مجتمع يثرب

مقدمة

مجتمع يثرب قبل الإسلام

مجتمع الصحابة

المرأة في مجتمع يثرب

مجتمع الذكور والإناث

الجنس في مجتمع يثرب

مشكلة " المغيبات "

حمل هذا الكتاب على جهازك

عودة الى الصفحة الرئيسية

3ـ المرأة في مجتمع يثرب

 

ليس أدل على أهمية التماس بين الذكر والأنثى في مجتمع يثرب من أن نورد أمثلة لما كان يحدث في هذه الدائرة - في ذلك الوقت - من واقع أخبار موثقة نقلتها إلينا كتب لا سبيل للطعن عليها بأي حال .

ونبدأ بأبشع صورتين في هذا المجال : الاغتصاب والشروع فيه :

 

- (عن أسباط بن نصر عن سماك بن علقمة بن وائل عن أبيه وائل بن حجر؛ زعم أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد فاستغاثت برجل مر عليها وفر صاحبها ( أي الذي وقع عليها ) ثم مر عليها قوم ذوو عدة فاستغاثت بهم فأدركوا الذي استغاثت به وسبقهم الأخر ؛ فجاءوا يقودونه إليها فقال : إنما أنا الذي أغثتك وذهب الأخر فأتوا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -..الخ

وباقي القصة أن محمداً أمر برجمه ولكن استيقظ ضمير الجاني ( الفاعل الأصلي ) فاعترف وبرئ الآخر الذي أغاثها.

فهنا امرأة تسعى لصلاة الفجر ولكن ذلك لم يمنع الرجل من اغتصابها ونرجح أن ما كان يساعد على سرعة المباشرة سواء في هذا الخبر أو غيره مما سوف نسطره أنهم رجالاً ونساء لم يكونوا يرتدون ملابس داخلية لأنهم كانوا يجهلونها تماماً خاصة السراويل ولم يكن يعرفها إلا أقل القليل منهم .

 

( حدثنا الحسن بن الملك بن ميسرة عن النزال بن سيرة قال :

بينما نحن بـ " منى " مع عمر- رضى الله عنه - إذ امرأة ضخمة على حمار تبكي قد كاد الناس أن يقتلوها من الزحمة عليها وهم يقولون لها : زنيت .. زنيت .

 

فلما انتهت إلى عمر- رضي الله عنه - قال : ما شأنك إن امرأة ربما استكرهت ؟

فقالت : كنت امرأة ثقيلة الرأس وكان الله يرزقني من صلاة الليل فصليت ليلة ثم نمت والله ما أيقظني إلا رجل قد ركبني ثم نظرت إليه معقباً ما أدري من هو من خلق الله - فقال عمر: لو قتلت هذه خشيت على الأخشبين النار- والأخشبان الجبلان المطبقان على مكة وهما أبو قبيس والأحمر )

 

امرأة من قوامات الليل وفي أقدس الأماكن وأقدس الأزمان تؤدي أقدس الشعائر كل ذلك لم يحل دون الوثوب عليها واغتصابها .

 

- ( وقال في رواية الكلبي أن رجلين أنصارياً وثقفيا آخى رسول الله - ص - بينهما فكانا لا يفترقان ؛ فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض مغازيه وخرج معه الثقفي وخلف الأنصاري في أهله وحاجته وكان يتعاهد أهل الثقفي فأقبل ذات يوم فأبصر امرأة صاحبه قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها فوقعت في نفسه فدخل ولم يستأذن حتى انتهى إليها فذهب ليقبلها فوضعت كفها على وجهها فقبل ظاهر كفها ثم ندم واستحيا فأدبر راجعاً فقالت : سبحان الله خنت أمانتك وعصيت ربك ولم تصب حاجتك )

هذا اليثربي لم يعبأ بمؤاخاة محمد بينه وبين الثقفي وأنهما أصبحا كالأخوين لا يفترقان ؛ ولا أن الثقفي خرج مجاهداً في سبيل الله ؛ فما أن رأى زوجته قد اغتسلت ونشرت شعرها حتى نسى ذلك واقتحم عليها منزلها ناوياً اغتصابها لولا أنها كانت عفيفة فصدته ووبخته.

هذا الخبر يؤكد ما ذكرناه من أن الأنساق الاجتماعية المتمكنة في النفوس من أعسر العسير أن تزول في بضع سنين وبمجرد قراءة أو سماع نصوص ومواعظ.

