التالي

بحث سادس

ما بين الوحدة الموضوعية والوحدة الفنية في السورة

ليس لدينا من آثار يمكن المقارنة معها سوى الشعر الجاهلي ، في أروع مظاهره ، المعلّقات : "إن الأدب الجاهلي – وخاصة الشعر – هو المنظور إليه في معرض التحدّي ؛ وهو الذي يقع الاعجاز عليه ، اذ كان هذا الأدب ، وهذا الشعر ، غاية ما يمكن أن يرقى اليه فن القول ، في مجال العمل الانساني ، في استصحاب الكلمة والتعامل بها" (1) .

ويشهد الواقع أن القصيدة المعلّقة من الشعر الجاهلي وحدة فنية بنظمها وقافيتها – لا وحدة موضوعية : فهي مجموعة متفرّقات . وعلى طريقة نظمهم جاءَ نظم السورة في القرآن : فقد

ــــــــــــــــــــــــ

(1) عبد الكريم الخطيب : اعجاز القرآن : 118:1

تجمعها وحدة فنية في النظم والفاصلة ، مثل سورة البقرة ؛ ولكن لا تجمعها الوحدة الموضوعية ، أو "الوحدة العضوية" كما يقول العقاد . فالسورة القرآنية – مع ما فيها من اعجاز في النظم والتأليف – هي مجموعة متفرقات ، يشوبها التفكك في وحدة الموضوع ، وهذه أم الاعجاز في التأليف . وقد يأتي الاختلاف في الفاصلة ، محط النظم وقاعدته ، فيظهر التفكك حينئذ نظما وموضوعا : فنفقد الوحدة الموضوعية والوحدة الفنية جميعا .

أولا : مثال من السور الآولى

خذ مثالا السورة الأولى ، (العلق) ؛ فهي تذكر أولا أمر الوحي للنبي بالقراءة والتعلّم بالقلم ، على فاصلة أو فاصلتين (1 – 5) . ثم تذكر (6 – 19) حادثة أخرى ، وقعت بعد زمن ، وفي غير موضع ، وفي غير موضوع ، وبغير فاصلة في النظم : نهي عمه أبي جهل له عن الصلاة . فمن السهل خلق القرائن المعنوية واللفظية لتعليل المناسبة في الجمع بين القسمين . ولكن هذه الوحدة لا تستقيم في سورة (العلق) ؛ لا زمانا ، ولا مكانا ، ولا موضوعا ، ولا نظما .

والسورة الثالثة (المزمّل) في قسمها الأول وحدة فنية ينقضها القسم الأخير (20) . وفي الوحدة الفنية تختلف المواضيع : فهو يذكر دعوة محمد الى قيام الليل وترتيل القرآن (1 – 9) ثم دعوته الى الصبر على ما يقولون ؛ ونعرف أن الدعوة كانت سرية بين أفراد قلائل لم تظهر بعد حتى يتصدّى لها المكذبون أولو النعمة (10 – 13) . فإن شفع النظم والروي للوحدة الفنية ، فلن يشفع للوحدة الموضوعية التي تختلف موضوعا وزمانا ومكانا .

والسورة الرابعة (المدثر) ، مجموعة متفرقات يدل عليها تنوّع الموضوعات ، وتنوّع الفاصلة ، وخرق وحدة النظم في الآية الحادية والثلاثين التفسيرية الدخيلة على السورة من وحي آخر .

هذا مطلع التأليف في النظم القرآني ، والكتاب يُعرف من عنوانه .

ثانيا : مثال التأليف في سورة (البقرة)

ننتقل الى سورة (البقرة) ، وهي "فسطاط القرآن" ، و"سنام القرآن" . و"قال الإمام الرازي في سورة البقرة : مَن تأمل في لطائف نظم هذه السورة ، وفي بدائع ترتيبها ، علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة الفاظه وشرف معانيه ، فهو أيضا بسبب ترتيبه ونظم آياته . ولعل الذين قالوا إنه معجز بسبب اسلوبه أرادوا ذلك "(1)

