المسيا الحبيب

مقدمة سفر نشيد الأنشاد | نشيد الأنشاد 1 | نشيد الأنشاد 2 | نشيد الأنشاد 3 | نشيد الأنشاد 4 | نشيد الأنشاد 5 | نشيد الأنشاد 6 | نشيد الأنشاد 7 | نشيد الأنشاد 8 | ملخص عام

الحاجة إلى الحبيب
في بيت المحبة الكاملة
الخاطب يطلب خطيبته
ينزل إليها بنفسه
لقاء على الجبال
تشبهه بالظبي وصغار الآيل
وقوفه وراء حائطنا
دعوة للقيامة
القيامة خروج من البرودة إلى الدفء
تكرار الدعوة للقيامة
يحذرها من الواشين
ما هي هذه الثعالب الصغيرة؟
الثعالب الصغار في الكتاب المقدس
صيادو الثعالب الصغيرة

 

إن كانت النفس قد تحدثت مع قريباتها عن السيد المسيح كعريس لها، تمدح حبه وتسترسل في وصفه، ثم عادت فتلاقت مع خطيبها الراعي الصالح، وتعرفت عليه كملك يُقيمها ملكة تجلس معه، الآن تنزل معه الحديقة بعيدًا عن كل تكلف أو رسميات يتناجيان معًا في حديث عذب.

أنه يقول لها: إن كان العالم قد جذبك بكل مغرياته، فطلبتيّ ملذاته ومباهجه، فإنيّ أنزل إليك في العالم، وأكون في الأودية بين يديك لتتعرفين عليّ:

"أَنَا نَرْجِسُ شَارُونَ، سَوْسَنَةُ الأَوْدِيَةِ" [١].

شارون سهل في اليهودية، منطقة خصبة جدًا والمياه فيها متوفرة، لكنها لم تُزرع إذ هي مكان ضيق كان يستخدم كطريق بين مصر وسوريا. نرجس هذا السهل من نوع ممتاز، يظهر دون أن يزرعه أحد من البشر أو يتعب فيه. هكذا يظهر حبيبنا في أرضنا، جاء إلينا بنعمته، وليس لبرٍّ فينا.

وفي وسط الأودية القاحلة يظهر الرب كسوسنة، يصفها القديس غريغوريوس أسقف نيصص أنها تصعد مستقيمة إلى أعلى، زهرتها في القمة بعيدة عن الأرض... هكذا جاء الرب إلى أوديتنا القاحلة حتى يرفعنا به إلى فوق ويكون لنا الزهرة السماوية.

جاءت هذه العبارة في الترجمة السبعينية هكذا: "أنا زهرة الحقل (السهل)، سوسنة الأودية". ويعلق العلامة أوريجانوس هكذا[62]: [الحقل هو قطعة الأرض التي تحت الفلاحة، يحرثها الفلاحون، أما الأودية فغالبًا ما تكون أراضي محجرة لم يسبق فلاحتها. هكذا يمكننا أن نفهم بالحقل أو السهل الشعب الذي فلحه الناموس والأنبياء، وبالأودية المحجرة غير المحروثة الشعوب الأممية... هكذا يظهر العريس كالزهرة بين ذاك الشعب، لأن الناموس لم يدخل بأحد إلى الكمال (عب ٧: ١٩)، إذ لم تستطع كلمة الله (في العهد القديم) أن تتقدم بهم ليكونوا زهرة ولا بلغت بهم إلى كمال الثمرة. وفي الأودية التي

هي جماعة الأمم صار هو السوسنة].

السيد المسيح هو زهرة الشعب اليهودي، فقد قاد الناموس إلى المسيح، وهو سوسنة الشعوب الأممية إذ قبلته مخلصًا... أنه مسيح العالم كله: اليهود والأمم.

ويرى القديس چيروم أن زهرة الحقل أو سوسنة البرية (الأودية) إنما هي شخص المسيا الذي نبت في عصا هرون، الزهرة التي نبتت في القديسة مريم، التي وإن كانت في ذاتها لا تحمل حياة لكنها حملت "الحياة" ذاته[63].

يقول أيضًا: [القول بأنه جاء من (البرية)[64] يُشير إلى البتول التي قدمت لنا الله في شكل دون وجود علاقة جسدية أو زرع بشري... فنرنم بكلمات المزمور: "كما في أرض ناشفة ويابسة بلا ماء أظهر لك في القدس" (مز ٦٣: ١-٢)].

ويقول القديس أمبروسيوس[65]: [مريم هي العصا، والمسيح هو زهرة مريم التي تنتشر رائحة الإيمان به الذكية في العالم كله، إذ يظهر كبرعم في الأحشاء البتولي، إذ قال عن نفسه: "أنا زهرة السهل أو سوسنة الأودية" [١].

إذ تُقطف الزهرة تحتفظ برائحتها، وإذ تُسحق يزداد عبيرها، وإن قطعت إربًا لا تفقد رائحتها. هكذا أيضًا إذ علق الرب يسوع على الصليب لم يفشل حين سُحق، ولا ضعف حين مُزق، وإذ طُعن بالحربة صار أكثر جمالًا بالدم المنسكب منه، وكأنه قد حمل جمالًا جديدًا لا يقدر أن يموت في ذاته (موتًا روحيًا) إنما يهب الأموات عطية الحياة الأبدية. وقد أستقر الروح القدس على هذه الزهرة التي أفرخت في العصا الملوكية].

هذا هو حبيبنا بالنسبة لنا نحن عروسه، لقد حمل بآلامه الرائحة الذكية، يشتَمّها الذين في السهل أي اليهود والذين في الوادي أي جماعة الأمم... أما نحن فماذا بالنسبة له؟

"كَالسَّوْسَنَةِ بَيْنَ الشَّوْكِ، كَذَلِكَ حَبِيبَتِي بَيْنَ الْبَنَاتِ" [٢].

يقول العلامة أوريجانوس[66]: [إذ صار هو سوسنة الأودية إنما لكي تصير حبيبته أيضًا سوسنة تتمثل به... بمعنى أن كل نفس تقترب إليه وتتبع خطواته وتتمثل به تصير سوسنة].

ويرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن النفس كالسوسنة تصعد مستقيمة إلى فوق نحو المسيا كرّامها الحقيقي. إنه يرتفع بها فوق هموم هذه الحياة وأشواك الخطية الخانقة للنفس (مز ٤: ١٨)، ويعلو فوق أتربة هذه الحياة لكي لا تتدنس...

المؤمن في عيني الرب كالسوسنة "الزنبقة" بهية للغاية، ولا سليمان في كل مجده يلبس مثلها، جميلة لا ببرّها الذاتي، بل بنعمة الدم الذي يجري فيها...

إن كان الإنسان قد قبل أشواك الخطية، فأحاطت به من كل جانب، إلاَّ أن الرب يراه كالسوسنة، ينزل إليه ويجتاز وسط الشوك، ويحمل اللعنة عنه.!

في مناجاة الحبيب: "كَالسَّوْسَنَةِ بَيْنَ الشَّوْكِ" توجيه لها أيضًا أنها إن أرادت أن تتجمل بالفضائل يلزمها أن تتحمل آلام الشوك بحذر، وكما يقول القديس أمبروسيوس[67]: [تُحاط الفضائل بأشواك الشر الروحي، حتى أنه لا يقدر أحد أن يجمع الثمر ما لم يقترب بحذر].

ويرى العلامة أوريجانوس في هذا القول صورة صادقة للكنيسة الجميلة وقد أحاطت بها الهرطقات والهراطقة يريدون إبادتها...

ويرى القديس أغسطينوس[68] في هذه العبارة وما يماثلها إعلانًا عن قلة الصالحين الذين يعيشون وسط العالم "كالسوسنة بين أشواك كثيرة" حتى يأتي يوم الحصاد ويفرز السوسن عن الأشواك.

 

الحاجة إلى الحبيب:

إن كانت النفس البشرية قد صارت كسوسنة بين الأشواك، لكنها لا تنشغل بالأشواك المحيطة بها، إنما بالعريس الذي يشبعها ويرويها ويهبها رائحة... إنها تراه قادمًا إليها، مقتربًا نحوها حتى تقترب إليه، يرتفع على الصليب حتى تستريح بظل محبته الأبدية، ويقدم لها ثمر الصليب حلاوة في حلقها، لهذا تُناجيه، قائلة:

"كَالتُّفَّاحِ بَيْنَ شَجَرِ الْوَعْرِ، كَذَلِكَ حَبِيبِي بَيْنَ الْبَنِينَ،

تَحْتَ ظِلِّهِ أشْتَهَيْتُ أَنْ أَجْلِسَ،

وَثَمَرَتُهُ حُلْوَةٌ في حَلْقِي" [٣].

إن كانت تعيش وسط الأشواك ولا تقدر أن ترتفع إليه، فهو ينزل إليها، يصير كشجرة التفاح (رمز التجسد الإلهي) بين يديها. لقد حلّ بيننا نحن الوعر بلا ثمر، وصار كواحد منا، لكن ليس بلا ثمر مثلنا، بل كشجرة التفاح: جميلة المنظر، رائحتها منعشة، يؤكل ثمرها، ويُشرب عصيره... إنه شجرة الحياة التي نقتطفها عوض شجرة معرفة الخير والشر.

حقًا، لقد جفت الأرض زمانًا هذا مقداره، لأننا أكلنا من شجرة العصيان، وجاء الحبيب "الابن المطيع"... جاءنا وسط أشواكنا، ودخل إلى آلامنا، وحمل لعنة الشوك عنا، حتى نجلس عند قدميه ونستظل بصليب محبته وسط شدة ضيق هذا العالم.

