الخلاص وبدعة الحصول عليه في لحظة

مقدمة
الخلاص والصليب
الخلاص والإيمان
الخلاص والمعمودية
الخلاص وسر التوبة
الخلاص وسر المسحة
الخلاص وسر التناول
الخلاص والكنيسة والكهنوت
الخلاص والجهاد
الخلاص والأعمال
الخلاص واللحظة
الخلاص والمراحل
الخلاص والضمان الأبدي
الخاتمة
حمل هذا الكتاب

عودة للصفحة الرئيسية

الخلاص والكنيسة والكهنوت


عندما نتكلم عن أهمية ولزوم الكنيسة والكهنوت لنيل الخلاص يلزمنا أن نناقش الحقائق التالية :



· دور الكنيسة في توصيل الخلاص. 
· الكنيسة والبعد الأفقي للخلاص.
· تفويض السلطة للكنيسة لحماية الإيمان.
· تفويض السلطة للكنيسة للحماية من الإنشقاقات. 


1- دور الكنيسة في توصيل الخلاص:

الكنيسة هي سفارة السماء علي الأرض ، التي فوض السيد المسيح خدامها نيابة عنه ، للمناداة باسمه وتوصيل بركات الخلاص إلي الناس يتضح ذلك جلياً من خلال تصريحات رب المجد العديدة التي نقتبس منها ما يلي: "اذهبوا إلي العالم أجمع وأكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها" (مر15:16). وقوله أيضاً : "دفع إليً كل سلطان في السماء وعلي الأرض فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم باسم الآب والابن والروح القدس وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به وها أنا معكم كل الأيام إلي انقضاء الدهر" (مت18:28-20).

وفيما يلي يوضح السيد المسيح كيف فوض تلاميذه نيابة عنه إذ يقول "كما أرسلني الآب أرسلكم أنا ولما قال هذا نفخ وقال لهم اقبلوا الروح القدس من غفرتم خطاياه تغفر له ومن أمسكتم خطاياه أمسكت" (يو21:20-23).

وفي صلاة السيد المسيح الوداعية يذكر هذا التفويض الإلهي إذ قال للآب "كما أرسلتني إلي العالم أرسلتهم أنا إلي العالم" (يو18:17).

وبناء علي هذا التفويض يقرر الرب قائلاً: "من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني" (مت 40:10).

ثم يلمح إلي خطورة من يرفض هذا التفويض المعطي للرسل والكنيسة بقوله: "الذي يسمع منكم يسمع مني والذي يرذلكم يرذلني والذي يرذلني يرذل الذي أرسلني" (لو16:10).

وعلاوة علي تصريحات الرب هذه وغيرها نستطيع أن نري تأكيدات متعددة من الرب ليرسخ هذا التفويض الذي أعطاه للكنيسة بأن تنوب عنه في توصيل بركات الخلاص للناس نورد مثلين فقط للتدليل علي ذلك:

توصيل بركات الخلاص إلي كرنيليوس القائد عن طريق بطرس الرسول فقد أرسل الرب ملاكاً إلي كرنيليوس ليطلب بطرس الرسول ليكلمه ويعمده بناء علي التفويض المعطي للكنيسة هذا ما قرره كرنيليوس بنفسه أمام القديس بطرس بقوله: "في الساعة التاسعة كنت أُصلي في بيتي وإذا رجل قد وقف أمامي بلباس لامع وقال يا كرنيليوس سمعت صلاتك وذكرت صدقاتك أمام الله فأرسل إلي يافا واستدع سمعان الملقب بطرس فهو متي جاء يكلمك فأرسلت إليك حالا ًوالآن نحن جميعاً حاضرون أمام الله لنسمع جميع ما أمرك به الله" (أع 10 :30 –33 ) وهكذا قام القديس بطرس الرسول بحسب التفويض المعطي له وللكنيسة بالحديث عن خلاص الرب وقام أيضاً بتعميد كرنيليوس ومن له فنالوا بركات الخلاص.

توصيل بركات الخلاص إلي شاول الطرسوسي علي يد القديس حنانيا: رغم أن الرب بذاته ظهر له في الطريق إلي دمشق وتحدث معه إلاَّ أنه أرشده إلي الكنيسة لتوصيل له بركات الخلاص إذ قال له الرب: "قم وادخل المدينة فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل" (أع9 :6).

