احكام أهل الذمة

 

فصل أحكام أولاد أهل الذمة إذا بلغوا والمجنون إذا أفاق

فإذا بلغ الصبي من أهل الذمة وأفاق المجنون لم يحتج إلى تجديد عقد وذمة بل العقد الأول يتناول البالغين ومن سيبلغ من أولادهم أبدا وعلى هذا استمرت سنة رسول الله وسنة خلفائه كلهم في جميع الأعصار حتى يومنا هذا لم يفردوا كل من بلغ بعقد جديد .

وقال الشافعي يخير البالغين والمفيق بين التزام العقد وبين أن يرد إلى مأمنه فإن اختار الذمة عقدت له وإن اختار اللحاق بمأمنه أجيب إليه .

وقال القاضي في الأحكام السلطانية وقول الجمهور أصح وأولى فإنه لم يأت عن النبي ولا عن أحد خلفائه تجديد العقد لهؤلاء ولا يعرف أنه عمل به في وقت من الأوقات ولا يهمل الأئمة مثل هذا الأمر لو كان مشروعا .

ولأنهم دخلوا في العقد تبعا مع أوليائهم كما كانوا يدخلون في عقد الهدنة تبعا ولأنه عقد مع الكفار فلم يحتج إلى استئنافه لهؤلاء كعقد المؤمنين وكيف يجوز إلحاقه بمأمنه وتسليطه على محاربتنا بماله ونفسه وأي مصلحة للإسلام في هذا وأي سنة جاءت به وأي إمام عمل به وإذا كان البلوغ والإفاقة في أول حول قومه أخذت منه الجزية في آخره معهم وإن كان في أثنائه أخذ منه في آخره بقسطه ولم يترك حتى يتم حوله لئلا يحتاج إلى إفراده لحول وضبط حول كل واحد منهم وذلك يفضي إلى أن يصير لكل واحد حول مفرد .

وقال أصحاب مالك وإذا بلغ الصبي أخذت منه عند بلوغه ولم ينتظر مرور الحول بعد بلوغه .

ووجه هذا أن بلوغه بمنزلة حصول العقد مع قومه .

وإذا صولحوا أخذت منهم الجزية في الحال ثم تؤخذ منهم بعد ذلك لكل عام كما فعل معاذ بأهل اليمن فإن النبي أمره حين بعثه إليهم أن يأخذ من كل حالم دينارا ثم استمر ذلك مؤجلا وهكذا فعل لما صالح أكيدر دومة وهكذا فعل خلفاؤه من بعده كانوا يأخذون الجزية من الكفار حين الصلح ثم يؤجلونها كل عام وهذا الذي أوجب لأبي حنيفة أن قال تجب بأول الحول . ومن كان يجن ويفيق فله ثلاثة أحوال
أحدها أن يكون جنونه غير مضبوط فهذا يعتبر أغلب أحواله فيجعل من أهله . كتاب أحكام أهل الذمة، الجزء 1، صفحة 157.و158.


الثاني أن يكون ذلك مضبوطا كيوم ويوم وشهر وشهر ونحوه ففيه وجهان أحدهما يعتبر الأغلب من حالته وهذا مذهب أبي حنيفة .

والثاني تلفق أيام إفاقته وعلى هذا الوجه ففي مقدار وقت جزيته وجهان

أحدهما أنه إذا اجتمع له من أيام إفاقته حول أخذت منه الجزية .

والثاني تؤخذ منه في آخر كل حول بقدر إفاقته منه وإن كان يجن ثلث الحول ويفيق ثلثيه أو بالعكس ففيه الوجهان كما ذكرنا فإن استوت إفاقته وجنونه ولم يغلب أحدهما الآخر لفقت إفاقته بقدر اعتبار الأغلب لعدمه فتعين التلفيق .

الحال الثالث أن يجن نصف حول ثم يفيق إفاقة مستمرة أو يفيق نصفه ثم يجن جنونا مستمرا فلا جزية عليه في وقت جنونه وعليه منها بقدر ما أفاق من الحول . كتاب أحكام أهل الذمة، الجزء 1، صفحة 157.

 

ولا جزية على فقير عاجز عن أدائها هذا قول الجمهور وللشافعي ثلاثة أقوال هذا أحدها .

والثاني يجب عليه وعلى هذا قولان أحدهما أنه يخرج من بلاد الإسلام أو لا سبيل إلى إقامته في دار الإسلام بغير جزية . كتاب أحكام أهل الذمة، الجزء 1، صفحة 159.