ولبيان ذلك جعلوا من حسن المناسبة : الاستطراد ثم التخلص ثم الانتقال . وهذه الفنون التي استنبطوها للمناسبة البيانية إنما هي تقطع الموضوع ، وتجعل السورة مجموعة متفرّقات ، تدل عليها أسباب النزول . فهي تجمع آخر ما نزل بالمدينة الى أول ما نزل فيها ؛ وتجمع أحكاما مختلفة من أزمنة مختلفة بالمدينة ؛ ولو جمعت بينها الوحدة الفنية من نظم وفاصلة . فهو مثلا يقطع براهين التوحيد (22 – 29) ببيان على مواقفهم المختلفة من الدعوة (23 – 27) . وهو يقطع خطابات اليهود الثمانية (40 – 168) بخطاب أول مقحم للمسلمين في تحذيرهم من مناورات اليهود (75 – 81) وبخطاب ثان مقحم في تحذيرهم من دس اليهود والمنافقين على النسخ في القرآن (105 – 110) ؛ ثم بمجموعة متفرقات (111 – 121) من مناظرة النصارى في عام الوفود (111 – 113) . وظلم الذين يصدون عن الحج ، نزلت لمّا صدوا النبي عام الحديبية عن مكة (114 – 115) مع ردّ على نسبة الولد الى الله (117 – 118) ، ويختم القسم الأول منها ، الدعوة للتوحيد ، بمجموعة متفرقات أخرى : في قتلى بدر (153 – 157) وفي السماح بالطواف بالصفا والمروة (158) .

والقسم الثاني من (البقرة) تشريع مجموع من أزمنة مختلفة (188 – 242) : يقطعه بعد مطلعه بجملتين على اليهود (174 – 177) ؛ ويقحم فيه تشريع القتال ليوم الحديبية (190 – 195) ؛ ويجمعون فيه شرعة الحج الأولى من عام الحديبية (196) الى شرعة الحج النهائية من بعد فتح مكة (197 – 203) . ويقطع التشريع بقصة المنافق الأخنس بن شريف (204 – 206) وقصة صهيب المؤمن المضطهد المهاجر (207) وقصة النفر السبعة من اليهود الذين تردّدوا في اسلامهم مع ابن سلام اليهودي (208– 213) . وتتبع مجموعة فتاوى مختلفة (215 – 225) قبل تفصيل احكام الطلاق (226 – 242)

ــــــــــــــــــــــــ

(1) الاتقان 108:2

ويأتي القسم الثالث في التحريض على الجهاد (243 – 274) ، يقطعه بسورة مستقلة في توحيد الحي القيوم (255 – 260) . والحقوا بالسورة " آخر ما نزل من القرآن " : آية الربا (275) مع ملاحقها ، ثم آية الدّيْن عند كاتب بالعدل (282) ، وفصلوا بينهما بالآية التي فيها نُعيت نفس محمد اليه ومات بعدها (281) . فما وجه الاعجاز في الجمع بين هذه الخواتيم الثلاث ؟

ويختمون السورة بآية المحاسبة على الوسوسة (284) ثم بالآية الناسخة لها (286) . فقد نفهم الجمع بين المنسوخ والناسخ ؛ لكن ما وجه الاعجاز بختم التحريض على الجهاد بهذه الآيات ؟

ثالثا : مثال التأليف في سورة (المائدة)

وسورة (المائدة) – وهي من أواخر القرآن نزولا – مثال قائم على التفكّك في التأليف ، مهما استنبطوا له من استطراد وتخلص وانتقال ، في فنون المناسبة ، للحفاظ على الوحدة الموضوعية في التأليف .

إن وحدة السورة القرآنية ، كوحدة القصيدة الجاهلية ، تقوم قبل الموضوع على وحدة النظم والروي . وهذا واقع قرآني متواتر . لذلك فاختلاف النظم والروي دليل على الجمع المتنافر نظما ، علاوة على اختلاف الموضوع .

تستفتح السورة بآية العقود (1) وهي فاتحة فصل في الوفاء لعهد الحديبية (7 – 11) . لكنهم أقحموا بين الفاتحة (1) والفصل (7 – 11) بمجموعة تشريعات من زمن عمرة القضاء سنة 629م (2 – 10) . وفي آية تحليل الأنعام (1) – والمقصود الا بل خاصة ، وكان أهل الكتاب اليهود يحرمونها – إشارة الى ما حُرّم منها : "إلاّ ما يتلى عليكم" ؛ والاشارة الى الماضي ، بينما آية التحريم تأتي بعد (3) . وفي آية التحريم هذه ، من زمن عمرة القضاء ، أقحموا "ما نزل يوم عرفة ، عام حجة الوداع" (الجلالان) ، وهي قوله : "اليوم يئس ... اليوم أكملت لكم دينكم" ، وهي عامة ، فجعلها الاقحام مخصوصة بآية التحريم (3) كأن كمال الدين والاسلام فيها ‍ فأضر إقحامها بالنظم والشرع .