ومن الناحية الأخرى ظهر الرب في رؤيا لكاهن الكنيسة في دمشق وأرسله إلي شاول ليعمده ويهبه بركات الخلاص (أع10:9-16) وبناء علي هذه الرؤية يقول الكتاب: "فمضي حنانيا ودخل البيت ووضع عليه يديه وقال أيها الأخ شاول قد أرسلني الرب يسوع الذي ظهر لك في الطريق الذي جئت فيه لكي تبصر وتمتلئ من الروح القدس فللوقت وقع من عينيه شيء كأنه قشور فأبصر في الحال وقام واعتمد" (أع9:17 ،18).

اكتفي بهذين المثلين للتدليل علي التفويض الذي أعطاه الرب للكنيسة لتنوب عنه في توصيل بركات الخلاص للناس.

وعن هذا قال قداسة البابا شنوده الثالث :
{إن الخلاص العظيم الذي قدمه السيد المسيح علي الصليب تنقله الكنيسة بعمل الروح القدس فيها إلى الناس وذلك بتكليف من السيد المسيح نفسه وذلك عن طريق ثلاثة أمور هي: خدمة الكلمة، وخدمة الأسرار، وخدمة المصالحة والرعاية} 
(بدعة الخلاص في لحظة - قداسة البابا شنوده الثالث – ص44)


2- الكنيسة والبعد الأفقي للخلاص:
الكنيسة هي جسد الرب يسوع المسيح وهو رأسها هذا ما وضحه معلمنا بولس الرسول بقوله: "وإياه جعل رأساً فوق كل شيء للكنيسة التي هي جسده ملء الذي يملأ الكل في الكل" (أف 1 :22 ،23).


وكل من يدخل إلى حظيرة الخلاص إنما يصبح عضواً في جسد المسيح الذي هو الكنيسة من هنا نستطيع أن ندرك أبعاد قول الكتاب: "وكان الرب كل يوم يضم إلي الكنيسة الذين يخلصون" (أع 2 :47).

والواقع إن ترابط أعضاء الجسد أي وحدانية الإيمان هي النهاية التي نسعى إليها وفقاً لقول القديس بولس الرسول: "إلي أن ننتهي جميعنا إلي وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله إلي إنسان كامل إلي قياس قامة ملء المسيح، كي لا نكون في ما بعد أطفالاً مضطربين ومحمولين بكل ريح تعليم بحيل الناس بمكر إلي مكيدة الضلال بل صادقين في المحبة ننموا في كل شيء إلى ذاك الذي هو الرأس الذي منه كل الجسد مركباً معاً ومقترناً بمؤازرة كل مفصل حسب عمل على قياس كل جزء يحصل نمو الجسد لبنيانه في المحبة" (أف 4 :13 –16 ).

وقد أكد معلمنا بولس الرسول ضرورة التحام الأعضاء بعضها ببعض في جسد المسيح بقوله: "هكذا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح وأعضاء بعضاً لبعض كل واحد للآخر" ( رو 12 :5 ).

فكيف يمكن أن يتم هذا التلاحم وهذا الارتباط بين المؤمنين أعضاء جسد المسيح إذا كان الخلاص هو مجرد علاقة فردية أي عمودية بين الإنسان والله؟

إذاً فالارتباط بالكنيسة والالتحام ببقية أعضاء الجسد الواحد هو الجانب الأفقي الحتمي في الخلاص. وبدون ذلك يكون الخلاص غير كامل أو مجرد خداع لأنه يكون بهذا يدعوا إلي الفردية والانفصالية والتمزق بين أعضاء الجسد الواحد الأمر الذي يتعارض مع خطة الله التي وضحها القديس بولس الرسول بقوله: "وأما الآن فقد وضع الله الأعضاء كل واحد منها في الجسد كما أراد... فالآن أعضاء كثيرة لكن الجسد واحد ... لكن الله مزج الجسد... لكي لا يكون انشقاق في الجسد وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفراداً" (1كو12 :18 –27 ).


كما شبه معلمنا بولس الرسول الكنيسة بالجسد شبهها معلمنا بطرس الرسول بالبيت والمؤمنين بالحجارة إذ قال: "كونوا أنتم أيضاً مبنيين كحجارة حية بيتاً روحياً" (1بط5:2).

فالمؤمنين الذين دخلوا من باب الخلاص، إنما دخلوا ليصبح كل واحد منهم حجراً حياً مرصوصاً جنب بقية المؤمنين ليكونوا بيتاً واحداً روحياً. ومن هنا نستطيع أن ندرك قول معلمنا بولس الرسول بأن جميع المؤمنين هم هيكل واحد وليس كل واحد منهم هيكلاً منفصلاً قائماً بذاته إذ قال: "أما تعلمون إنكم هيكل الله (ولم يقل هياكل بل هيكلاً واحداً) وروح الله يسكن فيكم" (1كو 3 :16)، ثم يستطرد معلمنا بولس الرسول ذاكراً حقيقة في منتهى الخطورة إذ يقول: "إن كان أحد يفسد هيكل الله الذي هو جسد المسيح أي الكنيسة فيفسده الله لأن هيكل الله مقدس الذي أنتم هو" (1كو3 :17).