 

والثاني تستقر في ذمته وتؤخذ منه إذا قدر عليها .

والصحيح أنها لا تجب على عاجز عنها فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها وإنما فرضها عمر رضي الله عنه على الفقير المعتمل لأنه يتمكن من أدائها بالكسب وقواعد الشريعة كلها تقتضي ألا تجب على عاجز كالزكاة والدية والكفارة والخراج و (   لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ) ولا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة .

فإن قيل نحن لا نكلفه بها في حال إعساره بل تستقر دينا في ذمته فمتى أيسر طولب بها لما مضى كسائر الديون قيل هذا معقول في ديون الآدميين وأما حقوق الله تعالى فإنه إنما أوجبها على القادرين دون العاجزين .

فإن قيل الجزية أجرة عن سكنى الدار فتستقر في الذمة قيل انتفاء أحكام الإجارة عنها جميعها يدل على أنها ليست بأجرة فلا يعرف حكم من أحكام الإجارة في الجزية وقد تقدم أن عمر رضي الله عنه أجرى على السائل الذمي رزقه من بيت المال فكيف يكلف أداء الجزية وهو يرزق من بيت مال المسلمين ولا جزية على شيخ فان ولا زمن ولا أعمى ولا مريض لا يرجى برؤه بل قد أيس من صحته وإن كانوا موسرين وهذا مذهب أحمد وأصحابه وأبي حنيفة ومالك والشافعي في أحد أقواله لأن هؤلاء لا يقتلون ولا يقاتلون فلا تجب عليهم الجزية كالنساء والذرية .

قال الشافعي في القول الآخر تجب عليهم الجزية بناء على أنها أجرة السكنى وأنهم رجال بالغون موسرون فلا يقيمون في دار الإسلام بغير جزية وحديث معاذ يدل عليه بعمومه وحديث عمر يتناوله بعمومه أيضا فإنه أمر أن تضرب على من جرت عليه المواسي وإن الجزية إن كانت أجرة عن سكنى الدار فظاهر وإن كانت عقوبة على الكفر فكذلك أيضا فعلى التقديرين لا يقرون بغير جزية .

وأصحاب القول الأول يقولون لما لم يكن هؤلاء من أهل القتال لم يكن عليهم جزية كالنساء والصبيان وقد قال أحمد في رواية عنه من أطبق بابه على نفسه ولم يقاتل لم يقتل ولا جزية عليه .

فأما الرهبان فإن خالطوا الناس في مساكنهم ومعايشهم فعليهم الجزية

كتاب أحكام أهل الذمة، الجزء 1، صفحة 160و161.

 

باتفاق المسلمين وهم أولى بها من عوامهم فإنهم رؤوس الكفر وهم بمنزلة علمائهم وشمامستهم وإن انقطعوا في الصوامع والديارات لم يخالطوا الناس في معايشهم ومساكنهم فهل تجب عليهم الجزية فيه قولان للفقهاء وهما روايتان عن الإمام أحمد أشهرهما لا تجب عليه وهو قول محمد والثانية تجب عليه وهو قول أبي حنيفة إن كان معتملا .

وقال أحمد تؤخذ من الشماس والراهب وكل من أنبت وهو ظاهر قول الشافعي وعليه يدل ظاهر عموم القرآن والسنة ومن لم ير وجوبها احتج بأنه ليس من أهل القتال .

وقد أوصى الصديق رضي الله عنه بأن لا يتعرض لهم فقال في وصيته ليزيد بن أبي سفيان حين وجهه إلى الشام لا تقتل صبيا ولا امرأة ولا هرما وستمرون على أقوام في الصوامع احتبسوا أنفسهم فيها فدعهم حتى يميتهم الله على ضلالتهم وستجدون أقواما فحصوا عن أوساط رؤوسهم فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف . كتاب أحكام أهل الذمة، الجزء 1، صفحة 162.

 

 

 

 

أحكام أهل الذمة

يرد بعضه فوق بعض على الرأس فكل هذا مكروه .
وإن قصر إلى شحمة الأذن أو فوقها بحيث لا يتأتى فرقه وجعله ذؤابتين جاز سدله من غير كراهة وهكذا كان هدي رسول الله في شعره إن طال فرقه وإلا تركه .
والمقصود أن أهل الذمة يؤخذون بتمييزهم عن المسلمين في شعورهم إما بجز مقادم رؤوسهم وإما بسدلها ولو حلقوا رؤوسهم لم يعرض لهم .

243.       -

الصفحة الرئيسية