 

( قال ابن عباس في رواية عطاء : نزلت آية ( والذين إذا فعلوا فاحشة ) في نبهان التمار؛ أتته امرأة حسناء باع لها تمراً فضمها إلى نفسه وقبلها ثم ندم على ذلك فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر له ذلك فنزلت هذه الآية )

هذا التمار ( بائع التمور ) انتهز فرصة خلوته بالمرأة الحسناء التي جاءت تعامله فهجم عليها واحتواها بين ذراعيه وقبلها ويبدو أنها قاومته فاستحى من نفسه وندم على فعلته الفاحشة.

     

  1. ( عن علقمة والأسود عن عبد الله بن مسعود قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة وإني أصبت منها دون أن آتيها وأنا هذا فاقض في ما شئت قال : فقال عمر : لقد سترك الله لو سترت نفسك فلم يرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فانطلق الرجل فأتبعه رجلاً ودعاه فتلا عليه الآية ( أن الحسنات يذهبن السيئات ) فقال : يا رسول الله هذا له خاصة ؟ قال : لا بل للناس كافة )

     

 

ونذكر بما قلناه إن الداعية يصبر ويتسامح ويتجاوز ويفتح باب التوبة والإنابة ويتلو على الرجل المخالف آية لا تقنطه بل تعطيه الرجاء ما دام لم يقترف بما يوجب توقيع الحد عليه -لماذا ؟

لأن محمداً يعرف أن هؤلاء سلخوا من أعمارهم شطراً كبيراً في مجتمع تستعر فيه علاقة الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر على السواء وأن هذا النسق من السلوك لن يختفي في عقد من السنين ولا أن الفاعلين في ذاك المجتمع سيقلعون لمجرد سماع موعظة بليغة !

وتتكرر المخالفات من أفراد ذلك المجتمع فلا يقابلها محمداً إلا بمزيد من سعة الصدر والعفو :

( حدثنا سليمان التميمي عن أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي - ص - فذكر ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية ( أقم الصلاة .. إلى آخر الآية ) فقال الرجل إلى هذه ؟ قال : لمن عمل بها من أمتي )

 

أن محمداً أدرك أن الجنوح مستمر وسلسلة الأخطاء والخطايا ممتدة وأن القاعدة الشعبية العريقة واقعة لا محالة تحت سلطان الأعراف والقيم والتقاليد التي درجت وشبت وشابت عليها وأن من الأصلح فتح باب التوبة فقرأ عليهم آية تخبرهم أن إقامة الصلاة والإتيان بالحسنات يمحوان تلك الآثام التي يمارسونها في سهولة ويسر باعتبارها أنها جزء من نمط الحياة الذي يحبونه.

(عن عبد الله بن مغفل قال : لقي رجل امرأة كانت بغياً فجعل يداعبها حتى بسط يده إليها فقالت : مه ؛ أن الله قد أذهب الشرك فتولى فأصابه الحائط فشجه فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال :

( أنت عبد أراد بك خيرا وإذا أراد الله بعبد خيراً عجل له العقوبة في الدنيا )

 

هذا الصحابي يداعب البغي السابقة ثم يبسط يده إليها بادئاً بما في نفسه أنه ينتهي بهما إلى المواقعة ولكنها تصده صداً عنيفاً وتذكره بأن أيام الشرك فيؤوب خزيان حتى لا يبصر جداراً أمامه فيشجه ؛ ولما ينهي الأمر إلى محمد لا يعنفه بل يرفق به ويعلمه أن الله أراد به خيراً .

هذه بعض أمثلة على ما كان يقع من حوادث اغتصاب أو شروع فيه ؛ ليس من بينها واحد مستخرج من مصدر مشكوك فيه أو ( مضروب ) أي مغموز فيه ؛ وهي تقطع بأن " المجتمع اليثربي " رغم وجود محمد بين ظهرانيه فإن نسق التصاق الذكر بالأنثى ظل كما كان مشتعلاً متوهجاً.

ولكن الذي يلفت النظر بشدة هو موقف محمد الذي اتسم بغاية الرفق والتسامح والعفو والتجاوز لأنه أدرك بثاقب بصيرته النفاذة أن أفراد ذلك المجتمع من المستحيل أن يتغير سلوكهم سريعاً .

