن هو لداود فوراء يواب. وكان عماسا يتمرغ في الدم في وسط السكة ولما رأى الرجل أن كل الشعب يقفون نقل عماسا من السكة إلى الحقل وطرح عليه ثوبا لما رأى أن كل من يصل إليه يقف. فلما نقل عن السكة عبر كل إنسان وراء يواب لاتباع شبع بن بكري.

من سُرّ بيوآب ومن هو لداود فوراء يوآب: لقد وقف رجال عماسا الذين جمعهم عماسا لصفه حين وجدوه مقتولاً لا يدرون ماذا يفعلون وهنا يوآب يُظْهِرْ نفسه أنه القائد بأمر داود. وربما أوحى لهم بهذه الكلمات أنه قتل عماسا لخيانته لداود وأنه هو رجل داود الأول والأمين لهُ. وحتى لا يتعطل الرجال عن متابعة شبع بن بكرى أزاح جثة عماسا إلى الحقل حتى لا يقف أمامها رجاله. فإنضم الجيشين وذهبا وراء شبع.

 

الآيات (14-17) :-

وعبر في جميع أسباط إسرائيل إلى ابل وبيت معكة وجميع البيريين فاجتمعوا وخرجوا ايضا وراءه. وجاءوا وحاصروه في ابل بيت معكة وأقاموا مترسة حول المدينة فأقامت في الحصار وجميع الشعب الذين مع يواب كانوا يخربون لأجل إسقاط السور. فنادت امرأة حكيمة من المدينة اسمعوا اسمعوا قولوا ليواب تقدم إلى ههنا فأكلمك. فتقدم إليها فقالت المرأة اانت يواب فقال أنا هو فقالت له اسمع كلام أمتك فقال أنا سامع.

وصل الجيش بقيادة يوآب وأبيشاى شمالاً لدينة سبط نفتالى هى آبل بيت معكة: وهى مدينة محصنة أى لها سور وإشتهرت المدينة بحكمة أهلها أقاموا مترسة حول المدينة: حينما شعر الرجال الذين تابعوا شبع بن بكرى بجيش يوآب وهو يعرفون جبروته إنفضوا من حوله ولم يتبق سوى عدد قليل دخلوا وإحتموا داخل أسوار مدينة آبل بيت معكة فحاصرها يوآب. والمترسة تعنى حائط أو سداً ترابياً يحميهم وبدأوا ينقبون فى السور لهدمه.

 

الآيات (18،19) :-

فتكلمت قائلة كانوا يتكلمون أولا قائلين سؤالا يسألون في ابل وهكذا كانوا انتهوا. أنا مسالمة أمينة في إسرائيل أنت طالب أن تميت مدينة وأما في إسرائيل لماذا تبلع نصيب الرب.

سؤالاً يسألونه فى أبل وهكذا كانوا إنتهوا: هذا مثل مشهور عن أبل معناه أن الناس يأتون إلى أآبل ليسألوا أهلها المشورة. أى هى مدينة مشهورة بالحكمة وهكذا إستقر الناس والجميع عرفوا حكمتنا ومشورتنا الصائبة المقنعة وكأنها تقول لهُ لماذا لم تأتِ إلينا بالتفاوض والتفاهم فنحن أناس مسالمون وحكماء. وأمّاً فى إسرائيل أى مدينة يخرج منها شعب ليؤسس مدناً أخرى. أو أن آبل كانت مدينة كبرى فى نفتالى ويتبعها مدن صغيرة كثيرة فهى لهم كالأم. لماذا تبلع نصيب الرب: بمعنى أنك تهاجم مدينة وهبها الله لنا كنصيب وميراث لأهلها. وها أنت تخربها. وبحسب الشريعة كان يلزمهُ أن يقدم السلام ويدخل فى حوار قبل أن يهاجم (تث10:20).

 

الآيات (20-26) :-

فأجاب يواب وقال حاشاي حاشاي أن ابلع وأن اهلك. الأمر ليس كذلك لان رجلا من جبل افرايم اسمه شبع بن بكري رفع يده على الملك داود سلموه وحده فانصرف عن المدينة فقالت المرأة ليواب هوذا رأسه يلقى إليك عن السور. فاتت المرأة إلى جميع الشعب بحكمتها فقطعوا راس شبع بن بكري والقوه إلى يواب فضرب بالبوق فانصرفوا عن المدينة كل واحد إلى خيمته وأما يواب فرجع إلى أورشليم إلى الملك. وكان يواب على جميع جيش إسرائيل وبنايا بن يهوياداع على الجلادين والسعاة. وادورام على الجزية ويهوشافاط بن اخيلود مسجلا. وشيوا كاتبا وصادوق وابياثار كاهنين. وعيرا اليائيري أيضا كان كاهنا لداود.

عيرا اليائيرى: أخذ منصب أبناء داود سابقاً (2صم18:8) إذ لم يعد داود يثق فى أبنائه.


 

الإصحاح الحادى والعشرون

الآيات (1-14) :-

وكان جوع في أيام داود ثلاث سنين سنة بعد سنة فطلب داود وجه الرب فقال الرب هو لأجل شاول ولأجل بيت الدماء لأنه قتل الجبعونيين. فدعا الملك الجبعونيين وقال لهم والجبعونيون ليسوا من بني إسرائيل بل من بقايا الاموريين وقد حلف لهم بنو إسرائيل وطلب شاول أن يقتلهم لأجل غيرته على بني إسرائيل ويهوذا. قال داود للجبعونيين ماذا افعل لكم وبماذا اكفر فتباركوا نصيب الرب. فقال له الجبعونيون ليس لنا فضة ولا ذهب عند شاول ولا عند بيته وليس لنا أن نميت أحدا في إسرائيل فقال مهما قلتم افعله لكم. فقالوا للملك الرجل الذي أفنانا والذي تأمر علينا ليبيدنا لكي لا نقيم في كل تخوم إسرائيل. فلنعط سبعة رجال من بنيه فنصلبهم للرب في جبعة شاول مختار الرب فقال الملك أنا أعطى. وأشفق الملك على مفيبوشث بن يوناثان بن شاول من اجل يمين الرب التي بينهما بين داود ويوناثان بن شاول. فاخذ الملك ابني رصفة ابنة أية اللذين ولدتهما لشاول ارموني ومفيبوشث وبني ميكال ابنة شاول الخمسة الذين ولدتهم لعدرئيل ابن برزلاي المحولي. وسلمهم إلى يد الجبعونيين فصلبوهم على الجبل أمام الرب فسقط السبعة معا وقتلوا في أيام الحصاد في أولها في ابتداء حصاد الشعير. فأخذت رصفة ابنة أية مسحا وفرشته لنفسها على الصخر من ابتداء الحصاد حتى انصب الماء عليهم من السماء ولم تدع طيور السماء تنزل عليهم نهارا ولا حيوانات الحقل ليلا. فاخبر داود بما فعلت رصفة ابنة أية سرية شاول. فذهب داود و اخذ عظام شاول
وعظام يوناثان ابنه من أهل يابيش جلعاد الذين سرقوها من شارع بيت شان حيث علقهما الفلسطينيون يوم ضرب الفلسطينيون شاول في جلبوع. فاصعد من هناك عظام شاول وعظام يوناثان ابنه وجمعوا عظام المصلوبين. ودفنوا عظام شاول ويوناثان ابنه في ارض بنيامين في صيلع في قبر قيس أبيه وعملوا كل ما أمر به الملك وبعد ذلك استجاب الله من اجل الأرض.

هذه قصة محزنة جداً من قصص الكتاب المقدس ونلاحظ الآتى :-

1- أهل جبعون خدعوا يشوع وإدّعوا أنهم من سكان بلد بعيد لأنهم خافوا أن يحرمهم يشوع أى يبيدهم. وأعطاهم يشوع عهداً وحلف لهم رؤساء الجماعة وعملوا معهم صلحاً (يش9) فعاشوا وسط الشعب وعينهم يشوع محتطبى حطب ومستقى ماء.

2- جاء شاول الملك فقتلهم عن غيرة وبجهالة لكى يستولى سبطه على مالهم دون مراعاة لقسم يشوع لهم. ولقد عانى الجبعونيين من شاول ورجاله الكثير إذ قتلوا منهم وطردوا البقية من موضعهم حانثين العهد المقام بين الشعبين. وربما فرح الشعب بما عَمِلَهُ شاول ورجاله فهم ورثوا أرضهم وأملاكهم. ولقد أخطأ شاول بفعله.

3- من أكثر الأشياء التى تغضب الله ظلم المساكين. فلأن أصدقاء أيوب ظلموه طلب الله من أيوب أن يصلى لهم فالله سيسامحهم إن باركهم أيوب المظلوم (أى42: 7-9) وراجع (مل2: 13،14). وشاول ظلم هؤلاء الجبعونيين الذين ذبحهم بلا سبب بينما أيضاً هم لهم وَعْدْ.

4- هذه المجاعة لم تُذْكر فى أثناء الحديث عن شاول فى (1صم) فالكتاب لم يسجل كل أخبار الملوك بل بعضاً منها لأجل تعليمنا. وفى (2) لأجل غيرته: هى ليست غيرة للرب بل تعصب لسبطه.

5- لقد حدثت مجاعة بسبب إنقطاع المطر 3 سنوات. والمجاعة كانت لكل سكان الأمة وهذا تعبير عن غضب الله على الظلم. والمجاعة مثلاً رهيباً للمسئولية القومية تجاه العهود المقطوعة. والعقوبة عامة فالشعب فرِح بأن ورث أرض الجبعونيين دون أن يتحرك ضمير أحد لأن (1) هناك ظلم على أبرياء. (2) هنا عهد وقسم مكسورين.

6-   متى حدثت هذه المجاعة؟ هناك رأيين :-

أ‌-  ربما حدثت بعد أحداث الإصحاح التاسع وقبل فتنة إبشالوم وبعد الخطية (خطية أوريا) وأصحاب هذا الرأى يبررونه بأن شمعى حين قال لداود "يا رجل الدماء" كان يقصد قتله الرجال السبعة من أبناء شاول الذين سلمهم داود للجبعونيين.

ب‌-  وربما حدثت هذه المجاعة بعد حادثة شبع بن بكرى أى فى أواخر أيام داود فتكون كل أيام ملكه بعد سقوطه فى موضوع أوريا أيام محزنة وهذه نتائج الخطية.

7- فى أية (1) فطلب داود وجه الرب: لقد أدرك داود أن وراء المجاعة سراً. لهذا سأل الرب عن سببها. لكن واضح أنه تأخّر فى السؤال. ولو أنه سأل مبكراً لإنتهت المجاعة مبكراً. ولكننا للأسف لا نلجأ سريعاً للرب بل بعد أن تفرغ حيلنا.