وأقحموا على السورة فصلا في جدال اليهود ، من زمن آل عمران (المائدة 12 – 86) . وفي هذا الاقحام العام أقحموا شذرات من جدال وفد نجران : نسي هؤلاء

النصارى حظا ممّا ذكروا به (14) ؛ تكفيرهم لقولهم بتأليه المسيح (17) ؛ تكفيرهم لتأليه المسيح والقول بالثلاثة (72 – 77) . وهذا الخلط بين جدال اليهود وجدال النصارى كان من تأثير السياسة ، في الفتوحات الاسلامية على جمع القرآن ، لجمع اليهود والمسيحيين في حملة اسلامية واحدة . فأوقعهم ذلك في تعارض مكشوف بين الآية (82) التي تجعل "أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا" ، وتجعل " اقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى" – وبين الآية : "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ، بعضهم أولياء بعض" (51) . والتاريخ والسيرة والقرآن شهود بأن اليهود والنصارى لم يكونوا "بعضهم أولياء بعض" . فما بين الآيتين تناقض مفضوح ، لأنهم أنزلوا "والنصارى" بدل "والمشركين" في الآية (51) كما تنص الآية (82) .

وفي فصل التشريعات الأخيرة من بعد فتح مكة (87 – 108) أقحموا أيضا شذرات من جدال وفد نجران المسيحي عام 631م ؛ في تكفير الغلو بتأليه المسيح والقول بالثلاثة (72 – 77) . وكان أولى لهم جمع جدال وفد نجران في فصل واحد (13 و17 و72 و77 و109 و120) بدل اقحامه في جدال اليهود – وهو في غير موضعه – وفي قسم التشريع من بعد فتح مكة . وكان أولى لهم لصحة التاريخ ولصحة التأليف وضع جدال اليهود في موضعه من آل عمران ، ووضع جدال وفد نجران (آل عمران 33 – 64) في موضعه من سورة المائدة ، بدل توزيعه على آل عمران والنساء والمائدة ضد الحقيقة وضد التاريخ ، مما يجعل تنافرا ظاهرا في وحدة السور .

فسور البقرة وآل عمران والمائدة هي أمهات القرآن ؛ وظاهرة التنافر في الجمع والتأليف بادية عليها موضوعا وتاريخا وأسلوبا . وذلك لأنهم جمعوا هذه السور على غير نزولها .

وهكذا نرى أن ما أسموه بالإعجاز في التأليف استطرادا وتخلّصا وانتقالا ، إنما هو تفكّك وتداخل وجمع متفرقات لا يجمع بينها الموضوع ولا الزمان ولا المكان ؛ وإن جمعت بينها وحدة فنية في النظم والفاصلة . وقد لحظ الأقدمون تلك الظاهرة في القرآن . فنقلها الخطابيّ في (بيان اعجاز القرآن) محاولا الرد عليهم : "وأما قولهم : لو كان نزول القرآن على سبيل التفصيل والتقسيم ، فيكون لكل نوع من أنواع علومه حيّز وقبيل ، لكان أحسن نظماً

وأكثر فائدة ونفعا . فالجواب : إنما نزل القرآن على هذه الصفة من جمع أشياء مختلفة المعاني في السورة الواحدة ، وفي الآي المجموعة القليلة العدد ، لتكون أكثر لفائدته وأعم لنفعه ، ولو كان لكل باب منه قبيل ، ولكل معنى سورة مفردة ، لم تكثر فائدته ... ولكان الواحد من الكفار والمعاندين المنكرين ، اذا سمع السورة منه ، لا تقوم عليه الحجة به إلاّ في النوع الواحد الذي تضمنته السورة الواحدة فقط . فكان اجتماع المعاني الكثيرة في السورة الواحدة أوفر حظا وأجدى نفعا من التمييز والتفريد" . (1)

والرد على الخطابي بعد طول الزمن نأخذه منه : إن اقامة الحجة بإعجاز القرآن في نوع واحد يُغني بمعجزته عن سائر الأنواع ، من حيث البيان والتبيين . وكان غيره أصدق نظرا في وصف ذلك النظم المتفرّق بأنه طريقة العرب في تأليفها ، كما يظهر من الشعر الجاهلي في نظم القصيدة منه ــــــــــــــــــــــــ

(1) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ص 49

التالي