ومن البديهي أن نذكر أن تلك الأفعال لم تصل إلى ارتكاب ما يستوجب توقيع الحد باستثناء واقعة اغتصاب المرأة التي كانت في طريقها لأداء صلاة الفجر إذ عفا عن الجاني لأنه أكبر فيه شجاعته إذ تقدم طائعاً مختاراً معترفاً بجرمه بعد أن رأى بريئاً سوف يدفع ثمن فعلته الشنعاء.

" وفقت مدرسة التحليل النفسي إلى حد كبير في تفسير الأحلام .. وقالت : إن الحلم هو دائماً إرضاء لرغبة مكبوتة .. فثمة رغبات أخرى قد تتخذ من الحلم سبيلاً وهمياً إلى إرضائها لأنها لا تجد في عالم الواقع ما يرضيها "

إذن من أهم وظائف الحلم النفسية تعويض الحالم بما يفتقر إليه في الواقع .. ويرى فرويد وهو يتكلم عن الأحلام وتفسيرها أن لكل حلم محتوى ظاهراً ومعنى خبيئاً نسميه " الأفكار الكامنة " وأنه يجب التمييز بينهما وأن ذلك لازم في عملية تأويل الأحلام.

الرغبة تتحول في الأحلام إلى واقعة كما تتحول الأفكار المستترة إلى صور ذهنية في أغلب الأحوال.

 

وبعد هذا التمهيد نلقي نظرة على الأخبار الآتية :

 

- (عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم - أنها أخبرت عروة بن الزبير راوي الحديث أن أم سليم أم بني طلحة دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق أرأيت المرأة ترى ما يرى الرجل .. أتغتسل ؟ قال : نعم ؛ فقالت عائشة:أفلك أترى المرأة ذلك ؛ فالتفت إليها النبي صلى الله عليه وسلم -فقال : تربت يمينك من أين يكون الشبه ؟ )

 

وفي رواية أخرى :

- عن أم سليم - رضي الله عنها - قالت : كنت مجاورة أم سلمة - رضي الله عنها - زوج النبي- صلى الله عليه وسلم - فقالت : أم سليم : يا رسول الله أرأيت إذا رأت المرأة أن زوجها جامعها في المنام أن تغتسل ؟ فقالت أم سلمة : تربت يداك يا أم سليم فضحت النساء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم -..)

أخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن امرأة يقال لها بسرة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم - وقالت : يا رسول الله إحدانا ترى أنها مع زوجها في المنام ؛ قال : إذا وجدت بللاً فاغتسلي يا بسرة )

 

الحديث الأول حديث أم سليم أخرجه أحمد ومسلم والبيهقي والدرامي ونقله ابن قدامة في المغنى أي أنه ثابت وموثق توثيقاً مكيناً والآخر حديث بسرة أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ونقله عنه أبو حمزة الدمشقي في " الأسباب " وهما يدلان على أن احتلام النسوان في المجتمع اليثربي آنذاك ؛ الناتج عن رؤيتهم أحلاماً بأن أزواجهن تفخذوهن في المنام ؛ مسألة لا يرقى إليها شك.

وهذا يؤيد فكرتنا التي قلنا بها من أن اتصال الذكر والأنثى كان لديهم من الشواغل الأثيرة حتى اللاتي لا يجدن ذلك متحققاً في واقع الحياة يرينه في الحلم . وقد ذكرنا فيما سلف ما يؤكده علماء التحليل النفساني من أن الحلم يؤدي دوراً تعويضياً كبيراً بتحقيق الرغبات الكامنة المكبوتة التي لا تجد في الواقع ما يرويها ويشبعها.

 

ولم يقتصر الاحتلام على النسوان بل كان بعض الرجال يحتلم كان ذلك يحدث إذا اضطرته ظروف قاهرة للانفصال عن أنثاه مما يقطع بأن الاتصال بين الجنسين كان طقساً يمارسونه يوميا فإذا لم يتيسر لهم في اليقظة أي في الواقع رأوه في المنام على سبيل التعويض :

 

- ( قال رفاعة بن رفاعة بن مالك : غلبني النوم فاحتلمت حتى اغتسلت آخر الليل - كان ذلك ليلة غزوة بدر الكبرى )

لقد كان حرياً بهذا الصحابي أن يبيت مهموماً بالمعركة التي تقرر أن تدور رحاها في اليوم التالي وهو يعلم أنها معركة فاصلة ولكن الطبع غلاب والعادة لها سلطانها.