8- فى (1) الله يخبر داود بالسبب وهو ظلم شاول للجبعونيين. فحقاً شعب إسرائيل هو شعب الله ولكن هذا يعنى أنه به كانت خميرة الإيمان وليهيئ العالم لقبول المسيح. ولكن هذا لا يعنى أن الله لا يتعامل مع بقية الشعوب بل هو وبطرق متنوعة شرح للشعب أنه فى سبيله لقبول الأمم. والله ليس عنده محاباة. فالله لن يقبل ظلم أحد من بنى آدم. ومع أن شاول قد مات لكن الله لم يسكت على ظلم الجبعونيين. بل الله يسمح بمجاعة فى أرض تفيض لبناً وعسلاً وتحت حُكم أحسن وأقدس ملوك إسرائيل لأن هناك ظلماً واقع على أبرياء. إذاً ما حدث ليس صدفة ولا توجد صدفة فى حياتنا ولا هو راجع لظروف طبيعية قاسية فالطبيعة فى يد الله فهو ضابط الكل. وعلينا أن نفهم أن كل ما يقع فى حياتنا إنما هو بحسب تدبير إلهى عجيب لبنيان الكل.

9- قول داود ماذا أفعل لكم وبماذا أكفر فتباركوا نصيب الرب: معنى الكلام. ماذا أفعل لكم لأغطى (أكفر) على ما فعلناه بكم فلا يراه الرب ولا ترونه أنتم ثانية ويكون رضاكم سبباً لبركة الرب علينا.

10-         كانت طلبات الجبعونيين كالآتى :-

أ‌-          لم يطلبوا فضة أو ذهب ولم يستغلوا الموقف لكى يحصلوا على مصلحة مادية. أية (4).

ب‌-        لم يطلبوا سفك دم برئ: وليس لنا أن نميت أحداً فى إسرائيل أية (4).

ت‌-   طلبوا تأديب بيت شاول وصلب 7 رجال من بنيه. وهذا مبدأ كتابى عموماً أن الدم لا يُفدى بفضة بل بدم (تك 6:9 + عد31:35). لكن هذا المبدأ عن نفس القاتل وليس أبنائِهِ. وهم لم يحددوا أسماء لكى لا يحرجوا داود فهم يعلمون أنه يحمى نفس مفيبوشث خصوصاً أنه أقسم ليوناثان ولن يستطيع أن يحنث فى وعده.

ث‌-        هم يعفون داود من قيامه بالصلب حتى لا يتحرج لأنهم من شعبه وهم أمميون.

ج‌-         أن يتم الصلب فى جبعة شاول لأن شاول هو الذى أخطأ. ولأنه مختار الرب فخطيته أكبر.

11-   فقال الملك أنا أعطى (أية 6:-) هو أعطى وعداً دون أن يسأل الله وفى هذا أخطأ. فلربما كان الله قد وجد لهُ حلاً أفضل من تعليق أجساد على الصلبان. على أن هناك من قال أن أولاد شاول إشتركوا معهُ فى قتل الجبعونيين فهم مسئولون عن القتل. عموماً فالله لا يرضى بالذبائح البشرية. فإن كان أبناء شاول هؤلاء إشتركوا فى قتل وذبح الجبعونيين فهم يستحقون القتل وإن لم يكن فيكون داود قد أخطأ فى عدم سؤال الرب الذى ما كان يسمح بتقديم ذبائح بشرية.

12-  آية (8) بنى ميكال الخمسة الذين ولدتهم لعدريئيل: وميكال لم تنجب لداود ولم تتزوج عدريئيل. بل التى تزوجت عدريئيل هى ميرب أخت ميكال الكبرى. وحل هذه المشكلة مشروح فى ترجمات كثيرة ومشروح فى الترجوم اليهودى أن ميرب ماتت وتولت ميكال تربية أولادها وتبنتهم. ورصفة: هى سرية شاول التى حدثت بسببها المشكلة بين أبنير وإيشبوشث.

13-      صلب الجبعونيين السبعة ربما بعد قتلهم. ورقم (7) رقم كامل.

14-  جاءت رصفة سرية شاول إلى ذلك الموضع وجلست على المسوح على الصخرة غالباً ما نصبت خيمة وكانت تحرس الأجساد المطلوبة حتى لا تدع طيور السماء تنزل عليها ولا حيوانات الحقل تقترب إليها آية (10)

15-  كان المفروض أن لا تبقى الأجساد على الصلبان أكثر من اليوم نفسه أى لا تبيت معلقة وكان هدف الناموس مشروحاً وهو عدم إحتقار المصلوب ، فالمصلوب أخطأ ضد القانون ونال عقوبته. وربما تغاضى الجبعونيين عن القانون وسكت الشعب لأن هؤلاء مقدمون كذبائح خطية عن الأمة كلها ملكاً وشعباً فالكل إشترك فى جريمة الظلم ضد الجبعونيين. وتعليقهم كمنظر للناس وللملائكة فيه شهادة للكل على عدم محاباة الله وعدم قبوله الظلم. هكذا فَهِمَ الشعب وقتها هذا العمل لذلك تركوا الأجساد على الصلبان. لكن هل يرضى الله عن عمل مثل هذا أو يقبل ذبائح بشرية بهذا الأسلوب؟ الإحتمال الأكبر أنه لا يرضى بهذا الأسلوب ولكن هكذا فَهِمَ شعب العهد القديم الناموس.

16-  فى الأيات (9،10) :- علقت الأجساد فى أول أيام الحصاد أى شهر أبريل ومايو حتى إنصّبَ الماء عليهم من السماء. والمطر ينزل غزيراً فى الخريف وهناك رأيين :-

‌أ-     أن الأجساد بقيت معلقة حوالى 5-6 شهور وهذا إحتمال مرعب.

‌ب-حيث أن الكتاب لم ينص على أن الماء الذى إنصّب عليهم من السماء قد جاء فى وقته فهناك إحتمال كبير أن الله تدخل بمعجزة وإنهمر الماء فى وقت غير وقته. فهم كانوا سيتركون الأجساد على الصلبان حتى تسقط المياه فى الخريف ولكن غالباً لم يقبل الله هذا وإنصب الماء مبكراً وهذا من مراحم الله. وبهذا قد لا تكون الأجساد قد بقيت معلقة أكثر من يوم أو يومين. فالله الذى فى يده أن يمنع المطر فى الأوقات المعتادة فتحدث مجاعة لأجل تأديب الشعب هو نفسه الله القادر أن ينزل مياه الأمطار فى غير مواعيدها من أجل الرحمة.

‌ج- كانت هذه الحادثة نموذجاً لصلب المسيح الذى بصلبه رُفِعَ غضب الله عنا لينسكب علينا الروح القدس من السماء (رمزهُ المطر) فالمسيح قُدّم ذبيحة لتهدئة غضب الله فكم هو مرعب غضب الله.

18- الله لا يرضى بظلم شاول للجبعونيين. ولا يرضى أيضاً بتعليق ذبائح بشرية. ولكن علينا أن نسأل سؤال. من هى النوعيات التى يتعامل معها الله؟ أليست هى التى قدم لها الله شريعة عين بعين وسن بسن ونفس بنفس. . . . والله وضع هذه الشريعة حتى لا ينتقم الإنسان لعينه التى فقدها بنفس المعتدى أى قتله. فكيف كانت تهدأ نفوس هؤلاء الجبعونيين بعد الذى عانوه على يد شاول. وهناك من يرى فى هذه القصة صورة قاسية من الله الذى قَبِلَ تعليق الأجساد 5-6 شهور حتى يقبل أن ينزل المطر لكن :-

‌أ-     من قال أن المطر إحتاج لخمسة أشهر فربما نزل المطر بعد يوم أو أثنين.

‌ب-من يرى صورة المرأة وهى واقفة لتدافع عن أجساد أبنائها يرى فيها صورة المحبة الحقيقية والعطف. وإذا عرفنا أن الكتاب يقول "إن نسيت الأم رضيعها فأنا لا أنساكم" فعلينا أن نتصور كم وكم هى محبة الله وعنايته بخليقته. ونقول إذا كانت الأم قد دافعت عن أجساد أولادها فقد أحاطهم الله برعاية أكبر وهو شمل هؤلاء المصلوبين بتعزياته ومراحمه قبل موتهم وحفظ أجسادهم بأن سمح للمطر بأن ينزل سريعاً ولا ينتظر الخريف.

‌ج-هذه القسوة فى القصة هى شئ دخيل على البشرية والله يحتملها حتى تنتهى صورة هذا العالم فلنحتملها نحن كما يحتملها الله ومازال يحتملها بخطايانا.

19- تأثر داود الملك جداً بما فعلته هذه الأم العجوز، ولكى يظهر أنه لا يحتمل حقداً أو كراهية ضد بيت شاول أخذ عظام شاول ويوناثان التى دفنت خفية تحت شجرة (1صم31: 12،13) فى يابيش جلعاد حتى لا يُنكل بها الأعداء وقام بدفنها مع عظام المصلوبين. مرة ثانية إن كان داود يشفق على عظام المصلوبين ألا يشفق الله بالأكثر على جثثهم وعلى مشاعر الناس ويسمح بنزول المطر مبكراً.

20- شارع بيت شان: وفى (1صم12:31) يقول سور بيت شان. فهم علقوها على سور البيت فى الشارع الخارجى وهو مكان المرور والإجتماع ليراها المارة.

 

 

 

الآيات (15-22) :-

وكانت أيضا حرب بين الفلسطينيين وإسرائيل فانحدر داود وعبيده معه وحاربوا الفلسطينيين فاعيا داود.
ويشبي بنوب الذي من أولاد رافا ووزن رمحه ثلاث مئة شاقل نحاس وقد تقلد جديدا افتكر أن يقتل داود. فانجده ابيشاي ابن صروية فضرب الفلسطيني وقتله حينئذ حلف رجال داود له قائلين لا تخرج أيضا معنا إلى الحرب ولا تطفئ سراج إسرائيل. ثم بعد ذلك كانت أيضا حرب في جوب مع الفلسطينيين حينئذ سبكاي الحوشي قتل ساف الذي هو من أولاد رافا. ثم كانت أيضا حرب في جوب مع الفلسطينيين فالحانان بن يعري ارجيم البيتلحمي قتل جليات الجتي وكانت قناة رمحه كنول النساجين. وكانت أيضا حرب في جت وكان رجل طويل القامة أصابع كل من يديه ست وأصابع كل من رجليه ست عددها أربع وعشرون وهو أيضا ولد لرافا.

ولما عير إسرائيل ضربه يوناثان بن شمعي أخي داود. هؤلاء الأربعة ولدوا لرافا في جت وسقطوا بيد داود
وبيد عبيده.