في العالم أشجار وعر كثيرة نُخالها مريحة لنا، لكن شجرة واحدة -هي شجرة التفاح الروحي- فيها كل الشبع.

إن كانت "شجرة التفاح" تُشير إلى التجسد الإلهي، فإن شجر الوعر يُشير إلى الهرطقات والتعاليم الغريبة، فإنه لا راحة لنا إلاَّ في الكلمة المتجسد وحده، بعيدًا عن كل هرطقة. في هذا يقول العلامة أوريجانوس[69]: [تشتهي العروس أن تجلس تحت ظل شجرة التفاح هذه، بمعنى أن الكنيسة كما قلنا تكون تحت حماية ابن الله، أو أن النفس تهرب من كل التعاليم الغريبة لتلتصق بكلمة الله وحده فتجد ثمرته حلوة في حلقها، خلال التأمل المستمر في ناموس الله، تمضغه وكأنها تجتره كما يفعل الحيوان الطاهر].

في القديم جلس الأمم تحت ظل الموت (إش ٩: ٢؛ مت ٤: ١٦) إذ جلسوا تحت ظل شجرة العصيان، أما الآن فيتمتعون بظل واهب الحياة بجلوسهم تحت ظل صليب الطاعة.

في القديم جلس اليهود تحت ظل الناموس، خلال الفهم الحرفي القاتل. إما الآن فقد وهب لنا أن ندخل تحت ظل المسيح بتذوقنا الفهم الروحي للناموس الذي يبني. وفيما يلي مقارنة للعلامة أوريجانوس بين ظل الناموس وظل المسيح:

[يبدو أن كل نفس ما دامت في هذه الحياة الحاضرة تحتاج إلى ظل، وذلك كما أظن بسبب حرارة الشمس التي تجعل البذار بلا جذور عميقة تذبل وتموت. لقد قدم ظل الناموس القليل من الحماية ضد هذه الحرارة، أما ظل المسيح الذي يعيش تحته الأمم الآن - أي الإيمان بالتجسد - فيُقدم حماية كاملة من الحرارة بل ويطفئها. فقد شوهد (الشيطان) الذي أعتاد أن يحرق المساكين الذين كانوا تحت ظل الناموس ساقطًا من السماء كالبرق وقت آلام المسيح. لكن زمان هذا الظل يكمل في نهاية الدهور، لأنه كما قلنا أنه في نهاية الزمان لا نعود نرى (المسيح) في مرآة ولا في لغز، بل وجهًا لوجه[70]].

القديسة مريم وهي تمثل الكنيسة، كعضو أمثل فيها، جلست تحت ظل العليّ خلال التجسد الإلهي، كقول الملاك لها: "قوة العليّ تظللك، والمولود منك قدوس يُدعى ابن الله..." بهذا صار للمؤمن أن يجلس تحت ظل الرب ويأكل ثمرته الحلوة بعد أن تمرر فمه زمانًا هذا مقداره بسبب الخطية. بعد أن قيل عن نفسه "فمها قبرًا مفتوحًا" (مز ٥: ١١) صارت تفتح فمها لا كقبر يحمل موت الخطية بل بالحري تأكل جسد ابن الله واهب الحياة، وتتذوق حلاوة ثمرته... تقول أيضًا "فتحت فمي واجتذبت ليّ روحًا" (مز ١١٨: ١٣١).

يقول العلامة أوريجانوس[71]: [إن قولها "وَثَمَرَتُهُ حُلْوَةٌ لِحَلْقِي" ينطبق على النفس التي لا يوجد في فمها شيء ميت أو دنيء، ولا تتشبه مطلقًا بالذين قيل عنهم (حلقهم قبر مفتوح) فإن مثل هذه الأفواه التي تخرج كلمات الموت والهلاك تسمى قبورًا، هذه التي تنطق بكلمات مضادة للإيمان الحقيقي، وتُعارض تدبير الطهارة والعدل والوقار].

 

في بيت المحبة الكاملة:

إذ تجلس النفس مع حبيبها عند الصليب، وتتذوق حبه اللانهائي، تطلب منه الدخول إلى أحشائه لترتوي من ينابيع حبه العميقة، قائلة:

"أَدْخَلَنِي إِلَى بَيْتِ الْخَمْرِ،

عَلَمُهُ فَوْقِي مَحَبَّةٌ،

أَسْنِدُونِي بِأَقْرَاصِ الزَّبِيبِ،

أَنْعِشُونِي بِالتُّفَّاحِ،

فَإِنِّي مَجروّحة حُبًّا" [٤-٥].

سبق أن رأينا "بيت الخمر" هو بيت "الحياة الجديدة"[72] التي صارت لنا خلال آلام السيد المسيح الخلاصية. ويرمز بيت الخمر إلى "بيت الوليمة والحكمة"، حيث تدخل النفس إلى السيد المسيح وتنال عصير تعاليم الحق ومزيجها في أناء الحكمة الإلهية، تنتعش به النفس جديدًا كل يوم... إذ تتعرف على أسرار الله كأنها جديدة كل يوم.

في هذا يقول العلامة أوريجانوس[73]: [أما الخمر الذي يستخرج من الكرمة الحقيقية "السيد المسيح" فهو جديد على الدوام، به يتجدد فهم المتعلمين للمعرفة الروحية والحكمة على الدوام لهذا السبب قال يسوع لتلاميذه: سأشرب هذا الخمر معكم جديدًا في ملكوت أبي (مت ٢٦: ٢٩)، لأن فهم الخفيات وإعلان الأسرار يتجدد على الدوام خلال حكمة الله، وذلك ليس فقط بالنسبة للبشر، بل أيضًا بالنسبة للملائكة والقوات السمائية].

إذ يدخل الرب المحب بالنفس المؤمنة إلى بيت محبته ويكشف لها أسرار حكمته الجديدة كل يوم، تتفهم "المحبة" كعلامة نصرة حبيبها وملكها فتُقيم "علم النصرة" فوقها، قائلة: "َعَلَمُهُ فَوْقِي مَحَبَّةٌ". لقد ملك عليها بالحب تمامًا. إلاَّ أن الترجمة السبعينية لهذا العبارة جاءت هكذا:

"ضع في تدبير المحبة" [٤].

إذ تدخل النفس بيت حبيبها تلتزم بقانون بيته ألا وهو "المحبة"، لكنها إذ لا تقدر أن تطبقه بذاتها تسأله أن يقوم بنفسه بتدبير حياة الحب فيها أي تتسلم من الله "الحب الحقيقي" قانون محبته، فتعرف كيف تحب الله والوالدين والأخوة... الخ.

الحب له تدبيره الخاص، فالإنسان يلتزم أن يحب الله من كل القلب ومن كل النفس ومن كل القدرة... أي يحب بغير حساب وبلا حدود. ويلتزم الإنسان أن يحب قريبه كنفسه (لخلاصها) وحبه لأخيه يكون محبته قد فقدت تدبيرها الحسن. يلتزم الإنسان أن يحب الوالدين خلال تكريمه لهما في الرب عمليًا، كما يلتزم الزوج بحب زوجته بطريقة تختلف عن حب الأبناء للوالدين، وغير حب الرعاة لشعبهم. حقًا في "بيت الحب" تنال طبيعة الحب الواحدة من مصدرها "الله نفسه" لكننا نلتزم أن نتعرف أيضًا على قانون الحب العملي[74].

تعود النفس تصرخ معلنة حاجتها إلى "المحبة" قائلة:

"أَسْنِدُونِي بِأَقْرَاصِ الزَّبِيبِ (الأطياب)[75]،

أَنْعِشُونِي بِالتُّفَّاحِ،

فَإِنِّي مجروحة حُبًّا" [٥].

إذ دخلت النفس "بيت المحبة الإلهية" وتسلمت من الله تدبير الحب، تعلن أنها قد صارت مجروحة حبًا يستحيل أن تكون هذه الجراحات خاصة بحب جسداني، فأنه حسب التقاليد الشرقية لا يليق بالمحبوبة أن تقول أنها مجروحة حبًا بل للرجل وحده. هذا ومن جهة أخرى كيف تطلب المحبوبة من آخرين - غير حبيبها - أن يسندوها أو ينعشوها؟! هل يمكن لأقراص الزبيب أو الأطياب أو التفاح أن تضمد جراحات الحب أو تشفي مرضه؟

إنها صرخات النفس داخل الكنيسة "بيت المحبة"، إذ تطلب من خدام المسيح أن يسندوها بأقراص الزبيب أو الأطياب التي هي التعاليم الإلهية المعزية التي تسكب حب المسيح في الداخل، وتفيح رائحته الذكية. إنها تطلب التفاح الذي هو رمز للجسد المقدس، فهو سرّ انتعاشها الروحي! إذ هو وحده يقدر أن يشبع القلب حبًا، ويهب النفس تدبير حب حسن ولائق.

أما سرّ جراحات النفس بالحب، فكما يقول العلامة أوريجانوس[76] هو المسيح نفسه، الذي هو كلمة الله الحيّ الفعّال، الأمضى من سيف ذي حدين، يدخل إلى أعماق النفس ويجرحها بالحب الإلهي وفيما يلي بعض تعليقات للآباء على هذه العبارة.

* ليت غير الأصحاء يجرحون، فأنهم إذ يجرحون كما يليق يصيرون أصحاء!