ولم تكن كل النساء اليثربيات يكتفين بالمفاخذة التعويضية التي تحدث في الأحلام بل كان بعضهن يمتلك حساً واقعياً لم يرض بما يراه أو حتى يحسه في الرؤية فكان يبحث عن الزواج أو النكاح بحثاً دؤوباً وفي عجلة ولهفة وينق عن الشاب الجلد الذي يروي الظمأ ويعطي المتعة ويعرض عن الشيخ الكبير حتى لو كان ذا مال مثل :

سبيعة بنت الحارث الأسلمية كانت زوجة لسعد بن خولة من بني عامر بن لؤي وكان ممن شهد بدرا فتوفى عنها في حجة الوداع ؛ فما إن طهرت من نفاسها حتى بادرت بالتزين والتجمل للخطاب انتظاراً لإقبالهم عليها فدخل عليها ثلاثة هم : أبو السنابل بن يعكك وكهل وشاب فاختارت الشاب وفضلته وتفضيل الشاب ليس بحاجة إلى تعليل :

(..فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها أبو السنابل بن يعكك فقال لها : مالي أراك تجملت للخطاب ترجين ( النكاح ) فخطبها فأبت أن تنكحه فخطبها رجلان : شاب وكهل فخطبت إلى الشاب )

وتراوحت الروايات في مدة الوضع بعد وفاة الزوج ما بين أسبوع إلى ثلاثة أسابيع ولم يستغرق طهرها من النفاس أكثر من أسبوعين أي أن سبيعة تزوجت بعد ترملها بشهر أو أقل ولا تفسير لذلك إلا الوله بالتماس مع الطرف الأخر.

 

وواقعة أخرى عن ذوات النزعة الواقعية يحملها لنا الخبر الآتي :-

(عن الربيع بن سبرة أن أباه حدثه أنهم ساروا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع فقال : استمتعوا من هؤلاء النساء ؛ والاستمتاع عندنا التزويج فعرضنا ذلك على النساء فأبين إلا أن يضرب بيننا وبينهن أجلاً فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: افعلوا. فخرجت أنا وابن عم لي معه برد ومعي برد وبرده أجود من بردي وأنا أشب منه فأتينا امرأة فأعجبها شبابي وأعجبها برده فقالت : برد كبرده وكان الأجل بيني وبينها عشراً فبت عندها الليلة .

وتكملة الخبر تحريم زواج المتعة إلى يوم القيامة.

 

سبيعة الأسلمية فور طهرها من نفاسها تتجمل وتتزين ويدخل عليها الخطاب يعاينونها وتعاينهم ثم تختار منهم الشاب وتذر الكهل الذي أهلك الدهر قوته والأخرى - صاحبة زواج المتعة - لا تعير برد الشيخ الكبير اهتماماً رغم نفاسته وجودته وتفضل الشاب ذا البرد الحائل المستهلك إذ ماذا يغنى البرد الجيد عن صاحبه الكبير المتهالك !!!

ووقوع اختيار المرأتين على الشابين مؤشر واضح على قوة التماس بين الذكر والأنثى لديهن وهيمنته على وجدانهن وأنه الهاجس الوحيد الذي يتمركز في بؤرة الشعور لأن الأخبار لم تحدثنا أن السبب كان هو حسن خلق الشابين أو عمق تدينهما أو تضحيتهما في سبيل الدين أو لسابقتهما في الإسلام للسبب في آن .

 

ولعل من المناسب أن نذكر أن السبب في أن محمداً أحل لأصحابه " زواج المتعة " هو إدراكه العميق لما كان يجري داخل حنايا " مجتمع يثرب " وكان يهيمن على تفكير الفاعلين فيه من الجنسين فأحل هذا النوع من النشاط حتى يدرأ به عنهم شرور العلاقات المحرمة فهو في آخر المطاف ( زواج ) أو ( نكاح ) مشروع لا شبهة فيه ومما يؤيد ذلك تيسير ما يدفع في زواج المتعة من صداق أو سياق أو مهر مثل : بردة أو نعلين أو حفنة من تمر... ونحن نزكي رأي ابن عباس أن زواج المتعة ظل حلالاً حتى حرمه عمر بن الخطاب ونعلل تحريم ابن الخطاب له هو تدفق السبايا والجواري المجلوبات من البلاد المفتوحة والموطوءة على يثرب حتى شبع الرجال منهن ومن ثم لم يعد هناك مبرر لـ" زواج أو نكاح المتعة " وسبق أن ذكرنا أن تغير الظروف المادية لدى مجتمع معين يؤدي بطريق الحتم واللزوم إلى تغير أنساقه الاجتماعية وعاداته وأعرافه وأفكاره بل وعقائده وعلى أحسن الفروض تفسير تلك العقائد تفسيراً مختلفاً.