غالباً كانت هذه الحروب فى نهاية حكم داود. فداود أخضع الفلسطينيين ولكن غالباً كانوا إذا وجدوا فى وسطهم جبار قادر على قيادتهم مثل جليات كانوا يتمردون. وهذه الحروب كانت حروب تأديب وإخضاع غالباً ضد ثوراتهم وتمردهم. ولكننا نجد داود هنا قد شاخ: فأعيا داود: وكاد يشبى بنوب أن يقتله لولا أن أنجده قائده أبيشاى. حينئذ حلف رجال داود ألا يخرج معهم إلى الحرب. حتى لايطفئ سراج إسرائيل فهو بحكمته ونور قداسته ومحبته وعدالته هو نور وسراج إسرائيل. وقوله إنحدر داود من جبال يهوذا إلى سهل الفلسطينيين: يُظهر أنها حرب تأديب على تمرد. ويبدو أن داود بعد أن سقط فى موضوع أوريا إذ زنا مع زوجته أثناء حرب الشعب مع بنى عمون بينما هو لم ينزل إلى ساحة الجهاد وكان يتمشى على السطح قرر أن ينزل كل معارك شعبه ويستمر فى جهاده حتى آخر عمره. ولذلك نجد داود هنا يحارب وهو فى شيخوخته وهكذا على كل واحد منّا أن يستمر فى جهاده حتى آخر نسمة فى حياته فيقول مع بولس الرسول جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعى، حفظت الإيمان. أخيراً وضع لى إكليل البر. أولاد رافا: رافا معناها الجبار لذلك يظن أنه جليات وكان أولادهُ الأربعة جبابرة مثلهُ. تقلد جديداً: أى تقلد سيفاً جديداً. ويقال أن جديداً هى كلمة عبرية تشير إلى سلاح كان وقتها جديداً. سراج إسرائيل: وجود سراج فى بيت يشير إلى أن البيت به سكان وإنطفاء السراج يشير أن البيت بلا سكان أى لو مات داود تسقط المملكة كلها وداود الآن مثل المصباح يهدى طريق إسرائيل. وفى (19) الحانان قتل جليات بالرجوع إلى (1أى5:20) نجد الأية بالتفصيل ونجد أن الحانان قتل أخو جليات ويبدو أن أخيه كان مثله فى الطول وجباراً مثله فسمّى بالشهرة جليات. ؟ ففى آية (19) حين يقول أن ألحانان قتل جليات يُفهم أنه قتل أخوه المشهور بأسم جليات أيضاً ولأن قصة جليات مع داود هى المشهورة جداً والمعروفة جداً. يوناثان بن شمعى أخى داود آية (21) هو أخو يوناداب بن شمعى (2صم3:13) وبينما كان يوناثان محارب شجاع وسَجّل الكتاب إسمه فى سجل الشرف نجد أن يوناداب لهُ مشورات ردية على أمنون إذ علّمه كيف يزنى مع أخته ثامار. وقوله أخى داود فهو قريبه بالجسد لأن شمعى (شمة) أخو داود فيكون داود هو عم يوناثان بن شمعى.

ملحوظة:- فى (13) قوله عظام المصلوبين لا يعنى بقائهم على الصلبان حتى يتحولوا إلى عظام فكلمة عظام تعنى جثث الموتى (1مل31:13). فليس معنى كلام الرجل أن يدفنوه بعد أن يصير عظاماً.


 

الإصحاح الثانى والعشرون

نشيد النصرة

هذا النشيد الذى يأتى هنا فى نهاية حياة داود نجده أنه هو نفسه كلمات المزمور (18) وفى مقدمة المزمور (18) نجد أن داود كتب هذا المزمور فى اليوم الذى أنقذه فيه الرب من أيدى كّلَ أعدائه ومن يد شاول. ونجد نفس الكلمات بعينها فى آية (1) هنا. ولنلاحظ أن داود كتب مزمور (18) وهو فى قمة إنتصاراته ومجده قبل أن يسقط. ونجده فى نهاية حياته يرتل نفس المزمور بنفس الكلمات وهذا بعد أن سقط وأخطأ وتاب أو ليست هذه هى قصة الخلاص. فلقد خلق الله الإنسان فى مجد وسقط الإنسان وجاء المسيح ليعيده للمجد. والمعنى أن توبة داود أعادته لسابق مجده، وجعلته يرتل نفس الكلمات. فالله الذى أعانهُ فقتل جليات هو نفسه الذى أعانه فتاب "توبنى يا رب فأتوب" وهو الذى قبل توبته وأعاده لنفس رتبته. ألم يقل الأباء أن التوبة تحول الزانى إلى بتول". والتوبة :إكتسبت قوتها من دم المسيح الذى يطهرنا من كل خطية (1يو7:1) ولذلك نجد فى كلمات مز (18) أن داود يكلمنا عن بره وطهارة يده وحفظه طريق الرب وكماله لدى الرب. فكيف يعود فى نهاية حياته بعد سقطه أوريا ويتحدث بنفس الكلمات هنا؟ السبب فى التوبة التى مسحت خطاياه. ألم يقل لهُ الرب على لسان ناثان النبى الرب قد نقل عنك خطيتك. لا تموت والسؤال إلى أين نقل الرب خطية داود؟ أليس إلى المسيح الذى حمل أثامنا (أش53: 4-6) وأليس هذا هو خلاص المسيح الذى شعر بِهِ داود فرتل نفس المزمور فى نهاية حياته. داود فى قمة مجده كان فى ثوب بر أبيض وهو فى مزمور (18) يزهو بثوب بره الأبيض. وفى هذا النشيد يذكر كيف سَوّدَ ولَطّخَ هذا الثوب الأبيض بخطاياه وكيف أن المسيح بدمِهِ غسل له ثوبه وبيضه فى دم الخروف (رؤ14:7). وإذا بثوبه يعود أبيضاً كالأول فعاد يزهو ببره وبثوب بره الأبيض الذى بيضّه لهُ المسيح، عاد هنا ليفتخر بما عملهُ المسيح وبقوة ذراعه وقوة خلاصه (2كو21:5). فهذا النشيد كان لابد أن يأتى هنا فهو يشير لعمل المسيح الخلاصى. وعلى خلاص المسيح نظل نرتل ونسبح كل العمر وإلى آخر لحظة كما يسبح داود هنا حتى آخر يوم فى حياته. هذا نشيد الكنيسة المنتصرة بالمسيح قائد موكبها الغالب.

 

آية (1) :-

وكلم داود الرب بكلام هذا النشيد في اليوم الذي أنقذه فيه الرب من أيدي كل أعدائه ومن يد شاول.

هى نفس مقدمة مزمور (18). من أيدى كل أعدائه: فى مز (18) كان أعدائِه هم شاول والفلسطينيين وغيرهم من الشعوب. أمّا الآن فهو رأى أعداءً جُدد لم يكن يعرفهم من قبل مثل إبليس عدو الخير / الذات / الشهوة الكامنة فى الأعضاء. . . . ألخ والله يخلص من كل هذه.

 

 

الآيات (2-4) :-

فقال الرب صخرتي وحصني ومنقذي. اله صخرتي به احتمي ترسي وقرن خلاصي ملجاي ومناصي مخلصي من الظلم تخلصني. أدعو الرب الحميد فأتخلص من أعدائي.

الرب صخرتى: هو يدرك ضعفه ويدرك قوة الله العجيبة العاملة فى ضعفه فتهبه قداسة وإنتصار على الشر. لذلك يسبح الله على ما أعطاه الله لهُ من قوة. إله صخرتى: إلهى صخرتى أرتفع عليه فلا تطولنى الحية التى تسعى لإبتلاعى. أعتمد عليه فهو راسخ وثابت وفيه أحتمى من العواصف أى التجارب. فبالرغم من كل قوة داود العسكرية كان يشعر أن قوته هى فى أن الله يسنده. أدعو الرب: هو قالها بصيغة المضارع وليس بصيغة الماضى أى لم يقل دعوت، فهو يدعوه بإستمرار ويصلى بلا إنقطاع (1تس17:5).

 

الآيات (5-7) :-

لان أمواج الموت اكتنفتني سيول الهلاك أفزعتني. حبال الهاوية أحاطت بي شرك الموت أصابتني. في ضيقي دعوت الرب وإلى الهي صرخت فسمع من هيكله صوتي وصراخي دخل أذنيه.

نجد أن الله فى محبته لداود لا ينزع عنه مقاومة الأعداء لهُ وإنما على العكس يتركهُ لتحل به الضيقات من كل جانب حتى يكاد الموت يحاصره مثل المياه حينما تحيط بشخص يغرق وكمن حاصرته الأمواج وحطمت طاقاته وكمن جرفته السيول لتنحدر به إلى هاوية بلا نهاية. وكانت المشاكل كجبال حولهُ أغلقت أمامه طرق الخلاص وصار كفريسة فى شباك = شرك العدو. لكنه لم ييأس بل فى ضيقى دعوت الرب والرب إستجاب وتجلى لهُ الله كواهب حياة وقيامة. وهذا ينطبق على 1- الإنسان فى أى تجربة تعصف به فى حياته (مرض / فشل. . . ) 2- الإنسان فى حروبه الروحية فهى أيضاً كجبال تحيط به 3- الإنسان قبل خلاص المسيح وهو فى حالة حُكم إلهى صادر ضده بالموت فإلى أين يذهب. لقد تلّمس داود حب اله الفائق وتعرّف على الله أكثر خلال الضيقات لذلك يقول السيد المسيح"إدعنى فى وقت الضيق أنقذك فتمجدنى" ويقول يعقوب إفرحوا فى التجارب (2:1).

 

الآيات (8-16) :-

فارتجت الأرض وارتعشت أسس السماوات ارتعدت وارتجت لأنه غضب. صعد دخان من انفه ونار من فمه أكلت جمر اشتعلت منه. طاطا السماوات ونزل وضباب تحت رجليه. ركب على كروب وطار ورئي على أجنحة

الريح. جعل الظلمة حوله مظلات مياها حاشكة وظلام الغمام. من الشعاع قدامه اشتعلت جمر نار. ارعد الرب من السماوات والعلي أعطى صوته. أرسل سهاما فشتتهم برقا فازعجهم. فظهرت أعماق البحر وانكشفت أسس المسكونة من زجر الرب من نسمة ريح انفه.

لقد رأى الله ويدهُ القوية خلال التجارب بل بروح النبوة إمتدّ نظر داود ليرى ما حلّ بالإنسان بحسد إبليس وكيف نزل الله الكلمة بذاته من السماء ليعلن حبه النارى نحو البشر، الأمر الذى أدهش المسكونة كلها، السماء والأرض. إرتجت الأرض. . . لأنه غضب: لقد غضب الله بسبب الخطية وغضب الله لما فعلته الخطية بحياة الإنسان وبطبيعته. غضب الله على داود بسبب خطيته فلم يفارق السيف بيته وغضب على سدوم وعمورة فإحترقا بنار وكبريت، وغضب على محاولة عزيا إغتصاب الكهنوت فحدثت زلزلة رهيبة. لكن غضب الله على ما حدث من دمار للإنسان الذى خلقه جعله يتجسد ويصلب لينقذ الإنسان وعملهُ هذا أدهش المسكونة فإرتجت الأرض وإرتعدت السموات أمام هذا الحب الفائق الذى ظهر فى التجسد:

   طأطأ: أحنى السموات. فالمسيح جعل بنزوله على الأرض، جعل الأرض سماء. فحيثما يوجد المسيح تكون السماء. طأطأ: أحنى السموات، جعلها تنحنى لتتلامس مع الأرض. طأطأ السموات ونزل: هو نزول المسيح البار القدوس إلى ضعف البشر.