القديس أغسطينوس[77]

* يعلمنا الكتاب المقدس أن الله محبة (١ يو ٤: ٨)، فقد صوب ابنه الوحيد "السهم المختار" (إش ٤٩: ٢) نحو المختارين، غارسًا قمته المثلثة في روح الحياة.

رأس السهم هو الإيمان، الذي يربط ضارب السهم بالمضروبين به، وكأن النفس ترتفع بمصاعد إلهية، فترى في داخلها سهم الحب الحلو يجرحها. متجملة بالجروح...

إنه جرح حسن وألم عذب، به تخترق "الحياة" النفس. إذ بواسطة دموع "السهم" تفتح النفس الباب الذي هو مدخلها...

[78]

* إن التهب أحد ما في أي وقت بالحب الصادق لكلمة الله، أن تقبل أحد الجراحات الحلوة لهذا "السهم المختار" كما يسميه النبي، إن كان قد جُرح أحد برمح معرفته المستحقة كل حب حتى أنه يحن ويشتاق إليه ليلًا ونهارًا، فلا يقدر أن يتحدث إلاَّ عنه، ولا ينصت إلاَّ إليه، ولا يفكر إلاَّ فيه، ولا يميل إلى أي رغبة أو يترجى سواه، متى صار الأمر هكذا تقول النفس بحق: "أنيّ مجروحة حبًا". إنها تتقبل جرحها من ذاك الذي تقول عنه: "جعلني سهمًا مختارًا، وفي جعبته يخفيني" (إش ٤٩: ٢).

يليق بالله أن يضرب نفوسنا بجرح كهذا، يجرحها بمثل هذه السهام والرماح، يضربها بمثل هذه الجراحات الشافية...

ما دام الله "محبة"، فإنهم يقولون عن أنفسهم: "أنيّ مجروحة حبًا". أحقًا أنها دراما الحب إذ تقول النفس: أنيّ تقبلت جراحات الحب!

النفس التي تلتهب بالشوق نحو حكمة الله، أي التي تقدر أن تنظر جمال حكمته، تقول بنفس الطريقة: "أنيّ مجروحة بالحكمة". والنفس التي تتأمل سمو قدرته، وتدهش بقوة كلمته، يمكنها القول: "أنيّ مجروحة بالقدرة". أظن أن مثل هذه النفس هي بعينها التي قالت: "الرب نوري وخلاصي ممن أخاف، الرب حصن حياتي ممن أجزع؟!" (مز ٢٦). والنفس التي تلتهب بحب عدالة الله وتتأمل عدل تدابير عنايته تقول بحق: "أنيّ مجروحة بالعدل". والنفس التي تتطلع إلى عظمة صلاحه وحنو محبته تنطق أيضًا بنفس الطريقة. أما الجرح الذي يشمل هذه الأمور جميعها فهو جرح الحب الذي به تعلن العروس: "أنيّ مجروحة حبًا".

العلامة أوريجانوس[79]

هذه هي جراحات الحب التي جُرحت بها النفس بواسطة "السهم المختار"، السيد المسيح، الذي بمحبته يضع شماله تحت رؤوسنا حتى يوجهها بعيدًا عن الزمنيات، قاطعًا فينا كل محبة للأرضيات وبيمينه يجتذبنا نحو السمويات، لهذا تُناجيه النفس هكذا:

"شِمَالُهُ تَحْتَ رَأْسِي وَيَمِينُهُ تُعَانِقُنِي" [٦].

بمعنى آخر، بشماله يؤدب، فتصغر أمامنا الحياة الزمنية وكل ملذات الجسد والعالم، وبيمينه يترفق إذ يفتح القلب أمام السمويات فتشتهيها. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). على أي الأحوال، يضع الرب تأديباته تحت رؤوسنا، إذ بدونها لا تكون رؤوسنا متزنة، ويحوط رؤوسنا بيمينه حتى تمتلئ قلوبنًا رجاءً فيه! هذه هي جراحات الحب الإلهية الصادقة الشافية.

إذ دخلت النفس إلى بيت المحبة الإلهية، وجرحت بالسهم الشافي، تتلمس محبته اللانهائية سواء في تأديباته أو حنوه، وتشعر خلال الأمرين (التأديب والحنو) كأن رأسها متكئة على شماله ومحوطة بيمينه، بهذا يصير كيانها كله في أحضانه الإلهية أما وجهها فيصير قبالة وجهه، تتقبل كل قبلات فمه الإلهية... لهذا فهي تحرص ألا يقطع أحد هذه الشركات العميقة، إذ تقول:

"أُحَلِّفُكُنَّ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ بِالظِّبَاءِ وَبِأَيَائِلِ (قوى) الْحُقُولِ أَلاَّ تُيَقِّظْنَ وَلاَ تُنَبِّهْنَ الْحَبِيبَ حَتَّى يَشَاءَ..." [٧].

كأنها قد حملت مشاعر الرسول بطرس حين أنسحبت أعماقه بالكامل نحو السيد المسيح المتجلي أمامه، فقال: "يا رب جيد أن نكون ههنا" (مت ١٧: ٤).

بالتأكيد، هذه العبارة لا يمكن أن تنطبق على الحب الجسداني، إذ كيف تطلب الحبيبة من صديقاتها ألا ييقظن الحبيب؟! وهل هذا هو عملهن؟! لكنها صورة رائعة للكنيسة الأم التي تطلب من أبنائها "بنات أورشليم" أن يبقين في الأحضان الإلهية، ولا يزعجن الرب المستريح في قلوبهم بارتكابهن شرًا أو خطية! أنه صوت الكنيسة الأم تجاه كل نفس مؤمنة تدعى "ابنة أورشليم" تتطلع إلى أورشليم السمائية كأم لها، تحلفها بقوى حقلها الداخلي الذي باركه الرب! (تك ٢٧: ٢٧)، إذ هي فلاحة الرب (١ كو ٣: ٩) أن تبقى محتضنة الحب الإلهي الساكن فيها[80].

ولعله أيضًا صوت الكنيسة الموجه إلى جماعة اليهود "بنات أورشليم" التي رأت المسيا نائمًا على الصليب، مدفونًا في القبر ألاَّ تضطرب من هذا فتنكر الإيمان به، فإنه وإن ظهر كما في ضعف لكنه يقوم متى شاء، في اليوم الثالث. لقد نام على الصليب بإرادته، ويقوم أيضًا بإرادته، إذ يقول:

"ليّ سلطان أن أضعها وليّ سلطان أن آخذها"، لكن بكل أسف رفض اليهود قبول السيد المسيح المصلوب منتظرين مسيحًا حسب أهواء قلوبهم.

الخاطب يطلب خطيبته

1. ينزل إليها بنفسه

2. يحذرها من الواشين.

3. وليمة العرس.

1

ينزل إليها بنفسه

"صَوْتُ حَبِيبِي (ابن أختي)، هُوَذَا آتٍ ظَافِرًا عَلَى الْجِبَالِ،

قَافِزًا عَلَى التِّلاَلِ،

حَبِيبِي (ابن أختي) شَبِيهٌ بِالظَّبْيِ أَوْ بِصغيرِ الآيل،

هُوَذَا وَاقِفٌ وَرَاءَ حَائِطِنَا،

يَتَطَلَّعُ مِنَ الْكُوى،

يبرق خلال الشَّبَابِيكِ" [٨-٩].

تتحدث كنيسة الأمم مع الشعب اليهودي في عتاب لطيف، فتقول لهم: لقد تعرفت على "كلمة الله" أو صوت الحبيب، الذي جاء متجسدًا خلال اليهود (ابن أختي)، عرفته خلال جبال الشريعة التي تسلمتموها وتلال النبوات التي بين أيديكم. لقد جاءني ظافرًا بفرح وسرور خلال الشريعة والنبوات، لكن في ملء الزمان جاءني بنفسه كالظبي حاملًا طبيعتنا، مختفيًا وراءها -واقفًا وراء حائطنا- يتحدث معنا مباشرة.

لقد تقبلت رسالة تجسده خلال كوى الشريعة وشبابيك الأنبياء... لقد عرفت صوته وأمكنني أن أميزه (يو ١٠: ٣-٤).

في هذا يقول : [لقد بلغ بهاء (الكلمة) إلى الكنيسة عن طريق الأنبياء أولًا. أخيرًا بإعلان الإنجيل زالت ظلال الرموز بتمامها وانهدم الحائط الحاجز، واتصل جو البيت الداخلي بنور أعالي السموات، لم تعد هناك حاجة لنور الشبابيك ما دام النور الحقيقي قد أضاء كل الداخل بأشعة الإنجيل].

 

لقاء على الجبال:

إن كانت الكنيسة قد تعرفت على كلمة الله المتجسد خلال شريعة العهد القديم والنبوات، فقد جاء الحديث هنا بمثابة دعوة موجهه لكل نفس لكي ترتفع بالروح القدس على جبال الكتاب المقدس لتلتقي هناك بالخطيب القادم يخطب مخطوبته. لهذا يقول المرتل: "أساساته في الجبال المقدسة"، "رفعت عيني إلى الجبال من حيث يأتي عونيّ" (مز ٨٦: ١؛ ١٢٠: ١).

ويرى العلامة أوريجانوس أن النفس التي تُريد الالتقاء مع "كلمة الله" الظافر على الجبال القافز على التلال في كمال الحرية يلزمها أن تلتقي به على جبال أسفار العهد الجديد الحالقة وفوق تلال أسفار العهد القديم التي بقيت زمانًا طويلًا مختفية وغير مدركة.