من هذا يتضح أن الكنيسة ليست شيئاً عرضياً أو خارجاً عن خطة الخلاص، وإنما هي في صميم تدبير الله الخلاصي إذ هي جسده وبيته وهيكله فكيف يخرج أحد عن هذا التدبير الإلهي ويدعي أنه نال خلاصاً نحن لا ننكر أن الخلاص هو علاقة شخصية مع الله ولكنه بالتأكيد ليس علاقة فردية وإنما هو علاقة شخصية جماعية فخطورة العلاقة الفردية أنها تلغي الكنيسة. 


وفي هذا الصدد قال قداسة البابا شنوده الثالث:
{مع التركيز علي الإيمان والنعمة تصبح حياة الإنسان مجرد علاقة فردية بينه وبين الله وتختفي كلمة الكنيسة وكلمة الكنهوت وكلمة الأسرار من حياة الإنسان الروحية} (بدعة الخلاص في لحظة - قداسة البابا شنوده الثالث – ص15).

3- تفويض السلطة للكنيسة لحماية الإيمان:
لقد فوض الرب للكنيسة سلطة التعليم إذ قال للتلاميذ "دُفِعَ إليً كل سلطان في السماء وعلي الأرض فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به" (مت 28 :18 –20).

ليس هذا فحسب بل أعطاهم أيضاً سلطة لحفظ التعليم السليم وحماية الإيمان الصحيح ولذلك عندما ظهر انحراف في التعليم في العصر الرسولي وهو ما عُرف بحركة التهود التي كانت تنادي بأن المؤمنين من الأمم يجب أن يلتزموا بالقديم أولاً، اجتمعت الكنيسة وفصلت في هذا الأمر بما أعطي لها من سلطان، لذلك سجل القديس لوقا كاتب سفر الأعمال قائلاً: "فاجتمع الرسل والمشايخ (الكهنة) لينظروا في هذا الأمر" (أع 6:15) وبعد أن حسموا القضية، سجل أيضا ًسفر الأعمال أنه "حينئذ رأى الرسل والمشايخ (الكهنة) مع كل الكنيسة أن يختاروا رجلين منهم فيرسلوهما إلى أنطاكية" (أع 22:15) وقد حرص القديس لوقا الرسول أن يوضح سلطة الكنيسة في هذا المجمع، إذ أورد الحكم النهائي في هذا الأمر فقال: "لأنه قد رأي الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلاً أكثر غير هذه الأشياء الواجبة أن تمتنعوا عما ذُبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنا" ( أع 15 :18 ،19 ).

واليك واقعة أخرى توضح السلطان المفوض للكنيسة من جهة حماية الإيمان وبالتالي حماية مسيرة المؤمن في الطريق السليم للخلاص فبهذا السلطان كتب القديس بولس الرسول لأهل غلاطية محذراً إذ يقول: "إني أتعجب أنكم تنقلون هكذا سريعاً عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلي إنجيل آخر ليس هو آخر غير أنه يوجد قوم يزعجونكم ويريدون أن يحولوا إنجيل المسيح ولكن إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم فليكن أناثيما (أي محروماً) كما سبقنا فقلنا أقول الآن أيضاً إن كان أحد يبشركم بغير ما قبلتم أناثيما" (غل1 :6-9).

والأكثر من ذلك نري الرب يسوع المسيح في سفر الرؤيا يعاتب ملاك (أسقف) كنيسة برغامس علي عدم قيامه بمسئولية حماية الإيمان من التعاليم المنحرفة التي تشوه مسيرة الخلاص فيقول: "عندي عليك قليل أن عندك هناك قوماً متمسكين بتعليم بلعام هكذا عندك أنت أيضاً قوم متمسكون بتعاليم النقولاويين الذي أبغضه" (رؤ14:2-15).