طأطأ السموات ونزل. وعند الصلب نجد أن هذا قد حدث فعلاً فالأرض تزلزلت والصخور تشققت والقبور تفتحت (مت27: 51،52). ولقد كان التجسد سر عجيب لم يستطع أحد أن يفهمه: ضباب تحت رجليه. وكان هذا الضباب كثيفاً جداً فى العهد القديم ولم يستطع أحد أن يدرك سر حب الله إلاّ بعد أن أشرق نور الصليب وأشرق هو بنوره فينا. وقولهُ ضباب يشبه قول بولس الرسول "عظيم هو سر التقوى الله ظهر فى الجسد". صعد دخان من أنفه: علامة الغضب. ونار من فمه أكلت: الله فى غضبه يكون نار آكلة تأكل مقاوميه كما حدث فى سدوم وكما خرجت نار أكلت إبنى هرون (لا10: 1،2) والنار التى أكلت الخمسين رجل مرتين أيام إيليا. ولكن الله فى محبته يكون نار تحرق لنا عدو الخير وسور نار يحمينا منهُ (زك5:2) وهو نار تشعل قلوبنا محبة بعد أن تحرق أشواك الخطية فينا. وآية (12) مظلات: هى الظلمة والغمام الكثيرة المياه: أى مياهاً حاشكة. فلا يُرى الرب من ورائها كما لا يُرى من الخارج الساكن فى مظلة. والله إحتجب عنّا فلا نراه لأنه فى محبته يخشى لئلا نموت إذا رأيناه "لا يرانى الإنسان ويعيش". من الشعاع قدّامه إشتعل: إذا كان الله قد أحاط نفسه بضباب وسحاب حتى لا نراه فالسحاب ينتج عنهُ برق والبرق قادر أن يشعل الجمر. ورمزياً فالروح القدس الذى أرسلهُ لنا المسيح يشبه بالمطر الذى ينزل من السماء ويشبه بالنار التى تلهب القلوب حباً. وفى (16) فظهرت أعماق البحر: والآية يمكن ترجمتها هكذا فظهرت مجارى المياه (راجع الكتاب المقدس بالشواهد) وإنكشفت أسس المسكونة: بتجسد المسيح ظهرت المحبة التى أسس الله عليها المسكونة ، المحبة التى جعلت الله يخلق العالم ويعطى حياة. وظهرت مجارى المياه أى ظهر لنا كيف نحصل على الروح القدس أى بتجسد المسيح.

تأمل روحى :- عمل المسيح يهز كل كياننا ويجدد طبيعتنا ويزلزلها الجسد (الأرض) النفس (السماء).

وركب على كاروب لأن عرش الله مركبة كاروبيمية. وإذا كان كاروب يعنى معرفة فيكون المعنى أن الله تمجد فوق كمال المعرفة وتعنى أيضاً أن الله يرتاح فى من يعرفه. ورُئى على أجنحة الريح: أى كان خلاصه وعملهُ سريعاً جداً أرسل سهاماً فشتتهم، برقاً فأزعجهم: أرسل الإنجيليين الذين لهُ فى العالم كله كسهام وكبروق فى قوتهم وفى العجائب فإنزعجت ممالك إبليس حين دخل الإيمان للعالم كله. وبإختصار فكلمة الله يطأطئ السموات بتجسده لينزل إلينا مشرقاً كشمس البر على الجالسين فى الظلمة، أمامهُ يرتعد كل ما هو زمنى فينا فتتقدس سمواتنا الداخلية (نفس) وأرضنا (جسد) ويبدد ظلمة الجهل التى كانت فينا. وأعطانا معرفة فصرنا هياكل لله والروح القدس وصرنا كمركبة كاروبيمية. وهو ركب على السحاب كما على كاروب وصعد ليحملنا إليه ويجلسنا معهُ فى السماويات فكل من كان هيكلاً لله يكون فى السماويات وكل من صار كمركبة كاروبيمية يعرف الله صار فى السماويات. وأرسل تلاميذه ورسله كسهام وتنفذ كرازتهم الإنجيلية إلى القلوب، وتبرق فيها بنور المعرفة فيهتز كل شر فيها وتقوم مملكة الرب داخلها.

 

الآيات (17-20) :-

أرسل من العلى فأخذني نشلني من مياه كثيرة. أنقذني من عدوي القوي من مبغضي لأنهم أقوى مني. أصابوني في يوم بليتي وكان الرب سندي. أخرجني إلى الرحب خلصني لأنه سر بي.

أرسل من العُلى فأخذنى: الله بخلاصه العجيب كأنه مدّ يده من علائِهِ لينقذ داود وينقذنا بعد أن أشرفنا على الموت: نشلنى من مياه كثيرة: كما إنتشل موسى لأنّه سر بى: لسان حال داود أن الله سُرّ به حين إختاره وحين مسحهُ  وحين خلصه وحين جعلهُ ملكاً وحين قبل توبته. وهذا ينطبق على كل مؤمن، وبالنسبة للكنيسة التى دعاها الله من بين مياه كثيرة إذ جمعها من بين الأمم والشعوب المتنوعة وخلصها من عدوها القوى الذى كان يربطها برباطات محبة العالم. وأخرجها المخلص إلى الرحب وأخرجها من ضيق الحياة الجسدانية إلى إتساع الإيمان الروحى فإنطلقت إلى حرية الروح.

 

الآيات (21-25) :-

يكافئني الرب حسب بري حسب طهارة يدي يرد علي. لاني حفظت طرق الرب ولم اعص الهي. لان جميع أحكامه أمامي وفرائضه لا أحيد عنها. وأكون كاملا لديه وأتحفظ من أثمي. فيرد الرب علي كبري وكطهارتي أمام عينيه.

داود كرجل من رجال العهد القديم يتكلم عن البر بمفهومه ومن وجهة نظره وأنه إلتزم بالوصايا. هكذا كان شعور داود فى مز (18) أنه بار ملتزم بالوصايا لذلك أنقذه الله. هو حقيقة إنسان متواضع قال عن نفسه "برغوث وكلب ميت" ولكن هذا ما فهمه داود أنه إذا إلتزم بالناموس وبالوصايا فهو بار. ولكن الآن بعد أن سقط وتلوث فكيف يتكلم هكذا؟ هو فهم أن التوبة أعطته نقاوة ثانية "تغسلنى فأبيض أكثر من الثلج". ولكن هذا الكلام بمفهوم نبوى يتحدث عن المسيح البار الحقيقى وَحْدَهُ وداود يرمز لهُ. والآن صار لكنيسته جَسَدِهِ أن تقول أنها طاهرة فهى مغسولة بالدم. فالخلاص هو أن المسيح نزل إلى العالم ليحملنا فيه ونصير أعضاء جسده المقدس فنقف أمام الآب أولاداً له مبررين فى الدم الثمين، كمن هم بلا عيب، نحمل كمال المسيح فينا. نقف فى تواضع ونقول إن فعلنا كل البر فنحن عبيد بطالون نحن كلاب ميتة وبراغيث. لكن نحن فى المسيح كاملين فالبر هو بالمسيح.

 

الآيات (26-28) :-

مع الرحيم تكون رحيما مع الرجل الكامل تكون كاملا. مع الطاهر تكون طاهرا ومع الأعوج تكون ملتويا. وتخلص الشعب البائس وعيناك على المترفعين فتضعهم.

مع الرحيم تكون رحيماً ومع الأعوج تكون ملتوياً: هذا رأه داود فى حياتِهِ فطوال فترة بر داود وكماله كان داود فى مجده منتصراً على كل أعدائه وبعد أن سقط فكل شئ إختلف. حين إعوجت طرق داود إلتوت الطرق معهُ وأمامهُ فرأى الله قاسياً معهُ فكلمة ملتوياً تترجم هكذا وتترجم قاسياً ولكن كان هذا لتأديبه فيعود كاملاً ويعود طاهراً فيرجع الله إليه ويكون كاملاً وطاهراً معهُ. إذاً إلتواء الطرق أمامه كان لتأديبه وتخلص الشعب البائس: حقيقة الله يكون كاملاً مع الكامل لكن المسيح جاء للعالم وهو فى أشد درجات إنحطاطه وخطيته ووثنيته فحينما إزدادت الخطية "وحيث كثرت الخطية إزدادت النعمة جداً" (رو20:5). فالعالم كان قد وصل لحالة من البؤس والعمى جعلته لا يعرف الله فلم يطلبه فكان أن يتجسد الله ليعرفه العالم ويطلبه. وعيناك على المترفعين فتضعهم المترفعين أى المتكبرين وهم الشياطين وكل من يمشى وراءهم هؤلاء سينزلون إلى الهاوية ونرى مثالاً للأية ومع الأعوج تكون ملتوياً فى قصة أخاب حين أضله الروح الشرير (1مل20:22) ونرى الآن مفهوماً آخر للأية أن المسيح صار سر برنا وتقديسنا فإننا به وفيه ننال الطبيعة الجديدة المقدسة فنصير رحماء وكاملين وأطهاراً  ومتواضعين فندخل إلى علاقة جديدة مع الآب وكأننا نقول بك صرنا رحماء فنرحم الآخرين فترحمنا أنت يا الله.

 

آية (29) :-

لأنك أنت سراجي يا رب و الرب يضيء ظلمتي.

كيف صرنا رحماء وكاملين. إن الظلمة قد حلت بالنفس، إذ صارت فى جهالة، لذا جاء المسيح كلمة الله، المعلم، مشرقاً على النفس بالمعرفة الروحية المخلصة فتستنير أعماقنا الداخلية.

 

الآيات (30-43) :-

لاني بك اقتحمت جيشا بالهي تسورت أسوارا. الله طريقه كامل و قول الرب نقي ترس هو لجميع المحتمين به. لأنه من هو اله غير الرب و من هو صخرة غير الهنا. الإله الذي يعززني بالقوة و يصير طريقي كاملا. الذي يجعل رجلي كالأيل وعلى مرتفعاتي يقيمني. الذي يعلم يدي القتال فتحنى بذراعي قوس من نحاس. وتجعل لي ترس خلاصك ولطفك يعظمني. توسع خطواتي تحتي فلم تتقلقل كعباي. الحق أعدائي فأهلكهم ولا ارجع حتى أفنيهم. أفنيهم واسحقهم فلا يقومون بل يسقطون تحت رجلي. تنطقني قوة للقتال و تصرع القائمين علي تحتي. وتعطيني اقفيه أعدائي ومبغضي فأفنيهم. يتطلعون فليس مخلص إلى الرب فلا يستجيبهم. فاسحقهم كغبار الأرض مثل طين الأسواق أدقهم وأدوسهم.