في سفر إرميا نجد الرب يُرسل قانصين وصيادين ليقتنصوا البشر على كل جبل وفوق كل تل (إر ١٦: ١٦)، وكأنها نبوة عن العمل الكرازي الذي للكنيسة، حيث تصطاد الكنيسة النفوس خلال الكتاب المقدس لتتمتع ببركات الخلاص.

على هذه الجبال المقدسة تلتقي النفوس بكلمة الله، فتراه الخاطب الذي يطلب يدها. هناك تسمع صوت دعوته لها فتختبر حبه وتتكشف أسراره الإلهية وتعاين مجده.

كأن النفس ترتفع مع موسى النبي على جبل حوريب فترى العليقة المتقدة نارًا ولا تحترق (خر ٣: ٢)، تدرك سرّ التجسد الإلهي، إذ ترى العذراء مريم (العليقة) وقد حملت جمر اللاهوت ولم تحترق...

أقول أنها تصعد أيضًا مع موسى على الجبل لتتسلم الشريعة الإلهية ليست منقوشة على لوحين من الحجارة، بل يسكن كلمة الله نفسه في قلبها.!

أو كأنها تجلس مع الجموع لترى يسوعها صاعدًا على الجبل، يفتح فاه ويتحدث معها مباشرة وبلا حواجز (مت ٥: ١)، أو ترتفع معه على جبل تابور ليتجلى أمامها وتدرك بهاء لاهوته وتسمعه يتحدث مع موسى وإيليا عن الأمور الخاصة بأحداث خلاصها. أو كأنها تتسلق مع "كلمة الله" على جبل التجربة، لتراه يُجرب ويغلب من أجلها!

بهذا تفهم النفس المؤمنة لماذا دعى السيد المسيح نفسه بالحجر المقطوع من جبل بغير يد، وقد صار جبلًا عظيمًا (دا ٢: ٤٣)، ولماذا دُعيت الكنيسة أيضًا جبل صهيون إشارة إلى سكنى الله الساكن في الأعالي مع شعبه. إنها تنصت لقول الملاكين للوط: "أهرب بحياتك... أهرب إلى الجبل لئلا تهلك" (تك ١٩: ١٧).

 

تشبهه بالظبي وصغار الآيل:

بماذا تُشبه العروس خطيبها؟

"حَبِيبِي (ابن أختي) شَبِيهٌ بِالظَّبْيِ أَوْ بِصغيرِ الآيل على جبال بيت آيل[81]" [٩].

1. يُشبه السيد المسيح بالظبي (الغزال)، وكلمة "ظبي" في العبرية تعني "جمال"، فقد جاء السيد المسيح يطلب يد البشرية التي أفسدتها الخطية وشوهت طبيعتها الداخلية وجمالها الروحي، ليتحد بها فيسكب جماله عليها. وقد لخص الرب هذا العمل الخلاصي العجيب في حديث عتاب مع البشرية، جاء فيه: "َمَرَرْتُ بِكِ وَرَأَيْتُكِ مَدُوسَةً بِدَمِكِ فَقُلْتُ لَكِ بِدَمِكِ عِيشِي.... جَعَلْتُكِ رَبْوَةً كَنَبَاتِ الْحَقْلِ، فَرَبَوْتِ وَبَلَغْتِ زِينَةَ الأَزْيَانِ. نَهَدَ ثَدْيَاكِ وَنَبَتَ شَعْرُكِ، وَقَدْ كُنْتِ عُرْيَانَةً وَعَارِيَةً. فَمَرَرْتُ بِكِ وَرَأَيْتُكِ وَإِذَا زَمَنُكِ زَمَنُ الْحُبِّ. فَبَسَطْتُ ذَيْلِي عَلَيْكِ وَسَتَرْتُ عَوْرَتَكِ وَحَلَفْتُ لَكِ وَدَخَلْتُ مَعَكِ فِي عَهْدٍ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، فَصِرْتِ لِيّ. فَحَمَّمْتُكِ بالْمَاءِ وَغَسَلْتُ عَنْكِ دِمَاءَكِ وَمَسَحْتُكِ بالزَّيْتِ، وَأَلْبَسْتُكِ مُطَرَّزَةً، وَنَعَلْتُكِ بِالتُّخَسِ، وَأَزَّرْتُكِ بِالْكَتَّانِ، وَكَسَوْتُكِ بَزًّا، وَحَلَّيْتُكِ بِالْحُلِيِّ، فَوَضَعْتُ أَسْوِرَةً فِي يَدَيْكِ وَطَوْقًا فِي عُنُقِكِ، وَوَضَعْتُ خِزَامَةً فِي أَنْفِكِ وَأَقْرَاطًا فِي أُذُنَيْكِ، وَتَاجَ جَمَالٍ عَلَى رَأْسِكِ. فَتَحَلَّيْتِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلِبَاسُكِ الْكَتَّانُ وَالْبَزُّ وَالْمُطَرَّزُ. وَأَكَلْتِ السَّمِيذَ وَالْعَسَلَ وَالزَّيْتَ وَجَمُلْتِ جِدًّا جِدًّا فَصَلُحْتِ لِمَمْلَكَةٍ. وَخَرَجَ لَكِ اسْمٌ فِي الأُمَمِ لِجَمَالِكِ لأَنَّهُ كَانَ كَامِلًا بِبَهَائِي الَّذِي جَعَلْتُهُ عَلَيْكِ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ" (حز ١٦: ٦-١٤).

حقًا ما أروعه حديث من الرب المخلص نحو الكنيسة التي ضمها إليه بعد أن مرّ عليها فوجدها ملقاة في الطريق عارية ومدوسة بدمها، فقدسها بالتمام. بسط ذيله عليها، أي خطبها عروسًا له، وستر بدمه عارها وعريها، غسلها بماء المعمودية ومسحها بدهن الميرون، وألبسها حياته، وأعطاها إنجيله سرّ خلاصها، زينها بأعمال الروح القدس، ووضع نيره المقدس كالطوق في عنقها، وأفاح برائحته الذكية تشتمها أنفها، وقدس أذنيها وجملهما بسماع الوعود الإلهية والتسابيح السماوية، وأشبعها بالخبز السماوي وباختصار جعلها "جميلة جدًا جدًا" فاستحقت أن تكون ملكة، تعكس بهاء المخلص في حياتها.

في هذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم[82]:

[كما قلت أن ذاك الذي هو عظيم وقوي، رغب في زانية، وأننيّ أتكلم عن الطبيعة البشرية تحت ذلك الاسم: (زانية).

إن كان إنسان يرغب في زانية فإنه يُدان، فكيف يرغب الله في زانية ليكون عريسًا لها؟! ماذا يفعل؟ إنه لم يرسل لها واحد من خدامه، لا ملاكًا، ولا رئيس ملائكة ولا شاروبيم ولا ساروفيم، بل نزل بذاته ذاك الذي يحبها مقتربًا إليها... إنه لا يقودها كزانية إلى العلا، لأنه لا يُريد أن يدخل بزانية إلى السماء، بل هو بنفسه نزل إليها. فطالما تعجز هي عن أن تصعد إلى العلا، نزل هو على الأرض. جاء إلى الزانية ولم يخجل أن يمسك بها وهي في سكرها...].

بمعنى آخر جاءنا الرب "كظبي" ليجعل منا ظبية جميلة وكاملة تقدر أن تعيش في المرتفعات (السمويات)، كقول المرتل: "الذي يجعل رجلي كاملة كرجلي الظبي، وعلى مرتفعات يقيمني".

2. ويعلق القديس أغسطينوس على ذلك، قائلًا[83]: [يجعل حبي كاملًا، فيرتفع فوق شباك هذا العالم المملوء أشواكًا وظلمة. إنه يقيمني على المرتفعات، ويثبت هدفي نحو المسكن السماوي حتى أمتليء بملء الله (أف ٣: ١٩)].

3. يرى العلامة أوريجانوس أن كلمة "ظبي" في اليونانية جاءت عن حدة إبصاره، ويعلق على ذلك قائلًا[84]: [ومن يقدر أن يرى كما يرى المسيح؟ فإنه وحده الذي يرى الآب أو يعرفه. فإنه وإن قيل عن أنقياء القلب أنهم يعاينون الله، لكنهم يرونه من خلال إعلان المسيح لهم (يو ٦: ٦؛ مت ٥: ٨). فمن طبيعة الظبي ليس فقط يرى ويدرك بدقة وإنما يهب الآخرين قدرة على الإبصار... لهذا يُقارن المسيح بالظبي أو الغزال، إذ ليس فقط يرى الآب، بل يجعله منظورًا بالنسبة للذين يهب نظرهم شفاءً. لكن، يليق بك ألاَّ تأخذ الحديث عن "رؤية الآب" بأي فهم جسداني، أو تظن أن الله كأنه منظور. فإن الله لا يُرى ببصيرة جسدية، بل ببصيرة الذهن والروح... أخيرًا، فإنه يهب الذين يعطيهم قوة الإبصار لله روح المعرفة وروح الحكمة، حتى أنهم بهذا الروح يعاينون الله، لهذا أخبر تلاميذه: "من رآني فقد رأى الآب" (يو ١٤: ٩)].