من كل هذا يتضح أهمية دور الكنيسة في حماية الإيمان بحسب السلطة التي فوضها الله لرجالها:

4- تفويض السلطة للكنيسة للحماية من الإنشقاقات:
لماذا حرص القديس بولس الرسول أن يذهب إلي الكنيسة في أورشليم ليعتمد خدمته رغم ظهور الرب له وحديثه معه عن إرساليته إلي الأمم والولاة؟ هذا ما سجله في رسالته إلي أهل غلاطية إذ قال: "صعدت أيضاً إلي أورشليم مع برنابا … وعرضت عليهم الإنجيل الذي أكرز به بين الأمم، ولكن بالانفراد علي المعتبرين لئلا أكون أسعى أو قد سعيت باطلاً… فإذ علم بالنعمة المعطاة لي يعقوب وصفا ويوحنا المعتبرون أنهم أعمدة أعطوني يمين الشركة" (غل1:2-10)

ما هو السبب وراء هذا الأمر؟ 
أليس الحفاظ علي وحدانية الإيمان ووحدة الكنيسة فإن كان هذا هو شأن معلمنا بولس الرسول في اعترافه بسلطة الكنيسة وحفاظها علي الوحدانية المقدسة فحرص علي أن تعتمد خدمته لئلا يكون قد سعي أو يسعى باطلاً فماذا يكون الحكم علي حركات الانسلاخ التي ينحرف إليها البعض دون أن يرسلوا من الكنيسة ؟ ألاً يكون سعيهم باطلاً ؟!!

هل يظن أي فرد ينفصل عن جسد المسيح – أي الكنيسة – أنه يسلك حقاً في خطة الله وتدبيره من أجل الوحدانية أم أن سرطان الانشقاق قد أصابهم هذا المرض الذي حذر منه معلمنا بولس الرسول بقوله: "لا يكون بينكم انشقاقاً هل أنقسم المسيح" (1كو13:10). وأكد هذا التحذير أيضاً بقوله: "لكي لا يكون انشقاق في الجسد وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفراداً: (1كو25:12-27).

لذلك فإنه بحسب التفويض المعطى للكنيسة لحماية مسيرة الإيمان والخلاص من الانحراف والتمزق والانشقاق لا يمكن لأحد أن يقوم بالخدمة دون أن ترسله الكنيسة. 

وهذا هو ما وضحه قداسة البابا شنوده الثالث بقوله:

{وخدمة الكلمة لا يقوم بها إلاَّ الرسل من الكنيسة لذلك لنا دعا الروح القدس برنابا وشاول لهذه الخدمة أحالهما إلي الكنيسة}


واستطرد قداسته قائلاً:

{وقال الروح القدس: "افرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه" (أع 13) إنها دعوة من الروح القدس. ولكن لابد أن تمرعن طريق الكنيسة من خلال القنوات الشرعية التي عهد لها الله بهذه الخدمة: "فصاموا حينئذ وصلوا ووضعوا عليهما الأيادي وأطلقوهما بسلام" وهكذا عملا في خدمة الكلمة (أع13 :2 ، 3 )}

(بدعة الخلاص في لحظة - قداسة البابا شنوده الثالث – ص45،46).


وبناء علي السلطان المفوض للكنيسة من الرب يسوع المسيح للحماية من الإنشقاقات وحفظ الإيمان وطريق الخلاص من الانحرافات اجتمعت الكنيسة في المجامع المكانية والمجامع المسكونة للنظر في موضوع البدع والهرطقات التي كانت تظهر من حين لآخر، وكما هو معروف فقد أنعقد المجمع المسكوني الأول في نيقية سنة 325م للنظر في بدعة آريوس الهرطقي الموجة ضد لاهوت السيد المسيح له المجد وكان بطل هذا المجمع القديس أثناسيوس الرسول الذي وضع قانون الإيمان وأقره هذا المجمع الذي حرم آريوس وتعليمه.


وانعقد المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية سنة381م للنظر في بدعة مكدونيوس أسقف القسطنطينية الموجهة ضد لاهوت الروح القدس وقرر المجمع حرمان مكدونيوس ووضع تكملة قانون الإيمان ((نعم نؤمن بالروح القدس الرب المحيي)).

كما أنعقد المجمع المسكوني الثالث في أفسس سنة431م للنظر في بدعة نسطور الهرطوقي الموجهة ضد لاهوت السيد المسيح أيضاً وضد تلقيب السيدة العذراء بوالدة الإله وقرر المجمع قطع نسطور وبدعته ووضع مقدمة قانون الإيمان ((نعظمك يا أم النور الحقيقي ونمجدك أيتها العذراء القديسة والدة الإله))

وهكذا تمارس الكنيسة سلطانها للحماية من الإنشقاقات والتمزق لحفظ الإيمان والمسلمات من الانحراف حتى لا تطمس معالم طريق الخلاص.