داود هنا يتكلم عن حروبه ضد الموآبيين والعمونيين. . . الخ والتى إنتهت بإنتصاراته. وهو هنا لا يفتخر بقوته بل يرجع الفضل لله. وإن كان العدو قوياً فالله هو قوة داود وهو ترس لهُ يصد جميع سهام العدو. وهو سور نار يحميه. أقفية أعدائى أى يهرب أعداءهُ أمامهُ فيرى أقفيتهم. ولكن هذه الحرب هى صورة للحروب الروحية فبعد أن فتح الله عيوننا نرى أن إبليس يحاربنا فنقوم ونحاربه ومن المؤكد ستكون لنا النصرة فالله قوتنا. وترفعنى: كما على المرتفعات العالية فلا يلحق بى أذى فمن عاش مع المسيح فى السماويات وتذوق أنه ما أحلى الرب يكون لهُ قوة جبارة ويرفض إغراءات العالم وخطاياه. وتوسع خطواتى فألحق بعدوى وأفنيه بقوة الصليب. فالله هو الذى أعطانا السلطان أن ندوس على الحيات والعقارب وكل قوة العدو. وفى أية (35) الذى يُعلم يدىّ القتال فتحنى بذراعىّ قوس من نحاس: لقد تذكر داود هنا معركته مع جليات وكيف لم يستطع يومها أن يحمل الأسلحة الثقيلة فحارب بالمقلاع. والآن هو محارب جبار يجيد إستخدام كل أنواع الأسلحة وتعلم أن يضع يده داخل القوس النحاسى ويحمله ويدافع به. وكلمة تحنى المقصود بها التفاف الذراع داخل القوس وحمله للقتال. والمعنى الروحى، أنه إذا كان الإنسان مازال فى بداياته الروحية تكون أسلحته بسيطة وبعد أن ينمو روحياً يدربه الله على إستخدام كل الوسائل الخاصة بالحرب الروحية (أف6: 11-18). وفى (31) قول الرب نقى. ترس هو: الله قال لا تخف أنا ترس لك وقوله نقى وطريقه كامل وهو لن يتركنا.

 

الآيات (44-51) :-

وتنقذني من مخاصمات شعبي و تحفظني رأسا للأمم شعب لم اعرفه يتعبد لي. بنو الغرباء يتذللون لي من سماع الأذن يسمعون لي. بنو الغرباء يبلون ويزحفون من حصونهم. حي هو الرب ومبارك صخرتي ومرتفع اله صخرة خلاصي. الإله المنتقم لي والمخضع شعوبا تحتي. والذي يخرجني من بين أعدائي ويرفعني فوق القائمين علي وينقذني من رجل الظلم. لذلك أحمدك يا رب في الأمم ولاسمك أرنم. برج خلاص لملكه والصانع رحمة لمسيحه لداود ونسله إلى الأبد.

مخاصمات شعبى: إشارة لمحاربات شاول ثم رفض 10 أسباط لهُ بعد ملكه ثم ثورة إبشالوم ضده. فالحروب ضدنا من خارج ومن داخل. وتحفظنى رأساً للأمم: هو ساد على كل الشعوب الوثنية حولهُ. وهذا رمز لسيادة المؤمن على إبليس بالرغم من حروبه الداخلية والخارجية. من سماع الأذن يسمعون لى: هم سمعوا عنى فأحبونى والآن يسمعوا صوتى. ولكن هذه الأيات يتكلم فيها داود بالنيابة عن المسيح الذى صار رأساً للأمم وبالكرازة آمن به العالم أى من سماع الأذن بكلمات الكرازة سمعوا للمسيح وأصبحت الشعوب التى لم تكن تعرف المسيح تتعبّد لهُ (الأمم). بنو الغرباء يبلون ويزحفون من حصونهم: الذين رفضوا المسيح فصاروا غرباء عنهُ وتحصنوا داخل حصونهم ليهاجموه ها هم يبلون أى يخورون ويستسلمون ويخرجون من حصونهم.

نجد هنا داود لا يفتخر بقوته فهو محارب قوى. وقد نفهم أن تحنى بذراعيه قوس من نحاس المعنى المباشر أنه فى قوته الجسدية قادر أن يحنى قوس من نحاس. لكنه لا يفتخر بقوته، بل يقول الله أعطاه هذا تطبيقاً لقول بولس الرسول من إفتخر فليفتخر بالرب (1كو31:1) وعلينا أن لا نفتخر بمواهبنا بل ننسبها لمن أعطاها لنا ونشكر الله عليها بل نفهم أنها وزنات يحاسبنا الله عليها.


 

الإصحاح الثالث والعشرون

آية (1) :-

فهذه هي كلمات داود الأخيرة وحي داود بن يسى ووحي الرجل القائم في العلا مسيح اله يعقوب ومرنم إسرائيل الحلو.

كلمات داود الأخيرة: لو تكلم داود عن خبراته مع الله لما توقف ولكن يتكلم هنا فيوجز وتكون كلماته الأخيرة هى آخر تَسَابِيحَهُ الموحى بها من الروح القدس وآخر نبواته الموحى بها. وحىُ داود بن يسى: فهذا النبى العظيم الذى يوحى لهُ الروح القدس لا ينسى أصلهُ أنه إبن يسى الرجل البسيط لكنه هو الآن رجل الله والله يوحى لهُ. بل وصار ملكاً. القائم فى العلا: داود كان من أصل بسيط وراعى غنم غير ذو قيمة عند أبوه ولا إخوته لكن الله رفعهُ وأقامهُ ملكاً فصار أعلى منصب فى أمته، وأعظم ملوكها قاطبة. مسيح إله يعقوب: هو ممسوح لخدمة شعبه شعب الله. وهو كان لهُ خدمات متنوعة لأمته التى جعل لها إسماً وسط الأمم وأخضع أعدائها لها لكن أحلى ما علّمه لشعبه أنه علمهم التسبيح. مرنم إسرائيل الحلو: هو كان حُلْواً فى مزاميره فهى تسبيح وشُكر وصلاة وحلاوتها أنها بوحى من الروح القدس. وهناك تعليق لقداسة البابا شنودة الثالث يقول "لم نكن نعلم هل يعزف داود على قيثارة الروح القدس أو يعزف الروح القدس على قيثارة داود".

 

الآيات (2،3) :-

روح الرب تكلم بي وكلمته على لساني. قال اله إسرائيل إلى تكلم صخرة إسرائيل إذا تسلط على الناس بار يتسلط بخوف الله.

                        روح الرب تكلّم بى             قال إله إسرائيل         تكلّم صخرة إسرائيل

إذاً الثالوث يعلن لهُ =   الروح القدس                   الآب                   الإبن

تكلّم بى: فالروح القدس هو الناطق فى الأنبياء وهو الذى أوحى لهُ بالمزامير التى إشتملت على نبوات خاصة بالمسيح إبن داود بالجسد وبكل ما يخصه من التجسد حتى الصلب وحتى القيامة والصعود. وفى مزاميره أعلن الله محبته للعالم التى ستعلن فى إبنه. فالروح القدس أوحى بالمزامير التى تعلن عن الآب بالإبن الذى تجسد وصلب ليخلصنا.

 

الآيات (3،4) :-

قال اله إسرائيل إلى تكلم صخرة إسرائيل إذا تسلط على الناس بار يتسلط بخوف الله. وكنور الصباح إذا أشرقت الشمس كعشب من الأرض في صباح صحو مضيء غب المطر.

داود فى آخر نبواته يكلمنا عن صفات الملك المثالى وذلك بوحىٍ من الروح القدس وداود لم يكن هذا الملك المثالى الذى بلا خطأ لذلك نفهم أنه يتكلم عن المسيح إبنه بالجسد وهو رمز لهذا الملك المثالى. ويكون الكلام هنا تتمة وتكملة للنبوة فى (7: 12-16) وهذه النبوة تمت جزئياً فى سليمان وكلياً فى المسيح ولننظر لكلمات النبوة على أنها للمسيح:

يتسلط             بار          بخوف الله              كنور الشمس                 غبّ المطر

مى(2:5)       (أر5:23)      (أش2:11)               (ملا3:4)                     (مز6:72)

كعشبٍ من الأرض: هذه كنيسة المسيح التى تنمو وتزدهر ويصير فيها حياة بعد أن أشرقت عليها الشمس ونزل المطر. فالشمس هى المسيح شمس البر والمطر هو نزول الروح القدس. غبّ المطر: أى بعد هطول المطر. وتسلط عليها المسيح البار ليعطيها من بّرِهِ. وكل من خاف الله سيستمتع بهذا النور وتكون فيه حياة كالعشب الأخضر ولا تحرقه التجارب لأن المطر يبلله. أى يعزى الروح القدس كل نفس خلال رحلة هذا العالم إن عاشت فى مخافة الله. أمّا هذه الأيات بالنسبة لداود فتنطبق جزئياً :- فإن كان داود قد تمجد ونال سلطاناً فذلك من خلال مخافته للرب وبره. والله وهبه إستنارة ليضئ كشمس مشرقة فى الصباح بعد فترة ظلام (ويقولون عليه سراج إسرائيل17:21) وتنهمر البركات خلال عهد داود كالمطر تفرح شعبه.

 

الآيات (5-7) :-

قال اله إسرائيل إلى تكلم صخرة إسرائيل إذا تسلط على الناس بار يتسلط بخوف الله. و كنور الصباح إذا أشرقت الشمس كعشب من الارض في صباح صحو مضيء غب المطر.

أليس هكذا بيتى عند الله: يفهم الكلام على أن بيت داود سيكون أبدياً كما أن الشمس تشرق والمطر يسقط والعشب ينمو. ولكن يفهم الكلام أن البيت هو الكنيسة بيت الله ولها وعد أبدى أن تكون أبدية. ولكن بنى بليعال جميعهم كشوك: الكنيسة لها وعود أنها أبدية ولكن هناك مقاومين كثيرين يقاومون مملكة المسيح ولكن هم الآن كالزوان المزروع وسط الحنطة وفى اليوم الأخير تجمع الحنطة للمخازن (أولاد الله يذهبون للمجد) والشوك للحريق (الشيطان وأتباعه من المقاومين للبحيرة المتقدة بنار). وكلهم كشوك مطروح لأنهم لا يؤخذون بيد: التشبيه مأخوذ من الزراعة فالفلاح حتى لا يجرح يديه من الأشواك يلقيها جانباً ويكون فى هذا الوقت مرتدياً قفازاً حين يفرز الثمار من الأشواك. فيضع الثمار يميناً والأشواك يرميها بإهمال حتى بعد ذلك يحرقها. ومتى خلع القفاز يجمع ويكنس هذه الأشواك بآلة حديدية حتى لا يُجرح. والمعنى أن كل هؤلاء المقاومين الذين يظنون أنهم قادرين أن يجرحوا الكنيسة ويسيلوا دماء مؤمنيها سيطرحهم الله ويؤدبهم بحديد وعصا رمح (للقتل). تحطمهم بقضيب من حديد. . . . مزمور (9:2). وبالنسبة لداود فهو كملك عليه أن يؤدب كل بنى بليعال أى الأشرار المناهضين والمقاومين للحق. وهى وصيته لكل أولاده الملوك فكل من يملك عليه أن يبيد ويقاوم المقاومين. والمسيح حين يقيم كنيسته ويملك عليها يبيد أعدائها ويضعهم تحت موطئ قدميها.