4. يُعرف الظبي والآيل بسرعة المشي (٢ صم ٢: ١٨؛ ١ مل ١٢: ٨)، فأن كلمة الله المتجسد، وأن كان قد جاء إلينا في أواخر الزمان، إي بعد السقوط بآلاف السنوات، لكن هذا لا يعني تباطؤ الله في خلاصنا... إنما كان يُسرع بتهيئة الخلاص، يجري نحونا حتى نزل إلينا في ملء الزمان، هو أسرع إلينا قبل أن نطلبه أو نبحث عنه.

5. يرى القديس أغسطينوس في الآيل ليس فقط سرعة الحركة بكل طاقاته، وإنما في جريه يظمأ فيجري نحو جداول المياه. وفي الطريق يقتل الحيات فيزداد ظمأه لجداول المياه أكثر من ذي قبل[85]. لهذا يقول المرتل: "كما يشتاق الآيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله" (مز ٤٢: ١).

إن كان المؤمنون يجتمعون معًا بروح واحد كآيل واحدة تشتاق إلى جداول مياه حب الله، فإن ابن الله بالحق جاءنا كالآيل في ظمأ إلى "حبنا"... وفي طريق خلاصنا حطم الحية القديمة، إبليس، من أجل حبه فينا.

6. من عادات الآيل القفز على الصخور (٢ صم ٢٢: ٣٤؛ حب ٣: ١٩)، فإن الخاطب الذي قدم إلينا لم يطلب الطريق السهل بل أسرع إلى الآلام بفرح لأجل خلاصنا. وكما يقول الرسول بولس: "ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله، الذي من أجل السرور الموضوع أحتمل الصليب مستهينًا بالخزي" (عب ١٢: ٢).

7. حسب الشريعة الموسوية، كان الظبي والآيل من الحيوانات المقدسة، أكلهما محللًا (تث ١٢: ٢٢؛ ١٤: ٥)... لهذا أختير التشبيه بالظبي والآيل، لأن الخاطب وهو يمد يده لعروسه، يقدم جسده ودمه الأقدسين مهرًا لها، سرّ تقديسها وأبديتها.!

8. كما شُبه الخاطب بالآيل فإن خطيبته التي حملت سماته شُبهت أيضًا بالآيل، إذ جاء عنها في سفر المزامير: "صوت الرب يكمل الآيل ويكشف الوعور" (مز ٢٩: ٩). وفي حديث الرب مع أيوب في العاصف خلال السحاب قال له: "هل علمت متى تلد أوعال الصخور أو رقبت نتاج (مخاض) الأيائل؟! هل حسبت أشهر حملهن وعلمت أوان وضعهن؟! يجثمن فيخشفن بأولادهن (يلدن) ويدفعن مخاضهن، ثم تكبر أولادهن وتربى في البر. تخرج ولا تعود إليهن"[86] (أي ٣٩: ١).

يعلق العلامة أوريجانوس على النصين السابقين قائلًا: [بإن الحديث هنا عن الأيائل الروحية، فإن "صوت الرب" الذي هو المسيح كلمة الله هو الذي يهب الآيائل حياة الكمال (مز ٢٩: ٩)... هو سرّ كمالها. أما عن حديث الرب مع أيوب بخصوص الأيائل فإن الرب يؤكد هنا رعايته الشخصية بنفوس المؤمنين، يهتم بأشهر حملهن روحيًا، وحين يلدن الفضائل، ويهتم بصغارها ويربيها ويقوتها... وكأن الله الذي في سفر النشيد شبه بالآيل، هو بدوره يشبهنا بالآيل وبحياتنا الداخلية وفضائلنا، أي سلوكنا في المسيح يسوع.

وفي سفر الأمثال تُشبه الزوجة بالآيل وأولادها بالوعلة... بكونها صورة الكنيسة، العروس الحقيقية، الزوجة المحبة للرب عريسها والمملوءة نعمة... لهذا قيل: "ليكن لك آيلة محبة ووعلة نعمة" (أم ٥: ١٩).

9. أما تشبيهه بصغار الآيل فهو تأكيد للتجسد، فإن الله غير المحدود قد صار طفلًا بتجسده مخليًا ذاته عن كل شيء من أجلنا.

10. يُذكرنا تشبيهه بالآيل بما ورد كعنوان للمزمور الثاني والعشرين "لامام المغنيين على آيله الصبح"، وهو المزمور الذي يصف أحداث الصلب والقيامة بشيء من التفصيل، فماذا يقصد بآيله الصبح، إلاَّ الحياة الجديدة التي قدمها لنا المخلص (الذي كالآيل) بقيامته في صباح الأحد؟!.

وقد جاء ظافرًا على الجبال، قافزًا على التلال ليدخل بخطيبته إلى قوة القيامة، أي لتقبل الحياة الجديدة التي صار لها في المسيح يسوع، وكما يقول الرسول بولس: "أقامنا معه في السمويات" (أف ٢: ٦).

11. أخيرًا فإن ذكره "جبال بيت آيل" يُشير إلى الكتب المقدسة التي لبيت الله (آيل)، أي الكنيسة، فإننا لا نستطيع أن نختبر جمال الرب ولا نتقبل تجسده وقيامته وعمله فينا إلاَّ من خلال الكنيسة (بيت الله)!

 

وقوفه وراء حائطنا:

1. إذ نزل المخلص إلينا يطلبنا عروسًا له جاءنا من السماء ونزل حتى إلى حائطنا الذي أقمناه بعصياننا لله. جاء إلى الحجاب الذي فصلنا عن قدس أقداس الله ووقف وراءه يعمل ويجاهد حتى الدم، فحطمه، وفتح لنا طريقًا سماويًا نسير فيه.

نحن أقمنا الحجاب، فصرنا عاجزين عن الصعود إليه، لهذا نزل هو إلينا، وعلى الصليب انشق حجاب الهيكل، لكي يشرق لنا بقيامته خلال الكوى والشبابيك التي صنعها بنفسه.

2. ويُشير حائطنا أيضًا إلى طبيعتنا البشرية، فقد نزل إلينا مختفيًا وراء بشريتنا حتى لا نرتعب منه أو نخافه، بل نقبله ونحب الاتحاد به.

 

دعوة للقيامة:

نزل الخاطب إلى بيت مخطوبته وهو يعلم أن شباكًا وفخاخًا كثيرة قد نصبت لها تجعلها غير قادرة على الخروج من بيتها وحدها والارتفاع إلى بيته... نزل بنفسه ذاك الذي وحده لا تقدر فخاخ الخطية أن تمسك به ولا شباك الموت أن تقتنصه، فقد وطأ الخطية تحت قدميه وبموته المحيي داس الموت وحطمه في عقر داره... والآن يدعو خطيبته أن تخرج معه ولا تخف، لكي تختبر "الحياة المقامة" أو الحياة الجديدة التي صارت لها خلال قيامته... قائلًا لها "قومي يا قريبتي" (نش ٢: ١٠) لا تخافي. ثقي أنا قد غلبت العالم وكل شروره والموت بكل سلطانه.

يعلق العلامة أوريجانوس على دعوة المسيح لخطيبته قائلًا: [إنه يقول لها هذا ليظهر لها كيف يليق بها أن تحتقر الشباك التي نصبها العدو في الطريق، ولا تخف الفخاخ إذ تراها ممزقة بواسطته].

إنه يُناديها بسلطان أن تقوم لتلتصق به وتصير حمامته الوديعة، تحمل ثمار القيامة في حياتها قائلًا لها:

"قُومِي يَا قريبتي، يا جَمِيلَتِي، يا حمامتي وَتَعَالَي.

لأَنَّ الشِّتَاءَ قَدْ مَضَى، وَالْمَطَرَ مَرَّ وَزَالَ.

الزُّهُورُ ظَهَرَتْ، بَلَغَ أَوَانُ الْقَضْبِ،

وَصَوْتُ الْيَمَامَةِ Turtle-dove قد سُمِعَ فِي أَرْضِنَا.

التِّينَةُ أَخْرَجَتْ فِجَّهَا،

قُعَالُ الْكُرُومِ تُفِيحُ رَائِحَتَهَا" [١٠-١3].

إنها دعوة للقيامة الأولى، قيامة النفس البشرية في المسيح يسوع من موت الخطية وانطلاقها فوق الأحاسيس الجسدية والشهوات الأرضية، فتعيش حسب الروح لا الجسد.

يعلق العلامة أوريجانوس على هذا النص قائلًا: [يتحدث كلمة الله للتو مع النفس الجميلة النبيلة، التي يظهر لها من خلال أحاسيسها الجسدية -أي خلال قراءتها للكتاب المقدس وإنصاتها للتعليم- كما من الشبابيك، من خلالها يظهر (كلمة الله) كشخص فارع الطول وعظيم يتحدث إليها بالكلمات السابقة، وينحني نحوها يدعوها أن تقوم وتخرج عن نطاق الأحاسيس الجسدية، وتكف عن البقاء داخل نطاق الجسد، بهذا تستحق سماع الصوت: "أنتم لستم في الجسد بل في الروح" (رو ٨: ٩).

ما كان لكلمة الله أن يلقبها قريبته ويتحد بها ويصير معها روحًا واحدًا (١ كو ٦: ١٧) ولا أن يدعوها جميلة، لو لم يرى صورتها تتجدد كل يوم (٢ كو ٤: ١٦). وما كان قد رآها قادرة على تقبل الروح القدس الذي نزل على يسوع في الأردن على شكل حمامة (مت ٣: ٦) ولا دعاها "حمامته" لو لم تكن قد أدركت حب كلمة الله واشتهت الانطلاق إليها مسرعة وهي تقول: "ليت ليّ جناحًا كالحمامة فأطير وأستريح" (مز ٥٥: ٦). إنيّ أطير بعواطفي، أطير بادراكاتي الروحية، وأستريح عندما أدرك كنوز حكمته ومعرفته (كو ٢: ٣).

