مكانة المرأة عند بعض الاسلاميين

.. والنظرة الجنسية لها

 

نصيب المرأة في الاسلام

لعلم الفرائض صلة وثيقة بالحقوق العائلية من حيث انتقال "تركة" الشخص المتوفى إلى أقربائه "العليا". ويتوقف على النظام العائلي تحديد من هو المؤهَّل للميراث، أو بعبارة أخرى من هم الوارثون. فالرجال عند العرب الجاهليين كانوا وحدهم يملكون حق الإرث، وذلك بناء على النظام الأبوي (patriarchal) وهذا بقي أيضاً طابع الشريعة الإسلامية والمبدأ الأساسي في علم الفرائض.

وتُبنى القاعدة القرآنية في تنظيم أحكام الشريعة بشأن الميراث على الآية: "يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن كنّ نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك، وإن كانت واحدة فلها النصف، ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد، فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث، فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين. آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً، فريضةً من الله، إن الله كان عليماً حكيماً" (النساء 4: 11).

وعن الأرامل: "ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهنّ ولد، فإن كان لهنّ ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين، ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد. فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم" (النساء 4: 21).

كما هو الحال في الشهادة فالمرأة تظهر في "علم الفرائض" أيضاً "كنصف إنسان" لها نصف ما للرجل، بيد أن المفسرين القدماء - مثلهم مثل الكتاب المسلمين المعاصرين - يزعمون أن هذا الوضع رفعٌ لمكانة المرأة وتكريم لها، لأنها لم تكن تملك شيئاً من الميراث في المجتمع الجاهلي إلى أن نزلت هذه الآيات: "عن السدي (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) : كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري، ولا الصغار من الغلمان، لا يرث الرجل من أولاده إلا من أطاق القتال. فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر، وترك امرأة يقال لها أم كُحة، وترك خمس أخوات، فجاءت الورثة يأخذون ماله، فشكت أم كحة ذلك إلى النبي (ص)، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية (فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك، وإن كانت واحدة فلها النصف) ثم قال في أم كحة (ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد. فإن كان لكم ولد فلهن الثمن).

ورُوي عن ابن عباس: "كان المال وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين".

ويبدو أن القرآن حاول إصلاح وضع المرأة في الميراث، ولكنه لم يوفَّق - ولا نقدر أن نتوقع ذلك منه - في مساواة كاملة بينها وبين الرجل. وابن جرير الطبري (الذي يجب أن نعتبر تفسيره أقدم ما وصل إلينا بعيداً عن يد التحريف) يكتفي بسرد الروايات عن سبب نزول الآية دون أن يعلق عليها. ولكن نجد في نفس العصر الذي عاش فيه الطبري من اكتشف في طيات هذه الآية مزايا الرجل وما تفوَّق به على الأنثى، نعني المفسر والفيلسوف فخر الدين الرازي: "لا شك أن المرأة أعجز من الرجل لوجوه: أما أولاً فلعجزها عن الخروج والبروز، فإن زوجها وأقاربها يمنعونها من ذلك. وأما ثانياً: فلنقصان عقلها وكثرة اختداعها واغترارها. وأما ثالثاً: فلأنها متى خالطت الرجال صارت متهمة، وإذا ثبت أن عجزها أكمل وجب أن يكون نصيبها من الميراث أكثر، فإن لم يكن أكثر فلا أقل من المساواة، فما الحكمة في أنه تعالى جعل نصيبها نصف نصيب الرجل؟.

يجيب الرازي عن السؤال الذي طرحه بنفسه، فيقول: "والجواب عنه من وجوه: الأول: إن خروج المرأة أقل، لأن زوجها ينفق عليها، وخروج الرجل أكثر لأنه هو المنفق على زوجته، ومن كان خروجه أكثر فهو إلى المال أحوج. الثاني: أن الرجل أكمل حالاً من المرأة في الخلقة وفي العقل وفي المناصب الدينية، مثل صلاحية القضاء والإمامة، وأيضاً شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، ومن كان كذلك وجب أن يكون الإنعام عليه أزيد. الثالث: إن المرأة قليلة العقل كثيرة الشهوة، فإذا انضاف إليها المال الكثير عظم الفساد قال الشاعر:

إن الفراغ والشباب والجِده مفسدةٌ للمرء أي مفسده

وقال تعالى: "إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى" وحال الرجل بخلاف ذلك. والرابع: أن الرجل لكمال عقله يصرف المال إلى ما يفيده الثناء الجميل في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، نحو بناء الرباطات، وإعانة الملهوفين والنفقة على الأيتام والأرامل، وإنما يقدر الرجل على ذلك لأنه يخالط الناس كثيراً، والمرأة تقل مخالطتها مع الناس فلا تقدر على ذلك.