 

الآيات (9-39) :-

وبعده العازار بن دودو بن اخوخي أحد الثلاثة الأبطال الذين كانوا مع داود حينما عيروا الفلسطينيين الذين اجتمعوا هناك للحرب وصعد رجال إسرائيل. أما هو فأقام وضرب الفلسطينيين حتى كلت يده ولصقت يده بالسيف وصنع الرب خلاصا عظيما في ذلك اليوم ورجع الشعب وراءه للنهب فقط. وبعده شمة بن اجي الهراري فاجتمع الفلسطينيون جيشا وكانت هناك قطعة حقل مملوءة عدسا فهرب الشعب من أمام الفلسطينيين. فوقف في وسط القطعة وأنقذها وضرب الفلسطينيين فصنع الرب خلاصا عظيما. ونزل الثلاثة من الثلاثين رئيسا وأتوا في الحصاد إلى داود إلى مغارة عدلام وجيش الفلسطينيين نازل في وادي الرفائيين. وكان داود حينئذ في الحصن وحفظة الفلسطينيين حينئذ في بيت لحم. فتاوه داود و قال من يسقيني ماء من بئر بيت لحم التي عند الباب. فشق الأبطال الثلاثة محلة الفلسطينيين واستقوا ماء من بئر بيت لحم التي عند الباب وحملوه وأتوا به إلى داود فلم يشا أن يشربه بل سكبه للرب. وقال حاشا لي يا رب أن افعل ذلك هذا دم الرجال الذين خاطروا بأنفسهم فلم يشا أن يشربه هذا ما فعله الثلاثة الأبطال. و ابيشاي أخو يواب ابن صروية هو رئيس ثلاثة هذا هز رمحه على ثلاث مئة قتلهم فكان له اسم بين الثلاثة. آلم يكرم على الثلاثة فكان لهم رئيسا إلا انه لم يصل إلى الثلاثة الأول. وبناياهو بن يهوياداع ابن ذي باس كثير الأفعال من قبصئيل هو الذي ضرب أسدى مواب وهو الذي نزل وضرب أسدا في وسط جب يوم الثلج. وهو ضرب رجلا مصريا ذا منظر وكان بيد المصري رمح فنزل إليه بعصا وخطف الرمح من يد المصري وقتله برمحه. هذا ما فعله بناياهو بن يهوياداع فكان له اسم بين الثلاثة الأبطال. واكرم على الثلاثين إلا انه لم يصل إلى الثلاثة فجعله داود من أصحاب سره. وعسائيل أخو يواب كان من الثلاثين
والحانان بن دودو من بيت لحم. وشمة الحرودي واليقا الحرودي. وحالص الفلطي
وعيرا بن عقيش التقوعي. وابيعزر العناثوثي ومبوناي الحوشاتي. وصلمون الاخوخي
ومهراي النطوفاتي. وخالب بن بعنة النطوفاتي واتاي بن ريباي من جبعة بني بنيامين.
وبنايا الفرعتوني وهداي من أودية جاعش. وأبو علبون العرباتي وعزموت البرحومي.
واليحبا الشعلبوني ومن بني ياشن يوناثان. وشمة الهراري وإخيام بن شارار الاراري.
واليفلط بن احسباي ابن المعكي واليعام بن اخيتوفل الجيلوني. وحصراي الكرملي
وفعراي الاربي. ويجال بن ناثان من صوبة وباني الجادي. وصالق العموني ونحراي البئيروتي حامل سلاح يواب بن صروية. وعيرا اليثري وجارب اليثري. واوريا الحثي الجميع سبعة و ثلاثون.

يذكر الكتاب هنا أسماء أبطال داود. فإذا كان داود يرمز للسيد المسيح فإن هؤلاء الأبطال يرمزون لرجال الإيمان وهناك عدة ملاحظات :-

1- نفس المجموعة نجدها فى سفر أخبار الأيّام مع إختلاف فى بعض الأسماء وكما قلنا فى المقدمة فهذا راجع لعدة أسباب ونضيف هنا سبب آخر فلربما كاتب سفر صموئيل أخذ الأسماء من قائمة كتبت فى زمن آخر غير الزمن الذى كتبت فيه القائمة التى أخذ عنها سفر الأيّام. فلربما كانت هناك قائمة كتبها داود بعد إستقرار مملكته وقبل سقوطه ثم تم تعديل هذه القائمة عند نهاية أيّامَهُ. أو لأن هؤلاء الأبطال لهم إسمين إسم كان لهم فى بداياتهم ثم إسم آخر أخذوه كشهرة فى نهاية أيامهم.

2- ذكرهم فى الكتاب المقدس يعتبر أعظم مكافأة لهم يتمتعون بها وهو مجد وكرامة لهم (مت13:26 + لو20:10) ومن يلتصق بربنا يسوع المسيح كجندى صالح ويجاهد قانونياً يتمتع بهذه الكرامة أن يسجل إسمه فى سفر الحياة (رؤ5:3).

3- هذه القائمة تعتبر مجداً لداود نفسه الذى قادهم فى هذا الجهاد وهذه الغلبة. ونحن كل نصرة لنا وكل غلبة إنما هى لحساب ملكنا الحقيقى إبن داود فالمسيح هو الذى يدعونا للجهاد وهو الذى يعمل فينا، يقدم لنا الإكليل وهو الذى يتقبله فينا.

4-   ذكر هذه القائمة فيه حث لكل إنسان عبر الإجيال لحياة الجهاد حتى يملك المسيح إبن داود فى قلبه وتثبت مملكته فينا.

5- ذكر هؤلاء الأبطال لا يعنى مجرد تفوقهم الحربى أو العسكرى فقط وإنما إرتبط نجاحهم العسكرى وشجاعتهم بإيمانهم فلا نعجب إن رأينا يوآب- الرجل الأول والقائد لجيش داود غير مذكور هنا. فقد خسر إكليله بسبب غدره المستمر وغيرته الشريرة وحسده، إذ قتل أبنير وغدر بعماسا، وكان متجاسراً فى أحاديثه وحواره مع داود.

6- يظهر من الأسماء أنهم من أسباط وقبائل مختلفة مثل يهوذا وبنيامين وجت وعمون. . . . وهكذا يظهر عظماء رجال الإيمان من أمم كثيرة وشعوب متنوعة كما يوجد بينهم رجال ونساء وأطفال وشباب وشيوخ.

7-   قُسّمَ هؤلاء الأبطال إلى 3 درجات أو رتب :-

أ‌-    ثلاثة أوّلون :- يوشيب وألعازار وشمة. وهؤلاء قد يشيروا إلى أباء وأنبياء العهد القديم. والثلاثة التالون يشيرون لرجال العهد الجديد.

ب‌-  ثلاثة تالون لهم :- مذكورون فى الأية (13) أبيشاى (أهو يوآب) وبناياهو هذا صار رأساً للجيش أيّام سليمان بدلاً من يوآب والثالث ربما يكون عماسا ولم يذكر إسمه لخيانته لداود =وإنحيازه لإبشالوم. وهؤلاء الثلاثة أتوا بالماء لداود بينما كان فى حربه مع الفلسطينيين وعطش.

ت‌-     ثلاثون :- يشيرون إلى عامة المؤمنيين.

8-   العدد الكلى 37 وهو يساوى 30+3+3+1 (غالباً يوآب نفسه فهو قائد الجميع وقد أسقط إسمه لغدره).

آية (8) :-

هذه أسماء الأبطال الذين لداود يوشيب بشبث التحكموني رئيس الثلاثة هو هز رمحه على ثمان مئة قتلهم دفعة واحدة.

فى (1أى11:11) هو هزّ رمحه على 300 بينما المذكور هنا 800 وذلك ربما للآتى :-

أ- هو قتل 300 ورجالهُ قتلوا 500.           ب- ربما كل رقم فيهم حدث فى معركة مختلفة.

ث‌-     ربما كان الرقم 300 بعد إستقرار داود وقبل سقطة أوريا والـ 800 فى نهاية ملك داود.

د- ربما الـ300 كانوا قتلى والـ800 هم القتلى والجرحى.

 

آية (11) :-

وبعده شمة بن اجي الهراري فاجتمع الفلسطينيون جيشا وكانت هناك قطعة حقل مملوءة عدسا فهرب الشعب من أمام الفلسطينيين.

قطعة حقل مملوءة عدساً: وفى سفر الأيّام قبل حقل شعير. وما المانع أن يكون بالحقل صنفين. والمعنى أن مجموعة من الفلسطينيين أتوا ليغتصبوا محصول الحقل من الحقل من العدس والشعير وهذا البطل قاومهم وأنقذ المحصول. وظهرت شجاعة شمة فى أنه وقف وحدهُ بينما هرب الباقون (أية 12).

 

الآيات (13-17) :-

ونزل الثلاثة من الثلاثين رئيسا وأتوا في الحصاد إلى داود إلى مغارة عدلام وجيش الفلسطينيين نازل في وادي الرفائيين. وكان داود حينئذ في الحصن وحفظة الفلسطينيين حينئذ في بيت لحم. فتاوه داود و قال من يسقيني ماء من بئر بيت لحم التي عند الباب. فشق الأبطال الثلاثة محلة الفلسطينيين واستقوا ماء من بئر بيت لحم التي عند الباب وحملوه وأتوا به إلى داود فلم يشا أن يشربه بل سكبه للرب. وقال حاشا لي يا رب أن افعل ذلك هذا دم الرجال الذين خاطروا بأنفسهم فلم يشا أن يشربه هذا ما فعله الثلاثة الأبطال.

حفظة الفلسطينيين: أى الفلسطينيين المحتلين للحصن. فى الحصاد: أى وقت الحر لذلك عطش داود. من بئر بيت لحم: داود فى عطشه وتعبه أثناء الحرب تذكر بئر الماء الذى كان يشرب منهُ وهو طفل فى بيت لحم وكان ماؤهُ حلواً بارداً وقال من يأتينى بمثل هذا الماء. فهو لم يأمر أحد أن يأتيه بهذا الماء فبيت لحم الآن فى يد الفلسطينيين وهو يعرف هذا ويستحيل أن يطلب من رجالهُ أن يغامروا بحياتهم ليشرب هو ماءً حلواً. ولكن الثلاثة لمحبتهم لداود إستجابوا لأمنيته. ولنلاحظ أن بيت لحم الآن فى يد الفلسطينيين وذلك نتيجة الخطية. بل سكبه للرب: بمعنى أن الرب وحده هو الذى يستحق تقدمة كهذه فيها يخاطر الناس بأرواحهم. وهو إعتبر أن هذا الماء يساوى دماء الرجال والدم لله وحدهُ.

 

الآيات (20-23) :-

وبناياهو بن يهوياداع ابن ذي باس كثير الأفعال من قبصئيل هو الذي ضرب أسدى مواب وهو الذي نزل وضرب أسدا في وسط جب يوم الثلج. وهو ضرب رجلا مصريا ذا منظر وكان بيد المصري رمح فنزل إليه بعصا وخطف الرمح من يد المصري وقتله برمحه. هذا ما فعله بناياهو بن يهوياداع فكان له اسم بين الثلاثة الأبطال. واكرم على الثلاثين إلا انه لم يصل إلى الثلاثة فجعله داود من أصحاب سره.