يبدو ليّ أنه كما أن الذين يتقبلون موت المسيح ويميتون أعضاءهم التي على الأرض يصيرون شركاء في شبه موته (كو ٣: ٥، رو ٦: ٥)، هكذا أيضًا الذين يتقبلون قوة الروح القدس ويتقدسون به ويمتلئون بعطاياه، يصيرون حمامًا، على مثاله إذ ظهر في شكل حمامة. إنهم يرتفعون بجناحي الروح القدس ويطيرون منطلقين من الأرضيات والمحسوسات إلى المواضع السماوية.

ولكي يظهر أن الوقت قد صار مناسبًا لتحقيق هذه الأمور، يتدخل بطريقة منطقية قائلًا: "لأَنَّ الشِّتَاءَ قَدْ مَضَى وَالْمَطَرَ َزَالَ". فإن النفس لا تصير واحدًا مع كلمة الله وتتحد معه ما لم يمضي مثل ذلك الزمان أي يزول كل شتاء اضطراباتها الشخصية وعواصف رذائلها، فلا تعود تهتز ولا تُحمل بكل رياح تعليم (أف ٤: ١٤). عندما تمضي كل هذه الأمور عن النفس، وتهرب عنها عواصف الشهوات، يمكن لزهور الفضائل أن تبدأ في الظهور داخلها، ويحل أوان القضب... عندئذ أيضًا يسمع "صوت اليمامة" الذي يُشير بالتأكيد إلى الحكمة التي ينطق بها المفوض من "الكلمة" بين الكاملين، حكمة الله العميقة المخفية في سرّ (١ كو ٢: ٦).

هذا و ذكر الحمامة Turtle-dove يُشير إلى هذه الحقيقة: أن هذا الطائر يقضي حياته في الأماكن الخفية جدًا والنائية بعيدًا عن الجماهير. إنه يحب الصحارى الجبلية أو المناطق الخفية في الغابات، ويوجد دائمًا بعيدًا عن الجموع غريبًا عن الجماهير.

وماذا أيضًا يُناسب هذا الزمن ومباهجه؟

يقول: "التِّينَةُ أَخْرَجَتْ فِجَّهَا"، فإن الإنسان الروحي الذي تُشير إليه التينة لم يحمل بعد ثمار الروح: محبة وفرح وسلام وبقية هذه الأمور (غل ٥: ٢٢)، إنما بدأ الآن يحمل الفج (البراعم الصغيرة).

حقًا أن الأشجار على اختلاف أنواعها تُفهم في الكنيسة بوجه عام كرمز لنفوس المؤمنين، إذ كتب عنهم: "كل غرس لم يغرسه أبي السماوي يُقلع" (مت ١٥: ١٣). وأيضًا بولس الذي يدعون نفسه "العامل مع الله" في كرمه (١ كو ٣: ٩) يقول: "أنا غرست وأبلوس سقى" (١ كو ٣: ٦). والرب نفسه يقول في الإنجيل: "اجعلوا الشجرة جيدة وثمرها جيدًا" (مت ١٢: ٣٣). هكذا إذ يُفهم الشجر على اختلاف أنواعه في الكنيسة بكونه نفوس المؤمنين، فإن تعدد أنواعه إنما يرمز إلى القوى المختلفة والفضائل المتنوعة لهذه النفوس.

إذن يوجد في النفس التينة التي تخرج فجها كما توجد الكرمة التي تخرج قعالها وتفيح رائحتها الطيبة. أما صاحب الفلاحة فهو الأب السماوي، الذي يُقلم الكرمة حتى تأتي بثمر أكثر (يو ١٥: ١)[87]....

والعجيب أنه وهو يدعوها لخبرة القيامة قائلًا لها "قومي" يقول لها "بلغ أوان القضب" أي أون تقليم الكرم الذي يُشير إلى الصلب والألم... حيث ينزع عنها فروع أعمال إنسانها العتيق والأفكار الجسدانية الزمنية حتى تأتي بثمر روحي أكثر يحمل سمات سماوية! يدخل بها إلى الآلام والصليب حتى تحمل ثمر القيامة. أنه يفصلها عن شتاء برودة الروح القارصة ليدخل بها إلى ربيع الحياة الجديدة المقامة في المسيح يسوع.

ويمكن أيضًا أن نرى هذه الدعوة للقيامة موجهة للعالم كله... لليهود والأمم، فإن شجرة التين تُشير إلى الشريعة، فبنزول الكلمة إلى العالم لم تعد تُفهم الشريعة خلال الحرف القاتل بل أُعطى لنا أن نفهمها روحيًا...

فحمل اليهود الذين قبلوا السيد المسيح ثمر الروح واتسع قلبهم بالحب نحو البشرية كلها. لم يعد الناموس بالنسبة لهم موضع كبرياء وتشامخ على الأمم كما كانوا قبلًا... لذلك يقول "التينة أخرجت فجها". ويقول أيضًا: "بلغ أوان القضب" أي تقليم الكرمة، فإن كانت الكرمة قد أشارت في العهد القديم إلى الشعب اليهودي فإنه يلزم تقليم أغصانها المتعجرفة حتى تقبل عضوية جماعة الأمم معها فتفوح رائحة المسيح الذكية لتملأ العالم كله. يلزم تقليم الكرمة من المفاهيم الزمنية الأرضية ليكون لها الإدراكات الروحية السمائية.

 

القيامة: خروج من البرودة إلى الدفء[88]:

يرى أن هذا الربيع الذي فيه ظهرت الزهور وأخرجت التينة فجها وفاح رائحة قعال الكروم إنما هو من صنع الله، كقول المرتل: "الصيف والربيع أنت خلقتهما" (مز ٧٣: ١٧). فقد انتهى فصل الشتاء القارص البرد وجاء الربيع بدفئه. ففي الشتاء كان الإنسان في برودة الوثنية، قد تحولت طبيعته المتغيرة إلى طبيعة الأشياء الجامدة التي كان يتعبد لها. فإنه كما أن الذين يتطلعون إلى الله الحقيقي يتقبلون سمات الطبيعة الإلهية داخلهم، هكذا الذين يتطلعون إلى بطلان الأوثان يتحولون هم أنفسهم إلى ذات الأشياء التي ينظرون إليها، فيصيرون حجارة لا بشر. بتعبدهم الأوثان صاروا حجرًا غير متحرك وغير قادر على التقدم... لهذا أشرق "شمس العدل" في هذا الشتاء القارص وحل الربيع. أزالت ريح الجنوب هذا الجمود، وبظهور أشعة الشمس ساد الدفء على كل من سقطت عليه الأشعة...

إن كانت برودة الشتاء الوثنية قد حولت الإنسان إلى حجر، فإن الكلمة الإلهي "شمس العدل" قد أشرق محولًا الحجر الصقيع إلى مياه دافئة، كقول المرتل: "المحول الصخرة إلى غدران مياه، الصوان إلى ينابيع مياه"، لقد أخرج من الحجارة أولادًا لإبراهيم (مت ٣: ٩).

في هذا الربيع الذي صنعه الرب (بقيامته)، يدعو الكلمة الإلهي عروسه أن تقوم، قائلًا لها: "قُومِي يَا قريبتي، يَا جَمِيلَتِي، يا حمامتي وَتَعَالَي" [١٠]. هنا الدعوة موجهة للعروس أن تقوم وأن تتقدم في طريق الكمال، ذلك كما قال السيد للمفلوج: "قم أحمل سريرك وأمشي" (مت ٩: ٦)، فإن الكلمة لم يطلب منه فقط أن يحمل سريره بل أمره أن يمشي، وأنّي أظن أنه قصد بالمشي هنا التقدم والنمو في الكمال. هنا أيضًا يأمر عروسه " قُومِي وَتَعَالَي"... هذا الأمر يحمل قوة يقدمها العريس لعروسه أن تقوم وأن تسير في طريق الكمال.

أما دعوته إياها " قريبتي، جَمِيلَتِي، حمامتي" فقد جاءت الكلمات بترتيب دقيق، وكما يقول : [لاحظ ترتيب الكلمات، كيف ترتبط كل كلمة بالسابقة لها. أنظر كيف أن التفكير جاء مترابطًا كما في سلسلة. فإن العروس تسمع الوصية، إنها تحمل قوة التنفيذ بواسطة الكلمة: تقوم، ثم تتقدم، وتصير جميلة، ثم تُدعى حمامة. فإنه كيف يمكنك أن ترى صورة جميلة في مرآة ما لم تتقبل هذه المرآة انعكاسات شكل جميل؟! هكذا أيضًا بالنسبة لمرآة الطبيعة البشرية، فإنه لا يمكنها أن تصير جميلة ما لم يقترب إليها الجميل (الله)، وتتشكل بواسطة صورة الجمال الإلهي. حين سقطت طبيعتنا البشرية على الأرض وتطلعت إلى الحية حملت صورتها. والآن تقوم وتتطلع إلى الصالح معطية ظهرها للخطية، تحمل صورة الصالح الذي تواجهه، إذ تنظر الآن إلى الجمال الأصيل أي الحمامة. إذ تتجه نحو النور تحمل صورة النور، وخلال هذا النور تحمل شكل الحمامة المحبوب، أقصد بالحمامة التي رمزت لحضرة الروح القدس].