ولكن ماذا تفعل المرأة في مجتمع يثرب إذا تزوجت من رجل لم يستطع إرواء ظمأها ؟

 

أنها تـُشهر به وتعلن ذلك للقاضي والداني للبعيد والقريب حتى تعلم القرية ( يثرب ) كلها بعنته وتلجأ لمحمد طالبة منه أن يخلصها من هذه ( المصيبة ) ولا تقول ذلك بصورة ملفوفة بأن تلمح ؛ لا ؛ بل إنها تصيح مصرحة بذلك بأعلى صوتها وبطريقة خادشة تفزع حتى الرجال من الكهول :

عن عائشة قالت : دخلت امرأة رفاعة القرظي وأنا وأبو بكر عند النبي- صلى الله عليه وسلم - فقالت : أن رفاعة طلقني البتة وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني وإنما عنده مثل الهدبة وأخذت هدبة من جلبابها ؛ وسعيد ابن العاص بالباب لم يؤذن له فقال : يا أبا بكر ألا تنهى هذه عما تجهر به بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما زاد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى التبسم وقال :

كأنك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ... لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك )

ورفاعة القرظي هو رفاعة بن السموءل والمرأة هي تميمة بنت وهب.

والخبر موثق أشد ما يكون التوثيق إذ أوردته عوالي دواوين السنة ولا يكاد يخلو منه كتاب من كتب الفقه في المذاهب كافة لأنه إنطوى على قاعدة فقهية هي " ذوق العسيلة " : -

وهو دليل دامغ على أن مسألة الملامسة بين الجنسين في " مجتمع يثرب " مسألة هامة وملحة لدى اليثاربة رجالا ونسوة.

 

وفي أحيان أخرى كانت المرأة في ذلك المجتمع لا تكتفي بقدرة الرجل على الركوب والمباطنة وكفايته في المجامعة والمفاخذة ؛ بل كانت تشترط فيه أن يكون مليحاً وضيئاً حتى تكتمل لها المتعة أثناء الاعتلاء والامتطاء :

 

- ( امرأة قيل أنها حبيبة بنت سهل الأنصارية وقيل أنها جميلة بنت سلول وقيل أنها جميلة بنت أبي سلول وقيل بل أنها أخت عبد الله بن أبي بن سلول ؛ تزوجت من قيس بن ثابت وهو قصير دميم ويبدو أنها لم تعاينه قبل النكاح ( الزواج ) فما إن وقعت عيناها عليه حتى كرهته ؛ وحاولت أن تعاشره ولكن نفسها لم تطاوعها إذ مما لا شك فيه أن قبح خلقة أحد الطرفين ودمامته يفسدان على الآخر متعته ولذته وبهجته ؛ فذهبت إلى محمد وأبلغته أنها لا تشتكي من ابن ثابت في خلقه ودينه ولكنها لا تطيقه بغضاً وتكره دمامته ولولا مخافة الله لبصقت في وجهه كلما دخل عليها وأنها تريد فراقه لأن رؤيته تصيبها بالغم والكآبة والابتئاس وكان أصدقها حائطاً أي حديقة.

وفي رواية حائطين فسألها محمد إن كانت على استعداد لترد عليه حديقته فسارعت تجيب : أردها وزيادة فاستدعى قيساً وفك ما بينهما من عقد النكاح وردت الحديقة ) ولأنه أول خـُلع في الإسلام بين زوج وزوجه نجده مسطوراً في كتب المذاهب الفقهية كافة في الأبواب التي تتناول النكاح والطلاق والـُخلع والظهار

هذه اليثربية تزوجت رجلاً فاضلاً لا عيب في دينه أو خلقه أو معاملته أو عشرته أو إنفاقه على البيت ومع ذلك أبغضته وفزعت إلى محمد مُصِرة على طلب الانفصال عنه لمجرد أن منظره كئيب يفقدها متعة التلاقي ونشوة التماس.