أسدى موآب: قد يكونوا أسدين أو رجلين من الجبابرة. نزل وضرب أسداً فى جب: ويبدو أن الأسد كان يضرب ويهاجم الناس ثم يهرب للجب فنزل لهُ بناياهو. من أصحاب سره: أى مشيريه.


 

الإصحاح الرابع والعشرون

يختم السفر حياة داود بخطأ خطير إرتكبه داود وهو إحصاء الشعب لمعرفة عدد رجال الحرب دون إستشارة الرب، فحّل على الشعب تأديب قاسى هزّ أعماق نفس داود وذكر هذه القصة هنا مهم جداً فهذا التأديب القاسى إنتهى بتقديم ذبيحة فى مكان الهيكل الذى بناه سليمان. وهذه القصة تعتبر مدخل لحياة سليمان الذى يظهر فى الكتاب المقدس كأن عملهُ الأساسى هو بناء الهيكل وحتى أن الهيكل منسوب لهُ ويسمى هيكل سليمان. حتى بعد أن تم تدميره على يد نبوخذ نصّر وبناه زربابل بعد أن عاد الشعب من السبى إستمر إسمه هيكل سليمان. وكان هذا رمزاً لما عملهُ المسيح. فالهيكل يشير لجسد المسيح (يو21:2) الذى أخذهُ من العذراء مريم ويشير للكنيسة التى هى جَسَدَهُ. والمسيح عَمِلَ هذا لرفع اللعنة عن شعبه كما أن بتقديم الذبيحة فى أرض الهيكل هذا رَفَعَ الله اللعنة عن الشعب. (فسليمان يرمز للمسيح كمؤسس للهيكل وفى أنه إبن داود).

 

آية (1) :-

وعاد فحمي غضب الرب على إسرائيل فإهاج عليهم داود قائلا امض وأحص إسرائيل ويهوذا.

لماذا غضب الله حينما قام داود بعمل هذا الإحصاء :-

1-   هو لم يستشر الرب كعادته.

2- بدأ داود يشعر أن سر قوته هو فى عدد رجالهُ وإمكانياته فبدأ يعتمد على هذا. ولو إفتكر داود كيف كانت بداية حياته وكيف أنه تحوّل من راعٍ للغنم إلى ملك جبار لفهم أن هذا قد تم بقوة ذراع الله وليس بذراع بشر.

3- يبدو أن الدافع الرئيسى، هو الإعلان عن عظمته وقدراته وإمكانياته، كما كان يفعل ملوك الأمم حوله ليرعب الأمم المجاورة، ولقد شاركه الشعب هذه الروح لذلك كانت الخطية على الجميع وليس على داود وحدهُ. لقد حاول داود فى محبته أن ينسبها لنفسه ولبيت أبيه لكى يُصّب التأديب كله عليه دون الشعب.

4- كان الشعب محتاجاً إلى تأديب وإلاّ لأدّب الله داود وحدهُ. ففى موضوع أوريا لم نسمع أن الله أدّب الشعب على خطأ داود بل التأديب إنصّب على من يستحق. لكن الآن نسمع أن الضربة موجهة للشعب إذاً فهو المستحق. ولقد سمح الله بخطأ الراعى لتأديب الرعية، فهى مستحقة للتأديب.

عموماً نستطيع أن نقول أن سقطة داود هنا ومعهُ الشعب هى نفس سقطة إبليس وآدم، هى الأكل من الشجرة المحرمة. فإبليس خلقه الله جميلاً قوياً فرأى جماله وقوته ونسبها لنفسه فإنفصل عن الله ومات وهلك وهكذا فعل آدم وأكل من نفس الشجرة فمات وهلك وحلّت اللعنات بالأرض وبالإنسان. وكان لابد أن يأتى المسيح بجسده ليرفع هذه اللعنة ويؤسس هيكله.

5-   ربما قصد داود بهذا الإحصاء إثارة حروب جديدة لم يأمر بها الله لتوسيع مملكته ولزيادة مجده.

6-   وربما أراد تسخير الشعب بوضع جزية مالية ثقيلة لحسابه الخاص أو حساب الخزانة وليس لحساب خيمة الإجتماع.

7- كان التعداد الذى يسمح بِهِ الله مرتبطاً بتحصيل نصف شاقل عن كل إنسان. (وهذا رمزاً للفداء. . . راجع سفر الخروج) وداود لم يحصل النصف الشاقل بمعنى رمزى ، أنه يريد العدد فقط، يريد شعباً غير مفدى بالدم وغير المفديين تستمر عليهم اللعنة فهم ليسوا من جسد المسيح وليسوا من أحجار الهيكل.

8- لقد أدرك يوآب بالرغم من دمويته خطأ داود وحاول تنبيهه لكن داود أصّر على خطأه والله يستخدم مَنْ حولنا كثيراً ليصل صوته إلينا لذلك مهم أن نسمع المشورة حتى لو جاءت ممن هم أصغر منّا بل لو حتى من أعدائنا فلربما نسمع عن طريقهم صوت الله على أنه من الواجب أن نسمع ونميز الأرواح ونمتحن الأرواح (1يو1:4) فإن تأكدنا من أن الصوت من الله علينا أن نخضع لهُ.

9- نسى داود أن الشعب هو شعب الرب وليس شعبه هو وإن الرب قادر أن يزيد الشعب كما حدث فى مصر إن أراد وهو قادر أن ينقصه كما حدث هنا. والله قادر أن يجعل النصرة بأقل عدد كما حدث فى أيام جدعون. وعلينا أن نعرف هذا لحياتنا فلا نضع قلوبنا على ما نمتلك فالله قادر أن يزيد ويبارك فيما نملك وقادر أن يأخذ كل شئ وقادر أن يبارك فى القليل. المهم أن ننظر إلى الله وليس لما نمتلك.

10-   الخطأ كما قلنا هنا هو خطأ مزدوج فهو خطأ داود وخطأ الشعب فكلاهما شَعَر بأنه قوى وبدأ الشعور بالغرور والإنتفاخ وبالتالى الشعور بعدم الإحتياج لله والإبتعاد عنهُ، بدأ يتسلل للشعب وهذا الإحساس سريعاً ما يؤدى للسقوط فى خطايا كثيرة والله سمح لداود بأن يقوم بالتعداد حتى بعد أن يرى غضب الله يعرف خطأهُ وهذا ما حدث مع بلعام. فكثيراً ما ينبهنا الله لخطأٍ ما مرة وأكثر فنصر على الخطأ فيتركنا الله لنسقط ونرى مرارة عملنا ويكون هذا هو التأديب.

امضِ وأحصِ إسرائيل: هنا الذى قال هو الرب ثم فى (1أى1:21) ووقف الشيطان ضد إسرائيل وأغوى داود ليحصى إسرائيل. وتفسير هذا فالله سمح للشيطان أن يغوى داود حتى تظهر الخطيئة المستترة فى قلبه وفى قلوب شعبه وهى إنتفاخهم أى حبهم لقوتهم وإعجابهم بأنفسهم وإفتخارهم بذواتهم. وهى خطية مستترة أى لا تراها عيونهم فهى ليست مستترة عن الله فالله فاحص القلوب والكلى. لكنها مستترة ومخفية عن عيونهم بدليل أن يوآب نبّه داود أن هذا خطأ لكن داود مع هذا لم يستطع أن يرى الخطأ. ولو ترك الله المرض الخبيث (الكبرياء) داخل داود لهلك بِهِ فسمح الله بهذا أن الشيطان يغوى داود فيعمل داود الإحصاء فيضرب الله الشعب، كل هذا لينقذ الله داود وشعبه من الكبرياء فيشفى إرتدادهم (هو4:14). وعلامة أن هذه الدعوة للتعداد كانت ضد رغبة الله أن داود لم يشعر بالفرح من عَمَلَهُ ولا هو سبّح الله كما هى عادته بل نسمع أن قلبهُ ضربهُ على هذا العمل (أية 10). فلو كان العمل حسب إرادة الله لفرح به وسبح الله عليه، علامة رضا الله أن يفرح الإنسان قلبياً فيسبح الله. أحصِ إسرائيل ويهوذا: يذكر يهوذا هنا مميزة عن إسرائيل وهذا راجع إمّا لأن السفر قد كتب بعد إنفصال المملكتين أو لأن يهوذا سبط الملك. أو لأن داود ملك على يهوذاً أولاً.

 

آية (2) :-

فقال الملك ليواب رئيس الجيش الذي عنده طف في جميع أسباط إسرائيل من دان إلى بئر سبع وعدوا الشعب فاعلم عدد الشعب.

من دان إلى بئر سبع: دان إلى أقصى الشمال وبئر سبع أقصى الجنوب وهذا تعبير كتابى عن كل إسرائيل.

 

آية (3) :-

فقال يواب للملك ليزد الرب إلهك الشعب أمثالهم مئة ضعف وعينا سيدي الملك ناظرتان ولكن لماذا يسر سيدي الملك بهذا الأمر.

رد يوآب يُظهر أنه صوت الله أراد أن ينبه داود أن التعداد خطأ ومعنى الكلام روحى أن الله قادر أن يزيد عدد الشعب 100 مرة أمامك. فلما يُسّر الملك بأن ينتفخ بكثرة شعبه.

 

آية (5) :-

فعبروا الأردن ونزلوا في عروعير عن يمين المدينة التي في وسط وادي جاد وتجاه يعزير.

عروعير: مدينة أمام ربة أى إلى جهة شرق إسرائيل. فهم بدأوا من الشرق.

 

آية (9) :-

فدفع يواب جملة عدد الشعب إلى الملك فكان إسرائيل ثمان مئة ألف رجل ذي باس مستل السيف ورجال يهوذا خمس مئة ألف رجل.

التعداد كان     800000 لإسرائيل، 500000 ليهوذا

وفى (1أى5:21) يذكر  1,100000، 470000 ليهوذا وهناك حلول لهذا :-

1- كان لداود جيش منتخب مكون من 30000 (2صم1:6) هؤلاء لم يدخلوا فى حسابات كاتب سفر الأيّام بالنسبة ليهوذا. فيكون يهوذا 470000+30000=500000.

2- نلاحظ أن يوآب كان كارهاً للإحصاء شاعراً بخطورة الموقف (1أى24:27) ويوآب نتيجة كراهيته للإحصاء لم يقم *بإحصاء لاوى وبنيامين (1أى6:21) وعموماً فاللاويين لا يعدّون كرجال حرب فالحرب ليست عملهم وربما كان سبط بنيامين 30000 وبنيامين يُعّد مع يهوذا فيكون العدد 470000+30000=50000.