هذا هو سرّ الاثمار في الربيع بقيامته اقترب إلينا فاقتربنا إليه (قريبتي)، وحملنا جماله فينا (جميلتي) فصرنا حمامته (إذ حلّ الروح القدس في حياتنا الداخلية).

 

تكرار الدعوة للقيامة:

يكرر السيد الدعوة لخطيبته أن تقوم، قائلًا لها:

"قُومِي وَتَعَالَيْ، يَا قريبتي، يَا جَمِيلَتِي،

يَا حَمَامَتِي فِي مَحَاجِئِ الصَّخْرِ، فِي سِتْرِ الْمَعَاقِلِ.

أَرِينِي وَجْهَكِ، أَسْمِعِينِي صَوْتَكِ،

أَنَّ صَوْتَكِ لَطِيفٌ، وَوَجْهَكِ جَمِيلٌ" [١٣-١٤].

لماذا يكرر الخاطب الدعوة لعروسه أن تقوم؟ يُجيب قائلًا[89]: [بإنه يدعو العروس القائمة أن تقوم ثانية، والتي اقتربت إليه أن تأتي إليه... لأنها يليق بها أن تدخل من مجد إلى مجد (2 كو ٣: ١٨)، وهي دومًا تتطلع إلى ما هي عليه فترى نفسها أقل بكثير مما تود أن تكون عليه. فمع كونها "حمامة" لكمالها في المسيح، لكنه يوصيها مرة أخرى أن تصير "حمامة" أي تدخل إلى حال أكمل، وإذا هي قائمة يدعوها أن تقوم معطيًا إياها قوة للقيام على الدوام ولحياة النمو والتقدم.

في المرة الأولى يدعوها أن تقوم وتأتي إليه: "قومي... وتعالي"، أما الآن فهو يدعوها أن تخرج من بيتها ومن مدينتها وتنطلق إلى محاجئ الصخر إلى ستر المعاقل. فإذ مضى وقت الشتاء الذي فيه أغلقت العروس على ذاتها، يلزمها الآن أن تخرج وتنطلق ليس فقط عن شهوات الجسد الشريرة بل وعن العالم المنظور كله... إنه يدعوها للقاء معه داخل الحصون الأبدية غير المنظورة!

إن كان الرسول قد رأى في الصخرة التي كانت تتبع الشعب قديمًا شخص المسيح نفسه (١ كو ١٠: ٤)، فإن العريس هنا يطلب من عروسه ليس فقط أن تخرج من ذاتها ومن العالم المنظور بل بالحري أن تدخل إلى المسيح نفسه، الصخرة الحقيقية، حتى تعيش معه بغير حجاب أو نقاب... إنما ترى مجده بوجه مكشوف (٢ كو ٣: ١٨)، وتتحدث معه.

دخولها الصخرة للقاء مع العريس يُشير إلى أمانها، فهناك لا تقدر الحية القديمة أن تجد لها مسلكًا، إذ جاء في سفر الأمثال: "ثلاثة عجيبة فوقي وأربعة ولا أعرفها: طريق نسر في السموات وطريق حية على صخر..." (أم ٣٠: ١٨). ويعلق العلامة أوريجانوس على ذلك بالقول[90]: [إنه لا يوجد مسلك للحية (على الصخر)، أي لا يمكن أن يوجد أثر للخطية على هذه الصخرة التي هي المسيح، إذ هو وحده بلا خطية. فإذ تستفيد النفوس من الاحتماء داخل هذه الصخرة، تذهب بسلام إلى موضع الحصون، أي تتمتع بالتأمل في الأمور الأبدية غير الجسدية].

لقد تحدث داود عن هذه الصخرة بطريقة مجازية أخرى في المزمور: "أقام على صخرة رجلي، ثبت خطواتي" (مز ٤٠: ٣). لا تعجب إن كانت الصخرة بالنسبة لداود كأنها أرض أو أساس تسير عليها النفس نحو الله، وهي بالنسبة لسليمان الغطاء الذي يُقام على النفس لتتمتع بأسرار الحكمة الداخلية، فإن السيد المسيح نفسه دُعي مرة الطريق (يو ١٤: ٦) الذي يسير فيه المؤمنون، كما دُعي مرة أخرى بالسابق كقول بولس: "حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا" (عب ٦: ٢٠).

بنفس الطريقة جاء قول الله لموسى: "إنيّ أضعك في نقرة من الصخرة فتنظر ورائي" (خر ٢٣: ٢٢-٢٣). هذه الصخرة هي المسيح، لم تغلق تمامًا بل كان بها نقرة، (وفي نفس الوقت) هذه النقرة من الصخرة هي أيضًا ذاك الذي يعلن الله للناس فيجعله معروفًا لهم، إذ لا يعرف أحد الآب إلاَّ الابن (مت ١١: 2٧). لا يرى أحد وراء الله، أي الأمور التي تحدث في الأزمنة الأخيرة ما لم يدخل في النقرة التي في الصخرة، أي يتعلمها خلال إعلان المسيح نفسه.

إذن دعوة المسيح للنفس بالقيامة إنما هي دعوة للدخول في المسيح يسوع لتلتقي مع الله بوجه مكشوف... "أَرِينِي وَجْهَكِ، أَسْمِعِينِي صَوْتَكِ".

هذا القول لا يعني أن وجهها مخفي عنه أو صوتها مجهول بالنسبة له، لكنه يُريدها أن تدخل إلى الاتحاد معه، فتظهر أمامه في دالة الحب كعروس تظهر بغير قناع، وتتحدث في صراحة كاملة.!

يعلق العلامة أوريجانوس على هذه الدعوة، قائلًا[91]:

[هنا تحت غطاء الصخرة يدعو كلمة الله النفس التي صارت قريبته للدخول إلى الحصون، وكما سبق أن قلنا أنها تعني التأمل في الأمور الأبدية غير المنظورة. هناك يقول لها: "أَرِينِي وَجْهَكِ". فإنه بالتأكيد لا يوجد بعد أثر للقناع القديم الذي كان على وجهها بل صار لها أن تتأمل مجد الله بغير خوف قائلة: "ورأينا مجده مثل مجد ابن وحيد لأبيه مملوء نعمة وحقًا" (يو ١: ١٤)].

وإذ تصير مستحقة أن يُقال عنها ما قيل عن موسى: "موسى يتكلم والله يُجيبه" (خر ١٩: ١٩) يتحقق فيها قوله: "أَسْمِعِينِي صَوْتَكِ". حقًا يا له من مدحٍ عظيم يتمتع به إذ يُقال لها: "صَوْتَكِ لَطِيفٌ!" هكذا قال أيضًا داود الآب الحكيم جدًا: "يلذ له صوتي" (مز ١٠٤: ٣٤)، فإن صوت النفس يكون لطيفًا حينما تنطق بكلمة الله وتفسر الإيمان وتعاليم الحق وتكشف معاملات الله وأحكامه. أما إذا خرج من الفم حديث سخيف أو مزاح منمق أو تفاهات أو كلمات بطالة تعطى عنها حسابًا يوم الدين (مت ١٢: ٣٦) فلا يكون هذا الصوت لطيفًا أو مبهجًا. مثل هذا الصوت لا يعطيه المسيح أذنًا! لهذا فإن النفس الكاملة تضع حافظًا على فمها وبابًا حصينًا على شفتيها حتى يكون ما تنطق به مصلحًا بملح، له نعمة لدى سامعيه (كو ٤: ٦)، فيقول كلمة الله: "صَوْتَكِ لَطِيفٌ".

يقول أيضًا "َوَجْهَكِ جَمِيلٌ". تستطيع أن تدرك أي نوع من "الوجه" هذا الذي مدحه كلمة الله ووصفه أنه جميل أن فهمت ما عناه بولس بالوجه في قوله: "ونحن جميعًا ناظرين... بوجه مكشوف" (٢ كو ٣: ١٨)، وقوله أيضًا: "لكن حينئذ وجهًا لوجه" (١ كو ١٣: ١٢). إنه بلا شك نوع من الوجه يتجدد يومًا فيوم (٢ كو ٤: ١٦)، حسب صورة خالقه (كو ٣: ١٠)، ليس فيه دنس أو غضن أو شيء من مثل ذلك بل يكون مقدسًا وبلا عيب، كالكنيسة التي يحضرها المسيح لنفسه (أف ٥: ٢٧)، بمعنى آخر يعني النفوس التي بلغت الكمال، هذه التي تكون جسد الكنيسة، يظهر هذا الجسد بالحق جميلًا ووسيمًا، متى كانت النفوس التي تتكون منه مثابرة على نوال جمال الكمال. فإنه كما أن النفس حين تكون ثائرة تشوه شكل الوجه الجسدي وتجعله مثيرًا، أما إذا كانت في هدوء فتعطي للوجه شكلًا يحمل سلامًا ورقة، هكذا أيضًا وجه الكنيسة يكون جميلًا أو قبيحًا حسب سمات المؤمنين وطموحهم. لقد كتب "الوجه الطلق يُشير إلى قلب ناجح" (ابن سيراخ 13: 26)، وفي موضع آخر قيل "القلب الفرحان يجعل الوجه طلقًا، وبحزن القلب ينسحق الوجه" (أم ١٥: ١٣). يكون القلب فرحًا متى كان روح الله فيه، هذا الذي أولى ثماره هي المحبة والثانية هي الفرح (غل ٥: ٣٢). وإننيّ أظن أن الحكم العالمية قد أخذت أفكارها من هذه الحقائق إذ قالت أن الحكيم جميل وكل إنسان شرير هو قبيح.