وأخيراً يأتي الرازي المعروف بأسلوبه العقلاني في تفسير القرآن برواية أنّ جعفر الصادق (الإمام السادس للشيعة الإثني العشرية) كدليل على أن القاعدة القرآنية لميراث الأنثى قاعدة شبه أزلية: "رُوي أنّ جعفر الصادق سئل عن هذه المسألة فقال: إن حواء أخذت حفنة من الحنطة وأكلتها، وأخذت حفنة أخرى وخبأتها، ثم أخذت حفنة أخرى ودفعتها إلى آدم. فلما جعلت نصيب نفسها ضعف نصيب الرجل قلب الله الأمر عليها فجعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل". يقول النسفي: "المراد (أي بالآية: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) حال الاجتماع، أي إذا اجتمع الذكر والأنثيان كان له سهمان، كما أن لهما سهمين. وأما في حال الانفراد فالابن يأخذ المال كله والبنتان تأخذان الثلثين".

قد يجوز التسليم بأن القرآن - كما قلنا آنفاً، وكما قال المفسرون جاء بما يمكن اعتباره إصلاحاً لوضع المرأة في المجتمع الجاهلي، وإن لم يكن هذا من قبيل التسوية بين المرأة والرجل قياساً على المفهوم السائد في عصرنا. غير أن القرآن نفسه بأمسّ حاجة إلى الإصلاح من هذه الناحية، نظراً لما انجزت البشرية من تقدم في مساواة الجنسين. فهذه مشكلة المفكر أو الفقيه المسلم اليوم. فهو كمسلمٍ يؤمن أن كتابه الكريم أُنزل من السماء وليس من كلام البشر، فلا يسعه الاعتراف بوجود عيب أو نقص فيه، بل هو مضطر إلى الدفاع حتى عما يسميه الناس "إهانة للمرأة" فيزعم أن ما يسميه الناس إهانة للمرأة هي في الحقيقة تكريم لها: "ولا يزال في الناس إلى يومنا هذا من يرى أن إنسانية المرأة أقل من إنسانية الرجل. وأنها لذلك كانت في الميراث على النصف من ميراث الرجل، وكانت كذلك في الشهادة، ويقولون: إن ذلك هو حكم الإسلام وقد قرره القرآن "للذكر مثل حظ الأنثيين" (النساء 4: 11)، "فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان" (البقرة 2: 282). والحق أن حكم المرأة في الميراث، ليس مبنياً على أن إنسانيتها أقل من إنسانية الرجل، وإنما هو مبني على أساس آخر قضت به طبيعة المرأة والحياة العاملة".

إن نقطة الضعف عند شلتوت وأمثاله من العلماء والفقهاء المعاصرين ممن عنوا بتبرير ما لا يمكن توفيقه مع العصر الحديث من القرآن، هي أن يفترضوا ظروفاً لا يمكن تصور وجودها إلا في ظل الشريعة الإسلامية. فعندما يتحدث شلتوت عن دور المرأة في الحياة العاملة أي كربة البيت وكمن تعيش من إنفاق زوجها، وتحملها أعباء جسيمة!! في سياق دفاعه عن "وللذكر مثل حظ الأنثيين"، ينطلق من مبدأ شبه بدائي للمجتمعات المتقدمة، أي ليس بوسع المرأة أن تشتغل خارج بيتها فتشارك مع زوجها في تدبير المعاش! وأخيراً يرى شلتوت رفي ظل هذا الأساس أن المرأة أسعد حظاً من الرجل في نظر الإسلام".و الى اللقاء.

الصفحة الرئيسية