 

وفي المقابل نرى أن ملاحة ابن واحد من الصحابة ووضاءته قد جنتا عليه إذ تعشقه نسوان ذلك المجتمع وتدلهن في حبه وتمنينه وأخذن يصرحن بذلك في أبيات شعر :

( نصر بن الحجاج بن علاط السلمي كان من أحسن الناس وجهاً ولمة وفي ليلة سمع امرأة تقول : ألا سبيل إلى خمر فأشربها : ألا سبيل إلى نصر بن حجاج وهذه المرأة هي الفريعة بنت همام ويقال : أنها أم الحجاج بن يوسف الثقفي ولذلك قال له ( للحجاج ) عروة بن الزبير: يا ابن المتمنية .

فنفى عمر نصراً من المدينة فألأتى الشام فنزل على أبي الأعور السلمي ( له صحبة ومن شيعة معاوية ضد علي ) فهوته امرأته وعشقها ( = نصر ) وفطن أبو الأعور لذلك .. فابتنى له قبة في أقصى الحي فكان بها واشتد ضناه بالمرأة كلفاً بها حتى مات وسمى " المضني " وضربت به الأمثال )

وفي رواية أن عمر بن الخطاب أمر بحلق رأسه فازداد حسنا وجمالا فتضاعف توله اليثربيات به وأصبحت كل يثربية تتمنى التماس به فنفاه ابن الخطاب عن يثرب ( المدينة ) ولا ذنب لنصر في ذلك فالجمال منحة من الله لا من صنعه هو؛ والمرء يؤاخذ على ما جنت يداه ويسأل عما إقترف فنفي عمر له وتغريبه إياه لم يكن عدلاً وليس في شرع الإسلام ما يسوغه أو يبرره .

ونصر هذا أبوه صحابي بلا خلاف وكذا أبو الأعور السلمي ( من رهطه وعشيرته ) الذي نزل عليه ضيفاً في منفاه صحابي أيضاً وفي الأغلب الأعم أن امرأة أبي الأعور هي الأخرى كذلك ولم تذكر المصادر اسمها لنتأكد من ذلك ولكننا نقوله من باب الترجيح ؛ فهذه المجموعة التي تشكل أبطال القصة تمثل عينة لـ " مجتمع يثرب " وما كان يشغله في هذا المجال ؛ فلو لم تكن مسألة التلاقي بين الأنثى والذكر ذات بال لما افتتنت اليثربيات بالفتى الجميل نصر ولما لا حقنه وتمنينه وقلن شعراً في ذلك حتى ارتفع الأمر إلى الحاكم فلا يجد خلاصاً لهذه المشكلة التي أرقت عيون نسوة يثرب إلا بنفيه منها.

 

وتعج المصادر على اختلافها وتنوعها ( أحاديث ؛ تفسير ؛ أسباب نزول وورود ؛ ناسخ ومنسوخ ؛ فقه) بصور عجيبة تؤكد ما نذهب إليه :-

- ( عن عكرمة عن ابن عباس قال : جاء إلى النبي- صلى الله عليه وسلم - قال : أن امرأتي لا تمنع يد لامس ؛ قال : غربها ؛ قال : أخاف أن تتبعها نفسي قال : فاستمتع بها ) ؛ وعبارة ( لا تمنع يد لامس ) واضحة لا تحتاج إلى بيان ففي القرآن ( أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا .. ) ومع ذلك فهذا الرجل اليثربي لم يأخذ بنصيحة محمد أن يغرب زوجته اليثربية التي لا طاقة لها بمنع يد لامس ويعلل ذلك بأنه يحبها ولا يطيق فراقها ولو فعل ذلك أي لو نفاها لتبعها أي لحق بها في منفاها !!!.

 

ويثربية أخرى تظهر عليها علامات الاستجابة ليد من يلمسها ومنذ قديم حال هذا الصنف من النسوة لا يخفى على اليقظ :

- ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - : لو كنت راجماً بغير بينة لرجمت فلانة فقد ظهرت فيها الريبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها )

في الحديث أن الشك يحوط تلك اليثربية من وجوه ثلاثة :

كلامها مضموناً وطريقة وصوتاً ... الخ وملابسها وطريقة تزينها وأن لها عملاءها من اليثاربة أفراد ذلك المجتمع الذين يشاركونها في أفعالها ؛ ويبدو أن دائرة نشاط تلك الـ " فلانة " اتسعت وتعمقت وانتشرت حتى أقلقت محمداً .