بقي لنا أن نقدم شرحًا مطولًا عن "ستر المعاقل". فإن هذا التعبير كما قلنا قبلًا يعني وجود سور أمام سور، وهذا ما عبر عنه إشعياء: "يجعل الخلاص سورًا وسورًا حولها" (إش ٢٦: ١). السور يُشير إلى المدينة، والسور الآخر الذي أمام الأول أو حوله فيُشير إلى حصانات أعظم وأقوى. وكان كلمة الله يدعو النفس ويقودها من أهتماماتها الجسدية وإدراكاتها الحسية ويخرج بها ليعلمها أسرار الحياة الأخرى، فتكون في حصانة حتى إذ تتقوى وتُحاصر بالرجاء في الأبديات، لا يسحبها طعم ما ولا تقلقها التجارب.

هكذا فإن دعوة السيد المسيح للكنيسة أو للنفس البشرية لخبرة القيامة، إنما هي دعوة للانطلاق من الذات البشرية والخروج عن الجسديات. وعبور إلى الحياة الجديدة السماوية... هي دخول إلى "سِتْرِ الْمَعَاقِلِ" أي إلى حضن الآب السماوي الذي فيه تتحصن الكنيسة كحمامة المسيح. هكذا يُريد المسيح القائم من الأموات أن يدخل بمؤمنيه إلى حضن أبيه ويعلن لهم الأسرار الإلهية إذ يقول لهم: "الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبر" (يو 1: ١8). مرة أخرى يقول: "أنيّ أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي" (يو 15: 15)، وأيضًا: "أيها الآب أُريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي" (يو ١٧: ٢٤).

إنه يدعوها للاتحاد به "الصخرة الحقيقية" والدخول معه إلى حضن أبيه "ستر المعاقل" لتكون معه إلى الأبد... هذه هي الحصون الأبدية التي تُضفي على الكنيسة جمالًا فيكون صوتها لطيفًا ووجهها جميلًا.!

هكذا يدعو الخاطب خطيبته أن تطير من نطاق الفكر الجسدي إلى الفكر الروحي، فلا تعود حمامة رعناء (هو ٧: ١١) بل يراها وديعة طاهرة يشتاق إلى صلواتها والتصاقها به... يرى وجهها على الدوام ويسمع صوتها.

2

يحذرها من الواشين

إن كان "كلمة الله" قد نزل إلى الإنسان يمد له يده، وقد قبله الإنسان، فإنه يعود فيحذره من الواشين، العاملين على تحطيم اتحاد الله مع الإنسان المؤمن، قائلًا:

"خُذُوا (أمسكوا) لَنَا الثَّعَالِبَ الثَّعَالِبَ الصِّغَارَ الْمُفْسِدَةَ الْكُرُومِ،

لأَنَّ كُرُومَنَا قَدْ أَقْعَلَتْ (أزهرَتْ)" [١٥].

في تكراره كلمة "الثعالب" تحذير منها، إذ هي تزحف بخفة وتدخل من الثقوب الصغيرة لتفسد الكرم في بدء نموه... بهذا تفسد كميات ضخمة من الثمار المقبلة، فمع صغرها تفسد نمو الإنسان ونضوجه.

 

ما هي هذه الثعالب الصغيرة؟

1. إن أخذنا هذا التحذير موجهًا من السيد المسيح إلى المؤمن أو النفس التي ترتبط بمسيحها فإن هذه الثعالب الصغيرة قد تكون خطايا نحسبها هينة كالكذب الأبيض أو الهزل... وقد تكون أصدقاء ظرفاء أو كتبًا معينة أو مكانًا معينًا... لهذا يليق بنا أن نحفظ كل أبوابنا الداخلية مغلقة تجاه أي ثعلب صغير، ممتنعين عن كل شبه شر (١ تس ٥: ٢٢).

ويرى العلامة أوريجانوس أن هذه الثعالب الصغيرة [هي قوى الشياطين المضادة التي تُحطم زهور الفضائل في النفس وتبدد ثمر الإيمان خلال الأفكار الفاسدة والمفاهيم المضللة التي تبثها[92]]. كما يقول أيضًا: [إنه بالتأكيد في لحظة الخطية، يكون روح شرير ما حاضرًا في قلب الإنسان، وهناك يعمل. إننا نسمح له بالدخول ونستقبله في داخلنا بميولنا الشريرة[93]].

وكما يقول القديس مرقس الناسك: [يقدم لنا الشيطان خطايا صغيرة تبدو كأنها تافهة في أعيننا، لأنه بغير هذا لا يقدر أن يقودنا إلى الخطايا العظيمة[94]].

2. إذا أخذنا هذا التحذير موجهًا من السيد المسيح إلى الكنيسة، يقول العلامة أوريجانوس: [فإن هذه الكلمات تظهر موجهة إلى معلمي الكنيسة، فتُطعي لهم الأوامر باقتناص الثعالب المفسدة الكروم. هنا تُفهم الثعالب بكونها المعلمين الذين يروجون التعاليم الهرطوقية، هؤلاء الذين يضللون قلوب البسطاء ويفسدون كرم الرب فلا يأتي بزهر الإيمان الأرثوذكسي مستخدمين حججهم المنمقة. لهذا تعطى الأوامر لمعلمي الكنيسة الجامعة أن يسرعوا إلى انتهار هذه الثعالب ومقاومتها وهي بعد صغيرة ومبتدئة في تعاليمها الفاسدة، وأن يُخضعوا مقاومي كلمة الحق ويأسروهم بإظهار الحق[95]].

 

الثعالب الصغار في الكتاب المقدس[96]:

جاء في سفر المزامير: "أما الذين يطلبون نفسي للهلاك فسيدخلون إلى أسافل الأرض يُدفعون إلى يد السيف ويكونون نصيبًا لبنات آوي (الثعالب)" (مز ٦٣: ٩-١٠). هؤلاء هم المعلمون الأشرار الذين يرغبون في خداع النفس فيدفعون بالكلمات المنمقة الباطلة للهلاك، يستخدمون الحكمة الأرضية الزمنية فيدخلون بنفوس الأبرار إلى أسافل الأرض بدلًا من أن يرتفعوا بها نحو الأبديات والسمويات، ويجعلون من نفوسهم ونفوس من يعلمونهم نصيبًا للثعالب (التعاليم الشريرة أو الشياطين) بدلًا من أن يكونوا من نصيب الرب. لمثل هؤلاء يقول الرب "للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه" (مت ٨: ٢٠). هؤلاء لا يجد الرب له مكانًا في قلوبهم ليستريح، إنما تستريح الشياطين (الثعالب) وتتحول نفوسهم إلى أوجرة لها.

إذ صار هيرودس مضللًا دعاه الرب أيضًا ثعلبًا (لو ١٣: ٣١).

وفي سفر القضاة نجد شمشون قد أمسك ثلاث مئة ثعلبًا وأخذ مشاعل وجعل ذنبًا إلى ذنب ووضع مشعلًا بين كل ذنبين في الوسط، ثم أضرم المشاعل نارًا وأطلقها بين زروع الوثنيين الغرباء فأحرق الأكداس والزروع وكروم الزيتون (قض ١٥: ٣-٥). إنه يمثل المعلم الحقيقي والأمين الذي يعرف كيف يجمع كل الهرطقات ويربط أذيالها مع بعضها البعض مظهرًا تعارض الهرطقات ضد بعضها البعض، وإذ يلهب فيها نار الحق تحترق حقول الشر والبدع والهرطقات.

وفي سفر نحميا يقف طوبيا العموني مستهزئًا بما يفعله نحميا قائلًا: "إن ما يبنونه إذا صعد ثعلب فإنه يهدم حجارة حائطهم" (نح ٤: ٣). هذه صورة رمزية لما يفعله العالم حين يرى أسوار الإنجيل قد ارتفعت بالمؤمنين الحجارة الحية الذين انطلقوا من سبي الخطية ليصيروا سورًا وهيكلًا على مستوى سماوي. يستهزئ العالم قائلًا إن الإنجيل لم يقم على أساسات فلسفية أرضية، حاسبين أن أي ثعلب أو حجة أرضية قادرة على هدمه.!

لقد علمنا الكتاب المقدس أن نحذر الثعالب الصغيرة لكن لا نخافها، فقد أعطينا سلطانًا أن ندوس على الحيات والعقارب وكل قوة العدو (لو ١٠: ١٩)... إننا نقول بالمسيح يسوع "طوبى لمن يمسك أطفالك ويدفنهم عند الصخرة" (مز ١٣٧: ٩). فإننا نُجاهد لنحطم الشر منذ بدء انطلاقه وندفنه تحت أقدام المسيح صخرتنا.

 

صيادو الثعالب الصغيرة:

يرى [97] أن صيادي الثعالب الصغار هم القوات الملائكية أو جماعة الرسل القديسين:

1. ربما يكونون القوات الملائكية الذين يصحبون الرب في نزوله على الأرض، ويعملون لحساب ملكوته، فقد قيل عن الرب أنه قوي وقدير في المعركة (مز ٢٣: ٨).

2. قد يمثلون الرسل الذين أُرسلوا لاصطياد مثل هذه الحيوانات المفترسة من قلوب البشر ليجعلوا لابن الإنسان موضعًا يسند رأسه فيها.

الصفحة الرئيسية