3-  بالنسبة لإسرائيل نلاحظ أن سفر صموئيل يقول فكان إسرائيل 800000 أمّا سفر الأيّام فيقول كل إسرائيل 1100000 فكلمة كل لم تقال فى سفر صموئيل والفرق بين الرقمين يمكن تعديله كما يلى :- أن الـ 800000 هم تعداد من يمكن أن يتم تجنيدهم لكن يوجد هناك مجندين فعلاً 288000 فى كل إسرائيل (24000×12=288000) راجع (1أى27: 1-15). بالإضافة إلى أن داود أقام 12 والياً وكل والٍ يتبعه 1000 مجند فيصبح العدد الكلى 800000+288000+12000= 1100000 وأسماء الـ12 والٍ موجودة فى (1أى27: 16-22). ملحوظة* بالنسبة لتعداد بنيامين فغالباً يوآب قام بتعداد بنيامين لكن لم يسجل الرقم رسمياً (1أى6:21، 24:27).

4-  هناك من يحل الإشكال بطريقة لطيفة إذ لاحظ أن كاتب صموئيل حين ذكر تعداد إسرائيل قال إن عدد 800000 الخاص بإسرائيل هم ذى بأسٍ وهذه العبارة لم ترد مع كاتب الأيّام ويَفْهَمْ من هذا أن هناك فرق فى الكفاءة ما بين الـ800000، الـ 300000. عموماً نفهم أن هناك سجلات مختلفة وكل كاتب سجل الأعداد بطريقة مختلفة ولكن الأعداد كلها صحيحة. بل أن هذا الخلاف دليل صحة وليس دليل خطأ فحينما تتطابق القصتان تماماً فيما عدا عدة أرقام نفهم أن المصادر مختلفة ولكنها كلها صحيحة فهم لم ينقلوا من بعضهم إنما هم شاهدين مختلفين رووا نفس القصة بفروق غير مهمة بل تفسر بأنها ترجع إلى أن كل كاتب ينظر من وجهة نظره للتعداد. فهناك من أخذ رقم بنيامين الذى لم يسجل فى سجلات الدولة الرسمية وهناك من لم يأخذه لأنه لم يسجل وكلاهما صحيح.

 

آية (10) :-

وضرب داود قلبه بعدما عد الشعب فقال داود للرب لقد أخطأت جدا في ما فعلت والان يا رب أزل أثم عبدك لاني انحمقت جدا.

هذا هو سر عظمة داود النبى فهو متى عَرِف أنه أخطأ يعترف ولا يقدم مبررات.

 

الآيات (11-14) :-

ولما قام داود صباحا كان كلام الرب إلى جاد النبي رائي داود قائلا. اذهب و قل لداود هكذا قال الرب ثلاثة أنا عارض عليك فاختر لنفسك واحدا منها فافعله بك. فأتى جاد إلى داود واخبره وقال له أتاني عليك سبع سني جوع في أرضك أم تهرب ثلاثة اشهر أمام أعدائك وهم يتبعونك أم يكون ثلاثة أيام وبا في أرضك فالان اعرف وانظر ماذا أرد جوابا على مرسلي. فقال داود لجاد قد ضاق بي الأمر جدا فلنسقط في يد الرب لان مراحمه كثيرة ولا اسقط في يد إنسان.

لقد ضرب داود قلبه أى بدأ يشعر بالندم وظل طوال الليل فى مرارة يترقب ثمار الخطأ الذى إرتكبه. وأتى لداود النبى، جاد النبى حاملاً لهُ 3 خيارات ليختار أحدها كعقوبة. ولاحظ أن الضربات والتأديب تتفق مع الخطية. فداود كان سبب كبريائه هو تعداد شعبه، والله يأخذ منهُ أسباب كبريائه ويحرمه منها. فما تكبر به داود كان سبب ضربته. وكانت الخيارات الثلاثة :- 1- حرب: وهذه ستكون على الجنود فداود لا يخرج للحرب. 2- مجاعة: وهذه لن تصيب داود بأذى فهو يأخذ من الضرائب ما يشبعه. 3- وباء: وهذا قد يصيبه كما يصيب الشعب. ومن نبل داود إختار الوباء ليشارك الشعب. أتأتى عليك سبع سنى جوع: وفى (1أى12:21) يقول ثلاث سنوات. وحل هذا الإشكال بسيط جداً فأحدهم ينظر للفترة التى تفرغ فيها المخازن تماماً (3 سنين) وهذه يسبقها فترة قحط وندرة مياه وتبدأ المحصولات تقل إلى أن تنفذ وقد تكون هذه الفترة سنتان وبعد أن تعود المياه وينتهى الجفاف تمتلئ المخازن ثانية فى سنتين. فلنسقط فى يد الرب ولا نسقط فى يد إنسان: فالحرب تجعلنا نسقط فى يد أعدائنا. والمجاعة ستجعلنا نتذلل لهم ليعطونا ما نأكلهُ. أمّا الوباء فنحن فيه فى يد الرب ومراحم الرب كثيرة.

 

الآيات (15-17) :-

فجعل الرب وبا في إسرائيل من الصباح إلى الميعاد فمات من الشعب من دان إلى بئر سبع سبعون ألف رجل. وبسط الملاك يده على أورشليم ليهلكها فندم الرب عن الشر
وقال للملاك المهلك الشعب كفى الان رد يدك وكان ملاك الرب عند بيدر ارونة اليبوسي. فكلم داود الرب عندما رأى الملاك الضارب الشعب وقال ها أنا اخطات وأنا اذنبت وأما هؤلاء الخراف فماذا فعلوا فلتكن يدك علي وعلى بيت أبى.

إلى الميعاد: غالباً يشير هذا إلى وقت تقدمة ذبيحة المساء فإرتباط الذبيحة واضح مع رفع الضربات. ومعنى هذا أن الله هدّد بوباء يستمر 3 أيام ثم من مراحمه توقفت الضربة بعد يوم واحد. أو تعنى بعد إنقضاء الثلاثة أيام وأيضاً فى ميعاد تقدمة المساء فى اليوم الثالث. ويقول المفسرون أن الملاك كان على ذات جبل المريا الذى قدم فيه إبراهيم إسحق ذبيحة. وكأن المعنى أنه لا سبيل لوقف الوباء الذى يحصد البشر إلاّ ذبيحة الإبن الوحيد الجنس (الوباء الذى يحصد البشر هو الموت). أرونة اليبوسى: أرونة رجل أجنبى يبوسى. وهو رأى الملاك (1أى20:21) فإختبأ هو وأولاده ثم رأى الملك قادماً فإرتبك وتحير وسجد أمام الملك وسألهُ عن سر مجيئه. ونرى فى صرخات داود حبه الفائق لشعبه، فهو إذ رأى شعبه تحت الضيق صرخ طالباً أن تحل الضيقة به وببيت أبيه لا بالشعب، فهو مستعد مثل المسيح أن يتقدم الرعية ليحتمل المخاطر عنهم. وفى صرخاته معنى أن كانوا هم أخطأوا فأنا الراعى وأنا المسئول أدبنى أنا وبيت أبى. أنها خطيتى أنا لذا أستوجب العقوبة.

 

الآيات (18-25) :-

فجاء جاد في ذلك اليوم إلى داود وقال له اصعد وأقم للرب مذبحا في بيدر ارونة اليبوسي. فصعد داود حسب كلام جاد كما أمر الرب. فتطلع ارونة ورأى الملك وعبيده يقبلون إليه فخرج ارونة وسجد للملك على وجهه إلى الأرض. و قال ارونة لماذا جاء سيدي الملك إلى عبده فقال داود لاشتري منك البيدر لكي ابني مذبحا للرب فتكف الضربة عن الشعب. فقال ارونة لداود فليأخذه سيدي الملك و يصعد ما يحسن في عينيه انظر البقر للمحرقة والنوارج وأدوات البقر حطبا. الكل دفعه ارونة المالك إلى الملك
وقال ارونة للملك الرب إلهك يرضى عنك. فقال الملك لارونة لا بل اشتري منك بثمن
ولا اصعد للرب الهي محرقات مجانية فاشترى داود البيدر والبقر بخمسين شاقلا من الفضة. وبنى داود هناك مذبحا للرب واصعد محرقات وذبائح سلامة واستجاب الرب من اجل الأرض فكفت الضربة عن إسرائيل.

سمع الله لصرخات داود المملوءة حباً وطلب أن يبنى مذبحاً فى هذا المكان فلا مصالحة بدون ذبيحة. وإقامة مذبح وتقديم ذبيحة وقبولها من جانب الله يعنى تحقيق المصالحة. ولاحظ إستجابة الله السريعة لصلاة داود إذ جاءَهُ جاد النبى مباشرة. وأرونة عرض المكان مجاناً وداود أصّر أن يدفع فلو أخذه مجاناً لكان أرونة هو الذى قدّم لله وليس داود. وكون داود يدفع فهذا علامة توبته الحقيقية.

50 شاقلاً: هذا ثمن البيدر والبقر حسب أية (24) فداود دفع فوراً هذا الثمن وبنوا مذبحاً قدموا عليه البقر حالاً فى نفس المكان حتى تقف الضربة ودعا داود الرب فإستجابه بنار من السماء وأمر الملاك فرّد سيفه إلى غمده (1أى21: 26،27). ولأن الرب إستجاب داود فى هذا المكان خاف أن يذهب إلى خيمة موسى بعد ذلك التى فى جبعون وعَرِف أن هذا المكان هو الذى إختارهُ الله لتقديم ذبائح فيه وليكون مكان الهيكل الذى سيبنيه إبنه فإشترى المكان كلّه بـ600 شاقل ذهب (1أى25:21).

ملخص حياة داود

داود يرمز للمسيح المتألم على الأرض وهو فى الجسد بينما سليمان إبنه فى حكمته وغناه والسلام الذى عم مملكته يرمز للمسيح فى مجده. فداود كان الإبن الصغير المهمل فى بيت أبيه يسى وترك له رعاية الغنم بينما إخوته ضباط كبار فى الجيش وكان مطارداً من شاول وبعد هذا دخل حروب كثيرة ثم طورد من إبشالوم. لكن لماذا يسمح الله لعبده المحبوب بكل هذا؟

كان الله يُدخل داود فى مدارس إعداد إلهية :-

1-   مدرسة الرعاية ليعده ملكاً والله عمل هذا مع كثير من القادة إذ بدأوا كرعاة غنم ليرعوا شعبه بعد ذلك مثل موسى.

2- مدرسة الإيمان يبدأ بصراع مع دب وأسد فيزداد إيمانه فيصارع جليات فيزداد إيمانه ويصبح قادراً على تحمل أعباء الملك بل تأسيس مملكة وسط أعداء أقوياء. لذلك نجد أن مزاميره تبدأ بالشكوى وتنتهى بالشكر على إستجابة الله دون أن تكون الإستجابة قد حدثت وذلك بسبب إيمانه القوى.

3-   مدرسة الألم حيث إختبر تعزيات الله ( 2كو 4:1،5 ).

4-   مدرسة التأديب الإلهى بعد الخطية لإنتزاع كل ميوله الشريرة من داخله وإعداده لميراثه السماوى

 

الصفحة الرئيسية